Полный текст (1 747 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بِلَادهمْ ورعاياهم وَكَانَ الفرنج مجاورين للبربر فِي الْمغرب الْأَدْنَى والقوط مجاورين لَهُم فِي الْأَقْصَى لَيْسَ بَينهم وَبينهمْ إِلَّا خليج الْبَحْر فحملوا أهل السواحل مِنْهُم على الْأَخْذ بذلك الدّين فدانوا بِهِ أَيْضا وَنظر القياصرة يَوْمئِذٍ منسحب عَن الْجَمِيع وَأمرهمْ نَافِذ فِي الْكل وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وأظهره على الدّين كُله فدانت بِهِ البربر على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله فَلهَذَا السَّبَب كَانَ كسيلة الأوربي ويليان الغماري وَغَيرهمَا من كبار البربر نَصَارَى
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ للبربر فِي الضواحي وَرَاء ملك الْأَمْصَار المرهوبة الحامية مَا شَاءَ الله من قُوَّة وعدة وَعدد وملوك ورؤساء وأقيال وأمراء لَا يرامون بذل وَلَا تنالهم الرّوم والفرنج فِي ضواحيهم تِلْكَ بمسخطة وَلَا إساءة ثمَّ قَالَ وَكَانُوا يؤدون الجباية لهرقل ملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة كَمَا كَانَ الْمُقَوْقس صَاحب مصر والإسكندرية وبرقة يُؤَدِّي الجباية لَهُ وكما كَانَ صَاحب طرابلس ولبدة وصبرة وَصَاحب صقلية وَصَاحب الأندلس من القوط لما كَانَ الرّوم قد غلبوا على هَؤُلَاءِ الْأُمَم أجمع وعنهم أخذُوا دين النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ الفرنجة هم الَّذين ولوا أَمر إفريقية وَلم تكن للروم فِيهَا ولَايَة وَإِنَّمَا كَانَ كل من كَانَ مِنْهُم بهَا جند للفرنج وَمن حشودهم وَمَا يسمع فِي كتب الْفَتْح من ذكر الرّوم فِي فتح أفريقية فَمن بَاب التغليب لِأَن الْعَرَب يَوْمئِذٍ لم يَكُونُوا يعْرفُونَ الفرنج وَمَا قَاتلُوا فِي الشَّام إِلَّا الرّوم فظنوا أَنهم هم الغالبون على أُمَم النَّصْرَانِيَّة فَإِن هِرقل هُوَ ملك النَّصْرَانِيَّة كلهَا فغلبوا اسْم الرّوم على جَمِيع أُمَم النَّصْرَانِيَّة ونقلت الْأَخْبَار عَن الْعَرَب كَمَا هِيَ فجرجير الْمَقْتُول عِنْد الْفَتْح من الفرنج وَلَيْسَ من الرّوم وَكَذَا الْأمة الَّذين مَاتُوا بإفريقية غَالِبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها كَانُوا من الفرنجة اه
стр. 72
القَوْل فِي تَحْدِيد الْمغرب وَذكر حَال البربر بعد الْإِسْلَام
اعْلَم أَن لفظ الْمغرب يُطلق فِي عرف أَهله على نَاحيَة من الأَرْض مَعْرُوفَة بِعَينهَا حَدهَا من جِهَة مغرب الشَّمْس الْبَحْر الْمُحِيط الْمَعْرُوف بالكبير وَمن جِهَة مشرق الشَّمْس بِلَاد برقة وَمَا خلفهَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ومصر فبرقة خَارِجَة عَن بِلَاد الْمغرب بِهَذَا الِاعْتِبَار وبلاد طرابلس وَمَا دونهَا إِلَى جِهَة الْبَحْر الْمُحِيط دَاخِلَة فِيهِ وَحدهَا من جِهَة الشمَال الْبَحْر الرُّومِي المفرع عَن الْمُحِيط وَيعرف هَذَا الرُّومِي بالصغير وَمن جِهَة الْجنُوب جبال الرمل الفاصلة بَين بِلَاد السودَان وبلاد البربر وتعرف عِنْد الْعَرَب الرحالة هُنَالك بالعرق
ثمَّ هَذَا الْمغرب يشْتَمل على ثَلَاث ممالك مملكة إفريقية وَهِي الْمغرب الْأَدْنَى وقاعدتها فِي صدر الْإِسْلَام مَدِينَة القيروان وَفِي هَذَا الْعَصْر مَدِينَة تونس وَسمي أدنى لِأَنَّهُ أقرب إِلَى بِلَاد الْعَرَب وَدَار الْخلَافَة بالحجاز ثمَّ بعد إفريقية مملكة الْمغرب الْأَوْسَط وقاعدتها تلمسان وجزائر بني مزغنة وَهَذِه المملكة الْيَوْم فِي يَد فرنج إفرانسة ملكوها فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَأَهْلهَا مُسلمُونَ ثمَّ بعد ذَلِك مملكة الْمغرب الْأَقْصَى وَسمي الْأَقْصَى لِأَنَّهُ أبعد الممالك الثَّلَاث عَن دَار الْخلَافَة فِي صدر الْإِسْلَام وحد هَذَا الْأَقْصَى من جِهَة الْمغرب الْبَحْر الْمُحِيط وَمن جِهَة الْمشرق وَادي ملوية مَعَ جبال تازا وَمن جِهَة الشمَال الْبَحْر الرُّومِي وَمن جِهَة الْجنُوب جبل درن قَالَه ابْن خلدون
وَفِي تَقْسِيم الفرنج أَن الْمغرب الْأَقْصَى يشْتَمل على خمس عمالات عمالة فاس وعمالة مراكش وعمالة السوس وعمالة درعة وعمالة تافيلالت وَدَار الْملك بِهِ تَارَة فاس وَتارَة مراكش وَهُوَ فِي الْأَغْلَب ديار المصامدة
стр. 73
من البربر ويساكنهم فِيهِ عوالم من صنهاجة ومضغرة وأوربة وَغَيرهم لكِنهمْ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى المصامدة ويساكنهم فِيهِ أَيْضا عَالم من الْعَرَب أهل الْخيام انتقلوا من جَزِيرَة الْعَرَب إِلَى إفريقية ثمَّ من إفريقية إِلَيْهِ أَوَاخِر الْمِائَة السَّادِسَة أَيَّام الْخَلِيفَة يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي وهم الْيَوْم قبائل عديدة يرجعُونَ فِي نسبهم إِلَى ريَاح وجشم فَأَما ريَاح فهم من بني هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَأما جشم فهم بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر وَكلهمْ يَنْتَهِي نسبهم إِلَى مُضر ويضاف إِلَيْهِم قبائل أخر نحقق الْكَلَام فيهم بعد هَذَا إِن شَاءَ الله
ثمَّ قد علمت أَن كلامنا بِالْقَصْدِ الأول فِي هَذَا الْكتاب إِنَّمَا هُوَ على الْمغرب الْأَقْصَى لَكنا نتكلم أَولا على أَخْبَار الْمغرب مُطلقًا وَنَذْكُر أمراءه الموجهين من قبل الْخُلَفَاء بالمشرق على التَّفْصِيل مَا دَامَ نظرهم منسحبا عَلَيْهِ وظلهم ممتدا إِلَيْهِ إِذْ كَانَ أَمر الْخلَافَة فِي صدر الْإِسْلَام متحدا وَحكمهَا مجتمعا وكلمتها نَافِذَة فِي جَمِيع ممالك الْإِسْلَام شرقا وغربا بِحَيْثُ لَا يخرج قطر من الأقطار وَلَا مصر من الْأَمْصَار فِيمَا بعد أَو دنا عَن الأَرْض عَن نظر الْخَلِيفَة الْأَعْظَم وَقد كَانَ ذَلِك دينا مُتبعا وَحكما مجمعا عَلَيْهِ وَلَا تصح لأحد إِمَارَة أَو ولَايَة إِلَّا بالإستناد إِلَيْهِ حَتَّى إِذا طَال الْعَهْد وَضعف أَمر الْخلَافَة وتقلص ظلها من القاصية تَفَرَّقت ممالك الْإِسْلَام الْبَعِيدَة عَن دارها وتوزعتها الثوار من بني هَاشم وَغَيرهم واستبد الْأُمَرَاء النازحون عَنْهَا كل بِمَا غلب عَلَيْهِ وَسَار أَمر الْوحدَة إِلَى الْكَثْرَة وَحكم الإجتماع إِلَى الْفرْقَة فَلهَذَا نتكلم الْآن على أَخْبَار الْمغرب مُطلقًا وَنَذْكُر ولاته الموجهين إِلَيْهِ من قبل الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى زمن إِدْرِيس بن عبد الله المستبد بِملك الْمغرب الْأَقْصَى والمقتطع لَهُ عَمَّا عداهُ من الممالك الإسلامية فَحِينَئِذٍ نفرد الْكَلَام عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ على مَا شرطناه فَأَما الْآن فَلَا يمكننا الْكَلَام عَلَيْهِ وَحده لِأَنَّهُ وَالْحَالة هَذِه مندرج فِي غَيره من ممالك الْمغرب إِذْ الْوَالِي الموجه من قبل الْخَلِيفَة فِي صدر الْإِسْلَام كَانَ يكون واليا على إفريقية وَمَا بعْدهَا من بِلَاد الْمغرب إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَقد تُضَاف إِلَى نظره الأندلس بل كَانَ الْوَالِي
стр. 74
بِمصْر قد يكون نظره شَامِلًا لجَمِيع بِلَاد الْمغرب حَسْبَمَا نقف عَلَيْهِ فاعرف هَذِه الْجُمْلَة ولتكن مِنْك على بَال
وَأما حَال البربر بعد الْإِسْلَام فَيعرف من أَخْبَار الْوُلَاة الَّتِي نسردها الْآن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ولَايَة عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ وفتحه برقة وطرابلس
لما كَانَت خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَفتح عَمْرو بن الْعَاصِ مصر والإسكندرية وَفرغ مِنْهَا سَار فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة إِلَى برقة وَكَانَت تسمى فِي الْقَدِيم إنطابلس فَصَالحه أَهلهَا على الْجِزْيَة ثمَّ سَار بعْدهَا إِلَى طرابلس فحاصرها شهرا وَكَانَت مكشوفة السُّور من جَانب الْبَحْر وسفن الرّوم فِي مرْسَاها فحسر المَاء فِي بعض الْأَيَّام وانكشف أمرهَا لبَعض الْمُسلمين المحاصرين لَهَا فاقتحموا الْبَلَد فِيمَا بَين الْبَحْر والبيوت فَلم يكن للروم ملْجأ إِلَّا سفنهم وارتفع الصياح فَأقبل عَمْرو بعساكره فَدخل الْمَدِينَة وَلم يفلت الرّوم إِلَّا بِمَا خف فِي المراكب ثمَّ عطف عَمْرو ﵁ على مَدِينَة صبرَة وَكَانُوا قد أمنُوا بمنعة طرابلس واشتغال الْمُسلمين بحصارها فصبحهم فِي جَيش الْمُسلمين واقتحمها عَلَيْهِم عنْوَة وكمل الْفَتْح وَرجع عَمْرو إِلَى برقة فَصَالحه أَهلهَا على ثَلَاثَة عشر ألف دِينَار جِزْيَة وَكَانَ أَكثر أهل برقة لواته وهم بَنو لوي الْأَكْبَر وَأكْثر أهل طرابلس وصبرة نفوسة وكلتا القبيلتين من البتر
وَلما فرغ عَمْرو ﵁ من أَمر طرابلس وَمَا مَعهَا اسْتَأْذن عمر بن
стр. 75
الْخطاب ﵁ فِي التَّقَدُّم إِلَى إفريقية فَمَنعه وَقَالَ تِلْكَ المفرقة وَلَيْسَت بإفريقية أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فامتثل وَعَاد إِلَى مصر فَكَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ أول أَمِير للْمُسلمين وطِئت خيله أَرض الْمغرب لكنه لم يصل إِلَى إفريقية وَلَا كَانَ من البرابر إِسْلَام غير أَن صَاحب كتاب الجمان نقل أَنه لما كَانَت خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ واستفتحت مَدِينَة مصر وَكَانَ عَلَيْهَا عَمْرو بن الْعَاصِ قدم عَلَيْهِ سِتَّة نفر من البربر مُحَلِّقِينَ الرؤوس واللحى فَقَالَ لَهُم عَمْرو من أَنْتُم وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم قَالُوا رغبنا فِي الْإِسْلَام فَجِئْنَا لَهُ لِأَن جدودنا قد أوصونا بذلك فوجههم عَمْرو إِلَى عمر ﵁ وَكتب إِلَيْهِ بخبرهم فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ وهم لَا يعْرفُونَ لِسَان الْعَرَب كَلمهمْ الترجمان على لِسَان عمر فَقَالَ لَهُم من أَنْتُم قَالُوا نَحن بَنو مازيغ فَقَالَ عمر لجلسائه هَل سَمِعْتُمْ قطّ بهؤلاء فَقَالَ شيخ من قُرَيْش يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ البربر من ذُرِّيَّة بر بن قيس بن عيلان خرج مغاضبا لِأَبِيهِ وَإِخْوَته فَقَالُوا بر بر أَي أَخذ الْبَريَّة فَقَالَ لَهُم عمر ﵁ مَا علامتكم فِي بِلَادكُمْ قَالُوا نكرم الْخَيل ونهين النِّسَاء فَقَالَ لَهُم عمر ألكم مَدَائِن قَالُوا لَا قَالَ ألكم أَعْلَام تهتدون بهَا قَالُوا لَا قَالَ عمر وَالله لقد كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض مغازيه فَنَظَرت إِلَى قلَّة الْجَيْش وبكيت فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ (يَا عمر لَا تحزن فَإِن الله سيعز هَذَا الدّين بِقوم من الْمغرب لَيْسَ لَهُم مَدَائِن وَلَا حصون وَلَا أسواق وَلَا عَلَامَات يَهْتَدُونَ بهَا فِي الطّرق) ثمَّ قَالَ عمر فَالْحَمْد لله الَّذِي من عَليّ برؤيتهم ثمَّ أكْرمهم ووصلهم وَقَدَّمَهُمْ على من سواهُم من الجيوش القادمة عَلَيْهِ وَكتب إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ أَن يجعلهم على مُقَدّمَة الْمُسلمين وَكَانُوا من أفخاذ شَتَّى اه وَالله أعلم
стр. 76
٤٤
- ولَايَة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وفتحه إفريقية
لما كَانَت خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ عزل عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وَولى عَلَيْهَا عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أَخَاهُ من الرضَاعَة وَأمره بغزو إفريقية سنة خمس وَعشْرين من الْهِجْرَة وَقَالَ لَهُ إِن فتح الله عَلَيْك فلك خمس الْخمس من الْغَنَائِم ثمَّ عقد عُثْمَان لعبد الله بن نَافِع بن عبد قيس على جند وَعبد الله بن نَافِع بن الْحَارِث على آخر وسرحهما فَخَرجُوا إِلَى إفريقية فِي عشرَة آلَاف وصالحهم أَهلهَا على مَال يؤدونه وَلم يقدروا على التوغل فِيهَا لِكَثْرَة أَهلهَا ثمَّ إِن عبد الله بن أبي سرح اسْتَأْذن عُثْمَان فِي ذَلِك واستمده فَاسْتَشَارَ عُثْمَان الصَّحَابَة فأشاروا بِهِ فَجهز العساكر من الْمَدِينَة وَفِيهِمْ جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن جَعْفَر وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَابْن الزبير وَقيل لحقهم مدَدا وَسَارُوا مَعَ عبد الله بن سعد سنة سِتّ وَعشْرين ولقيهم عقبَة بن نَافِع فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين ببرقة ثمَّ سَارُوا إِلَى طرابلس فنهبوا الرّوم عِنْدهَا ثمَّ تجاوزوها إِلَى إفريقية وبثوا السَّرَايَا فِي كل نَاحيَة وَكَانَ ملكهم جرجير الفرنجي يملك مَا بَين طرابلس وطنجة تَحت ولَايَة هِرقل وَيحمل إِلَيْهِ الْخراج فَلَمَّا بلغه الْخَبَر جمع مائَة وَعشْرين ألفا من العساكر ولقيهم على يَوْم وَلَيْلَة من سبيطلة دَار ملكهم وَأَقَامُوا يقتتلون وَدعوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مدَدا بَعثه عُثْمَان ﵁ لما أَبْطَأت عَلَيْهِ أخبارهم وَسمع جرجير بوصول المدد ففت ذَلِك فِي عضده وَشهد ابْن الزبير مَعَهم الْقِتَال وَقد غَابَ ابْن أبي سرح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل لَهُ إِنَّه سمع مُنَادِي جرجير يَقُول من قتل ابْن أبي سرح فَلهُ مائَة ألف دِينَار وأزوجه ابْنَتي فخاف وَتَأَخر عَن شُهُود الْقِتَال فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير تنادي أَنْت بِأَن من قتل جرجير نفلته مائَة ألف وَزَوجته ابْنَته واستعملته على
стр. 77
بِلَاده فخاف جرجير أَشد مِنْهُ ثمَّ أَشَارَ ابْن الزبير على ابْن أبي سرح أَن يتْرك جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين الْمَشَاهِير متأهبين للحرب وَيُقَاتل الرّوم بباقي الْعَسْكَر إِلَى أَن يضجروا فيركبهم بالآخرين على غرَّة قَالَ لَعَلَّ الله ينصرنا عَلَيْهِم وَوَافَقَ على ذَلِك أَعْيَان الصَّحَابَة فَفَعَلُوا وركبوا من الْغَد إِلَى الزَّوَال وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى أتعبوهم ثمَّ افْتَرَقُوا وأركب عبد الله الْفَرِيق الَّذين كَانُوا مستريحين فكبروا وحملوا حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى غشوا الرّوم فِي خيامهم فَانْهَزَمُوا وَقتل كثير مِنْهُم وَقتل ابْن الزبير جرجير وحيزت ابْنَته سبية فنفلها ابْن أبي سرح ابْن الزبير ثمَّ حاصر ابْن أبي سرح سبيطلة فَفَتحهَا وخربها وَكَانَ سهم الْفَارِس فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَسَهْم الراجل ألفا وَبث جيوشه فِي الْبِلَاد إِلَى قفصة فَسبوا وغنموا وَبعث عسكرا إِلَى حصن الأجم وَقد اجْتمع بِهِ أهل الْبِلَاد فحاصره وفتحه على الْأمان ثمَّ صَالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف دِينَار
وَأرْسل ابْن الزبير بِخَبَر الْفَتْح وبالخمس إِلَى الْمَدِينَة فَاشْتَرَاهُ مَرْوَان بن الحكم بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار وَبَعض النَّاس يَقُول أعطَاهُ إِيَّاه عُثْمَان ﵁ وَلَا يَصح وَإِنَّمَا أعْطى ابْن أبي سرح خمس الْخمس من الْغَزْوَة الأولى وانحاز الفرنجة وَمن مَعَهم من الرّوم بعد الْهَزِيمَة وَالْفَتْح إِلَى حصون إفريقية وانساح الْمُسلمُونَ فِي البسائط بالغارات وَوَقع بَينهم وَبَين أهل الضواحي من البربر زحوف وَقتل وَسبي حَتَّى لقد أَسرُّوا يَوْمئِذٍ من مُلُوك البربر صولات بن وزمار الزناتي ثمَّ المغراوي جد بني خزر مُلُوك تلمسان فَرَفَعُوهُ إِلَى عُثْمَان ﵁ فَأسلم على يَده فَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وعهد لَهُ على قومه وَيُقَال إِنَّمَا وَصله وافدا فَأكْرم وفادته وَالله أعلم
ثمَّ رغب الفرنج والبربر فِي السّلم وسألوا الصُّلْح وشرطوا لِابْنِ أبي سرح ثَلَاثمِائَة قِنْطَار من الذَّهَب على أَن يرحل عَنْهُم بالعرب وَيخرج من بِلَادهمْ فَفعل وَرجع الْمُسلمُونَ إِلَى الْمشرق بعد مقامهم بإفريقية سنة وَثَلَاثَة أشهر وَلما بلغ هِرقل ملك الرّوم أَن أهل إفريقية صَالحُوا الْمُسلمين بذلك المَال
стр. 78
الَّذِي أَعْطوهُ غضب عَلَيْهِم وَبعث بطريقا يَأْخُذ مِنْهُم مثل ذَلِك فَنزل قرطاجنة وَأخْبرهمْ بِمَا جَاءَ لَهُ فَأَبَوا وَقَالُوا قد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يسعدنا فِيمَا نزل بِنَا فَقَاتلهُمْ البطريق وَهَزَمَهُمْ وطرد الْملك الَّذِي ولوه عَلَيْهِم بعد جرجير فلحق بِالشَّام وَقد اجْتمع النَّاس على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ فاستجاشه على إفريقية فَبعث مَعَه مُعَاوِيَة بن حديج السكونِي على مَا نذكرهُ
ولَايَة مُعَاوِيَة بن حديج على الْمغرب
هُوَ مُعَاوِيَة بن حديج بِالْحَاء الْمُهْملَة مُصَغرًا الْكِنْدِيّ ثمَّ السكونِي لَهُ صُحْبَة وَمِمَّنْ شهد مَعَ عَمْرو بن الْعَاصِ فتح مصر وَقدم بِخَبَر الْفَتْح على عمر بن الْخطاب ﵁ وَلما قدم علج إفريقية على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ وشكا إِلَيْهِ مَا ناله من صَاحب قَيْصر بعث مَعَه مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ وشكا إِلَيْهِ مَا ناله من صَاحب قَيْصر بعث مَعَه مُعَاوِيَة بن حديج هَذَا فِي عَسْكَر ضخم سنة خمس وَأَرْبَعين فَلَمَّا وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة هلك العلج وَمضى مُعَاوِيَة فَقدم إفريقية فِي عشرَة آلَاف فَنزل قمونية فسرح إِلَيْهِ البطريق ثَلَاثِينَ ألف مقَاتل كَانَ قَيْصر قد وَجههَا من الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي الْبَحْر لمدافعة الْعَرَب عَن إفريقية فَلَنْ تغن شَيْئا وَقَاتلهمْ مُعَاوِيَة فَهَزَمَهُمْ عِنْد حصن الأجم ثمَّ بَث السَّرَايَا ودوخ الْبِلَاد فَبعث عبد الله بن الزبير إِلَى سوسة فافتتحها ثمَّ بعث عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى جَلُولَاء فافتتحها كَذَلِك وَقَالَ ابْن خلدون إِن مُعَاوِيَة حاصر حصن جَلُولَاء فَامْتنعَ عَلَيْهِ حَتَّى سقط ذَات يَوْم سوره فملكه الْمُسلمُونَ وغنموا مَا فِيهِ
стр. 79
ثمَّ وَجه جَيْشًا فِي الْبَحْر إِلَى صقلية فِي مِائَتي مركب فأثخنوا فِيهَا ثمَّ فتح بنزرت وَظهر الْإِسْلَام فِي البربر ثمَّ عَاد إِلَى مصر بعد أَن خلد آثارا حسية وَبنى بِمحل القيروان آبارا ثمَّ عَزله مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان عَن إفريقية وَأقرهُ على مصر فَقَط ثمَّ عَزله عَنْهَا فِي خبر لَيْسَ ذكره من غرضنا
ولَايَة عقبَة بن نَافِع الفِهري على الْمغرب وبناؤه مَدِينَة القيروان
هُوَ عقبَة بن نَافِع بن عبد الْقَيْس الْقرشِي الفِهري صَحَابِيّ بالمولد وَهُوَ آخر من ولي الْمغرب من الصَّحَابَة وَكَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ وَهُوَ أَمِير على مصر قد اسْتعْمل عقبَة هَذَا وَهُوَ ابْن خَالَته على إفريقية فَانْتهى إِلَى لواتة ومزاتة فأطاعوا ثمَّ كفرُوا فغزاهم وَقتل وسبى ثمَّ افْتتح سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين غدامس من تخوم السودَان وَفِي السّنة بعْدهَا افْتتح ودان وكورا من كور السودَان وأثخن فِي تِلْكَ النواحي وَكَانَ لَهُ فِيهَا جِهَاد وفتوح فَظهر غناؤه وَعرفت نجدته وكفايته فَلَمَّا كَانَت سنة خمسين ولاه مُعَاوِيَة ﵁ على إفريقية اسْتِقْلَالا وَبعث مَعَه عشرَة آلَاف فَارس فَدخل عقبَة إفريقية بعد رُجُوع مُعَاوِيَة بن حديج عَنْهَا وانضاف إِلَيْهِ مسلمة البربر فَكثر جمعه وَوضع السَّيْف فِي أَهلهَا لأَنهم كَانُوا إِذا جَاءَت عَسَاكِر الْمُسلمين أَسْلمُوا فَإِذا رجعُوا عَنْهَا ارْتَدُّوا ثمَّ رأى عقبَة ﵀ أَن يتَّخذ مَدِينَة يعتصم بهَا جَيش الْمُسلمين من البربر وتقام بهَا الْجَمِيع والأعياد فَاسْتَشَارَ من مَعَه فَقَالُوا نَحن أَصْحَاب إبل وَلَا حَاجَة لنا بمجاورة الْبَحْر فتسطو علينا الفرنج فَانْظُر لنا ينظر الله
قَالَ صَاحب الجمان وَكَانَت بقْعَة القيروان غيضة لَا يأوى إِلَيْهَا إِلَّا الوحوش وَالسِّبَاع فصاح بهَا عقبَة أَن اخْرُجِي أيتها الوحوش والهوام بِإِذن الله فَبَقيت أَرض القيروان أَرْبَعِينَ سنة لَا يرى فِيهَا شَيْء من الْهَوَام
стр. 80
المؤذية وَلَا السبَاع العادية ثمَّ شرع فِي بنائها وَقَالَ هَذِه أوسع لأبلكم وآمن عَلَيْكُم من روم الْقُسْطَنْطِينِيَّة وإفرنج الجزيرة وَعَن اللَّيْث بن سعد أَن عقبَة ﵀ غزا إفريقية فَأتى وَادي القيروان فَبَاتَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابه حَتَّى إِذا أصبح وقف على رَأس الْوَادي فَقَالَ يَا أهل الْوَادي أظعنوا فَإنَّا نازلون قَالَ ذَلِك ثَلَاثًا فَجعلت الْحَيَّات تنساب والعقارب وَغَيرهَا مِمَّا لَا يعرف من الدَّوَابّ تخرج ذَاهِبَة وهم قيام ينظرُونَ إِلَيْهَا من حِين أَصْبحُوا حَتَّى أوهجتهم الشَّمْس وَحَتَّى لم يرَوا مِنْهَا شَيْئا فنزلوا الْوَادي عِنْد ذَلِك قَالَ اللَّيْث فَحَدثني زِيَاد بن عجلَان أَن أهل إفريقية اقاموا بعد ذَلِك أَرْبَعِينَ سنة وَلَو التمست حَيَّة أَو عقرب بِأَلف دِينَار مَا وجدت اه
وَفِي الجمان لما شرع عقبَة ﵀ فِي بِنَاء جَامعهَا تنازعوا فِي الْقبْلَة فَأتى عقبَة آتٍ فِي النّوم فَوضع لَهُ عَلامَة على سمت الْقبْلَة فَلم انتبه أعلم النَّاس بذلك فَأتوا إِلَى الْموضع فوجدوا الْعَلامَة كَمَا قَالَ فَوقف عقبَة ينظر إِلَى الْقبْلَة فَسمع تَكْبِيرَة فِي الجو من نَاحيَة الْقبْلَة فَنظر فَرَأى الْكَعْبَة عيَانًا وَرَآهَا كل من كَانَ حوله وَقَالَ ابْن خلدون اختط عقبَة ﵁ القيروان وَبنى بهَا الْمَسْجِد الْجَامِع وَبنى النَّاس مساكنهم ومساجدهم وَكَانَ دورها ثَلَاثَة آلَاف بَاعَ وسِتمِائَة بَاعَ وكملت فِي خمس سِنِين وَكَانَ يَغْزُو وَيبْعَث السَّرَايَا للإغارة والنهب وَدخل أَكثر البربر فِي الْإِسْلَام واتسعت خطة الْمُسلمين ورسخ الدّين اه
وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة النقية اختط عقبَة بن نَافِع القيروان سنة خمسين وَجعل دور سورها اثْنَي عشر ميلًا وَبنى بهَا الْجَامِع الْأَعْظَم وَقَاتل البربر وشردهم ثمَّ عَزله مُعَاوِيَة عَنْهَا وَالله أعلم
стр. 81
ولَايَة أبي المُهَاجر دِينَار وفتحه الْمغرب الْأَوْسَط
كَانَ مُعَاوِيَة ﵁ قد ولى على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد بِوَزْن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ فَاسْتعْمل مسلمة على إفريقية مَوْلَاهُ أَبَا المُهَاجر الْمَذْكُور وَيُقَال مولى بني مَخْزُوم فَقَدمهَا سنة خمس وَخمسين وأساء عزل عقبَة واستخف بِهِ لشَيْء كَانَ بَينهمَا وَكره نزُول القيروان فَبنى مَدِينَة قربهَا وأخلى قيروان عقبَة فَدَعَا عقبَة الله تَعَالَى أَن يُمكنهُ مِنْهُ وَكَانَ رجلا صَالحا مجاب الدعْوَة فاستجيب لَهُ فِيهِ على مَا نذكرهُ ثمَّ إِن أَبَا المُهَاجر بعث حَنش بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ صنعاء الشَّام إِلَى جَزِيرَة شريك وَهِي الْمَعْرُوفَة الْآن بالجزيرة الْقبلية وإليها يسْلك من بَاب الجزيرة أحد أَبْوَاب تونس فافتتحها
وَكَانَ كسيلة بن أغز البرنسي ثمَّ الأوربي من أهل الْمغرب الْأَقْصَى من عُظَمَاء البربر وَكَانَ نَصْرَانِيّا قد جمع الجموع من البربر والفرنج وزحف إِلَى الْمُسلمين فزحف إِلَيْهِم ابو المُهَاجر فَهَزَمَهُمْ حول تلمسان وَتمكن من الْبِلَاد وظفر بكسيلة فأظهر الْإِسْلَام فاستبقاه أَبُو المُهَاجر واستخلصه قَالَ ابْن خلدون لم أَقف لتلمسان على خبر أقدم من خبر ابْن الرَّقِيق من أَن أَبَا المُهَاجر لما قدم إفريقية توغل فِي ديار الْمغرب وَوصل إِلَى تلمسان وَبِه سميت الْعُيُون الْقَرِيبَة مِنْهَا عُيُون أبي المُهَاجر اه فَهُوَ أول أَمِير الْمُسلمين وطِئت خيله الْمغرب الْأَوْسَط
ثمَّ إِن عقبَة بن نَافِع لما قفل إِلَى الْمشرق شكا إِلَى مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ
стр. 82
مَا ناله من أبي المُهَاجر فَاعْتَذر إِلَيْهِ ووعده برده إِلَى عمله ثمَّ ولاه ابْنه يزِيد على الْمغرب سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ
وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن عقبَة ولي الْمغرب سنة سِتّ وَأَرْبَعين فاختط القيروان ثمَّ عَزله يزِيد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بِأبي المُهَاجر فَحِينَئِذٍ قبض على عقبَة وضيق عَلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ يزِيد يَأْمُرهُ ببعثه فَبَعثه إِلَيْهِ ثمَّ أَعَادَهُ واليا على إفريقية وَالله أعلم
ولَايَة عقبَة بن نَافِع الثَّانِيَة وفتحه الْمغرب الْأَقْصَى ومقتله
لما توفّي مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ وَولي بعده ابْنه يزِيد بعث عقبَة بن نَافِع واليا على الْمغرب فقدمه فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم واعتقل ابا المُهَاجر وَخرب مدينته وَعمر القيروان وعزم على الْجِهَاد فاستخلف زُهَيْر بن قيس البلوي على القيروان وَيُقَال ولاه على مُقَدّمَة جَيْشه وَخرج فِي جَيش كثيف فَفتح حصن لميس ومدينة باغانة المطل عَلَيْهَا جبل أوراس وَفتح بِلَاد الجريد فتحا ثَانِيًا وَصَالح أهل فزان وَسَار إِلَى الزاب وتاهرت فشتت جموع البربر وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم من الفرنج ثمَّ تقدم إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى فأثخن فِي أَهله إِلَى إِن وصل إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط فَكَانَ عقبَة ﵀ أول أَمِير الْمُسلمين وطِئت خيله الْمغرب الْأَقْصَى
وَقَالَ ابْن خلدون قدم عقبَة بن نَافِع الْمغرب فِي ولَايَته الثَّانِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فاضطغن على كسيلة صحبته لأبي المُهَاجر ونكبه وَتقدم أَبُو المُهَاجر إِلَى عقبَة فِي اصطناعه فَلم يقبل ثمَّ زحف إِلَى الْمغرب وعَلى مقدمته زُهَيْر بن قيس البلوي فدوخه وَلَقي مُلُوك البربر وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم من الفرنجة بالزاب وتاهرت فَهَزَمَهُمْ واستباحهم وأذعن لَهُ يليان أَمِير غمارة ولاطفه وهاداه ودله على عورات البربر وَرَاءه بِمَدِينَة وليلى وبلاد المصامدة والسوس
стр. 83
وَقَالَ صَاحب الجمان افْتتح عقبَة الْمغرب وَنزل على طنجة فحاصرها واستنزل ملكهَا يليان الغماري وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَنزل على حكمه بعد أَن أعطَاهُ أَمْوَالًا جليلة ثمَّ أَرَادَ عقبَة اللحاق بالجزيرة الخضراء من عدوة الأندلس فَقَالَ لَهُ يليان أتترك كفار البربر خَلفك وَتَرْمِي بِنَفْسِك فِي بحبوحة الْهَلَاك مَعَ الفرنج وَيقطع الْبَحْر بَيْنك وَبَين المدد فَقَالَ عقبَة وَأَيْنَ كفار البربر قَالَ بِبِلَاد السوس وهم أهل نجدة وبأس قَالَ عقبَة وَمَا دينهم قَالَ لَيْسَ لَهُم دين وَلَا يعْرفُونَ إِن الله حق وَإِنَّمَا هم كَالْبَهَائِمِ وَكَانُوا على دين الْمَجُوسِيَّة يَوْمئِذٍ فَتوجه عقبَة نحوهم فَنزل على مَدِينَة وليلى بِإِزَاءِ جبل زرهون وَهِي يَوْمئِذٍ من أكبر مدن الْمغرب فِيمَا بَين النهرين العظيمين سبو وورغة وَهَذِه الْمَدِينَة هِيَ الْمُسَمَّاة الْيَوْم فِي لِسَان الْعَامَّة بقصر فِرْعَوْن فافتتحها عقبَة وغنم وسبى ثمَّ توجه إِلَى بِلَاد درعة والسوس فلقتيه جموع البربر فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ انْهَزَمت البربر بعد حروب صعبة وقتلهم الْمُسلمُونَ قتلا ذريعا وتبعوا آثَارهم إِلَى صحراء لمتونة لَا يلقاهم أحد إِلَّا هزموه
ثمَّ عطف عقبَة على سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط الغربي فَانْتهى إِلَى بِلَاد آسفي وَأدْخل قَوَائِم فرسه فِي الْبَحْر ووقف سَاعَة ثمَّ قَالَ لأَصْحَابه ارْفَعُوا أَيْدِيكُم فَفَعَلُوا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لم أخرج بطرا وَلَا أشرا وَإنَّك لتعلم إِنَّمَا نطلب السَّبَب الَّذِي طلبه عَبدك ذُو القرنين وَهُوَ أَن تعبد وَلَا يُشْرك بك شَيْء اللَّهُمَّ إِنَّا معاندون لدين الْكفْر ومدافعون عَن دين الْإِسْلَام فَكُن لنا وَلَا تكن علينا يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام ثمَّ انْصَرف رَاجعا
وَقَالَ ابْن خلدون أَيْضا وصل عقبَة إِلَى جبال درن وَقَاتل المصامدة بهَا فَكَانَت بَينه وَبينهمْ حروب وحاصروه بجبل درن فَنَهَضت إِلَيْهِم جموع زناتة وَكَانُوا خَالِصَة للْمُسلمين مُنْذُ إِسْلَام مغراوة فأفرجت المصامدة عَن عقبَة وأثخن فيهم حَتَّى حملهمْ على طَاعَة الْإِسْلَام ودوخ بِلَادهمْ ثمَّ أجَاز إِلَى بِلَاد السوس لقِتَال من بهَا من صنهاجة أهل اللثام وهم يَوْمئِذٍ على دين
стр. 84
الْمَجُوسِيَّة وَلم يدينوا بالنصرانية فأثخن فيهم وانْتهى إِلَى تارودانت وَهزمَ جموع البربر وَقَاتل مسوقة من وَرَاء السوس ودوخهم وقفل رَاجعا
وَكَانَ كسيلة الأوربي فِي جَيش عقبَة قد استصحبه فِي غَزَوَاته هَذِه وَكَانَ يستهين بِهِ ويمتهنه فَأمره يَوْمًا بسلخ شَاة بَين يَدَيْهِ فَدَفعهَا كسيلة إِلَى غلمانه فأراده عقبَة على أَن يتولاها بِنَفسِهِ وانتهره فَقَامَ إِلَيْهَا كسيلة مغضبا وَجعل كلما دس يَده فِي الشَّاة مسح بلحيته وَالْعرب يَقُولُونَ مَا هَذَا يَا بربري فَيَقُول هُوَ أجِير فَيَقُول لَهُم شيخ مِنْهُم إِن الْبَرْبَرِي يتوعدكم وَبلغ ذَاك أَبَا المُهَاجر وَهُوَ معتقل عِنْد عقبَة فَبعث إِلَيْهِ ينهاه وَيَقُول كَانَ رَسُول الله ﷺ يسْتَأْنف جبابرة الْعَرَب وَأَنت تعمد إِلَى رجل جَبَّار فِي قومه وبدار عزه حَدِيث عهد بالشرك فستفسده وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَن يتوثق مِنْهُ وخوفه غائلته فتهاون عقبَة بقوله فَلَمَّا قفل من غزاته هَذِه وانْتهى إِلَى طبنة من أَرض الزاب وكسيلة أثْنَاء هَذَا كُله فِي صحبته صرف العساكر إِلَى القيروان أَفْوَاجًا ثِقَة بِمَا دوخ من الْبِلَاد وأذل من البربر حَتَّى بَقِي فِي قَلِيل من الْجند فَلَمَّا وصل إل تهودة وَأَرَادَ أَن ينزل بهَا الحامية نظر إِلَيْهِ الفرنجة وطمعوا فِيهِ فراسلوا كسيلة ودلوه على الفرصة فِيهِ فانتهزوها وراسل بني عَمه وَمن تَبِعَهُمْ من البربر فاتبعوا أثر عقبَة وَأَصْحَابه حَتَّى إِذا غشوهم بتهودة ترجل الْقَوْم وكسروا أجفان سيوفهم وَنزل الصَّبْر واستلحم عقبَة وَأَصْحَابه فَلم يفلت مِنْهُم أحد وَكَانُوا زهاء ثَلَاثمِائَة من كبار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اسْتشْهدُوا فِي مسرع وَاحِد وَفِيهِمْ أَبُو المُهَاجر كَانَ عقبَة قد استصحبه فِي اعتقاله كَمَا قُلْنَا فأبلى ﵁ فِي ذَلِك الْيَوْم الْبلَاء الْحسن
قَالَ ابْن خلدون واجداث الصَّحَابَة ﵃ أُولَئِكَ الشُّهَدَاء أَعنِي عقبَة وَأَصْحَابه بمكانهم من أَرض الزاب لهَذَا الْعَهْد وَقد جعل على قُبُورهم أسنمة ثمَّ جصصت وَاتخذ على الْمَكَان مَسْجِد عرف باسم عقبَة وَهُوَ فِي عداد المزارات ومظان البركات بل هُوَ أشرف مزور من الأجداث فِي بقاع الأَرْض لما توفر فيهه من عدد الشُّهَدَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذين لَا
стр. 85
يبلغ أحد مد أحدهم وَلَا نصيفه
وَأسر من الصَّحَابَة يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بن أَوْس الْأنْصَارِيّ وَيزِيد بن خلف الْعَبْسِي وَنَفر مَعَهُمَا ففداهم ابْن مصاد صَاحب قفصة وَبعث بهم إِلَى القيروان
ثمَّ زحف كسيلة بعد الْوَقْعَة إِلَى جِهَة القيروان إِذْ هِيَ دَار الْإِمَارَة بالمغرب يَوْمئِذٍ وَبهَا جُمْهُور الْعَرَب ووجوده الْإِسْلَام فَبَلغهُمْ الْخَبَر وَعظم عَلَيْهِم الْأَمر فَقَامَ زهر بن قيس البلوي فيهم خَطِيبًا وَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين إِن أصحابكم قد دخلُوا الْجنَّة فاسلكوا سبيلهم أَو يفتح الله عَلَيْكُم فَخَالف حَنش بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ لما علم أَنه لَا طَاقَة للْمُسلمين بِمَا دهمهم من أَمر البربر وَرَأى أَن النجَاة بِمن مَعَه من الْمُسلمين أولى ونادى فِي النَّاس بالرحيل إِلَى مشرقهم فَاتَّبعُوهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَبَقِي زُهَيْر فِي أهل بَيته فاضطر إِلَى الْخُرُوج وَسَار إِلَى برقة فَأَقَامَ بهَا مطلا على الْمغرب ومنتظرا للمدد من الْخُلَفَاء
وَاجْتمعَ إِلَى كسيلة جَمِيع أهل الْمغرب من البربر والفرنجة وَعظم أمره وَتقدم إِلَى القيروان فاستولى عَلَيْهَا فِي الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وفر مِنْهَا بَقِيَّة الْعَرَب فَلَحقُوا بزهير وَلم يقم بهَا إِلَّا أَصْحَاب الذَّرَارِي والأثقال فَأَمنَهُمْ كسيلة وَثبتت قدمه بالقيروان وَاسْتمرّ أَمِيرا على البربر وَمن بَقِي بهَا من الْعَرَب خمس سِنِين
وقارن ذَلِك مهلك يزِيد بن مُعَاوِيَة وفتنة الضَّحَّاك بن قيس مَعَ مَرْوَان ابْن الحكم بمرج راهط من أَرض الشَّام وحروب آل الزبير فاضطرب أَمر الْخلَافَة بالمشرق واضطرم الْمغرب نَارا وفشت الرِّدَّة فِي زناتة والبرانس إِلَى أَن اسْتَقل عبد الْملك بن مَرْوَان بالخلافة وأذهب آثَار الْفِتْنَة من الْمشرق فَالْتَفت إِلَى الْمغرب وتلافى أمره على مَا نذكرهُ
стр. 86
ذكر من دخل الْمغرب من الصَّحَابَة مرتبَة أَسمَاؤُهُم على حُرُوف المعجم
فَمنهمْ بِلَال بن حَارِث بن عَاصِم الْمُزنِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن من أهل الْمَدِينَة أقطعه النَّبِي ﷺ العقيق وَكَانَ صَاحب لِوَاء مزينة يَوْم الْفَتْح ذكره صَاحب الْخُلَاصَة النقية فِيمَن دخل الْمغرب
وَمِنْهُم جرهد بن خويلد الْأَسدي أَو الْأَسْلَمِيّ ذكر صَاحب الْإِشْرَاق أَنه من جملَة من دخل إفريقية من أَرض الْمغرب
وَمِنْهُم جبلة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن أسيرة الْأنْصَارِيّ أَخُو أبي مَسْعُود البدري قَالَ فِي التَّجْرِيد شهد أحدا وَشهد فتح مصر وصفين مَعَ عَليّ وغزا إفريقية مَعَ مُعَاوِيَة بن حديج سنة خمسين وَكَانَ فَاضلا من فُقَهَاء الصَّحَابَة روى ابْن مَنْدَه وَمُحَمّد بن الرّبيع من طَرِيق مَالك بن أبي عمرَان عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَنه سُئِلَ عَن النَّفْل فِي الْغَزْو فَقَالَ لم أر أحدا يُعْطِيهِ غير أَن ابْن حديج نفلنا من إفريقية الثُّلُث بعد الْخمس ومعنا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين نَاس كثير فَأبى جبلة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا
وَمِنْهُم الحسنان ﵄ على مَا ذكره ابْن خلدون وهما سيدا شباب أهل الْجنَّة وريحانتا الرَّسُول ﷺ أشهر من أَن يعرف بهما
وَمِنْهُم الْحَارِث بن حبيب بن خُزَيْمَة الْقرشِي العامري ذكره خَليفَة بن خياط فِيمَن نزل مصر من الصَّحَابَة قَالَ وَقتل بإفريقية مَعَ معبد بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب
وَمِنْهُم حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ ذكره فِي الْإِشْرَاق
وَمِنْهُم حبَان بِالْكَسْرِ وموحده ابْن أبي جبلة قَالَ فِي الْإِصَابَة لَهُ إِدْرَاك قَالَ ابْن يُونُس بَعثه عمر بن الْخطاب إِلَى أهل مصر يفقههم وَذكره
стр. 87
ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين وَقَالَ غَيره مَاتَ بإفريقية
وَمِنْهُم خَالِد بن ثَابت الْعجْلَاني الفهمي قَالَ ابْن يُونُس شهد فتح مصر وَولي بَحر مصر سنة إِحْدَى وَخمسين وأغزاه مسلمة بن مخلد إفريقية سنة أَربع وَخمسين قَالَ فِي الْإِصَابَة ذكرته اعْتِمَادًا على أَنهم كَانُوا لَا يؤمرون فِي الْفتُوح إِلَّا الصَّحَابَة
وَمِنْهُم ربيعَة بن عباد الديلِي ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر من الصَّحَابَة لغزو الْمغرب قَالَ مَالك وَأَبوهُ بِكَسْر الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة على الصَّوَاب وَيُقَال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد ذكر خَليفَة وَابْن سعد أَنه مَاتَ فِي خلَافَة الْوَلِيد
وَمِنْهُم رويفع بن ثَابت بن السكن الْأنْصَارِيّ ثمَّ النجاري ولاه مُعَاوِيَة على طرابلس سنة سِتّ وَأَرْبَعين فغزا إفريقية قَالَ ابْن يُونُس توفّي ببرقة وَهُوَ أَمِير عَلَيْهَا من قبل مسلمة بن مخلد سنة سِتّ وَخمسين
وَمِنْهُم زُهَيْر بن قيس البلوي أَبُو شَدَّاد الْآتِي ذكره بعد قَالَ ابْن يُونُس يُقَال لَهُ صُحْبَة
وَمِنْهُم سُفْيَان بن وهب الْخَولَانِيّ أَبُو أَيمن لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة شهد حجَّة الْوَدَاع وَفتح مصر وإفريقية وَسكن الْمغرب مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين
وَمِنْهُم سلكان بن مَالك قَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر لغزو الْمغرب
وَمِنْهُم سَلمَة بن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر من الصَّحَابَة لغزو الْمغرب مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سبع وَسبعين وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة وَكَانَ شجاعا راميا سَابِقًا يسْبق الْفرس شدا على قَدَمَيْهِ
وَمِنْهُم العبادلة الْأَرْبَعَة ﵃
فَمنهمْ عبد الله بن عَبَّاس ترجمان الْقُرْآن أشهر من أَن يعرف بِهِ وَهُوَ الَّذِي قسم غَنَائِم إفريقية يَوْم الْفَتْح
стр. 88
وَمِنْهُم عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ من أَعْلَام الصَّحَابَة وعبادهم وزهادهم والمتمسكين بِالسنةِ مِنْهُم ﵁
وَمِنْهُم عبد الله بن الزبير بن الْعَوام الشجاع الْمَشْهُور والبطل الْمَذْكُور وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بعد الْهِجْرَة وَهُوَ قَاتل جرجير يَوْم الْفَتْح كَمَا مر
وَمِنْهُم عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب أحد أجواد الدُّنْيَا وأبطالها ذكر ابْن خلدون إِنَّه مِمَّن دخل إفريقية غازيا فَهَؤُلَاءِ العبادلة الْأَرْبَعَة
وَمِنْهُم عبد الله بن سعد بن ابي سرح الْأَمِير الْمَعْرُوف وَقد تقدم ذكره
وَمِنْهُم عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور أسلم قبل أَبِيه وَهُوَ أَكثر النَّاس حَدِيثا عَن رَسُول الله ﷺ وَالصَّوَاب أَن يَجْعَل أحد العبادلة بدل ابْن جَعْفَر وَالله أعلم قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ مَا كَانَ أحد أَكثر مني حَدِيثا عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ يكْتب وَلَا أكتب عده ابْن نَاجِي فِيمَن دخل الْمغرب مَعَ ابْن أبي سرح
وَمِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ولد على عهد النَّبِي ﷺ وَقتل بإفريقية
وَمِنْهُم عبيد الله بن عمر بن الْخطاب ذكره فِي الْخُلَاصَة النقية وَكَانَ صحابيا بالمولد قتل يَوْم صفّين مَعَ مُعَاوِيَة
وَمِنْهُم أَخُوهُ عَاصِم بن عمر وصحبته بالمولد ذكره صَاحب الْخُلَاصَة أَيْضا
وَمِنْهُم عبد الله بن نَافِع بن الْحصين وَجهه عُثْمَان ﵁ مَعَ ابْن أبي سرح لشدَّة بطشه وإصابة رَأْيه
وَمِنْهُم عقبَة بن نَافِع الفِهري الْأَمِير الْمَشْهُور فاتح الْمغرب الْأَقْصَى وَهُوَ صَاحب التَّرْجَمَة
стр. 89
وَمِنْهُم عُثْمَان بن عَوْف الْمُزنِيّ على خلاف فِيهِ
وَأما عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ فقد تقدم أَنه انْتهى إِلَى طرابلس وَلم يصل إِلَى إفريقية
وَمِنْهُم مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي ولد بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَلم تحصل لَهُ رِوَايَة لِأَنَّهُ خرج مَعَ أَبِيه إِلَى الطَّائِف فَأَقَامَ بِهِ ذكره صَاحب الْخُلَاصَة فِيمَن دخل الْمغرب
وَمِنْهُم مَسْعُود بن الْأسود البلوي وَقيل الْعَدوي قَالَ الذَّهَبِيّ بَايع تَحت الشَّجَرَة يعد فِي المصريين وغزا إفريقية
وَمِنْهُم الْمسور بن مخرمَة بن نَوْفَل الزُّهْرِيّ لَهُ ولأبيه صُحْبَة قَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع دخل مصر لغزو الْمغرب مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ
وَمِنْهُم الْمسيب بن حزن بن أبي وهب المَخْزُومِي وَالِد سعيد بن الْمسيب لَهُ ولأبيه صُحْبَة وَرِوَايَة ذكره الْوَاقِدِيّ فِيمَن دخل مصر لغزو الْمغرب
وَمِنْهُم الْمطلب بن أبي ودَاعَة الْقرشِي السَّهْمِي لَهُ ولأبيه صُحْبَة وهما من مسلمة الْفَتْح قَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع دخل مصر لغزو الْمغرب فِيمَا ذكره الْوَاقِدِيّ
وَمِنْهُم مُعَاوِيَة بن حديج السكونِي أحد الْأُمَرَاء وَقد تقدم ذكره
وَمِنْهُم معبد بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ابْن عَم النَّبِي ﷺ قَالَ الذَّهَبِيّ ولد على عهد النَّبِي ﷺ وَاسْتشْهدَ بإفريقية شَابًّا فِي زمن عُثْمَان ﵁ وَحكى المؤروخون أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أغزى سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان خُرَاسَان وَمَعَهُ قثم بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَعبر سعيد النَّهر إِلَى سَمَرْقَنْد فاستشهد قثم بهَا وَكَانَ أَخُوهُ الْفضل بن عَبَّاس قد مَاتَ بأجنادين من أَرض الشَّام وَعبد الله الترجمان مَاتَ بِالطَّائِف وَعبيد الله الْأَصْغَر مَاتَ بِالْيمن ومعبد بإفريقية فَقَالَ النَّاس لم ير مثل بني أم وَاحِدَة أبعد قبورا من بني الْعَبَّاس
стр. 90
وَمِنْهُم الْمِقْدَاد بن الْأسود الْكِنْدِيّ وَلَيْسَ الْأسود أبه وَإِنَّمَا تبناه الْأسود بعد عبد يَغُوث وَهُوَ صَغِير فَعرف بِهِ وَإِنَّمَا اسْم أَبِيه عَمْرو بن ثَعْلَبَة الْكِنْدِيّ كَانَ الْمِقْدَاد أحد السَّابِقين شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا وَلم يثبت أَن أحدا شهد بَدْرًا فَارِسًا سواهُ غزا إفريقية مَعَ ابْن أبي سرح فَلَمَّا رجعُوا إِلَى مصر قَالَ لَهُ ابْن أبي سرح فِي دَار بناها كَيفَ ترى فَقَالَ لَهُ الْمِقْدَاد إِن كَانَ من مَال الله فقد أفسدت وَإِن كَانَ من مَالك فقد أسرفت فَقَالَ ابْن أبي سرح لَوْلَا أَن يُقَال أفسدت مرَّتَيْنِ لهدمتها
وَمِنْهُم المنيذر الْأَسْلَمِيّ قَالَ ابْن يُونُس لَهُ صُحْبَة وَكَانَ بإفريقية وَقَالَ عبد الْملك بن حبيب لم يدْخل الأندلس من الصَّحَابَة إِلَّا المنيذر الإفْرِيقِي
وَأما المشتهرون بكنيتهم فَمنهمْ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور واسْمه خويلد بن خَالِد أسلم على عهد النَّبِي ﷺ وَلم يره وَقدم الْمَدِينَة يَوْم وَفَاته فَشهد السَّقِيفَة وبيعة أبي بكر وَالصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وَدَفنه قَالَ ابْن كثير توفّي غازيا بإفريقية فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁
قلت وَهلك لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد بِمصْر بالطاعون فَقَالَ قصيدته العينية يرثيهم وَهِي مَشْهُورَة
وَمِنْهُم أَبُو رمثة البلوي قيل اسْمه رِفَاعَة بن يثربي وَقيل بِالْعَكْسِ لَهُ صُحْبَة وَرِوَايَة قَالَ الذَّهَبِيّ سكن بِمصْر وَمَات بإفريقية
وَمِنْهُم أَبُو زَمعَة البلوي قَالَ الذَّهَبِيّ اسْمه عبد وَقيل عبيد بن أَرقم بَايع تَحت الشَّجَرَة وَنزل مصر وغزا إفريقية مَعَ ابْن حديج روى حَدِيث الَّذِي قتل تِسْعَة وَتِسْعين نفسا وَسَأَلَ هَل من تَوْبَة مَاتَ بإفريقية ودفنت مَعَه شَعرَات من شعر رَسُول الله ﷺ حَسْبَمَا هُوَ مَشْهُور وَهُوَ صَاحب الْمقَام خَارج القيروان
وَمِنْهُم أَبُو ضبيس البلوي قَالَ الذَّهَبِيّ لَهُ صُحْبَة وَقَالَ مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي دخل مصر لغزو الْمغرب
وَمِنْهُم أَبُو المبتذل خلف لَهُ صُحْبَة وَنزل إفريقية وَقيل أَبُو المنيذر كَذَا
стр. 91
فِي التَّجْرِيد وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يحضرنا ذكرهم
أخرج ابْن عبد الحكم عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ غزونا إفريقية مَعَ ابْن حديج ومعنا بشر كثير من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار اه ﵃ ونفعنا بهم وحشرنا فِي زمرتهم آمين
ذكر اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي أَرض الْمغرب هَل فتحت عنْوَة أَو صلحا أَو غير ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ ﵀ فِي شرح الْمُوَطَّأ فِي كتاب الْجِهَاد مِنْهُ اخْتلف النَّاس فِي أَرض الْمغرب هَل فتحت عنْوَة أَو صلحا أَو مختلطة اي الْبَعْض عنْوَة وَالْبَعْض صلحا على ثَلَاثَة اقوال الأول وَهُوَ الَّذِي يظْهر من روايتة ابْن الْقَاسِم عَن مَالك أَنَّهَا فتحت بِالسَّيْفِ عنْوَة لِأَنَّهُ جعل النّظر فِي معادنها للْإِمَام وَلَو صَحَّ ذَلِك لم يجز لأحد بيع شَيْء مِنْهَا كأرض مصر لِأَنَّهَا فتحت بِالسَّيْفِ الثَّانِي إِنَّهَا فتحت صلحا صَالح أَهلهَا عَلَيْهَا فَإِن كَانَ كَذَلِك جَازَ بيع بَعضهم من بعض الثَّالِث إِنَّهَا مختلطة هرب بَعضهم عَن بعض وتركوها فَمن بَقِي بِيَدِهِ شَيْء كَانَ لَهُ وَهُوَ الصَّحِيح وَالله أعلم
ويحكى أَن أحد عُمَّال الْمَنْصُور بن أبي عَامر صَاحب الأندلس حِين تغلب على أَرض فاس قَالَ لَهُم أخبروني عَن أَرْضكُم أصلح هِيَ أم عنْوَة فَقَالُوا لَهُ لَا جَوَاب لنا حَتَّى يَأْتِي الْفَقِيه يعنون الشَّيْخ أَبَا جَيِّدَة فجَاء الشَّيْخ الْمَذْكُور فَسَأَلَهُ الْعَامِل فَقَالَ لَيست بصلح وَلَا عنْوَة إِنَّمَا أسلم أَهلهَا عَلَيْهَا فَقَالَ خلصكم الرجل وَأَبُو جَيِّدَة هَذَا هُوَ دَفِين بَاب بني مُسَافر أحد أَبْوَاب فاس المحروسة رَحمَه الله
стр. 92
ولَايَة زُهَيْر بن قيس البلوي على الْمغرب ومقتل كسيلة وَمَا يتبع ذَلِك
لما اسْتَقل عبد الْملك بن مَرْوَان بالخلافة كَانَ زُهَيْر مُقيما ببرقة مُنْذُ مهلك عقبَة بن نَافِع كَمَا مر فَبعث إِلَيْهِ عبد الْملك بالمدد وولاه حَرْب البربر وَأمره بإستنقاذ القيروان وَمن بهَا من الْمُسلمين من يَد كسيلة المتغلب عَلَيْهَا وحضه على الطّلب بِدَم عقبَة فَرَاجعه زُهَيْر يُعلمهُ بِكَثْرَة الفرنج والبربر فأمده بِالْمَالِ ووجوه الْعَرَب وفرسانها فزحف زُهَيْر إِلَى الْمغرب سنة تسع وَسِتِّينَ فِي آلَاف من الْمُقَاتلَة وَجمع لَهُ كسيلة البرانس وَسَائِر البربر ولقيه بممس من نواحي القيروان وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ انْهَزَمت البربر بعد حروب صعبة وَقتل كسيلة ووجوه من مَعَه من البربر وَمن لَا يُحْصى من عامتهم واتبعهم الْعَرَب إِلَى مرماجنة ثمَّ إِلَى وَادي ملوية وَفِي هَذِه الْوَقْعَة ذل البربر وفنيت فرسانهم ورجالهم وخضدت شوكتهم واضمحل أَمر الفرنجة فَلم يعد وَخَافَ البربر من زُهَيْر وَالْعرب خوفًا شَدِيدا فلجؤوا إِلَى القلاع والحصون وَكسرت شَوْكَة أوربة من بَينهم وَاسْتقر جمهورهم بديار الْمغرب الْأَقْصَى وملكوا مَدِينَة وليلى وَكَانَت فِيمَا بَين مَوضِع فاس ومكناسة بِجَانِب جبل زرهون وَلم يكن لَهُم بعد هَذِه الْوَقْعَة ذكر إِلَى أَن قدم عَلَيْهِم إِدْرِيس بن عبد الله ﵁ فَقَامُوا بدعوته على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَأما زُهَيْر فَإِنَّهُ لما رأى مَا منحه الله من الظفر والنصر وسَاق إِلَيْهِ من الْعِزّ وَالْملك خشِي على نَفسه الْفِتْنَة وَكَانَ من الْعباد المخبتين فَترك القيروان آمن مَا كَانَت وارتحل إِلَى الْمشرق وَقَالَ إِنَّمَا جِئْت للْجِهَاد فِي سَبِيل الله وأخاف على نَفسِي أَن تميل إِلَى الدُّنْيَا فَلَمَّا وصل إِلَى برقة وجد
стр. 93
أسطول الرّوم على قتالها فِي جموع عَظِيمَة من قبل قَيْصر وبأيديهم أسرى من الْمُسلمين فاستغاثوا بِهِ وَهُوَ فِي خف من أَصْحَابه فصمد إِلَيْهِم فِيمَن مَعَه وَقَاتل الرّوم حَتَّى قتل وَقتل مَعَه جمَاعَة من أَشْرَاف أَصْحَابه وَنَجَا الْبَاقُونَ إِلَى دمشق فَأخْبرُوا الْخَلِيفَة عبدا لملك بِمَا وَقع فآسفه ذَلِك
ولَايَة حسان بن النُّعْمَان على الْمغرب وتخريبه قرطاجنة
لما رَحل زُهَيْر بن قيس إِلَى الْمشرق وَاسْتشْهدَ ببرقة كَمَا قدمنَا واضطرمت بِلَاد الْمغرب بعده واضطربت نَار الْفِتَن وافترق أَمر البربر وتعدد سلطانهم فِي رُؤَسَائِهِمْ وَكَانَ من أعظمهم هم شَوْكَة يَوْمئِذٍ الكاهنة داهيا الزناتية ثمَّ الجراوية صَاحِبَة جبل أوراس وكبيرة قَومهَا جراوة والبتر فَبعث عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى عَامله على مصر حسان بن النُّعْمَان الغساني وَكَانَ يُقَال لَهُ الشَّيْخ الْأمين يَأْمُرهُ أَن يخرج إِلَى جِهَاد البربر وَبعث إِلَيْهِ بالمدد فزحف إِلَيْهِم سنة تسع وَسِتِّينَ فِي أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل وَلما دخل القيروان سَأَلَ الأفارقة عَن أعظم مُلُوكهمْ فَقَالُوا صَاحب قرطاجنة وَهِي الْمَدِينَة الْعُظْمَى قريعة رومة وضرتها وَإِحْدَى عجائب الدُّنْيَا وَكَانَ با يَوْمئِذٍ من جموع الفرنج أُمَم لَا تحصى فصمد إِلَيْهَا حسان وافتتحها وَقتل أَكثر من بهَا وَنَجَا فَلهم فِي المراكب إِلَى صقلية والأندلس وَلما انْصَرف حسان عَنْهَا دَخلهَا أَقوام من أهل الضواحي والبادية وتحصنوا بهَا فَرجع إِلَيْهِم وَقَاتلهمْ أَشد قتال فافتتحها عنْوَة وَأمر بتخريبها وإعفاء رسمها وَكسر قنواتها فَذَهَبت كأمس الدابر وَلم يبْق بهَا الْآن إِلَّا آثَار خَفِيفَة تدل على مَا كَانَ بهَا من عَجِيب الصَّنْعَة وإحكام الْعَمَل وبأنقاضها عمرت مَدِينَة تونس كَمَا فِي الْقَامُوس
ثمَّ بلغ حسان أَن البربر والفرنج قد عسكروا فِي جموع عَظِيمَة بِبِلَاد صطفورة وبنزرت فصمد إِلَيْهِم وَهَزَمَهُمْ وشرد بهم من خَلفهم وانحاز فَلهم إِلَى باجة وبونة وَرجع حسان إِلَى القيروان فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ سَأَلَ عَن بَقِيَّة الْمُلُوك الْمُخَالفَة فدلوه على الكاهنة داهيا وقومها جراوة وهم ولد جراو بن
стр. 94
الديديت بن زانا وزانا هُوَ أَبُو زناتة وَكَانَ لهَذِهِ الكاهنة بنُون ثَلَاثَة ورثوا رياسة قَومهمْ عَن سلفهم وربوا فِي حجرها فاستبدت عَلَيْهِم واعتزت على قَومهَا بهم وَبِمَا كَانَ لَهَا من الكهانة والمعرفة بِغَيْب أَحْوَالهم وعواقب أُمُورهم فانتهت إِلَيْهَا رياستهم ووقفوا عِنْد إشارتها قَالَ هانىء بن بكور الضريسي ملكت عَلَيْهِم خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة وَعَاشَتْ مائَة وَسبعا وَعشْرين سنة وَكَانَ قتل عقبَة بن نَافِع وَأَصْحَابه فِي الْبَسِيط قبْلَة جبل أوراس بإغرائها برابرة الزاب عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُسلمُونَ يعْرفُونَ ذَلِك مِنْهَا فَلَمَّا قتل كسيلة وانفضت جموع البربر رجعُوا إِلَى هَذِه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس وَقد انْضَمَّ إِلَيْهَا بَنو يفرن وَمن كَانَ بإفريقية من قبائل زناتة وَسَائِر البتر فَسَار إِلَيْهَا حسان حَتَّى نزل وَادي مليانة وزحفت هِيَ إِلَيْهِ فَاقْتَتلُوا بالبسيط أَمَام جبلها قتالا شَدِيدا ثمَّ انهزم الْمُسلمُونَ وَقتل مِنْهُم خلق كثير وَأسر خَالِد بن يزِيد الْقَيْسِي فِي ثَمَانِينَ رجلا من وُجُوه الْعَرَب وَلم تزل الكاهنة والبربر فِي إتباع حسان وَالْعرب حَتَّى أخرجوهم من عمل قابس وَلحق حسان بِعَمَل طرابلس فَلَقِيَهُ هُنَاكَ كتاب عبد الْملك يَأْمُرهُ بالْمقَام حَيْثُ يصله كِتَابه فَأَقَامَ ببرقة وَبنى قصوره الْمَعْرُوفَة لهَذَا الْعَهْد بقصور حسان ثمَّ رجعت الكاهنة إِلَى مَكَانهَا من الْجَبَل وأطلقت أسرى الْمُسلمين سوى خَالِد فَإِنَّهَا اتَّخذت عِنْده عهدا بإرضاعه مَعَ ولديها وصيرته أَخا لَهما وأقامت فِي سُلْطَان إفريقية والبربر خمس سِنِين بعد هزيمَة حسان ونفت الْعَرَب عَن بِلَاد الْمغرب وَقَالَت لقومها إِنَّمَا تطلب الْعَرَب من الْمغرب مدنه وَمَا فِيهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَنحن إِنَّمَا نُرِيد الْمزَارِع والمراعي فَالرَّأْي أَن نخرب هَذِه المدن والحصون ونقطع أطماع الْعَرَب عَنْهَا
قَالَ ابْن خلدون وَكَانَت المدن والضياع من طرابلس إِلَى طنجة ظلا وَاحِدًا فِي قرى مُتَّصِلَة فخربت الكاهنة ديار الْمغرب وعضدت أشجاره ومحت جماله وجاست بِالْفَسَادِ خلاله فشق ذَلِك على البربر واستأمنوا إِلَى حسان وَكَانَ عبد الْملك قد بعث إِلَيْهِ بالمدد فَأَمنَهُمْ وَوجد السَّبِيل إِلَى تَفْرِيق أمرهَا ثمَّ دس إِلَى خَالِد بن يزِيد يستعلمه أمرهَا فأطلعه على كنه خَبَرهَا واستحثه
стр. 95
فزحف إِلَى الْمغرب سنة أَربع وَسبعين وبرزت إِلَيْهِ فأوقع بهَا وبجموعها وقتلها واحتز رَأسهَا عِنْد الْبِئْر الْمَعْرُوفَة بهَا لهَذَا الْعَهْد من جبل أوراس ثمَّ اقتحم الْجَبَل عنْوَة واستلحم فِيهِ زهاء مائَة ألف من البربر وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ باقيهم على الْإِسْلَام وَالطَّاعَة وَشرط عَلَيْهِم حسان أَن يكون مَعَه مِنْهُم اثْنَا عشر ألفا لَا يفارقونه فِي مَوَاطِن جهاده فَأَجَابُوا وَأَسْلمُوا وَحسن إسْلَامهمْ وَعقد للأكبر من وَلَدي الكاهنة على قومه من جراوة وعَلى جبل أوراس فَقَالُوا قد لزمتنا لَهُ الطَّاعَة وسبقنا إِلَيْهَا وبايعناه عَلَيْهَا وَكَانَ ذَلِك بِإِشَارَة من الكاهنة لإثارة من علم كَانَت لَدَيْهَا بذلك من شياطينها
وَانْصَرف حسان إِلَى القيروان مؤيدا منصورا وَثَبت ملكه واستقام أمره فدون الدَّوَاوِين وَكتب الْخراج على عجم إفريقية وَمن أَقَامَ مَعَهم على النَّصْرَانِيَّة من البربر ثمَّ أوعز إِلَيْهِ الْخَلِيفَة عبد الْملك باتخاذ دَار الصِّنَاعَة بتونس لإنشاء الْآلَات البحرية حرصا على مراسم الْجِهَاد وَمِنْهَا كَانَ فتح صقلية أَيَّام زِيَادَة الله الأول من بني الْأَغْلَب على يَد أَسد بن الْفُرَات شيخ الْفتيا وَصَاحب الإِمَام ابْن الْقَاسِم بعد أَن كَانَ مُعَاوِيَة بن حديج أغزى صقلية أَيَّام ولَايَته على الْمغرب فَلم يفتح الله عَلَيْهِ وَفتحت على يَد ابْن الْأَغْلَب وقائده ابْن الْفُرَات كَمَا قُلْنَا وَاسْتمرّ حسان واليا على الْمغرب إِلَى أَن عَزله عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان صَاحب مصر وَكَانَ أَمر الْمغرب إِذْ ذَاك إِلَيْهِ فاستخلف حسان على الْمغرب رجلا من جنده اسْمه صَالح وارتحل إِلَى الْمشرق بِمَا جمعه من ذريع المَال ورائع السَّبي ونفيس الذَّخِيرَة فَلَمَّا انْتهى إِلَى مصر أهْدى إِلَى عبد الله مِائَتي جَارِيَة من بَنَات مُلُوك الفرنج والبربر فَلم يقنعه ذَلِك وانتزع كثيرا مِمَّا بِيَدِهِ وَلما قدم على الْخَلِيفَة بِدِمَشْق وَهُوَ يَوْمئِذٍ الْوَلِيد بن عبد الْملك شكا إِلَيْهِ مَا صنع بِهِ عَمه عبد الْعَزِيز فَغَاظَهُ ذَلِك وَأنْكرهُ ثمَّ أهْدى إِلَيْهِ حسان من غَرِيب النفائس الَّتِي أخفاها عَن عبد الله مَا استعظمه الْوَلِيد وشكره عَلَيْهِ ووعده برده إِلَى عمله فَحلف حسان أَن لَا يَلِي لبني أُميَّة عملا أبدا
وَذكر الْبكْرِيّ أَن حسان بن النُّعْمَان هَذَا هُوَ فاتح تونس وَقَالَ غَيره بل
стр. 96
فاتحها زُهَيْر بن قيس البلوي وَلم تتوفر الدَّوَاعِي على تَحْقِيق ذَلِك لِأَنَّهَا لم تكن يَوْمئِذٍ قَاعِدَة ملك وَإِنَّمَا عظم أمرهَا فِي دولة الحفصيين فَمن بعدهمْ وَالله تَعَالَى أعلم
ولَايَة مُوسَى بن نصير على الْمغرب وفتحه الأندلس
لما أرتحل حسان بن النُّعْمَان إِلَى الْمشرق اخْتلفت أَيدي البربر فِيمَا بَينهم على إفريقية وَالْمغْرب فكثرت الْفِتَن وخلت أَكثر الْبِلَاد حَتَّى قدم مُوسَى بن نصير فتلافى أمرهَا وَلم شعثها
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحميدِي فِي جذوة المقتبس ولي مُوسَى بن نصير إفريقية وَالْمغْرب سنة سبع وَسبعين وَقَالَ غَيره سنة سبع وَثَمَانِينَ
وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ مُوسَى بن نصير من التَّابِعين وَرُوِيَ عَن تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ وَكَانَ عَاقِلا كَرِيمًا شجاعا ورعا متقيا لله تَعَالَى لم يهْزم لَهُ جَيش قطّ وَلما قدم الْمغرب وجد أَكثر مدنه خَالِيَة لاخْتِلَاف أَيدي البربر عَلَيْهَا وَكَانَت الْبِلَاد فِي قحط شَدِيد فَأمر النَّاس بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَإِصْلَاح ذَات الْبَين وَخرج بهم إِلَى الصَّحرَاء وَمَعَهُ سَائِر الْحَيَوَانَات فَفرق بَينهَا وَبَين أَوْلَادهَا فَوَقع الْبكاء والصراخ وَأقَام على ذَلِك إِلَى منتصف النَّهَار ثمَّ صلى وخطب النَّاس وَلم يذكر الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقيل لَهُ أَلا تَدْعُو لأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ هَذَا مقَام لَا يدعى فِيهِ غير الله فسقوا حَتَّى رووا
стр. 97
وَقَالَ ابْن خلدون كتب الْخَلِيفَة الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى عَمه عبد الله بن مَرْوَان وَهُوَ على مصر وَيُقَال عبد الْعَزِيز أَن يبْعَث بمُوسَى بن نصير إِلَى إفريقية وَكَانَ أَبوهُ نصير من حرس مُعَاوِيَة فَبَعثه عبد الله فَقدم القيروان وَبهَا صَالح خَليفَة حسان فَعَزله وَرَأى أَن البربر قد طمعت فِي الْبِلَاد فَوجه الْبعُوث فِي النواحي وَبعث ابْنه عبد الله فِي الْبَحْر إِلَى جَزِيرَة ميورقة فغنم وسبى وَعَاد ثمَّ بَعثه إِلَى نَاحيَة أُخْرَى وَبعث ابْنه مَرْوَان كَذَلِك وَتوجه هُوَ إِلَى نَاحيَة فغنموا وَسبوا وعادوا وَبلغ الْخمس من الْمغنم سبعين ألف رَأس من السَّبي
قَالَ أَبُو شُعَيْب الصَّدَفِي لم يسمع فِي الْإِسْلَام بِمثل سَبَايَا مُوسَى بن نصير وَنقل الْكَاتِب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْقَرَوِي الْمَعْرُوف بِابْن الرفيق أَن مُوسَى بن نصير لما فتح سقوما كتب إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك أَنه صَار لَك من سبي سقوما مائَة ألف رَأس فَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد وَيحك إِنِّي أظنها من بعض كذباتك فَإِن كنت صَادِقا فَهَذَا محشر الْأمة
ثمَّ خرج مُوسَى غازيا أَيْضا وتتبع البربر وَقتل فيهم قتلا ذريعا وسبى سبيا عَظِيما وتوغل فِي جِهَات الْمغرب حَتَّى انْتهى إِلَى السوس الْأَدْنَى ثمَّ تقدم إِلَى سبتة فصانعه صَاحبهَا يليان الغماري بالهدايا وأذعن للجزية وَكَانَ نَصْرَانِيّا فأقره عَلَيْهَا واسترهن ابْنه وَأَبْنَاء قومه على على الطَّاعَة فَلَمَّا رأى بَقِيَّة البربر مَا نزل بهم استأمنوا لمُوسَى وبذلوا لَهُ الطَّاعَة فَقبل مِنْهُم وَولى عَلَيْهِم
وَقَالَ ابْن خلدون أَيْضا غزا مُوسَى بن نصير طنجة وافتتح درعة وصحراء تافيلالت وَأرْسل ابْنه إِلَى السوس فأذعن البربر لسلطانه وَأخذ رهائن المصامدة فأنزلهم بطنجة وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَولى عَلَيْهَا طَارق بن زِيَاد اللَّيْثِيّ قَالَ وَأنزل مَعَه سَبْعَة وَعشْرين ألفا من الْعَرَب واثني عشر ألفا من البربر وَأمرهمْ ان يعلمُوا البربر الْقُرْآن وَالْفِقْه قَالَ ثمَّ أسلم بَقِيَّة البربرعلى يَد إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر سنة إِحْدَى وَمِائَة أَيَّام عبد الْعَزِيز ﵁ اه
стр. 98
وَلما اسْتَقَرَّتْ الْقَوَاعِد لمُوسَى بالمغرب كتب إِلَى طَارق وَهُوَ بطنجة يَأْمُرهُ بغزو الأندلس فَغَزَاهَا فِي اثْنَي عشر ألفا من البربر وَخلق يسير من الْعَرَب وَعبر الْبَحْر من سبتة إِلَى الجزيرة الخضراء وَصعد الْجَبَل الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمَعْرُوف الْيَوْم بجبل طَارق يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس خلون من رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَذكر عَن طَارق أَنه كَانَ نَائِما وَقت العبور فِي الْمركب فَرَأى النَّبِي ﷺ وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة يَمْشُونَ على المَاء حَتَّى مروا بِهِ فبشره النَّبِي ﷺ بِالْفَتْح وَأمره بالرفق بِالْمُسْلِمين وَالْوَفَاء بالعهد ذكر ذَلِك ابْن بشكوال
وَقَالَ ابْن خلدون فِي أَخْبَار الأندلس إِن أمة القوط ملكوا جَزِيرَة الأندلس نَحْو أَرْبَعمِائَة سنة إِلَى أَن جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وَالْفَتْح وَكَانَ ملكهم لذَلِك الْعَهْد يُسمى لذريق وَهُوَ سمة مُلُوكهمْ كجرجير سمة مُلُوك صقلية وَكَانَت لَهُم خطْوَة وَرَاء الْبَحْر فِي هَذِه العدوة الجنوبية خطوها من زقاق الْبَحْر إِلَى بِلَاد البربر واستعبدوهم وَكَانَ ملك البربر بذلك الْقطر الَّذِي هُوَ الْيَوْم جبال غمارة يُسمى يليان وَكَانَ يدين بطاعتهم وبملتهم ومُوسَى بن نصير أَمِير الْعَرَب إِذْ ذَاك عَامل بإفريقية من قبل الْوَلِيد بن عبد الْملك ومنزله بالقيروان وَكَانَ قد أغزا لذَلِك الْعَهْد عَسَاكِر الْمُسلمين بِلَاد الْمغرب الْأَقْصَى ودوخ أقطاره وأوغل فِي جبال طنجة حَتَّى وصل إِلَى خليج الزقاق واستنزل يليان لطاعة الْإِسْلَام وَخلف مَوْلَاهُ طَارق بن زِيَاد واليا بطنجة وَكَانَ يليان ينقم على لذريق ملك القوط بالأندلس فعلة فعلهَا زَعَمُوا بابنته الناشئة فِي دَاره على عَادَتهم فِي بَنَات بطارقتهم فَغَضب لذَلِك وَأَجَازَ إِلَى لذريق فَأخذ ابْنَته مِنْهُ
стр. 99
شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وفراره ثَانِيَة إِلَى البربر
لما كَانَ شهر ربيع الأول من سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وهموا بخلعه والإيقاع بِهِ فنذرت بذلك أمه الْحرَّة خناثى بنت بكار ففرت من مكناسة إِلَى فاس الْجَدِيد وَمن الْغَد تبعها ابْنهَا السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَنزل بِرَأْس المَاء فَخرج إِلَيْهِ الودايا وَأهل فاس وأجلوا مقدمه واهتزوا لَهُ فاستعطفهم السُّلْطَان وَقَالَ لَهُم أَنْتُم جيشي وعدتي ويميني وشمالي وَأُرِيد مِنْكُم أَن تَكُونُوا معي على كلمة وَاحِدَة وعاهدهم وَعَاهَدُوهُ وَرَجَعُوا وَفِي أثْنَاء ذَلِك بلغه أَن أَحْمد بن عَليّ الريفي قد كَاتب عبيد مشرع الرملة وكاتبوه وَاتفقَ مَعَهم على خلع السُّلْطَان الْمولى عبد الله وبيعة أَخِيه الْمولى زين العابدين وَكَانَ يَوْمئِذٍ عِنْده بطنجة وَأَنَّهُمْ وافقوه فَوَجَمَ لَهَا السُّلْطَان الْمولى عبد الله ثمَّ استعجل أَمر الْمولى زين العابدين ففر الْمولى عبد الله إِلَى بِلَاد البربر كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ زين العابدين بن إِسْمَاعِيل ﵀
كَانَ ابْتِدَاء أَمر السُّلْطَان الْمولى زين العابدين أَنه قدم مكناسة فِي أَيَّام أَخِيه الْمولى المستضيء فَلَمَّا سمع بِهِ أَمر بسجنه قبل أَن يجْتَمع بِهِ فسجن مُدَّة ثمَّ أَمر يَوْمًا بِإِخْرَاجِهِ وضربه فَضرب وَهُوَ فِي قَيده ضربا وجيعا أشرف مِنْهُ على الْمَوْت كَمَا مر وَمَعَ ذَلِك فَلم ينْطق بِكَلِمَة ثمَّ رده إِلَى السجْن ثمَّ أَمر ببعثه مُقَيّدا إِلَى سجلماسة كي يسجن بهَا مَعَ بعض الْأَشْرَاف المسجونين هُنَالك فَلَمَّا سمع بذلك قواد رؤوسهم من العبيد بعثوا من رده من صفرو إِلَى فاس وَمن هُنَالك بعثوا بِهِ إِلَى الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الكعيدي ببني يازغة وأمروه أَن يحْتَفظ بِهِ مكرما مبجلا
стр. 100
ألفا فَالْتَقوا بفحص شريش فَهَزَمَهُ الله ونفلهم أَمْوَال أهل الْكفْر ورقابهم وَكتب طَارق إِلَى مُوسَى بِالْفَتْح والغنائم فحركته الْغيرَة وَكتب إِلَى طَارق يتوعده إِن توغل بِغَيْر إِذْنه ويأمره أَن لَا يتَجَاوَز مَكَانَهُ حَتَّى يلْحق بِهِ واستخلف على القيروان وَلَده عبد الله وَخرج مَعَه حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري ونهض من القيروان سنة ثَلَاث وَتِسْعين فِي عَسْكَر ضخم من وُجُوه الْعَرَب والموالي وعرفاء البربر فَوَافى خليج الزقاق مَا بَين طنجة والجزيرة الخضراء فَأجَاز إِلَى الأندلس وتلقاه طَارق فانقاد وَاتبع وَيُقَال إِن مُوسَى لما سَار إِلَى الأندلس عبر الْبَحْر إِلَيْهَا من نَاحيَة الْجَبَل الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمَعْرُوف الْيَوْم بجبل مُوسَى وتنكب النُّزُول على جبل طَارق وتمم الْفَتْح وتوغل فِي الأندلس إِلَى برشلونة فِي جِهَة الشرق وأربونة فِي الْجوف وَضم قادس فِي الغرب ودوخ أقطارها وَجمع غنائمها وَأجْمع أَن يَأْتِي الْمشرق من نَاحيَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة ويتجاوز إِلَى الشَّام دروب الأندلس ودروبه ويخوض إِلَيْهِ مَا بَينهمَا من بِلَاد الْأَعَاجِم وأمم النَّصْرَانِيَّة مُجَاهدًا فيهم ومستلحما لَهُم إِلَى أَن يلْحق بدار الْخلَافَة من دمشق ونمى الْخَبَر إِلَى الْخَلِيفَة الْوَلِيد فَاشْتَدَّ قلقه بمَكَان الْمُسلمين من دَار الْحَرْب وَرَأى أَن مَا هم بِهِ مُوسَى تغرير بِالْمُسْلِمين فَبعث إِلَيْهِ بالتوبيخ والانصراف وَأسر إِلَى سفيره أَن يرجع بِالْمُسْلِمين إِن لم يرجع هُوَ وَكتب لَهُ بذلك عَهده ففت ذَلِك فِي عزم مُوسَى وقفل عَن الأندلس بعد أَن أنزل الرابطة والحامية بثغورها وَاسْتعْمل ابْنه عبد الْعَزِيز لسدها وَجِهَاد غدوها وأنزله بقرطبة فاتخذها دَار إِمَارَة واحتل مُوسَى بالقيروان سنة خمس وَتِسْعين وارتحل إِلَى الْمشرق سنة سِتّ بعْدهَا بِمَا كَانَ مَعَه من الْغَنَائِم والذخائر وَالْأَمْوَال على الْعجل وَالظّهْر يُقَال إِن من جُمْلَتهَا ثَلَاثِينَ ألف رَأس من السَّبي وَولى على إفريقية ابْنه عبد الله واندرجت ولَايَة الأندلس يَوْمئِذٍ فِي ولَايَة الْمغرب فَكَانَ صَاحب القيروان نَاظرا فِي الْجَمِيع وَقدم مُوسَى على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَقد ولي الْخلَافَة بعد الْوَلِيد فسخطه ونكبه وثارت عَسَاكِر الأندلس بِابْنِهِ عبد الْعَزِيز
стр. 101
فَقَتَلُوهُ لِسنتَيْنِ من ولَايَته بإغراء الْخَلِيفَة سُلَيْمَان وَكَانَ خيرا فَاضلا وافتتح فِي ولَايَته مَدَائِن كَثِيرَة وَكَانَ الَّذِي تولى قَتله حبيب بن أبي عُبَيْدَة الفِهري وَكَانَ سَبَب غضب سُلَيْمَان على مُوسَى أَنه لما توجه إِلَى الْمشرق وانْتهى إِلَى مصر وصل أَشْرَافهَا وفقهاءها وبلغة الْخَبَر بِمَرَض الْوَلِيد ووافاه كِتَابه يستحثه على الْقدوم ووافاه كتاب آخر من أَخِيه سُلَيْمَان يثبطه فأسرع مُوسَى اللحاق بالوليد فَقدم عَلَيْهِ قبل وَفَاته بِثَلَاثَة أَيَّام وَدفع إِلَيْهِ مَا مَعَه من الذَّخَائِر وَالْأَمْوَال فغاظ ذَلِك سُلَيْمَان وأساء مكافأته حِين أفْضى الْأَمر إِلَيْهِ فنكبه ونكب آل بَيته أجمع وَكَانَت وَفَاة مُوسَى ﵀ بِالْمَدِينَةِ المنورة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَقيل غير ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن أبي زيد القيرواني ارْتَدَّت البربر اثْنَتَيْ عشرَة مرّة من طرابلس إِلَى طنجة وَلم يسْتَقرّ إسْلَامهمْ حَتَّى عبر مُوسَى بن نصير الْبَحْر إِلَى الأندلس وَأَجَازَ مَعَه كثيرا من رجالات البربر برسم الْجِهَاد فاستقروا هُنَالك فَحِينَئِذٍ اسْتَقر الْإِسْلَام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه وتناسوا الرِّدَّة ثمَّ نبضت فيهم عروق الخارجية بعد على مَا نذكرهُ
ولَايَة مُحَمَّد بن يزِيد على الْمغرب
لما ارتحل مُوسَى بن نصير إِلَى الْمشرق ونكبه الْخَلِيفَة سُلَيْمَان كَمَا قُلْنَا عزل ابْنه عبد الله عَن الْمغرب وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن يزِيد مولى قُرَيْش وَيُقَال مولى الْأَنْصَار فَقدم القيروان سنة سبع وَتِسْعين وَكَانَ سُلَيْمَان قد أمره باستئصال آل مُوسَى بن نصير واصطلام نعمتهم فَأتى على ذَلِك ثمَّ لما قتل أهل الأندلس أَمِيرهمْ عبد الْعَزِيز بن مُوسَى ولوا عَلَيْهِم أَيُّوب بن حبيب اللَّخْمِيّ وَهُوَ ابْن أُخْت مُوسَى فَوجه مُحَمَّد بن يزِيد الْحر بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الثَّقَفِيّ واليا من قبله على الأندلس فَقَدمهَا وَاسْتقر أَمِيرا بهَا سنتَيْن وَثَمَانِية أشهر قَالُوا وَكَانَ مُحَمَّد بن يزِيد هَذَا عادلا حسن السِّيرَة قَاتل الْمُخَالفين بثغور الْمغرب وغنم وسبى وَلم يزل واليا عَلَيْهِ حَتَّى
стр. 102
مَاتَ سُلَيْمَان فَكَانَت ولَايَته سنتَيْن وأشهرا وَالله أعلم
ولَايَة إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر على الْمغرب
لما توفّي سُلَيْمَان بن عبد الْملك ﵀ وَولي الْخلَافَة بعده عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ اسْتعْمل على الْمغرب إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر مولى بني مَخْزُوم فَقدم القيروان سنة مائَة وَكَانَ خير أَمِير وَخير وَال وَلم يزل حَرِيصًا على دُعَاء البربر إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى تمّ إسْلَامهمْ على يَده وَبث فيهم من فقههم فِي دينهم
وَذكر أَبُو الْعَرَب مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمِيم فِي تَارِيخ إفريقية أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أرسل عشرَة من التَّابِعين يفقهُونَ أهل الْمغرب فِي الدّين مِنْهُم حبَان بن أبي جبلة
وَلما توفّي عمر بن عبد الْعَزِيز سنة إِحْدَى وَمِائَة وبويع يزِيد بن عبد الْملك وَجه يزِيد بن أبي مُسلم الثَّقَفِيّ واليا على الْمغرب على مَا نذكرهُ
стр. 103
ولَايَة يزِيد بن أبي مُسلم على الْمغرب
هُوَ يزِيد بن أبي مُسلم دِينَار مولى الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ الظَّالِم الْمَشْهُور وَكَانَ يزِيد هَذَا كَاتبه وَصَاحب شرطته قَالَ ابْن خلكان كَانَت فِيهِ كِفَايَة ونهضة قدمه الْحجَّاج بسببهما
وَكَانَ من خَبره أَن الْحجَّاج لما حَضرته الْوَفَاة اسْتخْلف يزِيد هَذَا على خراج الْعرَاق فأقره الْوَلِيد بن عبد الْملك واغتبط بِهِ وَقَالَ مَا مثلي وَمثل الْحجَّاج وَابْن أبي مُسلم بعده إِلَّا كَرجل ضَاعَ مِنْهُ دِرْهَم فَوجدَ دِينَارا
وَلما مَاتَ الْوَلِيد وَولي بعده أَخُوهُ سُلَيْمَان عزل ابْن أبي مُسلم وَأمر بِهِ فأحضر بَين يَدَيْهِ فِي جَامِعَة وَكَانَ رجلا قَصِيرا دميما قَبِيح الْوَجْه عَظِيم الْبَطن تحتقره الْعين فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ سُلَيْمَان قَالَ أَنْت يزِيد بن أبي مُسلم قَالَ نعم اصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لعن الله من أشركك فِي أَمَانَته وحكمك فِي دينه قَالَ لَا تفعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإنَّك رايتني وَالْأَمر عني مُدبر وَلَو رَأَيْتنِي وَالْأَمر عَليّ مقبل لاستعظمت مَا استصغرت ولاستجللت مَا احتقرت فَقَالَ سُلَيْمَان قَاتله الله فَمَا أربط جاشه وأعضب لِسَانه ودارت بَينه وَبَين سُلَيْمَان محاورات غير هَذِه ثمَّ كشف عَنهُ فَلم يجد عَلَيْهِ خِيَانَة فهم باستكتابه فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز أنْشدك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا تحيي ذكر الْحجَّاج باستكتاب كَاتبه فَقَالَ إِنِّي كشفت عَنهُ فَلم أجد عَلَيْهِ خِيَانَة يَا أَبَا حَفْص فَقَالَ عمر أَنا أوجدك من هُوَ أعف عَن الدِّينَار وَالدِّرْهَم مِنْهُ فَقَالَ سُلَيْمَان من هُوَ قَالَ إِبْلِيس مَا مس دِينَارا وَلَا درهما قطّ وَقد أهلك هَذَا الْخلق فَتَركه سُلَيْمَان
وَحدث جوَيْرِية بن أَسمَاء أَن عمر بن عبد الْعَزِيز لما ولي الْخلَافَة بلغه أَن يزِيد بن أبي مُسلم خرج فِي جَيش من جيوش الْمُسلمين فَكتب إِلَى عَامل الْجَيْش برده وَقَالَ إِنِّي لأكْره أَن أستنصر بِجَيْش هُوَ فيهم فَلَمَّا توفّي عمر ﵁ وأفضت الْخلَافَة إِلَى يزِيد بن عبد الْملك عزل
стр. 104
إِسْمَاعِيل بن عبيد الله عَن الْمغرب وَولى مَكَانَهُ يزِيد بن أبي مُسلم فأساء السِّيرَة قَالُوا وَوجه عَنْبَسَة بن سحيم الْكَلْبِيّ واليا من قبله على الأندلس فاستقام على يَده أمرهَا ثمَّ ثار أهل الْمغرب بِابْن أبي مُسلم فَقَتَلُوهُ سنة ثِنْتَيْنِ وَمِائَة لشهر من ولَايَته
قَالَ الطَّبَرِيّ وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه كَانَ قد عزم أَن يسير فِي أهل الْمغرب بسيرة الْحجَّاج فِي أهل الْعرَاق فَإِن الْحجَّاج كَانَ وضع الْجِزْيَة على رِقَاب الَّذين أَسْلمُوا من أهل السوَاد وَأمر بردهمْ إِلَى قراهم ورساتيقهم على الْحَالة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قبل الْإِسْلَام فَلَمَّا عزم يزِيد على ذَلِك تآمر البربر فِيهِ وَأَجْمعُوا على قَتله فَقَتَلُوهُ وولوا عَلَيْهِم مُحَمَّد بن يزِيد الَّذِي كَانَ قبله فِيمَا ذكره الطَّبَرِيّ وَكَانَ غازيا بصقلية فَلَمَّا قدم بمغانمه ولوه أَمرهم
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر ولوا بعده إِسْمَاعِيل بن عبيد الله وَالله أعلم
ثمَّ كتب أهل الْمغرب إِلَى الْخَلِيفَة يزِيد إِنَّا لم نخلع يدا من طَاعَة وَلَكِن يزِيد بن أبي مُسلم سامنا مَا لَا يرضى بِهِ الله وَرَسُوله فقتلناه وأعدنا عاملك فَكتب إِلَيْهِم يزِيد إِنِّي لم أَرض مَا صنع ابْن أبي مُسلم وَأقر مُحَمَّد بن يزِيد على الْمغرب وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة كَمَا قُلْنَا
وَحدث الوضاح بن أبي خَيْثَمَة وَكَانَ حَاجِب عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ أَمرنِي عمر بن الْعَزِيز يَعْنِي فِي مرض مَوته بِإِخْرَاج قوم من السجْن وَفِيهِمْ يزِيد بن أبي مُسلم فأخرجتهم وَتركته فحقد عَليّ فَلَمَّا مَاتَ عمر هربت إِلَى أفريقية خوفًا مِنْهُ قَالَ فَبينا أَنا بإفريقية إِذْ قيل قدم ابْن ابي مُسلم واليا فاختفيت فَأعْلم بمكاني وَأمر بِي فَحملت إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ طالما سَأَلت الله أَن يمكنني مِنْك فَقلت وَأَنا وَالله لطالما سَأَلت الله أَن يعيذني مِنْك فَقَالَ مَا أَعَاذَك الله وَالله لأَقْتُلَنك وَلَو سابقني فِيك ملك الْمَوْت لسبقته ثمَّ دَعَا بِالسَّيْفِ والنطع فَأتي بهما وَأمر بالوضاح فأقيم عَلَيْهِ مكتوفا وَقَامَ السياف وَرَاءه ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَتقدم يزِيد إِلَيْهَا فَلَمَّا سجد أَخَذته السيوف وَدخل على الوضاح من قطع كِتَافِهِ وَأطْلقهُ فسبحان اللَّطِيف الْخَبِير
стр. 105
ولَايَة بشر بن صَفْوَان على الْمغرب
لما كتب أهل الْمغرب إِلَى الْخَلِيفَة يزِيد بن عبد الْملك بِمَا كَانَ مِنْهُم إِلَى ابْن أبي مُسلم وَمَا اعتذروا بِهِ فِي شَأْنه أقرّ عَلَيْهِم مُحَمَّد بن يزِيد أَو إِسْمَاعِيل بن عبيد الله على الْخلاف الْمُتَقَدّم مَا شَاءَ الله ثمَّ ولى عَلَيْهِم بشر بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ وَكَانَ واليا على مصر فَقدم القيروان سنة ثَلَاث وَمِائَة فمهد الْمغرب وَسكن أرجاءه واستصفى بقايا آل مُوسَى بن نصير ثمَّ وَفد على يزِيد بن عبد الْملك فَوَجَدَهُ قد مَاتَ وبويع هِشَام بن عبد الْملك فَرده هِشَام إِلَى عمله من الْمغرب فاستقر بالقيروان واستدعى مِنْهُ أهل الأندلس واليا يقوم بأمرهم وَذَلِكَ بعد مقتل عَنْبَسَة بن سحيم الْكَلْبِيّ شَهِيدا فِي بعض غزوات الفرنج فولى عَلَيْهِم يحيى بن سَلمَة الْكَلْبِيّ فَقدم الأندلس آخر سنة سبع وَمِائَة فَأصْلح شَأْنهَا ثمَّ غزا بشر بن صَفْوَان صقلية بِنَفسِهِ سنة تسع وَمِائَة فَأصَاب سبيا كثيرا وَرجع إِلَى القيروان منصورا فَكَانَت منيته عقب ذَلِك
ولَايَة عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن على الْمغرب
لما توفّي بشر بن صَفْوَان وانْتهى الْخَبَر إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام بن عبد الْملك ولى على الْمغرب عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَهُوَ ابْن أخي أبي الْأَعْوَر السّلمِيّ وَقيل ابْن ابْنه فَقدم القيروان سنة عشر وَمِائَة وَنظر فِي أَمر الْمغرب والأندلس مَعًا وَولى من قبله على الأندلس وُلَاة أَرْبَعَة وَاحِدًا بعد وَاحِد وهم عُثْمَان بن أبي نسعة الخثعي وَحُذَيْفَة بن الْأَحْوَص الْقَيْسِي والهيثم بن عبيد الْكلابِي وَمُحَمّد بن عبد الله الْأَشْجَعِيّ وَكَانَ عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن قد أَخذ عُمَّال بشر بن صَفْوَان قبله وعذبهم فَكتب بَعضهم بذلك إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام فَعَزله لأَرْبَع سِنِين وَسِتَّة أشهر من ولَايَته
стр. 106
ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب على الْمغرب
عبيد الله هَذَا هُوَ مولى بني سلول وَكَانَ رَئِيسا نبيلا وأميرا جَلِيلًا وخطيبا مصقعا ولاه هِشَام بن عبد الْملك على الْمغرب بعد عزل عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ وَأمره أَن يمْضِي إِلَيْهِ من مصر فاستخلف عبيد الله على مصر ابْنه أَبَا الْقَاسِم وَسَار إِلَى الْمغرب فَقدم القيروان فِي ربيع الآخر سنة أَربع عشرَة وَمِائَة وَاسْتعْمل عمر بن عبيد الله الْمرَادِي على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى وَاسْتعْمل ابْنه إِسْمَاعِيل بن عبيد الله مَعَه على السوس وَمَا وَرَاءه وَاسْتعْمل على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الغافقي فَكَانَت لَهُ فِي الفرنجة وقائع وَأُصِيب جَيْشه فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فِي مَوضِع يعرف ببلاط لشهداء وَبِه عرفت الْغَزْوَة
стр. 107
ثمَّ ولى عبيد الله على الأندلس عبد الْملك بن قطن الفِهري ثمَّ بعده عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي فَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة وَتمكن سُلْطَان عبيد الله بالمغرب وَبنى جَامع الزيتونة بتونس لَكِن صحّح صَاحب المؤنس أَن أول مختط للجامع الْمَذْكُور حسان بن النُّعْمَان وتممه عبيد الله هَذَا وَاتخذ بهَا دَار صناعَة لإنشاء المراكب البحرية ثمَّ بعث حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري غازيا أَرض الْمغرب فَانْتهى إِلَى السوس الْأَقْصَى وَقَاتل مسوفة ثمَّ تخطاهم إِلَى تخوم السودَان وَأصَاب من مَغَانِم الذَّهَب وَالْفِضَّة والسبي شَيْئا كثيرا ودوخ بِلَاد البربر وقبائلها وَرجع ثمَّ أغزاه ثَانِيَة جَزِيرَة صقلية فَركب الْبَحْر إِلَيْهِم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَمَعَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدن صقلية وَضرب على أَهلهَا الْجِزْيَة وأثخن فِي سَائِر الجزيرة
وَكَانَ عمر بن عبيد الله فِي هَذِه الْمدَّة بطنجة قد أَسَاءَ السِّيرَة فِي برابرة الْمغرب الْأَقْصَى وَأَرَادَ أَن يُخَمّس من أسلم مِنْهُم وَزعم أَنه الْفَيْء فنفرت قُلُوب البربر عَنهُ وأحسوا بِأَنَّهُم طعمة للْعَرَب وثقلت عَلَيْهِم وَطْأَة عُمَّال ابْن الحبحاب جملَة بِمَا كَانُوا يطالبونهم بِهِ من الْوَظَائِف البربرية مثل الإدم العسلية الألوان وأنواع طرف الْمغرب فَكَانُوا يتغالون فِي جمع ذَلِك وانتخابه حَتَّى كَانَت الصرمة من الْغنم تهْلك ذبحا لاتخاذ الْجُلُود العسلية من سخالها وَلَا يُوجد فِيهَا مَعَ ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد وَمَا قرب مِنْهُ فَكثر عيثهم بذلك فِي أَمْوَال البربر فَأَجْمعُوا الانتقاض وبلغهم مسير العساكر مَعَ حبيب بن أبي عُبَيْدَة إِلَى صقلية فجرأهم ذَلِك على مُرَادهم وثار ميسرَة المضغري بأحواز طنجة على مَا نذكرهُ
وَكَانَت بِدعَة الخارجية يَوْمئِذٍ قد سرت فِي البربر وتلقنها رؤوسهم عَن عرب الْعرَاق الساقطين إِلَى الْمغرب نزعوا بهَا إِلَى الْأَطْرَاف داعين أغمار
стр. 108
الْأُمَم إِلَيْهَا عَسى أَن تكون لَهُم دولة فاستحكمت صبغتها فِي طغام البربر ووشجت فيهم عروقها فَكَانَ ذَلِك من أقوى البواعث والأسباب فِي خرق حجاب الهيبة على الْخُلَفَاء وانتقاض البربر على الْعَرَب ومزاحمتهم لَهُم فِي سلطانهم
ولنذكر هُنَا أصل الْخَوَارِج وفرقهم على الْجُمْلَة ثمَّ نعود إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَنَقُول قد تقدم لنا فِي خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب ﵁ مَا كَانَ من أَمر التَّحْكِيم وَمَا نَشأ عَنهُ من خُرُوج طَائِفَة من الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وَأَن عليا ﵁ استأصلهم بالنهروان فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ ﵁ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا فَصدق الله قَول عَليّ ونبغت مِنْهُم طوائف بالعراق وَغَيره وتكرر خُرُوجهمْ على الْخُلَفَاء وشرى داؤهم وأعيى دواؤهم وتعددت فرقهم ومذاهبهم
قَالَ ابْن خلدون افْتَرَقت الْخَوَارِج على أَربع فرق
الأولى الْأزَارِقَة أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ وَكَانَ رَأْيه الْبَرَاءَة من سَائِر الْمُسلمين وتكفيرهم والاستعراض يَعْنِي الْقَتْل من غير سُؤال عَن حَال أحد وَقتل الْأَطْفَال وَاسْتِحْلَال الْأَمَانَة لِأَنَّهُ يراهم كفَّارًا
الثَّانِيَة النجدية وَيُقَال لَهُم النجدات أَصْحَاب نجدة بن عَامر الْحَنَفِيّ وَهُوَ بِخِلَاف الْأزَارِقَة فِي ذَلِك كُله
الثَّالِثَة الإباضية أَصْحَاب عبد الله بن أباض التَّمِيمِي ثمَّ الصريمي وهم يرَوْنَ أَن الْمُسلمين كلهم يحكم لَهُم بِحكم الْمُنَافِقين فَلَا ينتهون إِلَى الرَّأْي الأول وَلَا يقفون عِنْد الثَّانِي وَلَا يحرمُونَ مناكحة الْمُسلمين وَلَا موارثتهم وهم عِنْدهم كالمنافقين وَمن هَؤُلَاءِ البيهسية أَصْحَاب أبي بيهس هَيْصَم بن جَابر الضبعِي
стр. 109
الرَّابِعَة الصفرية وهم موافقون للإباضية إِلَّا فِي الْقعدَة يَعْنِي الَّذين يَقْعُدُونَ عَن الْقِتَال مَعَهم فَإِن الإباضية أَشد على الْقعدَة مِنْهُم وَرُبمَا تشعبت هَذِه الآراء بعد ذَلِك
وَاخْتلف فِي تَسْمِيَة الصفرية فَقيل نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار الصريمي وَقيل اصفروا بِمَا نهكتهم الْعِبَادَة وَفِي الْقَامُوس الصفرية بِالضَّمِّ وبكسر قوم من الحرورية نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار بن ككتان أَو إِلَى زِيَاد بن الْأَصْفَر أَو إِلَى صفرَة ألوانهم أَو لخلوهم من الدّين اه
وَقد كَانَت الْخَوَارِج من قبل هَذَا الِافْتِرَاق على رَأْي وَاحِد لَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا فِي الشاذ من الْفُرُوع وَفِي أصل افتراقهم مكاتبات بَين نَافِع بن الْأَزْرَق وَأبي بيهس وَعبد الله بن أباض ذكرهَا الْمبرد فِي الْكَامِل فَلْتنْظرْ هُنَالك
وَكَانَت خوارج الْمغرب إباضية وصفرية فَلَمَّا كَانَت ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب ونال عماله من البربر مَا نالوا من الْجور والعسف انتقضوا عَلَيْهِ وثار ميسرَة المضغري الْمَعْرُوف بالخفير بأحواز طنجة ومضغرة بطن من بني فاتن بن تامضيت بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر وَكَانُوا على رَأْي الصفرية وَكَانَ شيخهم ميسرَة الْمَذْكُور مقدما فِي ذَلِك الْمَذْهَب فَحمل البربر على الْخُرُوج عَن الطَّاعَة وزحف إِلَى عمر بن عبيد الله بطنجة فَقتله سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَولى عَلَيْهَا من قبله عبد الْأَعْلَى بن جريج الإفْرِيقِي رومي الأَصْل وَمولى للْعَرَب كَانَ إِمَام الصفرية فِي انتحال مَذْهَبهم فَقَامَ بأمرهم مُدَّة ثمَّ تقدم إِلَى السوس فَقتله عاملها إِسْمَاعِيل بن عبيد الله وَكَانَ ميسرَة لما استولى على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى قد بَايعه البربر بالخلافة وخاطبوه بأمير الْمُؤمنِينَ إِذْ الْخَوَارِج لَا يشترطون فِي الإِمَام الْأَعْظَم القريشية محتجين بقوله ﷺ (اسمعوا وَأَطيعُوا وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي كَأَن
стр. 110
رَأسه زبيبة) وَهُوَ مؤول واضطرم الْمغرب نَارا وفشت نحلة الخارجية فِي جَمِيع قبائله وانتقض أمره على خلفاء الْمشرق فَلم يُرَاجع طاعتهم بعد
ثمَّ إِن ابْن الحبحاب بعث إِلَى ميسرَة خَالِد بن حبيب الفِهري فِيمَن كَانَ قد بَقِي عِنْده من الْجَيْش واستقدم أَبَاهُ حبيب بن أبي عُبَيْدَة من صقلية فَقدم فِيمَن مَعَه من عَسَاكِر الْمُسلمين وَبَعثه فِي أثر خَالِد ونهض إِلَيْهِم ميسرَة فِي جموع البربر فَلَقِيَهُمْ بأحواز طنجة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ تحاجزوا وَرجع ميسرَة إِلَى طنجة فَسَاءَتْ سيرته فِي البربر ونقموا عَلَيْهِ مَا جَاءَ بِهِ فَقَتَلُوهُ وولوا عَلَيْهِم مَكَانَهُ خَالِد بن حميد الزناتي
قَالَ ابْن عبد الحكم هُوَ من هتورة إِحْدَى بطُون زناتة فَقَامَ بأمرهم وَاجْتمعَ إِلَيْهِ البربر فزحف إِلَى الْعَرَب وسرح إِلَيْهِ ابْن الحبحاب عَسَاكِر الْخَلِيفَة هِشَام بن عبد الْملك وعَلى مقدمتها خَالِد بن حبيب الفِهري فَكَانَ اللِّقَاء على وَادي شلف فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَقتل خَالِد بن حبيب ووجوه من مَعَه من الْعَرَب فسميت الْوَقْعَة وقْعَة الْأَشْرَاف وانتقض الْمغرب على ابْن الحبحاب من سَائِر جهاته وَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل الأندلس فعزلوا عَامله عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي وولوا عَلَيْهِم عبد الْملك بن قطن الفِهري ومرج أَمر النَّاس وانْتهى الْخَبَر بذلك كُله إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام بِدِمَشْق فعزل ابْن الحبحاب عَن الْمغرب
وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة لما اختلت الْأُمُور على ابْن الحبحاب اجْتمع النَّاس وعزلوه فَبلغ ذَلِك هشاما فَغَضب وَكتب إِلَى ابْن الحبحاب بالقدوم فَخرج فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَالله أعلم
следующие страницы →