← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ثمَّ ملك المرابطون بعد ذَلِك مَا بَقِي من بِلَاد الأندلس إِلَى أَن خلصت لَهُم وَلم يبْق لملوك الطوائف بهَا ذكر وَهَذِه الْأَخْبَار نقلناها عَن ابْن أبي زرع ممزوجة باليسير من كَلَام غَيره واعتمدنا كَلَامه لِأَنَّهُ مَوْضُوع بِالْقَصْدِ الأول لأحبار الْمغرب فَيكون أعنى بِهِ من غَيره وَفِي تَارِيخ ابْن خلدون بعض مُخَالفَة لما مر قَالَ أجَاز يُوسُف بن تاشفين الْبَحْر إِلَى الأندلس الْجَوَاز الثَّانِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وتثاقل أُمَرَاء الطوائف عَن لِقَائِه لما أحسوا من نكيره عَلَيْهِم لما يسمون بِهِ رعاياهم من الظلامات والمكوس وتلاحق المغارم فَوجدَ عَلَيْهِم وعهد بِرَفْع المكوس وتحرى المعدلة وَقَالَ أَيْضا إِن الْفُقَهَاء بالأندلس طلبُوا من يُوسُف بن تاشفين رفع المكوس والظلامات عَنْهُم فَتقدم بذلك إِلَى مُلُوك الطوائف فَأَجَابُوهُ بالامتثال حَتَّى إِذا رَجَعَ عَن بِلَادهمْ رجعُوا إِلَى حَالهم فَلَمَّا أجَاز ثَانِيَة انقبضوا عَنهُ إِلَّا ابْن عباد فَإِنَّهُ بَادر إِلَى لِقَائِه وأغراه بالكثير مِنْهُم فتقبض على ابْن رَشِيق الْبناء وَأمكن ابْن عباد مِنْهُ للعداوة الَّتِي بَينهمَا وَبعث جَيْشًا إِلَى المرية ففر عَنْهَا صَاحبهَا ابْن صمادح وَنزل بجاية من أَرض إفريقية وتوافق مُلُوك الطوائف على قطع المدد عَن عَسَاكِر أَمِير الْمُسلمين ومحلاته فسَاء نظره وَأَفْتَاهُ الْفُقَهَاء وَأهل الشورى من الْمغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الْأَمر من أَيْديهم وسارت إِلَيْهِ بذلك فَتَاوَى أهل الْمشرق الْأَعْلَام مثل الْغَزالِيّ والطرطوشي وَغَيرهمَا فَعمد إِلَى غرناطة واستنزل صَاحبهَا عبد الله بن بلكين وأخاه تميما عَن مالقة بعد أَن كَانَ مِنْهُمَا مداخلة للطاغية فِي عَدَاوَة يُوسُف بن تاشفين وَبعث بهما إِلَى الْمغرب فخاف ابْن عباد عِنْد ذَلِك مِنْهُ وانقبض عَن لِقَائِه وفشت السعايات بَينهم ونهض أَمِير الْمُسلمين إِلَى سبتة فاستقر بهَا وَعقد للأمير سير بن أبي بكر على الأندلس وَأَجَازَهُ فَانْتهى إِلَيْهَا وَقعد ابْن عباد عَن تلقيه وميرته فأحفظه ذَلِك وطالبه بِالطَّاعَةِ لأمير الْمُسلمين وَالنُّزُول عَن الْأَمر ففسد ذَات بَينهمَا ثمَّ غَلبه على جَمِيع عمله ثمَّ صَمد إِلَى إشبيلية فحاصره بهَا واستنجد الطاغية فَعمد إِلَى استنقاذه من هَذَا الْحصار فَلم يغن

стр. 282

عَنهُ شَيْئا وَكَانَ دفاع لمتونة مِمَّا فت فِي عضده واقتحم المرابطون إشبيلية عنْوَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وتقبض سير على الْمُعْتَمد وقاده أَسِيرًا إِلَى مراكش فَلم يزل فِي اعتقال يُوسُف بن تاشفين إِلَى أَن هلك فِي محبسه من أغمات سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ عمد إِلَى بطليوس وتقبض على صَاحبهَا عمر بن الْأَفْطَس فَقتله وابنيه يَوْم الْأَضْحَى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة بِمَا صَحَّ عِنْده من مداخلتهم الطاغية وَأَن يملكهُ مَدِينَة بطليوس ورثاهم ألأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الْمجِيد بن عبدون بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي يَقُول فِي أَولهَا (الدَّهْر يفجع بعد الْعين بالأثر ... فَمَا الْبكاء على الأشباح والصور) وَهِي قصيدة غَرِيبَة فِي منوالها وموضوعها عدد فِيهَا أهل النكبات وَمن عثر بِهِ الزَّمَان بِمَا يبكي مِنْهُ الجماد وتستشرف لسماعه الأنجاد والوهاد ثمَّ أجَاز يُوسُف بن تاشفين الْجَوَاز الثَّالِث إِلَى الأندلس سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة وزحف إِلَيْهِ الطاغية فَبعث أَمِير الْمُسلمين عَسَاكِر المرابطين لنظر مُحَمَّد بن الْحَاج اللمتوني فَانْهَزَمَ النَّصَارَى أَمَامه وَكَانَ الظُّهُور للْمُسلمين ثمَّ أجَاز الْأَمِير يحيى بن أبي بكر بن يُوسُف بن تاشفين سنة ثَلَاث وَتِسْعين وانضم إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَاج وسير بن أبي بكر فافتتحوا عَامَّة الأندلس من أَيدي مُلُوك الطوائف وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا سرقسطة فِي يَد المستعين بن هود معتصما بالنصارى وأغزى الْأَمِير مزدلي صَاحب بلنسية إِلَى بِلَاد برشلونة فأثخن فِيهَا وَبلغ إِلَى حَيْثُ لم يبلغ أحد قبله وَرجع وانتظمت بِلَاد الأندلس فِي ملكة يُوسُف بن تاشفين وانقرض ملك الطوائف مِنْهَا أجمع كَانَ لم يكن وَاسْتولى أَمِير الْمُسلمين على العدوتين مَعًا واتصلت هزائم المرابطين على الفرنج مرَارًا وَالله غَالب على أمره فَهَذَا كَلَام ابْن خلدون فِي سِيَاقه هَذِه الْأَخْبَار

стр. 283

وَاعْلَم أَنه قد يُوجد هُنَا لبَعض المؤرخين حط من رُتْبَة أَمِير الْمُسلمين وغض عَلَيْهِ إِمَّا فِي كَونه كَانَ بربريا من أهل الصَّحرَاء بَعيدا عَن مناحي الْملك وَالْأَدب ورقة الْحَاشِيَة وَإِمَّا فِي كَونه تحامل على مُلُوك الأندلس حَتَّى فعل بهم مَا فعل وَذَلِكَ حِين عاين حسن بِلَادهمْ ورفاهية عيشهم وَاعْلَم أَن هَذَا الْكَلَام جدير بِالرَّدِّ وَأَصله من بعض أدباء الأندلس الَّذين كَانُوا ينادمون مُلُوكهَا ويستظلون بظلهم ويغدون وَيَرُوحُونَ فِي نعمتهم فحين فعل أَمِير الْمُسلمين بسادتهم وَرُؤَسَائِهِمْ مَا فعل أَخذهم من ذَلِك مَا يَأْخُذ النُّفُوس البشرية من الذب عَن الصّديق والمحاماة عَن الْقَرِيب حَتَّى بِاللِّسَانِ وَإِلَّا فقد كَانَ أَمِير الْمُسلمين ﵀ من الدّين والورع على مَا قد علمت وَمن ركُوب الجادة وتحري طَرِيق الْحق على الْوَصْف الَّذِي سَمِعت وَهَذَا ابْن خلدون إِمَام الْفَنّ ومتحري الصدْق قد نقل أَن مُلُوك الأندلس كَانُوا يظْلمُونَ رعاياهم بِضَرْب المكوس وَغَيرهَا ثمَّ وصلوا أَيْديهم بالطاغية وبذلوا لَهُ الْأَمْوَال فِي مظاهرته إيَّاهُم على أَمِير الْمُسلمين ثمَّ لم يقدم على قِتَالهمْ واستنزالهم عَن سَرِير ملكهم حَتَّى تعدّدت لَدَيْهِ فَتَاوَى الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل الْمشرق وَالْمغْرب بذلك فَافْهَم هَذَا واعرفه وَالله تَعَالَى يُقَابل الْجَمِيع بِالْعَفو والصفح الْجَمِيل بمنه وَكَرمه بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين سوى مَا تقدم قَالَ ابْن خلكان كَانَ أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين حازما سائسا للأمور ضابطا لمصَالح مَمْلَكَته مؤثرا لأهل الْعلم وَالدّين كثير المشورة لَهُم قَالَ وَبَلغنِي أَن الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ ﵀ لما سمع مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْأَوْصَاف الحميدة وميله إِلَى أهل الْعلم عزم إِلَى

стр. 284

التَّوَجُّه إِلَيْهِ فوصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَشرع فِي تجهيز مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فجَاء إِلَيْهِ الْخَبَر بوفاته فَرجع عَن ذَلِك الْعَزْم قَالَ وَكنت وقفت على هَذَا الْفَصْل فِي بعض الْكتب وَقد ذهب عني فِي هَذَا الْوَقْت من أَيْن وجدته وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين يُوسُف معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن نحيف الْجِسْم خَفِيف العارضين دَقِيق الصَّوْت وَكَانَ يخْطب لبني الْعَبَّاس وَهُوَ أول من تسمى بأمير الْمُسلمين وَلم يزل على حَاله وعزه وسلطانه إِلَى أَن توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث خلون من الْمحرم سنة خَمْسمِائَة وعاش سبعين سنة ملك مِنْهَا مُدَّة خمسين سنة ﵀ وَقَالَ ابْن خلدون تسمى يُوسُف بن تاشفين بأمير الْمُسلمين وخاطب الْخَلِيفَة لعهده بِبَغْدَاد وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه العباسي وَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي الإشبيلي وَولده القَاضِي أَبَا بكر بن الْعَرَبِيّ الإِمَام الْمَشْهُور فتلطفا فِي القَوْل وأحسنا فِي الإبلاغ وطلبا من الْخَلِيفَة أَن يعْقد لأمير الْمُسلمين بالمغرب والأندلس فعقد لَهُ وتضمن ذَلِك مَكْتُوب من الْخَلِيفَة مَنْقُول فِي أَيدي النَّاس وانقلبا إِلَيْهِ بتقليد الْخَلِيفَة وَعَهده على مَا إِلَى نظره من الأقطار والأقاليم وخاطبه الإِمَام الْغَزالِيّ وَالْقَاضِي أَبُو بكر الطرطوشي يحضانه على الْعدْل والتمسك بِالْخَيرِ ثمَّ أجَاز يُوسُف بن تاشفين الْجَوَاز الرَّابِع إِلَى الأندلس سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة اه كَلَام ابْن خلدون وَإِنَّمَا احْتَاجَ أَمِير الْمُسلمين إِلَى التَّقْلِيد من الْخَلِيفَة المستظهر بِاللَّه مَعَ أَنه كَانَ بَعيدا عَنهُ وَأقوى شوكته مِنْهُ لتَكون ولَايَته مستندة إِلَى الشَّرْع وَهَذَا من ورعه ﵀ وَإِنَّمَا تسمى بأمير الْمُسلمين دون أَمِير الْمُؤمنِينَ أدبا مَعَ الْخَلِيفَة حَتَّى لَا يُشَارِكهُ فِي لقبه لِأَن لقب أَمِير الْمُؤمنِينَ خَاص بالخليفة والخليفة من قُرَيْش كَمَا فِي الحَدِيث فَافْهَم

стр. 285

وَمن أَخْبَار يُوسُف بن تاشفين أَيْضا مَا نَقله غير وَاحِد من الْأَئِمَّة أَن أَمِير الْمُسلمين طلب من أهل الْبِلَاد المغربية والأندلسية المعاونة بِشَيْء من المَال على مَا هُوَ بصدده من الْجِهَاد وَأَنه كَاتب إِلَى قَاضِي المرية أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى عرف بِابْن الْبَراء يَأْمُرهُ بِفَرْض مَعُونَة المرية وَيُرْسل بهَا إِلَيْهِ فَامْتنعَ مُحَمَّد بن يحيى من فَرضهَا وَكتب إِلَيْهِ يُخبرهُ بِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُ ذَلِك فَأَجَابَهُ أَمِير الْمُسلمين بِأَن الْقُضَاة عِنْدِي وَالْفُقَهَاء قد أباحوا فَرضهَا وَأَن عمر بن الْخطاب ﵁ قد فَرضهَا فِي زَمَانه فَرَاجعه القَاضِي عَن ذَلِك بِكِتَاب يَقُول فِيهِ الْحَمد لله الَّذِي إِلَيْهِ مآبنا وَعَلِيهِ حسابنا وَبعد فقد بَلغنِي مَا ذكره أَمِير الْمُسلمين من اقْتِضَاء المعونة وتأخري عَن ذَلِك وَإِن أَبَا الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَجَمِيع الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء بالعدوة والأندلس أفتوه بِأَن عمر بن الْخطاب ﵁ اقتضاها فالقضاة وَالْفُقَهَاء إِلَى النَّار دون زَبَانِيَة فَإِن كَانَ عمر اقتضاها فقد كَانَ صَاحب رَسُول الله ﷺ ووزيره وضجيعه فِي قَبره وَلَا يشك فِي عدله وَلَيْسَ أَمِير الْمُسلمين بِصَاحِب رَسُول الله ﷺ وَلَا بوزيره وَلَا بضجيعه فِي قَبره وَلَا مِمَّن لَا يشك فِي عدله فَإِن كَانَ الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء أنزلوك مَنْزِلَته فِي الْعدْل فَالله تَعَالَى سائلهم وحسيبهم عَن تقلدهم فِيك وَمَا اقتضاها عمر ﵁ حَتَّى دخل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَحضر من كَانَ مَعَه من الصَّحَابَة ﵃ وَحلف أَن لَيْسَ عِنْده فِي بَيت مَال الْمُسلمين دِرْهَم وَاحِد يُنْفِقهُ عَلَيْهِم فَلْيدْخلْ أَمِير الْمُسلمين الْمَسْجِد الْجَامِع بِحَضْرَة من هُنَاكَ من أهل الْعلم وليحلف أَن لَيْسَ عِنْده فِي بَيت مَال الْمُسلمين دِرْهَم يُنْفِقهُ عَلَيْهِم وَحِينَئِذٍ تجب معونته وَالله تَعَالَى على ذَلِك كُله وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته فَلَمَّا بلغ كِتَابه إِلَى أَمِير الْمُسلمين وعظه الله بقوله وَلم يعد عَلَيْهِ فِي ذَلِك قولا والأعمال بِالنِّيَّاتِ وَكَانَ أَمِير الْمُسلمين حِين ورد عَلَيْهِ التَّقْلِيد من الْخَلِيفَة ضرب السِّكَّة

стр. 286

باسمه وَنقش على الدِّينَار لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَتَحْت ذَلِك أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين وَكتب على الدائرة ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ وَكتب على الصفحة الْأُخْرَى عبد الله أَحْمد أَمِير الْمُؤمنِينَ العباسي وعَلى الدائرة تَارِيخ ضربه وَمَوْضِع سكته وَكَانَ ملكه قد انْتهى إِلَى مَدِينَة أفراغه من قاصية شَرق الأندلس وَإِلَى مَدِينَة أشبونة على الْبَحْر الْمُحِيط من بَحر الأندلس وَذَلِكَ مسيرَة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا طولا وَفِي الْعرض مَا يقرب من ذَلِك وَملك بعدوة الْمغرب من جزائر بني مذغنة إِلَى طنجة إِلَى آخر السوس الْأَقْصَى إِلَى جبال الذَّهَب من بِلَاد السودَان وَلم ير فِي بلد من بِلَاده وَلَا عمل من أَعماله على طول أَيَّامه رسم مكس وَلَا خراج لَا فِي حَاضِرَة وَلَا فِي بادية إِلَّا مَا أَمر الله بِهِ وأوجبه حكم الْكتاب وَالسّنة من الزكوات والأعشار وجزيات أهل الذِّمَّة وأخماس الْغَنَائِم وَقد جبى فِي ذَلِك من الْأَمْوَال على وَجههَا مَا لم يجِيبه أحد قبله يُقَال إِنَّه وجد فِي بَيت مَاله بعد وَفَاته ثَلَاثَة عشر ألف ربع من الْوَرق وَخَمْسَة آلَاف وَأَرْبَعُونَ ربعا من مطبوع الذَّهَب وَكَانَ ﵀ زاهدا فِي زِينَة الدُّنْيَا وزهرتها ورعا متقشفا لِبَاسه الصُّوف لم يلبس قطّ غَيره ومأكله الشّعير وَلُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا مُقْتَصرا على ذَلِك لم ينْقل عَنهُ مُدَّة عمره على مَا منحه الله من سَعَة الْملك وخوله من نعْمَة الدُّنْيَا وَقد رد أَحْكَام الْبِلَاد إِلَى الْقُضَاة وَأسْقط مَا دون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَكَانَ يسير فِي أَعماله بِنَفسِهِ فيتفقد أَحْوَال الرّعية فِي كل سنة وَكَانَ محبا للفقهاء وَأهل الْعلم وَالْفضل مكرما لَهُم صادرا عَن رَأْيهمْ يجْرِي عَلَيْهِم أَرْزَاقهم من بَيت المَال وَكَانَ مَعَ ذَلِك حسن الْأَخْلَاق متواضعا كثير الْحيَاء جَامعا لخصال الْخَيْر رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ

стр. 287

الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُسلمين أبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين اللمتوني لما توفى أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بَايع النَّاس ابْنه عَليّ بن يُوسُف الْمَذْكُور بمراكش بِعَهْد من أَبِيه إِلَيْهِ وَتسَمى بأمير الْمُسلمين وَكَانَ سنه يَوْم بُويِعَ ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَملك من الْبِلَاد مَا لم يملكهُ أَبوهُ لِأَنَّهُ صَادف الْبِلَاد سَاكِنة وَالْأَمْوَال وافرة والرعايا آمِنَة بِانْقِطَاع الثوار واجتماع الْكَلِمَة وسلك طَرِيقه أَبِيه فِي جَمِيع أُمُوره واهتدى بهديه خُرُوج يحيى بن أبي بكر بن يُوسُف بن تاشفين على عَمه أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين لما توفّي أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين سجاه ابْنه عَليّ بن يُوسُف بِثَوْبِهِ وَخرج إِلَى المرابطين وَيَده فِي يَد أَخِيه أبي الطَّاهِر تَمِيم بن يُوسُف فَبَايعهُ ثمَّ قَالَ للمرابطين قومُوا فَبَايعُوا أَمِير الْمُسلمين فَبَايعهُ جَمِيع من حضر من لمتونة وَسَائِر قبائل صنهاجة وَبَايَعَهُ الْفُقَهَاء وأشياخ الْقَبَائِل فتمت لَهُ الْبيعَة بمراكش ثمَّ كتب إِلَى سَائِر بِلَاد الْمغرب والأندلس وبلاد الْقبْلَة يعلمهُمْ بوفاة أَبِيه واستخلافه من بعده وَيَأْمُرهُمْ بالبيعة فَأَتَتْهُ الْبيعَة من جَمِيع الْبِلَاد وَأَقْبَلت نَحوه الْوُفُود للتعزية والتهنئة إِلَّا أهل مَدِينَة فاس فَإِن ابْن أَخِيه يحيى بن أبي بكر بن يُوسُف كَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا من قبل جده يُوسُف فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ الْخَبَر بِمَوْت جده وَولَايَة عَمه عظم عَلَيْهِ ذَلِك وأنف من مبايعة عَمه فَخرج عَلَيْهِ وَوَافَقَهُ على ذَلِك جمَاعَة من قواد لمتونة فزحف إِلَيْهِ عَليّ بن يُوسُف من

стр. 288

مراكش حَتَّى إِذا دنا من فاس خَافَ يحيى بن أبي بكر على نَفسه وَعلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِحَرب عَمه فَأسلم فاسا لِعَمِّهِ وَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب فَدَخلَهَا عَليّ بن يُوسُف يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن من ربيع الآخر سنة خَمْسمِائَة واستقام لَهُ الْأَمر وَقيل إِن عَليّ بن يُوسُف لما دنا من فاس نزل بِمَدِينَة مغيلة من أحوازها ثمَّ كتب إِلَى ابْن أَخِيه يعاتبه على مَا ارْتَكَبهُ من الْخلاف ويدعوه إِلَى الدُّخُول فِي الطَّاعَة كَمَا دخل النَّاس وَكتب كتابا آخر إِلَى أَشْيَاخ الْبَلَد يَدعُوهُم فِيهِ إِلَى بيعَته ويتوعدهم فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى يحيى وقرأه جمع أهل الْبَلَد واستشارهم فِي الْمُقَاتلَة والحصار فَلم يوافقوه فَلَمَّا يئس مِنْهُم خرج فَارًّا إِلَى مزدلي بن تيلكان وَكَانَ عَاملا على تلمسان فَلَقِيَهُ مزدلي بوادي ملوية مُقبلا برسم الْبيعَة لعَلي بن يُوسُف فَأعلمهُ يحيى بِمَا كَانَ من شَأْنه فضمن لَهُ مزدلي عَن عَمه الْعَفو والصفح فَرجع مَعَه حَتَّى إِذا وصلا إِلَى فاس دخل مزدلي على أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف وَنزل يحيى مستخفيا بحومة وَادي شردوع وَلما اجْتمع مزدلي بأمير الْمُسلمين وَسلم عَلَيْهِ وَرَأى مِنْهُ إِكْرَاما وقبولا أعلمهُ بِخَبَر يحيى وَمَا ضمن لَهُ من الْعَفو فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَعَفا عَنهُ وأمنه ثمَّ جَاءَ يحيى فَبَايعهُ وخيره أَمِير الْمُسلمين بَين أَن يسكن بِجَزِيرَة ميروقة بشرق الأندلس أَو ينْصَرف إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء فَاخْتَارَ الصَّحرَاء فَانْصَرف إِلَيْهَا ثمَّ سَافر مِنْهَا إِلَى الْحجاز فحج الْبَيْت وَرجع إِلَى عَمه فاستأذنه أَن يكون فِي جملَته وَيكون سكناهُ مَعَه بِحَضْرَة مراكش فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فسكنها مُدَّة ثمَّ اتهمه عَمه بالتشغيب عَلَيْهِ فثقفه وَبعث بِهِ إِلَى الجزيرة الخضراء فاستمر بهَا إِلَى أَن مَاتَ

стр. 289

أَخْبَار الْوُلَاة بالمغرب والأندلس لما بُويِعَ أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف عزل عَن قرطبة الْأَمِير أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْحَاج اللمتوني وَولى مَكَانَهُ الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أبي زلفى فغزا طليطلة وأوقع بالنصارى فَقَتلهُمْ قتلا ذريعا بِبَاب القنطرة أَخذهم على غرَّة وَفِي سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة عزل أَمِير الْمُسلمين أَخَاهُ تَمِيم بن يُوسُف بن تاشفين عَن بِلَاد الْمغرب وَولى مَكَانَهُ أَبَا عبد الله بن الْحَاج فَأَقَامَ واليا على فاس وَسَائِر أَعمال الْمغرب نَحْو سِتَّة أشهر ثمَّ عَزله وولاه بلنسية وأعمالها من بِلَاد شَرق الأندلس وَلما عزل أَمِير الْمُسلمين أَخَاهُ تَمِيم بن يُوسُف عَن بِلَاد الْمغرب ولاه غرناطة وأعمالها من بِلَاد الأندلس فَكَانَت لَهُ على النَّصَارَى وقْعَة أفليج وَذَلِكَ أَنه خرج غازيا بِلَاد الفرنج سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة فَنزل حصن أفليج وَبِه جمع عَظِيم من الفرنج فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى اقتحم عَلَيْهِم الْحصن فأرز النَّصَارَى إِلَى القصبة فَتَحَصَّنُوا بهَا وانْتهى خبرهم إِلَى الفنش فاستعد لِلْخُرُوجِ لإغاثتهم فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ زَوجته أَن يبْعَث وَلَده عوضا مِنْهُ لِأَن تَمِيم بن يُوسُف ابْن ملك الْمُسلمين وسانجة ابْن ملك النَّصَارَى فامتثل إشارتها وَبعث وَلَده سانجة فِي جَيش كثيف من زعماء الفرنج وأنجادهم فَسَار حَتَّى إِذا دنا من أفليج أخبر تَمِيم بن يُوسُف بمقدمه فعزم على الإفراج عَن الْحصن وَأَن لَا يلقى الفرنج فَأَشَارَ عَلَيْهِ قواد لمتونة مِنْهُم عبد الله بن مُحَمَّد ابْن فَاطِمَة وَمُحَمّد بن عَائِشَة وَغَيرهم بالْمقَام وشجعوه وهونوا عَلَيْهِ أَمرهم فَقَالُوا إِنَّمَا قدمُوا فِي ثَلَاثَة آلَاف فَارس وبيننا وَبينهمْ مَسَافَة فَرجع إِلَى رَأْيهمْ فَلم يكن إِلَّا عشي ذَلِك الْيَوْم حَتَّى وافتهم جيوش الفرنج فِي أُلُوف

стр. 290

كَثِيرَة فهم تَمِيم بالفرار فَلم يجد لَهُ سَبِيلا ثمَّ صمم قواد لمتونة على مناجزة الْعَدو وصمدوا إِلَيْهِ فَكَانَت بَينهم حَرْب عَظِيمَة بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا فَهزمَ الله تَعَالَى الْعَدو وَنصر الْمُسلمين وَقتل ولد الفنش وَقتل مَعَه من الرّوم ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ألفا ونيف وَدخل الْمُسلمُونَ أفليج بِالسَّيْفِ عنْوَة وَاسْتشْهدَ فِي هَذِه الْوَقْعَة جمَاعَة من الْمُسلمين ﵏ واتصل الْخَبَر بالفنش فَاغْتَمَّ لقتل وَلَده وَأخذ بَلَده وهلاك جنده فَمَرض وَمَات أسفا لعشرين يَوْمًا من الْوَقْعَة وَكتب تَمِيم بن يُوسُف إِلَى أَمِير الْمُسلمين بِالْفَتْح وَاعْلَم أَنه يُقَال فِي مُلُوك الجلالقة الَّذين نسميهم الْيَوْم الإصبنيول الأذفونش وَيُقَال الفنش فَقَالَ ابْن خلكان الأذفونش بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَضم الْفَاء وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا نون ثمَّ شين مُعْجمَة هُوَ اسْم لأكبر مُلُوك الإفرنج وَهُوَ صَاحب طليطلة وَقَالَ ابْن خلدون بَنو أذفونش هم ولد أذفونش بن بطرة أول مُلُوك الجلالقة اه وَأما قَوْلهم الفنش فَهُوَ اسْم علم لبَعض مُلُوكهمْ وَلَيْسَ لقبا لجميعهم وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحَاج ﵀ مُدَّة مقَامه ببلنسية قد ضيق على النَّصَارَى تضييقا فَاحِشا بالغارات والنهب فَخرج فِي غزَاة لَهُ ذَات مرّة فَأخذ على طَرِيق الْبَريَّة فغنم وسبى وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من قواد لمتونة فَبعث بالمغنم على الطَّرِيق الْكَبِير وَأخذ هُوَ على بَريَّة تقرب من بِلَاد الْمُسلمين وَكَانَ أَكثر النَّاس مَعَ الْمغنم وَكَانَ طَرِيق الْبَريَّة الَّذِي أَخذ عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَاج لَا يسْلك إِلَّا على سرب وَاحِد لصعوبته وَشدَّة وعورته فَلَمَّا توسطه مُحَمَّد بن الْحَاج وأخذته الأوعار والمضايق من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وجد النَّصَارَى قد كمنوا لَهُ فِي جِهَة من تِلْكَ الْجِهَات فَقَاتلهُمْ قتال من أَيقَن بِالْمَوْتِ واغتنم الشَّهَادَة إِذْ لم يجد منفذا يخلص مِنْهُ فاستشهد ﵀ وَاسْتشْهدَ مَعَه جمَاعَة من المتطوعة وتخلص مِنْهُم الْقَائِد مُحَمَّد بن عَائِشَة فِي نفر يسير بحيلة أعملها

стр. 291

واتصل خبر الْوَقْعَة بأمير الْمُسلمين فآسفه موت أبي عبد الله بن الْحَاج وَولى مَكَانَهُ أَبَا بكر بن إِبْرَاهِيم بن تافلوت وَهُوَ ممدوح بن خفاجة ومخدوم أبي بكر بن باجة الْحَكِيم الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ وَكَانَ عَاملا على مرسية فوصل إِلَيْهِ الْعَهْد بِالْولَايَةِ على بلنسية وطرطوشة وَمَا والاهما وَهُوَ بمرسية ثمَّ خرج بِجَيْش مرسية الى بلنسية فَاجْتمع إِلَيْهِ من كَانَ بهَا من الْجند ثمَّ زحف بهم إِلَى برشلونة فنازلها وَأقَام عَلَيْهَا عشْرين يَوْمًا فانتسف مَا حولهَا وَقطع ثمارها وَخرب قراها فَأَتَاهُ ابْن رذمير من قرَابَة الأذفونش فِي جيوش كَثِيرَة من حشود بسيط برشلونة وبلاد أربونة فَكَانَت بَينهم حَرْب عَظِيمَة مَاتَ فِيهَا خلق كثير من الفرنج وَاسْتشْهدَ فِيهَا من الْمُسلمين نَحْو السبعمائة رَحِمهم الله تَعَالَى أَخْبَار أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فِي الْجِهَاد وجوازه الأول إِلَى بِلَاد الأندلس لما دخلت سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة جَازَ أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد فَعبر الْبَحْر من سبتة منتصف الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة فِي جيوش عَظِيمَة تزيد على مائَة ألف فَارس فَانْتهى إِلَى قرطبة فَأَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ خرج مِنْهَا غازيا إِلَى مَدِينَة طلايوت فَفَتحهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ وَفتح من أَعمال طليطلة سَبْعَة وَعشْرين حصنا وَفتح مجريط ووادي الْحِجَارَة وانْتهى إِلَى طليطلة فحاصرها شهرا وانتسف مَا حولهَا وَبَالغ فِي النكاية ثمَّ قفل إِلَى قرطبة بعد أَن دوخ الْبِلَاد وَفِي سنة أَربع وَخَمْسمِائة فتح الْأَمِير سير بن أبي بكر شنترين

стр. 292

وبطليوس ويابورة وبرتغال وأشبونة وَغير ذَلِك من بِلَاد غرب الأندلس وَكَانَ ذَلِك فِي شهر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكتب بِالْفَتْح إِلَى أَمِير الْمُسلمين وَفِي سنة سبع وَخَمْسمِائة توفّي الْأَمِير سير بن أبي بكر بإشبيلية وَدفن بهَا وَولي إشبيلية عوضا مِنْهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن فَاطِمَة فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي سنة عشر وَخَمْسمِائة وَفِي سنة سبع الْمَذْكُورَة غزا الْأَمِير مزدلي طليطلة وأعمالها فدوخها وَفتح حصن أرجنة عنْوَة فَقتل الْمُقَاتلَة وسبى النِّسَاء والذرية واتصل الْخَبَر بالبرهانس كَبِير الفرنج فَأقبل لنصرتهم واستنقاذهم فصمد الْقَائِد مزدلي للقائه ففر أَمَامه لَيْلًا وَعَاد مزدلي إِلَى قرطبة ظافرا غانما ثمَّ كَانَت لَهُ فِي الفرنج وقائع أُخْرَى إِلَى أَن توفّي ﵀ غازيا بِبِلَاد الفرنج سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة فولى أَمِير الْمُسلمين مَكَانَهُ على قرطبة ابْنه مُحَمَّد بن مزدلي فَأَقَامَ واليا عَلَيْهَا ثَلَاثَة أشهر ثمَّ توفّي شَهِيدا فِي بعض غَزَوَاته أَيْضا اسْتِيلَاء الْعَدو على سرقسطة كَانَت سرقسطة وأعمالها من شَرق الأندلس بيد بني هود الجذاميين تغلبُوا عَلَيْهَا فِي صدر الْمِائَة الْخَامِسَة أَيَّام الطوائف وتوارثوها إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم أَحْمد بن يُوسُف الملقب بالمستعين بِاللَّه فزحف إِلَيْهِ ابْن رذمير سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة فَخرج إِلَيْهِ المستعين فَالْتَقوا بِظَاهِر سرقسطة فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَاسْتشْهدَ مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم المستعين بن هود ثمَّ لما كَانَت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَصَاحب سرقسطة يَوْمئِذٍ عبد الْملك بن المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة زحف ابْن رذمير

стр. 293

إِلَيْهَا وزحف الفنش أَيْضا فِي أُمَم من النَّصْرَانِيَّة إِلَى لاردة من بِلَاد الْجوف فنازلها واتصل الْخَبَر بأمير الْمُسلمين فَكتب إِلَى أُمَرَاء غرب الأندلس يَأْمُرهُم بِالْمَسِيرِ إِلَى أَخِيه تَمِيم بن يُوسُف وَكَانَ يَوْمئِذٍ واليا على شَرق الأندلس فيسيرون مَعَه لاستنقاذ سرقسطة ولاردة فَقدم على تَمِيم عبد الله بن مزدلي وَأَبُو يحيى بن تاشفين صَاحب قرطبة بعساكرهما فَخرج تَمِيم بن يُوسُف من بلنسية مَعَ أُمَرَاء الأندلس فصمد نَحْو لاردة وَكَانَ بَينه وَبَين الفنش قتال عَظِيم أزعجه عَن لاردة خاسئا صاغرا بعد أَن بذل جهده فِي حصارها وأفقد من جيوشه عَلَيْهَا مَا يزِيد على الْعشْرَة آلَاف فَارس وَرجع تَمِيم إِلَى بلنسية وَلما رأى ابْن رذمير ذَلِك بعث إِلَى طوائف الإفرنج يستصرخهم على سرقسطة فَأتوا فِي أُمَم كالنمل حَتَّى نازلها مَعَه وشرعوا فِي الْقِتَال وصنعوا أبراجا من خشب تجْرِي على بَرَكَات وقربوها مِنْهَا ونصبوا فِيهَا الرعادات ونصبوا عَلَيْهَا عشْرين منجنيقا وَقَوي طمعهم فِيهَا فَاشْتَدَّ الْحصار وَاسْتمرّ حَتَّى فنيت الأقوات وَهلك أَكثر النَّاس جوعا فراسل الْمُسلمُونَ الَّذين بهَا ابْن رذمير على أَن يرفع عَنْهُم الْقِتَال إِلَى أجل فَإِن لم يَأْتِيهم من ينصرهم أخلوا لَهُ الْبَلَد وأسلموه إِلَيْهِ فعاهدهم على ذَلِك فتم الْأَجَل وَلم يَأْتهمْ أحد فدفعوا إِلَيْهِ الْمَدِينَة وَخَرجُوا إِلَى مرسية وبلنسية وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة وَبعد اسْتِيلَاء النَّصَارَى عَلَيْهَا وصل من بر العدوة جَيش فِيهِ عشرَة آلَاف فَارس بَعثه أَمِير الْمُسلمين لاستنقاذها فوجدوها قد فرغ مِنْهُ وَنفذ حكم الله فِيهَا وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة تغلب ابْن رذمير على بِلَاد شَرق الأندلس وَملك قلعة أَيُّوب الَّتِي لَيْسَ فِي بِلَاد شَرق الأندلس أمنع مِنْهَا وألح بالغارات على بِلَاد الْجوف فاتصلت هَذِه الْأَخْبَار بأمير الْمُسلمين وَهُوَ بمراكش فَجَاز إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد وَضبط الثغور وَهُوَ جَوَازه الثَّانِي

стр. 294

فَجَاز مَعَه خلق كثير من المرابطين والمتطوعة من الْعَرَب وزناتة والمصامدة وَسَائِر قبائل البربر فوصل بجيوشه إِلَى قرطبة وَنزل خَارِجهَا وأتته وُفُود الأندلس للسلام عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَن أَحْوَال بِلَادهمْ وثغورهم بَلَدا بَلَدا فعرفوه بِمَا كَانَ وعزل القَاضِي أَبَا الْوَلِيد بن رشد عَن قَضَاء قرطبة وَولى مَكَانَهُ أَبَا الْقَاسِم بن حمدين وَيُقَال إِنَّمَا عزل ابْن رشد لِأَنَّهُ استعفاه وَكَانَ قد اشْتغل بتأليف الْبَيَان والتحصيل ثمَّ سَار أَمِير الْمُسلمين حَتَّى نزل على مَدِينَة شنتمرية فَفَتحهَا عنْوَة وَسَار فِي بِلَاد الفرنج يقتل وَيَسْبِي وَيقطع الثِّمَار وَيخرب الْقرى والديار حَتَّى دوخ بِلَاد غرب الأندلس وفر أَمَامه الفرنج وتحصنوا بالمعاقل المنيعة وَفِي سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة عَاد أَمِير الْمُسلمين إِلَى بِلَاد العدوة بعد أَن ولى أَخَاهُ تَمِيم بن يُوسُف على جَمِيع بِلَاد الأندلس فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة ولَايَة الْأَمِير تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف على بِلَاد الأندلس وأخباره فِي الْجِهَاد لما توفّي الْأَمِير تَمِيم بن يُوسُف فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ولى أَمِير الْمُسلمين على بِلَاد الأندلس ابْنه تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف مَا عدا الجزائر الشرقية فَإِنَّهُ قد عقد عَلَيْهَا لمُحَمد بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية فَعبر الْأَمِير تاشفين الْبَحْر إِلَى الأندلس فِي خَمْسَة آلَاف من الْجند وَبعث إِلَى أجناد الْبِلَاد فَأتوهُ فَخرج بهم غازيا طليطلة فَفتح بعض حصونها بِالسَّيْفِ وانتسف مَا حولهَا وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة هزم الْأَمِير تاشفين

стр. 295

النَّصَارَى بفحص الصباب وقتلهم قتلا ذريعا وَفتح ثَلَاثِينَ حصنا من حصون غرب الأندلس وَكتب بِالْفَتْح إِلَى أَبِيه وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة هزم الْأَمِير تاشفين جموع الفرنج بفحص عَطِيَّة وأفنى مِنْهُم خلقا كثيرا بِالسَّيْفِ وَفِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بعْدهَا دخل الْأَمِير تاشفين مَدِينَة كركى بِالسَّيْفِ فَلم يبْق بهَا بشرا وَفِي سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ بعْدهَا جَازَ الْأَمِير تاشفين من الأندلس إِلَى الْمغرب بعد أَن غزا مَدِينَة أشكونية فَفَتحهَا عنْوَة وَحمل مَعَه من سبيهَا إِلَى العدوة سِتَّة آلَاف سبية فَانْتهى إِلَى مراكش وَخرج أَمِير الْمُسلمين للقائه فِي زِيّ عَظِيم وسرور كَبِير وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ بعْدهَا أَخذ أَمِير الْمُسلمين الْبيعَة لوَلَده تاشفين وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة كَانَت وَفَاة أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين اللمتوني ﵀ وَذَلِكَ لسبع خلون من رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة قَالَ ابْن خلكان كَانَ أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين رجلا حَلِيمًا وقورا صَالحا عادلا منقادا إِلَى الْحق وَالْعُلَمَاء تجبى إِلَيْهِ الْأَمْوَال من الْبِلَاد وَلم يزعزعه عَن سَرِيره قطّ حَادث وَلَا طَاف بِهِ مَكْرُوه قلت قد طَاف بِهِ فِي آخر دولته أعظم مَكْرُوه وَذَلِكَ مُحَمَّد بن تومرت النابغ تَحت إبطه بحبال المصامدة كَمَا يَأْتِي خَبره إِن شَاءَ الله

стр. 296

الْخَبَر عَن دولة أبي الْمعز تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف ابْن تاشفين اللمتوني لما توفّي أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ولي بعده ابْنه أَبُو الْمعز تاشفين بن عَليّ بِعَهْد من أَبِيه إِلَيْهِ وَأخذ بِطَاعَتِهِ وبيعته أهل العدوتين مَعًا كَمَا كَانُوا فِي عهد أَبِيه وَكَانَ أَمر عبد الْمُؤمن بن عَليّ يَوْمئِذٍ قد استفحل بتينملل وَسَائِر بِلَاد المصامدة أهل جبل درن قَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ تاشفين بن عَليّ قد اسْتَخْلَفَهُ أَبوهُ على بِلَاد الأندلس ثمَّ استقدمه لمدافعة أَصْحَاب مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين فَلم ينجح أمره بِخِلَاف مَا عوده الله فِي بِلَاد الأندلس من النَّصْر لما قَضَاهُ الله من الإدبار على دولتهم وَلما خرج عبد الْمُؤمن بن عَليّ من تينملل يُرِيد فتح بِلَاد الْمغرب وَكَانَ مسيره على طَرِيق الْجبَال سير أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف ابْنه تاشفين الْمَذْكُور مُعَارضا لَهُ على طَرِيق السهل وَأَقَامُوا على ذَلِك مُدَّة توفّي أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فِي أَثْنَائِهَا وأفضى الْأَمر إِلَى ابْنه تاشفين وَهُوَ فِي الْحَرْب وَقدم أهل مراكش إِسْحَاق بن عَليّ بن تاشفين نَائِبا عَن أَخِيه تاشفين بمراكش وأعمالها وَمضى تاشفين بعد الْبيعَة لَهُ مُتبعا لعبد الْمُؤمن حَتَّى انتهيا تلمسان فَنزل عبد الْمُؤمن بكهف الضَّحَّاك بَين الصخرتين من جبل تيطرى المطل عَلَيْهَا وَنزل تاشفين بالبسيط مِمَّا يَلِي الصفصاف وَوَصله هُنَاكَ مدد صنهاجة من قبل يحيى بن الْعَزِيز صَاحب بجاية مَعَ قائده طَاهِر بن كباب لعصبية الصنهاجية وَفِي يَوْم وُصُوله أشرف على عَسْكَر الْمُوَحِّدين وَكَانَ يدل بإقدام وشجاعة فَقَالَ لجيش لمتونة إِنَّمَا جِئتُكُمْ لأخلصكم من صَاحبكُم عبد الْمُؤمن هَذَا وأرجع إِلَى قومِي فامتعض تاشفين لكلمته وَأذن لَهُ فِي المناجزة فَحمل على الْقَوْم فَرَكبُوا وصمموا للقائه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ

стр. 297

وبعسكره وَكَانَ الموحدون قد قتلوا قبل ذَلِك الروبرتير قَائِد تاشفين على الرّوم وَقتلُوا عسكره فِي بعض الغارات ثمَّ فتكوا بعسكر ثَالِث من عَسَاكِر تاشفين ونالوا مِنْهُ أعظم النّيل وَفِي القرطاس زحف المرابطون لقِتَال الْمُوَحِّدين فنهاهم تاشفين فَلم ينْتَهوا وتعلقوا فِي الْجَبَل لقتالهم فهبط عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم هزيمَة شنعاء وَلما توالت هَذِه الوقائع على تاشفين أجمع الرحلة إِلَى وهران فَبعث ابْنه إِبْرَاهِيم ولي عَهده إِلَى مراكش فِي جمَاعَة من لمتونة وَبعث كَاتبا مَعَه أَحْمد بن عَطِيَّة ورحل هُوَ إِلَى وهران سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَأَقَامَ عَلَيْهَا شهرا ينْتَظر قَائِد أسطوله مُحَمَّد بن مَيْمُون إِلَى أَن وصل إِلَيْهِ من المرية بِعشْرَة أساطيل فأرسى قَرِيبا من مُعَسْكَره وزحف عبد الْمُؤمن من تلمسان وَبعث فِي مقدمته الشَّيْخ أَبَا حَفْص عمر بن يحيى فقدموا وهران وفضوا جموع المرابطين الَّذين بهَا ولجأ تاشفين إِلَى رابية هُنَاكَ فأحدقوا بهَا وأضرموا النيرَان حولهَا حَتَّى إِذا غشيهم اللَّيْل خرج تاشفين من الْحصن رَاكِبًا على فرسه فتردى من بعض حافات الْجَبَل وَهلك لسبع وَعشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَنَجَا فل الْعَسْكَر إِلَى وهران فانحصروا مَعَ أَهلهَا حَتَّى جهدهمْ الْعَطش ونزلوا جَمِيعًا على حكم عبد الْمُؤمن يَوْم عيد الْفطر من السّنة الْمَذْكُورَة فَأتى عَلَيْهِم الْقَتْل ﵏ وَقَالَ فِي القرطاس إِن تاشفين بن عَليّ خرج ذَات لَيْلَة وَهُوَ بوهران ليضْرب فِي محلّة الْمُوَحِّدين فتكاثرت عَلَيْهِ الْخَيل وَالرجل ففر أمامهم وَكَانَ بجبل عَال مشرف على الْبَحْر فَظن أَن الأَرْض مُتَّصِلَة بِهِ فَأَهوى من شَاهِق بِإِزَاءِ رابطة وهران فَمَاتَ ﵀ وَكَانَ ذَلِك فِي لَيْلَة مظْلمَة ممطرة وَهِي لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة آنِفا

стр. 298

فَوجدَ من الْغَد بِإِزَاءِ الْبَحْر مَيتا فاحتز رَأسه وَحمل إِلَى تينملل فعلق على شَجَرَة هُنَاكَ وَذَلِكَ بعد مُلَازمَة الْحَرْب مَعَ الْمُوَحِّدين فِي الْبَيْدَاء لم يأو إِلَى ظلّ قطّ من يَوْم بُويِعَ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنتَيْن وشهرا وَنصف شهر وَقَالَ ابْن خلكان لما تَيَقّن تاشفين بن عَليّ أَن دولتهم ستزول أَتَى مَدِينَة وهران وَهِي على الْبَحْر وَقصد أَن يَجْعَلهَا مقره فَإِن غلب على الْأَمر ركب مِنْهَا إِلَى الأندلس وَكَانَ فِي ظَاهر وهران ربوة على الْبَحْر تسمى صلب الْكَلْب وبأعلاها رِبَاط يأوي إِلَيْهِ المتعبدون وَفِي لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة صعد تاشفين إِلَى ذَلِك الرِّبَاط ليحضر الْخَتْم فِي جمَاعَة يسيرَة من خواصه وَكَانَ عبد الْمُؤمن بجمعه فِي تاكرارت وَهِي وَطنه وَاتفقَ أَنه أرسل منسرا من الْخَيل إِلَى وهران فوصلوها فِي الْيَوْم السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان ومقدمهم الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى صَاحب الْمهْدي فكمنوا عَشِيَّة وأعلموا بانفراد تاشفين فِي ذَلِك الرِّبَاط فقصدوه وَأَحَاطُوا بِهِ وأحرقوا بَابه فأيقن الَّذين فِيهِ بِالْهَلَاكِ فَخرج رَاكِبًا فرسه وَشد الركض عَلَيْهِ ليثب الْفرس النَّار وينجو فترامى الْفرس نازيا لروعته وَلم يملكهُ اللجام حَتَّى تردى من جرف هُنَالك إِلَى جِهَة الْبَحْر على حِجَارَة فِي مَحل وعر فتكسر الْفرس وَهلك تاشفين فِي الْوَقْت وَقتل الْخَواص الَّذين كَانُوا مَعَه وَكَانَ عسكره فِي نَاحيَة أُخْرَى لَا علم لَهُم بِمَا جرى فِي ذَلِك اللَّيْل وَجَاء الْخَبَر بذلك إِلَى عبد الْمُؤمن فوصل إِلَى وهران وَسمي ذَلِك الْموضع الَّذِي فِيهِ الرِّبَاط صلب الْفَتْح وَمن ذَلِك الْوَقْت نزل عبد الْمُؤمن من الْجَبَل إِلَى السهل ثمَّ توجه إِلَى تلمسان وَهِي مدينتان قديمَة وحادثة بَينهمَا شوط فرس ثمَّ توجه إِلَى فاس فحاصرها وَاسْتولى عَلَيْهَا سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ قصد مراكش سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بعْدهَا فحاصرها أحد عشر شهرا وفيهَا إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين

стр. 299

وَجَمَاعَة من مَشَايِخ دولتهم فقدموه بعد موت أَبِيه عَليّ بن يُوسُف نَائِبا عَن أَخِيه تاشفين فاستولى عَلَيْهَا وَقد بلغ الْقَحْط من أَهلهَا كل مبلغ وَأخرج إِلَيْهِ إِسْحَاق بن عَليّ وَمَعَهُ سير بن الْحَاج وَكَانَ من الشجعان وَمن خَواص دولتهم وَكَانَا مكتوفين وَإِسْحَاق دون بُلُوغ فعزم عبد الْمُؤمن أَن يعْفُو عَن إِسْحَاق لصِغَر سنه فَلم يُوَافقهُ خواصه وَكَانَ لَا يخالفهم فخلى بَينهم وَبَينهمَا فَقَتَلُوهُمَا ثمَّ نزل عبد الْمُؤمن الْقصر وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقَالَ ابْن خلدون أَقَامَ الموحدون على مراكش تِسْعَة اشهر وأمير الملثمين يَوْمئِذٍ إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بَايعُوهُ صَبيا صَغِيرا عِنْد بُلُوغ خبر أَخِيه وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار وَجَهْدهمْ الْجُوع برزوا إِلَى مدافعة الْمُوَحِّدين فَانْهَزَمُوا وتتبعهم الموحدون بِالْقَتْلِ واقتحموا عَلَيْهِم الْمَدِينَة فِي أخريات شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقتل عَامَّة الملثمين وَنَجَا إِسْحَاق فِي جملَته وأعيان قومه إِلَى القصبة حَتَّى نزلو اعلى حكم الْمُوَحِّدين وأحضر إِسْحَاق بَين يَدي عبد الْمُؤمن فَقتله الموحدون بِأَيْدِيهِم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو حَفْص عمر بن واكاك مِنْهُم وانمحى أثر الملثمين وَاسْتولى الموحدون على الْبِلَاد وَالله غَالب على أمره قَالَ ابْن جُنُون كَانَت لمتونة أهل ديانَة وَصدق وَنِيَّة خَالِصَة وَصِحَّة مَذْهَب ملكوا بالأندلس من بِلَاد الإفرنج إِلَى الْبَحْر الغربي الْمُحِيط وَمن بِلَاد العدوة من مَدِينَة بجاية إِلَى جبل الذَّهَب من بِلَاد السودَان وخطب لَهُم على أَزِيد من ألفي مِنْبَر بالتثنية وَكَانَت أيامهم أَيَّام دعة ورفاهية ورخاء مُتَّصِل وعافية وَأمن تناهى الْقَمْح فِي أيامهم إِلَى أَن بيع أَرْبَعَة أوسق بِنصْف مِثْقَال وبيعت الثِّمَار ثَمَانِيَة أوسق بِنصْف مِثْقَال والقطاني لَا تبَاع وَلَا تشترى وَكَانَ ذَلِك مصحوبا بطول أيامهم وَلم يكن فِي عمل من أَعْمَالهم خراج وَلَا مَعُونَة وَلَا تسقيط وَلَا وظيف من الْوَظَائِف المخزونية حاشا الزَّكَاة وَالْعشر وَكَثُرت

стр. 300

الْخيرَات فِي دولتهم وعمرت الْبِلَاد وَوَقعت الْغِبْطَة وَلم يكن فِي أيامهم نفاق وَلَا قطاع طَرِيق وَلَا من يقوم عَلَيْهِم وأحبهم النَّاس إِلَى أَن خرج عَلَيْهِم مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَأما الْأَحْدَاث الْوَاقِعَة فِي أيامهم فَفِي شهر ذِي الْحجَّة من سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة ظهر النَّجْم المعكف بالمغرب وَفِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة كسفت الشَّمْس الْكُسُوف الْكُلِّي الَّذِي لم يعْهَد قبله مثله وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ عِنْد الزَّوَال فِي الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين من الشَّهْر وَفِي سنة اثْنَيْنِ وَسبعين بعْدهَا كَانَت الزلزلة الْعَظِيمَة الَّتِي لم ير النَّاس مثلهَا بالمغرب انهرمت مِنْهَا الْأَبْنِيَة وَوَقعت الصوامع والمنارات وَمَات فيهاخلق كثير تَحت الْهدم وَلم تزل الزلزلة تتعاقب فِي كل يَوْم وَلَيْلَة من أول يَوْم ربيع الأول إِلَى آخر يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ولد الْفَقِيه القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْأَصْبَغ الْمَعْرُوف بِابْن المناصف صَاحب الأرجوزة وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة توفّي الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الطلاع وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة توفّي أَبُو الْفضل يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن النَّحْوِيّ بقلعة حَمَّاد صحب أَبَا الْحسن اللَّخْمِيّ وَغَيره من الْمَشَايِخ وَكَانَ أَبُو الْفضل من أهل الْعلم وَالدّين على هدي السّلف الصَّالح وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَلما أفتى فُقَهَاء الْمغرب بإحراق كتب الشَّيْخ أبي حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ وَأمر أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بحرقها انتصر أَبُو الْفضل هَذَا لأبي حَامِد ﵀ وَكتب إِلَى أَمِير الْمُسلمين فِي ذَلِك وَحدث صَاحب التشوف وَهُوَ أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن يحيى التدالي المراكشي الدَّار عرف بِابْن الزيات بِسَنَدِهِ عَن أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم

стр. 301

قَالَ لما وصل إِلَى فاس كتاب أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بالتحريج على كتاب الْإِحْيَاء وَأَن يحلف النَّاس بالأيمان الْمُغَلَّظَة أَن كتاب الْإِحْيَاء لَيْسَ عِنْدهم ذهبت إِلَى أبي الْفضل أستفتيه فِي تِلْكَ الْأَيْمَان فَأفْتى بِأَنَّهَا لَا تلْزم وَكَانَت إِلَى جنبه أسفار فَقَالَ لي هَذِه الْأَسْفَار من كتاب الْأَحْيَاء وددت أَنِّي لم أنظر فِي عمري سواهَا وَكَانَ أَبُو الْفضل قد انسخ كتاب الْإِحْيَاء فِي ثَلَاثِينَ جُزْءا فَإِذا دخل شهر رَمَضَان قَرَأَ فِي كل يَوْم جُزْءا ومناقبه كَثِيرَة ﵀ قلت لم يَقع فِي دولة المرابطين أشنع من هَذِه النَّازِلَة وَهِي إحراق كتاب الْإِحْيَاء فَإِنَّهُ لما وصلت نُسْخَة إِلَى بِلَاد الْمغرب تصفحها جمَاعَة من فقهائه مُهِمّ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن حمدين فانتقدوا فِيهَا أَشْيَاء على الشَّيْخ أبي حَامِد ﵁ وأعلموا السُّلْطَان بأمرها وأفتوه بِأَنَّهَا يجب إحراقها وَلَا تجوز قرَاءَتهَا بِحَال وَكَانَ عَليّ بن يُوسُف وَاقِفًا كأبيه عِنْد إِشَارَة الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم قد رد جَمِيع الْأَحْكَام إِلَيْهِم فَلَمَّا أفتوه بإحراق كتاب الْإِحْيَاء كتب إِلَى أهل مَمْلَكَته فِي سَائِر الْأَمْصَار والأقطار بِأَن يبْحَث عَن نسخ الْإِحْيَاء بحثا أكيدا وَيحرق مَا عثر عَلَيْهِ مِنْهَا فَجمع من نسخهَا عدد كثير بِبِلَاد الأندلس وَوضعت بِصَحْنِ جَامع قرطبة وصب عَلَيْهَا الزَّيْت ثمَّ أوقد عَلَيْهَا بالنَّار وَكَذَا فعل بِمَا ألفى من نسخهَا بمراكش وتوالى الإحراق عَلَيْهَا فِي سَائِر بِلَاد الْمغرب وَيُقَال إِن ذَلِك كَانَ فِي حَيَاة الشَّيْخ أبي حَامِد ﵀ وَأَنه دَعَا بِسَبَب ذَلِك على المرابطين أَن يمزق ملكهم فاستجيب لَهُ فيهم فَإِن كَانَ كَذَلِك فتاريخ الإحراق يكون فِيمَا بَين الْخَمْسمِائَةِ وَالْخمس بعْدهَا لِأَن بيعَة عَليّ بن يُوسُف كَانَت على رَأس الْخَمْسمِائَةِ ووفاة الشَّيْخ أبي حَامِد

стр. 302

الْغَزالِيّ ﵁ كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخَمْسمِائة وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عَطاء الله الصنهاجي الْمَعْرُوف بِابْن العريف كَانَ متناهيا فِي الْفضل وَالدّين والزهد فِي الدُّنْيَا مُنْقَطِعًا إِلَى الْخَيْر يَقْصِدهُ النَّاس ويألفونه فيحمدون صحبته وسعى بِهِ إِلَى أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فَأمر بإشخاصه إِلَى حَضْرَة مراكش فوصلها وَتُوفِّي بهَا لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة واحتفل النَّاس لجنازته وَنَدم أَمِير الْمُسلمين على مَا كَانَ مِنْهُ لَهُ فِي حَيَاته وَظَهَرت لَهُ كرامات ﵀ وَدفن بِقرب الْجَامِع الْقَدِيم الَّذِي بوسط مراكش فِي رَوْضَة القَاضِي مُوسَى بن أَحْمد الصنهاجي قلت وقبره الْآن مَشْهُور بسوق العطارين من مراكش عَلَيْهِ بِنَاء حفيل وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا أَعنِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة توفّي أَبُو الحكم بن برجان قَالَ ابْن خلكان هُوَ أَبُو الحكم عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن اللَّخْمِيّ عرف بِابْن برجان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الرَّاء وَبعدهَا جِيم وَبعد الْألف نون وَكَانَ عبدا صَالحا وَله تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وَأكْثر كَلَامه فِيهِ على طَرِيق أَرْبَاب الْأَحْوَال والمقامات وَقَالَ فِي التشوف لما أشخص أَبُو الحكم بن برجان من قرطبة إِلَى حَضْرَة مراكش وَكَانَ فُقَهَاء الْعَصْر انتقدوا عَلَيْهِ مسَائِل قَالَ أَبُو الحكم وَالله لَا عِشْت وَلَا عَاشَ الَّذِي أشخصني بعد موتِي يَعْنِي أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف فَمَاتَ أَبُو الحكم فَأمر أَمِير الْمُسلمين أَن يطْرَح على المزبلة وَلَا

стр. 303

يصلى عَلَيْهِ وَقد فِيهِ من تكلم فِيهِ من الْفُقَهَاء وَكَانَ أَبُو الْحسن عَليّ بن حرزهم يَوْمئِذٍ بمراكش فَدخل عَلَيْهِ رجل أسود كَانَ يَخْدمه ويحضر مَجْلِسه فَأخْبرهُ بِمَا أَمر بِهِ السُّلْطَان فِي شَأْن أبي الحكم فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحسن إِن كنت تبيع نَفسك من الله فافعل مَا أقوله لَك فَقَالَ لَهُ مرني بِمَا شِئْت أَفعلهُ فَقَالَ لَهُ تنادي فِي طرق مراكش واسواقها يَقُول لكم ابْن حرزهم احضروا جَنَازَة الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح الزَّاهِد أبي الحكم بن برجان وَمن قدر على حُضُورهَا وَلم يحضر فَعَلَيهِ لعنة الله فَفعل مَا أمره فَبلغ ذَلِك أَمِير الْمُسلمين فَقَالَ من عرف فَضله وَلم يحضر جنَازَته فَعَلَيهِ لعنة الله قَالَ ابْن عبد الْملك فِي كتاب الذيل والتكملة أَبُو الحكم بن برجان مدفون بمراكش برحبة الْحِنْطَة مِنْهَا قَالَ وَهُوَ الَّذِي تَقول لَهُ الْعَامَّة سَيِّدي أَبُو الرِّجَال وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو ينور المشترائي مَوْجُودا فِي هَذِه الْمدَّة إِلَّا أَنِّي لم أَقف على تَارِيخ وَفَاته قَالَ فِي التشوف هُوَ أَبُو ينور عبد الله بن واكريس الدكالي من مشتراية من أَشْيَاخ أبي شُعَيْب أَيُّوب السارية كَبِير الشَّأْن من أهل الزّهْد والورع حدثوا عَنهُ أَنه مَاتَ أَخُوهُ فَتزَوج امْرَأَته فَقدمت إِلَيْهِ طَعَاما يَأْكُلهُ فَوَقع فِي نَفسه أَن فِيهِ نصيب الْأَيْتَام الَّذين هم أَوْلَاد أَخِيه فَأمْسك عَنهُ وَبَات طاويا وجاءه رجل من أَشْيَاخ مشتراية فَقَالَ لَهُ إِن عَامل عَليّ بن يُوسُف تهددني بِالْقَتْلِ والصلب وَقد خرج من مراكش مُتَوَجها إِلَى دكالة فَقَالَ لَهُ أَبُو ينور رده الله عَنْك فَسَار إِلَى أَن بَقِي بَينه وَبَين قَرْيَة يليسكاون وَهِي أمتِي تسميها الْعَامَّة بوسكاون نصف يَوْم فَأصَاب الْعَامِل وجع قضى عَلَيْهِ من حِينه وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثار القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن حمدين بقرطبة مَعَ الْعَامَّة على المرابطين فَقَتلهُمْ وَالله وَارِث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَهُوَ خير الْوَارِثين

стр. 304

الدولة الموحدية الْخَبَر عَن دولة الْمُوَحِّدين من المصامدة وقيامها على يَد مُحَمَّد بن تومرت الْمَعْرُوف بالمهدي قَالَ ابْن خلدون كَانَ للمصامدة فِي صدر الْإِسْلَام بجبال درن عدد وَقُوَّة وَطَاعَة للدّين وَمُخَالفَة لإخوانهم برغواطة فِي نحلة كفرهم وَكَانَ مِنْهُم قبل الْإِسْلَام مُلُوك وأمراء وَلَهُم مَعَ لمتونة مُلُوك الْمغرب حروب وَفتن أيامهم حَتَّى كَانَ اجْتِمَاعهم على الْمهْدي وقيامهم بدعوته فَكَانَت لَهُم دولة عَظِيمَة أدالت من لمتونة بالعدوتين وَمن صنهاجة بإفريقية حَسْبَمَا هُوَ مَشْهُور وَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ وأصل الْمهْدي من هرغة من بطُون المصامدة يُسمى أَبوهُ عبد الله وتومرت وَكَانَ يلقب فِي صغره أَيْضا أمغار غَار وَزعم كثير من المؤرخين أَن نسبه فِي أهل الْبَيْت فبعضهم ينْسبهُ سُلَيْمَان بن عبد الله الْكَامِل بن حسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر وَكَانَ أهل بَيته أهل نسك ورباط وَكَانَت وِلَادَته على مَا عِنْد ابْن خلكان يَوْم عَاشُورَاء سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وشب الْمهْدي قَارِئًا محبا للْعلم ثمَّ ارتحل فِي طلبه إِلَى الْمشرق على رَأس الْمِائَة الْخَامِسَة وَمر بالأندلس وَدخل قرطبة وَهِي يَوْمئِذٍ دَار علم ثمَّ لحق بالإسكندرية وَحج وَدخل الْعرَاق وَلَقي بِهِ جملَة من الْعلمَاء وفحول النظار وَأفَاد علما وَاسِعًا وَكَانَ يحدث نَفسه بالدولة لِقَوْمِهِ على يَده وَلَقي أَبَا حَامِد الْغَزالِيّ وفاوضه بِذَات صَدره فِي ذَلِك فأراده عَلَيْهِ

стр. 305

قَالَ ابْن خلكان اجْتمع مُحَمَّد بن تومرت بِأبي حَامِد الْغَزالِيّ والكيا الهراسي والطرطوشي وَغَيرهم وَحج وَأقَام بِمَكَّة مُدَّة مديدة وَحصل قدرا صَالحا من علم الشَّرِيعَة والْحَدِيث النَّبَوِيّ وأصول الْفِقْه وَالدّين وَكَانَ ورعا ناسكا متقشفا مخشوشنا مخلولقا كثير الإطراق بساما فِي وُجُوه النَّاس مُقبلا على الْعِبَادَة لَا يَصْحَبهُ من مَتَاع الدُّنْيَا إِلَّا عَصا وركوة وَكَانَ شجاعا فصيحا فِي لِسَان الْعَرَب والبربر شَدِيد الْإِنْكَار على النَّاس فِيمَا يُخَالف الشَّرْع لَا يقنع فِي أَمر الله بِغَيْر إِظْهَاره وَكَانَ مطبوعا على الإلذاذ بذلك متحملا للأذى من النَّاس بِسَبَبِهِ وناله بِمَكَّة شرفها الله شَيْء من الْمَكْرُوه من أجل ذَلِك فَخرج مِنْهَا إِلَى مصر وَبَالغ فِي الْإِنْكَار فزادوا فِي أَذَاهُ وطردته الْوُلَاة وَكَانَ إِذا خَافَ من الْبَطْش وإيقاع الْفِعْل بِهِ خلط فِي كَلَامه فينسب إِلَى الْجُنُون فَخرج من مصر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَركب الْبَحْر مُتَوَجها إِلَى بِلَاده وَكَانَ قد رأى فِي مَنَامه وَهُوَ فِي بِلَاد الْمشرق كَأَنَّهُ شرب مَاء الْبَحْر جَمِيعه كرتين فَلَمَّا ركب السَّفِينَة شرع فِي تَغْيِير الْمُنكر على أهل السَّفِينَة وألزمهم إِقَامَة الصَّلَوَات وَقِرَاءَة أحزاب من الْقُرْآن الْعَظِيم وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى انْتهى إِلَى المهدية من أَرض إفريقية وَكَانَ ملكهَا يَوْمئِذٍ يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس الصنهاجي وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَخَمْسمِائة هَكَذَا ذكره ابْن أَخِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن شَدَّاد بن تَمِيم الصنهاجي فِي كتاب الْجمع وَالْبَيَان فِي أَخْبَار القيروان وَقيل إِن ارتحال مُحَمَّد بن تومرت عَن بِلَاد الْمشرق كَانَ سنة عشر وَخَمْسمِائة واجتيازه بِمصْر كَانَ سنة إِحْدَى عشرَة بعْدهَا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَلما انْتهى إِلَى المهدية نزل بِمَسْجِد مغلق وَهُوَ على الطَّرِيق وَجلسَ فِي طاق شَارِع إِلَى المحجة ينظر إِلَى الْمَارَّة فَلَا يرى مُنْكرا من آلَة الملاهي أَو أواني الْخمر إِلَّا نزل إِلَيْهَا وَكسرهَا فتسامع النَّاس بِهِ فِي الْبَلَد فجاؤوا إِلَيْهِ

стр. 306

وقرؤوا عَلَيْهِ كتبا من أصُول الدّين فَبلغ خَبره الْأَمِير يحيى فاستدعاه جمَاعَة من الْفُقَهَاء فَلَمَّا رأى سمته وَسمع كَلَامه أكْرمه وأجله وَسَأَلَهُ الدُّعَاء فَقَالَ لَهُ أصلحك الله لرعيتك وَلم يقم بعد ذَلِك بالمهدية إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ انْتقل إِلَى بجاية فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَهُوَ على حَاله فِي الْإِنْكَار فَأخْرج مِنْهَا إِلَى بعض قراها وَاسْمهَا ملالة فَوجدَ بهَا عبد الْمُؤمن بن عَليّ الْقَيْسِي الكومي وَقَالَ ابْن خلدون انطوى الْمهْدي رَاجعا إِلَى الْمغرب بحرا متفجرا من الْعلم وشهابا واريا من الدّين وَكَانَ قد لَقِي بالمشرق أَئِمَّة الأشعرية من أهل السّنة وَأخذ عَنْهُم وَاسْتحْسن طريقهم فِي الإنتصار للعقائد السلفية والذب عَنْهَا بالحجج الْعَقْلِيَّة الدافعة فِي صدر أهل الْبِدْعَة وَذهب فِي رَأْيهمْ إِلَى تَأْوِيل الْمُتَشَابه من الْآي وَالْأَحَادِيث بعد أَن كَانَ أهل الْمغرب بعزل عَن اتباعهم فِي التَّأْوِيل وَالْأَخْذ برأيهم فِيهِ اقْتِدَاء بالسلف فِي ترك التَّأْوِيل وَإِقْرَار المتشابهات كَمَا جَاءَت فَبَصر الْمهْدي أهل الْمغرب فِي ذَلِك وَحَملهمْ على القَوْل بالتأويل وَالْأَخْذ بمذاهب الأشعرية فِي كَافَّة العقائد وأعلن بإمامتهم وَوُجُوب تقليدهم وَألف العقائد على رَأْيهمْ مثل المرشدة فِي التَّوْحِيد وَكَانَ من رَأْيه القَوْل بعصمة الإِمَام عَليّ على رَأْي الإمامية من الشِّيعَة وَلم تحفظ عَنهُ فلتة فِي الْبِدْعَة سواهَا واحتل بطرابلس الغرب معنيا بمذهبه ذَلِك مظْهرا للنكير على عُلَمَاء الْمغرب فِي عدولهم عَنهُ آخِذا نَفسه بتدريس الْعلم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَا اسْتَطَاعَ حَتَّى لَقِي بِسَبَب ذَلِك إذايات فِي نَفسه احتسبها من صَالح عمله وَلما دخل بجاية وَبهَا يَوْمئِذٍ الْعَزِيز بن الْمَنْصُور بن النَّاصِر بن علناس بن حَمَّاد من أُمَرَاء صنهاجة وَكَانَ من المقترفين فَأَغْلَظ لَهُ ولأتباعه بالنكير وَتعرض يَوْمًا لتغيير بعض الْمُنْكَرَات فِي الطّرق فَوَقَعت بِسَبَبِهَا هيعة نكرها السُّلْطَان والخاصة وائتمروا بِهِ فَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب وَلحق بملالة على فَرسَخ مِنْهَا وَبهَا يَوْمئِذٍ بَنو ورياكل من قبائل صنهاجة وَكَانَ لَهُم اعتزاز

стр. 307

ومنعة فآووه وأجاروه وطلبهم السُّلْطَان صَاحب بجاية بِإِسْلَامِهِ إِلَيْهِ فَأَبَوا وأسخطوه وَأقَام بَينهم يدرس الْعلم أَيَّامًا وَكَانَ يجلس إِذا فرغ على صَخْرَة بقارعة الطَّرِيق قَرِيبا من ديار ملالة وَهُنَاكَ لقِيه كَبِير أَصْحَابه عبد الْمُؤمن بن عَليّ حَاجا مَعَ عَمه فأعجب بِعِلْمِهِ وَصرف عزمه إِلَيْهِ فاختص بِهِ وشمر للأخذ عَنهُ وَفِي كتاب المعرب عَن سيرة مُلُوك الْمغرب أَن الْمهْدي كَانَ قد اطلع على كتاب يُسمى الجفر من عُلُوم أهل الْبَيْت يُقَال إِنَّه عثر عَلَيْهِ عِنْد الشَّيْخ أبي حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ وَإنَّهُ رأى فِيهِ صفة رجل يظْهر بالمغرب الْأَقْصَى بمَكَان يُسمى السوس وَهُوَ من ذُرِّيَّة رَسُول الله ﷺ يَدْعُو إِلَى الله يكون مقَامه ومدفنه بِموضع من الْمغرب يُسمى باسم هجاء حُرُوفه ت ي ن م ل ل وَرَأى فِيهِ أَيْضا أَن استقامة ذَلِك الْأَمر واستيلائه وتمكنه يكون على يَد رجل من أَصْحَابه هجاء اسْمه ع ب د م وم ن ويجاوز وقته الْمِائَة الْخَامِسَة لِلْهِجْرَةِ فأوقع الله سُبْحَانَهُ فِي نَفسه أَنه الْقَائِم بِهَذَا الْأَمر وَأَن أَوَانه قد أزف فَمَا كَانَ مُحَمَّد يمر بِموضع إِلَّا وَيسْأل عَنهُ وَلَا يرى أحدا إِلَّا أَخذ اسْمه وتفقده حليته وَكَانَت حلية عبد الْمُؤمن مَعَه فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الطَّرِيق رأى شَابًّا قد بلغ أشده على الصّفة الَّتِي مَعَه فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن تومرت وَقد تجاوزه مَا اسْمك يَا شَاب فَقَالَ عبد الْمُؤمن فَرجع إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ الله أكبر أَنْت بغيتي وَنظر فِي حليته فَوَافَقت مَا عِنْده فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من كومية قَالَ أَيْن مقصدك فَقَالَ الْمشرق قَالَ مَا تبغي قَالَ

стр. 308

علما وشرفا قَالَ قد وجدت علما وشرفا وذكرا أصحبني تنله فوافقه على ذَلِك فَألْقى إِلَيْهِ مُحَمَّد بأَمْره وأودعه سره قَالَ ابْن خلدون وارتحل الْمهْدي إِلَى الْمغرب وَعبد الْمُؤمن فِي جملَته وَلحق بوانشريس فصحبه مِنْهَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله الوانشريسي الْمَعْرُوف بالبشير وَقَالَ ابْن خلكان وَكَانَ جميلا فصيحا فِي لغتي الْعَرَب والبربر ففاوضه الْمهْدي فِيمَا عزم عَلَيْهِ من الْقيام فوافقه على ذَلِك أتم مُوَافقَة وَكَانَ البشير مِمَّن تهذب وَقَرَأَ فقها فتذاكرا يَوْمًا فِي كَيْفيَّة الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب فَقَالَ الْمهْدي للبشير أرى أَن تستر مَا أَنْت عَلَيْهِ من الْعلم والفصاحة عَن النَّاس وَتظهر من الْعَجز واللكن والحصر والتعري عَن الْفَضَائِل مَا تشتهر بِهِ عِنْد النَّاس لنتخذ الْخُرُوج عَن ذَلِك واكتساب الْعلم والفصاحة دفْعَة وَاحِدَة سَبِيلا إِلَى الْمَطْلُوب وَيقوم لنا ذَلِك مقَام المعجزة عِنْد حاجتنا إِلَيْهِ فنصدق فِيمَا نقُول فَفعل البشير ذَلِك ثمَّ لحق الْمهْدي بتلمسان وَقد تسامع النَّاس بِخَبَرِهِ فَأحْضرهُ القَاضِي بهَا وَهُوَ ابْن صَاحب الصَّلَاة ووبخه على منتحله ذَلِك وعَلى خِلَافه لأهل قطره وَظن القَاضِي أَن من الْعدْل نَزعه عَن ذَلِك فَصم عَن قَوْله وَاسْتمرّ على طَرِيقه إِلَى فاس فَنزل بِمَسْجِد طريانة وَأقَام بهَا يدرس الْعلم إِلَى سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ انْتقل إِلَى مكناسة فَنهى بهَا عَن بعض الْمُنْكَرَات فثار إِلَيْهِ الغوغاء وأوجعوه ضربا ثمَّ لحق بمراكش وَأقَام بهَا آخِذا فِي شَأْنه وَلَقي بهَا أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع عِنْد صَلَاة الْجُمُعَة فوعظه وَأَغْلظ لَهُ فِي القَوْل وَلَقي ذَات يَوْم أُخْت أَمِير الْمُسلمين حَاسِرَة قناعها على عَادَة قَومهَا الملثمين فِي زِيّ نِسَائِهِم فوبخها وَدخلت على أَخِيهَا باكية لما نالها من تقريعه ففاوض أَمِير الْمُسلمين الْفُقَهَاء فِي شَأْنه بِمَا وصل إِلَيْهِ من سيرته وَكَانُوا قد ملئوا مِنْهُ حسدا وحفيظة لما كَانَ ينتحل من مَذْهَب

стр. 309

الأشعرية فِي تَأْوِيل الْمُتَشَابه وينكر عَلَيْهِم جمودهم على مَذْهَب السّلف فِي إِقْرَاره كَمَا جَاءَ وَيرى أَن الْجُمْهُور لقنوه تجسيما وَيذْهب إِلَى تكفيرهم بذلك على أحد قولي الأشعرية فِي التَّكْفِير فأغروا الْأَمِير بِهِ فَأحْضرهُ للمناظرة مَعَهم فَكَانَ لَهُ الفلج والظهور عَلَيْهِم وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ مُحَمَّد الْمهْدي قد استدنى أشخاصا من أهل الْمغرب جلادا فِي القوى الجسمانية أَغْمَارًا وَكَانَ أميل إِلَى الأغمار من أولي الفطن والإستبصار فَاجْتمع لَهُ مِنْهُم سِتَّة نفر سوى أبي مُحَمَّد البشير ثمَّ أَنه رَحل إِلَى أقْصَى الْمغرب وَتوجه فِي أَصْحَابه إِلَى مراكش وملكها يَوْمئِذٍ أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وَكَانَ ملكا عَظِيما حَلِيمًا ورعا عادلا متواضعا وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ رجل يُقَال لَهُ مَالك بن وهيب الأندلسي وَكَانَ عَالما صَالحا زَاد ابْن خلدون عَارِفًا بالنجوم فشرع مُحَمَّد الْمهْدي فِي الْإِنْكَار على جري عَادَته حَتَّى أنكر على ابْنة الْملك فَبلغ خَبره الْملك وَأَنه يتحدث فِي تَغْيِير الدولة فَتحدث مَعَ مَالك بن وهيب فِي أمره فَقَالَ مَالك بن وهيب نَخَاف من فتح بَاب يعسر علينا سَده والرأي أَن تحضر هَذَا الشَّخْص وَأَصْحَابه لنسمع كَلَامهم بِحُضُور جمَاعَة من عُلَمَاء الْبِلَاد فَأجَاب الْملك إِلَى ذَلِك وَكَانَ الْمهْدي وَأَصْحَابه مقيمين فِي مَسْجِد خراب خَارج الْبَلَد فطلبوهم فَلَمَّا ضمهم الْمجْلس قَالَ الْملك لعلماء بَلَده سلوا هَذَا الرجل مَا يَبْغِي منا فَانْتدبَ لَهُ قَاضِي المرية واسْمه مُحَمَّد بن أسود فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي يذكر عَنْك من الْأَقْوَال فِي حق الْملك الْعَادِل الْحَلِيم المنقاد إِلَى الْحق الْمُؤثر طَاعَة الله تَعَالَى على هَوَاهُ فَقَالَ لَهُ الْمهْدي أما مَا نقل عني فقد

стр. 310

قلته ولي من وَرَائه أَقْوَال وَأما قَوْلك إِنَّه يُؤثر طَاعَة الله على هَوَاهُ وينقاد إِلَى الْحق فقد حضر اعْتِبَار صِحَة هَذَا القَوْل عَنهُ ليعلم بتعرية عَن هَذِه الصّفة إِنَّه مغرور بِمَا تَقولُونَ لَهُ وتضرونه بِهِ مَعَ علمكُم أَن الْحجَّة متوجهة عَلَيْهِ فَهَل بلغك يَا قَاضِي أَن الْخمر تبَاع جهارا وتمشي الْخَنَازِير بَين الْمُسلمين وَتُؤْخَذ أَمْوَال الْيَتَامَى وَعدد من ذَلِك شَيْئا كثيرا فَلَمَّا سمع الْملك كَلَامه ذرفت عَيناهُ وأطرق حَيَاء ففهم الْحَاضِرُونَ من فحوى كَلَامه أَنه طامع فِي المملكة لنَفسِهِ وَلما رَأَوْا سكُوت الْملك وانخداعه لقَوْله لم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم فَقَالَ مَالك بن وهيب وَكَانَ كثير الإجتراء على الْملك أَيهَا الْملك عِنْدِي لنصيحة إِن قبلتها حمدت عَاقبَتهَا وَإِن تركتهَا لم تأمن غائلتها فَقَالَ الْملك مَا هِيَ فَقَالَ إِنِّي أَخَاف عَلَيْك من هَذَا الرجل وَأرى أَن تعتقله وَأَصْحَابه وتنفق عَلَيْهِم كل يَوْم دِينَارا لتكفي شَره وَإِن لم تفعل فلتنفقن عَلَيْهِ خزائنك كلهَا ثمَّ لَا ينفعك ذَلِك فوافقه الْملك على رَأْيه فَقَالَ لَهُ وزيره يقبح بك أَن تبْكي من موعظة رجل ثمَّ تسيء إِلَيْهِ فِي مجْلِس وَاحِد وَإِن يظْهر مِنْك الْخَوْف مِنْهُ على عظم ملكك وَهُوَ رجل فَقير لَا يملك سد جوعه فَلَمَّا سمع الْملك كَلَامه أَخَذته عزة النَّفس واستهون أمره فَصَرفهُ وَسَأَلَهُ الدُّعَاء وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ مَالك بن وهيب حزاء ينظر فِي النُّجُوم وَكَانَ الْكُهَّان يتحدثون بِأَن ملكا كَائِنا بالمغرب فِي أمة من البربر ويتغير فِيهِ شكل السَّمَكَة لقران بَين الكوكبين العلويين من السيارة يَقْتَضِي ذَلِك فَقَالَ مَالك بن وهيب احتفظوا بالدولة من الرجل فَإِنَّهُ صَاحب الْقرَان وَالدِّرْهَم المربع فَطَلَبه عَليّ بن يُوسُف فَفَقدهُ وسرح الخيالة فِي طلبه ففاتهم وَحكى صَاحب المعرب إِن الْمهْدي لما خرج من عِنْد أَمِير الْمُسلمين لم يزل وَجهه تِلْقَاء وَجهه إِلَى أَن فَارقه فَقيل لَهُ نرَاك قد تأدبت مَعَ الْملك إِذْ لم توله ظهرك فَقَالَ أردْت أَن لَا يُفَارق وَجْهي الْبَاطِل حَتَّى أغيره مَا اسْتَطَعْت اه كَلَامه

стр. 311

فَلَمَّا خرج الْمهْدي وَأَصْحَابه من عِنْد الْملك قَالَ لَهُم لَا مقَام لكم هُنَا بمراكش مَعَ وجود مَالك بن وهيب فَمَا نَأْمَن أَن يعاود الْملك فِي أمرنَا فينالنا مِنْهُ مَكْرُوه وَإِن لنا بِمَدِينَة أغمات أَخا فِي الله فنقصد الْمُرُور بِهِ فَلَنْ نعدم مِنْهُ رَأيا وَدُعَاء صَالحا وَاسم هَذَا الشَّخْص عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ من فُقَهَاء المصامدة فَخَرجُوا إِلَيْهِ ونزلوا عَلَيْهِ وَأخْبرهُ مُحَمَّد بن تومرت خبرهم وأطلعه على مقصدهم وَمَا جرى لَهُ مَعَ الْملك فَقَالَ عبد الْحق هَذَا الْموضع لَا يحميكم وَإِن أحصن الْمَوَاضِع الْمُجَاورَة لهَذَا الْبَلَد تينملل وبيننا وَبَينهَا مَسَافَة يَوْم فِي هَذَا الْجَبَل فانقطعوا فِيهِ بُرْهَة ريثما يتناسى ذكركُمْ فَلَمَّا سمع الْمهْدي بِهَذَا الإسم تجدّد لَهُ ذكر اسْم الْموضع الَّذِي رَآهُ فِي كتاب الجفر فقصده مَعَ أَصْحَابه وَقَالَ ابْن خلدون لما لحق الْمهْدي بأغمات غير الْمُنْكَرَات على عَادَته فأغرى بِهِ أهل أغمات عَليّ بن يُوسُف وطيروا إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ فَخرج مِنْهَا هُوَ وتلامذته الَّذين كَانُوا مَعَه فِي صحبته فلحق أَولا بمسفيوة ثمَّ بهنتاتة ولقيه بهَا الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي جد الْمُلُوك الحفصيين أَصْحَاب تونس وإفريقية ثمَّ ارتحل الْمهْدي عَنْهُم إِلَى هرغة فَنزل على قومه وَذَلِكَ سنة خمس عشر وَخَمْسمِائة وَبنى رابطة للعباد فَاجْتمع عَلَيْهِ الطّلبَة من الْقَبَائِل وَأخذ يعلمهُمْ المرشدة لَهُ فِي التَّوْحِيد بِاللِّسَانِ الْبَرْبَرِي وشاع أمره ثمَّ دَاخل عَامل لمتونة على السوس أُنَاسًا من هرغة فِي قَتله وَنذر بهم إخْوَانهمْ فنقلوا الْمهْدي إِلَى معقل من أشياعهم وَقتلُوا من دَاخل فِي أمره ودعوا المصامدة إِلَى مبايعته على التَّوْحِيد وقتال المجسمة دونه سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة فَتقدم إِلَيْهَا رجالاتهم من الْعشْرَة وَغَيرهم وَكَانَ فيهم من هنتاتة أَبُو حَفْص عمر بن يحيى وَأَبُو يحيى بن يكيت ويوسف بن وانودين وَابْن يغمور وَمن تينملل أَبُو حَفْص عمر بن عَليّ الصناكي

стр. 312

وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان وَعمر بن تافراكين وَغَيرهم وأوعيت قَبيلَة هرغة فَدَخَلُوا فِي أمره كلهم ثمَّ دخل مَعَهم كدميوة وكنفيسة وَلما كملت بيعَته لقبوه بالمهدي وَكَانَ قبلهَا يلقب بِالْإِمَامِ وَكَانَ يُسمى أَصْحَابه الطّلبَة وَأهل دَعوته الْمُوَحِّدين تعريضا بلمتونة فِي أَخذهم بالعدول على التَّأْوِيل وميلهم إِلَى التجسم وَلما تمّ لَهُ من أَصْحَابه خَمْسُونَ سماهم آيت الْخمسين ثمَّ زحف إِلَيْهِم عَامل لمتونة على السوس وهم بمكانهم من هرغة فاستجاشوا إخْوَانهمْ من هنتاتة وتينملل فَاجْتمعُوا إِلَيْهِم وأوقعوا بعكسر لمتونة فَكَانَت تِلْكَ باكورة الْفَتْح وَكَانَ الْمهْدي يعدهم بذلك فاستبصروا فِي أمره وتسابقت كافتهم إِلَى الدُّخُول فِي دَعوته وترددت إِلَيْهِم عَسَاكِر لمتونة مرّة بعد أُخْرَى ففضوهم وانتقل لثلاث سِنِين من بيعَته إِلَى جبل تينملل فأوطنه وَبنى دَاره ومسجده بَينهم وحوالي منبع وَادي نَفِيس وَقَاتل من تخلف عَن بيعَته من المصامدة حَتَّى استقاموا لَهُ هَذَا كَلَام ابْن خلدون فِي سِيَاقه هَذَا الْخَبَر جِئْنَا بِهِ مُخْتَصرا وَاقْتضى كَلَام ابْن خلكان أَن ظُهُور الْمهْدي ومبايعته لم تكن إِلَّا بتينملل فَإِنَّهُ قد عقب مَا سبق لَهُ من أَن الْفَقِيه عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم المصمودي أَشَارَ على الْمهْدي بِالْمَسِيرِ إِلَى تينملل وَأَن الْمهْدي لما سمع هَذَا الإسم تجدّد لَهُ ذكر فِيهِ فقصده مَعَ أَصْحَابه فَلَمَّا أَتَوْهُ رَآهُمْ أَهله على تِلْكَ الصُّورَة فَعَلمُوا أَنهم طلاب علم فَقَامُوا إِلَيْهِم وأكرموهم وتلقوهم بالترحاب وأنزلوهم فِي أكْرم مَنَازِلهمْ وَسَأَلَ أَمِير الْمُسلمين عَنْهُم بعد خُرُوجهمْ من مَجْلِسه فَقيل لَهُ إِنَّهُم سافروا فسره ذَلِك وَقَالَ تخلصنا من الْإِثْم بحبسهم ثمَّ إِن أهل الْجَبَل تسامعوا بوصول الْمهْدي إِلَيْهِم وَكَانَ قد سَار فيهم ذكره فجاؤوه من كل فج عميق وتبركوا بزيارته وَكَانَ كل من أَتَاهُ استدناه وَعرض عَلَيْهِ مَا فِي نَفسه من الْخُرُوج على السُّلْطَان فَإِن

стр. 313

أَجَابَهُ أَضَافَهُ إِلَى خواصه وَإِن خَالفه أعرض عَنهُ وَكَانَ يستميل الْأَحْدَاث وَذَوي الْغرَّة وَكَانَ ذَوُو الحنكة وَالْعقل والحلم من أَهَالِيهمْ ينهونهم ويحذرونهم من اتِّبَاعه ويخوفونهم سطوة السُّلْطَان فَكَانَ لَا يتم لَهُ مَعَ ذَلِك أَمر وطالت الْمدَّة وَخَافَ الْمهْدي من مفاجأة الْأَجَل قبل بُلُوغ الأمل وخشي أَن يطْرق على أهل الْجَبَل من جِهَة الْملك مَا يحوجهم إِلَى استسلامه إِلَيْهِ والتخلي عَنهُ فشرع فِي إِعْمَال الْحِيلَة فِيمَا يشاركونه فِيهِ ليعصوا على الْملك بِسَبَبِهِ فَرَأى بعض أَوْلَاد الْقَوْم شقرا زرقا وألوان آبَائِهِم السمرَة والكحل فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب ذَلِك فَلم يُجِيبُوهُ فألزمهم الْإِجَابَة فَقَالُوا نَحن من رعية هَذَا الْملك وَله علينا خراج وَفِي كل سنة تصعد مماليكه إِلَيْنَا وينزلون فِي بُيُوتنَا ويخرجوننا عَنْهَا ويختلون بِمن فِيهَا من النِّسَاء فتأتي أَوْلَادنَا على هَذِه الصّفة وَمَا لنا قدرَة على دفع ذَلِك عَنَّا فَقَالَ الْمهْدي وَالله إِن الْمَوْت خير من هَذِه الْحَيَاة وَكَيف رَضِيتُمْ بِهَذَا وَأَنْتُم أضْرب خلق الله بِالسَّيْفِ وأطعنهم بِالرُّمْحِ فَقَالُوا بالرغم لَا بالرضى فَقَالَ أَرَأَيْتُم لَو أَن ناصرا نصركم على أعدائكم مَا كُنْتُم تَصْنَعُونَ قَالُوا كُنَّا نقدم أَنْفُسنَا بَين يَدَيْهِ للْمَوْت ثمَّ قَالُوا من هُوَ قَالَ هُوَ ضيفكم يَعْنِي نَفسه فَقَالُوا السّمع وَالطَّاعَة وَكَانُوا يغالون فِي تَعْظِيمه فَأخذ عَلَيْهِم العهود والمواثيق وَاطْمَأَنَّ قلبه ثمَّ قَالَ لَهُم اسْتَعدوا لحضور هَؤُلَاءِ بِالسِّلَاحِ فَإِذا جاؤوكم فأجروهم على عَادَتهم وخلوا بَينهم وَبَين النِّسَاء وميلوا عَلَيْهِم بالخمور فَإِذا سَكِرُوا فآذنوني بهم فَلَمَّا حضر المماليك وَفعل بهم أهل الْجَبَل مَا أَشَارَ بِهِ الْمهْدي وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا أعلموه بذلك أَمر بِقَتْلِهِم كلهم فَلم يمض من اللَّيْل سَاعَة حَتَّى أَتَوا على آخِرهم وَلم يفلت مِنْهُم سوى مَمْلُوك وَاحِد كَانَ خَارج الْمنَازل لحَاجَة لَهُ فَسمع التَّكْبِير عَلَيْهِم والإيقاع بهم فهرب على غير الطَّرِيق حَتَّى خلص من الْجَبَل وَلحق بمراكش فَأخْبر الْملك بِمَا جرى فندم على فَوَات

стр. 314

مُحَمَّد بن تومرت من يَده وَعلم أَن الحزم كَانَ مَعَ مَالك بن وهيب فِيمَا أَشَارَ بِهِ فَجهز من وقته خيلا بِمِقْدَار مَا يسع وَادي تينملل فَإِنَّهُ ضيق المسلك وَعلم الْمهْدي أَنه لَا بُد من عَسْكَر يصل إِلَيْهِم فَأمر أهل الْجَبَل بالقعود على أنقاب الْوَادي ومراصده واستنجد لَهُم بعض المجاورين فَلَمَّا وصلت الْخَيل إِلَيْهِم أَقبلت عَلَيْهِم الْحِجَارَة من جَانِبي الْوَادي مثل الْمَطَر وَكَانَ ذَلِك من أول النَّهَار إِلَى آخِره وَحَال بَينهم اللَّيْل فَرجع الْعَسْكَر إِلَى الْملك وَأَخْبرُوهُ بِمَا تمّ لَهُم فَعلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِأَهْل الْجَبَل لتحصنهم فَأَعْرض عَنْهُم وَتحقّق الْمهْدي ذَلِك مِنْهُ وصفت لَهُ مَوَدَّة أهل الْجَبَل فَعِنْدَ ذَلِك استدعى أَبَا مُحَمَّد البشير وَقَالَ لَهُ هَذَا أَوَان إِظْهَار فضائلك دفْعَة وَاحِدَة ليقوم لَك مقَام المعجزة لنستميل بذلك قُلُوب من لم يدْخل فِي الطَّاعَة ثمَّ اتفقَا على أَنه يُصَلِّي الصُّبْح وَيَقُول بِلِسَان فصيح بعد اسْتِعْمَال العجمة واللكنة فِي تِلْكَ الْمدَّة إِنِّي رَأَيْت البارحة فِي مَنَامِي أَنه نزل إِلَيّ ملكان من السَّمَاء وشقا فُؤَادِي وغسلاه وحشواه علما وَحِكْمَة وقرآنا فَلَمَّا أصبح فعل ذَلِك وَهُوَ فصل يطول شَرحه فانقاد لَهُ كل صَعب القياد وعجبوا من حَاله وَحفظه الْقُرْآن فِي النّوم فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن تومرت فَعجل لنا بالبشرى فِي أَنْفُسنَا وعرفنا أسعداء نَحن أم أشقياء فَقَالَ لَهُ أما أَنْت فَإنَّك الْمهْدي الْقَائِم بِأَمْر الله وَمن تبعك سعد وَمن خالفك هلك ثمَّ قَالَ اعْرِض أَصْحَابك عَليّ حَتَّى أميز أهل الْجنَّة من أهل النَّار وَعمل فِي ذَلِك حِيلَة قتل بهَا كل من خَالف أَمر مُحَمَّد بن تومرت وَأبقى من أطاعه وَشرح ذَلِك يطول وَكَانَ غَرَضه أَن لَا يبْقى فِي الْجَبَل مُخَالفا لَهُم فَلَمَّا قتل من قتل علم مُحَمَّد بن تومرت أَن فِي البَاقِينَ من لَهُ أهل وعشيرة قتلوا وَأَنَّهُمْ لَا تطيب

стр. 315

نُفُوسهم بذلك فَجَمعهُمْ وبشرهم بانتقال ملك مراكش إِلَيْهِم واغتنام أَمْوَالهم فسرهم ذَلِك وسلاهم عَن أهلهم وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن تَفْصِيل هَذِه الْوَاقِعَة طَوِيل ولسنا بصدد ذَلِك وخلاصة الْأَمر أَن مُحَمَّد بن تومرت لم يزل حَتَّى جهز جَيْشًا عدد رِجَاله عشرَة آلَاف بَين فَارس وراجل وَفِيهِمْ عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبُو مُحَمَّد البشير وَأَصْحَابه كلهم وَأقَام هُوَ بِالْجَبَلِ فَنزل الْقَوْم لحصار مراكش وَأَقَامُوا عَلَيْهَا شهرا ثمَّ كسروا كسرة شنيعة وهرب من سلم مِنْهُم من الْقَتْل وَكَانَ فِيمَن سلم عبد الْمُؤمن وَقتل البشير وَبلغ الْخَبَر الْمهْدي وَهُوَ بِالْجَبَلِ وَقد حَضرته الْوَفَاة قبل عود أَصْحَابه إِلَيْهِ فأوصى من حضر أَن يبلغ الغائبين إِن النَّصْر لَهُم وَإِن الْعَاقِبَة حميدة فَلَا يضجروا وليعاودوا الْقِتَال فَإِن الله سيفتح على أَيْديهم وَإِن الْحَرْب سِجَال وَإِنَّكُمْ ستقوون ويضعفون ويقلون وتكثرون وَأَنْتُم فِي مبدأ أَمر وهم فِي آخِره وَأَشْبَاه هَذِه الْوَصَايَا وَهِي وَصِيَّة طَوِيلَة اه كَلَام ابْن خلكان وَقَالَ ابْن خلدون لما كَانَ شَأْن أبي مُحَمَّد البشير وميز الموحد من الْمُنَافِق اعتزم الْمهْدي على غَزْو لمتونة فَجمع كَافَّة أهل دَعوته من المصامدة إِلَيْهِم فَلَقوهُ بكبكب وَهَزَمَهُمْ الموحدون وأتبعوهم إِلَى أغمات فلقيتهم هُنَالك زحوف لمتونة مَعَ أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف وَإِبْرَاهِيم بن تاعماشت فَهَزَمَهُمْ الموحدون وفل إِبْرَاهِيم وجنده واتبعوهم إِلَى مراكش فنزلوا الْبحيرَة فِي زهاء أَرْبَعِينَ ألفا كلهم راجل إِلَّا أَرْبَعمِائَة فَارس واحتفل عَليّ بن يُوسُف فِي الاحتشاد وبرز إِلَيْهِم لأربعين من نزولهم خرج عَلَيْهِم من بَاب آيلان فَهَزَمَهُمْ وأثخن فيهم قتلا وسبيا وفقد البشير واستحر الْقَتْل فِي هيلانة وأبلى عبد الْمُؤمن فِي ذَلِك الْيَوْم أحسن الْبلَاء وَقيل للمهدي إِن الْمُوَحِّدين قد هَلَكُوا فَقَالَ لَهُم مَا فعل عبد الْمُؤمن قَالُوا هُوَ على جَوَاده الأدهم قد أحسن الْبلَاء فَقَالَ مَا بَقِي عبد الْمُؤمن فَلم يهْلك أحد

стр. 316

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل كَانَت وقْعَة الْبحيرَة بأحواز مراكش قد استأصلت مُعظم أَصْحَاب الْمهْدي وكادت تَأتي عَلَيْهِم وَمَعَ ذَلِك فَلم تضع مِنْهُ وَلَا وهنت صبره وَكَانَ يَقُول مثل هَذَا الْأَمر كالفجر يتقدمه الْفجْر الْكَاذِب وَبعده ينبلج الصُّبْح ويستعلي الضَّوْء وَيَأْمُرهُمْ باتخاذ مرابط الْخَيل الَّتِي ينالون من فَيْء عدوهم بعْدهَا وَإنَّهُ يُعْطي الرجل على قدر مَا أعد من الرِّبَاط إِلَى غير ذَلِك فَهَذَا خبر الْمهْدي مُخْتَصرا من ابْن خلدون ممزوجا بِمَا نَقله ابْن خلكان من ذَلِك وَقد سَاق ابْن أبي زرع فِي القرطاس خبر الْمهْدي هَذَا وَفِيه بعض مُخَالفَة لما تقدم فلنأت بِهِ وَإِن أدّى إِلَى بعض التّكْرَار زِيَادَة فِي الإمتاع وتحلية للأسماع فَنَقُول قَالَ ابْن أبي زرع مَا ملخصه إِن الْمهْدي رَحل إِلَى الْمشرق فِي طلب الْعلم وَلَقي مَشَايِخ وَسمع مِنْهُم وَأخذ عَنْهُم علما كثيرا وَحفظ جملَة من حَدِيث رَسُول الله ﷺ ونبغ فِي علم الْأُصُول والاعتقادات وَكَانَ فِي جملَة من لَقِي من الْعلمَاء الشَّيْخ أَحْمد الْغَزالِيّ ﵁ لَازمه ثَلَاث سِنِين وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد كثيرا مَا يُشِير إِلَى الْمهْدي وَيَقُول إِنَّه لَا بُد أَن يكون لَهُ شَأْن ونمى الْخَبَر بذلك إِلَى الْمهْدي فَلم يزل يتَقرَّب إِلَى الشَّيْخ بأنواع الْخدمَة حَتَّى أطلعه على مَا عِنْده من الْعلم فِي ذَلِك فَلَمَّا تحققت عِنْده الْحَال استخار الله وعزم على الترحال فَخرج قَاصِدا بِلَاد الْمغرب غرَّة ربيع الأول سنة عشر وَخَمْسمِائة ولازم فِي طَرِيقه درس الْعلم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَى أَن اجْتمع بِهِ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَبَايعهُ على مؤازرته فِي الشدَّة والرخاء والعسر واليسر ثمَّ قدم بِلَاد الْمغرب وَاسْتقر بمراكش وَكَانَت لَهُ فصاحة وَعَلِيهِ مهابة فَأخذ يطعن على المرابطين وينسبهم إِلَى الْكفْر والتجسيم ويشيع عِنْد من يَثِق بِهِ ويسكن إِلَيْهِ أَنه الْمهْدي المنتظر الَّذِي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وَجرى مِنْهُ

стр. 317

بمراكش من تَغْيِير الْمُنكر وَنَحْوه مَا تقدم ذكره فاتصل خَبره بعلي بن يُوسُف اللمتوني فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي بلغنَا عَنْك فَقَالَ إِنَّمَا أَنا رجل فَقير أطلب الْآخِرَة وآمر بِالْمَعْرُوفِ وأنهى عَن الْمُنكر وَأَنت أَيهَا الْملك أولى من يفعل ذَلِك فَإنَّك المسؤول عَنهُ وَقد ظَهرت بمملكتك الْمُنْكَرَات وفشت الْبدع وَقد وَجب الله عَلَيْك إحْيَاء السّنة وإماتة الْبِدْعَة وَقد عَابَ الله تَعَالَى أمة تركُوا النَّهْي عَن الْمُنكر فَقَالَ ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَلَمَّا سمع أَمِير الْمُسلمين كَلَامه تأثر لَهُ وَأَخذه وأطرق مفكرا ثمَّ أَمر بإحضار الْفُقَهَاء فَحَضَرَ مِنْهُم مَا أغص الْمجْلس ثمَّ قَالَ أَمِير الْمُسلمين اختبروا الرجل فَإِن كَانَ عَالما اتبعناه وَإِلَّا أدبناه وَكَانَ الْمهْدي فصيحا لسنا ذَا معرفَة بالأصول والجدل وَكَانَ الْفُقَهَاء الَّذين حَضَرُوا أَصْحَاب حَدِيث وفروع فدارت بَينهم محاورة ومذاكرة أسكتهم فِيهَا وَبَان عجزهم عَنهُ فعدلوا عَن المذاكرة إِلَّا الممالأة وَأغْروا بِهِ أَمِير الْمُسلمين وَقَالُوا هَذَا رجل خارجي وَإِن بقى بِالْمَدِينَةِ أفسد عقائد أَهلهَا فَأمره أَمِير الْمُسلمين بِالْخرُوجِ من الْبَلَد فَخرج إِلَى الْجَبانَة وَضرب بهَا خيمة جلس فِيهَا وَصَارَ الطّلبَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ لأخذ الْعلم عَنهُ فَكثر جمعه وأحبته الْعَامَّة وعظموه وانْتهى خَبره إِلَى أَمِير الْمُسلمين ثَانِيًا وَنقل إِلَيْهِ أَنه يطعن على الدولة فَأحْضرهُ مرّة أُخْرَى وَقَالَ لَهُ أَيهَا الرجل اتَّقِ الله فِي نَفسك ألم أَنْهَك عَن عقد الجموع والمحازب وأمرتك بِالْخرُوجِ من الْبَلَد فَقَالَ أَيهَا الْملك قد امتثلت أَمرك وَخرجت من الْمَدِينَة إِلَى الْجَبانَة واشتغلت بِمَا يعنيني فَلَا تسمع لأقوال المبطلين فتوعده أَمِير الْمُسلمين وهم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ ثمَّ عصمه الله مِنْهُ ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَلما انْفَصل الْمهْدي عَن الْمجْلس أغرى الْحَاضِرُونَ أَمِير الْمُسلمين بِهِ وشرحوا لَهُ جلية أمره وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ فاستدرك أَمِير الْمُسلمين فِيهِ رَأْيه

стр. 318

وَبعث إِلَيْهِ من يَأْتِيهِ بِرَأْسِهِ فَسمع بذلك بعض بطانته فَمر مسرعا حَتَّى إِذا قرب من الْخَيْمَة قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ فَسَمعَهَا الْمهْدي وفطن لَهَا فانسل من حِينه وَخرج حَتَّى أَتَى تينملل فَأَقَامَ بهَا وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ لحق بِهِ أَصْحَابه الْعشْرَة السَّابِقُونَ إِلَى دَعوته والمصدقون بإمامته وهم عبد الْمُؤمن بن عَليّ الكومي وَأَبُو مُحَمَّد البشير الوانشريسي وَأَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي وَأَبُو يحيى بن يكيت الهنتاتي وَأَبُو حَفْص عمر بن عَليّ آصناك وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الخزرجي وَأَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الْحَضْرَمِيّ وَأَبُو عمرَان مُوسَى بن تمار وَسليمَان بن خلوف وعاشر فأقاموا بتينملل إِلَى رَمَضَان من سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة فَعظم صيته بجبل درن وَكَثُرت أَتْبَاعه فَلَمَّا رأى ذَلِك أظهر دَعوته ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعهُ الْعشْرَة الْبيعَة الْخَاصَّة عقب صَلَاة الْجُمُعَة خَامِس عشر رَمَضَان من السّنة وَلما كَانَ الْغَد وَهُوَ يَوْم السبت خرج الْمهْدي فِي أَصْحَابه الْعشْرَة متقلدين السيوف وَتقدم إِلَى الْجَامِع فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب النَّاس وأعلمهم أَنه الْمهْدي المنتظر ودعاهم إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ الْبيعَة الْعَامَّة ثمَّ بَث دعاته فِي بِلَاد المصامدة يدعونَ النَّاس إِلَى بيعَته ويزرعون محبته فِي قُلُوبهم بالثناء عَلَيْهِ وَوَصفه بالزهد وتحري الْحق وَإِظْهَار الكرامات فانثال النَّاس عَلَيْهِ من كل جِهَة وسمى أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين ولقنهم عقائد التَّوْحِيد بِاللِّسَانِ الْبَرْبَرِي وَجعل لَهُم فِيهِ الأعشار والأحزاب والسور وَقَالَ من لم يحفظ هَذَا التَّوْحِيد فَلَيْسَ بموحد لَا تجوز إِمَامَته وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فاستولت محبته على قُلُوبهم وعظموه ظَاهرا وَبَاطنا حَتَّى كَانُوا يستغيثون بِهِ فِي شدائدهم وينوهون باسمه على منابرهم وَلم تزل الْوُفُود تترادف عَلَيْهِ حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ جم غفير فَلَمَّا علم أَن ناموسه قد رسخ وسلطانه قد تمكن قَامَ فيهم خَطِيبًا وندبهم إِلَى جِهَاد المرابطين وأباح لَهُم دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَانْتدبَ النَّاس

стр. 319

لذَلِك وَبَايَعُوهُ على الْمَوْت فانتخب مِنْهُم عشرَة آلَاف من أجناد الْمُوَحِّدين وَقدم عَلَيْهِم أَبَا مُحَمَّد البشير وَعقد لَهُ راية بَيْضَاء ودعا لَهُم وَانْصَرفُوا فصمدوا إِلَى مَدِينَة أغمات وانْتهى الْخَبَر إِلَى أَمِير الْمُسلمين فَجهز لقتالهم جَيْشًا من الحشم والأجناد فَلَمَّا الْتَقَوْا انتصر عَلَيْهِم الموحدون وهزموهم واتبعوهم حَتَّى أدخلوهم مراكش وحاصروها أَيَّامًا ثمَّ أفرجوا عَنْهَا حِين تكاثرت عَلَيْهِم جيوش لمتونة وَكَانَ ذَلِك ثَالِث شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة وَقسم الْمهْدي الْغَنَائِم الَّتِي غنموها من عَسْكَر المرابطين وتلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها فَعجل لكم هَذِه﴾ الْآيَة وانتشر ذكر الْمهْدي بِجَمِيعِ أقطار الْمغرب والأندلس وأركب جلّ جَيْشه من خيل المرابطين الَّتِي غنموها ثمَّ غزا مراكش بِنَفسِهِ فعبأ جَيْشه وَسَار حَتَّى نزل بجبل كيليز بِقرب الْمَدِينَة فَأَقَامَ محاصرا لَهَا ثَلَاث سِنِين يباكرها بِالْقِتَالِ ويراوحها من سنة سِتّ عشرَة إِلَى سنة تسع عشرَة وَلما ضجر من مقَامه هُنَاكَ نَهَضَ إِلَى وَادي نَفِيس وَانْحَدَرَ مَعَ مسيله يَدْعُو النَّاس لطاعته وَيُقَاتل من أَبى مِنْهُم فانقاد لَهُ أهل السهل والجبل وبايعته كدميوة ثمَّ غزا بِلَاد ركراكة فَأَخذهُم بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيد الله وَشَرَائِع دينه وَسَار فِي بِلَاد المصامدة يُقَاتل من أَبى ويسالم من أجَاب فَفتح بلادا كَثِيرَة وَدخل فِي دَعوته عَالم كثير من المصامدة وَرجع إِلَى تينملل فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن ريثما استراح النَّاس ثمَّ غزا مَدِينَة أغمات وبلاد هزرجة فِي ثَلَاثِينَ ألفا من الْمُوَحِّدين فَاجْتمع على حربه أهل أغمات وهزرجة وَخلق كثير من الحشم ولمتونة وَغَيرهم فانتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وَقسم الْمهْدي أنفالهم بَين الْمُوَحِّدين ثمَّ غزا أهل درن فَفتح قلاعه وحصونه وطاع لَهُ جَمِيع من فِيهِ من قبائل هرغة وهنتاتة وكنفسية وَغَيرهم ثمَّ عَاد إِلَى تينملل فَأَقَامَ بهَا ريثما استراح النَّاس ثمَّ ندبهم إِلَى غَزْو

стр. 320

مراكش وَجِهَاد المرابطين وَقدم عَلَيْهِم عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبا مُحَمَّد البشير وَخص عبد الْمُؤمن بإمامة الصَّلَاة فَسَارُوا حَتَّى انْتَهوا إِلَى أغمات فَلَقِيَهُمْ بهَا أَبُو بكر بن عَليّ بن يُوسُف فِي جَيش كثيف من لمتونة وقبائل صنهاجة فَاقْتَتلُوا ودامت الْحَرْب بَينهم ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ انتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموا أَبَا بكر وجيشه إِلَى مراكش وقتلوهم فِي كل طَرِيق وحصروا مراكش أَيَّامًا ثمَّ رجعُوا إِلَى تينملل فَخرج الْمهْدي للقائهم فَرَحَّبَ بهم وعرفهم بِمَا يكون لَهُم من النَّصْر وَالْفَتْح وَمَا يملكونه من الْبِلَاد ثمَّ كَانَت وَفَاته عقب ذَلِك على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله فَهَذَا سِيَاق ابْن أبي زرع لهَذِهِ الْأَخْبَار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ بَقِيَّة أَخْبَار الْمهْدي وَبَعض سيرته إِلَى وَفَاته كَانَ الْمهْدي رجلا ربعَة أسمر عَظِيم الهمة غائر الْعَينَيْنِ حَدِيد النّظر خَفِيف العارضين لَهُ شامة سَوْدَاء على كتفه الْأَيْمن ذَا سياسة ودهاء وناموس عَظِيم وَكَانَ مَعَ ذَلِك عَالما فَقِيها رَاوِيا للْحَدِيث عَارِفًا بالأصول والجدل فصيح اللِّسَان مقداما على الْأُمُور الْعِظَام غير مُتَوَقف فِي سفك الدِّمَاء يهون عَلَيْهِ إِتْلَاف عَالم فِي بُلُوغ غَرَضه وَكَانَ حصورا لَا يَأْتِي النِّسَاء وَكَانَ متيقظا فِي أَحْوَاله ضابطا لما ولي من سُلْطَانه أنْشد صَاحب كتاب الْمغرب ف حَقه (آثاره تنبيك عَن أخباره ... حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ) ثمَّ قَالَ لَهُ قدم فِي الثرى وهمة فِي الثريا وَنَفس ترى إِرَاقَة مَاء الْحَيَاة دون إِرَاقَة مَاء الْمحيا أغفل المرابطون عقله وربطه حَتَّى دب إِلَيْهِم دَبِيب القلق فِي الغسق وَترك فِي الدُّنْيَا دويا أنشأ دولة لَو شَاهدهَا أَبُو مُسلم لَكَانَ لعزمه فِيهَا غير مُسلم وَكَانَ قوته من غزل أُخْت لَهُ فِي كل يَوْم رغيفا بِقَلِيل سمن أَو
следующие страницы →