← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل كَانَت وقْعَة الْبحيرَة بأحواز مراكش قد استأصلت مُعظم أَصْحَاب الْمهْدي وكادت تَأتي عَلَيْهِم وَمَعَ ذَلِك فَلم تضع مِنْهُ وَلَا وهنت صبره وَكَانَ يَقُول مثل هَذَا الْأَمر كالفجر يتقدمه الْفجْر الْكَاذِب وَبعده ينبلج الصُّبْح ويستعلي الضَّوْء وَيَأْمُرهُمْ باتخاذ مرابط الْخَيل الَّتِي ينالون من فَيْء عدوهم بعْدهَا وَإنَّهُ يُعْطي الرجل على قدر مَا أعد من الرِّبَاط إِلَى غير ذَلِك فَهَذَا خبر الْمهْدي مُخْتَصرا من ابْن خلدون ممزوجا بِمَا نَقله ابْن خلكان من ذَلِك وَقد سَاق ابْن أبي زرع فِي القرطاس خبر الْمهْدي هَذَا وَفِيه بعض مُخَالفَة لما تقدم فلنأت بِهِ وَإِن أدّى إِلَى بعض التّكْرَار زِيَادَة فِي الإمتاع وتحلية للأسماع فَنَقُول قَالَ ابْن أبي زرع مَا ملخصه إِن الْمهْدي رَحل إِلَى الْمشرق فِي طلب الْعلم وَلَقي مَشَايِخ وَسمع مِنْهُم وَأخذ عَنْهُم علما كثيرا وَحفظ جملَة من حَدِيث رَسُول الله ﷺ ونبغ فِي علم الْأُصُول والاعتقادات وَكَانَ فِي جملَة من لَقِي من الْعلمَاء الشَّيْخ أَحْمد الْغَزالِيّ ﵁ لَازمه ثَلَاث سِنِين وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد كثيرا مَا يُشِير إِلَى الْمهْدي وَيَقُول إِنَّه لَا بُد أَن يكون لَهُ شَأْن ونمى الْخَبَر بذلك إِلَى الْمهْدي فَلم يزل يتَقرَّب إِلَى الشَّيْخ بأنواع الْخدمَة حَتَّى أطلعه على مَا عِنْده من الْعلم فِي ذَلِك فَلَمَّا تحققت عِنْده الْحَال استخار الله وعزم على الترحال فَخرج قَاصِدا بِلَاد الْمغرب غرَّة ربيع الأول سنة عشر وَخَمْسمِائة ولازم فِي طَرِيقه درس الْعلم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَى أَن اجْتمع بِهِ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَبَايعهُ على مؤازرته فِي الشدَّة والرخاء والعسر واليسر ثمَّ قدم بِلَاد الْمغرب وَاسْتقر بمراكش وَكَانَت لَهُ فصاحة وَعَلِيهِ مهابة فَأخذ يطعن على المرابطين وينسبهم إِلَى الْكفْر والتجسيم ويشيع عِنْد من يَثِق بِهِ ويسكن إِلَيْهِ أَنه الْمهْدي المنتظر الَّذِي يمْلَأ الأَرْض عدلا كَمَا ملئت جورا وَجرى مِنْهُ

стр. 317

بمراكش من تَغْيِير الْمُنكر وَنَحْوه مَا تقدم ذكره فاتصل خَبره بعلي بن يُوسُف اللمتوني فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي بلغنَا عَنْك فَقَالَ إِنَّمَا أَنا رجل فَقير أطلب الْآخِرَة وآمر بِالْمَعْرُوفِ وأنهى عَن الْمُنكر وَأَنت أَيهَا الْملك أولى من يفعل ذَلِك فَإنَّك المسؤول عَنهُ وَقد ظَهرت بمملكتك الْمُنْكَرَات وفشت الْبدع وَقد وَجب الله عَلَيْك إحْيَاء السّنة وإماتة الْبِدْعَة وَقد عَابَ الله تَعَالَى أمة تركُوا النَّهْي عَن الْمُنكر فَقَالَ ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَلَمَّا سمع أَمِير الْمُسلمين كَلَامه تأثر لَهُ وَأَخذه وأطرق مفكرا ثمَّ أَمر بإحضار الْفُقَهَاء فَحَضَرَ مِنْهُم مَا أغص الْمجْلس ثمَّ قَالَ أَمِير الْمُسلمين اختبروا الرجل فَإِن كَانَ عَالما اتبعناه وَإِلَّا أدبناه وَكَانَ الْمهْدي فصيحا لسنا ذَا معرفَة بالأصول والجدل وَكَانَ الْفُقَهَاء الَّذين حَضَرُوا أَصْحَاب حَدِيث وفروع فدارت بَينهم محاورة ومذاكرة أسكتهم فِيهَا وَبَان عجزهم عَنهُ فعدلوا عَن المذاكرة إِلَّا الممالأة وَأغْروا بِهِ أَمِير الْمُسلمين وَقَالُوا هَذَا رجل خارجي وَإِن بقى بِالْمَدِينَةِ أفسد عقائد أَهلهَا فَأمره أَمِير الْمُسلمين بِالْخرُوجِ من الْبَلَد فَخرج إِلَى الْجَبانَة وَضرب بهَا خيمة جلس فِيهَا وَصَارَ الطّلبَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ لأخذ الْعلم عَنهُ فَكثر جمعه وأحبته الْعَامَّة وعظموه وانْتهى خَبره إِلَى أَمِير الْمُسلمين ثَانِيًا وَنقل إِلَيْهِ أَنه يطعن على الدولة فَأحْضرهُ مرّة أُخْرَى وَقَالَ لَهُ أَيهَا الرجل اتَّقِ الله فِي نَفسك ألم أَنْهَك عَن عقد الجموع والمحازب وأمرتك بِالْخرُوجِ من الْبَلَد فَقَالَ أَيهَا الْملك قد امتثلت أَمرك وَخرجت من الْمَدِينَة إِلَى الْجَبانَة واشتغلت بِمَا يعنيني فَلَا تسمع لأقوال المبطلين فتوعده أَمِير الْمُسلمين وهم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ ثمَّ عصمه الله مِنْهُ ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَلما انْفَصل الْمهْدي عَن الْمجْلس أغرى الْحَاضِرُونَ أَمِير الْمُسلمين بِهِ وشرحوا لَهُ جلية أمره وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ فاستدرك أَمِير الْمُسلمين فِيهِ رَأْيه

стр. 318

وَبعث إِلَيْهِ من يَأْتِيهِ بِرَأْسِهِ فَسمع بذلك بعض بطانته فَمر مسرعا حَتَّى إِذا قرب من الْخَيْمَة قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ فَسَمعَهَا الْمهْدي وفطن لَهَا فانسل من حِينه وَخرج حَتَّى أَتَى تينملل فَأَقَامَ بهَا وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ لحق بِهِ أَصْحَابه الْعشْرَة السَّابِقُونَ إِلَى دَعوته والمصدقون بإمامته وهم عبد الْمُؤمن بن عَليّ الكومي وَأَبُو مُحَمَّد البشير الوانشريسي وَأَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي وَأَبُو يحيى بن يكيت الهنتاتي وَأَبُو حَفْص عمر بن عَليّ آصناك وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الخزرجي وَأَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد الْحَضْرَمِيّ وَأَبُو عمرَان مُوسَى بن تمار وَسليمَان بن خلوف وعاشر فأقاموا بتينملل إِلَى رَمَضَان من سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة فَعظم صيته بجبل درن وَكَثُرت أَتْبَاعه فَلَمَّا رأى ذَلِك أظهر دَعوته ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعهُ الْعشْرَة الْبيعَة الْخَاصَّة عقب صَلَاة الْجُمُعَة خَامِس عشر رَمَضَان من السّنة وَلما كَانَ الْغَد وَهُوَ يَوْم السبت خرج الْمهْدي فِي أَصْحَابه الْعشْرَة متقلدين السيوف وَتقدم إِلَى الْجَامِع فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب النَّاس وأعلمهم أَنه الْمهْدي المنتظر ودعاهم إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ الْبيعَة الْعَامَّة ثمَّ بَث دعاته فِي بِلَاد المصامدة يدعونَ النَّاس إِلَى بيعَته ويزرعون محبته فِي قُلُوبهم بالثناء عَلَيْهِ وَوَصفه بالزهد وتحري الْحق وَإِظْهَار الكرامات فانثال النَّاس عَلَيْهِ من كل جِهَة وسمى أَتْبَاعه الْمُوَحِّدين ولقنهم عقائد التَّوْحِيد بِاللِّسَانِ الْبَرْبَرِي وَجعل لَهُم فِيهِ الأعشار والأحزاب والسور وَقَالَ من لم يحفظ هَذَا التَّوْحِيد فَلَيْسَ بموحد لَا تجوز إِمَامَته وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فاستولت محبته على قُلُوبهم وعظموه ظَاهرا وَبَاطنا حَتَّى كَانُوا يستغيثون بِهِ فِي شدائدهم وينوهون باسمه على منابرهم وَلم تزل الْوُفُود تترادف عَلَيْهِ حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ جم غفير فَلَمَّا علم أَن ناموسه قد رسخ وسلطانه قد تمكن قَامَ فيهم خَطِيبًا وندبهم إِلَى جِهَاد المرابطين وأباح لَهُم دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فَانْتدبَ النَّاس

стр. 319

لذَلِك وَبَايَعُوهُ على الْمَوْت فانتخب مِنْهُم عشرَة آلَاف من أجناد الْمُوَحِّدين وَقدم عَلَيْهِم أَبَا مُحَمَّد البشير وَعقد لَهُ راية بَيْضَاء ودعا لَهُم وَانْصَرفُوا فصمدوا إِلَى مَدِينَة أغمات وانْتهى الْخَبَر إِلَى أَمِير الْمُسلمين فَجهز لقتالهم جَيْشًا من الحشم والأجناد فَلَمَّا الْتَقَوْا انتصر عَلَيْهِم الموحدون وهزموهم واتبعوهم حَتَّى أدخلوهم مراكش وحاصروها أَيَّامًا ثمَّ أفرجوا عَنْهَا حِين تكاثرت عَلَيْهِم جيوش لمتونة وَكَانَ ذَلِك ثَالِث شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة وَقسم الْمهْدي الْغَنَائِم الَّتِي غنموها من عَسْكَر المرابطين وتلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى ﴿وَعدكُم الله مَغَانِم كَثِيرَة تأخذونها فَعجل لكم هَذِه﴾ الْآيَة وانتشر ذكر الْمهْدي بِجَمِيعِ أقطار الْمغرب والأندلس وأركب جلّ جَيْشه من خيل المرابطين الَّتِي غنموها ثمَّ غزا مراكش بِنَفسِهِ فعبأ جَيْشه وَسَار حَتَّى نزل بجبل كيليز بِقرب الْمَدِينَة فَأَقَامَ محاصرا لَهَا ثَلَاث سِنِين يباكرها بِالْقِتَالِ ويراوحها من سنة سِتّ عشرَة إِلَى سنة تسع عشرَة وَلما ضجر من مقَامه هُنَاكَ نَهَضَ إِلَى وَادي نَفِيس وَانْحَدَرَ مَعَ مسيله يَدْعُو النَّاس لطاعته وَيُقَاتل من أَبى مِنْهُم فانقاد لَهُ أهل السهل والجبل وبايعته كدميوة ثمَّ غزا بِلَاد ركراكة فَأَخذهُم بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيد الله وَشَرَائِع دينه وَسَار فِي بِلَاد المصامدة يُقَاتل من أَبى ويسالم من أجَاب فَفتح بلادا كَثِيرَة وَدخل فِي دَعوته عَالم كثير من المصامدة وَرجع إِلَى تينملل فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن ريثما استراح النَّاس ثمَّ غزا مَدِينَة أغمات وبلاد هزرجة فِي ثَلَاثِينَ ألفا من الْمُوَحِّدين فَاجْتمع على حربه أهل أغمات وهزرجة وَخلق كثير من الحشم ولمتونة وَغَيرهم فانتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وَقسم الْمهْدي أنفالهم بَين الْمُوَحِّدين ثمَّ غزا أهل درن فَفتح قلاعه وحصونه وطاع لَهُ جَمِيع من فِيهِ من قبائل هرغة وهنتاتة وكنفسية وَغَيرهم ثمَّ عَاد إِلَى تينملل فَأَقَامَ بهَا ريثما استراح النَّاس ثمَّ ندبهم إِلَى غَزْو

стр. 320

مراكش وَجِهَاد المرابطين وَقدم عَلَيْهِم عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَأَبا مُحَمَّد البشير وَخص عبد الْمُؤمن بإمامة الصَّلَاة فَسَارُوا حَتَّى انْتَهوا إِلَى أغمات فَلَقِيَهُمْ بهَا أَبُو بكر بن عَليّ بن يُوسُف فِي جَيش كثيف من لمتونة وقبائل صنهاجة فَاقْتَتلُوا ودامت الْحَرْب بَينهم ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ انتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموا أَبَا بكر وجيشه إِلَى مراكش وقتلوهم فِي كل طَرِيق وحصروا مراكش أَيَّامًا ثمَّ رجعُوا إِلَى تينملل فَخرج الْمهْدي للقائهم فَرَحَّبَ بهم وعرفهم بِمَا يكون لَهُم من النَّصْر وَالْفَتْح وَمَا يملكونه من الْبِلَاد ثمَّ كَانَت وَفَاته عقب ذَلِك على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله فَهَذَا سِيَاق ابْن أبي زرع لهَذِهِ الْأَخْبَار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ بَقِيَّة أَخْبَار الْمهْدي وَبَعض سيرته إِلَى وَفَاته كَانَ الْمهْدي رجلا ربعَة أسمر عَظِيم الهمة غائر الْعَينَيْنِ حَدِيد النّظر خَفِيف العارضين لَهُ شامة سَوْدَاء على كتفه الْأَيْمن ذَا سياسة ودهاء وناموس عَظِيم وَكَانَ مَعَ ذَلِك عَالما فَقِيها رَاوِيا للْحَدِيث عَارِفًا بالأصول والجدل فصيح اللِّسَان مقداما على الْأُمُور الْعِظَام غير مُتَوَقف فِي سفك الدِّمَاء يهون عَلَيْهِ إِتْلَاف عَالم فِي بُلُوغ غَرَضه وَكَانَ حصورا لَا يَأْتِي النِّسَاء وَكَانَ متيقظا فِي أَحْوَاله ضابطا لما ولي من سُلْطَانه أنْشد صَاحب كتاب الْمغرب ف حَقه (آثاره تنبيك عَن أخباره ... حَتَّى كَأَنَّك بالعيان ترَاهُ) ثمَّ قَالَ لَهُ قدم فِي الثرى وهمة فِي الثريا وَنَفس ترى إِرَاقَة مَاء الْحَيَاة دون إِرَاقَة مَاء الْمحيا أغفل المرابطون عقله وربطه حَتَّى دب إِلَيْهِم دَبِيب القلق فِي الغسق وَترك فِي الدُّنْيَا دويا أنشأ دولة لَو شَاهدهَا أَبُو مُسلم لَكَانَ لعزمه فِيهَا غير مُسلم وَكَانَ قوته من غزل أُخْت لَهُ فِي كل يَوْم رغيفا بِقَلِيل سمن أَو

стр. 321

زَيْت وَلم ينْتَقل عَن هَذَا حِين كثرت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَرَأى أَصْحَابه يَوْمًا وَقد مَالَتْ نُفُوسهم إِلَى كَثْرَة مَا غنموه فَأمر بِضَم ذَلِك جَمِيعه وإحراقه وَقَالَ من كَانَ يَتبعني لأجل الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ عِنْدِي إِلَّا مَا رأى وَمن تَبِعنِي للآخرة فَجَزَاؤُهُ عِنْد الله وَكَانَ على خمول زيه وَبسط وَجهه مهيبا منيع الْحجاب إِلَّا عِنْد مظْلمَة وَله رجل مُخْتَصّ بخدمته وَالْإِذْن عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ شعر فَمن ذَلِك قَوْله (أخذت بأعضادهم إِذْ نؤوا ... وخلفك الْقَوْم إِذْ ودعو) (فكم أَنْت تنْهى وَلَا تَنْتَهِي ... وَتسمع وعظا وَلَا تسمع) (فيا حجر السن حَتَّى مَتى ... تسن الْحَدِيد وَلَا تقطع) وَكَانَ كثيرا مَا ينشد (تجرد من الدُّنْيَا فَإنَّك إِنَّمَا ... خرجت إِلَى الدُّنْيَا وَأَنت مُجَرّد) وَكَانَ يتَمَثَّل أَيْضا بقول أبي الطّيب المتنبي (إِذا غامرت فِي شرف مروم ... فَلَا تقنع بِمَا دون النُّجُوم) (فَطَعِمَ الْمَوْت فِي أَمر حقير ... كطعم الْمَوْت فِي أَمر عَظِيم) وَبقول أَيْضا (وَمن عرف الْأَيَّام معرفتي بهَا ... وبالناس روى رمحه غير رَاحِم) (فَلَيْسَ بمرحوم إِذا ظفروا بِهِ ... وَلَا فِي الردى الْجَارِي عَلَيْهِم بآثم) وَبِقَوْلِهِ أَيْضا (وَمَا أَنا مِنْهُم بالعيش فيهم ... وَلَكِن مَعْدن الذَّهَب الرغام) وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل قَالُوا كَانَ مُحَمَّد بن تومرت يزْعم أَنه مَأْمُور بِنَوْع من الْوَحْي والإلهام وينكر كتب الرَّأْي والتقليد وَله بَاعَ فِي علم الْكَلَام وغلبت عَلَيْهِ نزغة خارجية وَكَانَ ينتحل القضايا الإستقبالية وَيُشِير إِلَى الكوائن الْآتِيَة ورتب قومه ترتيبا غَرِيبا فَمنهمْ أهل الدَّار وَأهل الْجَمَاعَة وَأهل السَّاقَة وَأهل خمسين وَأهل سبعين والطلبة والحفاظ

стр. 322

وَأهل الْقَبَائِل فَأهل الدَّار للامتهان والخدمة وَأهل الْجَمَاعَة للتفاوض والمشورة وَأهل السَّاقَة للمباهاة وَأهل سبعين وَخمسين والحفاظ والطلبة لحمل الْعلم والتلقي وَسَائِر الْقَبَائِل لمدافعة الْعَدو وَكَانَ يعلمهُمْ أوجه الْعِبَادَات فِي الْعَادَات قلت من ذَلِك أَن طَائِفَة من المصامدة عسر عَلَيْهِم حفظ الْفَاتِحَة لشدَّة عجمتهم فعدد كَلِمَات أم الْقُرْآن ولقب بِكُل كلمة مِنْهَا رجلا فصفهم صفا وَقَالَ لأولهم اسْمك الْحَمد لله وَللثَّانِي رب الْعَالمين وَهَكَذَا حَتَّى تمت كَلِمَات الْفَاتِحَة ثمَّ قَالَ لَهُم لَا يقبل الله مِنْكُم صَلَاة حَتَّى تجمعُوا هَذِه الْأَسْمَاء على نسقها فِي كل رَكْعَة فسهل عَلَيْهِم الْأَمر وحفظوا أم الْقُرْآن ذكره صَاحب المعرب قَالُوا وَهُوَ أول من أحدث أصبح وَللَّه الْحَمد فِي أَذَان الصُّبْح وَمن جراءته وإقدامه وتهالكه على تَحْصِيل مرامه مَا حَكَاهُ صَاحب القرطاس قَالَ كَانَت بَين الْمُوَحِّدين والمرابطين حَرْب فَقتل من الْمُوَحِّدين خلق كثير فَعظم ذَلِك على عَشَائِرهمْ فاحتال الْمهْدي بِأَن انتخب قوما من أَتْبَاعه ودفنهم أَحيَاء بِموضع المعركة وَجعل لكل وَاحِد مِنْهُم متنفسا فِي قَبره وَقَالَ لَهُم إِذا سئلتم عَن حالكم فَقولُوا قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا وَأَن مَا دَعَا إِلَيْهِ الإِمَام الْمهْدي هُوَ الْحق فجدوا فِي جِهَاد عَدوكُمْ وَقَالَ لَهُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك أخرجتكم وَكَانَت لكم عِنْدِي الْمنزلَة الْعَالِيَة وَقصد بذلك أَن يثبتهم على التَّمَسُّك بدعوته ويهون عَلَيْهِم مَا لاقوا من الْقَتْل والجراحات بِسَبَبِهِ ثمَّ جمع أَصْحَابه عِنْد السحر وَقَالَ لَهُم أَنْتُم يَا معشر الْمُوَحِّدين حزب الله وأنصار دينه وَأَعْوَان الْحق فجدوا فِي قتال عَدوكُمْ فَإِنَّكُم على بَصِيرَة من أَمركُم وَإِن كُنْتُم ترتابون فِيمَا أقوله لكم فَأتوا مَوضِع المعركة وسلوا من اسْتشْهد الْيَوْم من إخْوَانكُمْ يُخْبِرُوكُمْ بِمَا لقوا من الثَّوَاب عِنْد الله ثمَّ أَتَى بهم إِلَى مَوضِع المعركة ونادى يَا معشر الشُّهَدَاء مَاذَا لَقِيتُم

стр. 323

من الله فَقَالُوا قد أَعْطَانَا من الثَّوَاب مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَافْتتنَ النَّاس وظنوا أَن الْمَوْتَى قد كلموهم وحكوا ذَلِك لبَقيَّة إخْوَانهمْ فازدادوا بَصِيرَة فِي أمره وثباتا على رَأْيه وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَفَاة الْمهْدي ﵀ كَانَت وَفَاة الْمهْدي عقب وقْعَة الْبحيرَة قَالَ ابْن خلدون لأربعة أشهر بعْدهَا وَقَالَ ابْن الْخَطِيب وَغَيره كَانَت وَفَاته يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَقيل غير ذَلِك وَقَالَ فِي القرطاس لما رَجَعَ الموحدون من غَزْو مراكش إِلَى تينملل خرج إِلَيْهِم الْمهْدي فَسلم عَلَيْهِم ورحب بهم وأعلمهم بِمَا يكون لَهُم من النَّصْر وَالْفَتْح وَمَا يملكونه من الْبِلَاد وبمدة ملكهم وأعلمهم أَنه يَمُوت فِي تِلْكَ السّنة فبكوا وأسفوا ثمَّ مرض مَرضه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ وَقدم عبد الْمُؤمن للصَّلَاة أَيَّام مَرضه ثمَّ توفّي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَذكر بعض المؤرخين أَن الْمهْدي رأى فِي مَنَامه قبل وَفَاته كَأَن آتِيَا أَتَاهُ فأنشده أبياتا نعى لَهُ فِيهِ نَفسه وأعلمه بِالْيَوْمِ الَّذِي يَمُوت فِيهِ فَكَانَ كَذَلِك انْظُر القرطاس وَقد مر فِي هَذِه الْأَخْبَار ذكر كتاب الجفر وَرُبمَا تتشوق النَّفس لمعْرِفَة حَقِيقَته فقد قَالَ ابْن خلدون فِي كتاب طبيعة الْعمرَان وَاعْلَم أَن كتاب الجفر كَانَ أَصله أَن هَارُون بن سعيد الْعجلِيّ وَهُوَ رَأس الزيدية كَانَ لَهُ كتاب يرويهِ عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَفِيه علم مَا سيقع لأهل الْبَيْت على الْعُمُوم ولبعض الْأَشْخَاص مِنْهُم على الْخُصُوص وَقع ذَلِك لجَعْفَر ونظائره من رجالاتهم على طَرِيق الْكَرَامَة والكشف الَّذِي يَقع لمثلهم من الْأَوْلِيَاء وَكَانَ مَكْتُوبًا عِنْد جَعْفَر الصَّادِق فِي جلد ثَوْر صَغِير فَرَوَاهُ عَنهُ

стр. 324

هَارُون الْعجلِيّ وَكتبه وَسَماهُ الجفر باسم الْجلد الَّذِي كتب فِيهِ لِأَن الجفر فِي اللُّغَة هُوَ الصَّغِير فَصَارَ هَذَا الإسم علما على هَذَا الْكتاب عِنْدهم وَكَانَ فِيهِ تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم وَمَا فِي بَاطِنه من غرائب الْمعَانِي مروية عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَذكره ابْن قُتَيْبَة فِي أَوَائِل كتاب اخْتِلَاف الحَدِيث فَقَالَ بعد كَلَام طَوِيل وأعجب من هَذَا التَّفْسِير تَفْسِير الروافض لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم وَمَا يَدعُونَهُ من علم بَاطِنه بِمَا وَقع إِلَيْهِم من الجفر الَّذِي ذكره الْعجلِيّ ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة (ألم تَرَ أَن الرافضين تفَرقُوا ... فكلهم فِي جَعْفَر قَالَ مُنْكرا) (فطائفة قَالُوا إِمَام وَمِنْهُم ... طوائف سمته النَّبِي المطهرا) (وَمن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... بَرِئت إِلَى الرَّحْمَن مِمَّن تجفرا) فِي أَبْيَات غير هَذِه ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَهُوَ جلد جفر ادعوا أَنه كتب لَهُم فِيهِ الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَكلما يكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة اه وَهَذَا تزييف من ابْن قُتَيْبَة لكتاب الجفر وَخَالف هَذَا الْمَذْهَب أَبُو الْعَلَاء المعري فَقَالَ (لقد عجبوا لأهل الْبَيْت لما ... أَتَاهُم علمهمْ فِي مسك جفر) (ومرآة المنجم وَهِي صغرى ... أرته كل عامرة وقفر) والمسك بِفَتْح الْمِيم الْجلد والجفر بِفَتْح الْجِيم مَا بلغ أَرْبَعَة أشهر من أَوْلَاد الْمعز وَكَانَت عَادَتهم فِي ذَلِك الزَّمَان أَنهم يَكْتُبُونَ فِي الْجُلُود وَمَا شاكلها لقلَّة الأوراق يَوْمئِذٍ وَقَالَ ابْن خلدون كتاب الجفر لم تتصل رِوَايَته عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَلَا عرف عينه وَإِنَّمَا يظْهر مِنْهُ شواذ من الْكَلِمَات لَا يصحبها دَلِيل وَلَو صَحَّ النِّسْبَة إِلَى جَعْفَر الصَّادِق لَكَانَ فِيهِ نعم الْمُسْتَند من نَفسه أَو من رجال قومه فهم أهل الكرامات رَضِي الله عَنْهُم

стр. 325

الْخَبَر عَن دولة أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن عَليّ الكومي وأوليتها اعْلَم أَن بني عبد الْمُؤمن لَيْسُوا من المصامدة وَإِنَّمَا هم من كومية ثمَّ من بني عَابِد مِنْهُم وكومية ويعرفون قَدِيما بصطفورة بطن من بني فاتن بن تامصيت بن ضري بن زجيك بن مادغيس الأبتر فهم بَنو عَم زناتة يَجْتَمعُونَ فِي ضري بن زجيك هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَبَعض المؤرخين يرفعون نسب عبد الْمُؤمن إِلَى قيس عيلان بن مُضر وَهُوَ ضَعِيف قَالَ ابْن خلدون كَانَ عبد الْمُؤمن من بني عَابِد أحد بيوتات كومية وأشرافهم قَالَ وموطنهم بتاكرارت وَهُوَ حصن فِي الْجَبَل المطل على هنين من نَاحيَة الشرق وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ وَالِد عبد الْمُؤمن وَسِيطًا فِي قومه وَكَانَ صانعا فِي عمل الطين يعْمل مِنْهُ الْآنِية فيبيعها وَكَانَ عَاقِلا من الرِّجَال وقورا ويحكى أَن عبد الْمُؤمن فِي صباه كَانَ نَائِما تجاه أَبِيه وَأَبوهُ مشتغل بِعَمَلِهِ فِي الطين فَسمع أَبوهُ دويا فِي السَّمَاء فَرفع رَأسه فَرَأى سَحَابَة سَوْدَاء من النَّحْل قد هوت مطبقة على الدَّار فَنزلت كلهَا مجتمعة على عبد الْمُؤمن وَهُوَ نَائِم فغطته وَلم يظْهر من تحتهَا وَلَا اسْتَيْقَظَ لَهَا فرأته أمه على تِلْكَ الْحَال فصاحت خوفًا على وَلَدهَا فسكتها أَبوهُ فَقَالَت أَخَاف عَلَيْهِ فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْهِ بل إِنِّي متعجب مِمَّا يدل عَلَيْهِ ذَلِك ثمَّ إِنَّه غسل يَدَيْهِ من الطين وَلبس ثِيَابه ووقف ينْتَظر مَا يكون من أَمر النَّحْل فطار عَنهُ بأجمعه فَاسْتَيْقَظَ الصَّبِي وَمَا بِهِ من ألم فتفقدت أمه جسده فَلم تَرَ بِهِ أثرا وَلم يشك ألما وَكَانَ بِالْقربِ مِنْهُم رجل مَعْرُوف بالزجر فَمضى أَبوهُ إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بِمَا

стр. 326

رَآهُ من النَّحْل مَعَ وَلَده فَقَالَ الزاجر يُوشك أَن يكون لَهُ شَأْن يجْتَمع على طَاعَته أهل الْمغرب فَكَانَ من أمره مَا اشْتهر وَقد تقدم لنا أَن الْمهْدي كَانَ عِنْده كتاب الجفر وَكَانَ فِيهِ أَن أمره لَا يتم إِلَّا على يَد رجل اسْمه كَذَا وحليته كَذَا وَهُوَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَأَقَامَ الْمهْدي يتطلبه مُدَّة إِلَى أَن لقِيه بملالة وَعبد الْمُؤمن إِذْ ذَاك شَاب حدث طَالب علم فلازم الْمهْدي واستمسك بغرره إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ وَكَانَ الْمهْدي يتفرس فِيهِ النجابة وينشد إِذا أبصره (تكاملت فِيك أَوْصَاف خصصت بهَا ... فكلنا بك مسرور ومغتبط) (السن ضاحكة والكف مانحة ... وَالنَّفس وَاسِعَة وَالْوَجْه منبسط) والبيتان لأبي الشيص الْخُزَاعِيّ وَكَانَ يَقُول لأَصْحَابه صَاحبكُم غلاب الدول وَكَانَ يَقُول عبد الْمُؤمن من صديقي هَذِه الدائرة وَقَالَ ابْن خلدون آثر الْمهْدي عبد الْمُؤمن بمزيد الخصوصية والقرب بِمَا خصّه الله بِهِ من الْفَهم والوعي للتعليم حَتَّى كَانَ خَالِصَة الْمهْدي وكنز صحابته وَكَانَ مؤمله لخلافته لما أظهره عَلَيْهِ من الشواهد المؤذنة بذلك وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الْخَطِيب (وَخلف الْأَمر لعبد الْمُؤمن ... فانقادت الدُّنْيَا لَهُ فِي رسن) (حباه بَين الْقَوْم بالأمارة ... إِذْ وضحت لَهُ فِيهِ الْإِمَارَة) وَلما اجتاز الْمهْدي فِي طَرِيقه إِلَى الْمغرب بالثعالبة عرب الجزائر أهدوا إِلَيْهِ حمارا فارها يركبه لِأَنَّهُ كَانَ ساعيا على رجلَيْهِ فَكَانَ يُؤثر بِهِ عبد الْمُؤمن وَيَقُول لأَصْحَابه اركبوه الْحمار يركبكم الْخُيُول المسومة وَزعم بَنو عبد الْمُؤمن أَن الْمهْدي كَانَ اسْتَخْلَفَهُ من بعده وَقَالَ ابْن خلكان لم يَصح أَنه اسْتَخْلَفَهُ وَإِنَّمَا رَاعى أَصْحَابه فِي تَقْدِيمه إِشَارَته فتم لَهُ الْأَمر وَالله أعلم

стр. 327

بيعَة عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَالسَّبَب فِيهَا لما توفّي الْمهْدي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم تولى عبد الْمُؤمن تَجْهِيزه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ ثمَّ دَفنه بمسجده الملاصق لداره من تينملل وَلما فرغ الموحدون من أمره تشوف كل وَاحِد من الْعشْرَة إِلَى الْخلَافَة بعده وَكَانُوا من قبائل شَتَّى وأحبت كل قَبيلَة أَن يكون الْخَلِيفَة مِنْهَا وَأَن لَا يتَوَلَّى عَلَيْهَا من هُوَ من غَيرهَا فتنافسوا فِي ذَلِك فَاجْتمع الْعشْرَة وَالْخَمْسُونَ وَتَآمَرُوا فِيمَا بَينهم وخافوا على أنفسهم النِّفَاق وَأَن تفْسد نياتهم وتفترق جَمَاعَتهمْ فاتفقوا على خلَافَة عبد الْمُؤمن لكَونه كَانَ غَرِيبا بَين أظهرهم لَيْسَ من المصامدة لِأَن المصامدة من البرانس وكومية قَبيلَة عبد الْمُؤمن من البتر فقدموه لذَلِك مَعَ مَا كَانُوا يرَوْنَ من ميل الْمهْدي إِلَيْهِ وإيثاره على غَيره فتم لَهُ الْأَمر وَقَالَ ابْن خلدون لما مَاتَ الْمهْدي خشِي أَصْحَابه من افْتِرَاق الْكَلِمَة وَمَا يتَوَقَّع من سخط المصامدة لولاية عبد الْمُؤمن لكَونه من غير جلدتهم فأرجؤوا الْأَمر إِلَى أَن تخالط بشاشة الدعْوَة قُلُوبهم وكتموا مَوته لثلاث سِنِين يموهون فِيهَا بمرضه ويقيمون سنته فِي الصَّلَاة والحزب الرَّاتِب وَيدخل أَصْحَابه إِلَى بَيته كَأَنَّهُ اختصهم بعيادته فَيَجْلِسُونَ حوالي قَبره ويتفاوضون فِي شؤونهم ثمَّ يخرجُون لإنفاذ مَا أبرموه ويتولى ذَلِك عبد الْمُؤمن حَتَّى إِذا استحكم أَمرهم وتمكنت الدعْوَة من كافتهم كشفوا القناع عَن حَالهم وتمالأ من بَقِي من الْعشْرَة على تَقْدِيم عبد الْمُؤمن وَتَوَلَّى كبر ذَلِك الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي جد الْمُلُوك الحفصيين أَصْحَاب تونس فأظهروا للنَّاس موت الْمهْدي وَعَهده لصَاحبه وانقاد بَقِيَّة أَصْحَابه لذَلِك وروى لَهُم يحيى بن يغمور أَنه كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ أثر صلواته اللَّهُمَّ بَارك فِي الصاحب الْأَفْضَل فَرضِي الكافة وانقادوا لَهُ وَأَجْمعُوا على بيعَته

стр. 328

وَزَعَمُوا أَن عبد الْمُؤمن اسْتعْمل فِي ذَلِك حِيلَة تمّ لَهُ بهَا مَا أَرَادَ وَذَلِكَ أَنه عمد إِلَى طَائِر وَأسد فضراهما حَتَّى أنسا بِهِ وَعلم الطَّائِر أَن يَقُول عِنْد عَلامَة نصبها لَهُ النَّصْر والتمكين لعبد الْمُؤمن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعلم الْأسد أَن يبصبص لَهُ ويتمسح بِهِ كلما رَآهُ ثمَّ جمع عبد الْمُؤمن الْمُوَحِّدين وخطبهم وحضهم على الألفة واجتماع الْكَلِمَة وحذرهم عَاقِبَة الْبَغي وَالْخلاف وبينما هُوَ فِي ذَلِك إِذْ أرسل سائس الْأسد أسده وصفر صَاحب الطَّائِر لطائره فبصبص هَذَا وأعلن بالنصر هَذَا فَعجب الْحَاضِرُونَ من ذَلِك وَرَأَوا أَنَّهَا كَرَامَة لعبد الْمُؤمن فازدادوا بهَا بَصِيرَة فِي أمره وثباتا على بيعَته مَعَ مَا كَانَ من تَقْدِيم الْمهْدي لَهُ فِي الصَّلَاة أَيَّام مَرضه وَفِي ذَلِك يَقُول بَعضهم أنس الشبل ابتهاجا بالأسد ... وَرَأى شبه أَبِيه فقصد) (ودعا الطَّائِر بالنصر لكم ... فَقضى حقكم حِين وَفد) وَالله أعلم وَكَانَت بيعَة عبد الْمُؤمن الْعَامَّة بعد صَلَاة الْجُمُعَة لعشرين يَوْمًا من ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة بِجَامِع تينملل وَأول من بَايعه الْعشْرَة أَصْحَاب الْمهْدي ثمَّ الْخَمْسُونَ من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين ثمَّ كَافَّة الْمُوَحِّدين لم يتَخَلَّف عَن بيعَته مِنْهُم أحد فاستوثق لَهُ الْأَمر وَاسْتولى على الْمغرب بأسره وَفتح بِلَاد إفريقية إِلَى برقة وبلاد الأندلس بأسرها وخطب لَهُ على مَنَابِر

стр. 329

هَذِه الأقاليم كلهَا على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيله إِن شَاءَ الله وَلما تمت بيعَته غزا من حِينه بِلَاد تادلا فَقتل بهَا وسبى ثمَّ غزا بِلَاد درعة فاستولى عَلَيْهَا ثمَّ غزا بِلَاد غمارة فَافْتتحَ الْبَعْض مِنْهَا وَقتل واليها ثمَّ تسابق النَّاس إِلَى دَعوته أَفْوَاجًا وأنتقضت البربر على المرابطين فِي سَائِر أقطار الْمغرب وَكَانَ مَا نذكرهُ غَزْوَة عبد الْمُؤمن الطَّوِيلَة الَّتِي استولى فِيهَا على المغربين ثمَّ صرف عبد الْمُؤمن عزمه لفتح بِلَاد الْمغرب فغزا غزوته الطَّوِيلَة الَّتِي مكث فِيهَا سبع سِنِين وأجلت عَن فتح المغربين مَعًا الْأَقْصَى والأوسط خرج لَهَا ثمَّ تينملل فِي صفر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَلم يزل يتقرى بِلَاد الْمغرب وَيفتح معاقلها وَيُسْتَنْزَلُ حماتها ويذلل صعابها إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ خُرُوجه من تينملل على طَرِيق الْجَبَل وَخرج تاشفين بن عَليّ فِي أَتْبَاعه من مراكش على طَرِيق السهل إِلَى أَن وصلا إِلَى تلمسان حَسْبَمَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار المرابطين قَالَ ابْن خلدون خرج عبد الْمُؤمن فِي هَذِه الْغَزْوَة من تينملل يَعْنِي على طَرِيق الْجَبَل كَمَا قُلْنَا وَخرج تاشفين بن عَليّ يَعْنِي فِي حَيَاة وَالِده بعساكره يحاذيه فِي الْبَسِيط وَالنَّاس يفرون مِنْهُ إِلَى عبد الْمُؤمن وَهُوَ يتنقل فِي الْجبَال فِي سَعَة من الْفَوَاكِه للْأَكْل والحطب للدفء إِلَى أَن وصل إِلَى جبال غمارة واشتعلت نَار الْفِتْنَة والغلاء بالمغرب وأقشعت الرعايا عَن الْبِلَاد وألح الطاغية على الْمُسلمين بالعدوة الأندلسية وَهلك خلال ذَلِك أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَولي بعده ابْنه تاشفين بن عَليّ الْمَذْكُور وَهُوَ فِي غزاته هَذِه

стр. 330

وَفِي القرطاس ارتحل عبد الْمُؤمن إِلَى جبال غمارة وارتحل تاشفين بن عَليّ فِي أَثَره فَنزل بِإِزَاءِ عين الْقَدِيم وَذَلِكَ فِي فصل الشتَاء فَأَقَامَ بذلك المنززل شَهْرَيْن حَتَّى أحرق أهل محلته أوتاد أخبيتهم ورماحهم وهدموا بُيُوتهم وخيامهم انْتهى ونشأت فتْنَة بَين لمتونة ومسوفة فَنزع جمَاعَة من أُمَرَاء مسوفة مِنْهُم عَامل تلمسان يحيى بن إِسْحَاق الْمَعْرُوف بآنكمار وَلَحِقُوا بِعَبْد الْمُؤمن ودخلوا فِي دَعوته فنبذ إِلَيْهِم المرابطون الْعَهْد وَإِلَى سَائِر مسوفة وَاسْتمرّ عبد الْمُؤمن على حَاله فنازل سبتة فامتنعت عَلَيْهِ وَتَوَلَّى كبر دفاعه عَنْهَا القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض بن مُوسَى الشهير الذّكر وَكَانَ رئيسها يَوْمئِذٍ بأبوته ومنصبه وَعلمه وَدينه قَالَ ابْن خلدون وَلذَلِك سخطته الدولة يَعْنِي دولة الْمُوَحِّدين آخر الْأَيَّام حَتَّى مَاتَ مغربا عَن سبته مُسْتَعْملا فِي خطة الْقَضَاء بالبادية من تادلا ﵀ وَتَمَادَى عبد الْمُؤمن فِي غزاته إِلَى جبال غياثة وبطوية فافتتحها ثمَّ نَازل ملوية فَافْتتحَ حصونها ثمَّ تخطى إِلَى بِلَاد زناتة فأطاعته قبائل مديونة وَكَانَ قد بعث إِلَيْهِم جَيْشًا من الْمُوَحِّدين إِلَى نظر يُوسُف بن وانودين فَخرج إِلَيْهِم مُحَمَّد بن يحيى بن فانوا عَامل تلمسان من قبل المرابطين فِيمَن مَعَه من جيوش لمتونة وزناتة فَهَزَمَهُمْ الموحدون وَقتل ابْن فانوا وانفض جمع زناتة وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ وَولى تاشفين بن عَليّ على تلمسان أَبَا بكر بن مزدلي وَقدم على عبد الْمُؤمن وَهُوَ بمكانه من الرِّيف أَبُو بكر بن ماخوخ ويوسف بن بدر من أُمَرَاء بني ومانوا من زناتة فَبعث مَعَهم يحيى بن يغمور ويوسف بن وانودين فِي عَسْكَر فأثخنوا فِي بِلَاد بني عبد الواد وَبني يلومي من زناتة سبيا وأسرا وَلحق صريخهم بتاشفين بن عَليّ فَأَمَدَّهُمْ بعساكر لمتونة وَمَعَهُمْ الروبرتير قَائِد الرّوم ونزلوا منداس وانضمت إِلَيْهِم قبائل زناتة من بني يلومي وَبني عبد الواد مَعَ شيخهم حمامة بن مطهر وإخوانهم بني توجين وَغَيرهم فأوقعوا بيني ومانوا وَقتلُوا

стр. 331

أَبَا بكر بن ماخوخ فِي سِتّمائَة من قومه واستنفذوا غنائمهم وتحصن الموحدون وفل بني وماتوا بجبل سيرات وَلحق تاشفين بن ماخوخ صريخا بِعَبْد الْمُؤمن ومستجيشا بِهِ على لمتونة وزناتة فارتحل مَعَه عبد الْمُؤمن إِلَى تلمسان ثمَّ أجَاز إِلَى سيرات وَقصد محلّة لمتونة وزناتة فأوقع بهم وَرجع إِلَى تلمسان فَنزل مَا بَين الصخرتين من جبل تيطرى وَنزل تاشفين بن عَليّ بالسهل مِمَّا يَلِي الصفصاف ثمَّ وصل مدد صنهاجة من قبل يحيى بن الْعَزِيز صَاحب بجاية لنظر قائده بن كباب أمدوا بِهِ تاشفين بن عَليّ وَقَومه لعصبية الصنهاجية وَفِي يَوْم وُصُوله أشرف على معسكر الْمُوَحِّدين وَكَانَ يدل بإقدام فَعرض بلمتونة وأميرهم تاشفين بن عَليّ لقعودهم عَن مناجزة الْمُوَحِّدين وَقَالَ إِنَّمَا جِئتُكُمْ لأخلصكم من صَاحبكُم عبد الْمُؤمن هَذَا وأرجع إِلَى قومِي فامتعض تاشفين بن عَليّ من كَلمته وَأذن لَهُ فِي المناجزة فَحمل على الْقَوْم فَرَكبُوا وصمموا للقائه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وانفض عسكره وَكَانَ تاشفين بعث من قبل ذَلِك قائده على الرّوم وَهُوَ الروبرتير فِي عَسْكَر ضخم فَأَغَارَ على قوم من زناتة كَانُوا فِي بسيط لَهُم فاكتسحهم وَرجع بالغنائم فاعترضه الموحدون من عَسْكَر عبد الْمُؤمن فَقَتَلُوهُمْ وَقتلُوا الروبرتير فِي جُمْلَتهمْ ثمَّ بعث تاشفين بن عَليّ بعثا آخر إِلَى جِهَة أُخْرَى فَلَقِيَهُمْ تاشفين بن ماخوخ وَمن كَانَ مَعَه من الْمُوَحِّدين واعترضوا عَسْكَر بجاية عِنْد رجوعهم فنالوا مِنْهُم أعظم النّيل وتوالت هَذِه الوقائع على تاشفين بن عَليّ اللمتوني فأجمع الرحلة إِلَى وهران وَبعث ابْنه ولي عَهده إِبْرَاهِيم بن تاشفين إِلَى مراكش فِي جمَاعَة من لمتونة وَبعث كَاتبا مَعَه أَحْمد بن عَطِيَّة ورحل هُوَ إِلَى وهران سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فَأَقَامَ عَلَيْهَا شهرا ينْتَظر قَائِد أسطوله مُحَمَّد بن مَيْمُون

стр. 332

إِلَى أَن وَصله من المرية بِعشْرَة أساطيل فأرسى قَرِيبا من مُعَسْكَره وزحف عبد الْمُؤمن من تلمسان وَبعث فِي مقدمته الشَّيْخ أَبَا حَفْص عمر بن يحيى الهنتاتي وَمَعَهُ بَنو ومانوا من زناتة فتقدموا إِلَى بِلَاد زناتة ونزلوا منداس وسط بِلَادهمْ وَجمع لَهُ بَنو يادين كلهم وَبَنُو بلومي وَبَنُو مرين ومغراوة فأثخن فيهم الموحدون حَتَّى أذعنوا للطاعة ودخلوا فِي دعوتهم ووفد على عبد الْمُؤمن جمَاعَة من رُؤَسَائِهِمْ وَكَانَ مِنْهُم سيد النَّاس ابْن أَمِير النَّاس شيخ بني يلومي وحمامة بن مطهر شيخ بني عبد الواد وَغَيرهم فَتَلقاهُمْ بِالْقبُولِ وَسَار بهم فِي جموع الْمُوَحِّدين إِلَى وهران فبيتوا لمتونة بمعسكرهم ففضوهم ولجأ تاشفين إِلَى رابية هُنَاكَ فأحدقوا بهَا وأضرموا النيرَان حولهَا حَتَّى إِذا غشيهم اللَّيْل خرج تاشفين من الْحصن رَاكِبًا فرسه فتردى بِهِ من بعض حافات الْجَبَل وَهلك لسبع وَعشْرين من رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى تينملل وَنَجَا فل الْعَسْكَر إِلَى وهران فانحصروا بهَا مَعَ أَهلهَا حَتَّى جهدهمْ الْعَطش فنزلوا على حكم عبد الْمُؤمن يَوْم عيد الْفطر من السّنة الْمَذْكُورَة فاستأصلهم الْقَتْل ﵏ وَبلغ خبر مقتل تاشفين بن عَليّ إِلَى تلمسان مَعَ فل لمتونة الَّذين نَجوا من وقْعَة وهران وَفِيهِمْ سير بن الْحَاج فِي آخَرين من أعيانهم ففر مَعَهم من كَانَ بهَا من لمتونة وَلما وصل عبد الْمُؤمن إِلَى تلمسان استباح أهل تاكرارت لما كَانَ أَكْثَرهم من الحشم بعد أَن كَانَ بعثوا سِتِّينَ من وُجُوههم فَلَقِيَهُمْ يصليتن من مشيخة بني عبد الواد فَقَتلهُمْ أَجْمَعِينَ وافتتح عبد الْمُؤمن تلمسان وَعَفا عَن أَهلهَا ورحل عَنْهَا لسبعة أشهر من فتحهَا بعد أَن ولى عَلَيْهَا سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن وانودين وَقيل يُوسُف بن وانودين

стр. 333

فتح مَدِينَة فاس نقل بعض المؤرخين أَن عبد الْمُؤمن لم يزل محاصرا لتلمسان والفتوح ترد عَلَيْهِ وَهُنَاكَ وصلته بيعَة أهل سجلماسة إِلَى أَن اعتزم على الرحيل إِلَى الْمغرب فَترك إبراهم يبن جَامع محاصرا لتلمسان وَقصد مَدِينَة فاس سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقد تحصن بهَا يحيى بن أبي بكر الصحراوي من فل تاشفين بن عَليّ من وهران فنازلها عبد الْمُؤمن وَبعث عسكرا لحصار مكناسة ثمَّ نَهَضَ فِي أَتْبَاعه وَترك عسكرا من الْمُوَحِّدين على فاس وَعَلَيْهِم الشَّيْخ أَبُو حَفْص وَأَبُو إِبْرَاهِيم من صحابة الْمهْدي الْعشْرَة فحاصروها سَبْعَة أشهر ثمَّ داخلهم ابْن الجياني فسرب الْبَلَد وَأدْخل الْمُوَحِّدين لَيْلًا وفر يحيى بن أبي بكر الصحراوي إِلَى طنجة ثمَّ أجاء مِنْهَا إِلَى يحى بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية بالأندلس وَكَانَ واليا على قرطبة من قبل المرابطين فَأَقَامَ عِنْده إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وانْتهى خبر فتح فاس إِلَى عبد الْمُؤمن وَهُوَ بمكانه من حِصَار مكناسة فَرجع إِلَيْهَا ودخلها وَحكى صَاحب القرطاس فِي فتح فاس خلاف هَذَا الْوَجْه فَقَالَ وَفِي سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة فتح عبد الْمُؤمن فاسا بعد حِصَار شَدِيد قطع عَنْهَا مَاء النَّهر الدَّاخِل إِلَيْهَا وسده بِالْبِنَاءِ والخشب حَتَّى انحبس المَاء فَوق بسيط الأَرْض وانْتهى إِلَى مراكزه مِنْهَا ثمَّ خرق السد فانحدر المَاء على الْمَدِينَة دفْعَة وَاحِدَة وَهدم سورها ثمَّ هدم من دورها مايزيد عَن ألفي دَار بالتثنية وَهلك بهَا خلق كثير وَكَانَ المَاء يَأْتِي على أَكْثَرهَا ثمَّ دَخلهَا عبد الْمُؤمن وَأمن أَهلهَا إِلَّا من كَانَ بهَا من المرابطين فَإِنَّهُ أَمر أَن لَا يمْضِي لَهُم أَمَان وقتلهم قتل عَاد ثمَّ أَمر بسور الْمَدِينَة فهدم مِنْهُ ثلم كَثِيرَة أوسعها جدا وَقَالَ إِنَّا لَا نحتاج إِلَى سور وَإِنَّمَا أسوارنا سُيُوفنَا وعدلنا فَم تزل فاس لَا سور لَهَا إِلَى أَن تداركها حافده يَعْقُوب الْمَنْصُور فابتدأ بناءه وَمَات فأتمه ابْنه النَّاصِر سنة سِتّمائَة

стр. 334

وَلما فتح عبد الْمُؤمن فاسا ولى عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم بن جَامع الَّذِي خَلفه على تلمسان فَإِنَّهُ لما فتحهَا ارتحل إِلَى عبد الْمُؤمن فاتصل بِهِ وَهُوَ محاصر لفاس فَفَتحهَا عبد الْمُؤمن وولاه عَلَيْهَا وان قد اعْتَرَضَهُ فِي طَرِيقه المخضب بن عَسْكَر شيخ بني مرين ونالوا مِنْهُ وَمن رفقته وَكَانَت مَعَه أَمْوَال لمتونة وذخيرتهم الَّتِي استولى عَلَيْهَا عبد الْمُؤمن بوهران وَكَانَ ابْن جَامع ذَاهِبًا بهَا إِلَى تينملل فاعترضه بَنو مرين وانتزعوها مِنْهُ وانْتهى الْخَبَر بذلك إِلَى عبد الْمُؤمن فَكتب إِلَى عَامله على تلمسان يُوسُف بن وانودين يَأْمُرهُ أَن يُجهز العساكر إِلَى بني مرين فبعثها صُحْبَة عبد الْحق بن منغفاد شيخ بني عبد الواد فأوقعوا ببني مرين وَقتل المخضب شيخهم فتح مراكش واستئصال بَقِيَّة اللمتونيين ثمَّ ارتحل عبد الْمُؤمن من فاس عَامِدًا إِلَى مراكش فوافته فِي طَرِيقه بيعَة أهل سبتة فولى عَلَيْهِم يُوسُف بن مخلوف من مشيخة هنتاتة وَمر على مَدِينَة سلا فافتتحها بعد مواقعة قَليلَة وثلم سورها كفاس وَنزل مِنْهَا بدار ابْن عشرَة وَكَانَت هَذِه الدَّار قصرا بديعا بِمَدِينَة سلا بناه الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس بن الْقَاسِم من بَين عشرَة فشيده وأتقنه وَلما فرغ مِنْهُ وَصفته الشُّعَرَاء وهنته بِهِ ودعت لَهُ وَكَانَ بالحضرة يَوْمئِذٍ الأديب ابْن الحمارة وَلم يكف أعد شَيْئا ففكر قَلِيلا ثمَّ قَالَ (يَا أوحد النَّاس قد شيدت وَاحِدَة ... فَحل فِيهَا حُلُول الشَّمْس فِي الْحمل) (فَمَا كدارك فِي الدُّنْيَا لذِي أمل ... وَلَا كدارك فِي الْأُخْرَى لذِي عمل) وَهَذَا الْقصر لم يبْق لَهُ الْيَوْم اسْم وَلَا رسم ثمَّ تَمَادى عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش وسرح الشَّيْخ أَبَا حَفْص لغزو برغواطة فأثخن فيهم وَرجع فَلَقِيَهُ فِي طَرِيقه وانتهوا جَمِيعًا إِلَى مراكش وَقد انْضَمَّ إِلَيْهَا جموع لمطة فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا واكتسحوا أَمْوَالهم وظعائنهم وَأَقَامُوا على

стр. 335

مراكش تِسْعَة أشهر وأميرهم يَوْمئِذٍ إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وَكَانُوا قد بَايعُوا أَولا إِبْرَاهِيم بن تاشفين بن عَليّ فألفوه مضعفا عَاجِزا فخلعوه وَبَايَعُوا عَمه إِسْحَاق بن عَليّ الْمَذْكُور وَهُوَ صبي صَغِير وَلما طَال عَلَيْهِم الْحصار وَجَهْدهمْ الْجُوع برزوا إِلَى مدافعة الْمُوَحِّدين فَانْهَزَمُوا وتبعهم الموحدون بِالْقَتْلِ فاقتحموا عَلَيْهِم الْمَدِينَة فِي أخريات شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَقتل عَامَّة الملثمين وَنَجَا إِسْحَاق فِي جملَته وأعيان قومه إِلَى القصبة حَتَّى نزلُوا على حكم الْمُوَحِّدين وأحضر إِسْحَق بَين يَدي عبد الْمُؤمن فَقتله الموحدون بِأَيْدِيهِم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك أَبُو حَفْص بن واجاج مِنْهُم وانمحى أثر الملثمين وَاسْتولى الموحدون على جَمِيع الْبِلَاد وَقد قيل فِي تَرْتِيب هَذِه الْأَخْبَار غير هَذَا الْوَجْه قَالَ ابْن مطروح الْقَيْسِي لما بُويِعَ عبد الْمُؤمن بتينملل ارتحل بجيوش الْمُوَحِّدين نَحْو مراكش فحاصرها أَيَّامًا وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة ثمَّ ارتحل عَنْهَا إِلَى تادلا ثمَّ إِلَى سلا فَتَلقاهُ أَهلهَا سَامِعين مُطِيعِينَ فَدَخلَهَا يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وخطب لَهُ بهَا وَفِي سنة سبع وَعشْرين بعْدهَا فتح عبد الْمُؤمن بِلَاد تازا وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين بعْدهَا تسمى عبد الْمُؤمن بأمير الْمُؤمنِينَ وَاعْلَم أَن اللقب كَانَ فِي صدر الْإِسْلَام خَاصّا بالخليفة بالمشرق من بني أُميَّة أَو من بني الْعَبَّاس بعدهمْ وَلما قَامَ عبيد الله الْمهْدي أول مُلُوك العبيديين بإفريقية تسمى بأمير الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَنه أَحَق بالخلافة من بني الْعَبَّاس

стр. 336

المعاصرين لَهُ بالمشرق فَهُوَ أول من زاحم الْخَلِيفَة فِي هَذَا اللقب ثمَّ تبعه على ذَلِك عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي صَاحب الأندلس وَرَأى أَن لَهُ فِي الْخلَافَة حَقًا اقْتِدَاء بسلفه الَّذين كَانُوا خلفاء بالمشرق وَكِلَاهُمَا أَعنِي العبيدي والأموي قرشي من عبد منَاف ثمَّ لم يتجاسر أحد لَا من مُلُوك الْعَجم بالمشرق وَلَا من مُلُوك البربر من الْمغرب على اللقب بأمير الْمُؤمنِينَ لِأَنَّهُ لقب الْخَلِيفَة الْأَعْظَم الْقرشِي كَمَا علمت إِلَى أَن جَاءَت دولة المرابطين وَكَانَ مِنْهُم يُوسُف بن تاشفين وَاسْتولى على المغربين والأندلس وَعظم سُلْطَانه واتسعت مَمْلَكَته وخاطب الْخَلِيفَة العباسي بالمشرق فولاه على مَا بِيَدِهِ وَتسَمى بأمير الْمُسلمين أدبا مَعَ الْخَلِيفَة حَسْبَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ سالفا وَلما جَاءَ عبد الْمُؤمن هَذَا لم يبال بذلك كُله واتسم بالخليفة وتلقب بأمير الْمُؤمنِينَ وَتَبعهُ على ذَلِك بنوه من بعده ولسان الْحَال ينشد (لقد هزلت حَتَّى بدا من هزالها ... كلاها وَحَتَّى سامها كل مُفلس) وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة أَمر عبد الْمُؤمن بِبِنَاء رِبَاط مَدِينَة تازا فبنيت وحصن سورها ثمَّ كَانَت محاربته لتاشفين بن عَليّ على نَحْو مَا أسلفناه وَالله تَعَالَى أعلم ثورة مُحَمَّد بن هود السلاوي الْمَعْرُوف بالماسي كَانَ مُحَمَّد بن هود بن عبد الله السلاوي رجلا من سوقة أهل سلا وَكَانَ أَبوهُ سمسارا بهَا يَبِيع الكنابيش وَكَانَ هُوَ قصارا بهَا مُدَّة ثمَّ لحق بِعَبْد الْمُؤمن عِنْدَمَا ظهر وَبَايَعَهُ وَشهد مَعَه فتح مراكش ثمَّ فَارقه وَظهر برباط ماسة من نَاحيَة السوس ودعا لنَفسِهِ وَتسَمى بالهادي وَتمكن ناموسه من قُلُوب الْعَامَّة وَكثير من الْخَاصَّة فَأقبل إِلَيْهِ الشراد من كل جَانب وانصرفت إِلَيْهِ وُجُوه الأغمار من أهل الْآفَاق وَأخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة ورجراجة وقبائل تامسنا وهوارة وفشت ضلالته فِي جَمِيع الْمغرب

стр. 337

قَالَ فِي القرطاس بَايعه جَمِيع الْقَبَائِل حَتَّى لم يبْق تَحت طَاعَة عبد الْمُؤمن إِلَّا مراكش فسرح إِلَيْهِ عبد الْمُؤمن عسكرا من الْمُوَحِّدين لنظر يحيى بن إِسْحَاق أنكمار النازع إِلَيْهِ من إيالة تاشفين بن عَليّ حَسْبَمَا تقدم فَالتقى بالماسي وقاتله فانتصر الماسي عَلَيْهِ وَعَاد مهزوما إِلَى عبد الْمُؤمن فسرح إِلَيْهِ عبد الْمُؤمن ثَانِيًا الشَّيْخ أَبَا حَفْص الهنتاتي فِي جَيش عَظِيم من أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين وَغَيرهم واحتفل عبد الْمُؤمن فِي الاستعداد ونهض الشَّيْخ أَبُو حَفْص من مراكش فاتح ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وشيعه عبد الْمُؤمن إِلَى وَادي تانسيفت ثمَّ دَعَا لَهُ وودعه وَانْصَرف الشَّيْخ أَبُو حَفْص فِي جيوش الْمُوَحِّدين حَتَّى انْتَهوا إِلَى رابطة ماسة فبرز إِلَيْهِم مُحَمَّد بن هود فِي نَحْو سِتِّينَ ألفا من الرجالة وَسَبْعمائة من الفرسان فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة ثمَّ انتصر عَلَيْهِم الموحدون فهزموهم وَقتل مُحَمَّد بن هود فِي المعركة مَعَ كثير من أَتْبَاعه وفضت جموعه وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ الَّذِي بَاشر قتل ابْن هود هُوَ الشَّيْخ أَبُو حَفْص رَئِيس الْجَيْش فلقبه الموحدون سيف الله تَشْبِيها لَهُ بِخَالِد بن الْوَلِيد ﵁ وَكتب الشَّيْخ أَبُو حَفْص إِلَى عبد الْمُؤمن برسالة الْفَتْح من إنْشَاء الْفَقِيه أبي جَعْفَر بن عَطِيَّة الْقُضَاعِي الْكَاتِب الْمَشْهُور يَقُول فِيهَا كتَابنَا هَذَا من وَادي ماسة بعد مَا تجدّد من أَمر الله الْكَرِيم وَنَصره تَعَالَى الْمَعْهُود الْقَدِيم وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم فتح بهر الْأَنْوَار إشراقا وأحدق بنفوس الْمُؤمنِينَ إحداقا وَنبهَ للأماني النائمة جفونا وأحداقا واستغرق غَايَة الشُّكْر استغراقا فَلَا تطِيق الألسن لكنه وَصفه إدراكا وَلَا لحَاقًا جمع أشتات الطّلب والأرب وتقلب فِي النعم أكْرم مُنْقَلب وملأ دلاء الأمل إِلَى عقد الكرب (فتح تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لَهُ ... وتبرز الأَرْض فِي أثوابها القشب)

стр. 338

وَتَقَدَّمت بشارتنا بِهِ جملَة حِين لم تعط الْحَال بشرحه مهلة كَانَ أُولَئِكَ الضالون قد بطروا عُدْوانًا وظلما واقتطعوا الْكفْر معنى واسما وأملى الله تَعَالَى لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَكَانَ مقدمهم الشقي قد استمال النُّفُوس بخزعبلاته واستهوى الْقُلُوب بمهولاته وَنصب لَهُ الشَّيْطَان من حبلاته فَأَتَتْهُ المخاطبات من بعد وكثب وانسلت إِلَيْهِ الرُّسُل من كل حدب واعتقدته الخواطر أعجب عجب وَكَانَ الَّذِي قادهم إِلَى ذَلِك وأوردهم تِلْكَ المهالك وُصُول من كَانَ بِتِلْكَ السواحل مِمَّن ارتسم برسم الإنقطاع عَن النَّاس فِيمَا سلف من الأعوام واشتغل على زَعمه بِالْقيامِ وَالصِّيَام آنَاء اللَّيَالِي وَالْأَيَّام لبسوا الناموس أثوابا وتدرعوا الرِّيَاء جلبابا فَلم يفتح الله تَعَالَى لَهُم للتوفيق بَابا وَمِنْهَا فِي ذكر صَاحبهمْ الماسي الْمُدَّعِي للهداية فصرع بِحَمْد الله تَعَالَى لحينه وبادرت إِلَيْهِ بَوَادِر منونه وأتته وافدات الْخَطَايَا عَن يسَاره وَيَمِينه وَقد كَانَ يدعى أَنه بشر بِأَن الْمنية فِي هَذِه الأعوام لَا تصيبه والنوائب لَا تنوبه وَيَقُول فِي سواهُ قولا كثيرا ويختلق على الله تَعَالَى إفكا وزورا فَلَمَّا رَأَوْا هَيْئَة اضطجاعه وَمَا خطته الأسنة فِي أَعْضَائِهِ وأضلاعه وَنفذ فِيهِ من أَمر الله تَعَالَى مَا لم يقدروا على استرجاعه هزم من كَانَ لَهُم من الْأَحْزَاب وتساقطوا على وجوهم تساقط الذُّبَاب وأعطوا على بكرَة أَبِيهِم صفحات الرّقاب وَلم تقطر كلومهم إِلَّا على الأعقاب فامتلأت تِلْكَ الْجِهَات بأجسامهم وآذنت الْآجَال بانقراض آمادهم وَأَخذهم الله تَعَالَى بكفرهم وفسادهم فَلم يعاين مِنْهُم إِلَّا من خر صَرِيعًا وَسَقَى الأَرْض نجيعا وَلَقي من أَمر الهنديات فظيعا ودعت الضَّرُورَة باقيهم إِلَى الترامي فِي الْوَادي فَمن كَانَ يؤمل الْفِرَار ويرتجيه ويسبح طامعا فِي الْخُرُوج إِلَى مَا ينجيه اختطفته الأسنة اختطافا وأذاقته موتا ذعافا وَمن لج فِي الترامي على لججه ورام الْبَقَاء فِي ثبجه قضى عَلَيْهِ شرقه وألوى بذقنه غرقه وَدخل

стр. 339

الموحدون إِلَى الْبَقِيَّة الكائنة فِيهِ يتناولون قَتلهمْ طَعنا وَضَربا ويلقونهم بامر الله تَعَالَى هولا عَظِيما وكربا حَتَّى انبسطت مراقات الدِّمَاء على صفحات المَاء وحكت حمرتها على زرقته حمرَة الشَّفق على زرقة السَّمَاء وجزت الْعبْرَة للمعتبر فِي جري ذَلِك الدَّم جري الأبحر وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ رِسَالَة بليغة وَهِي الَّتِي أورثت منشئها الرُّتْبَة الْعلية والمنزلة السّنيَّة فَإِن عبد الْمُؤمن لما وقف عَلَيْهَا استحسنها وَوَقعت مِنْهُ موقعا كَبِيرا فاستكتبه أَولا ثمَّ استوزره ثَانِيًا ثمَّ نكبه وَقَتله ثَالِثا كَمَا سَيَأْتِي وَلما انْصَرف الشَّيْخ أَبُو حَفْص من غَزْوَة ماسة أراح بمراكش أَيَّامًا ثمَّ خرج غازيا بِلَاد القائمين بدعوة مُحَمَّد بن هود بجبال درن فأوقع بِأَهْل نَفِيس وهيلانة وأثخن فيهم بِالْقَتْلِ والسبي حَتَّى أذعنوا للطاعة وَرجع ثمَّ خرج إِلَى هسكورة فأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم ثمَّ نَهَضَ إِلَى سجلماسة فاستولى عَلَيْهَا وَرجع إِلَى مراكش ثمَّ خرج ثَالِثَة إِلَى برغواطة فحاربوه مُدَّة ثمَّ هزموه واضطرمت نَار الْفِتْنَة بالمغرب وَكَانَ مَا نذكرهُ انْتِقَاض أهل سبتة على الْمُوَحِّدين وَخبر القَاضِي عِيَاض ﵀ مَعَهم قد تقدم لنا أَن عبد الْمُؤمن كَانَ غزا سبتة فِي غزوته الطَّوِيلَة وَأَن القَاضِي عياضا ﵀ دافعه عَنْهَا وَأَنه لما قتل تاشفين بن عَليّ وَفتحت تلمسان وفاس واستفحل أَمر عبد الْمُؤمن بَايع أهل سبتة فِي جملَة من بَايع من أَمْصَار الْمغرب قَالُوا وبادر القَاضِي عِيَاض إِلَى لِقَاء عبد الْمُؤمن فَاجْتمع بِهِ بِمَدِينَة سلاحين كَانَ ذَاهِبًا لفتح مراكش فأجزل صلته وَولى على سبتة يُوسُف بن

стр. 340

مخلوف التينمللي وَسَاكن الموحدون أهل سبتة فِي دِيَارهمْ واطمأنوا إِلَيْهِم فَلَمَّا انْتقض الْمغرب على عبد الْمُؤمن بِسَبَب قيام مُحَمَّد بن هود وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من الْفِتَن انْتقض أهل سبتة أَيْضا وَكَانَ انتقاضهم كَمَا فِي القرطاس بِرَأْي القَاضِي عِيَاض ﵀ فَقتلُوا عَامل الْمُوَحِّدين وَمن كَانَ مَعَه من أَصْحَابه وحاميته وحرقهم بالنَّار وَركب القَاضِي عِيَاض الْبَحْر إِلَى يحيى بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية وَكَانَ معتصما بقرطبة متمسكا بدعوة المرابطين فَلَقِيَهُ وَأدّى إِلَيْهِ الْبيعَة وَطلب مِنْهُ واليا على سبتة فَبعث مَعَه يحيى بن أبي بكر الصحراوي الَّذِي كَانَ معتصما بفاس أَيَّام حِصَار عبد الْمُؤمن لَهَا ففر وَلحق بِابْن غانية كَمَا قُلْنَا وَبَقِي فِي جملَته إِلَى أَن بَعثه مَعَ القَاضِي عِيَاض فِي هَذِه الْمرة فَدخل يحيى سبتة وَقَامَ بأمرها وَلما اتَّصَلت بِعَبْد الْمُؤمن هَذِه الْأَخْبَار مَعَ مَا تقدم من هزيمَة برغواطة للشَّيْخ أبي حَفْص خرج من مراكش قَاصِدا بِلَاد برغواطة أَولا ثمَّ من بعدهمْ ثَانِيًا فَتَسَامَعَتْ برغواطة بِخُرُوج عبد الْمُؤمن إِلَيْهِم فَكَتَبُوا إِلَى يحيى بن أبي بكر بمكانه من سبتة يستنصرونه عَلَيْهِم فَأَتَاهُم وَبَايَعُوهُ واجتمعوا عَلَيْهِ وقاتلوا عبد الْمُؤمن فهزموه ثمَّ كَانَت لَهُ الكرة عَلَيْهِم فَهَزَمَهُمْ وَحكم السَّيْف فيهم واستأصل شأفتهم حَتَّى انقادوا للطاعة وتبرؤوا من يحيى الصحراوي ولمتونة وفر الصحراوي إِلَى منجاته ثمَّ طلب الْأمان من عبد الْمُؤمن وَتشفع إِلَيْهِ بأشياخ الْقَبَائِل فَأَمنهُ ووفد عَلَيْهِ فَبَايعهُ وَحسنت طَاعَته لَدَيْهِ وَكَانَ ذَلِك سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَلما رأى أهل سبتة ذَلِك كُله سقط فِي أَيْديهم وندموا على صنيعهم وَكَتَبُوا بيعتهم إِلَى عبد الْمُؤمن وَقدم بهَا أَشْيَاخ سبتة وطلبتها تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم وَعَن القَاضِي عِيَاض وَأمره بسكنى مراكش وَالصَّحِيح أَنه ولاه الْقَضَاء بتادلا ثمَّ دخل مراكش قيل دَخلهَا مَرِيضا مرض مَوته وَقيل مَاتَ بِالطَّرِيقِ

стр. 341

وَحمل إِلَيْهَا وَأمر عبد الْمُؤمن مَعَ ذَلِك بهدم سور سبتة فهدم وَكَذَلِكَ فعل بفاس وسلا وَأعلم أَن مَا صدر من القَاضِي عِيَاض ﵀ فِي جَانب الْمُوَحِّدين دَلِيل على أَنه كَانَ يرى أَن لَا حق لَهُم فِي الْأَمر والإمامة وَإِنَّمَا هم متغلبون وَهَذَا أَمر لَا خَفَاء بِهِ كَمَا هُوَ وَاضح وَلما كَانَت شَوْكَة عبد الْمُؤمن لَا زَالَت ضَعِيفَة وتاشفين بن عَليّ أَمِير الْوَقْت لَا زَالَ قَائِم الْعين امْتنع القَاضِي عِيَاض ﵀ من مبايعة عبد الْمُؤمن ودافعه عَن سبتة إِذْ لَا مُوجب لذَلِك لِأَن بيعَة تاشفين فِي أَعْنَاقهم وَهُوَ لَا زَالَ حَيا فَلَا يعدل عَن بيعَته إِلَى غَيره بِلَا مُوجب وَأما مَا غالط بِهِ الْمهْدي ﵀ من أَن المرابطين مجسمة وَأَن جهادهم أوجب من جِهَاد الْكفَّار فضلا عَن أَن تكون طاعتهم وَاجِبَة فسفسطة مِنْهُ عَفا الله عَنَّا وَعنهُ وَلما قتل تاشفين وَفتحت تلمسان وفاس وقويت شَوْكَة عبد الْمُؤمن بَايعه القَاضِي عِيَاض حِينَئِذٍ وَقبل صلته لِأَن من قويت شوكته وَجَبت طَاعَته ثمَّ لما ضعف أمره ثَانِيًا بِسَبَب قيام الماسي عَلَيْهِ وَإِجْمَاع قبائل الْمغرب على التَّمَسُّك بدعوته رَجَعَ القَاضِي بِأَهْل سبتة عَن بيعَته إِلَى طَاعَة المرابطين الَّذين لَهُم الْحق فِي الْإِمَامَة بطرِيق الْأَصَالَة وَلم يَأْخُذ بدعوة الماسي لِأَنَّهُ ثَائِر أَيْضا هَذَا مَعَ مَا كَانَ ينْقل عَن الْمهْدي من أَنه غلبت نَزعَة خارجية عَلَيْهِ وَأَنه يَقُول بعصمة الإِمَام وَذَلِكَ بِدعَة كَمَا لَا يخفى فَتكون إِمَامَته وإمامة أَتْبَاعه مقدوحا فِيهَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة لَكِن حَيْثُ حصل التغلب والإستيلاء وَجَبت الطَّاعَة فَالْحَاصِل أَن مَا فعله القَاضِي عِيَاض أَولا وَثَانِيا وثالثا كُله صَوَاب مُوَافق للْحكم الشَّرْعِيّ فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَن تفهم أَحْوَال أَئِمَّة الدّين وأعلام الْمُسلمين ﵃ ونفعنا بعلومهم

стр. 342

وَأما الْقَتْل وَالتَّحْرِيق الَّذِي صدر من أهل سبتة فالظن بِالْقَاضِي عِيَاض ﵀ أَنه لَا يُوَافق على ذَلِك وَلَا يرضاه لَكِن الْعَامَّة تتسرع إِلَى مُجَاوزَة الْحُدُود لَا سِيمَا أَيَّام الْفِتَن وَذَلِكَ مَعْرُوف من حَالهم وَالله الْمُوفق وَلما دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فتح الموحدون مَدِينَة مكناسة الْقَدِيمَة بعد حصارهم إِيَّاهَا سبع سِنِين اقتحموها عنْوَة يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة فخربت وَقتل أَكثر رجالها وَسبي حريمهم وخمست أَمْوَالهم ثمَّ بنيت مكناسة تاكرارت الْمَدِينَة الْمَوْجُودَة الْآن أَخْبَار الأندلس وفتوحها كَانَ عبد الْمُؤمن لما فتح تلمسان وفاسا بعث إِلَى الأندلس جَيْشًا من عشرَة آلَاف فَارس من أنجاد الْمُوَحِّدين وَقَالَ ابْن خلدون بعث عبد الْمُؤمن بعد فتح مراكش جَيْشًا من الْمُوَحِّدين لنظر بدران بن مُحَمَّد المسوفي النازع إِلَى عبد الْمُؤمن من جملَة تاشفين بن عَليّ وَعقد لَهُ على حَرْب الأندلس وَمن بهَا من لمتونة والثوار وأمده بعسكر آخر لنظر مُوسَى بن سعيد وَبعده بعسكر آخر لنظر عمر بن صَالح الصنهاجي وَلما أَجَازُوا إِلَى الأندلس نزلُوا بِأبي الْغمر بن عزرون صَاحب شريش فَكَانَ أول بلد فتحُوا من الأندلس بلد شريش خرج إِلَيْهِم صَاحبهَا أَبُو الْغمر فِيمَن مَعَه من المرابطين وبايعهم لعبد الْمُؤمن وَدخل فِي طَاعَته فَكَانَ الموحدون يسمون أهل شريش بالسابقين الْأَوَّلين وحررت أملاكهم فَلم تزل محررة سَائِر أيامهم فَلم يكن فِي أملاكهم رباعة وَجَمِيع بِلَاد

стр. 343

الأندلس مربعة وَكَانَ مُلُوك الْمُوَحِّدين إِذا قدم عَلَيْهِم وُفُود الأندلس كَانَ أول من يُنَادي مِنْهُم أهل شريش فَكَانَ يُقَال أَيْن السَّابِقُونَ فَيدْخلُونَ للسلام فَإِذا سلمُوا وقضيت حاجاتهم انصرفوا فَدخل غَيرهم حِينَئِذٍ وَكَانَ فتح شريش فاتح ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ زحف الموحدون إِلَى لبلة وَكَانَ بهَا من الثوار يُوسُف بن أَحْمد البطروجي فبذل لَهُم الطَّاعَة ثمَّ زحفوا إِلَى شلب ففتحوها ثمَّ نهضوا إِلَى باجة وبطليوس ففتحوهما أَيْضا ثمَّ زحفوا إِلَى إشبيلية فحاصروها برا وبحرا إِلَى أَن فتحوها فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وفر من كَانَ بهَا من المرابطين إِلَى قرمونة وَقتل من أدْركهُ الْقَتْل مِنْهُم وَقتل فِي جُمْلَتهمْ عبد الله ولد القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن الْعَرَبِيّ الْمعَافِرِي الْحَافِظ الْمَشْهُور وَأُصِيب فِي هيعة تِلْكَ الدخلة من غير قصد وَكتب الموحدون بِالْفَتْح إِلَى عبد الْمُؤمن ثمَّ قدم عَلَيْهِ وفدهم بمراكش مبايعين لَهُ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَرَئِيس الْوَفْد يَوْمئِذٍ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ الْمَذْكُور فألفوا عبد الْمُؤمن مَشْغُولًا بِحَرب مُحَمَّد بن هود الماسي فأقاموا بمراكش سنة وَنصفا لم يلقوه فِيهَا حَتَّى كَانَ يَوْم عيد الْأَضْحَى من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فَلَقوهُ بالمصلى فَسَلمُوا عَلَيْهِ سَلام الْجَمَاعَة ثمَّ بعد ذَلِك دخلُوا عَلَيْهِ فسملوا ﵇ الْخَاص وَقبلت بيعتهم وَسَأَلَ عبد الْمُؤمن القَاضِي أَبَا بكر بن الْعَرَبِيّ عَن الْمهْدي هَل كَانَ لقِيه عِنْد الإِمَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ فَقَالَ مَا لَقيته وَلَكِن سَمِعت بِهِ فَقَالَ لَهُ فَمَا كَانَ أَبُو حَامِد يَقُول فِيهِ قَالَ كَانَ يَقُول إِن هَذَا الْبَرْبَرِي لَا بُد أَن سَيظْهر ثمَّ صرف عبد الْمُؤمن أهل إشبيلية بعد أَن أجازهم وَكتب لَهُم منشورا بتحرير أملاكهم فانصرفوا عَنهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فَلَمَّا قربوا من مَدِينَة فاس توفّي الإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ رَحمَه

стр. 344

الله فَحمل وَدفن خَارج بَاب المحروق مِنْهَا بتربة الْقَائِد مظفر وقبره مزارة إِلَى الْآن وَعَلِيهِ قبَّة حَسَنَة وَفِي هَذِه السّنة ملك الموحدون قرطبة وَكَانَ بهَا يحيى بن عَليّ المسوفي الْمَعْرُوف بِابْن غانية مُقيما لدَعْوَة المرابطين فَلَمَّا دخل الموحدون الأندلس واشتعلت نَار الْفِتْنَة بِحَرب المرابطين انتهز الطاغية الفرصة فِي بِلَاد الْإِسْلَام وضايق ابْن غانية بقرطبة وألح على جهاته حَتَّى نزل لَهُ عَن بياسة وأبدة وتغلب على أشبونة وطرطوشة والمرية وماردة وأفراغة وشنترين وشنتمرية وَغَيرهَا من حصون الأندلس وطالب ابْن غانية بِالزِّيَادَةِ على مَا بذل لَهُ أَو الإفراج عَن قرطبة فَأرْسل ابْن غانية إِلَى بدران بن مُحَمَّد أَمِير الْمُوَحِّدين واجتمعا بأستجة وَضمن لَهُ بدران أَمَان الْخَلِيفَة عبد الْمُؤمن على أَن يتخلى لَهُ عَن قرطبة وقرمونة فَفعل ثمَّ لحق بغرناطة وَبهَا مَيْمُون بن بدر اللمتوني فِي جمَاعَة من المرابطين وَأَرَادَ أَن يكلمهُ فِي الدُّخُول فِي طَاعَة الْمُوَحِّدين وَأَن يُمكنهُم من غرناطة كَمَا فعل هُوَ بقرطبة فَتوفي بغرناطة يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَدفن فِي القصبة بِإِزَاءِ قبر باديس بن حبوس الصنهاجي وانتهز الطاغية الفرصة فِي قرطبة فزحف إِلَيْهَا وحاصرها فَجهز إِلَيْهِ الموحدون الَّذين كَانُوا بإشبيلية أَبَا الْغمر بن عزرون لحمايتها وَوصل إِلَيْهِ مدد يُوسُف البطروجي من لبلة وَبلغ الْخَبَر عبد الْمُؤمن فَبعث إِلَيْهَا عسكرا من الْمُوَحِّدين لنظر يحيى بن يغمور وَلما دَخلهَا أفرج عَنْهَا الطاغية لأيام من مدخله وبادر ثوار الأندلس إِلَى يحيى بن يغمور فِي طلب الْأمان من عبد الْمُؤمن ثمَّ تَلَاحَقُوا بِهِ بمراكش فتقلبهم وصفح لَهُم عَمَّا سلف

стр. 345

قدوم عبد الْمُؤمن إِلَى سلا ووفادة أهل الأندلس عَلَيْهِ بهَا لما كَانَت سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة قدم عبد الْمُؤمن من مراكش إِلَى سلا فَنظر فِي أمرهَا وأجرى إِلَيْهَا مَاء عين غبولة حَتَّى وصل إِلَى رباطها وَلم تكن رِبَاط الْفَتْح يَوْمئِذٍ قد بنيت لِأَن بانيها حافده يَعْقُوب الْمَنْصُور كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَإِنَّمَا كَانَ يُقَال رِبَاط سلا ثمَّ أذن عبد الْمُؤمن لأهل الأندلس فِي الْوِفَادَة عَلَيْهِ بسلا فقدموا عَلَيْهِ فِي نَحْو خَمْسمِائَة فَارس من الْفُقَهَاء والقضاة والخطباء والأشياخ والقواد فَتَلقاهُمْ الشَّيْخ أَبُو حَفْص الهنتاتي والوزير الْكَاتِب أَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة وأشياخ الْمُوَحِّدين على نَحْو ميلين من الْمَدِينَة فَأمر عبد الْمُؤمن بإنزالهم وأفاض عَلَيْهِم سِجَال الْإِكْرَام وأنواع الضيافات والإنعام وبقوا على ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أذن لَهُم فِي الدُّخُول فَدَخَلُوا عَلَيْهِ أول يَوْم من الْمحرم فاتح سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فَسَلمُوا عَلَيْهِ وَأَشَارَ الْوَزير ابْن عَطِيَّة لأهل قرطبة بالتقدم فَتقدم قاضيهم أَبُو الْقَاسِم بن الْحَاج فَأَرَادَ أَن يتَكَلَّم فدهش ثمَّ وصف حَال قرطبة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الفنش لَعنه الله قد أضعفها فتلافاه أَبُو بكر بن الْجد بالحطبة البليغة فَجلى فِي ذَلِك الْمجْلس وَاسْتحْسن عبد الْمُؤمن خطبَته وَوصل الْجَمِيع كلا على قدره وَقضى مطالبهم وأوصاهم بِمَا اقْتَضَاهُ الْحَال وَأمرهمْ بالإنصراف إِلَى بِلَادهمْ فانصرفوا فرحين مغتبطين وَقَالَ ابْن خلدون استدعى عبد الْمُؤمن أهل الأندلس وَهُوَ بسلا فوفدوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ جَمِيعًا وَبَايَعَهُ الرؤساء من الثوار على الإنخلاع من الْأَمر مثل سدراتي ابْن وَزِير صَاحب باجة ويابرة ويوسف البطروجي صَاحب لبلة وَابْن عزرون صَاحب شريش ورندة وَمُحَمّد بن الْحجام

стр. 346

صَاحب بطليوس وعامل بن مهيب صَاحب طلبيرة وتخلف ابْن الْقَيْسِي وَأهل شلب عَن هَذَا الْجمع فَكَانَ سَببا لقَتله من بعد وَانْصَرف أهل الأندلس إِلَى بِلَادهمْ وَرجع عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش واستصحب الثوار فَلم يزَالُوا بِحَضْرَتِهِ وَالله تَعَالَى أعلم غَزْو إفريقية وَفتح مَدِينَة بجاية ثمَّ بلغ عبد الْمُؤمن اضْطِرَاب بِلَاد إفريقية بِسَبَب تنَازع مُلُوكهَا من بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين واستطالة الْعَرَب عَلَيْهِم بهَا فاجمع الرحلة إِلَى غزوها بعد أَن شاور الشَّيْخ أَبَا حَفْص وَأَبا إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا من المشيخة فوافقوه فَخرج من مراكش أَوَاخِر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة واستخلف عَلَيْهَا الشَّيْخ أباحفص الهنتاتي وَسَار حَتَّى وصل إِلَى سلا فَأَقَامَ بهَا شَهْرَيْن ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى سبتة مظْهرا أَنه يُرِيد العبور إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد فَلَمَّا وصل إِلَى سبتة استدعى فُقَهَاء قرطبة وإشبيلية وأعيان الأندلس وقوادها فاستوضح مِنْهُم أَحْوَال الْبِلَاد وأوصاهم بِمَا إِلَيْهِم مِنْهَا وودعهم ورحل عَن سبتة مظْهرا الْعود إِلَى مراكش وَصَارَ حَتَّى وصل إِلَى الْقصر الْكَبِير وَهُوَ قصر كتامة فميز جيوشه وأزاح عللهم وَفرق فيهم الْأَمْوَال وَأمرهمْ بتجديد الأزواد وَخرج يعتسف الْبِلَاد على غير طَرِيق فَجعل مَدِينَة فاس عَن يَمِينه وجد السّير حَتَّى خرج على وَادي ملوية ثمَّ سَار إِلَى تلمسان فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ خرج مِنْهَا وَولى السّير قَاصِدا بجاية فطرق الجزائر على حِين غَفلَة من أَهلهَا فَدَخلَهَا وأمنهم وفر صَاحبهَا الْقَائِم بن يحيى بن الْعَزِيز إِلَى أَبِيه يحيى ببجاية وَخرج إِلَى عبد الْمُؤمن الْحسن بن عَليّ الصنهاجي صَاحب المهدية وَكَانَ الفرنج قد أَخْرجُوهُ مِنْهَا فقصد ابْن عَمه يحيى بن الْعَزِيز صَاحب

стр. 347

بجاية فَعدل بِهِ إِلَى الجزائر وأنزله بهَا كالمسجون فَلَمَّا طرق عبد الْمُؤمن الجزائر فِي هَذِه الْمرة خرج إِلَيْهِ الْحسن بن عَليّ الْمَذْكُور فصحبه وَوصل يَده بِيَدِهِ حَتَّى كَانَ من أمره مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله ثمَّ اعترضت جيوش صنهاجة عبد الْمُؤمن بِأم الْعُلُوّ فَهَزَمَهُمْ وصبح بجاية من الْغَد فَدَخلَهَا وفر صَاحبهَا يحيى بن الْعَزِيز الصنهاجي آخر مُلُوك بني حَمَّاد أَصْحَاب القلعة فَركب الْبَحْر فِي أسطولين كَانَ أعدهما لذَلِك وَاحْتمل فيهمَا ذخيرته وأمواله وعزم على الْمسير إِلَى مصر ثمَّ عدل إِلَى بونة فَنزل على أَخِيه الْحَارِث فَأنْكر عَلَيْهِ سوء صَنِيعه وإفراجه عَن الْبَلَد فارتحل عَنهُ إِلَى قسنطينة فَنزل على أَخِيه الْحسن فتخلى لَهُ عَن الْأَمر وَفِي خلال ذَلِك دخل الموحدون قلعة حَمَّاد عنْوَة وَكَانَ عبد الْمُؤمن وَجه جَيْشًا من الْمُوَحِّدين إِلَيْهَا وَأمر عَلَيْهِم ابْنه أَبَا مُحَمَّد عبد الله فَدَخَلُوهَا وأضرموا النيرَان فِي مساكنها وخربوها وَقتلُوا بهَا نَحْو ثَمَانِيَة عشر ألفا وامتلأت أَيدي الْمُوَحِّدين من الْغَنَائِم والسبي ثمَّ جمع لَهُم الْعَرَب الَّذين هُنَاكَ من الأثبج وزغبة ورياح وَغَيرهم بسطيف فأوقعوا بهم واستلحموهم وَسبوا نِسَاءَهُمْ واكتسحوا أَمْوَالهم وَأما يحيى بن الْعَزِيز فَإِنَّهُ بَايع لعبد الْمُؤمن سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَنزل لَهُ عَن قسنطينة وَاشْترط لنَفسِهِ فوفى لَهُ عبد الْمُؤمن وَنَقله إِلَى مراكش بأَهْله وخاصته فسكنها وأفاض عَلَيْهِ سِجَال الْإِحْسَان وأنزله منزلَة رفيعة ثمَّ انْتقل إِلَى سلا سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة فسكن بقصر ابْن عشرَة مِنْهَا إِلَى أَن مَاتَ من سنته ﵀ ووفد على عبد الْمُؤمن بمراكش كبراء الْعَرَب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم وَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ مغتبطين

стр. 348

فتح المرية وبياسة وأبدة كَانَت هَذِه الْبِلَاد قد استولى عَلَيْهَا الفرنج أَيَّام الْمُوَحِّدين والمرابطين بالأندلس فَلَمَّا كَانَت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة عبر الشَّيْخ أَبُو حَفْص إِلَى الأندلس فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَمَعَهُ السَّيِّد أَبُو سعيد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ برسم الْجِهَاد وَكَانَ بَنو عبد الْمُؤمن يسمون أَبْنَاءَهُم بالسادة فنزلوا المرية وضيقوا عَلَيْهَا بالحصار وَبنى السَّيِّد أَبُو سعيد على محلته سورا واستغاث نَصَارَى المرية بالفنش فأغاثهم بِمُحَمد بن مردنيش وَكَانَ واصلا يَده بِيَدِهِ وَوجه مَعَه السلطين أحد قواد الفرنج فِي جَيش كثيف فَلم يتمكنوا من الْبَلَد وَلَا من محلّة الْمُوَحِّدين لكَونهَا مُحصنَة بالسور فَرجع ابْن مردنيش والسلطين بخفي حنين وافترقا فَلم يجتمعا بعد ثمَّ عمد السلطين إِلَى بياسة وأبدة فأخلاهما من النَّصَارَى الَّذين كَانُوا بهما خوفًا عَلَيْهِم وَرجع عوده على بدئه وَأما السَّيِّد أَبُو سعيد فَإِنَّهُ شدد الْحصار على المرية حَتَّى نزلُوا على الْأمان بِوَاسِطَة الْوَزير ابْن عَطِيَّة وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَجه عبد الْمُؤمن على يصليتن قريب الْمهْدي فَأتى بِهِ مكبولا من سبتة فَأمر بقتْله وصلبه بِبَاب مراكش لأمر نقمه عَلَيْهِ ثمَّ ارتحل عبد الْمُؤمن بعد مقتل يصليتن إِلَى تينملل بِقصد زِيَارَة قبر الْمهْدي فزار وَفرق فِي أَهلهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وَأمر بِبِنَاء مَسْجِدهَا وتوسعتها

стр. 349

قدوم عبد الْمُؤمن مَدِينَة سلا وتولية أَوْلَاده على النواحي بهَا لما قضى عبد الْمُؤمن إربه من تينملل ارتحل مِنْهَا إِلَى سلا فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين بعْدهَا فَبَايع لِابْنِهِ السَّيِّد أبي عبد الله مُحَمَّد بِولَايَة الْعَهْد وَأمر أَن يذكر فِي الْخطْبَة بعده وَكتب بذلك إِلَى جَمِيع الْآفَاق ثمَّ عقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ على فاس وأعمالها واستوزر لَهُ أَبَا الْحجَّاج يُوسُف بن سُلَيْمَان وَعقد لانه السَّيِّد أبي حَفْص عمر على تلمسان وأعمالها واستوزر لَهُ أَبَا مُحَمَّد عبد الْحق بن وانودين واستكتب لَهُ أَبَا الْحسن عبد الْملك بن عَيَّاش وَعقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي سعيد عُثْمَان على سبتة وطنجة واستوزر لَهُ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن سُلَيْمَان وَأَبا عُثْمَان سعيد بن مَيْمُون الصنهاجي واستكتب لَهُ أَبَا بكر بن طفيل الْقَيْسِي وَأَبا بكر بن حُبَيْش الْبَاجِيّ وَعقد لِابْنِهِ السَّيِّد أبي مُحَمَّد عبد الله على بجاية وأعمالها واستوزر لَهُ أَبَا سعيد يخلف بن الْحسن وَعقد للشَّيْخ أبي زيد بن يكيث على قرطبة وأعمالها وَيُقَال إِن قرطبة كَانَت فِي هَذَا التَّارِيخ بيد يحيى بن يغمور وَالله أعلم واستقامت الْأَحْوَال لعبد الْمُؤمن وبنيه وَصفا لَهُ المغربان والأندلس وَالله غَالب على أمره

стр. 350

إِيقَاع عبد الْمُؤمن بِعَبْد الْعَزِيز وَعِيسَى أخوي الْمهْدي وَالسَّبَب فِي ذَلِك كَانَ عبد الْعَزِيز وَعِيسَى أخوي الْمهْدي من مشيخة الْعَسْكَر ووجوه الْجَيْش بإشبيلية أَيَّام فتحهَا ووفادة أَهلهَا على عبد الْمُؤمن بمراكش حَسْبَمَا تقدم ثمَّ سَاءَ أثرهما بهَا واستطالت أَيْدِيهِمَا على أَهلهَا واستباحا الدِّمَاء وَالْأَمْوَال ثمَّ اعتزما على الفتك بِيُوسُف البطروجي صَاحب لبلة فلحق بِبَلَدِهِ وَأخرج الْمُوَحِّدين الَّذين بهَا وحول الدعْوَة عَنْهُم إِلَى المرابطين وَنَشَأ عَن ذَلِك فَسَاد كَبِير بالأندلس ثمَّ لحق أخوا الْمهْدي بالعدوة فِي خبر طَوِيل وَاسْتمرّ حَالهمَا إِلَى أَن بَايع عبد الْمُؤمن لِابْنِهِ مُحَمَّد بِولَايَة الْعَهْد وَعقد لإخوته على العمالات والنواحي ففسدت نِيَّة عبد الْعَزِيز وَعِيسَى بذلك مَعَ مَا كَانَ صدر من عبد الْمُؤمن من قتل ابْن عَمهمَا يصليتن وَكَانَا يَوْمئِذٍ بفاس وَعبد الْمُؤمن بسلا فَخَرَجَا من فاس إِلَى مراكش على طَرِيق الْمَعْدن مضمرين للغدر واتصل خبر خروجهما بِعَبْد الْمُؤمن فَخرج من سلا فِي أثرهما متلافيا أَمر مراكش وَقدم أَمَامه وزيره أَبَا جَعْفَر بن عَطِيَّة فسبقاه إِلَيْهَا وداخلا بعض الأوباش بهَا فِي شَأْنهمَا فَوَثَبُوا بعاملها أبي حَفْص عمر بن تافراكين فَقَتَلُوهُ بمكانه من القصبة وَوصل على أثرهما الْوَزير ابْن عَطِيَّة ثمَّ عبد الْمُؤمن على أَثَره فأطفا تِلْكَ النائرة وتقبض عبد الْمُؤمن على عبد الْعَزِيز وَعِيسَى فَقَتَلَهُمَا وصلبهما وتتبع المداخلين لَهما فألحقهم بهما وَانْقطع الشغب وَزَالَ الْفساد

стр. 351

إِيقَاع يحيى بن يغمور بِأَهْل لبلة وإسرافه فِي ذَلِك لما كَانَت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فتح الموحدون مَدِينَة لبلة وَكَانَ المتولى لفتحها يحيى بن يغمور وَالِي قرطبة وإشبيلية حاصرها مُدَّة ثمَّ اقتحهما عنْوَة وَقبض على أَهلهَا فَخرج بهم إِلَى ظَاهر الْمَدِينَة وَصفهم فِي صَعِيد وَاحِد ثمَّ عرضهمْ على السَّيْف أَجْمَعِينَ حَتَّى خلص الْقَتْل مِنْهُم إِلَى الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْحُكَّام بن بطال والفقيه الصَّالح أبي عَامر بن الْجد وَكَانَ عدد من قتل من أهل لبلة فِي ذَلِك الصَّعِيد ثَمَانِيَة آلَاف وَقتل بأحوازها نَحْو أَرْبَعَة آلَاف ثمَّ بِيعَتْ نِسَاؤُهُم وأبناؤهم وأمتعتهم وأسلابهم فعل ذَلِك افتياتا على عبد الْمُؤمن وبلغه الْخَبَر وَهُوَ بمراكش فسخطه وَبعث إِلَيْهِ عبد الله بن سُلَيْمَان فجَاء بِهِ معتقلا إِلَى الحضرة يَوْم عيد الْفطر فألزمه بَيته وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة ثمَّ عَفا عَنهُ وسرحه مَعَ ابْنه السَّيِّد أبي حَفْص إِلَى تلمسان وَلم يصرف إِلَى أهل لبلة شَيْئا مِمَّا أَخذ لَهُم واستقام أَمر الأندلس وَنزل مَيْمُون بن بدر اللمتوني عَن غرناطة للموحدين فملكوها وَأَجَازَ إِلَيْهَا السَّيِّد أَبُو سعيد صَاحب سبتة بِعَهْد أَبِيه عبد الْمُؤمن إِلَيْهِ بذلك وَلحق الملثمون بمراكش

стр. 352

أَمر عبد الْمُؤمن بتحريق كتب الْفُرُوع ورد النَّاس إِلَى الْأُصُول من الْكتاب وَالسّنة لما كَانَت سنة خمسين وَخَمْسمِائة أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ بإصلاح الْمَسَاجِد وبنائها فِي جَمِيع ممالكه وبتغيير الْمُنْكَرَات مَا كَانَت وَأمر مَعَ ذَلِك بتحريق كتب الْفُرُوع ورد النَّاس إِلَى قِرَاءَة كتب الحَدِيث واستنباط الْأَحْكَام مِنْهَا وَكتب بذلك إِلَى جَمِيع طلبة الْعلم من بِلَاد الأندلس والعدوة فجزاه الله خيرا نقل الْمُصحف العثماني من قرطبة إِلَى مراكش وَبِنَاء جَامع الكتبيين بهَا كَانَ بقرطبة ثمَّ بجامعها الْأَعْظَم الْمَشْهُور مصحف أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ ذكر جمَاعَة من المؤرخين مِنْهُم أبن بشكوال وَغَيره وَكَانَ ذَلِك الْمُصحف الْكَرِيم متداولا عِنْد بني أُميَّة وَأهل الأندلس وَاسْتمرّ بقرطبة إِلَى دولة الْمُوَحِّدين فنقله عبد الْمُؤمن إِلَى مراكش قَالَ ابْن بشكوال أخرج الْمُصحف العثماني من قرطبة وَغرب مِنْهَا وَكَانَ بجامعها الْأَعْظَم لَيْلَة السبت الْحَادِي عشر من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة فِي أَيَّام أبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن عَليّ وبأمره وَهَذَا

стр. 353

أحد الْمَصَاحِف الْأَرْبَعَة الَّتِي بعث بهَا عُثْمَان ﵁ إِلَى الْأَمْصَار مَكَّة وَالْبَصْرَة والكوفة وَالشَّام وَمَا قيل من أَن فِيهِ دم عُثْمَان بعيد وَإِن يكن أَحدهَا فَلَعَلَّهُ الشَّامي قَالَ ابْن عبد الْملك قَالَ أَبُو الْقَاسِم التجِيبِي السبتي أما الشَّامي فَهُوَ بَاقٍ بمقصورة جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق وعاينته هُنَالك سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة كَمَا عَايَنت الْمَكِّيّ بَقِيَّة الشَّرَاب قَالَ فعله الْكُوفِي أَو الْبَصْرِيّ قَالَ الْخَطِيب ابْن مَرْزُوق فِي كتاب الْمسند الصَّحِيح الْحسن اختبرت الَّذِي بِالْمَدِينَةِ وَالَّذِي نقل من الأندلس فألفيت خطهما سَوَاء وَمَا توهموه أَنه خطه بِيَمِينِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيح فَلم يخط عُثْمَان وَاحِدًا مِنْهَا وَإِنَّمَا جمع عَلَيْهَا بَعْضًا من الصَّحَابَة كَمَا هُوَ مَكْتُوب على ظهر المتني وَنَصّ مَا على ظَهره هَذَا مَا أجمع عَلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مِنْهُم زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَذكر الْعدَد الَّذِي جمعه عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من الصَّحَابَة ﵃ على كتب الْمُصحف اه وَكَانَ من خبر نَقله إِلَى مراكش مَا ذكره ابْن رشيد فِي رحلته عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن طفيل الْمَذْكُور قَالَ وصل إِلَى عبد الْمُؤمن ابناه السيدان أَبُو سعيد وَأَبُو يَعْقُوب من الأندلس وَفِي صحبتهما مصحف عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَهُوَ الإِمَام الَّذِي لم يخْتَلف فِيهِ مُخْتَلف فَتلقى وُصُوله بالإجلال والإعظام وبودر إِلَيْهِ بِمَا يجب من التبجيل وَالْإِكْرَام وَكَانَ فِي وُصُوله ذَلِك الْوَقْت من عَظِيم الْعِنَايَة وباهر الْكَرَامَة مَا هُوَ مُعْتَبر لأولي الْأَلْبَاب وَذَلِكَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن كَانَ قبل ذَلِك بأيام قد جرى ذكره فِي خاطره وتروى مَعَ نَفسه فِي كَيْفيَّة جلبه من مَدِينَة قرطبة مَحل مثواه الْقَدِيم فتوقع أَن يتَأَذَّى أهل ذَلِك الْقطر بِفِرَاقِهِ ويستوحشوا لفقدان إضاءته وإشراقه فَوقف عَن ذَلِك فأوصله الله إِلَيْهِ تحفة سبنية وهدية

стр. 354

هنيَّة دون أَن يكدرها من الْبشر اكْتِسَاب أَو يتقدمها استدعاء أَو اجتلاب بل أوقع الله تَعَالَى فِي نفوس أهل ذَلِك الْقطر من الْفَرح بإرساله مَا أطلع بِالْمُشَاهَدَةِ على صِحَة صدقه وعضلت مخايل برقه سواكب ودقه وعد ذَلِك من كرامات أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْمُؤمن وسعادته ثمَّ عزم عبد الْمُؤمن على تَعْظِيم الْمُصحف الْكَرِيم وَشرع فِي انتخاب كسوته وَاخْتِيَار حليته فحشر الصناع المتقنين مِمَّن كَانَ بالحضرة وَسَائِر بِلَاد الْمغرب والأندلس فَاجْتمع لذَلِك حذاق كل صناعَة من المهندسين والصواغين والنظامين والحلائين والنقاشين والمرصعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين وَلم يبْق من يُوصف ببراعة أَو ينْسب إِلَى الحذق فِي صناعَة إِلَّا أحضر للْعَمَل فِيهِ والاشتغال بِمَعْنى من مَعَانِيه وَبِالْجُمْلَةِ فقد صنعت لَهُ أغشية بَعْضهَا من السندس وَبَعضهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة ورصع ذَلِك بأنواع اليواقيت وأصناف الْأَحْجَار الغريبة النَّوْع والتشكل العديمة الْمِثَال وَاتخذ للغشاء محمل بديع مِمَّا يُنَاسب ذَلِك فِي غرابة الصَّنْعَة وبداعة الصبغة وَاتخذ للمحمل كرْسِي على شاكلته ثمَّ اتخذ للْجَمِيع تَابُوت يصان فِيهِ على ذَلِك المنوال وَوصف ذَلِك يطول وَفِي خلال هَذِه الْمدَّة أَمر عبد الْمُؤمن بِبِنَاء الْمَسْجِد الْجَامِع بِحَضْرَة مراكش حرسها الله فبدئ ببنائه وتأسيس قبلته فِي الْعشْر الأول من شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة وكمل فِي منتصف شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة على أكمل الْوُجُوه وَأغْرب الصَّنَائِع وأفسح المساحة وَأحكم الْبناء والنجارة وَفِيه من شمسيات الزّجاج ودرجات الْمِنْبَر وسياج الْمَقْصُورَة مَا لَو عمل فِي السنين العديدة لاستغرب تَمَامه فَكيف فِي هَذَا الأمد الْيَسِير الَّذِي لم يتخيل أحد من الصناع أَن يتم فِيهِ تَقْدِيره وتخطيطه فضلا عَن بنائِهِ وَصليت فِيهِ صَلَاة الْجُمُعَة منتصف شعْبَان الْمَذْكُور ونهض عبد الْمُؤمن عقب ذَلِك لزيارة رَوْضَة الْمهْدي بِمَدِينَة تينملل

стр. 355

فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة شعْبَان ومعظم رَمَضَان وَحمل فِي صحبته الْمُصحف العثماني فِي التابوت الْمَذْكُور وَمَعَهُ مصحف الْمهْدي وَختم الْقُرْآن الْعَزِيز فِي مَسْجِد الْمهْدي وَعند ضريحه ختمات كَثِيرَة وَعَاد إِلَى مراكش وَلم يزل الموحدون يعتنون بِهَذَا الْمُصحف الْكَرِيم ويحملونه فِي أسفارهم متبركين بِهِ كتابوت بني إِسْرَائِيل إِلَى أَن حمله مِنْهُم السعيد وَهُوَ عَليّ بن إِدْرِيس بن يَعْقُوب الْمَنْصُور الملقب بالمعتضد بِاللَّه حِين توجه إِلَى تلمسان آخر سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَقتل السعيد قَرِيبا من تلمسان وَوَقع النهب فِي الخزائن واستولت الْعَرَب وَغَيرهم على مُعظم الْعَسْكَر وَنهب الْمُصحف فِي جملَة مَا نهب مِنْهُ وعثر عَلَيْهِ مُلُوك بني عبد الواد أَصْحَاب تلمسان فَلم يزل فِي خزانتهم بهَا إِلَى أَن افتتحها السُّلْطَان الْأَعْظَم أَبُو الْحسن المريني أَوَاخِر شهر رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَحصل عِنْده فَكَانَ يتبرك بِهِ ويحمله فِي أَسْفَاره على الْعَادة إِلَى أَن أُصِيب فِي وقْعَة طريف وَحصل فِي بِلَاد البرتغال وأعمل أَبُو الْحسن الْحِيلَة فِي استخلاصه حَتَّى وصل إِلَى فاس سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة على يَد بعض تجار آزمور وَاسْتمرّ فِي خزانته إِلَى أَن سَافر أَبُو الْحسن سفرته الْمَعْلُومَة إِلَى إفريقية فاستولى عَلَيْهَا وَلما كَانَت سنة خمسين وَسَبْعمائة ركب أَبُو الْحسن الْبَحْر من تونس قَافِلًا إِلَى الْمغرب وَذَلِكَ فِي إبان هيجان الْبَحْر فغرقت مراكبه وَهَلَكت نفوس تجل عَن الْحصْر وضاعت نفائس يعز وجود مثلهَا وَمن جُمْلَتهَا الْمُصحف العثماني فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ وَمِمَّا يُنَاسب ذكره هُنَا الْمُصحف العقباني وَهُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري فاتح الْمغرب وَكَانَ متداولا عِنْد ملوكه ومتبركا بِهِ وَثَانِي المصحفين فِي الْمنزلَة عِنْد أهل الْمغرب قَالَ أَبُو عبد الله اليفرني فِي كتاب النزهة إِن السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الْمَنْصُور بِاللَّه الْمَعْرُوف بالذهبي لما جدد ولَايَة الْعَهْد لوَلَده الْمَأْمُون
следующие страницы →