← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

إِلَى بني مرين الَّذين بتلمسان وَكَانَ فِي قُلُوبهم مرض من استبداد حسن بن عمر عَلَيْهِم وحجره لسلطانهم فَكَانُوا يتربصون بالدولة الدَّوَائِر فَلَمَّا بَلغهُمْ هَذَا الْخَبَر حاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وخلصوا نجيا بِسَاحَة الْبَلَد فاتفقوا على الْبيعَة ليعيش بن عَليّ بن أبي زيان بن يُوسُف بن يَعْقُوب فَبَايعُوهُ وانْتهى الْخَبَر إِلَى مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ فِي جملَته مَنْصُور بن سُلَيْمَان كَمَا قُلْنَا فأكرهه على الْبيعَة وَبَايَعَهُ مَعَه الرئيس الأبكم من بني الْأَحْمَر وقائد النَّصَارَى والقهردور وتسايل إِلَيْهِ النَّاس من كل جَانب وتسامع الْمَلأ من بني مرين بالْخبر فتهاروا إِلَيْهِ وَذهب يعِيش بن عَليّ لوجهه فَركب الْبَحْر إِلَى الأندلس واستتب أَمر مَنْصُور بن سُلَيْمَان وَاجْتمعَ بَنو مرين على كَلمته فارتحل بهم من تلمسان يُرِيد الْمغرب واعترضتهم جموع الْعَرَب فِي طريقهم فأوقعت بهم بَنو مرين وامتلأت أَيْديهم من أسلابهم وظعنهم ثمَّ أغذوا السّير إِلَى الْمغرب فاحتلوا بوادي سبو فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَبلغ الْخَبَر إِلَى الْحسن بن عمر فبرز واضطرب مُعَسْكَره بِسَاحَة الْبَلَد وَأخرج السُّلْطَان السعيد فِي الْآلَة والتعبية إِلَى أَن أنزلهُ بفسطاطه وَلما غشيهم اللَّيْل انفض عَنهُ الْمَلأ إِلَى مَنْصُور فَأوقد الْوَزير الشموع وأذكى النيرَان وَجمع الموَالِي والجند حول الْفسْطَاط حَتَّى أركب السُّلْطَان وَعَاد بِهِ إِلَى قصره وتحصن بِالْبَلَدِ الْجَدِيد وَأصْبح مَنْصُور بن سُلَيْمَان فارتحل فِي التعبية حَتَّى نزل بكدية العرائس فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَغدا على فاس الْجَدِيد بِالْقِتَالِ وَجمع الْأَيْدِي على اتِّخَاذ الْآلَات للحصار وانثالت عَلَيْهِ وُفُود الْأَمْصَار بالمغرب لِلْبيعَةِ وَلَحِقت بِهِ كتائب بني مرين الَّتِي كَانَت مجمرة على حصن عَامر بن مُحَمَّد الهنتاني وَلحق بِهِ أَيْضا قائدها سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَاد أمره يتم وَأقَام على فاس الْجَدِيد يغاديها الْقِتَال ويراوحها ثمَّ بدا الْخلَل فِي عسكره وَنزع عَنهُ إِلَى الْوَزير حسن بن عمر طَائِفَة من بني مرين وَلحق آخَرُونَ ببلادهم ووقفوا ينتظرون مآل أمره وَاسْتمرّ هَذَا الْحَال إِلَى غرَّة شعْبَان فَبَيْنَمَا النَّاس فِي ذَلِك إِذْ ظهر السُّلْطَان أَبُو سَالم بجبال غمارة فَانْصَرَفت إِلَيْهِ وُجُوه أهل الْمغرب وَبَطل أَمر السلطانين

стр. 702

أبي بكر السعيد وَمَنْصُور بن سُلَيْمَان مَعًا وذابا كَمَا يذوب الْملح فَأَما مَنْصُور بن سُلَيْمَان فَإِنَّهُ فر إِلَى بادس فَقبض عَلَيْهِ وَجِيء بِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم فَقتله وَأما السعيد فَإِن وزيره الْحسن بن عمر لما سمع بِظُهُور السُّلْطَان أبي سَالم واستفحال أمره نبذ دَعْوَة سُلْطَانه الْمَذْكُور وَبعث بِطَاعَتِهِ إِلَى أبي سَالم ووعده بالتمكين من دَار الْملك إِن قدم عَلَيْهِ فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وخلع السعيد يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي عشر من شعْبَان سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ قتل بعد ذَلِك غرقا فِي الْبَحْر فَإِن السُّلْطَان أَبَا سَالم بَعثه فِي جملَة الْأَبْنَاء المرشحين من بني أبي الْحسن إِلَى الأندلس ووكل بهم من يحرسهم ثمَّ بعد ذَلِك بعث إِلَى الْمُوكل بهم فحملهم فِي سفينة كَأَنَّهُ يُرِيد بهم الْمشرق ثمَّ غرقهم فِي الْبَحْر وَالْأَمر لله وَحده الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المستعين بِاللَّه أبي سَالم إِبْرَاهِيم بن أبي الْحسن المريني كَانَ هَذَا السُّلْطَان جوادا جم الْعَطاء مَعْرُوفا بِالْوَفَاءِ كثير الْحيَاء كنيته أَبُو سَالم لقبه المستعين بِاللَّه أمه أم ولد رُومِية اسْمهَا قمر صفته آدم اللَّوْن معتدل الْقَامَة رحب الْوَجْه وَاسع الجبين بادن الْجِسْم أعين أدعج معتدل اللِّحْيَة أسودها وَكَانَ بعد مهلك وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن ﵀ قد اسْتَقر بالأندلس بَعثه إِلَيْهَا أَخُوهُ أَبُو عنان كَمَا مر وَلما مَاتَ أَبُو عنان الْمَذْكُور وَولي ابْنه الصَّبِي طمع أَبُو سَالم هَذَا فِي الْملك فَاسْتَأْذن الْحَاجِب رضوَان مُدبر دولة ابْن الْأَحْمَر بالأندلس فِي اللحاق ببلاده فَأبى عَلَيْهِ فغاضه ذَلِك وَنزع عَنهُ إِلَى طاغية قشتالة وتطارح عَلَيْهِ فِي أَن يحملهُ إِلَى بر العدوة يطْلب ملك أَبِيه فأسعفه وَأمر بِهِ فَحمل فِي مركب وَألقى بِهِ ملاحه فِي سَاحل بِلَاد غمارة بعد أَن تردد فِي أَي السواحل يلقيه وَوَافَقَ

стр. 703

ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة بفاس ومحاصرة مَنْصُور بن سُلَيْمَان للمدينة الْبَيْضَاء فتسامع النَّاس بِخُرُوجِهِ بِبِلَاد غمارة أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهِ فتسايلوا إِلَيْهِ من كل وَجه وانفض النَّاس من حول مَنْصُور وَمَشى أهل مُعَسْكَره بأجمعهم على التعبية فَلَحقُوا بالسلطان أبي سَالم واستغذوه إِلَى دَار ملكه فأغذ السّير إِلَيْهَا وخلع الْحسن بن عمر سُلْطَانه السعيد من الْأَمر لتسعة أشهر من خِلَافَته وأسلمه إِلَى عَمه فَخرج إِلَيْهِ وَبَايَعَهُ وَدخل السُّلْطَان أَبُو سَالم الْبَلَد الْجَدِيد يَوْم الْجُمُعَة منتصف شعْبَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة وَاسْتولى على ملك الْمغرب وتوافت وُفُود النواحي بالبيعات وَعقد لِلْحسنِ بن عمر على مراكش وجهزه إِلَيْهَا بالعساكر تخففا مِنْهُ وريبة بمكانه من الدولة واستوزر مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَالْحسن بن يُوسُف الورتاجني وَاصْطفى من خواصه خطيب أَبِيه الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق وَجعل إِلَى أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون صَاحب التَّارِيخ توقيعه وَكِتَابَة سره قَالَ وَكنت نزعت إِلَيْهِ من معسكر مَنْصُور بن سُلَيْمَان بكدية العرائس لما رَأَيْت من اخْتِلَاف أَحْوَاله ومصير الْأَمر إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم فَأقبل عَليّ وأنزلني بِمحل التنويه واستخلصني لكتابته أه قدوم الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب مخلوعين على السُّلْطَان أبي سَالم وَالسَّبَب فِي ذَلِك قد قدمنَا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحجَّاج قتل يَوْم عيد الْفطر بالمصلى سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَولي الْأَمر من بعده ابْنه الْغَنِيّ بِاللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه إِسْمَاعِيل فَجعله الْغَنِيّ بِاللَّه فِي بعض الْقُصُور من حَمْرَاء غرناطة احتفاظا بِهِ إِلَى أَن كَانَ رَمَضَان من سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة فَخرج الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى بعض منتزهاته خَارج القصبة وَلما كَانَت لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور أَو ثَمَان وَعشْرين مِنْهُ تسور جمَاعَة من شيعَة إِسْمَاعِيل

стр. 704

الْمَحْبُوس عَلَيْهِ القصبة لَيْلًا وأخرجوه من محبسه وأعلنوا بدعوته ثمَّ اقتحموا على حَاجِبه رضوَان دَاره فَقَتَلُوهُ على فرَاشه وَبَين نِسَائِهِ وضبطوا القصبة وأعلنوا بالدعوة وَلم يرع الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَّا قرع الطبول بالقصبة فِي جَوف اللَّيْل فاستكشف الْخَبَر وَتسمع فَعلم بِمَا تمّ عَلَيْهِ من خلعه وتولية أَخِيه فَركب فرسه وخاض اللَّيْل إِلَى وَادي آش فاستولى عَلَيْهَا وضبطها وَبَايَعَهُ أَهلهَا على الْمَوْت ثمَّ عمد شيعَة إِسْمَاعِيل الثائر إِلَى الْوَزير ابْن الْخَطِيب فأودعوه السجْن بعد أَن أغروا بِهِ ثائرهم واكتسحوا دَاره واصطلموا نعْمَته وأتلفوا موجوده وَكَانَ شَيْئا يجل عَن الْحصْر واتصل ذَلِك كُله بالسلطان أبي سَالم وَكَانَت لَهُ مصافاة مَعَ ابْن الْأَحْمَر من لدن كَانَ عِنْده بالأندلس فَكتب إِسْمَاعِيل الثائر وشيعته يَأْمُرهُم بتخلية طَرِيق الْغَنِيّ بِاللَّه للقدوم عَلَيْهِ ويشفع فِي تَسْرِيح ابْن الْخَطِيب وتخلية سَبيله فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك وَقدم الْغَنِيّ بِاللَّه بن الْأَحْمَر ووزيره ابْن الْخَطِيب على السُّلْطَان أبي سَالم فِي السَّادِس من محرم فاتح سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فأجل السُّلْطَان أَبُو سَالم قدومه وَركب للقائه وَدخل بِهِ إِلَى مجْلِس ملكه وَقد احتفل فِي ترتيبه وَقد غص بالمشيخة والعلية ووقف وزيره ابْن الْخَطِيب على قَدَمَيْهِ فَأَنْشد السُّلْطَان أَبَا سَالم قصيدته الرائية يستصرخه لسلطانه ويستحثه لمظاهرته على أمره واستعطف واسترحم بِمَا أبكى النَّاس شَفَقَة لَهُ ورحمه وَنَصّ القصيدة (سلا هَل لَدَيْهَا من مخبرة ذكر ... وَهل أعشب الْوَادي ونم بِهِ الزهر) (وَهل باكر الوسمي دَارا على اللوا ... عفت آيها إِلَّا التَّوَهُّم وَالذكر) (بلادي الَّتِي عاطيت مشمولة الْهوى ... بِأَكْنَافِهَا والعيش فينان مخضر) (وجوى الَّذِي ربى جناحي وَكره ... فها أَنا ذَا مَا لي جنَاح وَلَا وكر) (نبت بِي لَا عَن جفوة وملالة ... وَلَا نسخ الْوَصْل الهني بهَا هجر) (وَلكنهَا الدُّنْيَا قَلِيل متاعها ... ولذاتها دأبا تزور وتزور) (فَمن لي بِقرب الْعَهْد مِنْهَا ودوننا ... مدى طَال حَتَّى يَوْمه عندنَا شهر) (وَللَّه عينا من رآنا وللأسى ... ضرام لَهُ فِي كل جانحة جمر)

стр. 705

(وَقد بددت در الدُّمُوع يَد النَّوَى ... وللشوق أشجان يضيق لَهَا الصَّدْر) (بكينا على النَّهر الشروب عشيه ... فَعَاد أجاجا بَعدنَا ذَلِك النَّهر) (أَقُول لأظعاني وَقد غالها السرى ... وآنسها الْحَادِي وأوحشها الزّجر) (رويدك بعد الْعسر يسران أَبْشِرِي ... بإنجاز وعد الله قد ذهب الْعسر) (وَللَّه فِينَا علم غيب وَرُبمَا ... أَتَى النَّفْع من حَال أُرِيد بهَا الضّر) (وَإِن تخن الْأَيَّام لم تخن النهى ... وَأَن يخذل الأقوام لم يخذل الصَّبْر) (وَإِن عركت مني الخطوب مجربا ... نقابا تساوى عِنْده الحلو والمر) (فقد عجمت عودا صليبا على الردى ... وعزما كَمَا تمْضِي المهندة البتر) (إِذا أَنْت بالبيضاء قررت منزلي ... فَلَا اللَّحْم حل مَا حييت وَلَا الظّهْر) (زجرنا بإبراهيم برْء همومنا ... فَلَمَّا رَأينَا وَجهه صدق الزّجر) (بمنتخب من آل يَعْقُوب كلما ... دجا الْخَطِيب لم يكذب لعزمته فجر) (تناقلت الركْبَان طيب حَدِيثه ... فَلَمَّا رَأَتْهُ صدق الْخَبَر الْخَبَر) (ندى لَو حواه الْبَحْر لذ مذاقه ... وَلم يتعقب مده أبدا جزر) (وبأس غَدا يرتاع من خَوفه الردى ... وترفل فِي أذياله الفتكة الْبكر) (أَطَاعَته حَتَّى العصم فِي قنن الرِّبَا ... وهشت إِلَى تأميله الأنجم الزهر) (قصدناك يَا خير الْمُلُوك على النَّوَى ... لتنصفنا مِمَّا جنى عَبدك الدَّهْر) (كففنا بك الْأَيَّام عَن غلوائها ... وَقد رابنا مِنْهَا التعسف وَالْكبر) (وعدنا بذلك الْمجد فانصرم الردى ... ولدنَا بِذَاكَ الْعَزْم فَانْهَزَمَ الذعر) (وَلما أَتَيْنَا الْبَحْر يرهب موجه ... ذكرنَا نداك الْعُمر فاحتقر الْبَحْر) (خلافتك الْعُظْمَى وَمن لم يدن بهَا ... فإيمانه لَغْو وعرفانه نكر) (ووصفك يهدي الْمَدْح قصد صَوَابه ... إِذا ظلّ فِي أَوْصَاف من دُونك الشّعْر) (دعتك قُلُوب الْمُؤمنِينَ وأخلصت ... وَقد طَابَ مِنْهَا السِّرّ لله والجهر) (ومدت إِلَى الله الأكف ضراعة ... فَقَالَ لَهُنَّ الله قد قضى الْأَمر) (وألبسها النعمى ببيعتك الَّتِي ... لَهَا الطَّائِر الميمون والمحتد الْحر) (فَأصْبح ثغر الثغر يبسم ضَاحِكا ... وَقد كَانَ مِمَّا نابه لَيْسَ يفتر) (وَآمَنت بالسلم الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... فَلَا ظبة تعرى وَلَا روعة تعرو)

стр. 706

(وَقد كَانَ مَوْلَانَا أَبوك مُصَرحًا ... بأنك فِي أَوْلَاده الْوَلَد الْبر) (وَكنت حَقِيقا بالخلافة بعده ... على الْفَوْر لَكِن كل شَيْء لَهُ قدر) (فأوحشت من دَار الْخلَافَة هَالة ... أَقَامَت زَمَانا لَا يلوح بهَا الْبَدْر) (فَرد عَلَيْك الله حَقك إِذْ قضى ... بِأَن تَشْمَل النعمى وينسدل السّتْر) (وقاد إِلَيْك الْملك رفقا بخلقه ... وَقد عدموا ركن الْإِمَامَة واضطروا) (وزادك بالتمحيص عزا ورفعة ... وَأَجرا وَلَوْلَا السبك مَا عرف التبر) (وَأَنت الَّذِي يدعى إِذا دهم الردى ... وَأَنت الَّذِي يُرْجَى إِذا أخلف الْقطر) (وَأَنت إِذا جَار الزَّمَان مُحكم ... لَك النَّقْض والإبرام وَالنَّهْي وَالْأَمر) (وَهَذَا ابْن نصر قد أَتَى وجناحه ... مهيض وَمن علياك يلْتَمس الْجَبْر) (غَرِيب يرجي مِنْك مَا أَنْت أَهله ... فَإِن كنت تبغي الْفَخر قد جَاءَك الْفَخر) (ففز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببيعة ... موثقة قد حل عروتها الْغدر) (وَمثلك من يرْعَى الدخيل وَمن دَعَا ... بيا لمرين جَاءَهُ الْعِزّ والنصر) (وَخذ يَا إِمَام الْحق ثاره ... فَفِي ضمن مَا تَأتي بِهِ الْعِزّ وَالْأَجْر) (وَأَنت لَهَا يَا نَاصِر الْحق فلتقم ... بِحَق فَمَا زيد يُرْجَى وَلَا عَمْرو) (فَإِن قيل مَال مَالك الدثر وافر ... وَإِن قيل جَيش عنْدك الْعَسْكَر المجر) (يكف بك العادي ويحيا بك الْهدى ... وَيَبْنِي بك الْإِسْلَام مَا هدم الْكفْر) (أعده إِلَى أوطانه عَنْك رَاضِيا ... وطوقه نعماك الَّتِي مَا لَهَا حصر) (وعاجل قُلُوب النَّاس فِيهِ بجبرها ... فقد صدهم عَنهُ التغلب والقهر) (وهم يرقبون الْفِعْل مِنْك وصفقة ... تحاولها يمناك مَا بعْدهَا خسر) (مرامك سهل لَا يؤودك كلفة ... سوى عرض مَا إِن لَهُ فِي الْعلَا خطر) (وَمَا الْعُمر إِلَّا زِينَة مستعارة ... ترد وَلَكِن الثَّنَاء هُوَ الْعُمر) (وَمن بَاعَ مَا يفنى بباق مخلد ... فقد أنجح الْمَسْعَى وَقد ربح التَّجر) (وَمن دون مَا تبغيه يَا ملك الْهدى ... جِيَاد المذاكي والمحجلة الغر) (وراد وشقر واضحات شياتها ... فأجسامها تبر وأرجلها در) (وشهب إِذا مَا ضمرت يَوْم غَارة ... مصممة غارت بهَا الأنجم الزهر) (وَأسد رجال من مرين أعزة ... عمائمها بيض وآسالها سمر)

стр. 707

(عَلَيْهَا من المأذي كل مفاضة ... تدافع فِي أعطافها اللجج الْخضر) (هم الْقَوْم إِن هبوا لكشف ملمة ... فَلَا الْمُلْتَقى صَعب وَلَا المرتقى وعر) (إِذا سئلوا أعْطوا وَإِن نوزعوا سطوا ... وَإِن واعدوا وفوا وَإِن عَاهَدُوا بروا) (وَإِن مدحوا اهتزوا ارتياحا كَأَنَّهُمْ ... نشاوى تمشت فِي معاطفهم خمر) (وَإِن سمعُوا العوراء فروا بأنفس ... حرَام على هاماتها فِي الوغى الفر) (وَتَبَسم مَا بَين الوشيج ثغورهم ... وَمَا بَين قضب الدوح يبتسم الزهر) (أمولاي غاضت فكرتي وتبلدت ... طباعي فَلَا طبع يعين وَلَا فكر) (وَلَوْلَا حنان مِنْك داركتني بِهِ ... وأحييتني لم يبْق عين وَلَا أثر) (فأوجدت مني فائتا أَي فَائت ... وأنشرت مَيتا ضم أشلاءه قبر) (بدأت بِفضل لم أكن لعظيمه ... بِأَهْل فجل اللطف وانشرح الصَّدْر) (وطوقتني النعمى المضاعفة الَّتِي ... يقبل عَلَيْهَا مني الْحَمد وَالشُّكْر) (وَأَنت بتتميم الصَّنَائِع كافل ... إِلَى أَن يعود الجاه والعز والوفر) (جَزَاك الَّذِي أَسْنَى مقامك رَحْمَة ... يفك بهَا عان وينعش مُضْطَر) (إِذا نَحن أثنينا عَلَيْك بمدحة ... فهيهات يُحْصى الرمل أَو يحصر الْقطر) (ولكننا نأتي بِمَا نستطيعه ... وَمن بذل المجهود حق لَهُ الْعذر) ثمَّ انفض الْمجْلس وَانْصَرف ابْن الْأَحْمَر إِلَى منزله الْمعد لَهُ وَقد فرشت الْقُصُور وَقربت لَهُ الْجِيَاد بالمراكب المذهبة وَبعث إِلَيْهِ بالكسا الفاخرة ورتبت الجرايات لَهُ ولمواليه من المعلوجي وبطانته من الصَّنَائِع وانحفظ عَلَيْهِ رسم سُلْطَانه فِي الرَّاكِب والراجل وَلم يفقد من ألقاب ملكه إِلَّا الأداة أدبا مَعَ السُّلْطَان وَاسْتقر فِي جملَته إِلَى أَن لحق بعد بالأندلس وَعَاد لَهُ ملكه سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وأرغد السُّلْطَان أَبُو سَالم عَيْش ابْن الْخَطِيب وأفاض عَلَيْهِ الجرايات ورتب لَهُ الإقطاعات غير أَنه كَانَ مضمرا لمفارقة السُّلْطَان والتخلي عَن خدمته والانفراد بِنَفسِهِ لاغتنام مَا بَقِي من عمره فِي طَاعَة الله تَعَالَى فَكَانَ من أمره فِي ذَلِك مَا نذكرهُ

стр. 708

سفر ابْن الْخَطِيب إِلَى مراكش وأعمالها وزيارته لأوليائها ورجالها وَالسَّبَب فِي ذَلِك كَانَ ابْن الْخَطِيب ﵀ عِنْدَمَا حصلت لَهُ هَذِه النكبة وخلصه الله مِنْهَا بانتقاله إِلَى بِلَاد العدوة قد عَن لَهُ رَأْي فِي التزهد والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى واغتنام بَقِيَّة الْعُمر فِيمَا يعود نَفعه فِي العاجل والآجل ورفض السُّلْطَان وأسبابه وَترك مَا يلجئه للوقوف بِبَابِهِ فتلطف فِي اسْتِئْذَان السُّلْطَان أبي سَالم ﵀ وَطلب مِنْهُ الْإِذْن فِي الذّهاب إِلَى جِهَات مراكش وَالْوُقُوف على آثَار الأقدمين بهَا والتطارح على أوليائها والمثول بأعتابها والتعلق بأذيالها والتمسك بأسبابها جاعلا ذَلِك مِفْتَاح الْعُزْلَة والتخلي عَن الدولة فَأذن لَهُ وَكتب إِلَى الْعمَّال بإتحافه والاعتناء بِهِ فتباروا فِي ذَلِك كَمَا يفصح عَنهُ بعض شعره الْآتِي وَجعل طَرِيقه على مَدِينَة سلا فَتَأمل أحوالها وَرَآهَا أوفق لمراده فِي الْعُزْلَة فأضمر الاستيطان بهَا عِنْد عوده من وجهته وَلما دخل مَدِينَة أنفى وَهِي الدَّار الْبَيْضَاء مر بهَا على دَار عَظِيمَة تنْسب إِلَى وَالِي جبايتها عبو من بني الترجمان قَارون قومه وغني صنفه وَكَانَ قد هلك قبل ذَلِك فَقَالَ ابْن الْخَطِيب (قد مَرَرْنَا بدار عبو الْوَالِي ... وَهِي ثَكْلَى تَشْكُو صروف اللَّيَالِي) (أقصدت رَبهَا الْحَوَادِث لما ... رشقته بصائبات النبال) (كَانَ بالْأَمْس واليا مستطيلا ... وَهُوَ الْيَوْم مَا لَهُ من وَالِي) وَأَظنهُ فِي هَذِه الوجهة خَاطب شيخ الْعَرَب مبارك بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة ابْن مهلهل الخلطي وَنَصّ مَا خاطبه بِهِ (ساحات دَارك للضياف مبارك ... وبضوء نَار قراك يهدي السالك) (ونوالك المبذول قد شَمل الورى ... طرا وفضلك لَيْسَ فِيهِ مشارك) (قل للَّذي قَالَ الْوُجُود قد انطوى ... والبأس لَيْسَ لَهُ حسام فاتك) (والجود لَيْسَ لَهُ غمام هاطل ... وَالْمجد لَيْسَ همام باتك) (جمع الشجَاعَة والرجاحة والندى ... والبأس والرأي الْأَصِيل مبارك) (للدّين وَالدُّنْيَا وللشيم الْعلَا ... والجود إِن شح الْغَمَام السافك)

стр. 709

(عِنْد الْهياج ربيعَة بن مكدم ... وَالْفضل وَالتَّقوى الفضيل وَمَالك) (ورث الْجَلالَة عَن أَبِيه وجده ... فكأنهم مَا غَابَ مِنْهُم هَالك) (فجياده للآملين مراكب ... وخيامه للقاصدين أرائك) (فَإِذا الْمَعَالِي أَصبَحت مَمْلُوكَة ... أعناقها بِالْحَقِّ فَهُوَ الْمَالِك) (يَا فَارس الْعَرَب الَّذِي من بَيته ... حرم لَهَا حج بِهِ ومناسك) (يَا من يبشر باسمه قصاده ... فَلهم إِلَيْهِ مسارب ومسالك) (أَنْت الَّذِي استأثرت فِيك بغبطتي ... وَسوَاك فِيهِ مآخذ ومتارك) (لَا زلت نورا يَهْتَدِي بضيائه ... من جنه للروع ليل حالك) (ويخص مجدك من سلامي عاطر ... كالمسك صاك بِهِ الغوالي صائك) الْحَمد لله تَعَالَى الَّذِي جعل بَيْتك شهيرا وجعلك للْعَرَب أَمِيرا وَجعل اسْمك فالا ووجهك جمالا وقربك جاها ومالا وَآل رَسُول الله ﷺ آلا أسلم عَلَيْك يَا أَمِير الْعَرَب وَابْن أمرائها وقطب سادتها وكبرائها وأهنيك بِمَا منحك الله تَعَالَى من شهرة تبقى ومكرمة لَا يضل المتصف بهَا وَلَا يشقى إِذْ جعل خيمتك فِي هَذَا الْمغرب على اتساعه وَاخْتِلَاف أشياعه مأمنا للخائف على كَثْرَة الْمذَاهب والطوائف وَصرف الْأَلْسِنَة إِلَى مدحك وَالْخُلُود إِلَى حبك وَمَا ذَلِك إِلَّا لسريرة لَك عِنْد رَبك وَلَقَد كنت أَيَّام تجمعني وَإِيَّاك الْمجَالِس السُّلْطَانِيَّة على معرفتك متهالكا وطوع الأمل سالكا لما يلوح لي على وَجهك من سِيمَا الْمجد وَالْحيَاء والشيم الدَّالَّة على العلياء وزكاء الْأُصُول وكرم الأباء وَكَانَ وَالِدي ﵀ قد عين للقاء خَال السُّلْطَان قريبكم لما توجه فِي الرسَالَة إِلَى الأندلس نَائِبا فِي تأنيسه عَن مخدومه ومنوها حَيْثُ حل بقدومه واتصلت بعد ذَلِك بَينهمَا المهاداة والمعرفة والرسائل الْمُخْتَلفَة فَعظم لأجل هَذِه الْوَسَائِل شوقي إِلَى التشرف بزيارة ذَلِك الجناب الَّذِي حُلُوله شرف وفخر ومعرفته كنز وَذخر فَلَمَّا ظهر الْآن لمحل الْأَخ الْقَائِد فلَان اللحاق بك والتعلق بسببك رَأَيْت أَنه قد اتَّصل بِهَذَا الْغَرَض المؤمل بَعْضِي وَالله تَعَالَى ييسر فِي الْبَعْض عِنْد تَقْرِير الْأَمر وهدنة الأَرْض وَهَذَا الْفَاضِل بركَة حَيْثُ حل لكَونه من بَيت أَصَالَة وَجِهَاد

стр. 710

وماجدا وَابْن أمجاد وَمثلك لَا يوصى بِحسن جواره وَلَا يُنَبه على إيثاره وقبيلك من الْعَرَب فِي الحَدِيث وَالْقَدِيم وَهُوَ الَّذِي أوجب لَهَا مزية التَّقْدِيم لم تفتخر قطّ بِذَهَب يجمع وَلَا ذخر يرفع وَلَا قصر يبْنى وَلَا غرس يجنى إِنَّمَا فخرها عَدو يغلب وثناء يجلب وجزر تنحر وَحَدِيث يذكر وجود على الْفَاقَة وسماحة بِحَسب الطَّاقَة فَلَقَد ذهب الذَّهَب وفنى النشب وتمزقت الأثواب وَهَلَكت الْخَيل العراب وكل الَّذِي فَوق التُّرَاب تُرَاب وَبقيت المحاسن تروى وتنقل والأعراض تجلى وتصقل وَللَّه در الشَّاعِر إِذْ يَقُول (إِنَّمَا الْمَرْء حَدِيث بعده ... فَكُن حَدِيثا حسنا لمن وعى) (هَذِه مُقَدّمَة إِن يسر الله بعد لِقَاء ... الْأَمِير فيجلى اللِّسَان عَمَّا فِي الضَّمِير) (ومدحي على الْأَمْلَاك وقف وَإِنَّمَا ... رَايَتك مِنْهَا فامتدحت على وَسمي) (وَمَا كنت بالمهدي لغيرك مدحتي ... وَلَو أَنه قد حل فِي مفرق النَّجْم) وَقَالَ فِي الشَّيْخ ابْن بطان الصنهاجي صنهاجة آزمور (لله دَرك يَا ابْن بطان فَمَا ... لشهير جودك فِي البسيطة جَاحد) (إِن كَانَ فِي الدُّنْيَا كريم وَاحِد ... يزن الْجَمِيع فَأَنت ذَاك الْوَاحِد) (أجريت فضلك جعفرا يحيى بِهِ ... مَا كَانَ من مجد فذكرك خَالِد) (فالقوم مِنْك تجمعُوا فِي مُفْرد ... ولد كَمَا شَاءَ الْعَلَاء ووالد) (وَهِي اللَّيَالِي لَا تزَال صروفها ... يشقى بموقعها الْكَرِيم الْمَاجِد) (وبمستعين الله يصلح مِنْك مَا ... قد كَانَ أفْسدهُ الزَّمَان الْفَاسِد) وَقَالَ ﵀ عِنْدَمَا توَسط بسيط تامسنا (كأنا بتامسنا نجوس خلالها ... وممدودها فِي سيرنا لَيْسَ يقصر) (مراكب فِي الْبَحْر الْمُحِيط تخبطت ... وَلَا جِهَة تَدْرِي وَلَا الْبر يبصر) وَقَالَ ﵀ يُخَاطب أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف حفيد الْمولى الصَّالح سَيِّدي أبي مُحَمَّد صَالح النَّائِم فِي ظلّ صيته ﵁ (يَا حفيد الْوَلِيّ يَا وَارِث الْفَخر ... الَّذِي نَالَ فِي مقَام وَحَال) (لَك يَا أَحْمد بن يُوسُف جبنا ... كل قطر يعي أكف الرّحال)

стр. 711

وَقَالَ فِي نفاضة الجراب لما خرجت من آسفي سرت إِلَى منزل ينْسب إِلَى أبي حدو وَفِيه رجل من بني الْمَنْسُوب إِلَيْهِ اسْمه يَعْقُوب فألطف وأجزل وآنس فِي اللَّيْل وطلبني بتذكرة تثبت عِنْدِي معرفَة فَكتبت لَهُ (نزلنَا على يَعْقُوب نجل أبي حدو ... فَعرفنَا الْفضل الَّذِي مَا لَهُ حد) (وقابلنا بالبشر واحتفل الْقرى ... فَلم يبْق لحم لم ننله وَلَا زبد) (يحِق علينا أَن نقوم بِحقِّهِ ... ويلقاه منا الْبر وَالشُّكْر وَالْحَمْد) وَقَالَ ﵀ وَقد انتابه البرغوث (زحفت إِلَيّ ركائب البرغوث ... نم الظلام بركبها المحثوث) (بالحبة السَّوْدَاء قَابل مقدمي ... لله أَي قرى أعد خَبِيث) (كسحت بِهن ذُبَاب سرح تجلدي ... لَيْلًا فحبل الصَّبْر جد رثيث) (إِن صابرت نَفسِي أَذَاهُ تعبدت ... أَو صحت مِنْهُ أنفت من تحنيثي) (جيشان من ليل وبرغوث فَهَل ... جَيش الصَّباح لصرختي بمغيث) وَقَالَ ﵀ وَقد أشرف على الحضرة المراكشية حاطها الله تَعَالَى (مَاذَا أحدث عَن بَحر سبحت بِهِ ... من الْبحار فَلَا إِثْم وَلَا حرج) (دَعَاهُ مُبْتَدع الْأَشْيَاء مستويا ... مَا إِن بِهِ دَرك كلا وَلَا درج) (حَتَّى إِذا مَا الْمنَار الْفَرد لَاحَ لنا ... صحت أَبْشِرِي يَا مطايا جَاءَك الْفرج) (قربت من عَامر دَارا ومنزلة ... وَالشَّاهِد الْعدْل هَذَا الطّيب والأرج) وَلما وقف على مصانع مراكش وقصورها وقصبتها وَاعْتبر مَا صَار إِلَيْهِ حَالهَا بعد الْمُوَحِّدين قَالَ (بلد قد غزاه صرف اللَّيَالِي ... وأباح المصون مِنْهُ مُبِيح) (فَالَّذِي خر من بناة قَتِيل ... وَالَّذِي خر مِنْهُ بعض جريح) (وَكَأن الَّذِي يزور طَبِيب ... قد تَأتي لَهُ بهَا التشريح) (أعجمت مِنْهُ أَربع ورسوم ... كَانَ قدما بهَا اللِّسَان الفصيح) (كم معَان غَابَتْ بِتِلْكَ المغاني ... وجمال أخفاه ذَاك الضريح) (وملوك تعبدوا الدَّهْر لما ... أصبح الدَّهْر وَهُوَ عبد صَرِيح)

стр. 712

٢ - ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ وأصبحت

стр. 713

ديار الأندلس وَهِي البلاقع وَحسنت من استدعائك إيَّايَ المواقع وَقَوي الْعَزْم وَإِن لم يكن ضَعِيفا وَعرضت على نَفسِي السّفر بسببك فَأَلْفَيْته خَفِيفا والتمست الْإِذْن حَتَّى لَا نرى فِي قبْلَة السداد تحريفا واستقبلتك بصدر مشروح وزند للعزم مقدوح وَالله يُحَقّق السول ويسهل بمثوى الأمائل المثول ويهيئ من قبيل هنتاتة الْقبُول بفضله انْتهى وَلما ذهب إِلَى عَامر بن مُحَمَّد الْمَذْكُور ورقي الْجَبَل زار الْموضع الَّذِي توفّي بِهِ السُّلْطَان أَبُو الْحسن ﵀ وَقد ألم بِذكر ذَلِك فِي نفاضة الجراب إِذْ قَالَ وشاهدت بجبل هنتاتة مَحل وَفَاة السُّلْطَان الْمُقَدّس أَمِير الْمُسلمين أبي الْحسن ﵀ حَيْثُ أَصَابَهُ طَارق الْأَجَل الَّذِي فصل الخطة وأصمت الدعْوَة وَرفع الْمُنَازعَة وعاينته مرفعا عَن الابتذال بِالسُّكْنَى مفروشا بالحصباء مَقْصُودا بالابتهال وَالدُّعَاء فَلم أَبْرَح يَوْم زيارته أَن قلت (يَا حسنها من أَربع وديار ... أضحت لباغي الْأَمْن دَار قَرَار) (وجبال عز لَا تذل أنوفها ... إِلَّا لعز الْوَاحِد القهار) (ومقر تَوْحِيد واس خلَافَة ... آثارها تبنى عَن الْأَخْبَار) (مَا كنت أَحسب أَن أَنهَار الندى ... تجْرِي بهَا فِي جملَة الْأَنْهَار) (مَا كنت أَحسب أَن أنوار الحجا ... تلتاح فِي قنن وَفِي أَحْجَار) (مجت جوانبها البرود وَإِن تكن ... شبت بهَا الْأَعْدَاء جذوة نَار) (هدت بناها فِي سَبِيل وفائها ... فَكَأَنَّهَا صرعى بِغَيْر عقار) (لما توعدها على الْمجد العدا ... رضيت بعيث النَّار لَا بالعار) (عمرت بحلة عَامر وأعزها ... عبد الْعَزِيز بمرهف بتار) (فرسا رهان أحرزا قصب الندى ... والباس فِي طلق وَفِي مضمار) (ورثا عَن النّدب الْكَبِير أَبِيهِمَا ... مَحْض الْوَفَاء ورفعة الْمِقْدَار) (وَكَذَا الْفُرُوع تطول وَهِي شَبيهَة ... بِالْأَصْلِ فِي ورق وَفِي أثمار) (أزرت وُجُوه الصَّيْد من هنتاتة ... فِي جوها بمطالع الأقمار) (لله أَي قَبيلَة تركت لَهَا النظراء ... دَعْوَى الْفَخر يَوْم فخار) (نصرت أَمِير الْمُسلمين وَملكه ... قد أسلمته عزائم الْأَنْصَار)

стр. 714

(وارت عليا عِنْد مَا عظم الردى ... والروع بالأسماع والأبصار) (وتخاذل الْجَيْش اللهام وَأصْبح ... الْأَبْطَال بَين تقاعد وفرار) (كفرت صنائعه فيمم دارها ... مستظهرا مِنْهَا بعز جوَار) (وَأقَام بَين ظُهُورهَا لَا يَتَّقِي ... وَقع الردى وَقد ارتمى بشرار) (فَكَأَنَّهَا الْأَنْصَار لما أَن سمت ... فِيمَا تقدم غربَة الْمُخْتَار) (لما غَدا لحظا وهم أجفانه ... نابت شفارهم عَن الأشفار) (حَتَّى دَعَاهُ الله بَين بُيُوتهم ... فَأجَاب ممتثلا لأمر الْبَارِي) (لَو كَانَ يمْنَع من قَضَاء الله مَا ... خلصت إِلَيْهِ نوافذ الأقدار) (قد كَانَ يأمل أَن يُكَافِئ بعض مَا ... أولوه لَوْلَا قَاطع الْأَعْمَار) (مَا كَانَ يقنعه لَو امْتَدَّ المدى ... إِلَّا الْقيام بِحَقِّهَا من دَار) (فَيُعِيد ذَاك المَاء ذائب فضَّة ... وَيُعِيد ذَاك الترب ذوب نضار) (حَتَّى تفوز على النَّوَى أوطانها ... من ملكه بجلائل الأوطار) (حَتَّى يلوح على وُجُوه وُجُوههم ... أثر الْعِنَايَة سَاطِع الْأَنْوَار) (ويسوغ الأمل القصي كرامها ... من غير مَا ثنيا وَلَا استعصار) (مَا كَانَ يرضى الشَّمْس أَو بدر الدجا ... عَن دِرْهَم فيهم وَلَا دِينَار) (أَو أَن يتوج أَو يُقَلّد هامها ... ونحورها بأهلة ودراري) (حق على الْمولى ابْنه إِيثَار مَا ... بذلوه من نصر وَمن إِيثَار) (فلمثلها ذخر الْجَزَاء وَمثله ... من لَا يضيع صنائع الْأَحْرَار) (وَهُوَ الَّذِي يقْضِي الدُّيُون وبره ... يرضيه فِي علن وَفِي أسرار) (حَتَّى تحج محلّة رفعوا بهَا ... علم الْوَفَاء لأعين النظار) (فَيصير مِنْهَا الْبَيْت بَيْتا ثَانِيًا ... للطائفين إِلَيْهِ أَي بدار) (تغني قُلُوب الْقَوْم عَن هدى بِهِ ... ودموعهم تَكْفِي لرمي جمار) (حييت من دَار تكفل سعيها الْمَحْمُود ... بالزلفى وعقبى الدَّار) (وضفت عَلَيْك من الْإِلَه عناية ... مَا كرّ ليل فِيك أثر نَهَار) وَيَعْنِي بالمولى ابْنه السُّلْطَان أَبَا سَالم بن أبي الْحسن ثمَّ سَار ابْن الْخَطِيب إِلَى أغمات فزار مشاهدها وَشَاهد معاهدها فَحكى عَن نَفسه رَحمَه الله

стр. 715

قَالَ وقفت على قبر الْمُعْتَمد بن عباد فِي مَدِينَة أغمات فِي حَرَكَة أعملتها إِلَى الْجِهَات المراكشية باعثها لِقَاء الصَّالِحين ومشاهدة الْآثَار سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ بمقبرة أغمات فِي نشز من الأَرْض وَقد حفت بِهِ سِدْرَة وَإِلَى جنبه قبر اعْتِمَاد حظيته مولاة رميك وَعَلَيْهِمَا أثر التغرب ومعاناة الخمول من بعد الْملك فَلم تملك الْعين دمعها عِنْد رُؤْيَتهمَا فأنشدت فِي الْحَال (قد زرت قبرك عَن طوع بأغمات ... رَأَيْت ذَلِك من أولى الْمُهِمَّات) (لم لَا أزورك يَا أندى الْمُلُوك يدا ... وَيَا سراج اللَّيَالِي المدلهمات) (وَأَنت من لَو تخطى الدَّهْر مصرعه ... إِلَى حَياتِي لجادت فِيهِ أَبْيَات) (أناف قبرك من هضب يميزه ... فتنتحيه حفيات التَّحِيَّات) (كرمت حَيا وَمَيتًا واشتهرت علا ... فَأَنت سُلْطَان أَحيَاء وأموات) (مارئي مثلك فِي مَاض ومعتقدي ... أَلا يرى الدَّهْر فِي حَال وَلَا آتٍ) وَلما انكفأ ابْن الْخَطِيب ﵀ رَاجعا من سفرته هَذِه وانْتهى إِلَى سلا أَقَامَ بهَا منتبذا عَن سُلْطَانه رافضا للْملك وأسبابه طول مقَامه بالمغرب على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله بَقِيَّة أَخْبَار ابْن الْخَطِيب بسلا حرسها الله قد قدمنَا أَن ابْن الْخَطِيب كَانَ قد عزم على التخلي عَن الدُّنْيَا والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى وَأَنه اخْتَار أَن يكون مقَامه بسلا لكَونهَا يَوْمئِذٍ أعون لَهُ على مُرَاده من غَيرهَا حَسْبَمَا يُؤْخَذ ذَلِك من مَوَاضِع من كَلَامه من ذَلِك أَنه لما وصف أَمْصَار الأندلس وَالْمغْرب فِي مقاماته الْمَشْهُورَة وصف مَدِينَة سلا بقوله العقيلة المفضله والبطيحة المخضله وَالْقَاعِدَة المؤصله وَالسورَة المفصله ذَات الوسامة والنضارة والجامعة بَين البداوة والحضارة مَعْدن الْقطن وَالْكتاب والمدرسة والمارستان والزاوية كَأَنَّهَا الْبُسْتَان والوادي المتعدد الأجفان الْقطر الْأمين عِنْد الرجفان والعصير الْعَظِيم الشَّأْن والأسواق السارة حَتَّى برقيق الحبشان اكتنفها المسرح وَالْخصب الَّذِي لَا

стр. 716

يبرح وَالْبَحْر الَّذِي يأسو ويجرح وشقها الْوَادي الَّذِي يتمم محاسنها ويشرح وقابلها الرِّبَاط الَّذِي ظهر بِهِ من الْمَنْصُور الِاغْتِبَاط حَيْثُ القصبة والساباط ثمَّ يَقع الانحطاط إِلَى شالة مرعى الذمم ونتيجة الهمم ومشمخ الأنوف ذَوَات الشمم وعنوان الرمم حَيْثُ الْحَسَنَات المكتتبة والأوقاف الْمرتبَة والقباب كالأزهار مجودة بِذكر الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وطلل حسان الْمثل فِي الاشتهار وَهِي على الْجُمْلَة من غَيرهَا أوفق ومغارمها لاحترام الْمُلُوك الْكِرَام أرْفق ومقبرتها المنضدة عجب فِي الانتظام مَعْدُودَة فِي المواقف الْعِظَام ويتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة وتوجد عِنْدهَا للهموم السلوة كَمَا قَالَ ابْن الْخَطِيب (وصلت حثيث السّير فِيمَن فلى الفلا ... فَلَا خاطري لما نأى وانجلا انجلا) (وَلَا نسخت كربي بقلبي سلوة ... فَلَمَّا سوى فِيهِ نسيم سلا سلا) وَكفى بالشابل رزقا طريا وسمكا بالتفضيل حريا يبرز عدد قطر الديم وَيُبَاع ببخس الْقيم ويعم المجاشر النائية والخيم أه وَمَا قَالَه فِي حق سلا من كَونهَا تتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة هُوَ كَذَلِك مَعْرُوف عِنْد صلحاء الْمغرب وعباده من لدن قديم وَلذَا لما قدم أَبُو الْعَبَّاس بن عَاشر ﵁ من الأندلس وتنقل فِي بِلَاد الْمغرب مثل فاس ومكناسة لم يطب لَهُ الْقَرار إِلَّا بسلا وَقد صرح ﵁ بذلك حَيْثُ قَالَ (سلا كل قلب غير قلبِي مَا سلا ... أيسلو بفاس والأحبة فِي سلا) (بهَا خيموا فالقلب خيم عِنْدهم ... فأجروا دموعي مُرْسلا ومسلسلا) وَلما ذكر أَبُو الْعَبَّاس الصومعي ﵀ فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي يعزى ﵁ اسْتِحْبَاب زِيَارَة الْأَوْلِيَاء قَالَ مَا نَصه وَلَا سِيمَا فِي مشَاهد الأخيار إِذا اجْتَمعُوا فِي مَكَان من الْأَمْكِنَة المشرفة كَمَا كَانُوا يَجْتَمعُونَ قبل هَذَا برباط شَاكر وبساحل دكالة وبسلا وبجبل الْعلم وَعند

стр. 717

الشَّيْخ أبي يعزى فِي أَيَّام الرّبيع وَغير ذَلِك أه وَأَقُول على ذكر سلا فقد كتب إِلَيّ وَأَنا بمراكش حرسها الله الْأَخ فِي الله الْفَقِيه الأديب المحاضر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عزوز الرباطي أصلا المراكشي دَارا بطاقة يَقُول فِيهَا مَا نَصه الْحَمد لله وَحده السَّيِّد الْأَخ الَّذِي ثوب إخائه مَا اتسخ الْفَقِيه الْعَلامَة اللابس من أسلحة الْعُلُوم الدرْع واللامة أَبَا الْعَبَّاس السَّيِّد أَحْمد الناصري سَلام عَلَيْك سَلاما ذكي الْعرف رائج الصّرْف وَبعد فقد اشتقنا إِلَى لذيذ مذكراتكم وحلو فكاهتكم والآن نحب من السِّيَادَة أَن تشرفونا بِنَقْل قدمكم وتكرمونا بطلعتكم السعيدة بكرَة غَد إِن شَاءَ الله وعَلى الْمحبَّة وَالسَّلَام فِي فاتح رَجَب الْفَرد سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَألْحق بأسفلها مَا نَصه (سلا الْبَحْر مَا بَحر بنيت بشطه ... كبحر عُلُوم فِيك أنشئ صَالحا) (فَهَذَا هُوَ الْفَيَّاض بِالْعلمِ والتقى ... وَذَاكَ هُوَ الْفَيَّاض بِالْمَاءِ مالحا) وَلم ندر هَل البيتان لَهُ أَو تمثل بهما وعَلى كل حَال فَمَا قَالَه حفظه الله إِنَّمَا حمله عَلَيْهِ حسن نِيَّته وصفاء طويته وَأما الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بهما فَلَا وَالله لَا علم وَلَا تقى إِلَّا أَن يتغمدنا الله برحمته ثمَّ إِنِّي أَجَبْته بنثر تركته للاختصار ووصلته بِأَبْيَات أَقُول فِيهَا مَا نَصه (بعثت أَبَا عبد الْإِلَه مدائحا ... هُوَ الدّرّ حسنا والشذور لوائحا) (فنبهت فكرا طالما بَات نَائِما ... وروضت ذهنا طالما ظلّ جامحا) (وشيدت من ذكري وَقد كَانَ خاملا ... وهيجت من قلبِي الشجي القرائحا) (وطوقتني النعمى بتقريضك الَّذِي ... بِهِ ظلّ مجدي للنجوم مصافحا) (وَإِلَّا فَمَا قدري وَإِن جد جده ... وَمَا قيمتي لَو لم تكن لي مادحا) (فَأَنت أديب الْعَصْر حَقًا وَمن غذا ... لعمري لأبواب المعارف فاتحا) (فَخذ من أَخِيك العي واستر عيوبه ... وسامح فظني أَن تكون مسامحا) (فوصفك يعيي كل أشدق بارع ... وَلَو ظلّ فِي بَحر البلاغة سابحا) (فَلَقِيت من ذِي الْعَرْش كل كَرَامَة ... ووقيت من هَذَا الزَّمَان الطوائحا)

стр. 718

٤ - (وَلَا زَالَ هَذَا الدَّهْر طوعك خَادِمًا ... علاك وطرف السعد نَحْوك طامحا) وَمِمَّا مدح بِهِ سلا وَأَهْلهَا قَول الإِمَام الْعَلامَة الْهمام أبي عَليّ الْحسن بن مَسْعُود اليوسي ﵁ (مرسى سلا مأوى الشمم ... وَالْمجد عَن طول الْأُمَم) (بلد بحسبك منظر مِنْهُ ومخبره أتم ... مسري الهموم ومسرح الْأَبْصَار مسلاة الغمم) (مترفلا فِي حلَّة من حسنه جنب الْعلم ... كَالْحرَّةِ الْحَسْنَاء فِي كنف الْهمام الْمُحْتَرَم) (وتراه من جناته متلألئا بَين الأجم ... كالدر بَين زمرد فِي قرط مَارِيَة انتظم) (وكوجه خود حفه السوالف فِي دلم ... ﴿وكغرة فِي أدهم وَالصُّبْح فِي حنج الإحم) (والثغر من زنجية ترنو إِلَيْهِ وَقد بِسم ... والبدر مَا بَين الدجى والشيب فِي سود اللمم) (يَعْلُو فويق جنبه علم تدلى من أُمَم ... فَكَأَنَّهُ تَاج اللجين على جبيني ذِي عظم) (أَو كالكبير مزملا أودى بنهضته الْهَرم ... فِي رَأسه صلع وَفِيمَا تَحت جَبهته غمم) (أَو كالجواد بِأَنْفِهِ من ذَلِك الْقصر الرثم ... يَكْفِيك مِنْهُ هواؤه لَا خبث فِيهِ وَلَا وخم) (عجبا صَحِيح والهوى أبدا عليل ذُو سقم ... وزلاله العذب الَّذِي يشفي الْفُؤَاد من الضرم) (حاكى الْعقار وفاقها بصفاء لون الشيم ... أَبنَاء مجد فِي الألى كَانُوا يراعون الذمم) (من نبلهم دون العويص ونبلهم خلف الْحرم ... ونفيسهم فقع الفلا ونفوسهم بيض الرخم) (من كل أَبيض وَجهه تجلى بِهِ سدف الظُّلم ... فِي الْخطب بدر لامع ولدى الندى بَحر خضم) (وأحبة كَانُوا لنا كَالْمَاءِ بِالرَّاحِ التأم ... لم يعد بَين بَيْننَا وَلَو الْفِرَاق بِنَا ألم) (الْبَين بَين جسومنا لَا بَين أَنْفُسنَا يحم ... والعهد حَبل مَا انفصا عَنهُ الوداد وَلَا انفصم) (والصدق نهج قد علا فِي كل أوجهه علم ... وَالْبر مرعاة قرى من فِيهِ للحسنى قرم) (وَالنَّفس أَرض قد كرا الْمعِين ذَوُو الْكَرم ... وَالدّين روض قد رعى فِيهِ من العقبى رعم) (وَالْعلم ورد مَا حلا إِلَّا لمن نزع الْحلم ... والسر برق مَا أضا إِلَّا لمن غسل الإضم) (والدهر دولاب شما فِيهِ سوى أهل الشمم ... من ذاق مورده الصري يَوْمًا فللدنيا صرم) ولنرجع إِلَى بَقِيَّة أَخْبَار ابْن الْخَطِيب وَلما اسْتَقر بسلا وَاطْمَأَنَّ جنبه بهَا قَالَ (يَا أهل هَذَا الْقطر ساعده الْقطر ... بليت فدلوني لمن يرفع الْأَمر)

стр. 719

(تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطا ... وَفِي شغلي أَو نومتي سرق الْعُمر) ثمَّ حرص على لِقَاء الشَّيْخ ابْن عَاشر ﵁ حَتَّى ظفر بِهِ فَعظم سروره بذلك وتبجح بِهِ إِذْ قَالَ فِي نفاضة الجراب وَلَقِيت من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى بسلا الْوَلِيّ الزَّاهِد الْكَبِير الْمُنْقَطع القرين فِرَارًا عَن زهرَة الدُّنْيَا وعزوفا عَنْهَا وإغراقا فِي الْوَرع وشهرة بالكشف وَإجَابَة الدعْوَة وَظُهُور الكرامات أَبَا الْعَبَّاس بن عَاشر يسر الله تَعَالَى لقاءه على تعذره لصعوبة تَأتيه وكثافة هيبته قَاعِدا بَين الْقُبُور فِي الْخَلَاء رث الهيثة مطرق اللحظ كثير الصمت مفرط الانقباض وَالْعُزْلَة قد ضرسه أهل الدُّنْيَا وتطارحهم فَهُوَ شَدِيد الاشمئزاز من قاصده مجرمز للوثبة من طارقه نفع الله تَعَالَى بِهِ أه كَلَامه فِي النفاضة وَقَالَ ﵀ من قصيدته العينية السلاوية الَّتِي وَجههَا إِلَى سلا أَيَّام خلف بهَا أَهله وَولده (بولِي الله فابدأ وابتدر ... وَاحِدًا الأحاد فِي بَاب الْوَرع) وَمرَاده بولِي الله ابْن عَاشر الْمَذْكُور ثمَّ إِن ابْن الْخَطِيب بعد رُجُوعه من مراكش جعل ينتاب رِبَاط شالة مدفن الْمُلُوك من بني مرين وَمِنْهُم السُّلْطَان أَبُو الْحسن ﵀ للدُّعَاء وَقِرَاءَة الْقُرْآن بهَا وتعاهدها وَقد كتب بذلك إِلَى السُّلْطَان أبي سَالم وَطلب مِنْهُ أَن يشفع لَهُ عِنْد أهل الأندلس فِي رد مَتَاعه الَّذِي أتلفوه عَلَيْهِ أَيَّام النكبة وَنَصّ الْكتاب مولَايَ المرجو لإتمام الصنيعة وصلَة النِّعْمَة وإحراز الْفَخر أبقاكم الله تَعَالَى تضرب بكم الْأَمْثَال فِي الْبر وَالرِّضَا وعلو الهمة ورعي الْوَسِيلَة مقبل موطئ قدمكم الْمُنْقَطع إِلَى تربة الْمولى والدكم ابْن الْخَطِيب من الضريح الْمُقَدّس بشالة وَقد حط رَحل الرَّجَاء فِي الْقبَّة المقدسة وَتيَمّم بالتربة الزكية وَقعد بِإِزَاءِ لحد الْمولى أبيكم سَاعَة إيابه من الوجهة الْمُبَارَكَة وزيارة الرَّبْط الْمَقْصُودَة والترب المعظمة وَقد عزم أَن لَا يبرح طَوْعًا من هَذَا الْجوَار الْكَرِيم والدخيل المرعى حَتَّى يصله من مقامكم مَا

стр. 720

يُنَاسب هَذَا التطارح على قبر هَذَا الْمولى الْعَزِيز على أهل الأَرْض ثمَّ عَلَيْكُم والتماس شَفَاعَته فِي أَمر سهل عَلَيْكُم لَا يجر إنفاد مَال وَلَا اقتحام خطر إِنَّمَا هُوَ إِعْمَال لِسَان وَخط بنان وَصرف عزم وإحراز فَخر وإطابة ذكر وَأجر وَذَلِكَ أَن العَبْد عرفكم يَوْم وداعكم أَنه ينْقل عَنْكُم إِلَى الْمولى الْمُقَدّس بِلِسَان الْمقَال مَا يحضر مِمَّا يفتح الله تَعَالَى فِيهِ ثمَّ ينْقل عَنهُ لكم بِلِسَان الْحَال مَا يتلَقَّى عَنهُ من الْجَواب وَقَالَ لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة الْمولى والدكم سَيِّدي الْخَطِيب يَعْنِي ابْن مَرْزُوق سنى الله تَعَالَى أمله من سَعَادَة مقامكم وَطول عمركم أَنْت يَا فلَان وَالْحَمْد لله مِمَّن لَا يُنكر عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهَذَيْنِ الفرضين وَصدر عَنْكُم من الْبشر وَالْقَبُول والإنعام مَا صدر جزاكم الله تَعَالَى جَزَاء الْمُحْسِنِينَ وَقد تقدم تَعْرِيف مولَايَ بِمَا كَانَ من قيام العَبْد بِمَا نَقله إِلَى التربة الزكية عَنْكُم حَسْبَمَا أَدَّاهُ من حضر ذَلِك المشهد من خدامكم وَالْعَبْد الْآن يعرض عَلَيْكُم الْجَواب وَهُوَ أَنِّي لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الْمَلأ الْكَبِير والجم الْغَفِير أكببت على اللَّحْد الْكَرِيم دَاعيا ومخاطبا وأصغيت بإذني نَحْو قَبره وَجعل فُؤَادِي يتلَقَّى مَا يوحيه إِلَيْهِ لِسَان حَاله فَكَأَنِّي بِهِ يَقُول لي قل لمولاك يَا وَلَدي وقرة عَيْني الْمَخْصُوص برضاي وبري وَستر حريمي ورد ملكي وصان أَهلِي وَأكْرم صنائعي وَوصل عَمَلي أسلم عَلَيْك وأسأل الله تَعَالَى أَن يرضى عَنْك وَيقبل عَلَيْك الدُّنْيَا دَار غرور ﴿وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى﴾ وَمَا النَّاس إِلَّا هَالك وَابْن هَالك وَلَا تَجِد إِلَّا مَا قدمت من عمل يَقْتَضِي الْعَفو وَالْمَغْفِرَة أَو ثَنَاء يجلب الدُّعَاء بِالرَّحْمَةِ وَمثلك من ذكر فَتذكر وَعرف فَمَا أنكر وَهَذَا ابْن الْخَطِيب قد وقف على قَبْرِي وتهمم بِي وَسبق النَّاس إِلَى رثائي وأنشدني ومجدني وَبكى لي ودعا لي وَهَنأَنِي بمصير أَمْرِي إِلَيْك وعفر وَجهه فِي تربتي وأملني لما انْقَطَعت مني آمال النَّاس فَلَو كنت يَا وَلَدي حَيا لما وسعني أَن أعمل مَعَه إِلَّا مَا يَلِيق بِي وَأَن أستقل فِيهِ الْكثير وأحتقرن الْعَظِيم لَكِن لما

стр. 721

عجزت عَن جَزَائِهِ وكلته إِلَيْك وأحلته يَا حبيب قلبِي عَلَيْك وَقد أَخْبرنِي أَنه سليب المَال كثير الْعِيَال ضَعِيف الْجِسْم قد ظهر فِي عدم نشاطه أثر السن وأمل أَن يَنْقَطِع بِجوَارِي ويستتر بدخيلي وخدمتي وَيرد عَلَيْهِ حَقه بخدمتي ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ويعبد الله تَعَالَى تَحت حرمتك وحرمتي وَقد كنت تشوفت إِلَى استخدامه فِي الْحَيَاة حَسْبَمَا يُعلمهُ حبيبنا الْخَاص الْمحبَّة وَخَطِيبِنَا الْعَظِيم المزية الْقَدِيم الْقرْبَة أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق فَاسْأَلْهُ يذكرك واستخبره يُخْبِرك فَأَنا الْيَوْم أُرِيد أَن يكون هَذَا الرجل خديمي بعد الْمَمَات إِلَى أَن نلحق جَمِيعًا برضوان الله تَعَالَى وَرَحمته الَّتِي وسعت كل شَيْء وَله يَا وَلَدي ولد نجيب يخْدم ببابك وينوب عَنهُ فِي مُلَازمَة بَيت كتابك وَقد اسْتَقر ببابك قراره وَتعين بِأَمْرك مرتبه ودثاره فَيكون الشَّيْخ خديم الشَّيْخ والشاب خديم الشَّاب هَذِه رغبتي مِنْك وحاجتي إِلَيْك وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث لَا بُد أَن يذكر ويتحدث فِي الدُّنْيَا وَبَين أَيدي الْمُلُوك والكبراء فاعمل مَا يبْقى لَك فخره ويتخلد ذكره وَقد أَقَامَ مجاورا ضريحي تاليا كتاب الله تَعَالَى على منتظرا مَا يصله مِنْك ويقرأه على من السَّعْي فِي خلاص مَاله والاحتجاج بِهَذِهِ الْوَسِيلَة فِي جبره وإجراء مَا يَلِيق بك من الْحُرْمَة والكرامة وَالنعْمَة فَالله الله يَا إِبْرَاهِيم اعْمَلْ مَا يسمع عني وعنك فِيهِ ولسان الْحَال أبلغ من لِسَان الْمقَال أه وَالْعَبْد يَا مولَايَ مُقيم تَحت حرمته وَحُرْمَة سلفه منتظر مِنْكُم قَضَاء حَاجته ولتعلموا وتتحقوا أنني لَو ارتكبت الجرائم ورزأت الْأَمْوَال وسفكت الدِّمَاء وَأخذت خسائف الْمُلُوك الأعزة مِمَّن وَرَاء النَّهر من التتار وَخلف الْبَحْر من الرّوم ووراء الصَّحرَاء من الْحَبَشَة وأمكنهم الله تَعَالَى مني من غير عهد بعد أَن بَلغهُمْ تذلمي بِهَذَا الدخيل ومقامي بَين هَذِه الْقُبُور الْكَرِيمَة مَا وسع أحد مِنْهُم من حَيْثُ الْحيَاء والحشمة من الْأَحْيَاء والأموات وَإِيجَاب الْحُقُوق الَّتِي لَا يغفلها الْكِبَار للكبار إِلَّا الْجُود الَّذِي لَا يتعقبه الْبُخْل وَالْعَفو الَّذِي لَا تفسده الْمُؤَاخَذَة

стр. 722

فضلا عَن سُلْطَان الأندلس أسعده الله تَعَالَى وَعلا بموالاتكم فَهُوَ فَاضل وَابْن مُلُوك أفاضل وَحَوله أكياس مَا فيهم من يجهل قدركم وَقدر سلفكم لَا سِيمَا مولَايَ والدكم الَّذِي أتوسل بِهِ إِلَيْكُم وإليهم فقد كَانَ يتبنى مولَايَ أَبَا الْحجَّاج ويشمله بنظره وصارخه بِنَفسِهِ وأمده بأمواله ثمَّ صير الله تَعَالَى ملكه إِلَيْكُم وَأَنْتُم من أَنْتُم ذاتا وقبيلا فقد قرت يَا مولَايَ عين العَبْد بِمَا رَأَتْ فِي هَذَا الوطن المراكشي من وفور حشودكم وَكَثْرَة جنودكم وترادف أَمْوَالكُم وعددكم زادكم الله تَعَالَى من فَضله وَلَا شكّ عِنْد عَاقل أَنكُمْ إِن انْحَلَّت عُرْوَة تأميلكم وأعرضت عَن ذَلِك الوطن الأندلسي اسْتَوَت عَلَيْهِ يَد عدوه وَقد علم تطارحي بَين الْمُلُوك الْكِرَام الَّذين خضعت لَهُم التيجان وتعلقي بِثَوْب الْملك الصَّالح وَالِد الْمُلُوك الْكِرَام مولَايَ والدكم وشهرة حُرْمَة شالة مَعْرُوفَة حاش الله أَن يضيعها أهل الأندلس وَمَا توسل إِلَيْهِم قطّ بهَا إِلَّا الْآن وَمَا يجهلون اغتنام هَذِه الْفَضِيلَة الغريبة وأملي مِنْكُم أَن يتَعَيَّن من بَين يديكم خديم بِكِتَاب كريم يتَضَمَّن الشَّفَاعَة فِي رد مَا أَخذ لي ويخبر بمثواي متراميا على قبر والدكم ويقرر مَا ألزمتكم بِسَبَب هَذَا الترامي من الضَّرُورَة المهمة والوظيفة الْكَبِيرَة عَلَيْكُم وعَلى قبيلكم حَيْثُ كَانُوا وتطلبون مِنْهُ عَادَة المكارمة بِحل هَذِه الْعقْدَة وَمن الْمَعْلُوم أَنِّي لَو طلبت بِهَذِهِ الْوَسَائِل من صلب مَا وسعهم بِالنّظرِ الْعقلِيّ إِلَّا حفظ الْوَجْه مَعَ هَذَا الْقَبِيل وَهَذَا الوطن فالحياء والحشمة يأبيان الْعذر عَن هَذَا فِي كل مِلَّة ونحلة وَإِذا تمّ هَذَا الْغَرَض وَلَا شكّ فِي إِتْمَامه بِاللَّه تَعَالَى تقع صدقتكم على الْقَبْر الْكَرِيم بِي وتعينوني لخدمة هَذَا الْمولى وزيارته وتفقده ومدح النَّبِي ﷺ لَيْلَة المولد فِي جواره وَبَين يَدَيْهِ وَهُوَ غَرِيب مُنَاسِب لبركم بِهِ إِلَى أَن أحج بَيت الله بعناية مقامكم وأعود دَاعيا مثنيا مستدعيا للشكر وَالثنَاء من أهل الْمشرق وَالْمغْرب وأتعوض من ذِمَّتِي بالأندلس ذمَّة بِهَذَا الرِّبَاط الْمُبَارك يَرِثهَا ذريتي وَقد ساومت فِي شَيْء من ذَلِك منتظرا ثمنه مِمَّا يُبَاع بالأندلس بشفاعتكم وَلَو ظَنَنْت أَنهم

стр. 723

يتوقفون لكم فِي مثل هَذَا أَو يتَوَقَّع فِيهِ وَحْشَة أَو جفَاء وَالله مَا طلبته لكِنهمْ أسرى وَأفضل وانقطاعي أَيْضا لوالدكم مِمَّا لَا يسع مجدكم إِلَّا عمل مَا يَلِيق بكم فِيهِ وَهَا أَنا أترقب جوابكم بِمَا لي عنْدكُمْ من الْقبُول ويسعني مجدكم فِي الطّلب وَخُرُوج الرَّسُول لاقْتِضَاء هَذَا الْغَرَض وَالله سُبْحَانَهُ يطلع من مولَايَ على مَا يَلِيق بِهِ وَالسَّلَام وَكتب فِي الْحَادِي عشر من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَفِي مدرج الْكتاب بعد نثر هَذِه القصيدة (مولَايَ هَا أَنا فِي جوَار أبيكا ... فابذل من الْبر الْمُقدر فيكا) (أسمعهُ مَا يرضيه من تَحت الثرى ... وَالله يسمعك الَّذِي يرضيكا) (وَاجعَل رِضَاهُ إِذا نهدت كَتِيبَة ... تهدي إِلَيْك النَّصْر أَو تهديكا) (واجبر بجبري قلبه تنَلْ المنا ... وتطالع الْفَتْح الْمُبين وشيكا) (فَهُوَ الَّذِي سنّ البرور بِأُمِّهِ ... وَأَبِيهِ فاشرع شَرعه لبنيكا) (وَابعث رَسُولك منذرا ومحذرا ... وَبِمَا تؤمل نيله يأتيكا) (قد هز عزمك كل قطر نازح ... وأخاف مَمْلُوكا بِهِ ومليكا) (فَإِذا سموت إِلَى مرام شاسع ... فغصونه ثَمَر المنا تجنيكا) (ضمنت رجال الله مِنْك مطالبي ... لما جعلتك فِي الثَّوَاب شَرِيكا) (فلئن كفيت وجوهها فِي مقصدي ... ورعيتها بركاتها تكفيكا) (وَإِذا قضيت حوائجي وأريتني ... أملا فربك مَا أردْت يريكا) (وَاشْدُدْ على قولي يدا فَهُوَ الَّذِي ... برهانه لَا يقبل التشكيكا) (مولَايَ مَا استأثرت عَنْك بمهجتي ... إِنِّي ومهجتي الَّتِي تفديكا) (لَكِن رَأَيْت جناب شالة مغنما ... يضفي على الْعِزّ فِي ناديكا) (وفروض حَقك لَا تفوت فوقتها ... بَاقٍ إِذا استجزيته يجزيكا) (ووعدتني وتكرر الْوَعْد الَّذِي ... أَبَت المكارم أَن يكون أفيكا) (أضفى عَلَيْك الله ستر عناية ... من كل مَحْذُور الطَّرِيق يقيكا) (ببقائك الدُّنْيَا تحاط وَأَهْلهَا ... فَالله ﷻ يبقيكا) وَقَالَ أَيْضا فِي الْغَرَض الْمَذْكُور

стр. 724

(عَن بَاب والدك الرضي لَا أَبْرَح ... يأسو الزَّمَان لأجل ذَا أَو يجرح) (ضربت خيامي فِي حماه فصبيتي ... تجني الْحَمِيم بِهِ وبهمي بشرح) (حَتَّى يُرَاعِي وَجهه فِي وجهتي ... بعناية تشفي الصُّدُور وتشرح) (أيسوغ عَن مثواه سيري خائبا ... ومنابر الدُّنْيَا بذكرك تصدح) (أَنا فِي حماه وَأَنت أبْصر بِالَّذِي ... يرضيه مِنْك فوزن عقلك أرجح) (فِي مثلهَا سيف الحمية ينتضى ... فِي مثلهَا زند الحفيظة يقْدَح) (وَعَسَى الَّذِي بَدَأَ الْجَمِيل يُعِيدهُ ... وَعَسَى الَّذِي سدا الْمذَاهب يفتح) فَأَجَابَهُ السُّلْطَان أَبُو سَالم ﵀ بِمَا صورته من عبد الله المستعين بِاللَّه إِبْرَاهِيم أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين أبي الْحسن ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين أبي سعيد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين الْمُجَاهِد فِي سَبِيل رب الْعَالمين يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق أيد الله أمره وأعز نَصره إِلَى الشَّيْخ الْفَقِيه الْأَجَل الْأَسْنَى الْأَعَز الأحظى الْأَوْجه الأنوه الصَّدْر الأحفل المُصَنّف البليغ الأعرف الْأَكْمَل أبي عبد الله ابْن الشَّيْخ الْأَجَل الْأَعَز الْأَسْنَى الْوَزير الأرفع الأنجد الْأَصِيل الْأَكْمَل المرحوم المبرور أبي مُحَمَّد بن الْخَطِيب وصل الله عزته ووالى رفعته سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته أما بعد حمد الله تَعَالَى وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالرِّضَا على آله وَصَحبه أَعْلَام الْإِسْلَام وأئمة الرشد وَالْهدى وصلَة الدُّعَاء لهَذَا الْأَمر الْعلي الْعَزِيز الْمَنْصُور المستعيني بالنصر الْأَعَز وَالْفَتْح الْأَسْنَى فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله تَعَالَى لكم بُلُوغ الْأَمر ونجح القَوْل وَالْعَمَل من منزلنا الأسعد بضفة وَادي ملوية يمنه الله وصنع الله جميل وَمِنْه جزيل وَالْحَمْد لله وَلكم عندنَا المكانة الْوَاضِحَة الدَّلَائِل والعناية المتكفلة برعي الْوَسَائِل ذَلِك بِمَا تميزتم بِهِ من التَّمَسُّك بالجناب الْعلي المولوي الْعلوِي جدد الله تَعَالَى عَلَيْهِ ملابس غفرانه وسقاه غيوث رَحمته وحنانه وَبِمَا أهديتم إِلَيْنَا من التَّقَرُّب لدينا بِخِدْمَة ثراه الطَّاهِر والاشتمال بمطارف حرمته السامية الْمظَاهر وَإِلَى هَذَا وصل الله حظوتكم

стр. 725

ووالى رفعتكم فَإِنَّهُ ورد علينا خطابكم الْحسن عندنَا قَصده الْمُقَابل بالإسعاف المستعذب ورده فوقفنا على مَا نَصه واستوفينا مَا شَرحه وقصه فآثرنا حسن تلطفكم فِي التوسل بأكبر الْوَسَائِل إِلَيْنَا ورعينا أكمل الرِّعَايَة حق ذَلِكُم الجناب الْعَزِيز علينا وَفِي الْحِين عينا لكَمَال مطلبكم وَتَمام مأربكم والتوجه بخطابنا فِي حقكم والاعتمال بوفقكم خديمينا أَبَا الْبَقَاء بن تاشكورت وَأَبا زَكَرِيَّاء بن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما وأمس تَارِيخه انفصلا مودعين إِلَى الْغَرَض الْمَعْلُوم بعد التَّأْكِيد عَلَيْهِمَا فِيهِ وَشرح الْعَمَل الَّذِي يُوفيه فكونوا على علم من ذَلِكُم وابسطوا لَهُ جملَة آمالكم وَإِنَّا لنَرْجُو ثَوَاب الله فِي جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم وَالله سُبْحَانَهُ يصل مبرتكم ويتولى تكرمتكم وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته كتب فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ فَرَاجعه ابْن الْخَطِيب بِمَا نَصه مولَايَ خَليفَة الله بِحَق وكبير مُلُوك الأَرْض عَن حجَّة ومعدن الشَّفَقَة وَالْحكمَة ببرهان وَحِكْمَة أبقاكم الله تَعَالَى على الدرجَة فِي المنعمين وافري الْحَظ عِنْد جَزَاء الْمُحْسِنِينَ وأراكم ثَمَرَة بر أبيكم فِي الْبَنِينَ وصنع لكم فِي عَدوكُمْ الصنع الَّذِي لَا يقف عِنْد مُعْتَاد وأذاق الْعَذَاب الْأَلِيم من أَرَادَ فِي مثابتكم بإلحاد عبدكم الَّذِي ملكتم رقّه وآويتم غربته وسترتم أَهله وَولده وأسنيتم رزقه وجبرتم قلبه وَيقبل موطئ الأخمص الْكَرِيم من رجلكم الطاهرة المستوجبة بِفضل الله تَعَالَى لموقف النَّصْر الفارغة هضبة الْعِزّ المعملة الخطوة فِي مجَال السعد ومسير الْحَظ ابْن الْخَطِيب من شالة الَّتِي تَأَكد بملككم الرضى احترامها وتجدد برعيتكم عهدها واستبشر بملككم دفينها وأشرق بحسناتكم نورها وَقد ورد على العَبْد الْجَواب المولوي الْبر الرَّحِيم الْمُنعم المحسن بِمَا يَلِيق بِالْملكِ الْأَصِيل وَالْقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الْأَب الْكَرِيم فَثَابَ الرَّجَاء وانبعث الأمل وَقَوي الْعَضُد وزار اللطف فَالْحَمْد لله الَّذِي أجْرى الْخَيْر على يدكم الْكَرِيمَة وأعانكم على رعي ذمام الصَّالِحين المتوسل إِلَيْكُم أَولا بقبورهم ومتعبداتهم وتراب

стр. 726

أجداثهم ثمَّ بِقَبْر مولَايَ ومولاكم وَمولى الْخلق أَجْمَعِينَ الَّذِي تسبب فِي وجودكم واختصكم بحبه وغمركم بِلُطْفِهِ وحنانه وعلمكم آدَاب الشَّرِيعَة وأورثكم ملك الدُّنْيَا وهيأتكم دَعْوَاهُ بالاستقامة إِلَى ملك الْآخِرَة بعد طول المدى وانفساخ الْبَقَاء وَفِي علومكم المقدسة مَا تَضَمَّنت الحكايات عَن الْعَرَب من النُّصْرَة عَن طَائِر داست أفراخه نَاقَة فِي جوَار رَئِيس مِنْهُم وَمَا انْتهى إِلَيْهِ الامتعاض لذَلِك مِمَّا أهينت فِيهِ الْأَنْفس وَهَلَكت الْأَمْوَال وقصارى من امتعض لذَلِك أَن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فَمَا الظَّن بكم وَأَنْتُم الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم فِيمَن لَجأ أَولا إِلَى حماكم بالأهل وَالْولد عَن حَسَنَة تبرعتم بهَا وَصدقَة حملتكم الْحُرِّيَّة على بذلها ثمَّ فِيمَن حط رَحل الاستجارة بضريح أكْرم الْخلق عَلَيْكُم دامع الْعين خافق الْقلب واهي الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأنني تراميت عَلَيْهِم فِي الْحَيَاة أَمَام الذعر يذهل الْعقل ويحجب عَن التميز بقصر دَاره ومضجع رقاده مَا من يَوْم إِلَّا وأجهر بعد التِّلَاوَة ياليعقوب يالمرين نسْأَل الله تَعَالَى أَن لَا يقطع عني معروفكم وَلَا يسلبني عنايتكم ويستعملني مَا بقيت فِي خدمتكم ويتقبل دعائي فِيكُم ولحين وُصُول الْجَواب الْكَرِيم نهضت إِلَى الْقَبْر الْمُقَدّس وَوَضَعته بإزائه وَقلت يَا مولَايَ يَا كَبِير الْمُلُوك وَخَلِيفَة الله وبركة بني مرين صَاحب الشُّهْرَة وَالذكر فِي الْمشرق وَالْمغْرب عَبدك الْمُنْقَطع إِلَيْك المترامي بَين يَدي قبرك المتوسل إِلَى الله ثمَّ ولدك بك ابْن الْخَطِيب وَصله من مَوْلَاهُ ولدك مَا يَلِيق بمقامه من رعي وَجهك والتقرب إِلَى الله برعيك والاشتهار فِي مشرق الدُّنْيَا وَمَغْرِبهَا ببرك وَأَنْتُم من أَنْتُم من إِذا صنع صَنِيعه كملها وَإِذا من منَّة تممها وَإِذا أسدى يدا أبرزها طَاهِرَة بَيْضَاء غير مَعِيبَة وَلَا ممنونة وَلَا منتقصة وَأَنا بعد تَحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حَتَّى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نِعْمَتك بِي ويطمئن إِلَى مأمنك قلبِي ثمَّ قلت للطلبة أَيهَا السَّادة بيني وَبَيْنكُم تِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى مُنْذُ أَيَّام ومناسبة النحلة وأخوة التَّأْلِيف بِهَذَا الرِّبَاط الْمُقَدّس وَالسُّكْنَى بَين أظْهركُم فَأمنُوا على دعائي بإخلاص من قُلُوبكُمْ واندفعت فِي الدُّعَاء

стр. 727

والتوسل الَّذِي أَرْجُو أَن يتقبله الله تَعَالَى وَلَا يضيعه وخاطب العَبْد مَوْلَاهُ شاكرا لنعمته مشيدا بصنيعته ومسرورا بقبوله وشأنه من التَّعَلُّق والتطارح شَأْنه حَتَّى يكمل الْقَصْد وَيتم الْغَرَض معمور الْوَقْت بِخِدْمَة يرفعها وَدُعَاء يردده وَالله الْمُسْتَعَان أه وَلما وصل كتاب السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى أهل الأندلس أعظموا وسيلته وقبلوا شَفَاعَته وردوا إِلَى ابْن الْخَطِيب مَا تأتى رده مِمَّا كَانَ ضَاعَ لَهُ وأتلف عَلَيْهِ وَاسْتمرّ مُقيما بسلا سنتَيْن وَزِيَادَة ثمَّ استدعاه سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى الأندلس بعد رُجُوعه إِلَيْهَا واحتوائه على ملكهَا فَأجَاب حَيَاء لَا رَغْبَة ومكرها لَا بطلا إِلَى كَانَ مَا نذكرهُ من شَأْنه بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله ونوادره بسلا وَمَا جرياته كَثِيرَة وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة انْتِقَاض الْحسن بن عمر الفودودي وَخُرُوجه بتادلا ثمَّ مَقْتَله عقب ذَلِك قد قدمنَا أَن السُّلْطَان أَبَا سَالم لما استولى على ملك فاس وَالْمغْرب عقد لِلْحسنِ بن عمر على مراكش وَوَجهه إِلَيْهَا تخففا مِنْهُ وريبة بمكانه من الدولة فاستقر بهَا وتأثلت لَهُ بهَا رياسة نَفسهَا عَلَيْهِ أهل مجْلِس السُّلْطَان وَسعوا فِيهِ عِنْده حَتَّى تنكر لَهُ وأظلم الجو بَينهمَا وأحس الْحسن بن عمر بذلك فخشي على نَفسه وَخرج من مراكش فِي صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فلحق بتادلا منحرفا عَن السُّلْطَان ومرتكبا للْخلاف فَتَلقاهُ بَنو جَابر من عرب جشم وأجاروه واعصوصبوا عَلَيْهِ فسرح إِلَيْهِ السُّلْطَان أَبُو سَالم وزيره الْحسن بن يُوسُف الورتاجني فاحتل بتادلا وانشمر الْحسن بن عمر إِلَى الْجَبَل بهَا فاعتصم بِهِ وَمَعَهُ كَبِير بني جَابر الْحسن بن عَليّ الورديغي فأحاطت بهم العساكر وَأخذُوا بمخنقهم وداخل الْوَزير بعض أهل الْجَبَل من برابرة صناكة فِي الثورة بهم وسرب إِلَيْهِم المَال فثاروا بهم وانفض جمعهم وتقبضوا على الْحسن بن عمر وقادوه برمتِهِ إِلَى الْحسن بن يُوسُف فاعتقله وانكفأ رَاجعا بِهِ إِلَى الحضرة فَدَخلَهَا فِي يَوْم مشهود استركب السُّلْطَان فِيهِ الْجند

стр. 728

وَجلسَ ببرج الذَّهَب مَقْعَده من ساحة الْبَلَد وَحمل الْحسن بن عمر على جمل فطيف بِهِ بَين تِلْكَ الجموع وَلما قرب من مجْلِس السُّلْطَان أَوْمَأ إِلَى تَقْبِيل الأَرْض من فَوق جمله ثمَّ ركب السُّلْطَان إِلَى قصره وانفض الْجمع وَقد شهر الْحسن بن عمر وَأَصْحَابه فصاروا عِبْرَة لمن اعْتبر وَلما دخل السُّلْطَان قصره جلس على كرسيه واستدعى خاصته وجلساءه وأحضر ابْن عمر فوبخه وَقرر عَلَيْهِ ذنُوبه فتلوى بالمعاذير وفزع إِلَى الْإِنْكَار قَالَ ابْن خلدون وَحَضَرت هَذَا الْمجْلس يَوْمئِذٍ فِيمَن حَضَره من الْخَاصَّة فَكَانَ مقَاما تسيل فِيهِ الْعُيُون رَحْمَة وعبرة ثمَّ أَمر بِهِ السُّلْطَان فسحب على وَجهه ونتفت لحيته وَضرب بالعصى وثل إِلَى محبسه ثمَّ قتل بعد لَيَال قعصا بِالرِّمَاحِ خَارج الْبَلَد وَنصب شلوه بِبَاب المحروق رَحمَه الله تَعَالَى نهوض السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا لما استوسق للسُّلْطَان أبي سَالم ملك الْمغرب ومحا أثر الْخَوَارِج مِنْهُ سمت همته إِلَى تملك تلمسان كَمَا كَانَ لِأَبِيهِ وأخيه من قبل وأكد عزمه على ذَلِك مَا كَانَ من فرار عبد الله بن مُسلم الزرد إِلَى عاملهم على درعة إِلَيْهَا فأجمع السُّلْطَان أَبُو سَالم النهوض إِلَيْهَا وعسكر بِظَاهِر فاس الْجَدِيد منتصف سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلما توافت لَدَيْهِ الحشود وتكاملت بسدته الْجنُود ارتحل إِلَى تلمسان واتصل خبر نهوضه بسلطانها أبي حمو بن يُوسُف الزياني ووزيره عبد الله بن مُسلم الزردالي فَنَادوا فِي الْعَرَب من بني عَامر بن زغبة وَبني معقل فأجابوهم كَافَّة الأشرذمة قَليلَة من الأحلاف ثمَّ خرج أَبُو حمو وشيعته عَن تلمسان إِلَى الصَّحرَاء والتفت عَلَيْهِ الْعَرَب بحللها وَلما دخل السُّلْطَان أَبُو سَالم تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا خَالفه أَبُو حمو فِي عربه إِلَى الْمغرب فنزلوا آكرسيف ووطاط وبلاد ملوية وحطموا زروعها وانتسفوا بركتها وخربوا عمرانها وَبلغ السُّلْطَان أَبَا سَالم مَا كَانَ من إفسادهم فأهمه أَمر الْمغرب وَكَانَ فِي جملَته من بني زيان مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن

стр. 729

السُّلْطَان أبي تاشفين ويكنى أَبَا زيان فعقد لَهُ على تلمسان وَأَعْطَاهُ الْآلَة وَجمع لَهُ جَيْشًا من مغراوة وَبني توجين وَدفع لَهُم أعطياتهم وانكفأ رَاجعا إِلَى فاس فأجفل أَبُو حمو وَالْعرب أَمَامه ثمَّ خالفوه إِلَى تلمسان فطردوا عَنْهَا أَبَا زيان واستولوا عَلَيْهَا وَثَبت قدم أبي حمو بهَا وَعَاد أَبُو زيان إِلَى الْمغرب لاحقا بالسلطان أبي سَالم قبله وَعقد المهادنة مَعَ أبي حمو وَاسْتقر الْأَمر على ذَلِك وَقد كَانَ ابْن الْخَطِيب عِنْدَمَا بلغه اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي سَالم على تلمسان هنأه بقصيدة طَوِيلَة يَقُول فِي مطْلعهَا (أطَاع لساني فِي مديحك إحساني ... وَقد لهجت نَفسِي بِفَتْح تلمسان) وَيَقُول فِي أَثْنَائِهَا وَقد ألم بِشَيْء من علم الْأَحْكَام النجومية لميل السُّلْطَان إِلَيْهِ (وَللَّه من ملك سعيد ونصبة ... قضى المُشْتَرِي فِيهَا بعزلة كيوان) (وسجل حكم الْعدْل من بيوتها ... وقوفا مَعَ الْمَشْهُور من رَأْي يونان) (فَلم تخشى سهم الْقوس صفحة بدرها ... وَلم تشك فِيهَا الشَّمْس من بخس ميزَان) (وَلم يعْتَرض مبتزها قطع قَاطع ... وَلَا نازعت نوبهرها كف عدوان) (تولى اخْتِيَار الله حسن اخْتِيَارهَا ... فَلم يحْتَج الفرغان فِيهَا لفرغان) (وَلَا صرفت فِيهَا دقائق نِسْبَة ... وَلَا حققت فِيهَا طوالع بلدان) وفادة السودَان من أهل مَالِي على السُّلْطَان أبي سَالم وإغرابهم فِي هديتهم بالزرافة الْحَيَوَان الْمَعْرُوف قد تقدم لنا مَا جرى من المواصلة بَين السُّلْطَان أبي الْحسن وَالسُّلْطَان منسا مُوسَى وأخيه أَو ابْنه من بعده منسا سُلَيْمَان وَتردد الْوُفُود وإسناء الْهَدَايَا بَينهم وَقد كَانَ السُّلْطَان منسا سُلَيْمَان قد هيأ هَدِيَّة نفيسة بِقصد أَن يبعثها إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن مُكَافَأَة لَهُ على هديته فَهَلَك السُّلْطَان أَبُو الْحسن خلال ذَلِك ثمَّ هلك السُّلْطَان منسا سُلَيْمَان بعده وَاخْتلف أهل مَالِي وافترق أَمرهم وتقاتلوا على الْملك إِلَى أَن جمع الله كلمتهم على السُّلْطَان منسا زاطة واستوسق لَهُ الْأَمر ثمَّ نظر فِي أعطاف ملكه وَأخْبر بشأن الْهَدِيَّة الَّتِي كَانَ منسا

стр. 730

سُلَيْمَان قد هيأها لملك الْمغرب فَأمر بإنفاذها إِلَيْهِ وَضم إِلَيْهَا الزرافة الْحَيَوَان الْغَرِيب الشكل الْعَظِيم الهيكل الْمُخْتَلف الشّبَه بالحيوانات وفصلوا بهَا من بِلَادهمْ فوصلوا إِلَى حَضْرَة فاس فِي صفر من سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ يَوْم وفادتهم يَوْمًا مشهودا جلس لَهُم السُّلْطَان ببرج الذَّهَب بمجلسه الْمعد لعرض الْجنُود وَنُودِيَ فِي النَّاس بالبروز إِلَى الصَّحرَاء فبرزوا يَنْسلونَ من كل حدب حَتَّى غص بهم الفضاء وَركب بَعضهم بَعْضًا فِي الازدحام على الزرافة إعجابا بخلقتها وَحضر الْوَفْد بَين يَدي السُّلْطَان وأدوا رسالتهم بتأكيد الود والمخالصة والعذر عَن إبطاء الْهَدِيَّة بِمَا كَانَ من اخْتِلَاف أهل مَالِي وتواثبهم على الْأَمر وتعظيم سلطانهم وَمَا صَار إِلَيْهِ والترجمان يترجم عَنْهُم وهم يصدقونه بالنزع فِي أوتار قسيهم عَادَة مَعْرُوفَة لَهُم وحيوا السُّلْطَان بِأَن جعلُوا يحثون التُّرَاب على رؤوسهم على سنة مُلُوك الْعَجم وَأنْشد الشُّعَرَاء فِي معرض الْمَدْح والتهنئة وَوصف الْحَال ثمَّ ركب السُّلْطَان إِلَى قصره وانفض ذَلِك الْجمع وَقد طَار بِهِ طَائِر الاشتهار وَاسْتقر الْوَفْد تَحت جراية السُّلْطَان أبي سَالم إِلَى أَن هلك قبل انصرافهم فوصلهم الْقَائِم بِالْأَمر من بعده وَانْصَرفُوا إِلَى مراكش ثمَّ مِنْهَا إِلَى ذَوي حسان عرب السوس الْأَقْصَى من بني معقل المتصلين ببلادهم وَمن هُنَاكَ لَحِقُوا بسلطانهم وَالْأَمر كُله لله وَكَانَ مِمَّا قيل من الشّعْر فِي ذَلِك الْيَوْم قَول ابْن خلدون من قصيدة يَقُول فِي مطْلعهَا (قدحت يَد الأشواق من زند ... وهفت بقلبي زفرَة الوجد) إِلَى أَن قَالَ فِي وصف الزرافة (ورقيمة الأعطاف حَالية ... موشية بوشائع الْبرد) (وحشية الْأَنْسَاب مَا أنست ... فِي موحش الْبَيْدَاء بالقرد) (تسمو بجيد بَالغ صعدا ... شرف الصروح بِغَيْر مَا جهد) (طَالَتْ رُؤُوس الشامخات بِهِ ... ولربما قصرت عَن الوهد)

стр. 731

(قطعت إِلَيْك تنائفا وصل ... أسئادها بِالنَّصِّ والوخد) (تحدى على استصعابها ذللا ... وتبيت طوع الْقِنّ وَالْقد) (بسعودك اللائي ضمن لنا ... طول الْحَيَاة بعيشة رغد) (جاءتك فِي وَفد الأحابش لَا ... يرجون غَيْرك مكرم الْوَفْد) (وافوك أنضاء تقليبهم ... أَيدي السرى بالغور والنجد) (كالطيف يستقري مضاجعه ... أَو كالحسام يسل من غمد) (يثنون بِالْحُسْنَى الَّتِي سبقت ... من غير إِنْكَار وَلَا جحد) (ويرون لحظك من وفادتهم ... فخرا على الأتراك والهند) (يَا مستعينا جلّ فِي شرف ... عَن رُتْبَة الْمَنْصُور وَالْمهْدِي) (جازاك رَبك عَن خليقته ... خير الْجَزَاء فَنعم مَا تسدى) (وَبقيت للدنيا وساكنها ... فِي عزة أبدا وَفِي سعد) وَقَول الْكَاتِب البارع أبي عبد الله بن زمرك الأندلسي من قصيدة يَقُول فِي مطْلعهَا (لَوْلَا تألق بارق التذْكَار ... مَا صاب واكف دمعي المدرار) (لكنه مهما تعرض خافقا ... قدحت يَد الأشواق زند أواري) إِلَى أَن قَالَ فِي الْغَرَض الْمَذْكُور (وغريبة قطعت إِلَيْك على الونى ... بيدا تبيد بهَا هموم الساري) (تنسيه طيته الَّتِي قد أمهَا ... والركب فِيهَا ميت الْأَخْبَار) (يقتادها من كل مُشْتَمل الدجى ... فَكَأَنَّمَا عَيناهُ جذوة نَار) (تشدو بِحَمْد المستعين حداتها ... يتعللون بِهِ على الأكوار) (إِن مسهم لفح الهجير أبلهم ... مِنْهُ نسيم ثنائك المعطار) (خَاضُوا بهَا لجج الفلا فتخلصت ... مِنْهَا خلوص الْبَدْر بعد سرار) (سلمت بسعدك من غوائل مثلهَا ... وَكفى بسعدك حاميا لذمار) (وأتتك يَا ملك الزَّمَان غَرِيبَة ... قيد النواظر نزهة الْأَبْصَار) (موشية الأعطاف رائقة الحلى ... رقمت بدائعها يَد الأقدار) (راق الْعُيُون أديمها فَكَأَنَّهُ ... روض تفتح عَن شَقِيق بهار)

стр. 732

(مَا بَين مبيض وأصفر فَاقِع ... سَالَ اللجين بِهِ خلال نضار) (يَحْكِي حدائق نرجس فِي شَاهِق ... تنساب فِيهِ أراقم الْأَنْهَار) (تحدو قَوَائِم كالجذوع وفوقها ... جبل أَشمّ بنوره متواري) (وسمت بجيد مثل جذع مائل ... سهل التعطف لين خوار) (تستشرف الجدرات مِنْهُ ترائبا ... فَكَأَنَّمَا هُوَ قَائِم بمنار) (تاهت بكلكلها وأتلع جيدها ... وَمَشى بهَا الْإِعْجَاب مشي وقار) (خَرجُوا لَهَا الجم الْغَفِير وَكلهمْ ... متعجب من لطف صنع الْبَارِي) (كل يَقُول لصحبه قومُوا انْظُرُوا ... كَيفَ الْجبَال تقاد بالأسيار) (أَلْقَت ببابك رَحلهَا ولطالما ... ألْقى الْغَرِيب بِهِ عَصا التسيار) (علمت مُلُوك الأَرْض أَنَّك فخرها ... فتسابقت لرضاك فِي مضمار) (يتبوؤون بِهِ وَإِن بعد المدى ... من جاهك الْأَعْلَى أعز جوَار) (فارفع لِوَاء الْفَخر غير مدافع ... واسحب ذيول الْعَسْكَر الجرار) (واهنأ بأعياد الْفتُوح مخولا ... مَا شِئْت من نصر وَمن أنصار) (وإليكها من روض فكري نفحة ... شف الثَّنَاء بهَا على الأزهار) (فِي فصل منطقها ورائق رسمها ... مستمتع الأسماع والأبصار) (وتميل من أصغى لَهَا فكأنني ... عاطيته مِنْهَا كؤوس عقار) مقتل السُّلْطَان أبي سَالم ﵀ وَالسَّبَب فِي ذَلِك كَانَ السُّلْطَان أَبُو سَالم ﵀ قد غلب على هَوَاهُ الْخَطِيب أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق وَألقى زِمَام الدولة بِيَدِهِ فنقم خَاصَّة السُّلْطَان وحاشيته ذَلِك عَلَيْهِ وسخطوا الدولة من أَجله ومرضت قُلُوب أهل الْحل وَالْعقد من تقدمه فتربصوا بالدولة الدَّوَائِر إِلَى أَن كَانَت أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فتحول السُّلْطَان أَبُو سَالم عَن دَار الْملك من فاس الْجَدِيد إِلَى القصبة من فاس الْقَدِيم واختط بهَا إيوانا فخما لجلوسه فَلَمَّا استولى عمر بن عبد الله ابْن عَليّ بن سعيد الفودودي أحد كبراء الدولة ووزرائها على دَار الْملك إِذْ كَانَ السُّلْطَان أَبُو سَالم قد خَلفه أَمينا عَلَيْهَا حدثته نَفسه بالتوثب وَسَهل

стр. 733

ذَلِك عَلَيْهِ مَا كَانَ قد عرفه من مرض الْقُلُوب على السُّلْطَان لمَكَان ابْن مَرْزُوق فداخل قَائِد جند النَّصَارَى غرسية بن أنطول واتعدوا لذَلِك لَيْلَة الثُّلَاثَاء السَّابِع عشر من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فعمدوا إِلَى تاشفين الموسوس ابْن أبي الْحسن فخلعوا عَلَيْهِ وألبسوه شارة الْملك وقربوا لَهُ مركبا وأجلسوه مجْلِس السُّلْطَان وأكرهوا شيخ الحامية والناشبة مُحَمَّد بن الزَّرْقَاء على الْبيعَة وجاهروا بالخلعان وقرعوا الطبول ودخلوا إِلَى بَيت المَال ففرضوا الْعَطاء من غير تَقْدِير وَلَا حِسَاب وماج الْجند بفاس الْجَدِيد بَعضهم فِي بعض واختطفوا مَا وصلوا إِلَيْهِ من الْعَطاء ثمَّ انتهبوا مَا كَانَ بالمخازن الخارجية من السِّلَاح وَالْعدة وأضرموا النيرَان فِي بيوتها سترا على مَا ضَاعَ مِنْهَا وَأصْبح السُّلْطَان أَبُو سَالم بمكانه من قَصَبَة فاس الْقَدِيم وَكَانَ قد تحول إِلَيْهَا فِرَارًا من قَاطع فلكي خَوفه إِيَّاه بعض منجميه فَكَانَ الْبلَاء فِيهِ موكلا بالْمَنْطق فَلَمَّا علم بالكائنة ركب وَاجْتمعَ إِلَيْهِ من حضر من أوليائه وَغدا على فاس الْجَدِيد وَطَاف بهَا يروم اقتحامها فامتنعت عَلَيْهِ ثمَّ اضْطربَ مُعَسْكَره بكدية العرائس لحصارها ونادى فِي النَّاس بالاجتماع إِلَيْهِ وَلما كَانَ وَقت الهاجرة دخل فسطاطة للقيلولة فتسايل النَّاس عَنهُ إِلَى فاس الْجَدِيد فوجا بعد فَوْج بمرأى مِنْهُ إِلَى أَن انفض عَنهُ خاصته وَأَهله مَجْلِسه فَطلب النَّجَاء بِنَفسِهِ وَركب فِي لمة من الفرسان وَفِيهِمْ وزيراه سُلَيْمَان بن دَاوُد ومسعود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي ومقدم الموَالِي والجند بِبَابِهِ سُلَيْمَان بن ونصار وَأذن لِابْنِ مَرْزُوق فِي الدُّخُول إِلَى دَاره وَمضى هُوَ على وَجهه فِيمَن مَعَه وَلما غشيهم اللَّيْل انْفَضُّوا عَنهُ حَتَّى بَقِي وَحده وَرجع الوزيران إِلَى دَار الْملك فتقبض عَلَيْهِمَا رَئِيس الثورة عمر بن عبد الله الفودودي ومشاركه فِيهَا غرسية بن أنطول النَّصْرَانِي واعتقلاهما مُتَفَرّقين وَبعث عمر بن عبد الله الطّلب فِي أثر السُّلْطَان أبي سَالم فعثروا عَلَيْهِ نَائِما من الْغَد فِي بعض المجاشر بوادي ورغة وَقد غير لِبَاسه اختفاء بشخصه وتواريا عَن الْعُيُون بمكانه فتقبضوا عَلَيْهِ وَحَمَلُوهُ على بغل وطيروا بالْخبر إِلَى عمر بن عبد الله فأزعج لتلقيه شُعَيْب بن مَيْمُون بن دَاوُد وَفتح الله بن عَامر بن فتح الله

стр. 734

السدراتي وَأَمرهمَا بقتْله وإنفاذ رَأسه فلقياه بخندق الْقصب إزاء كدية العرائس فأمرا بعض جند النَّصَارَى أَن يتَوَلَّى ذبحه فَفعل وحملوا رَأسه فِي مخلاة ووضعوه بَين يَدي الْوَزير الثائر ومشيخته وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَدفن بالقلة خَارج بَاب الجيسة بِأَعْلَى جبل الْعرض الْمَعْرُوف بجبل الزَّعْفَرَان قَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة كَانَ السُّلْطَان أَبُو سَالم ﵀ بَقِيَّة الْبَيْت وَآخر الْقَوْم دماثه وحياء وبعدا عَن الشرور وركونا للعافية قَالَ وأنشدت على قَبره الَّذِي ووريت بِهِ جثته قصيدة أدّيت فِيهَا بعض حَقه (بنى الدُّنْيَا بني لمع السراب ... لدوا للْمَوْت وَابْنُوا للخراب) وَمن أَعْيَان وزرائه أَبُو عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَرْزُوق العجيسي الْخَطِيب الْمَشْهُور الَّذِي مر ذكره آنِفا وَمن قُضَاة عسكره أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن يحيى الأندلسي الْبُرْجِي وَمن أَعْيَان كِتَابه الرئيس أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون صَاحب التَّارِيخ وَأَبُو الْقَاسِم عبد الله بن يُوسُف بن رضوَان النجاري من أهل مالقة صَاحب كتاب السياسة وَغَيره وَمِمَّا نظمه هَذَا الْفَاضِل عَن إِذن السُّلْطَان أبي سَالم ﵀ ليكتب فِي طرة قبَّة رياض الغزلان من حَضرته قَوْله

стр. 735

(هَذَا مَحل المنى بالأمن مغمور ... من حلّه فَهُوَ بالأمان محبور) (مأوى النَّعيم بِهِ مَا شِئْت من ترف ... تهوى محاسنه الْولدَان والحور) (ويطلع الرَّوْض مِنْهُ مصنعا عجبا ... يضاحك النُّور من لألائه النُّور) (ويسطع الزهر من أرجائه أرجا ... ينافح الندى نشر مِنْهُ منشور) (مغنى السرُور سقَاهُ الله مَا حملت ... غر الْغَمَام وحلته الأزاهير) (انْظُر إِلَى الرَّوْض تنظر كل معجبة ... مِمَّا ارْتَضَاهُ لرأي الْعين تحبير) (مر النسيم بِهِ يَبْغِي القرا فقرا ... دَرَاهِم النُّور تبديد وتنثير) (وهامت الشَّمْس فِي حسن الظلال بِهِ ... ففرقت فَوْقه مِنْهَا دَنَانِير) (كَأَنَّمَا الطير فِي أفنائها صدحت ... بشكر مَالِكهَا وَالْفضل مشكور) (والدوح ناعمة تهتز من طرب ... همسا وَصَوت غناء الطير مجهور) (وَالنّهر شقّ بِسَاط الأَرْض تحسبه ... سَيْفا وَلكنه فِي السّلم مَشْهُور) (ينساب للجنة الخضراء أزرقه ... كالأيم جد انسياب وَهُوَ مذعور) (هذي مصانع مَوْلَانَا الَّتِي جمعت ... شَمل السرُور وَأمر السعد مَأْمُور) (وَهَذِه الْقبَّة الغراء مَا نظرت ... لشكلها الْعين إِلَّا عز تنظير) (وَلَا يصورها فِي الْفَهم ذُو فكر ... إِلَّا وَمِنْه لكل الْحسن تَصْوِير) (وَلَا يرام بحصر وصف مَا جمعت ... من المحاسن إِلَّا صد تَقْصِير) (فِيهَا المقاصير تحميها مهابته ... لله مَا جمعت تِلْكَ المقاصير) (كَأَنَّهَا الْأُفق تبدو النيرات بِهِ ... ويستقيم بهَا فِي السعد تسيير) (وينشأ المزن فِي أرجائه وَله ... من عنبر الشحر إنْشَاء وتسخير) (وينهمي الْقطر مِنْهُ وَهُوَ منسكب ... مَاء من الْورْد يذكو مِنْهُ تعطير) (وتخفق الرّيح مِنْهُ وَهِي ناسمة ... مِمَّا أهب بِهِ مسك وكافور) (ويشرق الصُّبْح مِنْهُ وَهُوَ من غرر ... غر تلألأ مِنْهُنَّ الأسارير) (وتطلع الشَّمْس فِيهِ من سنا ملك ... تَبَسم الدَّهْر مِنْهُ وَهُوَ مسرور) وَمضى فِي مدح السُّلْطَان وَالله تَعَالَى يتغمد الْجَمِيع برحمته بمنه وَكَرمه

стр. 736

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عمر تاشفين الموسوس ابْن أبي الْحسن المريني هَذَا السُّلْطَان كَانَ محجوبا لوزيره عمر بن عبد الله الفودودي لَا يملك مَعَه ضرا وَلَا نفعا أمه أم ولد اسْمهَا مَيْمُونَة صفته طَوِيل الْقَامَة عَظِيم الهيكل بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ أعين أدعج وَكَانَ فَارِسًا بطلا قوي الساعد إِلَّا أَنه كَانَ نَاقص الْعقل وَلما ثار عمر بن عبد الله بالسلطان أبي سَالم وسعى فِي هَلَاكه إِلَى أَن قتل كَمَا مر استبد بِأَمْر الدولة وَنصب هَذَا الموسوس يموه بِهِ على النَّاس فبويع لَيْلَة الثُّلَاثَاء التَّاسِع عشر من ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا سبق وَكَانَ نُقْصَان عقل تاشفين من أجل الْأسر الَّذِي أَصَابَهُ بوقعة طريف أَيَّام وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى أَن افتدي وَبَقِي نَاقص الْعقل مختل المزاج إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ الفتك بغرسية بن أنطول قَائِد النَّصَارَى ومقتل جنده مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما قبض عمر بن عبد الله على الوزيرين مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَسليمَان بن دَاوُد سجنهما مُتَفَرّقين فَأخذ إِلَيْهِ ابْن ماساي لمَكَان صهره مِنْهُ وَدفع لغرسية سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَانَ سُلَيْمَان بن ونصار قد فر مَعَ السُّلْطَان أبي سَالم كَمَا مر وَلما رَجَعَ عَنهُ فِيمَن رَجَعَ نزل على غرسية فَقبله وأكرمه وَكَانَ يعاقره الْخمر ففاوضه ذَات لَيْلَة فِي الثورة بعمر بن عبد الله واعتقاله وَإِقَامَة سُلَيْمَان بن دَاوُد المسجون بداره مقَامه لما هُوَ عَلَيْهِ من السن ورسوخ الْقدَم فِي الْأَمر ونما الْخَبَر بذلك إِلَى عمر بن عبد الله فارتاب

стр. 737

وَكَانَ خلوا من العصبية فَفَزعَ إِلَى قَائِد الْمركب السلطاني من ناشبة الأندلس ورماتها وَهُوَ يَوْمئِذٍ إِبْرَاهِيم البطروجي فعاقده على أمره وَبَايَعَهُ على الاستماتة دونه ثمَّ رأى أَن ذَلِك لَا يَكْفِيهِ فَفَزعَ ثَانِيًا إِلَى يحيى بن عبد الرَّحْمَن شيخ بني مرين وَصَاحب شوارهم فَشَكا إِلَيْهِ فأشكاه ووعده الفتك بِابْن أنطول وَأَصْحَابه وانبرم عقد ابْن أنطول وَسليمَان بن ونصار أَيْضا على عمر بن عبد الله وغدوا إِلَى الْقصر وداخل ابْن أنطول طَائِفَة من النَّصَارَى استظهارا بهم وتوافت بَنو مرين بِمَجْلِس السُّلْطَان على عَادَتهم وَحضر ابْن أنطول والبطروجي وَيحيى بن عبد الرَّحْمَن وَغير هَؤُلَاءِ من الْوُجُوه فَسَأَلَ عمر بن عبد الله من ابْن أنطول تَحْويل سُلَيْمَان بن دَاوُد من دَاره إِلَى السجْن فَأبى وضن بِهِ عَن الإهانة حَتَّى سَأَلَ مثلهَا من ابْن ماساي صَاحبه فَأمر عمر بالتقبض عَلَيْهِ فكشر فِي وُجُوه الرِّجَال وَاخْتَرَطَ سكينه للمدافعة فتواثبت بَنو مرين عَلَيْهِ وقتلوه لحينه واستلحموا من وجدوا بِالدَّار من جنده النَّصَارَى عِنْد دُخُولهمْ مَعَ قائدهم وفر بَعضهم إِلَى معسكرهم وَيعرف بالملاح جوَار فاس الْجَدِيد وأرجف الغوغاء بِالْمَدِينَةِ أَن ابْن أنطول قد غدر بالوزير فَقتلُوا جند النَّصَارَى حَيْثُ وجدوهم من سِكَك الْمَدِينَة وتزاحفوا إِلَى الملاح لاستلحام من بَقِي بِهِ مِنْهُم وَركبت بَنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء وانتهب يَوْمئِذٍ الْكثير من أَمْوَالهم وآنيتهم وأمتعتهم وَقتل النَّصَارَى أَيْضا كثيرا من مجان الْمُسلمين كَانُوا يعاقرون الْخمر بالملاح ثمَّ سكنت الهيعة وَمَا كَادَت واستبد عمر بن عبد الله بدار الْملك واعتقل سُلَيْمَان بن ونصار إِلَى اللَّيْل ثمَّ بعث من قَتله بمحبسه وحول سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى بعض الدّور من دَار الْملك فاعتقله بهَا وَاسْتولى على أمره ثمَّ خَاطب عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي فِي اتِّصَال الْيَد بِهِ واقتسام ملك الْمغرب بَينه وَبَينه وَبعث إِلَيْهِ بِأبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم اعتده عِنْده ليَوْم مَا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين مشيخة بني مرين فَاجْتمعُوا على كَبِيرهمْ يحيى بن عبد الرَّحْمَن وعسكروا بِبَاب الْفتُوح واستدعوا عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ ابْن السُّلْطَان أبي سعيد من تلمسان على مَا نذكرهُ

стр. 738

ظُهُور عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بن أبي سعيد ومحاصرته لفاس الْجَدِيد ثمَّ فراره عَنْهَا قد قدمنَا فِي أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن أَن أَخَاهُ أَبَا عَليّ صَاحب سجلماسة كَانَ قد انْتقض عَلَيْهِ فأمكنه الله مِنْهُ فَقتله وكفل أَوْلَاده فَلم يُمَيّز بَينهم وَبَين أَوْلَاده فِي شَيْء من الْأَشْيَاء وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى أبي عنان بعث جمَاعَة من إخْوَته وقرابته إِلَى الأندلس تَحت حياطة ابْن الْأَحْمَر وَكَانَ فيهم أَوْلَاد أبي عَليّ هَؤُلَاءِ ثمَّ بعد حِين سرحوا وَقدمُوا تلمسان على سلطانها أبي حمو بن يُوسُف فَكَانُوا عِنْده إِلَى هَذَا التَّارِيخ فَلَمَّا فسد مَا بَين عمر بن عبد الله وشيوخ بني مرين بعثوا إِلَى تلمسان جملَة مِنْهُم لاستقدام عبد الْحَلِيم الْمَذْكُور فسرحه أَبُو حمود وأعانه بِشَيْء من الْآلَة وَجمع عَلَيْهِ من رغب فِي طَاعَته وزحف إِلَى فاس فَتَلَقَّتْهُ جمَاعَة بني مرين بسبو ونزلوا على فاس الْجَدِيد يَوْم السبت سَابِع محرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واضطربوا معسكرهم بكدية العرائس وحاصروا دَار الْملك سَبْعَة أَيَّام وَتَتَابَعَتْ وفودهم وحشودهم ثمَّ إِن عمر بن عبد الله برز يَوْم السبت الْقَابِل فِي مُقَدّمَة السُّلْطَان تاشفين بِمن مَعَه من جند الْمُسلمين وَالنَّصَارَى رامحة وناشبة ووكل بالسلطان من جَاءَ بِهِ فِي السَّاقَة على التعبية المحكمة وناوشهم الْحَرْب فزحفوا إِلَيْهِ فاستطرد لَهُم ليتَمَكَّن الناشبة من عقرهم من الأسوار حَتَّى فَشَتْ فيهم الْجِرَاحَات ثمَّ صمم نحوهم فانفرج الْقلب وانفضت الجموع ثمَّ زحف السُّلْطَان تاشفين فِي السَّاقَة فابذعروا فِي الْجِهَات وافترق بَنو مرين إِلَى مواطنهم وَلحق يحيى بن عبد الرَّحْمَن بمراكش مَعَ مبارك بن إِبْرَاهِيم شيخ الْخَلْط وَلحق عبد الْحَلِيم وَإِخْوَته بتازا بعد أَن شهد لَهُم رجال الدولة بِصدق الجلاد وَحسن الْبلَاء فِي ذَلِك الْمقَام

стр. 739

ثمَّ إِن الْوَزير عمر بن عبد الله رَاجع بصيرته فِي تَقْدِيم الْمَعْتُوه لِلْأَمْرِ وَعلم أَن الْأَمر لَا يَسْتَقِيم لَهُ بذلك فبادر باستقدام أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ عِنْد الطاغية بدار الْحَرْب فَقدم وخلع الْوَزير الْمَذْكُور سُلْطَانه الموسوس يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَكَانَت دولته ثَلَاثَة أشهر ويومين وَمَات وسنه سِتُّونَ سنة وَالله تَعَالَى أعلم الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب بن أبي الْحسن المريني هَذَا السُّلْطَان كَانَ محجوبا للوزير عمر بن عبد الله أَيْضا كنيته أَبُو زيان لقبه المتَوَكل على الله أمه أم ولد اسْمهَا فضَّة صفته آدم اللَّوْن شَدِيد الأدمة معتدل الْقَامَة منفرج الْأنف دَقِيق الْعَينَيْنِ وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة حَاله فَاضل سُكُون منقاد مشتغل بِخَاصَّة نَفسه قَلِيل الْكَلَام حسن الشكل درب بركض الْخَيل مفوض للوزراء عَظِيم التأني لأغراضهم وَكَانَ قبل ولَايَته عِنْد الطاغية بالأندلس فر إِلَيْهِ خوفًا على نَفسه وَلما التبست الْأُمُور على عمر بن عبد الله طلبه إِلَى الطاغية فسمح بِهِ بعد اشْتِرَاط واشتطاط وَفصل من إشبيلية فِي الْمحرم فاتح سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَنزل بسبته وَبهَا سعيد بن عُثْمَان من قرَابَة الْوَزير عمر بن عبد الله أرصده لِقَوْمِهِ فطير إِلَيْهِ بالْخبر فَحِينَئِذٍ خلع عمر تاشفين الموسوس وَبعث إِلَى السُّلْطَان أبي زيان بالبيعة والآلة والفساطيط ثمَّ جهز عسكرا للقائه فتلقوه بطنجة وأغذ السّير إِلَى الحضرة فَنزل منتصف

стр. 740

صفر بكدية العرائس واضطرب مُعَسْكَره بهَا وتلقاه يَوْمئِذٍ الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني وَبَايَعَهُ وَأخرج فسطاطه فاضطرب بمعسكره وتلوم السُّلْطَان أَبُو زيان هُنَالك ثَلَاثًا ثمَّ دخل فِي الْيَوْم الرَّابِع إِلَى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة كَانَ دُخُوله دَاره مغرب لَيْلَة الْجُمُعَة بطالع الثَّامِن من السرطان وَبِه السعد الْأَعْظَم كَوْكَب المُشْتَرِي من السيارة السَّبْعَة أه وَلما تمّ لَهُ الْأَمر خاطبه ابْن الْخَطِيب من سلا مهنئا لَهُ بقوله (يَا ابْن الخلائف يَا سمي مُحَمَّد ... يَا من علاهُ لَيْسَ يحصر حاصر) (أبشر فَأَنت مُجَدد الْملك الَّذِي ... لولاك أصبح وَهُوَ رسم داثر) (من ذَا يعاند مِنْك وَارثه الَّذِي ... بسعوده فلك الْمَشِيئَة دائر) (أَلْقَت إِلَيْك يَد الْخلَافَة أمرهَا ... إِذْ كنت أَنْت لَهَا الْوَلِيّ النَّاصِر) (هَذَا وَبَيْنك للصريخ وَبَينهَا ... حَرْب مضرسة وبحر زاخر) (من كَانَ هَذَا الصنع أول أمره ... حسنت لَهُ العقبى وَعز الآخر) (مولَايَ عِنْدِي فِي علاك محبَّة ... وَالله يعلم مَا تكن ضمائر) (قلبِي يحدثني بأنك جَابر ... كسْرَى وحظي مِنْك حَظّ وافر) (بثرى جدودك قد حططت حقيبتي ... فوسيلتي لعلاك نور باهر) (وبذلت وسعي واجتهادي مثل مَا ... يلقى لملكك سيف أَمرك عَامر) (فَهُوَ الْوَلِيّ لَك الَّذِي اقتحم الردى ... وَقضى الْعَزِيمَة وَهُوَ سيف باتر) (وَولي جدك فِي الشدائد عِنْدَمَا ... خذلت علاهُ قبائل وعشائر) (فاستهد مِنْهُ النصح وَاعْلَم أَنه ... فِي كل معضلة طَبِيب ماهر) (إِن كنت قد عجلت بعض مدائحي ... فَهِيَ الرياض وللرياض بواكر) ثمَّ أتبعهَا بنثر أضربنا عَنهُ اختصارا وَالله تَعَالَى الْمُوفق
следующие страницы →