← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي عمر تاشفين الموسوس ابْن أبي الْحسن المريني هَذَا السُّلْطَان كَانَ محجوبا لوزيره عمر بن عبد الله الفودودي لَا يملك مَعَه ضرا وَلَا نفعا أمه أم ولد اسْمهَا مَيْمُونَة صفته طَوِيل الْقَامَة عَظِيم الهيكل بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ أعين أدعج وَكَانَ فَارِسًا بطلا قوي الساعد إِلَّا أَنه كَانَ نَاقص الْعقل وَلما ثار عمر بن عبد الله بالسلطان أبي سَالم وسعى فِي هَلَاكه إِلَى أَن قتل كَمَا مر استبد بِأَمْر الدولة وَنصب هَذَا الموسوس يموه بِهِ على النَّاس فبويع لَيْلَة الثُّلَاثَاء التَّاسِع عشر من ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا سبق وَكَانَ نُقْصَان عقل تاشفين من أجل الْأسر الَّذِي أَصَابَهُ بوقعة طريف أَيَّام وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى أَن افتدي وَبَقِي نَاقص الْعقل مختل المزاج إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا كَانَ الفتك بغرسية بن أنطول قَائِد النَّصَارَى ومقتل جنده مَعَه وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما قبض عمر بن عبد الله على الوزيرين مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وَسليمَان بن دَاوُد سجنهما مُتَفَرّقين فَأخذ إِلَيْهِ ابْن ماساي لمَكَان صهره مِنْهُ وَدفع لغرسية سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَانَ سُلَيْمَان بن ونصار قد فر مَعَ السُّلْطَان أبي سَالم كَمَا مر وَلما رَجَعَ عَنهُ فِيمَن رَجَعَ نزل على غرسية فَقبله وأكرمه وَكَانَ يعاقره الْخمر ففاوضه ذَات لَيْلَة فِي الثورة بعمر بن عبد الله واعتقاله وَإِقَامَة سُلَيْمَان بن دَاوُد المسجون بداره مقَامه لما هُوَ عَلَيْهِ من السن ورسوخ الْقدَم فِي الْأَمر ونما الْخَبَر بذلك إِلَى عمر بن عبد الله فارتاب

стр. 737

وَكَانَ خلوا من العصبية فَفَزعَ إِلَى قَائِد الْمركب السلطاني من ناشبة الأندلس ورماتها وَهُوَ يَوْمئِذٍ إِبْرَاهِيم البطروجي فعاقده على أمره وَبَايَعَهُ على الاستماتة دونه ثمَّ رأى أَن ذَلِك لَا يَكْفِيهِ فَفَزعَ ثَانِيًا إِلَى يحيى بن عبد الرَّحْمَن شيخ بني مرين وَصَاحب شوارهم فَشَكا إِلَيْهِ فأشكاه ووعده الفتك بِابْن أنطول وَأَصْحَابه وانبرم عقد ابْن أنطول وَسليمَان بن ونصار أَيْضا على عمر بن عبد الله وغدوا إِلَى الْقصر وداخل ابْن أنطول طَائِفَة من النَّصَارَى استظهارا بهم وتوافت بَنو مرين بِمَجْلِس السُّلْطَان على عَادَتهم وَحضر ابْن أنطول والبطروجي وَيحيى بن عبد الرَّحْمَن وَغير هَؤُلَاءِ من الْوُجُوه فَسَأَلَ عمر بن عبد الله من ابْن أنطول تَحْويل سُلَيْمَان بن دَاوُد من دَاره إِلَى السجْن فَأبى وضن بِهِ عَن الإهانة حَتَّى سَأَلَ مثلهَا من ابْن ماساي صَاحبه فَأمر عمر بالتقبض عَلَيْهِ فكشر فِي وُجُوه الرِّجَال وَاخْتَرَطَ سكينه للمدافعة فتواثبت بَنو مرين عَلَيْهِ وقتلوه لحينه واستلحموا من وجدوا بِالدَّار من جنده النَّصَارَى عِنْد دُخُولهمْ مَعَ قائدهم وفر بَعضهم إِلَى معسكرهم وَيعرف بالملاح جوَار فاس الْجَدِيد وأرجف الغوغاء بِالْمَدِينَةِ أَن ابْن أنطول قد غدر بالوزير فَقتلُوا جند النَّصَارَى حَيْثُ وجدوهم من سِكَك الْمَدِينَة وتزاحفوا إِلَى الملاح لاستلحام من بَقِي بِهِ مِنْهُم وَركبت بَنو مرين لحماية جندهم من معرة الغوغاء وانتهب يَوْمئِذٍ الْكثير من أَمْوَالهم وآنيتهم وأمتعتهم وَقتل النَّصَارَى أَيْضا كثيرا من مجان الْمُسلمين كَانُوا يعاقرون الْخمر بالملاح ثمَّ سكنت الهيعة وَمَا كَادَت واستبد عمر بن عبد الله بدار الْملك واعتقل سُلَيْمَان بن ونصار إِلَى اللَّيْل ثمَّ بعث من قَتله بمحبسه وحول سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى بعض الدّور من دَار الْملك فاعتقله بهَا وَاسْتولى على أمره ثمَّ خَاطب عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي فِي اتِّصَال الْيَد بِهِ واقتسام ملك الْمغرب بَينه وَبَينه وَبعث إِلَيْهِ بِأبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم اعتده عِنْده ليَوْم مَا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين مشيخة بني مرين فَاجْتمعُوا على كَبِيرهمْ يحيى بن عبد الرَّحْمَن وعسكروا بِبَاب الْفتُوح واستدعوا عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ ابْن السُّلْطَان أبي سعيد من تلمسان على مَا نذكرهُ

стр. 738

ظُهُور عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بن أبي سعيد ومحاصرته لفاس الْجَدِيد ثمَّ فراره عَنْهَا قد قدمنَا فِي أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن أَن أَخَاهُ أَبَا عَليّ صَاحب سجلماسة كَانَ قد انْتقض عَلَيْهِ فأمكنه الله مِنْهُ فَقتله وكفل أَوْلَاده فَلم يُمَيّز بَينهم وَبَين أَوْلَاده فِي شَيْء من الْأَشْيَاء وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى أبي عنان بعث جمَاعَة من إخْوَته وقرابته إِلَى الأندلس تَحت حياطة ابْن الْأَحْمَر وَكَانَ فيهم أَوْلَاد أبي عَليّ هَؤُلَاءِ ثمَّ بعد حِين سرحوا وَقدمُوا تلمسان على سلطانها أبي حمو بن يُوسُف فَكَانُوا عِنْده إِلَى هَذَا التَّارِيخ فَلَمَّا فسد مَا بَين عمر بن عبد الله وشيوخ بني مرين بعثوا إِلَى تلمسان جملَة مِنْهُم لاستقدام عبد الْحَلِيم الْمَذْكُور فسرحه أَبُو حمود وأعانه بِشَيْء من الْآلَة وَجمع عَلَيْهِ من رغب فِي طَاعَته وزحف إِلَى فاس فَتَلَقَّتْهُ جمَاعَة بني مرين بسبو ونزلوا على فاس الْجَدِيد يَوْم السبت سَابِع محرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واضطربوا معسكرهم بكدية العرائس وحاصروا دَار الْملك سَبْعَة أَيَّام وَتَتَابَعَتْ وفودهم وحشودهم ثمَّ إِن عمر بن عبد الله برز يَوْم السبت الْقَابِل فِي مُقَدّمَة السُّلْطَان تاشفين بِمن مَعَه من جند الْمُسلمين وَالنَّصَارَى رامحة وناشبة ووكل بالسلطان من جَاءَ بِهِ فِي السَّاقَة على التعبية المحكمة وناوشهم الْحَرْب فزحفوا إِلَيْهِ فاستطرد لَهُم ليتَمَكَّن الناشبة من عقرهم من الأسوار حَتَّى فَشَتْ فيهم الْجِرَاحَات ثمَّ صمم نحوهم فانفرج الْقلب وانفضت الجموع ثمَّ زحف السُّلْطَان تاشفين فِي السَّاقَة فابذعروا فِي الْجِهَات وافترق بَنو مرين إِلَى مواطنهم وَلحق يحيى بن عبد الرَّحْمَن بمراكش مَعَ مبارك بن إِبْرَاهِيم شيخ الْخَلْط وَلحق عبد الْحَلِيم وَإِخْوَته بتازا بعد أَن شهد لَهُم رجال الدولة بِصدق الجلاد وَحسن الْبلَاء فِي ذَلِك الْمقَام

стр. 739

ثمَّ إِن الْوَزير عمر بن عبد الله رَاجع بصيرته فِي تَقْدِيم الْمَعْتُوه لِلْأَمْرِ وَعلم أَن الْأَمر لَا يَسْتَقِيم لَهُ بذلك فبادر باستقدام أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ عِنْد الطاغية بدار الْحَرْب فَقدم وخلع الْوَزير الْمَذْكُور سُلْطَانه الموسوس يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَكَانَت دولته ثَلَاثَة أشهر ويومين وَمَات وسنه سِتُّونَ سنة وَالله تَعَالَى أعلم الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي زيان مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب بن أبي الْحسن المريني هَذَا السُّلْطَان كَانَ محجوبا للوزير عمر بن عبد الله أَيْضا كنيته أَبُو زيان لقبه المتَوَكل على الله أمه أم ولد اسْمهَا فضَّة صفته آدم اللَّوْن شَدِيد الأدمة معتدل الْقَامَة منفرج الْأنف دَقِيق الْعَينَيْنِ وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة حَاله فَاضل سُكُون منقاد مشتغل بِخَاصَّة نَفسه قَلِيل الْكَلَام حسن الشكل درب بركض الْخَيل مفوض للوزراء عَظِيم التأني لأغراضهم وَكَانَ قبل ولَايَته عِنْد الطاغية بالأندلس فر إِلَيْهِ خوفًا على نَفسه وَلما التبست الْأُمُور على عمر بن عبد الله طلبه إِلَى الطاغية فسمح بِهِ بعد اشْتِرَاط واشتطاط وَفصل من إشبيلية فِي الْمحرم فاتح سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَنزل بسبته وَبهَا سعيد بن عُثْمَان من قرَابَة الْوَزير عمر بن عبد الله أرصده لِقَوْمِهِ فطير إِلَيْهِ بالْخبر فَحِينَئِذٍ خلع عمر تاشفين الموسوس وَبعث إِلَى السُّلْطَان أبي زيان بالبيعة والآلة والفساطيط ثمَّ جهز عسكرا للقائه فتلقوه بطنجة وأغذ السّير إِلَى الحضرة فَنزل منتصف

стр. 740

صفر بكدية العرائس واضطرب مُعَسْكَره بهَا وتلقاه يَوْمئِذٍ الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني وَبَايَعَهُ وَأخرج فسطاطه فاضطرب بمعسكره وتلوم السُّلْطَان أَبُو زيان هُنَالك ثَلَاثًا ثمَّ دخل فِي الْيَوْم الرَّابِع إِلَى قصره واقتعد أريكته وتودع ملكه وَقَالَ ابْن الْخَطِيب فِي الْإِحَاطَة كَانَ دُخُوله دَاره مغرب لَيْلَة الْجُمُعَة بطالع الثَّامِن من السرطان وَبِه السعد الْأَعْظَم كَوْكَب المُشْتَرِي من السيارة السَّبْعَة أه وَلما تمّ لَهُ الْأَمر خاطبه ابْن الْخَطِيب من سلا مهنئا لَهُ بقوله (يَا ابْن الخلائف يَا سمي مُحَمَّد ... يَا من علاهُ لَيْسَ يحصر حاصر) (أبشر فَأَنت مُجَدد الْملك الَّذِي ... لولاك أصبح وَهُوَ رسم داثر) (من ذَا يعاند مِنْك وَارثه الَّذِي ... بسعوده فلك الْمَشِيئَة دائر) (أَلْقَت إِلَيْك يَد الْخلَافَة أمرهَا ... إِذْ كنت أَنْت لَهَا الْوَلِيّ النَّاصِر) (هَذَا وَبَيْنك للصريخ وَبَينهَا ... حَرْب مضرسة وبحر زاخر) (من كَانَ هَذَا الصنع أول أمره ... حسنت لَهُ العقبى وَعز الآخر) (مولَايَ عِنْدِي فِي علاك محبَّة ... وَالله يعلم مَا تكن ضمائر) (قلبِي يحدثني بأنك جَابر ... كسْرَى وحظي مِنْك حَظّ وافر) (بثرى جدودك قد حططت حقيبتي ... فوسيلتي لعلاك نور باهر) (وبذلت وسعي واجتهادي مثل مَا ... يلقى لملكك سيف أَمرك عَامر) (فَهُوَ الْوَلِيّ لَك الَّذِي اقتحم الردى ... وَقضى الْعَزِيمَة وَهُوَ سيف باتر) (وَولي جدك فِي الشدائد عِنْدَمَا ... خذلت علاهُ قبائل وعشائر) (فاستهد مِنْهُ النصح وَاعْلَم أَنه ... فِي كل معضلة طَبِيب ماهر) (إِن كنت قد عجلت بعض مدائحي ... فَهِيَ الرياض وللرياض بواكر) ثمَّ أتبعهَا بنثر أضربنا عَنهُ اختصارا وَالله تَعَالَى الْمُوفق

стр. 741

وفادة ابْن الْخَطِيب من سلا على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمهمَا الله قَالَ فِي الْإِحَاطَة وفدت على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن ابْن أبي الْحسن من مَحل الِانْقِطَاع بسلا وأنشدته قولي (لمن علم فِي هضبة الْملك خفاق ... أفاقت بِهِ من غشية الْهَرج آفَاق) (تقل ريَاح النَّصْر عَنهُ غمامة ... تمد لَهَا أيد وتخضع أَعْنَاق) (وبيعة شُورَى أحكم السعد عقدهَا ... وأعمل إِجْمَاع عَلَيْهَا وإصفاق) (قضى عمر فِيهَا بِحَق مُحَمَّد ... فسجل عهد للوفاء وميثاق) (أحلما ترى عَيْنَايَ أم هِيَ فَتْرَة ... أعندكما فِي مُشكل الْأَمر مصداق) (وفاض لفضل الله فِي الأَرْض تبتغي ... ومجتمعات لَا تريب وأسواق) (وسرح تهنيه الكلاءة بالكلا ... وفلح لسقي الْغَيْث قَامَ لَهُ سَاق) (وَقد كَانَ طيف الْحلم لَا يعْمل الخطا ... وللفتنة العمياء فِي الأَرْض إطباق) (وللغيث إمْسَاك وَفِي الأَرْض رجة ... وللدين وَالدُّنْيَا وجوم وإطراق) (فَكل فريق فِيهِ للبغي راية ... وكل طَرِيق فِيهِ للعيث طراق) (أجل إِنَّه من آل يَعْقُوب وَارِث ... يحن لَهُ الْبَيْت الْعَتِيق ويشتاق) (لَهُ من جنَاح الرّوح ظلّ مسجف ... وَمن رَفْرَف الْعِزّ الإلهي رستاق) (أطل على الدُّنْيَا وَقد عَاد ضوءها ... ودجى وعَلى الأحداق للذعر إحداق) (فأشرقت الأرجاء من نور رَبهَا ... وساح بهَا لله لطف وإشفاق) (فَمن ألسن بالشكر لله أعلنت ... وَكَانَ لَهَا من قبل هَمس وإطباق) (وَلَيْسَ لأمر أبرم الله نَاقض ... وَلَيْسَ لمسعى النجح فِي الله إخفاق) (مُحَمَّد قد أَحييت دين مُحَمَّد ... وللخلق أدماء تفيض وأرماق) (وَلَو لم تثبت غطى على شفق الضحا ... دم لسيوف الْبَغي فِي الأَرْض مهراق) (فأيمن بمشحون من الْفلك سابح ... لَهُ بِاخْتِيَار الله حط وإيساق) (أقلك والدأماء تظهر طَاعَة ... إِلَيْك صفح المَاء أَزْرَق رقراق) (إِلَى هدف السعد انبرى مِنْهُ والدجا ... تضل الحجى سهم من السعد رشاق)

стр. 742

(فخطت لتقويم القوام جداول ... وَصحت من التَّوْفِيق واليمن أوفاق) (تبَارك من أهداك لِلْخلقِ رَحْمَة ... ومستبعد أَن يهمل الْخلق خلاق) (هُوَ الله يبلو النَّاس بِالْخَيرِ فتْنَة ... وبالشر وَالْأَيَّام سم وترياق) (سمت مِنْك أَعْنَاق الورى لخليفة ... لَهُ فِي مجَال السعد عَدو وأعناق) (وَقَالُوا بنان مَا اسْتَقل بكفه ... تفيض على العافين أم هِيَ أرزاق) (وَأَطْنَبَ فِيك المادحون وأغرقوا ... فَلم يجد إطناب وَلم يغن إغراق) (أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين أكفهم ... غمام ندى إِن أخلف الْغَيْث غيداق) (أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين وُجُوههم ... بدور لَهَا فِي ظلمَة الروع إشراق) (رياض إِذا الْعَافِي استظل ظلالها ... فَفِيهَا جنى ملْء الأكف وإيراق) (أَبوك ولي الْعَهْد لَو سَالم الردى ... وَجدك قد فاق الْمُلُوك وَإِن فاقوا) (فَمن ذَا لَهُ جد كجدك أَو أَب ... لآلئ وَالْمجد المؤثل نساق) (وَحسب الْعلَا فِي آل يَعْقُوب أَنهم ... هم الأَصْل فِي العلياء وَالنَّاس إِلْحَاق) (أسود سروج أَو بدور أسرة ... فَإِن حَاربُوا راعوا وَإِن سالموا راقوا) (يطول لتَحْصِيل الْكَمَال سهادهم ... فهم للمعالي والمكارم عشاق) وَمِنْهَا (لقد نسيت إِحْسَان جدك فرقة ... تزر على أَعْنَاقهم مِنْهُ أطواق) (أجازت خُرُوج ابْن ابْنه عَن تراثه ... وَلم تدر مَا ضمت من الذّكر أوراق) (وَمن دون مَا راموه لله قدرَة ... وَمن دون مَا أموه لِلْفَتْحِ إغلاق) (خُذ الْعَفو وابذل فيهم الْعرف ولتسع ... جريرة من أبدى لَك الْعذر أَخْلَاق) (فَرُبمَا تنبو مهندة الظبي ... وتهفو حلوم الْقَوْم وَالْقَوْم حذاق) (وَمَا النَّاس إِلَّا مذنب وَابْن مذنب ... وَللَّه إرفاد عَلَيْهِم وإرفاق) (وَلَا ترج فِي كل الْأُمُور سوى الَّذِي ... خزائنه مَا ضرها قطّ إِنْفَاق) (إِذا هُوَ أعْطى لم يضر منع مَانع ... وَإِن حشدت طسم وَعَاد وعملاق) (عرفت الردى واستأثرت بك للعدا ... تخوم لمختط الصَّلِيب وأعماق) (فيسر لليسرى وأحيى بك الورى ... وللروع إرعاد عَلَيْك وإبراق)

стр. 743

(فَجَاز صَنِيع الله وازدد بشكره ... مواهب جود غيثها الدَّهْر دفاق) (وأوف لمن أوفى وكاف الَّذِي كفى ... فَأَنت كريم طهرت مِنْك أعراق) (وتهنيك يَا مولى الْمُلُوك خلَافَة ... شجتها تباريح إِلَيْك وأشواق) (فقد بلغت أقْصَى المنى بك نَفسهَا ... وَكم فَازَ بالوصل المهنا مشتاق) (فَلَا رَاع مِنْهَا السرب للدهر رائع ... وَلَا نَالَ مِنْهَا جدة السعد أَخْلَاق) (أمولاي رَاع الدَّهْر سربي وغالني ... فطرفي مذعور وقلبي خفاق) (وَلَيْسَ لكسرى غَيْرك الْيَوْم جَابر ... وَلَا ليدي إِلَّا بمجدك أعلاق) (ولي فِيك ود واعتداد غرسته ... فراقت بِهِ من يَانِع الْحَمد أوراق) (وَقد عيل صبري فِي ارتقابي خَليفَة ... تحل بِهِ للضر عني أوهاق) (وَأَنت حسام الله وَالله نَاصِر ... وَأَنت أَمِين الله وَالله رزاق) (وَأَنت الْأمان المستجار من الردى ... إِذا رَاع خطب أَو توقع إملاق) (وأهون مَا يُرْجَى لديك شَفَاعَة ... إِذا لم يكن عزم حثيث وإرهاق) (ودونكها من ذائع الْحَمد مخلص ... لَهُ فِيك تَقْيِيد يروق وَإِطْلَاق) (إِذا قَالَ أما كل سمع لقَوْله ... فمصغ وَأما كل أنف فنشاق) (وَدم خافق الْأَعْلَام بالنصر كلما ... ذهبت لمسعى لم يكن فِيهِ إخفاق) قَالَ وعدت مِنْهُ ببر كَبِير واحترام شهير يُشِير بذلك إِلَى مَا أكْرمه بِهِ وَكتب لَهُ من الظهير الَّذِي يتَضَمَّن كَمَال الاحترام والتوقير وَنَصه هَذَا ظهير كريم من أَمِير الْمُسلمين فلَان أيده الله وَنَصره وسنى لَهُ الْفَتْح الْمُبين ويسره للشَّيْخ الْفَقِيه الْأَجَل الْأَسْنَى الْأَعَز الأحظى الأرفع الأمجد الأسمى الأوحد الأنور الأرقى الْعَالم الْعلم الرئيس الأعرف المتفنن الأبرع المُصَنّف الْمُفِيد الصَّدْر الأحفل الْأَفْضَل الْأَكْمَل أبي عبد الله ابْن الشَّيْخ الْفَقِيه الْوَزير الْأَجَل الْأَسْنَى الْأَعَز الأرفع الأمجد الْوَجِيه الأنوه الأحفل الْأَفْضَل الحسيب الأَصْل الْأَكْمَل المبرور المرحوم أبي مُحَمَّد ابْن الْخَطِيب قابله أيده الله بِوَجْه الْقبُول والإقبال وأضفى عَلَيْهِ ملابس الإنعام والإفضال ورعى لَهُ خدمَة السّلف الرفيع الْجلَال وَمَا تقرر من

стр. 744

مقاصده الْحَسَنَة فِي خدمَة أمرنَا العال وَأمر فِي جملَة مَا سوغه من الآلاء الوارفة الظلال الفسيحة المجال بِأَن يجدد لَهُ حكم مَا بِيَدِهِ من الْأَوَامِر الْمُتَقَدّم تاريخها المتضمنة تمشية خَمْسمِائَة دِينَار من الْفضة العشرية فِي كل شهر عَن مُرَتّب لَهُ ولولده الَّذِي لنظره من مجبي مَدِينَة سلا حرسها الله وَمن حَيْثُ جرت الْعَادة أَن تمشي لَهُ وَرفع الِاعْتِرَاض ببابها فِيمَا يجلب من الْأدم والأقوات على اختلافها من حَيَوَان وسواه وَفِيمَا يستفيده خُدَّامه بخارجها وأحوازها من عِنَب وقطن وكتان وَفَاكِهَة وخضر وَغير ذَلِك فَلَا يطْلب فِي شَيْء من ذَلِك بمغرم وَلَا وظيف وَلَا يتَوَجَّه فِيهِ إِلَيْهِ بتكليف يتَّصل لَهُ حكم جَمِيع مَا ذكر فِي كل عَام تجديدا تَاما واحتراما عَاما أعلن بتجديد الحظوة واتصالها وإتمام النِّعْمَة وإكمالها من تواريخ الْأَوَامِر الْمَذْكُورَة إِلَى الْآن وَمن الْآن إِلَى مَا يَأْتِي على الدَّوَام واتصال الْأَيَّام وَأَن يحمل جَانِبه فِيمَن يشركهُ أَو يَخْدمه محمل الرَّعْي والمحاشاة فِي السخر مهما عرضت والوظائف إِذا افترضت حَتَّى يتَّصل لَهُ تالد الْعِنَايَة بالطارف وتتضاعف أَسبَاب المنن والعوارف بِفضل الله وتحرر لَهُ الْأزْوَاج الَّتِي يحرثها بتالماغت من كل وجيبة وتحاشى من كل مغرم أَو ضريبة بالتحرير التَّام بحول الله وعونه وَمن وقف على هَذَا الظهير الْكَرِيم فليعمل بِمُقْتَضَاهُ وليمض مَا أَمْضَاهُ إِن شَاءَ الله وَكتب فِي الْعَاشِر من شهر ربيع الْآخِرَة من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكتب فِي التَّارِيخ أهـ وَقَوله وَكتب فِي التَّارِيخ هُوَ الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة فِي ذَلِك الزَّمَان يكْتب بقلم غليظ وَبَعض مُلُوك الْمغرب يكْتب عِنْد الْعَلامَة صَحَّ فِي التَّارِيخ

стр. 745

وفادة ابْن مُحَمَّد الهنتاتي على السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن رحمهمَا الله كَانَ الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني مَوَدَّة ومصافاة مَعَ الرئيس الشهير أبي ثَابت عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي كَبِير جبل درن والبلاد المراكشية وَكَانَ الْوَزير عمر الْمَذْكُور قد بعث إِلَيْهِ بصهره وظهيره على الْملك مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن ابْن ماساي يكون عِنْده عدَّة وعتادا ليَوْم مَا فَلَمَّا بُويِعَ السُّلْطَان أَبُو زيان استقدم عمر بن عبد الله صهره الْمَذْكُور لوزارته وَكَانَ عَامر بن مُحَمَّد مجمعا الْقدوم على السُّلْطَان الْمَذْكُور فَقدم فِي صحبته مَسْعُود وَنزلا من الدولة بِخَير منزل وَعقد السُّلْطَان أَبُو زيان لمسعود الْمَذْكُور على وزارته بِإِشَارَة الْوَزير عمر بن عبد الله فاضطلع بهَا وَدفعه عمر إِلَيْهَا استمالة الْيَد وثقة بمكانه واستظهارا بعصبيته وَعقد مَعَ عَامر بن مُحَمَّد الْحلف على مقاسمة الْمغرب شقّ الأبلمة وَجعل إِمَارَة مراكش لأبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم إسعافا لغَرَض عَامر بن مُحَمَّد فِي ذَلِك وخطب إِلَيْهِم عَامر بنت السُّلْطَان أبي بكر الحفصي الَّتِي توفى عَنْهَا السُّلْطَان أَبُو عنان فَأَجَابُوهُ وحملوا أولياءها على العقد عَلَيْهَا وانكفأ رَاجعا إِلَى مَكَان عمله بمراكش يجر الدُّنْيَا وَرَاءه عزا وثروة وتابعا وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فاستقل بِأَمْر النَّاحِيَة الغربية من مراكش وجبال المصامدة وَمَا إِلَيْهَا من الْأَعْمَال واستبد بهَا وَنصب أَبَا الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي سَالم صُورَة واستوزر لَهُ وَتمكن سُلْطَانه وَعلا ذكره وَصَارَت كَأَنَّهَا دولة مُسْتَقلَّة فصرف إِلَيْهِ النازعون من بني مرين عَن

стр. 746

الدولة وُجُوه مفرهم ولجؤوا إِلَيْهِ فأجارهم على السُّلْطَان وَاجْتمعَ إِلَيْهِ مِنْهُم مَلأ واتسع الْخرق على الرافع واضطربت الْأَحْوَال بالمغرب وَخرج على السُّلْطَان أبي زيان الْأَمِير عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بن أبي سعيد وتغلب على سجلماسة وأعمالها ثمَّ غلب عَلَيْهِ أَخُوهُ عبد الْمُؤمن بن أبي عَليّ فَخرج عبد الْحَلِيم إِلَى الْمشرق لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج وَاسْتمرّ عبد الْمُؤمن بسجلماسة وَأقَام بهَا دولة كَمَا كَانَ لوالده من قبل إِلَى أَن فتحهَا الْوَزير مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي وأضافها إِلَى مملكة فاس ثمَّ انْتقض الْوَزير مَسْعُود أَيْضا وَبَايع الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن بن أبي عَليّ ونصبه لِلْأَمْرِ وَصَارَ يشوش بِهِ على الدولة وشرق عمر بن عبد الله بدائه فِي أَخْبَار طَوِيلَة وَلما لم يتم لَهُ أَمر عبر هُوَ وسلطانه الْبَحْر من مرسى غساسة إِلَى الأندلس فاتح سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وأقبلا على الْجِهَاد واستراح الْوَزير عمر وسلطانه أَبُو زيان من شغبهما وَالله غَالب على أمره مقتل السُّلْطَان أبي زيان بن أبي عبد الرَّحْمَن ﵀ لما طَال استبداد الْوَزير عمر بن عبد الله على السُّلْطَان أبي زيان وحجره أَبَاهُ إِذْ كَانَ وضع عَلَيْهِ الرقباء والعيون حَتَّى من حرمه وَأهل قصره عزم على الفتك بالوزير الْمَذْكُور وتناجى بذلك مَعَ بعض ندمائه وَأعد لَهُ طَائِفَة من العبيد كَانُوا يختصون بِهِ فنما ذَلِك إِلَى الْوَزير بِوَاسِطَة بعض الْحرم كَانَت عينا لَهُ عَلَيْهِ فعاجله وَكَانَ قد بلغ من الاستبداد عَلَيْهِ أَن كَانَ الْحجاب مَرْفُوعا لَهُ عَن خلوات السُّلْطَان وَحرمه فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ فِي وسط حشمه فطردهم عَنهُ ثمَّ غطه حَتَّى فاظ وَأمر بِهِ فألقي فِي بِئْر بروض الغزلان واستدعى الْخَاصَّة فَأَرَاهُم مَكَانَهُ بهَا وَأَنه سقط عَن دَابَّته وَهُوَ سَكرَان وَذَلِكَ فِي محرم فاتح سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة كَذَا عِنْد ابْن خلدون وَقَالَ فِي الجذوة توفّي يَوْم الْأَحَد الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة وَدفن بِجَامِع

стр. 747

قصره فَكَانَت دولته أَربع سِنِين وَعشرَة أشهر وَيَوْما وَاحِدًا وَالله أعلم الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي فَارس عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن ﵀ هَذَا السُّلْطَان هُوَ الَّذِي أنعش دولة بني مرين بعد تلاشيها وَأعَاد إِلَيْهَا شبابها بعد هرمها وتقاضيها وأزال عَنْهَا وصمة الْحجر والاستبداد وأعادها من الْعِزّ إِلَى حَالهَا الْمُعْتَاد وَهُوَ الَّذِي ذكره ابْن خلدون فِي أول تَارِيخه الْكَبِير وألفه برسمه وحلى ديباجته باسمه أمه مولدة اسْمهَا مَرْيَم صفته أَدَم اللَّوْن شَدِيد الأدمة طَوِيل الْقَامَة يشرف على النَّاس بِطُولِهِ نحيف الْجِسْم أعين أدعج أخنس فِي وَجهه أثر جدري وَكَانَ عَفا متمسكا بِالدّينِ محبا فِي الْخَيْر وَأَهله لم يشرب خمرًا وَلَا وَقع فِي فَاحِشَة قطّ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من صالحي الْمُلُوك ﵀ وَلما كَانَ من الْوَزير عمر بن عبد الله الياباني إِلَى السُّلْطَان أبي زيان ﵀ مَا كَانَ من الخنق وَالْإِلْقَاء فِي الْبِئْر استدعى عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن هَذَا وَكَانَ فِي بعض الدّور من القصبة بفاس محتاطا عَلَيْهِ من قبل الْوَزير الْمَذْكُور فَأحْضرهُ بِالْقصرِ وَأَجْلسهُ على سَرِير الْملك وَبَايَعَهُ وَفتحت الْأَبْوَاب لبني مرين وَسَائِر الْخَاصَّة والعامة فازدحموا على تَقْبِيل يَده معطين الصَّفْقَة بِطَاعَتِهِ فتم أمره وَثَبت ملكه وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ إِن الْوَزير عمر جرى مَعَه على عَادَته من الاستبداد وَمنع التَّصَرُّف فِي شَيْء من أُمُور الْملك فَأَنف السُّلْطَان عبد الْعَزِيز من ذَلِك وتأفف مِنْهُ ودارت بَينه وَبَين الْوَزير أُمُور إِلَى أَن عمل السُّلْطَان على الفتك بِهِ فأعد لَهُ جمَاعَة من الخصيان بزوايا دَاره ثمَّ أحضرهُ ووبخه وثار بِهِ أُولَئِكَ الخصيان فتناولوه هبرا بِالسُّيُوفِ وَصَاح الْوَزير الْمَذْكُور صَيْحَة أسمع بهَا بطانته خَارج الدَّار فَوَثَبُوا على الْأَبْوَاب فكسروها

стр. 748

واقتحموا الدَّار فَإِذا صَاحبهمْ مضرج بدمائه قد فرغ مِنْهُ فَوَلوا الأدبار هاربين ثمَّ تتبع السُّلْطَان عبد الْعَزِيز حَاشِيَة الْوَزير بالاعتقال وَالْقَتْل حَتَّى أَتَى على الْجَمِيع فِي خبر طَوِيل واستبد بِملكه واضطلع بِهِ وأدار الْأُمُور فِيهِ على مَا يَنْبَغِي وَالله تَعَالَى أعلم انْتِقَاض أبي الْفضل بن أبي سَالم ثمَّ مَقْتَله بعد ذَلِك قد قدمنَا أَن أَبَا الْفضل بن أبي سَالم كَانَ قد عقد لَهُ الْوَزير عمر بن عبد الله على مراكش إسعافا لكافله عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي فَلَمَّا فتك السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بالوزير الْمَذْكُور سَوَّلت لأبي الْفضل نَفسه مثلهَا فِي عَامر بن مُحَمَّد لاستبداده عَلَيْهِ وأغراه بذلك بطانته فأحس عَامر بِالشَّرِّ فتمارض بداره من مراكش ثمَّ استأذنه فِي الصعُود إِلَى معتصمه من الْجَبَل ليمرضه هُنَالك حرمه وأقاربه فارتحل بجملته واحتل بحصنه وَكَانَ أعز من الأبلق الْفَرد فيئس أَبُو الْفضل من الاستمكان مِنْهُ ثمَّ أغرته بطانته إِذْ فاتهم عَامر بِالْفَتْكِ بِعَبْد الْمُؤمن بن أبي عَليّ وَكَانَ قد انضاف إِلَيْهِ بعد إجفاله عَن سجلماسة فَسَكِرَ أَبُو الْفضل ذَات لَيْلَة وَبعث عَن قَائِد الْجند من النَّصَارَى فَأمره بقتل عبد الْمُؤمن بمَكَان معتقله من قَصَبَة مراكش فجَاء بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ وطار الْخَبَر بذلك إِلَى عَامر فارتاع وَحمد الله إِذْ خلصه من غائلته وَبعث ببيعته إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأغراه بِأبي الْفضل ورغبه فِي ملك مراكش ووعده بالمظاهرة فأجمع السُّلْطَان أمره على النهوض إِلَيْهَا ونادى فِي النَّاس بالعطاء وَقضى أَسبَاب حركته وارتحل من فاس سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَقد استبد أَبُو الْفضل بمراكش وأعملها وَأقَام بهَا رسم الْملك واستوزر واستلحق وَجعل شوراه لمبارك بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة الخلطي وَلما نَهَضَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز من فاس اتَّصل خَبره بِأبي الْفضل وَهُوَ

стр. 749

منَازِل لعامر بن مُحَمَّد فانفض مُعَسْكَره وَلحق بتادلا ليعتصم بجبل بني جَابر مِنْهَا فَتَبِعَهُ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَيْهَا ونازله وَأخذ بمخنقه وقاتله ففل عسكره ثمَّ دَاخل بعض بني جَابر فِي جر الْهَزِيمَة عَلَيْهِ على مَال يُعْطِيهِ لَهُم فَفَعَلُوا وانهزمت جيوشه وتقبض على أشياعه وسيق مبارك بن إِبْرَاهِيم إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فاعتقله إِلَى أَن قَتله مَعَ عَامر بن مُحَمَّد كَمَا نذْكر وَلحق أَبُو الْفضل بقبائل صناكة وَرَاء بني جَابر فداخل بَنو جَابر فِي شَأْنه وبذلوا لَهُم عَن السُّلْطَان مَالا دثرا فِي إِسْلَامه فأسلموه وَبعث السُّلْطَان إِلَيْهِم وزيره يحيى بن مَيْمُون فجَاء بِهِ أَسِيرًا وأحضره أَمَام السُّلْطَان فوبخه ثمَّ اعتقله بفسطاط مجاور لَهُ ثمَّ غط من اللَّيْل فَكَانَ مهلكه فِي رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة لمضي ثَمَان سِنِين من إمارته على مراكش وَبعث السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَى عَامر بن مُحَمَّد يختبر طَاعَته فَأبى عَلَيْهِ وجاهر بِالْخِلَافِ إِلَى أَن كَانَ من شَأْنه مَا نذكرهُ انْتِقَاض عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي وحصار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِيَّاه وظفره بِهِ كَانَ عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي مجير السُّلْطَان أبي الْحسن من ابْنه أبي عنان على مَا وَصفنَا من بُلُوغ الْغَايَة فِي الرياسة والاعتزاز على الدولة وَطول الاستبداد بمراكش وأحوازها وَكَانَ قد حصل فِي مُدَّة رياسته على ثروة عَظِيمَة وجاه كَبِير وَكَانَ لَهُ معتصم بجبل درن أعز من بيض الأنوق قد حصن فِيهِ مَاله وسلاحه وذخيرته وَكَانَ كلما هاجه هائج صعد إِلَيْهِ وَأمن على نَفسه فَلَمَّا صفا الْأَمر للسُّلْطَان عبد الْعَزِيز جعل عَامِرًا هَذَا من أهم أمره فنصب لَهُ واستعد لقتاله وَعقد على وزارته لأبي بكر بن غَازِي بن يحيى بن الكاس ونهض إِلَيْهِ من فاس سنة سبعين وَسَبْعمائة فحاصره فِي جبله سنة كَامِلَة وَلما طَال الْحصار على عَامر وشيعته اخْتلفت كلمتهم عَلَيْهِ وَفَسَد مَا

стр. 750

بَينه وَبَين ابْن أَخِيه فَارس بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد فَبعث إِلَى السُّلْطَان وَسَهل لَهُ الطَّرِيق لاقتحام الْجَبَل فزحفت العساكر والجنود وشارفت المعتصم وَلما استيقن عَامر أَن قد أحيط بِهِ بعث إِلَى ابْنه أبي بكر أَن يلْحق بالسلطان مُخْتَارًا لَهُ ومشيرا عَلَيْهِ بِالَّتِي هِيَ أحسن وَأسلم فَألْقى الْوَلَد بِنَفسِهِ إِلَى السُّلْطَان فَقبله وبذل لَهُ الْأمان وألحقه بجملته وانتبذ عَامر عَن النَّاس وَذهب لوجهه ليخلص إِلَى السوس فَرده الثَّلج وَقد كَانَت السَّمَاء أرْسلت بِهِ مُنْذُ أَيَّام حَتَّى تراكم بِالْجَبَلِ بعضه على بعض وسد المسالك فاقتحمه عَامر حَتَّى هلك فِيهِ بعض حرمه ونفق مركوبه وعاين الهلكة العاجلة فَرجع أدراجه مختفيا حَتَّى آوى إِلَى غَار مَعَ أدلاء كَانَ قد استخلصهم وبذل لَهُم مَالا على أَن يسلكوا بِهِ ظهر الْجَبَل إِلَى صحراء السوس فأقاموا ينتظرون إمْسَاك الثَّلج وَقد شدد السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فِي التنقير عَنهُ والبحث فعثر عَلَيْهِ بعض البربر بِالْغَارِ الْمَذْكُور فسيق إِلَى السُّلْطَان فَأحْضرهُ بَين يَدَيْهِ ووبخه فَاعْتَذر واعترف بالذنب وَرغب فِي الْإِقَالَة فَحمل إِلَى مضرب بني لَهُ بِإِزَاءِ فسطاط السُّلْطَان واعتقل هُنَالك وَانْطَلَقت الْأَيْدِي على معاقل عَامر ودياره فانتهب من الْأَمْوَال وَالسِّلَاح والذخيرة وَالزَّرْع والأقوات مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَاسْتولى السُّلْطَان على الْجَبَل ومعاقله فِي رَمَضَان من سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة لحول من يَوْم حصاره وَعقد على هنتاتة لِابْنِ أخي عَامر وَهُوَ فَارس بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عَليّ الهنتاتي وارتحل إِلَى فاس فاحتل بهَا آخر رَمَضَان الْمَذْكُور ودخلها فِي يَوْم مشهود برز فِيهِ النَّاس وَحمل عَامر وسلطانه تاشفين من بني عبد الْحق كَانَ نَصبه لِلْأَمْرِ مموها بِهِ على عَادَته فحملا مَعًا على جملين وَقد أفرغ عَلَيْهِمَا لِبَاس رث وعبثت بهما أَيدي الإهانة فَكَانَ ذَلِك عِبْرَة لمن رَآهُ وَلما قضى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز نسك عيد الْفطر أحضر عَامِرًا فقرعه بذنوبه وأتى بِكِتَاب بِخَطِّهِ يُخَاطب فِيهِ أَبَا حمو بن يُوسُف الزياني ويستنجده على

стр. 751

السُّلْطَان فَشهد عَلَيْهِ بِهِ وَأمر السُّلْطَان بامتحانه فَلم يزل يجلد حَتَّى انْتَشَر لَحْمه وَضرب بالعصى حَتَّى ورمت أعضاؤه وَهلك بَين يَدي الوزعة وجنب تاشفين سُلْطَانه إِلَى مصرعه فَقتل قعصا بِالرِّمَاحِ وجنب مبارك بن إِبْرَاهِيم الخلطي من محبسه بعد الاعتقال فَألْحق بهم وَلكُل أجل كتاب وَصفا الجو للسُّلْطَان عبد الْعَزِيز من المنازعين وتفرغ لغزو تلمسان على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله ارتجاع الجزيرة الخضراء من يَد الإسبانيول قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء الطاغية على الجزيرة الخضراء أَيَّام السُّلْطَان أبي الْحسن ﵀ فاستمرت فِي ملكتهم إِلَى هَذَا التَّارِيخ فَنَشَأَتْ بَينهم فتْنَة وتقاتلوا على الْملك وأعروا ثغورهم الموالية للْمُسلمين من الحامية والجند فَبَقيت عَورَة وتشوف الْمُسلمُونَ إِلَى ارتجاع الجزيرة الخضراء الَّتِي قرب عَهدهم بانتظامها فِي ملكة الْمُسلمين وَكَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فِي شغل عَن ذَلِك بفتنة أبي الْفضل بن أبي سَالم وعامر بن مُحَمَّد وانتقاضهما فَبعث إِلَى ابْن الْأَحْمَر صَاحب الأندلس أَن يزحف إِلَيْهَا بعساكره وَعَلِيهِ عطاؤهم وإمدادهم بِالْمَالِ والأساطيل على أَن تكون مثوبة جهاده خَالِصَة لَهُ فَأجَاب ابْن الْأَحْمَر إِلَى ذَلِك وَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بأحمال المَال وأوعز إِلَى أساطيله بسبتة فانعمرت وأقلعت حَتَّى احتلت بمرسى الجزيرة الخضراء لحصارها وزحف ابْن الْأَحْمَر بعساكر الْمُسلمين على أَثَرهَا بعد أَن قسم فيهم الْعَطاء وأزاح الْعدَد وَأعد الْآلَات للحصار فنازلها أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ أَيقَن النَّصَارَى بالهلكة لبعدهم عَن الصَّرِيخ ويأسهم من مدد مُلُوكهمْ فَألْقوا بِالْيَدِ وسألوا النُّزُول على الصُّلْح فأجابهم ابْن الْأَحْمَر إِلَيْهِ ونزلوا عَن الْبَلَد وأقيمت فِيهِ شَعَائِر الْإِسْلَام ومحيت مِنْهُ كلمة الْكفْر وَكتب الله أجرهَا لمن أخْلص فِي مُعَامَلَته

стр. 752

وَكَانَ ذَلِك سنة سبعين وَسَبْعمائة وَولي ابْن الْأَحْمَر عَلَيْهَا من قبله وَلم تزل إِلَى نظره إِلَى أَن وَقع الِاخْتِيَار على هدمها خشيَة اسْتِيلَاء النَّصْرَانِيَّة عَلَيْهَا مرّة أُخْرَى فهدمت أَعْوَام الثَّمَانِينَ وَسَبْعمائة وأصبحت خاوية كَأَن لم تغن بالْأَمْس نهوض السُّلْطَان عبد الْعَزِيز إِلَى تلمسان واستيلاؤه عَلَيْهَا وفرار سلطانها أبي حمو بن يُوسُف عَنْهَا كَانَ أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني قد فسد مَا بَينه وَبَين عرب سُوَيْد وَقبض على بعض رُؤَسَائِهِمْ مُحَمَّد بن عريف فاستصرخوا عَلَيْهِ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَكَانَت القوارص لَا تزَال تسري إِلَيْهِ من أبي حمو الْمَذْكُور فصادفوا مِنْهُ صاغية إِلَى مَا التمسوا مِنْهُ واعتزم على النهوض إِلَى تلمسان وَبعث الحاشرين إِلَى الْجِهَات المراكشية فتوافى النَّاس إِلَيْهِ على طبقاتهم واجتمعوا عِنْده أَيَّام منى سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة فَأَفَاضَ الْعَطاء وأزاح الْعِلَل وَلما قضى نسك عيد الْأَضْحَى عرض الْجند ونهض إِلَى تلمسان فاحتل بتازا واتصل خَبره بِأبي حمو فَجمع الجموع وهم باللقاء ثمَّ اخْتلفت كلمة أَصْحَابه وتفرق عَنهُ الْعَرَب من بني معقل فأجفل هُوَ وأشياعه من بني عَامر بن زغبة فَدَخَلُوا القفر وَتقدم السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فاحتل بتلمسان يَوْم عَاشُورَاء من سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة فَدَخلَهَا فِي يَوْم مشهود وَاسْتولى عَلَيْهَا وَعقد لوزيره أبي بكر بن غَازِي بن الكاس على عَسَاكِر مرين وَالْعرب وسرحه فِي اتِّبَاع أبي حمو فأدركه بِبَعْض بِلَاد زناتة الشرق فأجهضوه عَن مَاله ومعسكره فانتهب بأسره واكتسحت أَمْوَال الْعَرَب الَّذين مَعَه وَنَجَا بذمائه إِلَى مصاب وتلاحق بِهِ وَلَده وَقَومه مُتَفَرّقين على كل مفازة ثمَّ دخلُوا القفر بعد ذَلِك ودوخ الْوَزير الْمَذْكُور بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وشرد عصاته واستنزل ثواره فِي أَخْبَار طَوِيلَة

стр. 753

وَاسْتولى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز على سَائِر الوطن من الْأَمْصَار والأعمال وَعقد عَلَيْهَا للولاة والعمال واستوسق لَهُ ملك الْمغرب الْأَوْسَط كَمَا كَانَ لسلفه وَاسْتمرّ مُقيما بتلمسان إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ نزوع الْوَزير ابْن الْخَطِيب عَن سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتلمسان قد قدمنَا مَا كَانَ من رُجُوع الْغَنِيّ بِاللَّه ابْن الْأَحْمَر إِلَى ملكه بالأندلس سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلما استولى على غرناطة وَثَبت قدمه بهَا بعث عَن مخلفه بفاس من الْأَهْل وَالْولد والقائم بالدولة يَوْمئِذٍ عمر بن عبد الله فاستقدم عمر ابْن الْخَطِيب من سلا وبعثهم إِلَى نظره فسر السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر بمقدمه ورده إِلَى مَنْزِلَته وَدفع إِلَيْهِ تَدْبِير المملكة وخلط بَينه بندمائه وَأهل خلوته وَانْفَرَدَ ابْن الْخَطِيب بِالْحلِّ وَالْعقد وانصرفت إِلَيْهِ الْوُجُوه وعلقت بِهِ الآمال وغشى بَابه الْخَاصَّة والكافة وغصت بِهِ بطانة السُّلْطَان وحاشيته فتوافقوا على السّعَايَة فِيهِ وَقد صم السُّلْطَان عَن قبُولهَا ونما بذلك الْخَبَر إِلَى ابْن الْخَطِيب فشمر عَن ساعده للرحلة عَن الأندلس واللحاق بالمغرب وَكَانَ لَهُ حنين إِلَيْهِ ورغبة فِي الإيالة المرينية من قبل ذَلِك فَقدم الْوَسَائِل إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وأوعز إِلَيْهِ بِمَا عزم عَلَيْهِ من اللحاق بِحَضْرَتِهِ فوعده السُّلْطَان بالجميل وَبسط أمله فَحِينَئِذٍ اسْتَأْذن السُّلْطَان الْغَنِيّ بِاللَّه فِي تفقد الثغور الغربية من أَرض الأندلس فَأذن لَهُ وَسَار إِلَيْهَا فِي جمَاعَة من فرسانه وَمَعَهُ ابْنه عَليّ فَلَمَّا حَاذَى جبل طَارق مَال إِلَيْهِ فَخرج قَائِد الْجَبَل لتلقيه وَقد كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز أوعز إِلَيْهِ بذلك وجهز إِلَيْهِ الأسطول من حِينه فاحتل بسبتة ثمَّ سَار مِنْهَا فَقدم على السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتلمسان سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة فاهتزت لَهُ الدولة وأركب السُّلْطَان خاصته لتلقيه وأحله بمجلسه مَحل الْأَمْن وَالْغِبْطَة وَمن دولته بمَكَان الشّرف والعزة

стр. 754

وَأخرج لوقته كَاتبه أَبَا يحيى بن أبي مَدين سفيرا إِلَى الأندلس فِي مطلب أَهله وَولده فجَاء بهم على أكمل الْحَالَات من الْأَمْن والتكرمة ثمَّ نزل بعد ذَلِك مَدِينَة فاس الْقَدِيمَة فَاسْتَكْثر بهَا من شِرَاء الضّيَاع وتأنق فِي بِنَاء المساكن واغتراس الجنات وحفظت عَلَيْهِ رسومه السُّلْطَانِيَّة وتوقيراته وَأقَام مطمئنا بِخَير دَار عِنْد أعز جَار وَفَاة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن ﵀ كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز قد أَصَابَهُ مرض النحول فِي صغره وَلأَجل ذَلِك تجافى السُّلْطَان أَبُو سَالم عَن بَعثه مَعَ الْأَبْنَاء إِلَى الأندلس فَأَقَامَ بالمغرب وَلما شب أَفَاق من مَرضه وَصلح بدنه ثمَّ عاوده وَجَعه فِي مثواه بتلمسان وتزايد نحوله وَلما كمل الْفَتْح واستفحل الْملك اشْتَدَّ بِهِ الوجع فصابره وكتمه عَن النَّاس خشيَة الإرجاف ثمَّ عَسْكَر خَارج تلمسان للحاق بالمغرب وَلما كَانَت لَيْلَة الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة قضى نحبه ﵀ بِظَاهِر تلمسان بَين أَهله وَولده وسيق إِلَى فاس فَدفن بِجَامِع قصره وسنه يَوْمئِذٍ أَربع وَعشْرين سنة وَكَانَت دولته سِتّ سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَمن نظمه مَا ذكره ابْن الْأَحْمَر فِي نثير الجمان مذيلا بَيْتِي وَالِده السُّلْطَان أبي الْحسن اللَّذين هما قَوْله (أرضي الله فِي سر وجهر ... وأحمي الْعرض من دنس ارتياب) (وَأعْطِي الوفر من مَالِي اخْتِيَارا ... وأضرب بِالسُّيُوفِ طلي الرّقاب) فَقَالَ هُوَ وَأحسن (وأرغب خالقي فِي الْعَفو عني ... وأطلب حلمه يَوْم الْحساب) (وَأَرْجُو عونه فِي عز نصر ... على الْأَعْدَاء محروس الجناب)

стр. 755

(وَعَبْدك وَاقِف بِالْبَابِ فَارْحَمْ ... عبيدا خَائفًا ألم الْعقَاب) الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان السعيد بِاللَّه أبي زيان مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن هَذَا السُّلْطَان مِمَّن ولي الْأَمر وَهُوَ صبي وَفِيه ألف ابْن الْخَطِيب كِتَابه الْمُسَمّى بأعلام الْأَعْلَام بِمن بُويِعَ من مُلُوك الْإِسْلَام قبل الِاحْتِلَام كنيته أَبُو زيان أمه عَائِشَة بنت الْقَائِد فارح العلج صفته آدم اللَّوْن شَدِيد الأدمة وَلما مَاتَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز ﵀ بِظَاهِر تلمسان خرج الْوَزير أَبُو بكر بن غَازِي بن الكاس على النَّاس وَقد احْتمل أَبَا زيان ابْن السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فعزاهم عَن سلطانهم ثمَّ طرح ابْنه بَين أَيْديهم فازدحموا عَلَيْهِ بَاكِينَ متفجعين يعطونه الصَّفْقَة ويقبلون يَدَيْهِ لِلْبيعَةِ ثمَّ أَخْرجُوهُ للمعسكر وأنزلوه بفساطيط أَبِيه وَتمّ أمره وكفله الْوَزير الْمَذْكُور فَكَانَ إِلَيْهِ الإبرام والنقض وَالصَّبِيّ كَالْعدمِ إِذْ لم يكن فِي سنّ التَّصَرُّف ثمَّ إِن الْوَزير ارتحل بِالنَّاسِ وجد السّير فَدخل حَضْرَة فاس وأجلس الصَّبِي لبيعة الْعَامَّة فَبَايعُوا ثمَّ توافت لَدَيْهِ وُفُود الْأَمْصَار على الْعَادة واستبد الْوَزير أَبُو بكر وَاسْتعْمل على الْجِهَات وَجلسَ بِمَجْلِس الْفَصْل واشتغل بِأَمْر الْمغرب إبراما ونقضا وَلما فصل بَنو مرين عَن تلمسان عَاد إِلَيْهَا سلطانها أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني والتفت عَلَيْهِ بَنو عبد الواد من كل جَانب ومحا دَعْوَة بني مرين من ضواحي الْمغرب الْأَوْسَط وأمصاره واتصل الْخَبَر بالوزير أبي بكر بن غَازِي فهم بالنهوض إِلَيْهِ ثمَّ ثنى عزمه مَا كَانَ من خُرُوج الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن بن أبي عَليّ بن أبي سعيد بِنَاحِيَة بطوية فَإِن السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر كَانَ قد سرحه من الأندلس صُحْبَة وزيره مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي

стр. 756

لطلب ملك الْمغرب تشغيبا على الْوَزير أبي بكر بن غَازِي ثمَّ أتبعه بالأمير أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن السُّلْطَان أبي سَالم الَّذِي كَانَ محتاطا عَلَيْهِ بطنجة فزحف الْأَمِير أَبُو الْعَبَّاس الْمَذْكُور إِلَى فاس وَظَاهره ابْن عَمه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن فحاصروا الْوَزير أَبَا بكر بن غَازِي وسلطانه أَبَا زيان ابْن عبد الْعَزِيز وضربوا على فاس الْجَدِيد سياجا بِالْبِنَاءِ للحصار وأنزلوا بِهِ أَنْوَاع الْقِتَال بعد أَن بعث ابْن الْأَحْمَر رسله إِلَى الْأَمِير عبد الرَّحْمَن باتصال الْيَد بِابْن عَمه الْأَمِير أبي الْعَبَّاس ومظاهرته على ملك سلفه بفاس واجتماعهما لمنازلتها وَعقد بَينهمَا الِاتِّفَاق والمواصلة وَأَن يخْتَص عبد الرَّحْمَن بِملك سلفه من سجلماسة وأعمالها فتراضيا وزحفا إِلَى فاس كَمَا قُلْنَا وأمدهم ابْن الْأَحْمَر بِجمع من جنده فاستمر الْحَال على حِصَار فاس إِلَى أَن أذعن الْوَزير أَبُو بكر لخلع سُلْطَانه أبي زيان ومبايعة الْأَمِير أبي الْعَبَّاس فخلعه يَوْم الْأَحَد السَّادِس من محرم فاتح سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَغرب إِلَى الأندلس فَكَانَت دولته سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَالله غَالب على أمره الْخَبَر عَن الدولة الأولى للسُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي سَالم بن أبي الْحسن هَذَا السُّلْطَان يُقَال لَهُ ذُو الدولتين لِأَنَّهُ ولي الْملك مرَّتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي أمه حرَّة بنت أبي مُحَمَّد السبائي كنيته أَبُو الْعَبَّاس لقبه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه صفته أَبيض اللَّوْن ربعَة تعلوه صفرَة رقيقَة أدعج أسود الشّعْر أكحل الحاجبين ضيق البلج أسيل الْخَدين براق الثنايا جميل الْوَجْه مليح الصُّورَة ظريف المنزع لطيف الشَّمَائِل حسن الشكل إِذا ركب بُويِعَ أَولا بطنجة فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسبعين وَسَبْعمائة ثمَّ بُويِعَ الْبيعَة الْعَامَّة بِالْمَدِينَةِ الْبَيْضَاء بعد استيلائه عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد السَّادِس من محرم سنة سِتّ وَسبعين

стр. 757

وَسَبْعمائة وَكَانَ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن عِنْدَمَا أشرفوا على فتح فاس شَرط عَلَيْهِم ولَايَة مراكش عوضا عَن سجلماسة فعقدوا لَهُ على كره مَخَافَة أَن تفترق كلمتهم وَلَا يتم أَمرهم فَفَعَلُوا وطووا لَهُ على النكث فارتحل إِلَى مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ فَارقه وزيره مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن وَأَجَازَ الْبَحْر إِلَى الأندلس فاستقر بهَا فِي إيالة ابْن الْأَحْمَر واستقل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم بِملك فاس وأعمالها واستوزر مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس وفوض إِلَيْهِ أُمُوره فغلب على هَوَاهُ وَجعل أَمر الشورى إِلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد فاستقل بهَا وَحَازَ رياسة المشيخة واستحكمت الْمَوَدَّة بَينه وَبَين ابْن الْأَحْمَر وَجعلُوا إِ ليه الْمرجع فِي نقضهم وإبرامهم فَصَارَ لَهُ بذلك تحكم فِي الدولة المرينية وَأصْبح الْمغرب كَأَنَّهُ من بعض أَعمال الأندلس وَذَلِكَ بِمَا كَانَ لِابْنِ الْأَحْمَر من إِعَانَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس على ملك الْمغرب حَتَّى تمّ لَهُ وَبِمَا كَانَ تَحت يَده من أَبنَاء الْمُلُوك المرشحين لِلْأَمْرِ فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس وحاشيته يصانعونه لأجل ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم محنة الْوَزير ابْن الْخَطِيب ومقتله ﵀ لما لَجأ ابْن الْخَطِيب إِلَى بني مرين وَأصَاب عِنْدهم دَارا وقرارا عز ذَلِك على ابْن الْأَحْمَر وسعى بطانته عِنْده فِي ابْن الْخَطِيب لعداوتهم لَهُ ثمَّ بلغه أَنه يغري السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بتملك أَرض الأندلس وَقطع دَعْوَة بني الْأَحْمَر مِنْهَا فَعظم عَلَيْهِ ذَلِك ودبر الْحِيلَة فِي قتل ابْن الْخَطِيب وتتبع أعداؤه كَلِمَات زَعَمُوا أَنَّهَا صدرت مِنْهُ فِي بعض تآليفه فأحصوها عَلَيْهِ ورفعوها إِلَى قَاضِي غرناطة أبي الْحسن النباهي فاسترعاها وسجل عَلَيْهِ بالزندقة وَبعث ابْن الْأَحْمَر برسم الشَّهَادَة مَعَ هَدِيَّة لم يسمع بِمِثْلِهَا إِلَى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَطلب مِنْهُ إِقَامَة الْحَد على ابْن الْخَطِيب أَو إِ سَلَامه إِلَيْهِ فَصم السُّلْطَان عبد الْعَزِيز عَن ذَلِك وأنف لذمته أَن تخفر ولجواره أَن يُؤْذى وَقَالَ للوفد هلا

стр. 758

انتقمتم مِنْهُ وَهُوَ عنْدكُمْ وَأَنْتُم عالمون بِمَا كَانَ عَلَيْهِ وَأما أَنا فَلَا يخلص إِلَيْهِ بذلك أحد مَا كَانَ فِي جواري ثمَّ وفر الجراية والإقطاع لَهُ ولبنيه وَلمن جَاءَ من فرسَان الأندلس فِي جملَته ثمَّ لما مَاتَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز ﵀ وَولي ابْنه أَبُو زيان وَقَامَ بأَمْره الْوَزير أَبُو بكر ابْن غَازِي عاود ابْن الْأَحْمَر الْكَلَام فِي شَأْن ابْن الْخَطِيب وَبعث بهدية أُخْرَى إِلَى الْوَزير الْمَذْكُور وَطلب مِنْهُ إِسْلَامه إِلَيْهِ فَأبى الْوَزير وأساء الرَّد وعادت رسل ابْن الْأَحْمَر إِلَيْهِ مخفقين وَقد رهبوا سطوته فَعِنْدَ ذَلِك عمد ابْن الْأَحْمَر إِلَى الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن وَكَانَ عِنْده بالأندلس فأطمعه فِي ملك الْمغرب وأركبه الْبَحْر فقذف بِهِ بساحل بطوية من بِلَاد الرِّيف تشغيبا على الْوَزير أبي بكر بن غَازِي كَمَا مر ثمَّ ثاب لَهُ رَأْي آخر فأغرى مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس وَهُوَ ابْن عَم أبي بكر بن غَازِي الْمَذْكُور وَكَانَ يَوْمئِذٍ بسبتة قَائِما على ثغرها فداخله فِي الْبيعَة لأبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم وَكَانَ يَوْمئِذٍ بسبتة محتاطا عَلَيْهِ فِي جملَة من الْقَرَابَة وَالْتزم أَن يمده بِالْمَالِ وَالرِّجَال حَتَّى يتم أمره لَكِن بِشَرْط أَن ينزل لَهُ عَن جبل طَارق وَيبْعَث لَهُ بِالْقَرَابَةِ الَّذين هم بطنجة ليكونوا تَحت يَده وَيسلم إِلَيْهِ ابْن الْخَطِيب مَتى قدر عَلَيْهِ فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس لما استولى على الْأَمر نزل لِابْنِ الْأَحْمَر عَن جبل طَارق فمحا دَعْوَة بني مرين من وَرَاء الْبَحْر ثمَّ ملك بعد ذَلِك سبتة فاستولى عَلَيْهَا وَبعث إِلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ الْمَذْكُورين فأوسع لَهُم جنابه بغرناطة ثمَّ قبض السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس ووزيره مُحَمَّد بن عُثْمَان على ابْن الْخَطِيب وطيروا بالأعلام لِابْنِ الْأَحْمَر فَحِينَئِذٍ بعث وزيره أَبَا عبد الله بن زمرك وَكَانَ من تلاميذه ابْن الْخَطِيب وَبِه تخرج فَقدم على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وأحضروا ابْن الْخَطِيب بالمشور فِي مجْلِس الْخَاصَّة وَأهل الشورى من الْفُقَهَاء وعرضوا عَلَيْهِ بعض كَلِمَات وَقعت لَهُ فِي بعض كتبه فَعظم عَلَيْهِ النكير فِيهَا فوبخ وَنكل وامتحن بِالْعَذَابِ بمشهد ذَلِك

стр. 759

الْمَلأ ثمَّ ثل إِلَى محبسه وتفاوضوا فِي قَتله بِمُقْتَضى تِلْكَ المقالات المسجلة عَلَيْهِ فَأفْتى بعض الْفُقَهَاء بقتْله فَدس سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَيْهِ بعض الأوغاد حَاشِيَته من حَاشِيَته فطرقوا السجْن لَيْلًا وَمَعَهُمْ زعانفة من أهل الأندلس جاؤوا فِي لفيف ذَلِك الْوَفْد فَقَتَلُوهُ خنقا فِي محبسه وأخرجوا شلوه من الْغَد فَدفن فِي مَقْبرَة بَاب المحروق ثمَّ أصبح من الْغَد طريحا على شافة قَبره وَقد جمعُوا لَهُ أعوادا فأضرموها عَلَيْهِ نَارا فَاحْتَرَقَ شعره واسود بشره وأعيد إِلَى حفرته وَكَانَ فِي ذَلِك انْتِهَاء محنته وَعجب النَّاس من هَذِه السفاهة الَّتِي جَاءَ بهَا سُلَيْمَان بن دَاوُد واعتدوها من هنتاته وَعظم النكير فِيهَا عَلَيْهِ وعَلى قومه وَأهل دولته وَكَانَ ابْن الْخَطِيب ﵀ أَيَّام مقَامه بالسجن يتَوَقَّع مُصِيبَة الْمَوْت فتجيش هواتفه بالشعر يبكي نَفسه فمما قَالَ فِي ذَلِك (بَعدنَا وَإِن جاورتنا الْبيُوت ... وَجِئْنَا بوعظ وَنحن صموت) (وأنفسنا سكنت دفْعَة ... كجهر الصَّلَاة تلاه الْقُنُوت) (وَكُنَّا عظاما فصرنا عظاما ... وَكُنَّا نقوت فها نَحن قوت) (وَكُنَّا شموس سَمَاء الْعلَا ... غربنا فناحت عَلَيْهَا السموت) (فكم جدلت ذَا الحسام الظبي ... وَذُو البخت كم جدلته البخوت) (وَكم سيق للقبر فِي خرقَة ... فَتى ملئت من كَسَاه التخوت) (فَقل للعدا ذهب ابْن الْخَطِيب ... وَفَاتَ وَمن ذَا الَّذِي لَا يفوت) (فَمن كَانَ يفرح مِنْكُم لَهُ ... فَقل يفرح الْيَوْم من لَا يَمُوت) وَكَانَت نكبته ﵀ أَوَائِل سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَعند الله تَجْتَمِع الْخُصُوم

стр. 760

بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير مراكش عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن ﵀ قد تقدم لنا مَا كَانَ من معاقدة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس والأمير عبد الرَّحْمَن ابْن أبي يفلوسن على ولَايَة سجلماسة أَولا ثمَّ التعويض عَنْهَا بمراكش ثَانِيًا فَلَمَّا فتح السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس فاسا وفى للأمير عبد الرَّحْمَن بعقده فَسَار إِلَى مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وعَلى أَعمالهَا واقتسمت مملكة الْمغرب الْأَقْصَى يَوْمئِذٍ بنصفين وَكَانَ الْحَد بَين الدولتين ثغر آزمور فَكَانَت فِي إيالة صَاحب فاس وَمَا وَرَاءَهَا إِلَى مراكش فِي إيالة صَاحب مراكش ثمَّ كَانَت بَينهمَا بعد ذَلِك مواصلات ومناقضات ومسالمات ومحاربات يطول جلبها واتصل ذَلِك إِلَى منتصف سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فظفر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بِعَبْد الرَّحْمَن بعد محاصرته بقصبة مراكش تِسْعَة أشهر وَلما أشرف السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس على فتحهَا وانفض النَّاس من حول الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ونزلوا من الأسوار ناجين إِلَى السُّلْطَان وَبَقِي هُوَ فِي قصبته مُنْفَردا بَات ليلته يُرَاوِد ولديه على الاستماتة وهما سليم وَأَبُو عَامر وَركب السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس من الْغَد فِي التعبية إِلَى القصبة فاقتحمها بمقدمته ولقيه الْأَمِير عبد الرَّحْمَن وولداه مسابقين إِلَى الميدان ومباشرين الْقِتَال بَين أَبْوَاب دُورهمْ فجالوا مَعَهم جَوْلَة قتل فِيهَا الْولدَان قَتلهمْ عَليّ بن إِدْرِيس وزيان بن عمر الوطاسي قَالَ ابْن خلدون وطالما كَانَ زيان يمتري ثدي نعمتهم ويجر ذيله خُيَلَاء فِي جاههم فَذهب مثلا فِي كفران النِّعْمَة وَسُوء الْجَزَاء وَالله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَكَانَ ذَلِك خَاتم جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة لمضي عشر سِنِين من إِمَارَة عبد الرَّحْمَن على مراكش ثمَّ رَحل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس منقلبا إِلَى فاس وَقد استولى على سَائِر أَعمال الْمغرب وظفر بعدوه وَدفع النازعين عَن ملكه وَالله غَالب على أمره

стр. 761

ذكر الشاوية وَبَيَان نسبهم وأوليتهم وَشرح لقبهم وتسميتهم ذكر ابْن خلدون أَن الشاوية من ولد حسان بن أبي سعيد الصبيحي نِسْبَة إِلَى صبيح بِالتَّصْغِيرِ بطن من سُوَيْد وسُويد إِحْدَى قبائل بني مَالك بن زغبة الهلاليين وَكَانَ دُخُول حسان وأخيه مُوسَى ابْني أبي سعيد إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى أَيَّام السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق ﵀ قدمُوا فِي صُحْبَة عبد الله بن كندوز العَبْد الْوَادي ثمَّ الكمي وَكَانَ عبد الله هَذَا قد نزع عَن يغمراسن بن زيان إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب الْمَذْكُور فَقدم عَلَيْهِ قبل فتح مراكش فاهتز السُّلْطَان يَعْقُوب لقدومه وأحله بِالْمَكَانِ الرفيع من دولته وَأنزل قومه بجهات مراكش وأقطعهم الْبِلَاد الَّتِي كفتهم مهماتهم وَجعل انتجاع إبِله ورواحله وَسَائِر ظَهره فِي إحيائهم فَقدم عبد الله بن كندوز على رعايتها حسان وأخاه مُوسَى الصبيحيين وَكَانَا عارفين برعاية الْإِبِل وَالْقِيَام عَلَيْهَا فأقاموا يَتَقَلَّبُونَ فِي تِلْكَ الْبِلَاد ويتعدون فِي نجعتها إِلَى أَرض سوس وَكَانَت مَاشِيَة السُّلْطَان يَعْقُوب مُتَفَرِّقَة فِي سَائِر الْمغرب فجمعها لعبد الله بن كندوز وَجَمعهَا عبد الله لحسان الصبيحي الْمَذْكُور فَكَانَ حسان يُبَاشر أُمُور السُّلْطَان فِي شَأْن تِلْكَ الْمَاشِيَة ويطالعه بمهماته فحصلت لَهُ مداخلة مَعَه جلبت إِلَيْهِ الْحَظ حَتَّى ارْتَفع قدره وَنَشَأ بنوه فِي ظلّ الدولة وعزها وتصرفوا فِي الولايات مِنْهَا وانفردوا بخطة الشاوية فَلم تزل ولايتها متوارثة فيهم منقسمة بَينهم لهَذَا الْعَهْد إِلَى مَا كَانُوا يتصرفون فِيهِ من غير ذَلِك من الولايات وَكَانَ لحسان من الْوَلَد عَليّ وَيَعْقُوب وَطَلْحَة وَغَيرهم وَمن حسان هَذَا تفرعت شعوبهم فِي وَلَده قَالَ ابْن خلدون وهم لهَذَا الْعَهْد يتصرفون فِي الدولة على مَا كَانَ لسلفهم من ولَايَة الشاوية وَالنَّظَر فِي رواحل السُّلْطَان وَالظّهْر الَّذِي يحمل من الْإِبِل وَلَهُم عدد وَكَثْرَة ونباهة فِي الدولة أه قلت وَلَفظ الشاوية نِسْبَة إِلَى الشَّاء الَّتِي هِيَ جمَاعَة الْغنم مثلا قَالَ الصِّحَاح وَالنِّسْبَة إِلَى الشَّاء شاوي قَالَ الراجز

стр. 762

(لَا ينفع الشاوي فِيهَا شاته ... وَلَا حماراه وَلَا علاته) وَإِن سميت بِهِ رجلا قلت شائي وَإِن شِئْت شاوي اه وَاعْلَم أَن الشاوية الْيَوْم يطلقون على سكان تامسنا من قبائل شَتَّى بَعْضهَا عرب وَبَعضهَا زناتة وبربر غير أَن لِسَان الْجَمِيع عَرَبِيّ وَكَانَ أصل جمهورهم من هَؤُلَاءِ الَّذين ذكر ابْن خلدون ثمَّ انضافت إِلَيْهِم قبائل أخر واختلطوا بهم فَأطلق على الْجَمِيع شاوية تَغْلِيبًا وَهَكَذَا وَقع فِي سَائِر عرب الْمغرب الْأَقْصَى المواطنين بتلوله فَإِنَّهُم وَقع فيهم اخْتِلَاط كَبِير حَتَّى نسوا أنسابهم وأصولهم الأولى إِلَّا فِي النَّادِر وَذَلِكَ بِسَبَب تعاقب الْأَعْصَار وتناسخ الأجيال وتوالي المجاعات والانتجاعات ووقعات الْمُلُوك بهم فِي كثير من الأحيان وتفريق بَعضهم من بعض وَنقل بَعضهم إِلَى بِلَاد بعض وَمَعَ ذَلِك فأسماؤهم الأولى لَا زَالَت قَائِمَة فيهم لن تَتَغَيَّر إِلَى الْآن فَمِنْهَا يَهْتَدِي الفطن إِلَى التنقير عَن أنسابهم وإلحاق فروعهم بأصولهم مَتى احْتَاجَ إِلَى ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم نهوض السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس إِلَى تلمسان وَفتحهَا وتخريبها لما نَهَضَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى مراكش وحاصر بهَا عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن خَالفه إِلَى الْمغرب أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني فِي جمع من أَوْلَاد حُسَيْن عرب معقل وَذَلِكَ بإغراء عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَدَخَلُوا إِلَى أحواز مكناسة وعاثوا فِيهَا ثمَّ عَمدُوا إِلَى مَدِينَة تازا فحاصروها سبعا وخربوا قصر الْملك هُنَالك ومسجده الْمَعْرُوف بقصر تازروت وبينما هم على ذَلِك بَلغهُمْ الْخَبَر الْيَقِين بِفَتْح مراكش وَقتل الْأَمِير عبد الرَّحْمَن فأجفلوا من كل نَاحيَة وَمر أَبُو حمو فِي طَرِيقه إِلَى تلمسان بقصر ونزمار بن عريف السويدي فِي نواحي بطوية الْمُسَمّى بمرادة فهدمه وَوصل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى فاس فأراح بهَا أَيَّامًا ثمَّ أجمع النهوض إِلَى تلمسان فَانْتهى إِلَى تاوريرت وَبلغ الْخَبَر إِلَى أبي حمو فاضطرب رَأْيه

стр. 763

واعتزم على الْحصار وَجمع أهل الْبَلَد عَلَيْهِ فَاسْتَعدوا لَهُ ثمَّ بدا لَهُ فَخرج فِي بعض تِلْكَ اللَّيَالِي بولده وَأَهله وخاصته وَأصْبح مخيما بالصفيصف فأهرع أهل الْبَلَد إِلَيْهِ بعيالهم وَأَوْلَادهمْ مُتَعَلقين بِهِ تفاديا من معرة هجوم الْعَسْكَر عَلَيْهِم فَلم يزعه ذَلِك عَن قَصده وارتحل ذَاهِبًا إِلَى الْبَطْحَاء ثمَّ قصد بِلَاد مغراوة فَنزل فِي بني بو سعيد قَرِيبا من شلف وَأنزل أَوْلَاده الأصاغرة وَأَهله بحصن تاجحمومت وَجَاء السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى تلمسان فملكها وَاسْتقر بهَا أَيَّامًا ثمَّ هدم أسوارها وقصور الْملك بهَا بإغراء وليه ونزمار جَزَاء بِمَا فعله أَبُو حمو فِي تخريب قصر تازروت وحصن مُرَادة ثمَّ خرج من تلسمان فِي اتِّبَاع أبي حمو وَنزل على مرحلة مِنْهَا وهنالك بلغه الْخَبَر بِإِجَازَة مُوسَى بن أبي عنان من الأندلس إِلَى الْمغرب وَأَنه خَالفه إِلَى دَار الْملك فانكفأ رَاجعا عوده على بدئه وَرجع أَبُو حمو إِلَى تلمسان فاستقر ملكه بهَا إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله خلع السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم وتغريبه إِلَى الأندلس وَالسَّبَب فِي ذَلِك قد قدمنَا مَا كَانَ من تحكم ابْن الْأَحْمَر فِي مملكة الْمغرب ودالته على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِمَا أَنه كَانَ السَّبَب فِي ولَايَته وَبِمَا تَحت يَده من الْقَرَابَة المرشحين الَّذين أرصدهم للتشغيب على دَار الْملك بالمغرب مَتى رأى من أحدهم مَا لَا يُوَافق هَوَاهُ وَكَانَ مَعَ كَثْرَة تحكمه فيهم يتجنى عَلَيْهِم فِي بعض الْأَوْقَات بِمَا يأتونه من تَقْصِير فِي شَفَاعَة أَو مُخَالفَة فِي أَمر لَا يَجدونَ عَنْهَا محيصا فيضطغن ذَلِك عَلَيْهِم وَكَانَ يعْتد على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِشَيْء من هَذِه الهنات فَلَمَّا نَهَضَ إِلَى تلمسان وَاسْتولى عَلَيْهَا سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة اتَّصل بِابْن الْأَحْمَر أَن دَار الْملك بفاس قد بقيت عَورَة من الْجند والحامية فانتهز الفرصة وبادر بتسريح مُوسَى ابْن السُّلْطَان أَبى عنان إِلَى الْمغرب

стр. 764

واستوزر لَهُ مَسْعُود بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي رَئِيس الْفِتْنَة وقطب رحاها وَكَانَ عِنْده بالأندلس بعد مُفَارقَة عبد الرَّحْمَن بن أبي يفلوسن فَنزل مُوسَى ابْن أبي عنان سبتة فاستولى عَلَيْهَا وَسلمهَا لِابْنِ الْأَحْمَر فَدخلت فِي طَاعَته ثمَّ تقدم إِلَى فاس فَدَخلَهَا من يَوْمه وَاسْتقر قدمه بهَا واتصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْعَبَّاس وَهُوَ بتلمسان فجَاء مبادرا وَنزل بتازا فَأَقَامَ بهَا أَرْبعا ثمَّ تقدم إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالركن فَانْتقضَ عَلَيْهِ رُؤَسَاء جَيْشه وتسللوا إِلَى مُوسَى طوائف وأفرادا وَلما رأى مَا نزل بِهِ رَجَعَ إِلَى تازا بعد أَن انتهب مُعَسْكَره وأضرمت النَّار فِي خيامه وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد الموفي ثَلَاثِينَ من ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ثمَّ بعث مُوسَى بن أبي عنان من أَتَاهُ بالسلطان أبي الْعَبَّاس فِي الْأمان فَقدم عَلَيْهِ وَقَيده وَبعث بِهِ إِلَى ابْن الْأَحْمَر فَبَقيَ عِنْده محتاطا عَلَيْهِ إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله وَكَانَت دولته هَذِه عشر سِنِين وشهرين وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَمن وزرائه فِي هَذِه الدولة مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس المجذولي وَمن كِتَابه عبد الْمُهَيْمِن ابْن أبي سعيد بن عبد الْمُهَيْمِن الْحَضْرَمِيّ تغمد الله الْجَمِيع برحمته الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي فَارس مُوسَى ابْن أبي عنان بن أبي الْحسن أمه مولدة اسْمهَا تاملالت صفته أسمر مائل إِلَى السوَاد قصير الْقَامَة جاحظ الْعَينَيْنِ عَظِيم اللِّحْيَة تملأ صَدره قَائِم الْأنف وَإِذا تكلم يمْلَأ لِسَانه فَمه فَيخرج من بَين شَفَتَيْه ويتحرك فيقبح كَلَامه بُويِعَ يَوْم الْخَمِيس الموفي عشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَقَامَ بِأَمْر دولته وزيره مَسْعُود بن ماساي مستبدا عَلَيْهِ وَلما اسْتَقر أمره بالحضرة وَجه إِلَيْهِ ابْن الْأَحْمَر أمه وَعِيَاله وَكَانُوا عِنْده وهناه وزيره أَبُو عبد الله بن زمرك بتوشيح يَقُول فِي مطلعه

стр. 765

(قد نظم الشمل أتم انتظام ... ولاحت الأقمار بعد المغيب) (وضاحك الرَّوْض ثغور الْغَمَام ... عَن مبسم الزهر البرود الشيب) إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره (مولَايَ يهنيك وَحقّ الهنا ... قد نظم الشمل كنظم السُّعُود) (قد فزت بالفخر ونيل المنى ... وأنجز السعد جَمِيع الوعود) (وقرت الْعين وَزَالَ العنا ... وَكلما مر صَنِيع يعود) (وَلم يزل ملكك حلف الدَّوَام ... يحوز فِي التخليد أوفى نصيب) (يَتْلُو عَلَيْك الدَّهْر بعد السَّلَام ... نصر من الله وَفتح قريب) خُرُوج الْحسن بن النَّاصِر بغمارة ونهوض الْوَزير ابْن ماساي إِلَيْهِ كَانَ الْحسن بن النَّاصِر بن أبي عَليّ بن أبي سعيد قد لحق من مقره بالأندلس بِحَضْرَة تونس فِي سَبِيل طلب الْملك وَكَانَ الْوَزير مَسْعُود بن ماساي قد قتل مُحَمَّد بن عُثْمَان بن الكاس وافترقت حَاشِيَته فِي الْجِهَات فطلبوا بطن الأَرْض دون ظهرهَا وَلحق مِنْهُم ابْن أَخِيه الْعَبَّاس بن الْمِقْدَاد بتونس فعثر على الْحسن بن النَّاصِر بهَا فَثَابَ لَهُ رَأْي فِي الرُّجُوع بِهِ إِلَى الْمغرب لطلب الْأَمر فَخرج بِهِ من تونس وَقطع المفاوز إِلَى أَن انْتهى إِلَى جبال غمارة وَنزل على أهل الصفيحة مِنْهُم فأكرموا مثواه ومنقلبه وأعلنوا بِالْقيامِ بدعوته واستوزر الْعَبَّاس بن الْمِقْدَاد وَبلغ الْخَبَر إِلَى مَسْعُود الْوَزير فَجهز العساكر مَعَ أَخِيه مهْدي بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي فحاصره بجبل الصَّحِيفَة أَيَّامًا فَامْتنعَ عَلَيْهِ فَنَهَضَ إِلَيْهِ مَسْعُود بِنَفسِهِ على مَا نذكرهُ

стр. 766

وَفَاة السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان ﵀ لما كَانَ من استبداد ابْن ماساي على السُّلْطَان مُوسَى مَا قدمْنَاهُ استنكف من ذَلِك وداخل بطانته فِي الفتك بِهِ فنما ذَلِك إِلَيْهِ وحصلت لَهُ نفرة من السُّلْطَان طلب لأَجلهَا الْبعد عَنهُ وبادر إِلَى الْخُرُوج لدافعة الْحسن بن النَّاصِر الْقَائِم بغمارة واستخلف على دَار الْملك أَخَاهُ يعِيش بن عبد الرَّحْمَن بن ماساي فَلَمَّا انْتهى إِلَى قصر كتامة بلغه الْخَبَر بوفاة السُّلْطَان مُوسَى وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة طرقه الْمَرَض فَهَلَك ليَوْم وَلَيْلَة من مَرضه وَكَانَ النَّاس يرْمونَ يعِيش أَخا الْوَزير بِأَنَّهُ سمه قَالَه ابْن خلدون وَقَالَ ابْن القَاضِي فِي الجذوة توفّي السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان مسموما يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَله إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة فَكَانَت دولته سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر وَولي بعده مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي سَالم اه وَمن كِتَابه أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو التَّمِيمِي وَأَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن سَوْدَة المري وَمن قُضَاته أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد المغيلي وَالله تَعَالَى أعلم الْخَبَر عَن دولة الْمُنْتَصر بِاللَّه السُّلْطَان أبي زيان مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس ابْن أبي سَالم بن أبي الْحسن أمه حرَّة وَهِي رقية بنت السُّلْطَان أبي عنان صفته أَبيض اللَّوْن قَائِم الْأنف أسيل الْخَدين بُويِعَ بعد خَاله مُوسَى بن أبي عنان يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وسنه يَوْم بُويِعَ خمس سِنِين وخلع يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَغرب إِلَى الأندلس مَعَ أَبِيه فَكَانَت دولته ثَلَاثَة وَأَرْبَعين يَوْمًا تَحت استبداد الْوَزير مَسْعُود عَفا الله عَنهُ

стр. 767

الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الواثق بِاللَّه أبي زيان مُحَمَّد بن أبي الْفضل بن أبي الْحسن أمه أم ولد اسْمهَا عسيلة صفته أسود اللَّوْن عَظِيم الْخلق رحب الْوَجْه طَوِيل الْقَامَة والساقين ممتلئ الْأنف عَظِيم الساعدين وَكَانَ قبل ولَايَته عِنْد ابْن الْأَحْمَر بالأندلس فِي جملَة الْقَرَابَة وَلما استوحش الْوَزير مَسْعُود من السُّلْطَان مُوسَى بن أبي عنان بعث ابْنه يحيى إِلَى ابْن الْأَحْمَر يسْأَل مِنْهُ إِعَادَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس إِلَى ملكه فَأخْرجهُ ابْن الْأَحْمَر من الاعتقال وَجَاء بِهِ إِلَى جبل الْفَتْح يروم إِجَازَته إِلَى العدوة فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان مُوسَى بدا للوزير مَسْعُود فِي أمره ودس لِابْنِ الْأَحْمَر فِي رده وَأَن يبْعَث إِلَيْهِ بالواثق هَذَا وَرَآهُ أليق بالاستبداد وَالْحجر فأسعفه ابْن الْأَحْمَر فِي ذَلِك ورد السُّلْطَان أَحْمد إِلَى مَكَانَهُ بالحمراء وَجِيء بالواثق فَحَضَرَ بجبل الْفَتْح عِنْده فَأَجَازَهُ إِلَى سبتة وَاتفقَ أَن جمَاعَة من الْحَاشِيَة انتقضوا على الْوَزير مَسْعُود وَلَحِقُوا بسبتة فَقدم عَلَيْهِم الواثق بهَا وَرَجَعُوا بِهِ إِلَى الْمغرب وتقلبوا فِي نواحيه إِلَى أَن وصلوا إِلَى جبل مغيلة قرب فاس فبرز الْوَزير مَسْعُود فِي العساكر وَنزل قبالتهم وَقَاتلهمْ هُنَالك أَيَّامًا ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن يُبَايع مَسْعُود للواثق بِشَرْط الاستبداد فتم العقد على ذَلِك قَالَ فِي الجذوة بُويِعَ السُّلْطَان الواثق بِاللَّه أَبُو زيان مُحَمَّد بن أبي الْفضل يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَقَامَ بأَمْره الْوَزير مَسْعُود بن ماساي ثمَّ حدثت الْفِتْنَة بَين الْوَزير الْمَذْكُور وَابْن الْأَحْمَر بِسَبَب أَن الْوَزير طلب مِنْهُ إِعَادَة سبتة إِلَى الإيالة المرينية وَكَانَ مُوسَى ابْن أبي عنان قد نزل لَهُ عَنْهَا كَمَا مر وَكَانَ طلبه على سَبِيل الملاطفة فاستشاط ابْن الْأَحْمَر غَضبا وأساء الرَّد فَجهز ابْن ماساي العساكر لحصار سبتة مَعَ الْعَبَّاس بن عمر بن عُثْمَان الوسنافي وَيحيى بن علال بن آمصمود والرئيس مُحَمَّد بن أَحْمد الأبكم من بني الْأَحْمَر فاستولى عَلَيْهَا

стр. 768

ثمَّ سرح ابْن الْأَحْمَر السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس من اعتقاله وَبَعثه إِلَى الْمغرب لطلب ملكه وللتشغيب على ابْن ماساي الجاحد لإحسانه فَعبر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْبَحْر إِلَى الْمغرب فاحتل سبتة وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ تقدم إِلَى فاس فحاصرها وضيق على ابْن ماساي وسلطانه الواثق بِاللَّه وأهرع النَّاس إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته حَتَّى من مراكش فاستمر الْحصار على فاس الْجَدِيد ثَلَاثَة أشهر ثمَّ أذعن الْوَزير مَسْعُود للطاعة على شَرط أَن يبْقى وزيرا ويغرب سُلْطَانه إِلَى الأندلس فَأُجِيب وخلع الواثق بِاللَّه ثمَّ خرج إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَبَايعهُ وَتقدم أَمَامه فَدخل دَاخل ملكه يَوْم الْخَمِيس خَامِس رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ولحين دُخُوله قبض على الواثق بِاللَّه فقيده وَبعث بِهِ إِلَى طنجة فَقتل بهَا بعد ذَلِك وسنه يَوْم قتل ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَبهَا قبر وَمن وزرائه يعِيش بن عَليّ بن فَارس الياباني ومسعود بن رحو بن ماساي وَمن كِتَابه مَنْصُور بن أَحْمد بن مُحَمَّد التَّمِيمِي وَأَبُو يحيى مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن أبي مَدين وَمن قُضَاته أَبُو يحيى مُحَمَّد بن مُحَمَّد السكاك رَحِمهم الله تَعَالَى بمنه الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم بن أبي الْحسن لما دخل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس حَضْرَة فاس الْجَدِيد فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ الْبيعَة الْعَامَّة فِي الْيَوْم الثَّالِث من دُخُوله وَهُوَ يَوْم السبت السَّابِع من رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة لمضي ثَلَاث سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام من خلعه وَلما ملك أَمر نَفسه قبض على الْوَزير ابْن ماساي وعَلى إخْوَته وحاشيته وامتحنهم امتحانا بليغا فهلكوا من الْعَذَاب ثمَّ سلط على مَسْعُود من الْعَذَاب

стр. 769

والانتقام مَا لَا يعبر عَنهُ واعتد عَلَيْهِ بِمَا كَانَ يَفْعَله فِي دور بني مرين النازعين عَنهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ مَتى هرب مِنْهُم أحد عمد إِلَى بيوته فنهبها فَأمر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بعقابه فِي أطلالها فَكَانَ يُؤْتى بِهِ إِلَى كل بَيت فِيهَا فَيضْرب عشْرين سَوْطًا إِلَى أَن برح بِهِ الْعَذَاب وَتجَاوز الْحَد ثمَّ أَمر بِهِ فَقطعت أربعته فَهَلَك عِنْد قطع الثَّانِيَة وَذهب مثلا للآخرين ظُهُور مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم بن أبي عَليّ بسجلماسة ثمَّ اضمحلاله بعد ذَلِك قد قدمنَا أَن الْأَمِير عبد الْحَلِيم بن أبي سعيد كَانَ تغلب على سجلماسة ثمَّ غَلبه عَلَيْهَا أَخُوهُ عبد الْمُؤمن وسافر عبد الْحَلِيم إِلَى الْمشرق فَهَلَك فِي سفرته تِلْكَ وَكَانَ قد ترك ابْنه مُحَمَّدًا هَذَا رضيعا فشب متقلبا بَين الدول من ملك إِلَى آخر على أَن أَكثر مقَامه إِنَّمَا كَانَ عِنْد أبي حمو صَاحب تلمسان وَلما حاصر السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس فاس الْجَدِيد كَانَ مُحَمَّد هَذَا عِنْد الْعَرَب الأحلاف فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحصار على مَسْعُود بن ماساي دس إِلَى الأحلاف أَن ينصبوا مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم لِلْأَمْرِ ويجلبوا بِهِ على الْمغرب ليَأْخُذ بحجزة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس عَنهُ فَفَعَلُوا وَدخل مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم سجلماسة فملكها حَتَّى إِذا استولى السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس على فاس الْجَدِيد وأوقع بمسعود ابْن ماساي وَإِخْوَته خرج مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم عَن سجلماسة وَلحق بأحياء الْعَرَب فسارت طَائِفَة مِنْهُم مَعَه إِلَى أَن أبلغوه مأمنه وَنزل على أبي حموا بتلمسان إِلَى أَن هلك فَسَار إِلَى تونس وَنزل على صَاحبهَا أبي الْعَبَّاس الحفصي ثمَّ ارتحل بعد وَفَاته إِلَى الْمشرق لحج الْفَرِيضَة وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 770

نكبة الْكَاتِب ابْن أبي عَمْرو وحركات بن حسون ومقتلهما كَانَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو التَّمِيمِي وَقد تقدم ذكر وَالِده فِي دولة السُّلْطَان أبي عنان كَاتبا عِنْد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فِي دولته الأولى فَلَمَّا خلع وَولي مُوسَى بن أبي عنان تقرب إِلَيْهِ بسالف المخالصة لِأَبِيهِ من أبي عنان فقد كَانَ أعز بطانته كَمَا مر فاستخلصه السُّلْطَان مُوسَى للشورى وَرفع مَنْزِلَته على منَازِل أهل الدولة وَجعل إِلَيْهِ كِتَابَة علامته على المراسم السُّلْطَانِيَّة كَمَا كَانَ لِأَبِيهِ وَكَانَ يفاوضه فِي مهماته وَيرجع إِلَيْهِ فِي أُمُوره حَتَّى غص بِهِ أهل الدولة وسعى هُوَ عِنْد السُّلْطَان مُوسَى فِي جمَاعَة من بطانة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَأتى عَلَيْهِم النكال وَالْقَتْل لكلمات كَانَت تجْرِي بَينهم وَبَينه فِي مجَالِس المنادمة عِنْد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس حقدها عَلَيْهِم فَلَمَّا ظفر بالحظ من السُّلْطَان مُوسَى سعى بهم عِنْده فَقَتلهُمْ وَكَانَ القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم اليزناسني من بطانة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس وَكَانَ يحضر مَعَ ندمائه فحقد عَلَيْهِ ابْن أبي عَمْرو وأغرى بِهِ السُّلْطَان مُوسَى فَضَربهُ وأطافه وَجَاء بهَا شنعاء غَرِيبَة فِي الْقبْح ثمَّ سفر ابْن أبي عَمْرو عَن سُلْطَانه مُوسَى إِلَى الأندلس فَكَانَ يمر بِمَجْلِس السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس من مَحل اعتقاله فَلَا يلم بِهِ وَرُبمَا يلقاه فَلَا يحييه وَلَا يُوجب لَهُ حَقًا فأحفظ ذَلِك السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس فَلَمَّا رد الله عَلَيْهِ ملكه وَفرغ من ابْن ماساي قبض على ابْن أبي عَمْرو هَذَا وأودعه السجْن ثمَّ امتحنه بعد ذَلِك إِلَى أَن هلك تَحت السِّيَاط وَحمل إِلَى دَاره وبينما أَهله يحضرونه إِلَى قَبره إِذا بالسلطان قد أَمر بِأَن يسحب فِي نواحي الْمَدِينَة إبلاغا فِي النكال فَحمل من نعشه وَقد ربط فِي رجله حَبل وسحب فِي سِكَك الْمَدِينَة ثمَّ ألقِي على بعض الْمَزَابِل ثمَّ قبض السُّلْطَان على حركات بن حسون شيخ الْعَرَب وَكَانَ مجلبا فِي الْفِتْنَة وَكَانَ الْعَرَب المخالفون من معقل لما أجَاز السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس إِلَى

стр. 771

سبتة وحركات هَذَا بتادلا راودوه على طَاعَة السُّلْطَان فَامْتنعَ أَولا ثمَّ أكرهوه وجاؤوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان فطوى على ذَلِك حَتَّى إِذا استقام أمره وَملك حَضْرَة فاس الْجَدِيد قبض عَلَيْهِ وامتحنه إِلَى أَن هلك وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور أَخْبَار تلمسان واستيلاء السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس عَلَيْهَا كَانَ السُّلْطَان أَبُو حمو بن يُوسُف الزياني قد عَاد إِلَى تلمسان وَثَبت قدمه بهَا كَمَا قُلْنَا إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ ابْنه أَبُو تاشفين آخر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فَوَقَعت بَينهمَا حروب وشرق أَبوهُ بدائه ثمَّ عَادَتْ لَهُ الكرة عَلَيْهِ فِي أَخْبَار طَوِيلَة فاستمد أَبُو تاشفين السُّلْطَان أَبَا الْعَبَّاس فأمده بِابْنِهِ الْأَمِير أبي فَارس ووزيره مُحَمَّد بن يُوسُف بن علال عقد لَهما على جَيش كثيف من بني مرين وَغَيرهم فانتصر أَبُو تاشفين على أَبِيه فَقتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس ثمَّ تقدم فَدخل تلمسان آخر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ بهَا مُقيما لدَعْوَة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس فَكَانَ يخْطب لَهُ على مَنَابِر تلمسان وَيبْعَث إِلَيْهِ بالضريبة كل سنة كَمَا شَرط على نَفسه عِنْد تَوْجِيه العساكر مَعَه وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَسَبْعمائة فتغلب على تلمسان أَخُوهُ الْأَخير يُوسُف بن أبي حمو وَلما اتَّصل الْخَبَر بالسلطان أبي الْعَبَّاس خرج من الحضرة إِلَى تازا وَمن

стр. 772

هُنَالك بعث ابْنه الْأَمِير أَبَا فَارس فِي العساكر إِلَى تلمسان فاستولى عَلَيْهَا وَأقَام فِيهَا دَعْوَة وَالِده وفر يُوسُف بن أبي حمو إِلَى بعض الْحُصُون فاعتصم بِهِ إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ وُصُول هَدِيَّة صَاحب مصر السُّلْطَان الظَّاهِر برقوق إِلَى السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بتازا وَالسَّبَب فِي ذَلِك كَانَ الْعَلامَة الرئيس ولي الدّين ابْن خلدون قد استوطن فِي آخر عمره مصر الْقَاهِرَة وَنزل من سلطانها بالمنزلة الرفيعة قَالَ ﵀ وَكَانَ يُوسُف ابْن عَليّ بن غَانِم أَمِير أَوْلَاد حُسَيْن من معقل ثمَّ من أَوْلَاد جرار مِنْهُم قد حج سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة واتصل بِصَاحِب مصر الْملك الظَّاهِر برقوق أول مُلُوك الجراكسة من التّرْك قَالَ فتقدمت إِلَى السُّلْطَان الْمَذْكُور فِيهِ وأخبرته بمحله من قومه فَأكْرم تلقيه وَحمله بعد قَضَاء حجه هَدِيَّة إِلَى صَاحب الْمغرب يطرفه فِيهَا بتحف من بضائع بَلَده على عَادَة الْمُلُوك فَلَمَّا قدم يُوسُف بهَا على السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أعظم موقعها وَجلسَ فِي مجْلِس حفل لعرضها والمباهاة بهَا وَشرع فِي الْمُكَافَأَة عَلَيْهَا بمتخير الْجِيَاد والبضائع وَالثيَاب حَتَّى إِذا اسْتكْمل من ذَلِك مَا رضيه وعزم على بعثها مَعَ يُوسُف بن عَليّ حاملها الأول وَإنَّهُ يَبْعَثهُ بهَا من مَوضِع مقَامه بتازا اخترمته الْمنية دون ذَلِك

стр. 773

وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم ﵀ ... كَانَت وَفَاة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس بِمحل مقَامه من تازا وَهُوَ يشارف أَحْوَال ابْنه أبي فَارس ووزيره صَالح بن حمو الياباني وَكَانَ قد قدمهما لفتح تلمسان والبلاد الشرقية فَأَصَابَهُ حمامه هُنَالك لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع من محرم فاتح سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَحمل إِلَى فاس فَدفن بالقلة وسنه يَوْمئِذٍ تسع وَثَلَاثُونَ سنة فَكَانَت دولته الثَّانِيَة سِتّ سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَمن وزرائه فِي هَذِه الدولة صَالح بن حمو الياباني وَمُحَمّد بن يُوسُف بن علال الصنهاجي وَمن حجابه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ القبائلي وَمن كِتَابه الشريف أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله الحسني السبتي والقائد مُحَمَّد بن مُوسَى بن مَحْمُود الْكرْدِي وَيحيى بن الْحسن بن أبي دلامة التسولي وَمن قُضَاته القَاضِي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم اليزناسني قَالَ فِي الجذوة وَكَانَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس شَاعِرًا مفلقا بديع التَّشْبِيه فَمن نظمه قَوْله (أما الْهوى يَا صَاحِبي فألقته ... وعهدته من عهد أَيَّام الصِّبَا) (ورأيته قوت النُّفُوس وحليها ... فتخذته دينا إِلَيّ ومذهبا) (ولبست دون النَّاس مِنْهُ حلَّة ... كَانَ الْوَفَاء لَهَا طرازا مذهبا) (لَكِن رَأَيْت لَهُ الْفِرَاق منغصا ... لَا بفراقنا لَا مرْحَبًا) وَمن أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس مَا حَكَاهُ فِي نفح الطّيب أَن الأديب الْكَاتِب أَبَا الْحسن عَليّ ابْن الْوَزير لِسَان الدّين ابْن الْخَطِيب كَانَ مصاحبا للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس هَذَا فَحَضَرَ مَعَه ذَات يَوْم فِي بُسْتَان سح فِيهِ مَاء المذاكرة الهتان وَقد أبدى الْأَصِيل شَوَاهِد الاصفرار وأزمع النَّهَار لما قدم اللَّيْل على الْفِرَار فَقَالَ السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس لما لَان جَانِبه وَسَأَلت بَين سرحات الْبُسْتَان جداوله ومذانبه (يَا فاس أَنِّي وأيم الله ذُو شغف ... بِكُل ربع بِهِ مغناه يسبيني) (وَقد أنست بقربك مِنْك يَا آملي ... ونظرة فِيكُم بالأنس تحييني)

стр. 774

فَأَجَابَهُ أَبُو الْحسن ابْن الْخَطِيب بقوله الْمُصِيب (لَا أوحش الله ربعا أَنْت زَائِره ... يَا بهجة الْملك وَالدُّنْيَا مَعَ الدّين) (يَا أَحْمد الْحَمد أبقاك الْإِلَه لنا ... فَخر الْمُلُوك وسلطان السلاطين) وَمن أخباره أَيْضا أَن كَاتبه أَبَا زَكَرِيَّاء يحيى بن أَحْمد بن عبد المنان دخل عَلَيْهِ عشَاء فَقَالَ لَهُ أنعم الله صباح مَوْلَانَا فَأنْكر السُّلْطَان ذَلِك وَظن أَنه ثمل فتفطن أَبُو زَكَرِيَّاء لما صدر مِنْهُ وتدارك ذَلِك فَأَنْشد مرتجلا (صبحته عِنْد الْمسَاء فَقَالَ لي ... مَاذَا الْكَلَام وَظن ذَلِك مزاحا) (فأجبته إشراق وَجهك غرني ... حَتَّى توهمت الْمسَاء صباحا) الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن أبي الْعَبَّاس بن أبي سَالم ﵀ من الِاتِّفَاق الْغَرِيب أَن سُلْطَان فاس وَالْمغْرب فِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ اسْمه عبد الْعَزِيز بن أَحْمد وسلطان تونس وإفريقية كَانَ اسْمه أَيْضا عبد الْعَزِيز بن أَحْمد وَكَانَت ولايتهما فِي سنة وَاحِدَة إِلَّا أَن مُدَّة الحفصي طَالَتْ جدا أم هَذَا السُّلْطَان أم ولد اسْمهَا جَوْهَر صفته شَاب السن ربعَة من الْقَوْم أدعج الْعَينَيْنِ جميل الْوَجْه لما توفّي السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس بن أبي سَالم ﵀ بتازا كَانَ ابْنه أَبُو فَارس هَذَا بتلمسان فاستدعاه رجال الدولة مِنْهَا فَقدم عَلَيْهِم بتازا وَبَايَعُوهُ بهَا يَوْم السبت التَّاسِع من محرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَلما تمّ أمره أطلق أَبَا زيان بن أبي حمو الزياني وَكَانَ معتقلا عِنْده بفاس لالتجائه إِلَى أَبِيه من قبل فِي خبر لَيْسَ تَفْصِيله من غرضنا وَبَعثه إِلَى تلمسان أَمِيرا عَلَيْهَا من قبله فَسَار إِلَيْهَا أَبُو زيان وملكها وَأقَام فِيهَا دَعْوَة السُّلْطَان أبي فَارس ثمَّ

стр. 775

خرج عَلَيْهِ أَخُوهُ يُوسُف بن أبي حمو واتصل بأحياء بني عَامر بن زغبة وعزم على الإجلاب عَلَيْهِ بهم فسرب أَبُو زيان فيهم الْأَمْوَال فَقَتَلُوهُ وبعثوا إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ فسكنت أَحْوَال تلمسان وَذَهَبت الْفِتْنَة بذهاب يُوسُف واستقامت أُمُور دولة السُّلْطَان أبي فَارس قَالَه ابْن خلدون وَهُوَ آخر مَا ورخه عَن دولة الْمغرب وَاعْلَم أَن مَا نسوقه بعد هَذَا من الْأَخْبَار عَن هَذِه الدولة المرينية لم يسمح لنا الْوَقْت بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ فِي تأليف يَخُصهَا أَو مَوْضُوع يقص أَخْبَارهَا نسقا وينصها وَإِنَّمَا تتبعنا مَا أَثْبَتْنَاهُ من ذَلِك فِي مَوَاضِع ذكرت فِيهَا بِحَسب التبع لَا بِالْقَصْدِ الأول وعَلى الله تَعَالَى فِي الْهِدَايَة إِلَى الصَّوَاب الْمعول بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان عبد الْعَزِيز ووفاته قَالُوا كَانَ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بن أبي الْعَبَّاس ﵀ كثير الشَّفَقَة رَقِيق الْقلب منقبضا عَن الْغدر متوقفا فِي سفك الدِّمَاء وَكَانَ فَارِسًا عَارِفًا بركض الْخَيل وَيحسن قرض الشّعْر وَيُحب سَمَاعه فَمن نظمه وَقد نزل الْمَطَر يشْكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ قَوْله (الله يلطف بالعباد فَوَاجِب ... أَن يشكروا فِي كل حَال نعْمَته) (فَهُوَ الَّذِي فيهم ينزل غيثه ... من بعد مَا قَنطُوا وينشر رَحمته) توفّي ﵀ يَوْم السبت ثامن صفر سنة تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَدفن مَعَ أَبِيه بالقلة فَكَانَت دولته ثَلَاث سِنِين وشهرا وَمن وزرائه صَالح بن حمو الياباني وَيحيى بن علال بن آمصمود الهسكوري وَمن كِتَابه يحيى بن الْحسن ابْن أبي دلامة وَمن قُضَاته عبد الْحَلِيم بن أبي إِسْحَاق اليزناسني رَحِمهم الله تَعَالَى بمنه
следующие страницы →