← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَسَار بسيرة أَبِيه وجده فِي الْعدْل فَكَانَ النَّاس فِي أَيَّامه فِي أَمن ودعة إِلَى أَن توفّي فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وعهد بِالْأَمر لِأَخِيهِ يحيى بن مُحَمَّد على مَا سَيَأْتِي الْخَبَر عَن دولة يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس قَالَ ابْن خلدون قَامَ يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بِالْأَمر وامتد سُلْطَانه وعظمت دولته وَحسنت آثَار أَيَّامه واستبحر عمرَان فاس وبنيت بهَا الحمامات والفنادق للتجار وبنيت خَارِجهَا الأرباض ورحل إِلَيْهَا النَّاس من الثغور القاصية وَقَالَ ابْن أبي زرع قصد إِلَيْهَا النَّاس من الأندلس وإفريقية وَجَمِيع بِلَاد الْمغرب بِنَاء مَسْجِد الْقرَوِيين بفاس قَالَ ابْن أبي زرع كَانَ مَوضِع مسج الْقرَوِيين أَرضًا بَيْضَاء لرجل من هوارة كَانَ وَالِده قد حازها أَيَّام بِنَاء فاس وَلما قدم وَفد القيروان على إِدْرِيس الْأَصْغَر حَسْبَمَا تقدم كَانَ فيهم امْرَأَة اسْمهَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد الفِهري وتكنى أم الْبَنِينَ فَنزلت فِي أهل بَيتهَا بِالْقربِ من مَوضِع الْمَسْجِد الْمَذْكُور ثمَّ مَاتَ زَوجهَا وإخوتها فورثت مِنْهُم مَالا جسيما وَكَانَ من حَلَال فَأَرَادَتْ أَن تنفقه فِي وُجُوه الْخَيْر وَكَانَت لَهَا نِيَّة صَالِحَة فعزمت على بِنَاء مَسْجِد تَجِد ثَوَابه عِنْد الله فاشترت الْبقْعَة من رَبهَا وشرعت فِي حفر أساس الْمَسْجِد وَبِنَاء جدرانه وَذَلِكَ يَوْم السبت فاتح رَمَضَان الْمُعظم سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فبنته بالطابية والكدان

стр. 177

وَكَانَت الطَّرِيقَة الَّتِي سلكتها فِي بنائِهِ أَنَّهَا التزمت أَن تَأْخُذ التُّرَاب وَغَيره من مَادَّة الْبناء من نفس الْبقْعَة دون غَيرهَا مِمَّا هُوَ خَارج عَن مساحتها فحفرت فِي أعماقها كهوفا وَجعلت تستخرج مِنْهَا التُّرَاب الْجيد وَالْحجر الكدان وتبني بِهِ وأنبطت بهَا بِئْرا يستقى مِنْهَا المَاء للْبِنَاء وَالشرب وَغير ذَلِك وَكَانَ ذَلِك كُله تحريا مِنْهَا أَن لَا تدخل فِي بِنَاء الْمَسْجِد شُبْهَة فَعَادَت بركَة نِيَّتهَا وورعها على الْمَسْجِد الْمَذْكُور حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا ترى قَالُوا وَلم تزل فَاطِمَة الْمَذْكُورَة صَائِمَة من يَوْم شرع فِي بنائِهِ إِلَى أَن تمّ وصلت فِيهِ شكرا لله تَعَالَى وَكَانَت مساحة الْمَسْجِد يَوْم بني أَربع بلاطات وصحنا صَغِيرا وَجعلت محرابه فِي مَوضِع الثريا الْكُبْرَى وَجعلت طوله من الغرب إِلَى الشرق مائَة وَخمسين شبْرًا وَبنت بِهِ صومعة غير مُرْتَفعَة بِموضع الْقبَّة الَّتِي على رَأس العنزة الْيَوْم وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن انقرضت دولة الأدارسة وَجَاءَت دولة زناتة من بعْدهَا وأداروا السُّور على العدوتين مَعًا الْقرَوِيين والأندلس وَزَادُوا فِي مسجديهما زِيَادَة كَثِيرَة فنقلوا الْخطْبَة من مَسْجِد الشرفاء إِلَى مَسْجِد الْقرَوِيين وَمن مَسْجِد الْأَشْيَاخ إِلَى مَسْجِد الأندلس وَذَلِكَ صدر الْمِائَة الرَّابِعَة ثمَّ لما استولى عبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس على فاس وبلاد العدوة اسْتعْمل على فاس عَاملا لَهُ اسْمه أَحْمد بن أبي بكر الزناتي ثمَّ اليفرني فَاسْتَأْذن النَّاصِر فِي إصْلَاح مَسْجِد الْقرَوِيين وَالزِّيَادَة فِيهِ فَأذن لَهُ وَبعث إِلَيْهِ بِمَال من خمس الْغَنَائِم فَزَاد فِيهِ زِيَادَة بَيِّنَة وأزال الصومعة الْقَدِيمَة عَن موضعهَا وَبنى الصومعة الْمَوْجُودَة الْآن وَكتب على بَابهَا فِي مربعة بالجص واللازورد هَذَا مَا أَمر بِهِ أَحْمد بن أبي بكر الزناتي هداه

стр. 178

الله ووفقه ابْتِغَاء ثَوَاب الله وجزيل إحسانه وابتدأ الْعَمَل فِي هَذِه الصومعة يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَفرغ من بنائها فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَركب فِي أَعلَى المنارة سيف الإِمَام إِدْرِيس بن إِدْرِيس تبركا بِهِ وَذَلِكَ أَن بعض حفدة إِدْرِيس ﵀ تنازعوا فِي السَّيْف الْمَذْكُور وَأَرَادَ كل أَن يحوزه لنَفسِهِ فَقَالَ لَهُم الْأَمِير أَحْمد بن أبي بكر هَل لكم فِي أَن تبيعوني هَذَا السَّيْف قَالُوا وَمَا تصنع بِهِ قَالَ أجعله فِي أَعلَى المنارة فَقَالُوا أما إِذا أردْت هَذَا فَنحْن نهبه لَك مجَّانا فوهبوه لَهُ فَرَكبهُ فِي أَعلَى المنارة وَكَانَت مَبْنِيَّة من الْحجر المنجور وفيهَا ثقب يعشش فِيهَا الطير من الْحمام والزرزور وَغَيرهمَا ويتأذى الْمَسْجِد وَالنَّاس بهَا وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة أَيَّام السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فَاسْتَأْذن القَاضِي أَبُو عبد الله بن أبي الصَّبْر السُّلْطَان يُوسُف الْمَذْكُور فِي تلبيس المنارة وتبييضها فَأذن لَهُ فلبسها وبيضها ودلكها حَتَّى صَارَت كالمرآة الصقلية وَقَالَ ابْن خلدون ثمَّ أوسع فِي خطه الْمَسْجِد الْمَذْكُور الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس وَأعد لَهُ السِّقَايَة والسلسلة بِبَاب الحفاة ثمَّ أوسع فِي خطته عَليّ بن يُوسُف اللمتوني ثمَّ مُلُوك الْمُوَحِّدين وَبني مرين واستمرت الْعِمَارَة بِهِ وانصرفت هممهم إِلَى تشييده والمنافسة فِي الاهتبال بِهِ فَبلغ الاحتفال فِيهِ مَا شَاءَ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُور فِي تواريخ الْمغرب أه وَفِي أَيَّام يحيى بن مُحَمَّد صَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَامَ رجل مُؤذن بِنَاحِيَة تلمسان يَدعِي النُّبُوَّة وَتَأَول الْقُرْآن على غير وَجهه فَاتبعهُ خلق كثير من الغوغاء وَكَانَ من بعض شرائعه أَنه ينْهَى عَن قصّ الشّعْر وتقليم الْأَظْفَار ونتف الإبطين والاستحداد وَأخذ الزِّينَة وَيَقُول لَا تَغْيِير لخلق الله فَأمر أَمِير

стр. 179

تلمسان بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فهرب وَركب الْبَحْر من مرسى هنين إِلَى الأندلس فشاع بهَا أَيْضا خَبره وَتَبعهُ من سُفَهَاء النَّاس أمة عَظِيمَة فَبعث إِلَيْهِ ملك الأندلس فاستتابه فَلم يتب فَقتله وصلبه وَهُوَ يَقُول أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله الخبرعن دولة يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس لما توفّي يحيى بن مُحَمَّد الَّذِي بنى مَسْجِد الْقرَوِيين فِي أَيَّامه ولي الْأَمر من بعده ابْنه يحيى بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس فاساء السِّيرَة وَكثر عيثه فِي الْحرم وَدخل على جَارِيَة من بَنَات الْيَهُود فِي الْحمام وَكَانَت بارعة فِي الْجمال فَرَاوَدَهَا عَن نَفسهَا فاستغاثت وبادر النَّاس إِلَيْهَا بالإنكار وثابت الْعَامَّة عَلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن أبي سهل الجذامي وَكَانَت زَوْجَة يحيى الْمَذْكُور وَهِي عَاتِكَة بنت عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس صَاحب الرِّيف والسواحل أشارت عَلَيْهِ بالاختفاء بعدوة الأندلس ريثما تسكن الْفِتْنَة فتوارى بهَا فَمَاتَ من ليلته أسفا على مَا صنع بِنَفسِهِ وَمَا وَقع فِيهِ من الْعَار وَاسْتولى عبد الرَّحْمَن بن أبي سهل على فاس وَقَامَ بأمرها فَكتبت عَاتِكَة بنت عَليّ إِلَى أَبِيهَا تعلمه بالْخبر واستدعاه مَعَ ذَلِك أهل الدولة من الْعَرَب والبربر والموالي فَجمع حشمه وجيشه وَجَاء إِلَى فاس فاستولى عَلَيْهَا وَانْقطع الْملك من عقب مُحَمَّد بن إِدْرِيس وَصَارَ بعد هَذَا تَارَة يكون فِي عقب عمر بن إِدْرِيس صَاحب الرِّيف وَتارَة يكون فِي عقب الْقَاسِم بن إِدْرِيس الزَّاهِد على مَا نذكرهُ

стр. 180

الْخَبَر عَن دولة عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس لما دخل عَليّ بن عمر مَدِينَة فاس وَاسْتقر بهَا بَايعه النَّاس وَدخلت الكافة فِي طَاعَته وخطب لَهُ على جَمِيع مَنَابِر الْمغرب واستقام لَهُ الْأَمر إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق الفِهري وَكَانَ من الْخَوَارِج الصفرية وَأَصله من وشقة بلد بالأندلس فَقَامَ بجبال مديونة من أَعمال فاس على مسيرَة يَوْم وَنصف مِنْهَا فَتَبِعَهُ خلق كثير من البربر من مديونة وغياثة وَغَيرهم فَبنى قلعة منيعة بِبَعْض جبال مديونة وسماها وَشقه باسم بَلَده قَالَ ابْن أبي زرع وَهِي بَاقِيَة بِتِلْكَ النَّاحِيَة حَتَّى الْآن ثمَّ زحف إِلَى قَرْيَة صفرون فَدَخلَهَا وَبَايَعَهُ كَافَّة البربر الصفرونية ثمَّ زحف بهم إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ عَليّ بن عمر بن إِدْرِيس فِي عَسْكَر ضخم فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة كَانَ الظفر فِي آخرهَا لعبد الرَّزَّاق فَانْهَزَمَ عَليّ بن عمر وَقتل خلق كثير من جنده وفر بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد أوربة فَدخل عبد الرَّزَّاق مَدِينَة فاس وَملك عدوة الأندلس وخطب لَهُ بهَا وَامْتنع مِنْهُ أهل عدوة الْقرَوِيين وبعثوا إِلَى يحيى بن الْقَاسِم الزَّاهِد وَكَانَ مَا نذكرهُ الْخَبَر عَن دولة يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس لما فر عَليّ بن عمر عَن فاس وَاسْتولى عبد الرَّزَّاق الصفري على عدوة الأندلس بعث أهل فاس إِلَى يحيى بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وَيعرف يحيى هَذَا بالعدام فوصل إِلَيْهِم فَبَايعُوهُ وولوه على أنفسهم وَيحيى العدام هَذَا هُوَ جد الْأَشْرَاف الجوطيين بفاس فَإِنَّهُم أَوْلَاد يحيى الجوطي بن مُحَمَّد بن يحيى العدام وَإِنَّمَا قيل لَهُ الجوطي نِسْبَة إِلَى جوطة بِضَم الْجِيم وبالطاء

стр. 181

الْمُهْملَة قَرْيَة كَانَت على نهر سبو بالعدوة الجنوبية مِنْهُ نزلها بِيَحْيَى بن مُحَمَّد فنسب إِلَيْهَا وقبره مَعْرُوف بهَا إِلَى الْآن وَلما اسْتَقل بِيَحْيَى بن الْقَاسِم بِالْأَمر قَاتل عبد الرَّزَّاق حَتَّى أخرجه من عدوة الأندلس فَدَخلَهَا وَبَايَعَهُ أَهلهَا وَجَمِيع من نزل بهَا من أهل الأندلس الربضيين ربض قرطبة وَاسْتعْمل يحيى بن الْقَاسِم عَلَيْهِم ثَعْلَبَة بن محَارب بن عبد الله الْأَزْدِيّ من ولد الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ ربضي أَيْضا فَلم يزل واليا على عدوة الأندلس إِلَى أَن توفّي فَاسْتعْمل يحيى مَكَانَهُ وَلَده عبد الله بن ثَعْلَبَة الْمَعْرُوف بعبود إِلَى أَن توفّي أَيْضا فَاسْتعْمل الْأَمِير يحيى مَكَانَهُ وَلَده محَارب بن عبود بن ثَعْلَبَة وَخرج الْأَمِير يحيى بن الْقَاسِم إِلَى قتال الصفرية فَكَانَت لَهُ مَعَهم حروب ووقائع كَثِيرَة وَلم يزل أَمِيرا على فاس وأعمالها إِلَى أَن اغتاله الرّبيع بن سُلَيْمَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت فِي أَيَّام هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء أَحْدَاث نذكرها فَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ كَانَ بِبِلَاد العدوة والأندلس قحط شَدِيد نضبت مِنْهُ الْمِيَاه وَاسْتمرّ إِلَى سنة سِتِّينَ وَفِي سنة أَربع وَخمسين كسف الْقَمَر كُله من أول اللَّيْل حَتَّى أصبح وَلم ينجل وَفِي سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ عَم الْقَحْط والغلاء جَمِيع بِلَاد الأندلس وَالْمغْرب وإفريقية ومصر والحجاز حَتَّى رَحل النَّاس عَن مَكَّة إِلَى الشَّام وَلم يبْق بهَا إِلَّا نفر يسير مَعَ سدنة الْكَعْبَة ثمَّ كَانَ بالمغرب والأندلس وباء عَظِيم مَعَ غلاء فِي الأسعار وعدمت الأقوات فَهَلَك خلق كثير وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ كَانَت بالسماء حمرَة شَدِيدَة من أول اللَّيْل إِلَى آخِره لم يعْهَد قبلهَا مثلهَا وَذَلِكَ لَيْلَة السبت لتسْع بَقينَ من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من

стр. 182

شَوَّال مِنْهَا كَانَت زَلْزَلَة عَظِيمَة لم يسمع بِمِثْلِهَا تهدمت مِنْهَا الْقُصُور وانحطت مِنْهَا الصخور من الْجبَال وفر النَّاس من المدن إِلَى الْبَريَّة من شدَّة اضْطِرَاب الأَرْض وتساقطت السقوف والحيطان وفرت الطُّيُور عَن أوكارها وَمَاجَتْ فِي السَّمَاء زَمَانا حَتَّى سكنت الزلزلة وعمت هَذِه الرجفة جَمِيع بِلَاد الأندلس سهلها وجبالها وَجَمِيع بِلَاد العدوة من تلمسان إِلَى طنجة وَمن الْبَحْر الرُّومِي إِلَى أقْصَى الْمغرب إِلَّا أَنَّهَا لم يمت فِيهَا أحد لطفا من الله تَعَالَى بخلقه وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ طبقت الْفِتْنَة جَمِيع آفَاق الأندلس وَالْمغْرب وإفريقية وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ كَانَت المجاعة الشَّدِيدَة الَّتِي عَمت جَمِيع بِلَاد الأندلس وبلاد العدوة حَتَّى أكل النَّاس بَعضهم بَعْضًا ثمَّ عقب ذَلِك وباء وَمرض وَمَوْت كَبِير هلك فِيهِ من الْخلق مَا لَا يُحْصى فَكَانَ يدْفن فِي الْقَبْر الْوَاحِد عدد من النَّاس لِكَثْرَة الْمَوْتَى وَقلة من يقوم بهم وَكَانُوا يدفنون من غير غسل وَلَا صَلَاة وَالْأَمر لله وَحده الْخَبَر عَن دولة يحيى بن إِدْرِيس بن عمر بن إِدْرِيس لما قتل يحيى العدام فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ولي الْأَمر من بعده يحيى بن إِدْرِيس بن عمر بن إِدْرِيس فَبَايعهُ أهل عدوة فاس وخطب لَهُ بهما وامتد ملكه على جَمِيع أَعمال الْمغرب وخطب لَهُ على سَائِر منابره وَكَانَ يحيى هَذَا وَاسِطَة عقد الْبَيْت الإدريسي أعلاهم قدرا وأبعدهم ذكرا وَأَكْثَرهم عدلا وأغزرهم فضلا وأوسعهم ملكا وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا للْحَدِيث ذَا فصاحة وَبَيَان بطلا شجاعا حازما ذَا صَلَاح وَدين وورع قَالَ ابْن خلدون لم يبلغ أحد من الأدراسة مبلغه فِي الدولة وَالسُّلْطَان إِلَى أَن طما على ملكه عباب العبيديين القائمين بإفريقية فأغرقه

стр. 183

اسْتِيلَاء العبيديين من الشِّيعَة على الْمغرب الْأَقْصَى وقدوم قائدهم مصالة بن حبوس إِلَى فاس قد قدمنَا عِنْد ذكر وُلَاة الْمغرب أَن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب كَانَ آخِرهم وَأَنه أورث بإفريقية ملكا لِبَنِيهِ فاستمرت دولتهم بهَا إِلَى أَوَاخِر الْمِائَة الثَّالِثَة وانقرضت على يَد أبي عبد الله الْمُحْتَسب دَاعِيَة العبيديين من الشِّيعَة فَإِن الْمُحْتَسب حج فِي بعض السنين وَاجْتمعَ بِمَكَّة بِحجاج كتامة من أهل الْمغرب فتعرف إِلَيْهِم وَوَعدهمْ بِظُهُور الْمهْدي من آل الْبَيْت على يدهم وَيكون لَهُم بِهِ الْملك وَالسُّلْطَان فتبعوه على رَأْيه وصحبهم إِلَى بِلَادهمْ وَرَأس فيهم رئاسة دينية وَقرر لَهُم مَذْهَب الشِّيعَة فَاتَّبعُوهُ وتمسكوا بِهِ ثمَّ بَايعُوا مَوْلَاهُ عبيد الله الْمهْدي أول خلفاء العبيديين فاستولى على إفريقية فِي خبر طَوِيل ثمَّ سمت همته إِلَى تملك الْمغرب الْأَقْصَى فأغزاه قائده مصالة بن حبوس المكناسي صَاحب تاهرت وَالْمغْرب الْأَوْسَط فزحف مصالة إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى سنة خمس وثلاثمائة وانْتهى إِلَى فاس فبرز إِلَيْهِ يحيى بن إِدْرِيس لمدافعته فِي جموع الْعَرَب والبربر والموالي والتقوا بِقرب مكناسة فَانْهَزَمَ يحيى وَعَاد مفلولا إِلَى فاس ثمَّ تقدم مصالة إِلَى فاس وحاصرها إِلَى أَن صَالحه يحيى على مَال يُؤَدِّيه إِلَيْهِ وعَلى الْبيعَة لِعبيد الله الْمهْدي فَقبل يحيى الشَّرْط وَخرج عَن الْأَمر وأنفذ بيعَته إِلَى الْمهْدي وَأبقى عَلَيْهِ مصالة فِي سُكْنى فاس وَعقد لَهُ على عَملهَا خَاصَّة وَعقد لِابْنِ عَمه مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة المكناسي على مَا سوى ذَلِك من بِلَاد الْمغرب وَكَانَ مُوسَى هَذَا صَاحب تسول وبلاد تازا وَكَانَ كَبِير مكناسة بالمغرب الْأَقْصَى على الْإِطْلَاق وَكَانَ قد خدم مصالة حِين قدم الْمغرب وتعرف إِلَيْهِ وهاداه وَقَاتل مَعَه فِي جَمِيع حروبه بالمغرب فحسنت مَنْزِلَته لَدَيْهِ وولاه بِلَاد الْمغرب كلهَا عدى فاسا وأعمالها فَإِنَّهُ تَركهَا للأمير يحيى كَمَا قُلْنَا

стр. 184

وَصَارَ الْمغرب الْأَقْصَى فِي ملكه العبيديين واندرجت دولة الأدراسة فِي دولتهم فَكَانَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة بعد ذهَاب مصالة كلما أَرَادَ الظُّهُور بالمغرب والاستبداد بِهِ غمره يحيى بن إِدْرِيس بِحَسبِهِ وَنسبه وفضله وَدينه فَقطع بِهِ كلما كَانَ يُريدهُ فَكَانَ على قلب مُوسَى مِنْهُ حمل ثقيل فَلَمَّا قدم مصالة الْمغرب فِي كرته الثَّانِيَة وَذَلِكَ سنة تسع وثلاثمائة سعى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة عِنْده بِيَحْيَى للقائه وَالسَّلَام عَلَيْهِ فِي جمَاعَة من وُجُوه دولته فَقبض مصالة عَلَيْهِم وَقيد بِيَحْيَى بالحديد وَتقدم إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَيحيى بَين يَدَيْهِ موثقًا على جمل ثمَّ عذبه بأنواع الْعَذَاب حَتَّى استصفى أَمْوَاله وذخائره ثمَّ نَفَاهُ إِلَى نواحي آصيلا وَقد ساءت حَاله وانفض جمعه فَأَقَامَ عِنْد بني عَمه بِبِلَاد الرِّيف مُدَّة فَأَعْطوهُ مَالا ووصلوه بِمَا يُقيم بِهِ أوده ويستعين بِهِ على أمره فَلم يرض ذَلِك وارتحل عَنْهُم يُرِيد إفريقية فَعرض لَهُ مُوسَى بن ابي الْعَافِيَة فِي طَريقَة فَقبض عَلَيْهِ وسجنه بِمَدِينَة آلكاي قَرِيبا من عشْرين سنة ثمَّ اطلقه بعد ذَلِك قَالُوا وَكَانَ أَبوهُ إِدْرِيس بن عمر قد دَعَا عَلَيْهِ أَن يميته الله جائعا غَرِيبا فاستجيب لَهُ فِيهِ فَخرج يحيى من سجن ابْن أبي الْعَافِيَة إِلَى إفريقية وَهُوَ فِي فقر وذلة قد بلغ سوء الْحَال مِنْهُ كل مبلغ فوصل إِلَى المهدية على تِلْكَ الْحَال فَوَافَقَ بهَا فتْنَة أبي يزِيد مخلد بن كيداد اليفرني وحصاره إِيَّاهَا فَمَاتَ بهَا جائعا غَرِيبا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة رَحمَه الله

стр. 185

عود الْمغرب الْأَقْصَى إِلَى الأدارسة وَظُهُور الْحسن الْحجام بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس لما قبض مصالة على يحيى بن إِدْرِيس واستصفى أَمْوَاله كَمَا قُلْنَا اسْتعْمل على فاس ريحَان الكتامي وَعَاد إِلَى القيروان فَأَقَامَ ريحَان عَاملا على فاس وأحوازها نَحْو ثَلَاثَة أشهر وثار عَلَيْهِ الْحسن بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس الْمَعْرُوف بالحجام وَعرف بذلك لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين عَمه أَحْمد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس حَرْب فَحمل الْحسن على فَارس من أَصْحَاب عَمه فطعنه فِي مَوضِع المحاجم ثمَّ فعل ذَلِك بثان وثالث لَا يطعنهم إِلَّا فِي مَوضِع المحاجم فَقَالَ عَمه أَحْمد إِن ابْن أخي الْحجام فَلَزِمَهُ ذَلِك اللقب وَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم (وَسميت حجاما وَلست بحاجم ... وَلَكِن لطعن فِي مَكَان المحاجم) وَكَانَت ثورة الْحجام على ريحَان سنة عشر وثلاثمائة أَتَى إِلَى فاس فِي جمع من شيعته وأنصاره وَكَانَ مقداما شجاعا فَدَخلَهَا على حِين غَفلَة من أَهلهَا فاستولى عَلَيْهَا وَقتل ريحَان وَقيل نَفَاهُ عَنْهَا وَاجْتمعَ النَّاس على بيعَته وَدخل فِي طَاعَته أَكثر قبائل البربر بالمغرب وَملك عدَّة مدن مثل مَدِينَة لواتة وصفرون ومدين وَمَدَائِن مكناسة وَالْبَصْرَة واستقام لَهُ الْأَمر بالمغرب إِلَى أَن كَانَ مِنْهُ مَعَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة مَا نذكرهُ

стр. 186

خُرُوج الْحسن الْحجام إِلَى قتال مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة قَالَ فِي القرطاس وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة خرج الْأَمِير الْحسن الْحجام إِلَى قتال مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة فَالتقى مَعَه بفحص الزَّاد على مقربة من وَادي المطاحن مَا بَين فاس وتازا فأوقع الْحجام بِابْن أبي الْعَافِيَة وقْعَة عَظِيمَة لم يَقع فِي دولة الأدارسة مثلهَا قتل فِيهَا من عَسْكَر ابْن أبي الْعَافِيَة نَحْو أَلفَيْنِ وثلاثمائة من جُمْلَتهمْ ابْنه منهال بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وَقتل من عَسْكَر الْحجام نَحْو السبعمائة ثمَّ كَانَت الْعَاقِبَة لمُوسَى على الْحجام فانفض عَسْكَر الْحجام وَعَاد مفلولا إِلَى فاس فَعجل الْحجام وَدخل فاسا وَحده وَترك عسكره خَارج الْمَدِينَة فغدر بِهِ عَامله عَلَيْهَا حَامِد بن حمدَان الْهَمدَانِي وَيُقَال الأوربي من قرى إفريقية دخل عَلَيْهِ لَيْلًا فِي دَاره فقيده وَأَخذه إِلَيْهِ وأغلق الْمَدِينَة فِي وَجه الْجند وطير إِلَى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة يستدعيه إِلَى فاس وَكَانَ مَا نذكرهُ الْخَبَر عَن دولة آل أبي الْعَافِيَة المكناسيين الناسخة لدولة آل إِدْرِيس بفاس وأعمالها كَانَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة متمسكا فِي هَذِه الْمدَّة بدعوة العبيديين من الشِّيعَة فَلَمَّا قبض حَامِد بن حمدَان على الْحسن الْحجام واستوعى ابْن أبي الْعَافِيَة بَادر نَحوه فَدخل عدوة الْقرَوِيين وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ قَاتل أهل عدوة الأندلس حَتَّى ملكهَا فَلَمَّا ملك المدينتين مَعًا طَالب حَامِد بن حمدَان بإحضار الْحسن الْحجام وَقَالَ أَقتلهُ بولدي منهال وَكَانَ حَامِد قد نَدم على فعلته تِلْكَ فدافع مُوسَى وسوفه وَكره المجاهرة بسفك دِمَاء آل الْبَيْت وَلما جن اللَّيْل خَالف حَامِد إِلَى الْحسن ففك عَنهُ قَيده

стр. 187

وأرسله فَتَدَلَّى الْحسن من السُّور فَسقط وانكسرت سَاقه فتحامل حَتَّى انْتهى إِلَى عدوة الأندلس فاختفى بهَا إِلَى أَن مَاتَ لمضي ثَلَاث من سقطته ﵀ وَذَلِكَ سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة وَأَرَادَ ابْن أبي الْعَافِيَة قتل حَامِد بن حمدَان لعدم تَمْكِينه إِيَّاه من الْحجام ففر إِلَى المهدية وَكَانَت دولة الْحسن الْحجام بفاس نَحْو سنتَيْن وانقرضت دولة آل إِدْرِيس من فاس وأعمالها وتداول الْمغرب الْأَقْصَى العبيديون أَصْحَاب إفريقية والمروانيون أَصْحَاب الأندلس مرّة لهَؤُلَاء وَمرَّة لهَؤُلَاء وتجددت للأدارسة دولة أُخْرَى بِبِلَاد الرِّيف نذكرها عَن قريب إِن شَاءَ الله وصفت فاس وأعمالها لِابْنِ أبي الْعَافِيَة وَملك مَعهَا كثيرا من أَعمال الْمغرب وبايعته الْقَبَائِل والأشياخ وَهُوَ فِي ذَلِك كُله متمسك بدعوة الشِّيعَة كَمَا قُلْنَا فَكَانَ كالنائب عَنْهُم بالمغرب وَالله غَالب على أمره طرد مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة آل إِدْرِيس من أَعمال الْمغرب وحصره إيَّاهُم بِحجر النسْر لما استولى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة على فاس وَالْمغْرب شمر لطرد الأدارسة عَنهُ فَأخْرجهُمْ من دِيَارهمْ وأجلاهم عَن بِلَادهمْ من شالة وآصيلا وَغَيرهمَا من الْبِلَاد الَّتِي كَانَت فِي أَيْديهم ولجؤوا بأجمعهم إِلَى قلعة حجر النسْر مغلوبين على ملكهم مطرودين عَن دَار عزهم الَّتِي أسسها سلفهم وَكَانَت قلعة حجر النسْر حصنا منيعا بناه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس شامخا فِي عنان السَّحَاب فَنزل عَلَيْهِم

стр. 188

مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وشدد عَلَيْهِم الْحصار وَأَرَادَ استئصالهم وَقطع دابرهم فعذله على ذَلِك أكَابِر دولته وَقَالُوا لَهُ أَتُرِيدُ أَن تقطع دابر أهل الْبَيْت من الْمغرب وتخليه مِنْهُم هَذَا الشَّيْء لَا نوافقك عَلَيْهِ وَلَا نَتْرُكك لَهُ فاستحيا عِنْد ذَلِك وارتحل عَنْهُم إِلَى فاس وَخلف على حصارهم قائده أَبَا الْفَتْح التسولي فِي ألف فَارس يمنعهُم من التَّصَرُّف وَكَانَ ذَلِك سنة سبع عشرَة وثلاثمائة اسْتِيلَاء مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة على تلمسان وأعمالها لما ارتحل مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة عَن حجر النسْر سَار إِلَى فاس فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا وَقتل عَامله على عدوة الأندلس عبد الله بن ثَعْلَبه بن محَارب بن عبود الْأَزْدِيّ وَولى مَكَانَهُ أَخَاهُ مُحَمَّد بن ثَعْلَبَة ثمَّ عَزله وَولى مَكَانَهُ طوال بن أبي يزِيد فَلم يزل عَاملا عَلَيْهَا إِلَى أَن خرجت فاس عَن يَد أبن أبي الْعَافِيَة وَاسْتعْمل مُوسَى على الْمغرب الْأَقْصَى وَلَده مَدين بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وأنزله بعدوة الْقرَوِيين ثمَّ نَهَضَ إِلَى تلمسان سنة تسع عشرَة وثلاثمائة فملكها وأعمالها وَكَانَت بيد الْحسن بن أبي الْعَيْش من أعقاب سُلَيْمَان بن عبد الله أخي إِدْرِيس الْأَكْبَر وفر الْحسن إِلَى مَدِينَة مليلة من جزائر ملوية وَبنى هُنَاكَ حصنا وتحصن بِهِ ثمَّ زحف ابْن أبي الْعَافِيَة إِلَى مَدِينَة نكور فملكها أَيْضا وحاصر الْحسن فِي حصنه مُدَّة ثمَّ عقد لَهُ سلما على حصنه وَكَانَ ذَلِك فِي شعْبَان سنة عشْرين وثلاثمائة ثمَّ عَاد إِلَى فاس وَقد دوخ الْبِلَاد والأقطار وانتظم المغربان الْأَقْصَى والأوسط فِي ملكه

стр. 189

انحراف مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة عَن الشِّيعَة إِلَى بني مَرْوَان وَمَا نَشأ عَن ذَلِك كَانَ عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي صَاحب الأندلس قد سما لَهُ أمل فِي التَّمَلُّك على الْمغرب الْأَقْصَى لما بلغه من تراجع أَمر بني إِدْرِيس بِهِ وإشراف دولتهم على الْهَرم فَملك سبتة من يَد بني عِصَام القائمين بهَا بالدعوة الإدريسية وَلما استولى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة على الْمغرب خاطبه النَّاصِر فِي الْقيام بدعوته ووعده الْجَمِيل على ذَلِك وَأَتَاهُ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه حَتَّى أَجَابَهُ إِلَى مُرَاده وَنقض طَاعَة الشِّيعَة وخطب للناصر على مَنَابِر عمله فاتصل الْخَبَر بعبيد الله الْمهْدي صَاحب إفريقية فسرح إِلَيْهِ قائده حميد بن يصليتن المكناسي صَاحب تاهرت فِي عشرَة آلَاف فَارس وَهُوَ ابْن أخي مصالة بن حبوس الْمُقدم الذّكر فَالتقى حميد ومُوسَى بفحص مسون فَكَانَت بَينهم حَرْب سِجَال ثمَّ إِن حميدا بَيت مُوسَى لَيْلَة فَضرب فِي عسكره فَانْهَزَمَ مُوسَى وَأَصْحَابه وَمضى إِلَى عين إِسْحَاق من بِلَاد تسول فتحصن بهَا وَتقدم حميد إِلَى فاس فَلَمَّا شارفها فرعنها مَدين بن مُوسَى وَلحق بِأَبِيهِ فَدَخلَهَا حميد وَاسْتعْمل عَلَيْهَا حَامِد بن حمدَان الْهَمدَانِي وَكَانَ فِي جملَته ثمَّ عَاد إِلَى إفريقية وَقد قضى إربه من الْمغرب وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَلما اتَّصل ببني إِدْرِيس المحصورين بِحجر النسْر خبر هزيمَة مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وفرار ابْنه عَن فاس وَولَايَة حَامِد بن حمدَان عَلَيْهَا قويت نُفُوسهم

стр. 190

وتظاهروا على أبي الْفَتْح التسولي فنزلوا إِلَيْهِ وقاتلوه وهزموه ونهبوا مُعَسْكَره وَخَرجُوا إِلَى الفضاء بعد انحصارهم بالقلعة الْمَذْكُورَة أَربع سِنِين ثورة أَحْمد بن بكر الجذامي بدعوة المروانيين بفاس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك وَأقَام حَامِد بن حمدَان واليا على فاس من قبل الشِّيعَة إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ أَحْمد بن بكر بن عبد الرَّحْمَن بن سهل الجذامي وَذَلِكَ عقب وَفَاة عبيد الله الْمهْدي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة فَقتل حَامِد بن حمدَان وَبعث بِرَأْسِهِ وبولده إِلَى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة فَبعث بِهِ مُوسَى إِلَى عبد الرَّحْمَن النَّاصِر بقرطبة وَاسْتولى على الْمغرب وعادت الدعْوَة بِهِ إِلَى بني مَرْوَان وَلما اتَّصل الْخَبَر بِصَاحِب إفريقية أبي الْقَاسِم بن عبيد الله الْمهْدي الْمُتَوَلِي بعد أَبِيه سرح قائده ميسورا الْخصي إِلَى الْمغرب فقدمه ميسور سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة وخام ابْن أبي الْعَافِيَة عَن لِقَائِه واعتصم بحصن آلكاي وَتقدم ميسور إِلَى فاس فحاصرها أَيَّامًا إِلَى أَن خرج إِلَيْهِ أَحْمد بن بكر مبايعا وَقدم بَين يَدَيْهِ هَدِيَّة نفيسة ومالا جَلِيلًا فَقبض ميسور الْهَدِيَّة وَالْمَال ثمَّ تقبض على أَحْمد بن بكر وَقَيده وَبعث بِهِ إِلَى المهدية وَلما نذر أهل فاس بغدره امْتَنعُوا عَلَيْهِ وَأَغْلقُوا أَبْوَابهم دونه وَقدمُوا على أنفسهم حسن بن قَاسم اللواتي فَحَاصَرَهُمْ ميسور سَبْعَة أشهر وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار رَغِبُوا فِي السّلم فَصَالحهُمْ على أَن أَعْطوهُ سِتَّة آلَاف دِينَار وأنطاعا ولبودا وقربا للْمَاء وأثاثا وَكَتَبُوا بيعتهم إِلَى أبي الْقَاسِم الشيعي وَكَتَبُوا اسْمه فِي سكتهم وخطبوا لَهُ على منابرهم فَقبل ميسور ذَلِك مِنْهُم وَأقر عَلَيْهِم حسن بن قَاسم اللواتي وارتحل عَنْهُم وَاسْتمرّ حسن عَاملا على فاس إِلَى أَن قدم أَحْمد بن بكر من المهدية مُطلقًا مكرما فتخلى لَهُ عَن مَا

стр. 191

كَانَ بِيَدِهِ وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَكَانَت ولَايَة حسن بن الْقَاسِم على فاس ثَمَان عشرَة سنة قَالَه فِي القرطاس وَقَالَ ابْن خلدون إِن أَحْمد بن بكر الجذامي قدم من إفريقية سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَسَار إِلَى فاس وَأقَام بهَا متنكرا إِلَى أَن وثب بعاملها حسن بن قَاسم اللواتي فتخلى لَهُ عَن الْعَمَل وَالله أعلم حَرْب ميسور مَعَ مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة لما صَالح ميسور أهل فاس نَهَضَ إِلَى حَرْب ابْن أبي الْعَافِيَة فدارت بَينهم حروب كَانَ الظُّهُور فِي آخرهَا لميسور وَأسر البوري بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة وغربه إِلَى المهدية وطرد مُوسَى على أَعمال الْمغرب إِلَى نواحي ملوية ووطاط وَمَا وَرَاءَهَا من بِلَاد الصَّحرَاء ثمَّ قفل إِلَى القيروان وَقَالَ ابْن أبي زرع فِي كتاب القرطاس إِن بني إِدْرِيس توَلّوا مُعظم الحروب الَّتِي دارت بَين ميسور وَبَين ابْن أبي الْعَافِيَة وَإِنَّهُم قَاتلُوا ابْن أبي الْعَافِيَة حَتَّى فر أمامهم إِلَى الصَّحرَاء قَالَ وتملك الأدارسة أَكثر مَا كَانَ بيد ابْن أبي الْعَافِيَة قَائِمين بدعوة الشِّيعَة فَلم يزل ابْن أبي الْعَافِيَة شَرِيدًا فِي الصَّحرَاء وأطراف الْبِلَاد الَّتِي بقيت بِيَدِهِ وَذَلِكَ من مَدِينَة آكرسيف إِلَى مَدِينَة نكور إِلَى أَن قتل بِبَعْض بِلَاد ملوية وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَقيل إِنَّه قتل سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة قَالَه البرنسي اه كَلَام ابْن أبي زرع وَقَالَ ابْن خلدون إِن مُوسَى ابْن أبي الْعَافِيَة رَجَعَ من الصَّحرَاء إِلَى أَعماله بالمغرب فملكها وَولى على عدوة الأندلس أَبَا يُوسُف بن محَارب الْأَزْدِيّ قَالَ وَهُوَ الَّذِي مدن عدوة الأندلس وَكَانَت حصونا ثمَّ زحف إِلَى تلمسان سنة خمس وَعشْرين وثلاثمائة فاستولى عَلَيْهَا قَالَ واستفحل أَمر ابْن أبي الْعَافِيَة بالمغرب الْأَقْصَى واتصل عمله بِعَمَل مُحَمَّد بن خرز ملك

стр. 192

مغراوة وَصَاحب الْمغرب الْأَوْسَط وبثوا دَعْوَة الأموية فِي أَعمالهَا وَالله أعلم بَقِيَّة أَخْبَار آل أبي الْعَافِيَة بالمغرب قَالَ ابْن أبي زرع لما هلك مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة ولي بعده ابْنه ابراهيم إِلَى أَن توفّي سنة خمسين وثلاثمائة فولي بعده ابْنه عبد الله وَيُقَال عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن ابي الْعَافِيَة إِلَى أَن توفّي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة فولي عمله من بعده ابْنه مُحَمَّد وَعَلِيهِ انقرضت دولة آل أبي الْعَافِيَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَذكر بعض المؤرخين لأيامهم أَنه لما توفّي مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة ولي بعده ابْنه الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمُحَارب للمتونة فَكَانَت بَينه وَبينهمْ حروب إِلَى أَن غلب عَلَيْهِ يُوسُف بن تاشفين فَقتله واستأصل شافة ذُرِّيَّة مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة بالمغرب وَكَانَت دولتهم مائَة وَأَرْبَعين سنة من سنة خمس وَثَلَاثِينَ إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة اه وَلَكِن دولتهم بفاس انْتَهَت إِلَى قدوم ميسور الْخصي كَمَا مر وَبقيت رياستهم بالأطراف إِلَى دولة اللمتونيين وَالله أعلم وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث مَا نذكرهُ فَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ كسفت الشَّمْس كسوفا كليا وَكَانَ ذَلِك بعد صَلَاة الْعَصْر فَغَاب القرص كُله وَظَهَرت النُّجُوم وَأذن أَكثر النَّاس بالمساجد للمغرب ثمَّ تجلت مضيئة بعد ذَلِك وَمَكَثت مِقْدَار ثلث سَاعَة ثمَّ غربت وَفِي سنة ثَلَاث وثلاثمائة كَانَ بإفريقية وَالْمغْرب والأندلس فتن كَثِيرَة ومجاعة عَظِيمَة أشبهت مجاعَة سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ وَقع الْمَوْت فِي النَّاس حَتَّى عجزوا عَن دفن موتاهم وَفِي سنة خمس وثلاثمائة أحرقت النَّار أسواق مَدِينَة فاس وأسواق

стр. 193

تاهرت قَاعِدَة زناتة وأحرقت أسواق قرطبة وأرباض مكناسة من بِلَاد جَوف الأندلس وَكَانَ ذَلِك فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فسميت سنة النَّار وَفِي سنة سبع وثلاثمائة كَانَ بإفريقية وَالْمغْرب والأندلس رخاء مفرط وطاعون ووباء كثير وفيهَا كَانَت الرّيح السَّوْدَاء الشَّدِيدَة الهبوب الَّتِي قلعت الْأَشْجَار وهدمت الدّور بفاس فَتَابَ النَّاس ولزموا الْمَسَاجِد وارتدعوا عَن كثير من الْفَوَاحِش وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة ظهر حَامِيم المتنبئ بجبال غمارة قَالَ ابْن خلدون كَانَت غمارة غريقة فِي الْجَهَالَة والبعد عَن الشَّرَائِع بِسَبَب البداوة والانتباذ عَن مَوَاطِن الْخَيْر وتنبأ فيهم من قَبيلَة يُقَال لَهَا محسكة حَامِيم بن من الله يكنى أَبَا مُحَمَّد ويكنى أَبوهُ من الله أَبَا يخلف وَكَانَ ظُهُوره بجبل حَامِيم المشتهر بِهِ قَرِيبا من تطوان وَاجْتمعَ إِلَيْهِ كثير من غمارة وأقروا بنبوته وَشرع لَهُم شرائع وعبادات وصنع لَهُم قُرْآنًا كَانَ يتلوه عَلَيْهِم بِلِسَانِهِ فمما شرع لَهُم صلاتان فِي كل يَوْم وَاحِدَة عِنْد طُلُوع الشَّمْس وَالْأُخْرَى عِنْد غُرُوبهَا ثَلَاث رَكْعَات فِي كل صَلَاة ويسجدون وبطون أَيْديهم تَحت وُجُوههم وَمن قرآنهم الَّذِي كَانُوا يقرؤونه بعد تهليل يهللون بِهِ بلسانهم خَلِّنِي من الذُّنُوب يَا من خلى النّظر ينظر فِي الدُّنْيَا أخرجني من الذُّنُوب يَا من أخرج يُونُس من بطن الْحُوت ومُوسَى من الْبَحْر ثمَّ يَقُول فِي رُكُوعه آمَنت بحاميم وبأبيه أبي يخلف من الله وآمن رَأْسِي وعقلي وَمَا يكنه صَدْرِي وَمَا أحَاط بِهِ دمي ولحمي وَآمَنت بتالية عمَّة حَامِيم أُخْت أبي يخلف من الله ثمَّ يسْجد وَكَانَت تالية هَذِه امْرَأَة كاهنة سَاحِرَة وَكَانَ حَامِيم يلقب المفتري وَكَانَت أُخْته دبو كاهنة سَاحِرَة أَيْضا وَكَانُوا يستغيثون بهَا فِي الْحُوب والقحوط وَفرض عَلَيْهِم صَوْم الِاثْنَيْنِ وَصَوْم الْخَمِيس إِلَى الظّهْر وَصَوْم الْجُمُعَة وَصَوْم عشرَة أَيَّام من رَمَضَان ويومين من شَوَّال وَمن أفطر فِي يَوْم الْخَمِيس عمدا فكفارته أَن يتَصَدَّق بِثَلَاثَة أثوار وَمن أفطر فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ فكفارته أَن يتَصَدَّق بثورين وَفرض عَلَيْهِم فِي الزَّكَاة الْعشْر فِي كل

стр. 194

شَيْء وَأسْقط عَنْهُم الْحَج وَالْوُضُوء وَالْغسْل من الْجَنَابَة وَأحل لَهُم أكل الْأُنْثَى من الْخِنْزِير وَقَالَ إِنَّمَا حرم قُرْآن مُحَمَّد الْخِنْزِير الذّكر وَأمر أَن لَا يُؤْكَل الْحُوت إِلَّا بِذَكَاة وَحرم عَلَيْهِم أكل الْبيض وَأكل الرَّأْس من كل حَيَوَان فَبعث إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس عسكرا فَالْتَقوا بقصر مصمودة من أحواز طنجة فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا أَتْبَاعه وصلبوا شلوه بِالْقصرِ الْمَذْكُور وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَى النَّاصِر بقرطبة وَرجع من بَقِي من أَتْبَاعه إِلَى الْإِسْلَام وَذَلِكَ سنة خمس عشر وثلاثمائة قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ لِابْنِهِ عِيسَى بن حَامِيم من بعده قدر جليل فِي غمارة وَفِي سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة ظهر بِبِلَاد الْمغرب غمام كثيف دَامَ خَمْسَة أَيَّام لم ير النَّاس فِيهَا شمسا وَكَانَ الشَّخْص لَا يرى من الأَرْض فِيهِ إِلَّا مَوضِع قَدَمَيْهِ فَتَابَ النَّاس وأخرجوا الصَّدقَات فكشف الله عَنْهُم مَا بهم وَسميت سنة الْغَمَام وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة نزل برد عَظِيم الْوَاحِدَة مِنْهُ تزن رطلا وَأكْثر قتل الطير والوحش والبهائم وَكَثِيرًا من النَّاس وَكسر الْأَشْجَار وأفسد الثِّمَار كَانَ ذَلِك بأثر قحط شَدِيد وَغَلَاء عَام وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة نزل أَيْضا برد كثير لم يعْهَد مثله كَثْرَة قتل الْمَوَاشِي وأفسد الثِّمَار وَجَاءَت السُّيُول الْعَظِيمَة بِجَمِيعِ بِلَاد الْمغرب وَكَانَ بهَا رعود قاصفة وبروق خاطفة ودام ذَلِك أَيَّامًا واستسقى النَّاس واستصحوا فِي هَذِه السّنة وفيهَا أَيْضا كَانَت ريح شَدِيدَة هدمت المباني وَفِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة كَانَ الوباء الْعَظِيم بالمغرب والأندلس هلك فِيهِ أَكثر الْخلق وَفِي هَذِه الْمدَّة كَانَ الشَّيْخ أَبُو سعيد الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِأبي سلهامة مَوْجُودا وَهُوَ من كبار صلحاء الْمغرب وقبره شهير قرب مشرع الْحَضَر على سَاحل الْبَحْر وَعَلِيهِ قبَّة عَجِيبَة الصَّنْعَة محكمَة الْعَمَل بالنقش والأصباغ والزليج الملون قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي مرْآة المحاسن كَانَ على

стр. 195

رَأس قبر الشَّيْخ أبي سلهامة لوح مَذْهَب مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذِه الْقُبُور الثَّلَاثَة الَّتِي أخْفى الله تَعَالَى فِيهَا قبر الشَّيْخ أبي سعيد المكنى أبي سلهامة وَكَانَت وَفَاته سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة قَالَ أَبُو عبد الله الْمَذْكُور ثمَّ إِن النَّصَارَى نزلُوا مرّة هُنَاكَ فاقتلعوا اللَّوْح وذهبوا بِهِ قَالَ وَكَانَ النيف الزَّائِد على الْأَرْبَعين مُسَمّى فِي اللَّوْح وَلَكِنِّي أنسيته وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ لَا يزِيد على السَّبع وَالله تَعَالَى أعلم الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للأدارسة بِبِلَاد الرِّيف هَذِه الدولة الَّتِي كَانَت للأدارسة بِبِلَاد الرِّيف لم تكن لَهُم على سَبِيل الِاسْتِقْلَال والاستبداد كَمَا كَانَت لَهُم أَولا بفاس وَالْمغْرب إِنَّمَا كَانُوا فِيهَا تَحت نظر المتغلب على بِلَاد الْمغرب إِمَّا من الشِّيعَة أَصْحَاب إفريقية وَإِمَّا من المروانيين أَصْحَاب الأندلس كَمَا ستقف عَلَيْهِ وَاعْلَم أَنا قد قدمنَا أَن بني إِدْرِيس كَانُوا قد اقتسموا أَعمال الْمغرب بعد وَفَاة أَبِيهِم إِدْرِيس ﵀ وَذَلِكَ بِإِشَارَة جدتهم كنزة وَأَن بِلَاد الرِّيف مِنْهَا كَانَت فِي سهم عمر بن إِدْرِيس وَأَنه قَاتل اخويه عِيسَى وَالقَاسِم وأضاف أعمالهما إِلَى عمله فَبَقيت بِلَاد الرِّيف بيد بني عمر بن إِدْرِيس يتوارثونها خلفا عَن سلف فَلَمَّا انقرضت دولة آل إِدْرِيس بفاس على يَد مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة انحازوا إِلَى بني عمهم وعشيرتهم بِبِلَاد الرِّيف وتحصنوا بقلعة حجر النسْر كَمَا سبق وَلما قدم ميسور الْخصي من إفريقية وَأجلى مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة إِلَى الصَّحرَاء أَقَامَ بَنو إِدْرِيس بريفهم يتداولون رياسته تَحت نظر الشِّيعَة تَارَة وَتَحْت نظر المروانيين أُخْرَى إِلَى أَن انقرضت دولتهم وَذَهَبت رياستهم من الْمغرب بِالْكُلِّيَّةِ وَالله غَالب على أمره

стр. 196

الْخَبَر عَن رياسة الْقَاسِم كنون بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس لما فر مُوسَى بن أبي الْعَافِيَة أَمَام الْقَائِد ميسور إِلَى الصَّحرَاء صَارَت الرياسة فِي الْمغرب بعده لأبني مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وهما الْقَاسِم الملقب بكنون وشقيقه إِبْرَاهِيم وهما مَعًا أَخَوان لِلْحسنِ الْحجام الَّذِي تقدم ذكره فَاجْتمع بَنو إِدْرِيس وَبَايَعُوا الْقَاسِم الْمَذْكُور فَملك أَكثر بِلَاد الْمغرب إِلَّا فاسا فَإِنَّهُ لم يملكهَا وَكَانَ سكناهُ بقلعة حجر النسْر وَاسْتمرّ على إمارته مُقيما لدَعْوَة الشِّيعَة إِلَى أَن توفّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فولي بعده ابْنه أَبُو الْعَيْش الْخَبَر عَن دولة أبي الْعَيْش احْمَد بن الْقَاسِم كنون كَانَ أَبُو الْعَيْش هَذَا فَقِيها ورعا حَافِظًا للسير عَارِفًا بأخبار الْمُلُوك وَأَيَّام النَّاس وأنساب قبائل الْعَرَب والبربر شجاعا جوادا وَكَانَ يعرف فِي بني إِدْرِيس بِأَحْمَد الْفَاضِل وَكَانَ مائلا إِلَى بني مَرْوَان وَلما ولي بعد أَبِيه قطع دَعْوَة العبيديين فِي جَمِيع عمله وَبَايع لعبد الرَّحْمَن النَّاصِر صَاحب الأندلس وخطب لَهُ على جَمِيع مَنَابِر عمله وَبَايع أَبَا الْعَيْش كَافَّة أهل الْمغرب إِلَى سجلماسة وَكَانَ السوَاد الْأَعْظَم من أهل الْمغرب الْأَقْصَى لَهُم محبَّة من جَانب آل إِدْرِيس وإيثار لَهُم لَا يَبْغُونَ بهم بَدَلا مهما وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا

стр. 197

تغلب عبد الرَّحْمَن النَّاصِر على بِلَاد الْمغرب ومضايقته لأبي الْعَيْش بهَا لما بَايع أَبُو الْعَيْش لعبد الرَّحْمَن النَّاصِر وخطب لَهُ اقترح عَلَيْهِ أَن ينزل لَهُ عَن طنجة ليضيفها إِلَى سبتة الَّتِي كَانَ استولى عَلَيْهَا من قبل فَامْتنعَ أَبُو الْعَيْش من ذَلِك فَبعث إِلَيْهِ النَّاصِر بالأسطول والمقاتلة فحاصره وضيق عَلَيْهِ وَلما رأى أَبُو الْعَيْش أَنه لَا طَاقَة لَهُ بحربه أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ وَنزل لَهُ عَن طنجة وَبَقِي أَبُو الْعَيْش مَعَ إخْوَته وَبني عَمه من الأدارسة بِمَدِينَة الْبَصْرَة وآصيلا تَحت بيعَة النَّاصِر وَفِي كنفه مُتَمَسِّكِينَ بدعوته وَكَانَت قواد النَّاصِر وجيوشه تجيز من الأندلس إِلَى العدوة يُقَاتلُون من خَالف الأدارسة من البربر ويستألفونهم والناصر ممد لمن عجز مِنْهُم بِرِجَالِهِ مقو لمن ضعف بِمَالِه حَتَّى ملك أَكثر بِلَاد الْمغرب وبايعته قبائله من زناتة والبربر وخطب لَهُ على منابره من تاهرت إِلَى طنجة مَا عدا سجلماسة فَإِنَّهُ قَامَ بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت منادر الْبَرْبَرِي وَبَايع النَّاصِر أهل فاس فِيمَن بَايعه من بِلَاد العدوة فولى عَلَيْهِم مُحَمَّد بن الْخَيْر المغراوي وَكَانَ من أبسط مُلُوك زناتة يدا وأعظمهم شَأْنًا وَأَحْسَنهمْ إِلَى مُلُوك بني أُميَّة انحياشا وأخلصهم طوية وَكَانَ لبني يفرن ومغراوة من زناتة ولَايَة للأمويين وتشيع لَهُم وَذَلِكَ بِولَايَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ لجدهم صولات بن وزمار المغراوي الَّذِي وَفد عَلَيْهِ وَأسلم على يَده كَمَا سبق فِي اخبار الْفَتْح وَالله أعلم فسرت تِلْكَ الْولَايَة فِي عقب زناتة للأمويين عُمُوما كَمَا كَانَ لصنهاجة من البربر ولَايَة آل عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَأَقَامَ مُحَمَّد بن الْخَيْر واليا على

стр. 198

مدينتي فاس نَحْو سنة وارتحل عَنْهَا إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد واستخلف عَلَيْهَا ابْن عَمه أَحْمد بن أبي بكر بن أَحْمد بن عُثْمَان بن سعيد الزناتي وَهُوَ الَّذِي بنى صومعة مَسْجِد الْقرَوِيين سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة كَمَا سبق وَفِي سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة ولي النَّاصِر على مَدِينَة طنجة وأحوازها يعلى بن مُحَمَّد اليفرني فنزلها فِي قبائل يفرن وأمضى أمره وَنَهْيه فِيهَا هِجْرَة أبي الْعَيْش إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد لما رأى أَبُو الْعَيْش غَلَبَة النَّاصِر على بِلَاد العدوة هَانَتْ عَلَيْهِ رياستها فَكتب إِلَيْهِ بقرطبة يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد فَأذن لَهُ وَأمر أَن يَبْنِي لَهُ فِي كل منزل ينزله قصرا وَذَلِكَ من الجزيرة الخضراء إِلَى الثغر وَأَن يجْرِي لَهُ فِيهَا ألف دِينَار فِي كل يَوْم ضِيَافَة لَهُ وَمن الْفرش والأثاث وَالطَّعَام وَالشرَاب مَا يقوم بِالْقصرِ فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى وصل إِلَى الثغر فَكَانَت مَنَازِله من الجزيرة إِلَى الثغر ثَلَاثِينَ منزلا وَمَات أَبُو الْعَيْش ﵀ شَهِيدا فِي جِهَاد الفرنج سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة الْخَبَر عَن دولة الْحسن بن كنون لما خرج أَبُو الْعَيْش من الأندلس برسم الْجِهَاد اسْتخْلف على عمله أَخَاهُ الْحسن بن كنون وَهُوَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِدْرِيس وَهُوَ آخر مُلُوك الأدراسة بالمغرب وَلم يزل مواليا للمروانيين متمسكا بدعوتهم إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ

стр. 199

قدوم الْقَائِد جَوْهَر الشيعي من إفريقيا إِلَى الْمغرب واستيلاؤه عَلَيْهِ لما اتَّصل بخليفة الشِّيعَة وَهُوَ الْمعز لدين الله معد بن إِسْمَاعِيل العبيدي غَلَبَة النَّاصِر على بِلَاد العدوة وَأَن جَمِيع من بهَا من قبائل زناتة والبربر رفضوا دعوتهم ودخلوا فِي دَعْوَة بني أُميَّة عظم الْأَمر عَلَيْهِ وَبعث قائده جَوْهَر بن عبد الله الرُّومِي الْمَعْرُوف بالكاتب فِي جَيش كثيف يشْتَمل على عشْرين ألف فَارس من قبائل كتامة وصنهاجة وَغَيرهم وَأمره أَن يطَأ بِلَاد الْمغرب ويذللها وَيُسْتَنْزَلُ من بهَا من الثوار ويشد وطأته عَلَيْهِم فَخرج جَوْهَر من القيروان سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة يؤم بِلَاد الْمغرب فاتصل خَبره بيعلى بن مُحَمَّد اليفرني صَاحب طنجة وَخَلِيفَة النَّاصِر على بِلَاد العدوة فحشد قبائل زناتة ونهض إِلَى الْقَائِد جَوْهَر فَكَانَ اللِّقَاء على تاهرت فالتحمت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ فَأخْرج الْقَائِد جَوْهَر الْأَمْوَال وبذلها فِي قواد كتامة فضمنوا لَهُ قتل أَمِير زناتة يعلى بن مُحَمَّد فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَال صممت عِصَابَة من قواد كتامة وأنجادها وقصدوا إِلَى يعلى بن مُحَمَّد فَقَتَلُوهُ واحتزوا رَأسه وَأتوا بِهِ إِلَى جَوْهَر فبذل لَهُم مَالا جَلِيلًا بِشَارَة عَلَيْهِ وَبعث بِالرَّأْسِ إِلَى مَوْلَاهُ الْمعز فطيف بِهِ بالقيروان وَذكر ابْن خلدون أَن يعلى بن مُحَمَّد بَادر إِلَى لِقَاء جَوْهَر عِنْد قدومه وأذعن لَهُ وَبَايَعَهُ فأظهر جَوْهَر الْقبُول ثمَّ دس إِلَيْهِ من اغتاله وتفرق بَنو يفرن وزناتة بعد مقتل أَمِيرهمْ وَبعد مُدَّة التأم ملكهم على وَلَده يدو بن يعلى بن مُحَمَّد اليفرني ثمَّ تقدم جَوْهَر إِلَى سجلماسة وَكَانَ قد قَامَ بهَا مُحَمَّد بن الْفَتْح بن مَيْمُون بن مدرار الْمَعْرُوف بالشاكر لله وَقد تقدم لنا أَنه ادّعى الْخلَافَة وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ وَضرب السِّكَّة باسمه وَكتب عَلَيْهَا تقدست عزة الله وَكَانَت سكته تعرف بالشاكرية وَكَانَت فِي غَايَة الطّيب وَكَانَ سنيا مالكي

стр. 200

الْمَذْهَب قد خَالف سلفه فِي مَذْهَب الصفرية فَنزل عَلَيْهِ جَوْهَر وحاصره بسجلماسة ثمَّ اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ وأفلت الشاكر ثمَّ عَاد بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَدخل سجلماسة متنكرا فَعرف وَقبض عَلَيْهِ وَأتي بِهِ إِلَى جَوْهَر فأوثقه فِي الْحَدِيد وَسَاقه أَسِيرًا بَين يَدَيْهِ حَتَّى نزل على فاس بعد أَن أفنى حماة الصفرية ورجالها بِالسَّيْفِ وَكَانَ نُزُوله على فاس سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فحاصرها وأدار بهَا الْقِتَال من كل جِهَة قَرِيبا من نصف شهر ثمَّ اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ على يَد زيري بن مُنَاد الصنهاجي فَإِنَّهُ تُسنم أسوارها لَيْلًا ودخلها فَقتل بهَا خلقا كثيرا وَقبض على أميرها أَحْمد بن أبي بكر الزناتي الَّذِي ولاه النَّاصِر عَلَيْهَا وَنهب الْمَدِينَة وَقتل حماتها وشيوخها وسبى أَهلهَا وَهدم أسوارها وَكَانَ الْحَادِث بهَا عَظِيما وَكَانَ دُخُول جَوْهَر إِيَّاهَا ضحوة يَوْم الْخَمِيس الموفي عشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة ثمَّ سَار جَوْهَر فِي بِلَاد الْمغرب يقتل أَوْلِيَاء المروانيين وَيَسْبِي وَيفتح الْبِلَاد والمعاقل وخافته البربر وفرت أَمَامه قبائلها فأنفذ الْأَمر فِي الْمغرب الْأَقْصَى ثَلَاثِينَ شهرا وانْتهى إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وصاد من سمكه وَجعله فِي قلال المَاء وأرسله إِلَى مَوْلَاهُ الْمعز ثمَّ انْصَرف رَاجعا بعد أَن دوخ الْبِلَاد وأثخن فِيهَا وَقتل حماتها وَقطع دَعْوَة المروانيين مِنْهَا وردهَا إِلَى العبيديين فَخَطب لَهُم على جَمِيع مَنَابِر الْمغرب وانْتهى الْقَائِد جَوْهَر إِلَى المهدية دَار الْمعز لدين الله وَقد حمل مَعَه أَحْمد بن أبي بكر اليفرني أَمِير فاس وَخَمْسَة عشر رجلا من أشياخها وَحمل أَيْضا مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح أَمِير سجلماسة وَدخل بهم أُسَارَى بَين يَدَيْهِ فِي أقفاص من خشب على ظُهُور الْجمال وَجعل على رؤوسهم قلانس من لبد مستطيلة منبتة بالقرون فطيف بهم فِي بِلَاد إفريقية وأسواق القيروان ثمَّ ردوا إِلَى المهدية وحبسوا بهَا حَتَّى مَاتُوا فِي سجنها

стр. 201

قدوم بلكين بن زيزي بن مُنَاد الصنهاجي الشيعي من إفريقيا إِلَى الْمغرب كَانَ الْأَمِير الْحسن بن كنون قد بَايع العبيديين فِيمَن بايعهم عِنْد غَلَبَة جَوْهَر على الْمغرب فَلَمَّا انْصَرف جَوْهَر إِلَى إفريقية أَوَاخِر سنة تسع وَأَرْبَعين وثلاثمائة نكث الْحسن بن كنون بيعَة العبيديين وَعَاد إِلَى المروانيين فتمسك بدعوة النَّاصِر ثمَّ بدعوة ابْنه الحكم الْمُسْتَنْصر خوفًا مِنْهُم لَا محبَّة فيهم لقرب بِلَاده من بِلَادهمْ وَأقَام على ذَلِك إِلَى أَن قدم الْأَمِير بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي من إفريقية إِلَى الْمغرب لأخذ ثار أَبِيه فَقتل زناتة واستأصلهم وَملك الْمغرب بأسره وَقطع أَيْضا مِنْهُ دَعْوَة الأمويين وَقتل أولياءهم وَأخذ الْبيعَة على جَمِيع أهل الْمغرب للمعز معد بن إِسْمَاعِيل كَمَا فعل جَوْهَر قبله فَكَانَ أول من سارع إِلَى بيعَته ونصرته وقتال أَوْلِيَاء المروانيين مَعَه الْحسن بن كنون صَاحب مَدِينَة الْبَصْرَة وكشف وَجهه فِي ذَلِك وأعمل فِيهِ جهده فاتصل خَبره بالحكم الْمُسْتَنْصر فحقد عَلَيْهِ لذَلِك فَلَمَّا انْصَرف بلكين بن زيري إِلَى إفريقية بعث الحكم الْمُسْتَنْصر صَاحب الأندلس قائده مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن طملس فِي جَيش كثيف إِلَى قتال الْحسن ابْن كنون فَأجَاز إِلَيْهِ من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة فِي عدد كثير وعدة كَامِلَة وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فزحف الْحسن إِلَى قِتَاله فِي قبائل البربر فَكَانَ اللِّقَاء بأحواز طنجة بِموضع يعرف بحفص بني مصرخ فَكَانَت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة قتل فِيهَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم قَائِد الحكم الْمُسْتَنْصر وَقتل مَعَه خلق كثير من أَصْحَابه وفر الْبَاقُونَ فَدَخَلُوا سبتة

стр. 202

وتحصنوا بهَا وَكَتَبُوا إِلَى الحكم يستغيثون بِهِ فَبعث إِلَيْهِم صَاحب حروبه غَالِبا مَوْلَاهُ الْبعيد الصيت الْمَعْرُوف بالشهامة والنجدة والدهاء وَأَعْطَاهُ الحكم أَمْوَالًا جليلة وجيوشا كَثِيرَة وعددا وافرة وَأمره بِقِتَال آل إِدْرِيس واستنزالهم من معاقلهم وَقَالَ لَهُ عِنْد وداعه يَا غَالب سر مسير من لَا إِذن لَهُ فِي الرُّجُوع إِلَّا حَيا منصورا أَو مَيتا مَعْذُورًا وَلَا تشح بِالْمَالِ وابسط يدك بِهِ يتبعك النَّاس قدوم غَالب الْأمَوِي إِلَى الْمغرب وتغريب آل إِدْرِيس إِلَى الأندلس ثمَّ خرج غَالب من قرطبة فِي آخر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة فاتصل خبر قدومه بالْحسنِ بن كنون فخاف مِنْهُ وأخلى مَدِينَة الْبَصْرَة وَحمل مِنْهَا حرمه وأمواله وذخائره إِلَى قلعة حجر النسْر الْقَرِيبَة من سبتة واتخذها معقلا يتحصن بهَا وَأَجَازَ غَالب الْبَحْر من الجزيرة الخضراء إِلَى قصر مصمودة فَلَقِيَهُ الْحسن بن كنون هُنَاكَ فِي جموع البربر وقاتله أَيَّامًا وسرب غَالب الْأَمْوَال إِلَى رُؤَسَاء البربر الَّذين مَعَ الْحسن بن كنون وَوَعدهمْ ومناهم فَانْفَضُّوا عَن الْحسن حَتَّى لم يبْق مَعَه إِلَّا خاصته وَرِجَاله فَلَمَّا رأى ذَلِك سَار إِلَى حجر النسْر فتحصن بِهِ وَاتبعهُ غَالب فحاصره بِهِ وَنزل عَلَيْهِ بِجَمِيعِ جيوشه وَقطع عَنهُ الْموَاد وأمده الحكم بعرب الدولة الَّذين بالأندلس وَرِجَال الثغور فوصل المدد إِلَى غَالب غرَّة الْمحرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة فَاشْتَدَّ الْحصار على الْحسن بن كنون فَطلب من غَالب الْأمان على نَفسه وَأَهله وَمَاله وَرِجَاله وَينزل إِلَيْهِ فيسير مَعَه إِلَى قرطبة فَيكون بهَا فَأَجَابَهُ غَالب إِلَى ذَلِك وعاهده عَلَيْهِ فَنزل الْحسن بأَهْله وَمَاله وَرِجَاله وَأسلم الْحصن إِلَى غَالب فملكه واستنزل غَالب جَمِيع العلويين الَّذين بِأَرْض العدوة من معاقلهم وأخرجهم عَن أوطانهم وَلم يتْرك بالعدوة رَئِيسا مِنْهُم وَسَار إِلَى مَدِينَة فاس فملكها وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن

стр. 203

قشوش بعدوة الْقرَوِيين وَعبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة بعدوة الأندلس فَلم تزل فاس بيد بني أُميَّة إِلَى أَن غلب عَلَيْهَا زيري بن عَطِيَّة المغراوي وَانْصَرف غَالب إِلَى الأندلس وسَاق مَعَه الْحسن بن كنون وَجَمِيع مُلُوك الأدارسة وَقد وطأ جَمِيع بِلَاد الْمغرب وَفرق الْعمَّال فِي نواحيه وَقطع دَعْوَة بني عبيد من جَمِيع آفاقه ورد الدعْوَة إِلَى الأموية فَخرج بهم غَالب من فاس آخر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَوصل إِلَى سبتة فَركب الْبَحْر مِنْهَا وَاسْتقر بالخضراء وَكتب إِلَى مَوْلَاهُ الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه يُعلمهُ بقدومه وبمن قدم مَعَه من العلويين فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى الحكم أَمر النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى لقائهم وَركب هُوَ فِي جمع عَظِيم من وُجُوه دولته فَتَلقاهُمْ فَكَانَ يَوْم دُخُولهمْ قرطبة يَوْمًا مشهودا وَذَلِكَ أول يَوْم من الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَسلم الْحسن بن كنون على الحكم فَأقبل عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ ووفى لَهُ بعهده وأوسع لَهُ ولرجاله فِي الْعَطاء وأجرى عَلَيْهِم الجرايات الْكَثِيرَة وخلع عَلَيْهِم الْخلْع الرفيعة وَأثبت جَمِيع أَهله وَرِجَاله فِي ديوَان الْعَطاء وَكَانُوا سَبْعمِائة رجل أنجاد يعدون بسبعة آلَاف واسكنه قرطبة وَأقَام الْحسن وعشيرته فِي كنف الحكم فِي أَمن وغبطة إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ حُدُوث النفرة بَين الحكم وَالْحسن وَالسَّبَب فِي ذَلِك وَلما اسْتَقر الْحسن بن كنون وعشيرته بقرطبة تَحت كنف الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْأمَوِي على مَا وصفناه اسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ لِلْحسنِ قِطْعَة عنبر غَرِيبَة الشكل كَبِيرَة الحجم ظفر بهَا فِي بعض سواحله من بِلَاد العدوة أَيَّام ملكه بهَا فسواها منشورة يتوسدها ويرتفق بهَا فَبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ الحكم خَبَرهَا فَسَأَلَهُ حملهَا إِلَيْهِ وَضمّهَا إِلَى ذخائره على أَن لَهُ حكمه مسمطا فَامْتنعَ الْحسن من ذَلِك وأبى أَن يُسَلِّمهَا إِلَيْهِ فنكبه

стр. 204

عَلَيْهَا وسلبه جَمِيع أَمْوَاله وسلبه الْقطعَة أَيْضا فَبَقيت فِي خزانَة الأمويين إِلَى أَن غلب ابْن حمود الإدريسي على ملك الأندلس وَدخل قرطبة وَاسْتقر بِالْقصرِ مِنْهَا فألفى تِلْكَ العنبر لَا زَالَت قَائِمَة الْعين قد عقبتها الْأَيَّام حَتَّى صَارَت إِلَى أَيدي العلوية أَرْبَابهَا وَلما نكب الحكم الْحسن أَمر بِإِخْرَاجِهِ وَإِخْرَاج عشيرته من قرطبة وإجلائهم إِلَى الْمشرق فَرَكبُوا الْبَحْر من المرية إِلَى تونس سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ قصد الحكم بتغريبهم التخفف مِنْهُم والراحة من نفقاتهم مَعَ مَا كَانَ قومه يعذلونه عَلَيْهِم فَسَار الْحسن بن كنون وعشيرته إِلَى مصر فنزلوا بهَا على خَليفَة الشِّيعَة وَهُوَ الْعَزِيز بِاللَّه نزار بن الْمعز العبيدي وَكَانَ العبيديون قد ملكوا مصر يَوْمئِذٍ ونقلوا كرْسِي خلافتهم إِلَيْهَا فَأقبل الْعَزِيز نزار على الأدارسة وَبَالغ فِي إكرامهم ووعد الْحسن النَّصْر وَالْأَخْذ بثأره مِمَّن غَلبه على ملك سلفه عود الْحسن بن كنون إِلَى الْمغرب وَمَا كَانَ من أمره إِلَى مَقْتَله وانقراض دولته لما اسْتَقر الْحسن بن كنون بِمصْر عِنْد الْعَزِيز نزار أَقَامَ عِنْده مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة فِي أَيَّام هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه الْأمَوِي فَكتب نزار لِلْحسنِ بعهده على الْمغرب وَأمر عَامله على إفريقية بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي أَن يقويه بالجيوش فَسَار الْحسن إِلَى بلكين فَأعْطَاهُ عسكرا يشْتَمل على ثَلَاثَة آلَاف فَارس فاقتحم بهم بِلَاد الْمغرب فسارعت إِلَيْهِ قبائل البربر بِالطَّاعَةِ فشرع فِي إِظْهَار دَعوته واتصل خَبره بالمنصور بن أبي عَامر حَاجِب هِشَام الْمُؤَيد والقائم بِملكه فَبعث إِلَيْهِ ابْن عَمه الْوَزير أَبَا الحكم عَمْرو بن عبد الله بن أبي عَامر الْمَعْرُوف بعسكلاجة فِي جَيش كثيف وقلده أَمر الْمغرب وَسَائِر أَعماله وَأمره

стр. 205

بِقِتَال الْحسن بن كنون فنفذ لوجهه وَركب الْبَحْر إِلَى سبتة وَخرج إِلَى حَرْب الْحسن فأحاط بِهِ وحاصره أَيَّامًا ثمَّ أجَاز الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَلَده عبد الْملك فِي أثر الْوَزير أبي الحكم فِي جَيش كثيف مُمِدًّا لَهُ فَلَمَّا رأى ذَلِك الْحسن بن كنون سقط فِي يَده وَلم يجد حِيلَة فَطلب الْأمان على نَفسه على أَن يسير إِلَى الأندلس كَمثل حَالَته الأولى فَأعْطَاهُ الْوَزير أَبُو الحكم من ذَلِك مَا وثق بِهِ وَكتب إِلَى ابْن عَمه الْمَنْصُور يُخبرهُ بذلك فَأمر بتعجيله إِلَى قرطبة موكلا بِهِ فَبعث بِهِ إِلَيْهِ وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى الْمَنْصُور بقدوم الْحسن لم يمض أَمَان ابْن عَمه وأنفذ إِلَيْهِ من قَتله من طَرِيقه وَأَتَاهُ بِرَأْسِهِ وَدفن شلوه بمَكَان مَقْتَله وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وركدت ريح العلوية بالمغرب وتفرق جمعهم وانقرضت دولتهم وَتَفَرَّقَتْ الأدارسة فِي قبائل الْمغرب ولاذوا بالاختفاء إِلَى أَن خلعوا شارة ذَلِك النّسَب الشريف واستحالت صبغتهم مِنْهُ إِلَى البداوة وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن أشرفت دولة بني أُميَّة بالأندلس على الانقراض وَكَانَ بالأندلس رجلَانِ من آل إِدْرِيس دخلوها فِي جملَة البربر الَّذين كَانُوا هُنَاكَ وهم عَليّ وَالقَاسِم ابْنا حمود بن مَيْمُون بن أَحْمد بن عَليّ بن عبيد الله بن عمر بن إِدْرِيس فطار لَهما ذكر فِي الشجَاعَة والإقدام ثمَّ ترقت بهم الْأَحْوَال إِلَى أَن ورثوا خلَافَة الأندلس من يَد الأمويين بهَا فِي خبر طَوِيل وَلما قتل الْحسن بن كنون هبت ريح عاصف احتملت رداءة فَلم يُوجد بعد قَالُوا وَكَانَ الْحسن هَذَا فظا غليظا قاسي الْقلب كَانَ إِذا ظفر بعدو أَو

стр. 206

سَارِق أَو قَاطع طَرِيق أَمر بِهِ فَطرح من ذرْوَة قلعته الْمُسَمَّاة بِحجر النسْر فَيهْوِي مِنْهَا إِلَى الأَرْض مد الْبَصَر يدْفع الرجل بخشبة تمد إِلَيْهِ فَلَا يصل إِلَى الأَرْض إِلَّا وَقد تقطع قَالَ ابْن أبي زرع كَانَت مُدَّة ملك الأدارسة بالمغرب من يَوْم بُويِعَ إِدْرِيس بن عبد الله وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس السَّابِع من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة إِلَى أَن قتل الْحسن بن كنون وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة مِائَتي سنة وَثَلَاث سِنِين سوى شَهْرَيْن تَقْرِيبًا وَكَانَ عَمَلهم بالمغرب من السوس الْأَقْصَى إِلَى مَدِينَة وهران وَقَاعِدَة ملكهم مَدِينَة فاس ثمَّ الْبَصْرَة وَكَانُوا يكابدون دولتين عظيمتين دولة العبيديين بأفريقة ودولة بني أُميَّة بالأندلس وَكَانُوا يزاحمون الْخُلَفَاء إِلَى ذرْوَة الْخلَافَة وَيقْعد بهم عَنْهَا ضعف سلطانهم وَقلة مَالهم فَكَانَ سلطانهم إِذا امْتَدَّ وَقَوي يَنْتَهِي إِلَى مَدِينَة تلمسان وَإِذا اضْطربَ الْحَال عَلَيْهِم وضعفوا لَا يُجَاوز سلطانهم الْبَصْرَة وَأَصِيلا وحجز النسْر إِلَى أَن انْقَضتْ أيامهم وانقرضت مدتهم والبقاء لله وَحده وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث أَنه فِي سنة خمس وَخمسين وثلاثمائة كَانَت ريح شَدِيدَة قلعت الْأَشْجَار وهدمت الديار وَقتلت الرِّجَال وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثَّامِن عشر من رَجَب مِنْهَا ظهر فِي الْبَحْر شهَاب ثاقب ماثل كالعمود الْعَظِيم أَضَاء اللَّيْل لسطوع نوره وأشبهت تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة الْقدر وقارب ضوءها ضوء النَّهَار وَفِي هَذَا الشَّهْر أَيْضا كسف النيرَان فَخسفَ الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة مِنْهُ وطلعت الشَّمْس كاسفة فِي الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين مِنْهُ وَفِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثمائة كَانَ الْجَرَاد بالمغرب وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بعْدهَا دخل مغراوة الْمغرب وملكوه وتعرف هَذِه السّنة بِسنة لُقْمَان المغراوي وفيهَا توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح الْفَاضِل أَبُو مَيْمُونَة دراس بن إِسْمَاعِيل وَهُوَ أول من أَدخل مدونة سَحْنُون مَدِينَة فاس

стр. 207

وَذكر الرشاطي أَن وَفَاته كَانَت سنة سبع وَخمسين وثلاثمائة وَلَعَلَّه أصح وَفِي سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة عَم الْجَرَاد بِلَاد الْمغرب كلهَا وَفِي سنة ثَمَان وَسبعين بعْدهَا كَانَ الْفَيْض الَّذِي فاضت مِنْهُ جَمِيع أَوديَة الْمغرب وَفِي سنة تسع وَسبعين بعْدهَا كَانَت الرّيح الشرقية بالمغرب ودامت سِتَّة أشهر فأعقبت وباء عَظِيما وأمراضا كَثِيرَة وَفِي سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة تدارك الله عباده وَكَانَ الرخَاء المفرط بالمغرب فَكَانَ الزَّرْع لَا يُوجد من يَشْتَرِيهِ لكثرته وَكَانَ الفلاحون وَأَصْحَاب الْحَرْث يتركونه قَائِما فِي محاقلهم لَا يحصدونه لرخصه الْخَبَر عَن دولة زناتة من مغراوة وَبني يفرن بفاس وَالْمغْرب يَنْبَغِي أَن نقدم هُنَا كلَاما يكون كالتوطئة لأخبار هَذِه الدولة المغراوية فَنَقُول إِن هَذِه الدولة لم يكن لَهَا اسْتِقْلَال بالمغرب وفاس وَإِنَّمَا كَانَت رياستها تَحت نظر الأمويين بالأندلس ثمَّ إِن مغراوة وَبني يفرن قبيلتان من أَعْيَان قبائل زناتة وَكَانَ مغراو ويفرن أَخَوَيْنِ شقيقين وهما ابْنا يصليتن بن مسري بن زاكيا بن ورسيك بن الدبديت بن زانا وَهُوَ أَبُو زناتة وَقد تقدم لنا فِي أَخْبَار الْفَتْح أَن الصَّحَابَة ﵃ أَسرُّوا صولات بن وزمارا كَبِير مغراوة لذَلِك الْعَهْد وبعثوا بِهِ إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَأسلم على يَده وولاه على قومه وَقيل إِن صولات هَاجر إِلَى عُثْمَان ﵁ طَائِعا من غير أسر فَأكْرمه وولاه فَكَانَ بَيت صولات بِسَبَب هَذِه المزية نبيها فِي قومه مغراوة وَسَائِر زناتة وَلما مَاتَ صولات ورث رياسته من بعده ابْنه حَفْص بن صولات ثمَّ من بعده خزر بن حَفْص بن صولات ثمَّ ابْنه مُحَمَّد بن خزر وَهُوَ الَّذِي غزاه إِدْرِيس بن عبد الله بِمَدِينَة تلمسان وانقاد لَهُ وَأجَاب دَعوته وَدخل إِدْرِيس مَعَه تلمسان وَأصْلح شَأْنهَا وَبنى مَسْجِدهَا حَسْبَمَا تقدم الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى ثمَّ

стр. 208

لم تزل ذُرِّيَّة مُحَمَّد بن خزر هَذَا تتوارث رياسة سلفهم من بعدهمْ إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم فِي صدر الْمِائَة الرَّابِعَة أَرْبَعَة اخوة وهم مُحَمَّد بن خزر وَعبد الله بن خزر ومعبد بن خزر وفلفل بن خزر وَكلهمْ رَئِيس شرِيف فِي قومه وَلَهُم أَخْبَار مَعَ خلفاء الشِّيعَة بإفريقية والمروانيين بالأندلس يطول ذكرهَا مَعَ أَنَّهَا لَيست من موضوعنا وَلما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة زحف بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي صَاحب إفريقية بعد العبيديين إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وأناخ على مدينتي فاس وَقتل عامليها مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن قشوش صَاحب عدوة الْقرَوِيين وَعبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة صَاحب عدوة الأندلس وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بن عَامر المكناسي وأجفلت مُلُوك زناتة من بني خزر المغراويين وَبني مُحَمَّد بن صَالح اليفرنيين أَمَامه وانحازوا جَمِيعًا إِلَى سبتة وَعبر مُحَمَّد بن الْخَيْر من آل خزر الْبَحْر إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر صريخا فَخرج الْمَنْصُور فِي عساكره إِلَى الجزيرة الخضراء مُمِدًّا لَهُم بِنَفسِهِ وَعقد لجَعْفَر بن عَليّ بن حمدون على حَرْب بلكين الصنهاجي وَأَجَازَهُ الْبَحْر وأمده بِمِائَة حمل من المَال فاجتمعت إِلَيْك مُلُوك زناتة وضربوا مَصَافهمْ بِسَاحَة سبتة وَجَاء بلكين الصنهاجي حَتَّى صعد جبال تطوان وتنسم هضابها وأطل على عَسَاكِر زناتة وَأهل الأندلس بِسَاحَة سبتة فَرَأى مَا لَا قبل لَهُ بِهِ وَيُقَال إِنَّه لما عاين ذَلِك قَالَ هَذِه أَفْعَى فغرت إِلَيْنَا فاها وكر رَاجعا على عقبَة فاجتاز على مَدِينَة الْبَصْرَة وَكَانَ بهَا حامية أهل الأندلس وَبهَا يَوْمئِذٍ عمَارَة عَظِيمَة فَهَدمهَا ثمَّ صَمد إِلَى برغواطة بِبِلَاد تامسنا فجاهدهم وَقتل ملكهم عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار وَاسْتولى على الْمغرب

стр. 209

أجمع ومحى دَعْوَة بني أُميَّة من نواحيه ثمَّ لما كَانَت سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة وَقدم الْحسن بن كنون الإدريسي من مصر إِلَى الْمغرب يطْلب ملك سلفة انْضَمَّ إِلَيْهِ يدو بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني فِي قومه وشايعه على مُرَاده وسرح الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس إِلَيْهِ ابْن عَمه أَبَا الحكم الملقب بعسكلاجة وانضم إِلَيْهِ آل خزر المغراويون وهم مُحَمَّد بن الْخَيْر الْأَصْغَر وخزرون بن فلفل بن خزر وَمُقَاتِل وزيري ابْنا عَطِيَّة بن عبد الله بن خزر وانضم إِلَيْهِم سَائِر مغراوة وظاهروا أَبَا الحكم عسكلاجة على شَأْنه فِي حِصَار الْحسن بن كنون حَتَّى طلب الْأمان لنَفسِهِ حَسْبَمَا اسْتَوْفَيْنَا خَبره آنِفا ثمَّ تقدم عسكلاجة إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى على عدوة الأندلس سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وخطب بهَا لبني أُميَّة وَبَقِي مُحَمَّد بن عَامر المكناسي عَامل الشِّيعَة بعدوة الْقرَوِيين إِلَى سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة فَأتى أَبُو بياش فَدخل عدوة الْقرَوِيين بِالسَّيْفِ وَقبض على مُحَمَّد بن عَامر المكناسي فَقتله وخطب بهَا لبني أُميَّة أَيْضا هَكَذَا فِي القرطاس وَقَالَ ابْن خلدون إِن الْمَنْصُور بن أبي عَامر عقد على الْمغرب بعد انصراف عسكلاجة عَنهُ للوزير حسن بن أَحْمد بن عبد الْوَدُود السّلمِيّ وَأطلق يَده فِي الْأَمْوَال وَالرِّجَال وأرسله إِلَيْهِ سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة وأوصاه بِالْإِحْسَانِ إِلَى مغراوة وَلَا سِيمَا مقَاتل وزيري ابْنا عَطِيَّة لحسن انحياشهم إِلَى المروانيين وَصدق طاعتهم لَهُم وأغراه بيدو بن يعلى اليفرني لتمريضه فِي الطَّاعَة وقيامه مَعَ الْحسن بن كنون فنفذ الْوَزير حسن بن أَحْمد بن عبد الْوَدُود لعمله وَنزل بفاس وَضبط الْمغرب أحسن ضبط وَاجْتمعت عَلَيْهِ مغراوة ثمَّ هلك مقَاتل بن عَطِيَّة سنة ثَمَان وَسبعين وَورث رياسته على بادية قومه أَخُوهُ زيري بن عَطِيَّة وَحسنت صحبته للوزير حسن بن أَحْمد بن عبد الْوَدُود ومعاملته لَهُ

стр. 210

ثمَّ إِن الْمَنْصُور بن أبي عَامر استدعى زيري بن عَطِيَّة للوفادة عَلَيْهِ بقرطبة فوفد عَلَيْهِ وَأحسن الْمَنْصُور إِلَيْهِ وَرفع مَنْزِلَته ثمَّ عَاد إِلَى الْمغرب وَأمره بِقِتَال يدو بن يعلى اليفرني فَاجْتمع عَلَيْهِ هُوَ والوزير ابْن عبد الْوَدُود فقاتلوه فانتصر عَلَيْهِم يدو بن يعلى وَقتل الْوَزير ابْن عبد الْوَدُود ثمَّ عقد الْمَنْصُور بن أبي عَامر لزيري بن عَطِيَّة م بعده على الْمغرب وفاس وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة هَذَا ملخص مَا عِنْد ابْن خلدون فِي هَذَا الْخَبَر ثمَّ حكى بعده مَا يُخَالِفهُ مِمَّا نذكرهُ مَبْسُوطا عَن قريب وَتوقف فِي أَيهمَا الصَّوَاب وَالله أعلم الْخَبَر عَن دولة زيري بن عَطِيَّة المغراوي بفاس وَالْمغْرب هُوَ زيري بن عَطِيَّة بن عبد الله بن خزر المغراوي وَعبد الله الْمَذْكُور هُوَ أحد الْإِخْوَة الْأَرْبَعَة من بني خزر قَالَ فِي القرطاس ملك على زناتة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة فَقَامَ فِي الْمغرب بدعوة هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه وحاجبه الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَذَلِكَ بعد انْقِرَاض دولة الأدارسة مِنْهُ وَبني أبي الْعَافِيَة المكناسيين فغلب زيري أَولا على جَمِيع بوادي الْمغرب ثمَّ ملك مدينتي فاس بعد عسكلاجة وَأبي بياش دَخلهَا سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة فاستوطنها وصيرها دَار ملكه واستقام لَهُ أَمر الْمغرب فعلا قدره وَقَوي سُلْطَانه وارتفع شَأْنه وَهُوَ فِي ذَلِك متمسك بدعوة بني مَرْوَان أَصْحَاب الأندلس وَالله غَالب على أمره

стр. 211

حَدِيث أبي البهار الصنهاجي مَعَ الْمَنْصُور ابْن أبي عَامر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك كَانَ أَبُو البهار بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي قد خَالف على ابْن أَخِيه مَنْصُور بن بلكين ابْن زيري بن مُنَاد الصنهاجي أَمِير إفريقية وَظُهُور الدولة العبيدية وخلع دَعْوَة الشِّيعَة وَمَال إِلَى دَعْوَة المروانيين وَغلب على المهدية وتونس وشلشال وتلمسان ووهران وشلف وَكثير من بِلَاد الزاب وخطب للمؤيد وحاجبه الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَبعث ببيعته إِلَيْهِم وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة فَلَمَّا وصلت بيعَته إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بعث إِلَيْهِ بعهده على مَا بِيَدِهِ من الْبِلَاد وبهدية وخلع وبأربعين ألف دِينَار فَلَمَّا قبض أَبُو البهار المَال والهدية أَقَامَ على بيعتهم نَحْو الشَّهْرَيْنِ ثمَّ خلعهم وَعَاد إِلَى العبيديين فَبلغ ذَلِك الْمَنْصُور فَغَاظَهُ وَكتب إِلَى زيري بن عَطِيَّة بعهده على بِلَاد أبي البهار وَأمره بقتاله عَلَيْهَا فَسَار إِلَيْهِ زيري بن عَطِيَّة من فاس فِي جيوش لَا تحصى من قبائل زناتة وَغَيرهم ففر أَبُو البهار أَمَامه وَلحق بِابْن أَخِيه مَنْصُور بن بلكين وَترك لَهُ الْبِلَاد فَملك زيري بن عَطِيَّة تلمسان وَسَائِر أَعمال أبي البهار فانبسط سُلْطَانه بالمغرب من السوس الْأَقْصَى إِلَى الزاب وَكتب بِالْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَبعث لَهُ بهدية عَظِيمَة فِيهَا مِائَتَا فرس من عتاق الْخَيل وَخَمْسُونَ جملا مهريا سَابِقَة وَألف درقة من جُلُود اللمط وأحمال كَثِيرَة من قسي الزان وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وَغَيره وَألف حمل من التَّمْر الْجيد فِي جنسه وأحمال كَثِيرَة من ثِيَاب الصُّوف الرقيقة فسر بهَا الْمَنْصُور وكافأه عَلَيْهَا وَكتب لَهُ بتجديد عَهده على الْمغرب وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة واقام زيري بن عَطِيَّة بفاس وأسكن قبيله بأنحائها وبالقرب مِنْهَا فِي قياطينهم وَدفع بني يفرن عَن فاس وأحوازها إِلَى نواحي سلا فاستولوا عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي

стр. 212

وفادة زيري بن عَطِيَّة على الْمَنْصُور بن أبي عَامر بالأندلس لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة استدعى الْمَنْصُور بن أبي عَامر زيري بن عَطِيَّة أَن يقدم عَلَيْهِ بقرطبة فاستخلف على الْمغرب وَلَده الْمعز بن زيري وَأمره بسكنى تلمسان واستخلف على عدوة الأندلس من فاس عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة وعَلى عدوة الْقرَوِيين مِنْهَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن قشوش وَولى قَضَاء المدينتين الْفَقِيه الْفَاضِل أَبَا مُحَمَّد قَاسم بن عَامر الْأَزْدِيّ وَسَار إِلَى الأندلس وَقدم بَين يَدَيْهِ هَدِيَّة عَظِيمَة من جُمْلَتهَا طَائِر فصيح يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ والبربرية ودابة من دَوَاب الْمسك ومهاة وحشية تشبه الْفرس وحيوانات غَرِيبَة وأسدان عظيمان فِي قفصين من حَدِيد وَشَيْء كثير من التَّمْر فِي غَايَة الْكبر الْوَاحِدَة مِنْهُ تشبه الخيارة عظما وَحمل مَعَه من قومه وَعبيدَة ثَلَاثمِائَة فَارس وثلاثمائة راجل فاحتفل الْمَنْصُور لقدومه احتفالا عَظِيما وبرز الْخَاصَّة والعامة للقائه وأنزله بقصر جَعْفَر الْحَاجِب وَتوسع لَهُ فِي الجرايات وَالْإِكْرَام ولقبه باسم الْوَزير وأفاض عَلَيْهِ أَمْوَالًا جسيمة وخلعا نفيسة وَعجل بسراحه إِلَى عمله بعد أَن جدد لَهُ عَهده على الْمغرب وعَلى جَمِيع مَا غلب عَلَيْهِ مِنْهُ فَعبر الْبَحْر واحتل بِمَدِينَة طنجة فَلَمَّا اسْتَقر بهَا وضع يَده على رَأسه وَقَالَ الْآن علمت أَنَّك لي فاستقل مَا وَصله بِهِ الْمَنْصُور واستقبح اسْم الوزارة الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ وَلَقَد خاطبه بِهِ بعض رِجَاله فَنَهَاهُ عَن ذَلِك وَقَالَ وَزِير من يالكع لَا وَالله إِلَّا أَمِير ابْن أَمِير وَاعجَبا لِابْنِ أبي عَامر ومخرقته لِأَن تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ وَالله لَو كَانَ بالأندلس رجل مَا تَركه على حَاله وَإِن لَهُ منا ليوما وَبَلغت مقَالَته الْمَنْصُور فصر عَلَيْهَا أُذُنه وَزَاد فِي اصطناعه إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ

стр. 213

اسْتِيلَاء يدو بن يعلى اليفرني على فاس ومقتله تقدم لنا أَن بني يفرن من أَعْيَان قبائل زناتة وَكَانَ يدو بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني قد قَامَ بِأَمْر بني يفرن بعد مقتل أَبِيه يعلى بن مُحَمَّد حِين قَتله جَوْهَر الْكَاتِب قَائِد الشِّيعَة سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَملك يدو كثيرا من بوادي الْمغرب واتصلت رياسته إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَتقدم لنا أَن مغراوة دفعُوا بني يفرن إِلَى سلا وأحوازها فاستولوا عَلَيْهَا وَكَانَ الْأَمِير يدو بن يعلى مضاهيا لزيري بن عَطِيَّة فِي الْحسب وَالْفضل وَالْمَال وَلما استدعى الْمَنْصُور بن أبي عَامر زيري بن عَطِيَّة للوفادة الْمُتَقَدّمَة أَرَادَ أَن يفعل بيدو بن يعلى مثل ذَلِك وَكَانَ قَصده أَن يمكر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يطمئن إِلَيْهِ اطمئنان زيري بن عَطِيَّة فاساء يدو بن يعلى إِجَابَة الْمَنْصُور وَقَالَ مَتى عهد الْمَنْصُور حمر الْوَحْش تنقاد للبياطرة فأقصر عَنهُ الْمَنْصُور وَكَانَت بَين زيري ويدو بن يعلى منافسات ومنازعات على الرياسة بالمغرب فَكَانَ يدو بن يعلى إِذا غلب على زيري دخل مَدِينَة فاس وَاسْتولى عَلَيْهَا وَإِذا غلب عَلَيْهِ زيري أخرجه عَنْهَا وملكها وَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا سجالا وسئمت الرّعية بفاس كَثْرَة تعاقبهم عَلَيْهَا ثمَّ لما سَافر زيري بن عَطِيَّة إِلَى الأندلس انتهز يدو بن يعلى الفرصة فِي غيبته فزحف إِلَى فاس وَدخل مِنْهَا عدوة الأندلس بِالسَّيْفِ فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقتل بهَا خلقا كثيرا من مغراوة فَلَمَّا نزل زيري بن عَطِيَّة بطنجة اتَّصل بِهِ خبر يدو بن يعلى واستيلاؤه على فاس فأسرع السّير نَحوه حَتَّى نزل قَرِيبا من فاس فَكَانَت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة هلك فِيهَا خلق كثير من القبيلتين مغراوة وَبني يفرن إِلَى أَن هَزَمه زيري واقتحم عَلَيْهِ فاسا عنْوَة فَقتله وَمثل بِهِ وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بقرطبة وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلاثمائة

стр. 214

بِنَاء مَدِينَة وَجدّة لما قتل زيري بن عَطِيَّة يدو بن يعلى صفا لَهُ أَمر الْمغرب وَلم يبْق لَهُ بِهِ مُنَازع وهابته الْمُلُوك وَبَقِي الْأَمر مُسْتَقِيمًا بَينه وَبَين الْمَنْصُور فِي الظَّاهِر فَسَمت همته إِلَى بِنَاء مَدِينَة تكون خَاصَّة بِهِ ويقومه وأرباب دولته فَبنى مَدِينَة وَجدّة وشيد أسوارها وَأحكم قصبتها وَركب أَبْوَابهَا وسكنها بأَهْله وحشمه وَنقل إِلَيْهَا أَمْوَاله وذخائره وَجعلهَا قَاعِدَة ملكه لكَونهَا وَاسِطَة الْبِلَاد وثغرا للعمالتين الْمغرب الْأَقْصَى والأوسط وَكَانَ اختطاطه إِيَّاهَا فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَلم يزل زيري بن عَطِيَّة فِي علو سُلْطَان وارتفاع شَأْن إِلَى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ثمَّ حدث مَا نذكرهُ حُدُوث النفرة بَين زيري بن عَطِيَّة والمنصور بن أبي عَامر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك ثمَّ فسد مَا بَين الْمَنْصُور وَبَين زيري بن عَطِيَّة واتصل بالمنصور أَن زيري ينتقصه ويعرض فِي شَأْنه وحجره على الْمُؤَيد وَيتَكَلَّم فِيهِ بالقبيح فَقطع الْمَنْصُور عَنهُ رزق الوزارة الَّذِي كَانَ يجريه عَلَيْهِ فِي كل سنة ومحى اسْمه من ديوانه ونادى بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فعزم زيري على خلَافَة فَقطع ذكره من الْخطْبَة وَاقْتصر على ذكر هِشَام الْمُؤَيد وطرد عماله من الْمغرب وألجأهم إِلَى سبتة فأنفذ إِلَيْهِ الْمَنْصُور بن أبي عَامر مَوْلَاهُ وَاضحا الْفَتى فِي جَيش عَظِيم وأمده بِالْحُمَاةِ من سَائِر الطَّبَقَات وأزاح عللهم وأفاض عَلَيْهِم الْأَمْوَال للنفقات

стр. 215

وأنواع السِّلَاح والكسى فَعبر وَاضح الْبَحْر وَاسْتقر بِمَدِينَة طنجة فانضم إِلَيْهِ بعض قبائل البربر من غمارة وصنهاجة وَغَيرهم وَبَايَعُوهُ على قتال زيري بن عَطِيَّة وَمن مَعَه من قبائل زناتة فَأَفَاضَ عَلَيْهِم الْخلْع وَالْأَمْوَال ثمَّ أمد الْمَنْصُور بِمن كَانَ مَعَه بالأندلس من مُلُوك البربر النازعين عَن زيري بن عَطِيَّة إِلَيْهِ فتكاملت جيوشه وَخرج بهم وَاضح من طنجة يؤم فاسا فاتصل خَبره بزيري بن عَطِيَّة فَخرج إِلَيْهِ من فاس فِي عَسَاكِر زناتة فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي زادات فَكَانَت بَينهمَا حروب بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا مُدَّة من ثَلَاثَة أشهر إِلَى أَن انهزم وَاضح وَقتل أَكثر جَيْشه وفر وَاضح إِلَى طنجة فَدَخلَهَا مُنْهَزِمًا وَكتب إِلَى الْمَنْصُور يطْلب مِنْهُ المدد وَقَالَ ابْن خلدون إِن وَاضحا حِين برز من طنجة وزحف إِلَيْهِ زيري بن عَطِيَّة تواقفا ثَلَاثَة أشهر ثمَّ تنَاول وَاضح آصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بَينه وَبَين زيري ثمَّ بَيت وَاضح معسكر زيري بنواحي آصيلا وهم غَارونَ فأوقع بهم وَخرج الْمَنْصُور من قرطبة فوصل إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ أجَاز ابْنه عبد الْملك المظفر بِجَمِيعِ عَسْكَر الأندلس وقوادها حَتَّى بَقِي الْمَنْصُور وَحده وَأمره بِحَرب زيري بن عَطِيَّة فَركب المظفر الْبَحْر من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة واتصل خبر المظفر بزيري بن عَطِيَّة فخافه وَأخذ فِي الاستعداد لملاقاته وَكتب إِلَى جَمِيع قبائل زناتة يستصرخهم فَأَتَتْهُ الْوُفُود من بِلَاد ملوية وتلمسان والزاب وَسَائِر بوادي وناتة فَنَهَضَ بهم إِلَى قتال عبد الْملك المظفر بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر وبرز عبد الْملك من طنجة وَمَعَهُ وَاضح الْفَتى فِي جيوش لَا تحصى والتقى الْجَمْعَانِ بوادي منى من أحواز طنجة فَكَانَت بَينهم
следующие страницы →