Полный текст (324 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْمنون لهاذمه وصوارمه وَهِي حَمْرَاء وَسَارُوا لَيْلَة العجاج فِي يَوْم الْهياج سَوْدَاء والخضراء من وَقع الحوافر ونقع الحوافر غبراء وهاج كَمَا ماج الدأماء وتلألأت خرصانه كَمَا تزينت بالزهر السَّمَاء وَجَرت بالجبال الرِّيَاح وقلقت فِي اشباح الغمود الْأَرْوَاح ونزعت عرائس الْبيض إِلَى خضابها واشتاقت شفَاه الشفار من ممراشف الطلا إِلَى رياضها واشتارت ذئاب الظبى ضرب ضرابها وأنست عاسلات السبَاع من عاسلات اليراع بِصُحْبَة أضرابها وطارت العقبان مَعَ أَمْثَالهَا من الرَّايَات وتنزلت الْمَلَائِكَة من نَص النَّصْر بِالْآيَاتِ ولوت فوراع الألوية مواعد اللأواء وأشرعت شوارع الأسنة موارد الدِّمَاء وشغفت أحباء الله بلقاء الْأَعْدَاء وحفز الزَّحْف ومرج وَفتح الحتف المرتج ونعب غراب الْغُبَار ببين الأعادي وطميت طي العضاب الغضاب إِلَى هد الهوادي وَجرى سيل الْخَيل وجر القتام على بهار النَّهَار ذيل اللَّيْل وللبنود اختفاق وللجنود التفاف واتفاق وللسعود اشراق وللصوارم انتشاء وانتشاق وللصرائم إِجْمَاع لَا افْتِرَاق وللرماح مراح وللأرواح إِلَى الْمَوْت ارتياح وَالسُّلْطَان فِي موكب جلالته كَالْقَمَرِ المبدر فِي هالته وابداء النَّصْر برشده بدلالته فَلم يزل يعنق ويخب ويبرق ويهب ويغرق ويعب ويزخر ويموج ويزجر ويعنج وَيجْرِي ويجر ويفري ويفر ويمري ويمر والسوائح للتجار حاملة والجوائح للْكفَّار حَاصِلَة شَامِلَة حَتَّى ترَاءى الْجَمْعَانِ ودنا الرعان من الرعان وعنا الْعَنَان للعنان وحنا السنان على السنان ونشطت إِيمَان الْإِيمَان وَقرب قرَان الأقران واحترب حزب الله وحزب الشَّيْطَان وحلا ضرب الضَّرْب وَطعم الطّعْم بعذب الْقَضِيب وَمر المران ومالت للتداني أعطاف اللدان وصافحت الصفاح أشاجع الشجعان ووقف الْجَمْعَانِ ووقد الجمران وطلعت فِي أبراج العجاج نُجُوم الخرصان وَتحقّق خراب مَا لألأعمار من الْعمرَان ﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾
وَاتفقَ أَن الإفرنج لما أشرفوا على العلافة سدوا طَرِيق الْأَمْن بطوارق المخافة وَكَانَ عسكرنا الناهض لما عرف إقدامهم لم يقف قدامهم وَسَار عَن أثقاله بَعيدا وَرَجا من النجدة مدَدا جَدِيدا فخف رجالتهم إِلَى الأثقال وفارقوا خيل النزال وفوارس
стр. 142
الْقِتَال والمقدمون والأكابر بأنفون من الِاشْتِغَال بالنهب وَلَا يقتحمون الا حر الْحَرْب فقصدهم السُّلْطَان فِي أبطاله وشغلهم بقتاله وَرَمَاهُمْ برماة رِجَاله وكماة مصاله وهم على رَأس راس راكبون شناخيب من آكام وأفراس فأحدق بهم الْعَسْكَر وتكاثر العثار وتكاثف العثير وَجَاء فل الْعَسْكَر الجافل ووفرت أقساطها القساطل وَطلبت صلَة مناها المناصل وَأُصِيب من الْكفْر فِي الْقِتَال الْمقَاتل فتحركت جبالهم وتدركت المنى أَو الْمنون ابطالهم وبرز ابْن بارزان مقدما فِي مقدمتهم وَحمل بحملتهم وكادوا يكسفون الْأَنْوَار ويكشفون الاستار ويشقون الْغُبَار ويسبقون الْمِضْمَار فَثَبت السُّلْطَان أمامهم وردهم وَرَاءَهُمْ وميل بهم عَن استوائهم إِلَى أسوائهم وترادف المدد وسدت الملحمة عَلَيْهِم فَمَا الحموا وَلَا اسدوا فحملوا حَملَة كَادَت تتمّ وَبسر الشَّرّ تنم وَطعن فِيهَا صمصام الدّين أجل وخشي أَنَّهَا لَا تتدارك فردهم خوف الردى إِلَى الْجَبَل وَضَاقَتْ عَلَيْهِم واسعات الْحِيَل وخشي أَنَّهَا لَا تتدارك فردهم خوف الردى إِلَى الْجَبَل وَضَاقَتْ عَلَيْهِم واسعات الْحِيَل وطلبوا وَرَاءَهُمْ طَرِيقا فَمَا وجدوها وعدموا رجالتهم الَّتِي انجدوها وَأَحْدَقَتْ بسيدانهم أسودنا إحداق النَّار بالحلفاء وخاضت غمار الهيجاء واسروا بأسرهم وَصَحَّ النَّصْر من كسرهم وَتمّ يسرنَا بعسرهم وربحنا بخسرهم وَدخل اللَّيْل فَمَا خَفِي بسواده سوادهم وَقيد بخزائم الذل قوادهم وصيد بالصيد صيدهم وَمَا صين صَنَادِيدهمْ وَمَا فرس غلا فرسانهم وَمَا شجى وشجب الا شجعانهم فَإِن الرجالة لما شاهدوا عَسَاكِر الْإِسْلَام تبدد شملهم فِي الوهاد والآكام وارتاعوا من الروع وَمَا اجْتَمعُوا بِمَا لَهُم من الْجمع فَمَا ضغم الا ضيغم وَلَا قدم الا كل مقدم وَلَا شقي الا كل منعم وَلَا اعقتل الا كل معقتل وَلَا شَمل الْبلَاء الا كل قاهر وَلَا عقر الا كل عَاقِر وَلَا ندب الا كل ندب وَلَا ضرب الا كل ضرب وَلم يفلت من بَينهم وَلم ينج من حينهم إِلَّا الْملك المجذوم فَإِنَّهُ أخر مهلكه
стр. 143
المحتوم وَقيل إِن أحدهم حمله على قَفاهُ وسرى بِهِ تَحت اللَّيْل وأخفاه ثمَّ نجا بِهِ ونجاه
وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مخيمه بعد هدء من اللَّيْل وَيَوْم النَّصْر بالعجاج ساحب الذيل وداعي الْكفْر فِي الفجاج صَاحب الويل ووافت البشائر إِلَى الْعَسْكَر بالنصر من الْعَصْر وصدرت شروحها بشرح الصَّدْر وَجلسَ السُّلْطَان فِي سرداقه وَنحن عِنْده جُلُوس وحول شمسه من الأفاضل شموس وَمن شموع الحضرة المشتعلة نُجُوم وَمن جموع الْكَفَرَة المعتقلة قروم وَهُوَ يحدثنا بالحادث وَيكثر خطر الكارث وَيَقُول لَوْلَا التأييد من الله لَكَانَ الْخطب خطيرا والخبط كثيرا وَالشَّر كريثا والضر حثيثا فَإِن الْقَوْم أَغَارُوا وَنحن غَارونَ وأسروا سراهم وَنحن بحالتنا سارون لَكِن الله أعماهم وَعَن سَبِيل الْقَصْد أغواهم فإنهملو بدأوا بالمعسكر والحي خلوف والكيد مخوف والجند غيب والثأر كتب وَالنَّار خطب لأعجلوا عَن الألجام والإسراج وسدوا على الكرب مناهج الإفراج ووجدوا الفرصة بادية والعرصة خَالِيَة فصد الله قصدهم وأعمى بخطأهم عمدهم
ثمَّ أذن فِي تَقْدِيم الْأُسَارَى وهم يتهادون كَأَنَّهُمْ سكارى فَأول من قدم ابْن بارزان بادوين وأسره من أمرائنا الأكراد مُحَمَّد بن خوشترين ثمَّ قدم أود مقدم الداوية الْكَبِير وَقد اشْتهر فِي الفرنج بأسه المبير وأحضر هُوَ ابْن القومصية وَكَانَ يعرف بِالنَّفسِ الأبية والنخوة الغضبية وَقيد أَخُو صَاحب جبيل وطالما انهض إِلَى ثغور الْإِسْلَام الْخَيل وَجَمَاعَة من مقدميهم الأكابر
стр. 144
جمعتهم الْجَوَامِع وقمعتهم حَتَّى هانوا ودانوا المقامع وَأَنا جَالس بِقرب السُّلْطَان مُنْفَردا استعرضهم بقلمي فِي الدستور ومشاركا أَوْلِيَاء الله فِي الحبور وَالسُّرُور فأجلسهم من حوله وآنسهم بقوله وَأمر لَهُم بفراء مصيصية فأقروا بطولة طوله وَمن ألطاف الله أا وخواصه الْحَاضِرين لم نزد على عشْرين والأسراء قد أنافوا على سبعين وَقد أنزل الله علينا السكينَة وخصهم بالذلة المستكينة وطلع الصَّباح ورفح الْمِصْبَاح وقمنا وصلينا بِالْوضُوءِ الَّذِي صلينَا بِهِ الْعشَاء والأعطاف من المسرة قد شارفت الانتشاء
ثمَّ جلسنا حَتَّى تمّ عرض المأسورين فبلغوا مِائَتَيْنِ ونيفا وَسبعين من الفرسان المقدمين سوى من أسره آسره فِي خيمته وَلم يسمح بهديته وَسوى من لَا يذكر من الأتباع فَإِنَّهُم عدوا عَن سقط الْمَتَاع
ثمَّ نقل الأسرى إِلَى دمشق فاعتقلوا وبالحديد ثقلوا فَأَما ابْن بارزان فَإِنَّهُ بعد سنة بذل فِي نَفسه مائَة وَخمسين ألف دِينَار واطلاق ألف أَسِير من الْمُسلمين وَكَانَ الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى من نوبَة الرملة عِنْدهم من المأسورين فالتزم إِدْرَاكه وَأَن يُؤَدِّي من قطيعته الْمَذْكُورَة القطيعة الَّتِي عرف بهَا فكاكه وَأما هُوَ ابْن القومصية فَإِنَّهُ استفكته أمة بِخَمْسَة وَخمسين ألفا من الدَّنَانِير الصورية وَأما أود مقدم الداوية فَإِنَّهُ انْتقل من سجنه إِلَى سِجِّين فطلبت جيفته فَأَخَذُوهَا بِإِطْلَاق أَسِير من مقدمي الْمُؤمنِينَ وكال أسر البَاقِينَ فَمنهمْ من هلك وَهُوَ عان وَمِنْهُم من حرج بقطيعة وأمان
ذكر فصل من كتاب أنشأته عَن السُّلْطَان فِي هَذِه الْوَقْعَة الْمُبَارَكَة والألطاف المتداركة إِلَى مُجَاهِد الدّين قايماز بالموصل
صدرت هَذِه الْمُكَاتبَة إِلَى الْمجْلس السَّامِي المجاهدي لَا زَالَت موارد الْبُشْرَى
стр. 145
لَدَيْهِ صَافِيَة وملابس النعمى عَلَيْهِ ضافية وأمداد الْحسنى لَهُ وافية والية متوافية دَالَّة على الْبشَارَة بِمَا سناه الله وأسناه وولاه وأولاه من الظفر الهني والنصر السّني وثمر الْعَزْم الجني وَمَا من بِهِ من كسر الفرنج واسرهم وقهر قوامصهم وقسرهم وَمَا أسفرت عَنهُ عَاقِبَة عقوبتهم فِي خسرهم وَمَا أذهبه الله من يسرهم وَقدره من عسرهم
وَذَلِكَ أَن ملك الإفرنج حشر حشود ضَلَالَة وأبطال بَاطِلَة وحشد جيوشه من بره وبحره وساحله وَقدم بفارسه وراجله وقناه وقنابله وظباه وعوامله وذؤبانه وذوابله واستتبع عَبدة الطاغوت واسترفع صَلِيب الصلبوت وزحف فِي ألف رمح وَعشرَة الآف مقَاتل مَا بَين فَارس تركبلي وراجل سرجندي وحامل عدَّة للْمَوْت حَامِل وشارع عَامل بِالشَّرِّ عَامل وكل دراع داعر ومراوغ مغاور وَفَارِس فَارس وَسبع عَابس وَذي طوارق بالأذى طوارق وسوابق إِلَى الْمَوْت سوابق وَوصل فِي هَذَا الْجمع المجر الجم الْجَمْر يَوْم الْأَحَد ثَانِي الْمحرم وَقرب فِي بانياس من المخيم وَكَانَ مُعظم الْعَسْكَر الْمَنْصُور قد ادَّلَجَ لَيْلًا مَعَ العلافة إِلَى ضيَاع للفرنج وناوشوها وشعثوها واسعروا نَار الْحَرْب وأرثوها ووافى إِلَيْنَا دَاع مستصرخ فأصرخناه ولبيناه وضممنا إِلَيْنَا الْعَسْكَر الْحَاضِر وعبيناه وسرنا ناهضين وكرنا راكضين ووافيناهم وَالشَّمْس فِي الطِّفْل محجوبة القسطل وَالْأَجَل عَاد على الأمل والقنا راعف بالنجيع القاني والمنايا هازئة بالأماني والعناء سَائِر إِلَى الْأَسير العاني وَقد سَالَ بالدماء سيل الدأماء واعتقلت الْأسود الهائجة الأساود إِلَى الهيجاء وَالْخَيْل تجول وتجور والخيالة تنوء بالردى فِي ردائها وتنور والجماجم من حر الجلاد تفوت وتفور وحمائم الْحمام تجول حول الْحمى من حماة الروع وتحور وَالْبيض محمرة والسمر مغبرة وغران الزغف بورق الْحَدِيد مخضرة ووجوه الشجعان من شحوب الاحن مصفرة وثغور الْمنون من نيوب النوائب مفترة والأرواح للْفرق مضطربة والأشباح
стр. 146
إِلَى فراقها مضطره والصعاد الصم فِي السابريات محطمة والجياد الضمر تَحت الأجواد الْمُؤمنِينَ بسمة النَّصْر مسومة والمقربات للردى وألسنة الأسنة عَمَّا تنشره وتنظمه فصاح الصفاح معبرات معربات
وَلما أَشْرَفنَا على الْعَدو أشرف على الْعَدْوى وأوضح الْجد بل الْجد جدد الجدوى وتراجع النَّاس وأنسوا بالرجعة وفازت ظماء الظبي من ورد نجيع الوريد بالنجعة وحملت الفرنج حملات متناسقة فِي وثباته وهدوها وثباتها وَطَابَتْ لَهَا هباتها بالنفوس النفائس عِنْد هباتها وشبت المرهفات فِي مَاء الْحَيَاة نَار شباتها وهبت جفون الجفون لرقداتها من وقداتها وجادت جدوال الأغماد بسقيا هامها واستباحت ضوامن الضوامر وبوادر البواتر حمى حمامها وَوَلَّتْ أدبارها وحنت الحنايا إِلَى أحنائها فوفرت من سهامها سهامها وظفرت بأوتارها أوتارها وترشفت المشرفيات طلا طلاها ولبست الهندوانيات بِمَا سبكته من تبر تبارها عسجديات حلاها
وَجعل الله لنا عَلَيْهِم الكرة وَصحح فيهم الكسرة ومنحنا أكتافهم وأعدنا بِالْقَتْلِ والأسر إِلَى الْآحَاد آلافهم ومهدنا فِي بطُون القشاعم أَكْنَافهم ومزقناهم فِي المأزق كل ممزق وَمَا تركنَا جمعا لَهُم فِي المفر غير مفرق ولجأوا إِلَى أَوديَة ومضائق وأدواء وبوائق ومطرتهم فِي مطارهم بوارق بوارهم وَجَرت أَنهَار نهارهم بدماء دمارهم وَلم يزل الضَّرْب يفريهم والطعن يقريهم والمبرية المفوقة تبريهم والمذروبة الموفقة من الْحَيَاة تبريهم وَالْخَوْف يخفر ذمار الذمر والسبف يهدم عمَارَة الْعُمر والرعب يشغل فكر الْكفْر حَتَّى تمت بنقصهم مَقْتَله مقيلة عثار العثير المثار وَاسْتوْفى الله دينه بعد المطال المطال وثار للثأر فَمَا نجا إِلَّا من أمهله الْأَجَل وأجله الْمهل وعدته العاديات وعافته العافيات وأنف الرغام من رغم أَنفه وشنف ثَعْلَب الرمْح إِن بلغ فِي قحفه وَتعلق بمعلق شنفه
واشتمل بعد ذَلِك حَبل الأسار على مئين من كبار الْكفَّار فَأسر كل مِقْدَام مقدم وَهَمَّام معلم ودوي الدواي وفر الفريري وبار الباروني وضعفت قوي القوامص وَكَانُوا رُؤَسَاء متربين فصاروا أتراب الأخامص وظلت فوارس فرائس الحبائل مختبلي الفرائص وراحت راحاتهم مخفقة من الراحات وَقُلُوبهمْ بالآراء خافقة للعذاب كعذب الرَّايَات وَمن جملَة مَا حصل فِي الأسار وَصلح للخسار وَكبر بِأَن يذكر فِي الْكِبَار ابْن بارزان وَهُوَ الشانيء الْكَبِير الشان وصهره الْأَعْوَر وَهُوَ الذِّئْب الأغبر وَهُوَ صَاحب طبريا وَهُوَ من الصابرين على اجْتِنَاب السابرية وَابْن صَاحب
стр. 147
مرقية وَهُوَ المارق بالاذية والمقدم الْكَبِير للداوية وَهُوَ الَّذِي يَرْمِي الْإِسْلَام بالأذى الدوية ومقدم آخرمعه دونه وهما بمعظم الافرنجية ومقدم الاسبتارية وَهُوَ أعظم بلية واخو صَاحب جبيل وَهُوَ فَارس الْخَيل وقسطلان يافا الْبَانِي على القساطل قناطر القنطاريات وَصَاحب جَنِين الْجَانِي ثَمَر الرعب المر بمران الراعبيات
فصل من مُكَاتبَة أُخْرَى سلطانة أنشأتها إِلَى صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ عبد الرَّحِيم بن أبي البركات بِبَغْدَاد فِي الْمَعْنى وَذكر ظفر الأسطول الْمصْرِيّ فِي الْبَحْر
إِن أغبت المكاتبات إِلَى الحضرة السامية بِسَبَب التفرغ لشغل الْغُزَاة وقمع العداة العتاة فَإِن بَرَكَات همته الْكَرِيمَة غير مغبة وتباشير آلائها مسفرة عَن أُمُور للدولة مستتمة مستتبة وَقد تناصرت اسباب النَّصْر فِي هَذِه السّنة المحسنة واستيقظت للهبوب إِلَى الْجِهَاد جفون العزائم المتوسنة
وَلَقَد تمت نوب مباركة عز فِيهَا الْإِسْلَام وذل الْكفْر وَعم الْعرف وَعمي النكر ودب الشّرك وَوَجَب الشُّكْر وَبَطل الْبَاطِل وَحقّ الْحق وَفصل الْإِفْك وَنصر الصدْق وَقضي دين الدّين وانتضي بيد الأيد سيف التأييد والتمكين وانتقم التَّوْحِيد من التَّثْلِيث وتميز الطّيب من الْخَبيث
стр. 148
وَفِي هَذِه النوب الْمُبَارَكَة وألطاف النُّصْرَة المتداركة ضعفت الفرنج وأظلم عَلَيْهِم النهج وَكسر عَسْكَرهمْ وَقتل أَكْثَرهم وَإِن أفخمها شَأْنًا وأوضحها برهانا مَا أَجِدهُ الله من النَّصْر يَوْم الْأَحَد ثَانِي الْمحرم وَنحن على بناياس فِي المخيم وَأَنَّهُمْ جَاءُوا بفارسهم وراجلهم ومكائدهم وغوائلهم فلقيناهم فِي رجال يستثيرون المنايا من مرابض الْآجَال وجبال من قوي جبلتها أعدام قوي الْجبَال وبحور من السوابغ والسوابق أمواجها فِي دأماء الدِّمَاء زاخرة وأقدام لِذَوي الْأَقْدَام فِي مستنقع الْمَوْت راسخة والمنايا من الْأَمَانِي الخاسرة ساخرة فسمنا الجفون نفي غرارها والمنون سقِِي عقارها ونقلنا إِلَى رِقَاب العدى مَا فِي قرَاب الْهدى وأضفينا على اؤلئك الأردياء اردية الردى وأضرمنا مِنْهُم نَار الْحَدِيد الْأَخْضَر فِي الوريد الْأَحْمَر وروينا ظماء الييض والسمر بِدَم الْعَدو الْأَزْرَق من بني الْأَصْفَر فَمَا ابيض يَوْم النَّصْر حَتَّى اسود بالنقع جوه وَمَا أَزْهَر نور الشقائق حَتَّى مطر بوبل النبل نوه وَمَا طارت حمام الْحمام بكتب كتبهمْ حَتَّى وفرت السِّهَام من الأحداق إِلَى أحداقهم سهامها وَمَا طَالَتْ أَيدي الأيد بالاعناق إِلَى أَعْنَاقهم حَتَّى أوحت لتوت اللتوت إِلَى الْهَام إلهامها وَمَا حنت الحنية إِلَى إحنائهم حَتَّى قَضَت أوتارها من أوتارهم أوطارها وَمَا شيمت بوارق بوارهم حَتَّى شيمت الظبى من الغمود فَجلت لياليها نَهَارهَا وأجرت جداولها أنهارها وَمَا أرقنا طلا الطلى حَتَّى نسجنا ملا الملاا وصغنا من تبر التبار للهندية الْبيض عسجديات الحلى وأصخنا إِلَى كلمة الله الْعليا فأثبناها بفصائح الصفائح فِي صَحَائِف العلى ونثرنا مِنْهُم بِالضَّرْبِ مَا نظمناه بالطعن ورعنا بأجلابنا عَلَيْهِم وإقبالنا إِلَيْهِم قُلُوب الرعن وثاروا إِلَيْنَا فِي اطلاب للثأر طلاب وآلاف للروع أُلَّاف وثبات فِي وثبات وتماثلت بَيْننَا الحملات وَبينهمْ المثلات فَمَا زلنا نكايلهم بِصَاع المصاع ونزايلهم بِذِرَاع القراع حَتَّى عثروا تَحت العثير بذيل الذل وَمَا كَثُرُوا الا قلوا بِالْقَتْلِ والأسر إِلَى القل وغصت الخوامع بقتلاهم والجوامع بأسراهم وأفلت الْملك اللعين طعينا لَا يجد من رجائه وَرِجَاله معينا وابنا بمقدميهم مُقرنين فِي الأصفاد مُقرنين فِي الأغلال والأقياد وَأسر صَاحب الرملة ابْن بارزان وصهره وأخو صَاحب جبيل وَهُوَ ظَهره وَابْن صَاحب طبرية والمقدم الْكَبِير للداوية وقسطلان يافا وضامنها وَصَاحب جَنِين واين صَاحب مرقية ومقدم الاسبتارية وعدة كَبِيرَة من خيالة الْقُدس وعكا من البارونية وعمت جَمِيع فرسانهم البلية ووقمت اصلاب الصليبية ووقذت أنصار النَّصْرَانِيَّة وَالْحَمْد لله على النُّصْرَة
стр. 149
الدانية الدِّينِيَّة وَالثَّمَرَة الحلوة المجنية والمنية المتحققة لِلْإِسْلَامِ بايراد الْكفْر موارد الْمنية
وَمن حسن اتفاقات الْقدر وحسنى استحقاقات الظفر
أَن الأسطول النصور الْمصْرِيّ غزا فِي أول هَذَا الْعَام وتوغل فِي الجزائر على أهل الجراير وَرمى دِيَارهمْ بالدوائر وفقارهم بالفواقر وظفر ببطسة كَبِيرَة فلقيها بالبطشة الْكُبْرَى وَاسْتولى عَلَيْهَا وعَلى أُخْرَى وَعَاد إِلَى الثغر المحروس بشرح الصُّدُور وَطيب النُّفُوس مستصحبا ألف رَأس من السَّبي مصحبا برشد الْقَصْد ونجح السَّعْي وَكَانَ تَارِيخ استطالة الأسطول على الفرنج بِمصْر فِي الْبَحْر تَارِيخ بطشتنا فِي الشَّام من غير تَأْخِير بِحَرب الْكفْر فَمَا أقرب مَا بَين النصرين فِي المصرين وَمَا أعذب عَذَاب الفئتين وتجريعهما الْأَمريْنِ من الْأَمريْنِ لقد عَم النَّصْر وتساوى فِيهِ الْبر وَالْبَحْر وتهادت بِهِ الْبُشْرَى والبشر وَفضل بِهِ سَائِر الإعصار بسيرة فَضله هَذَا الْعَصْر
ذكر منقبة للْملك عز الدّين فرخشاه فِي وقْعَة مرج عُيُون
قد سبق ذكر نهضته بالعسكر وركوب الفرنج إِلَيْهِ فِي ذَلِك المعشر وَمَا تمّ من إقدام السُّلْطَان ونصرته وَكسر جيوش الْكفْر وَأسر أسرته ذكر عز الدّين فرخشاه أنني فِي تِلْكَ المعركة والحومة الجالية إِمَّا عَن المملكة وَإِمَّا عَن الْمهْلكَة تذكرت بَيْتِي المتنبي ... فَإِن تكن الدولات قسما فَإِنَّهَا
لمن يرد الْمَوْت الزؤام تؤول
وَمن هون الدُّنْيَا على النَّفس سَاعَة
وللبيض فِي هام الكماة صليل ...
فهان الْمَوْت فِي عَيْني فَلم أفرق بَين حَياتِي وحيني
وَحكى الْأَمِير حسام الدّين تميرك بن يُونُس وَكَانَ لشجاعته وحصافته الْفَارِس المتفرس وَكَانَ مَعَ عز الدّين فِي الْوَقْعَة وَحصل وسط الرقعة انا كُنَّا فِي أقل من ثَلَاثِينَ فَارِسًا تقدمنا من أهل الفتك فشاهدنا خيل الفرنج فِي سِتّمائَة فَارس واقفين
стр. 150
على جبل وهم جَمْرَة الشّرك وبيننا وَبينهمْ المَاء وَقد عب من الروع الدأماء فَقَالَ نعبر إِلَيْهِم ونحمل عَلَيْهِم فَقلت لَهُ كَيفَ تَقول هَذَا وبمن تحمل عَلَيْهِم وبماذا فَقَالَ إِذا عبرنا النَّهر وحملنا ذلوا وتبعنا من رآنا من عساكرنا فانهلوا من دم الْكفَّار وعلوا وان وقفنا لَهُم طمع الفرنج فِينَا وَجَاءُوا وَعمِلُوا مَا شَاءُوا فَسَار إِلَيْهِم وَعبر المَاء وهاج بإقدامه الهيجاء فَمَا وصل إِلَى الْقَوْم إِلَّا فِي عدتهمْ وفل من حد حدتهم وَشد إِلَى شدتهم وَوَافَقَ ذَلِك زحف السُّلْطَان وخذلان الْكفْر وَنصر الْإِيمَان
وَمِمَّا مدح بِهِ السُّلْطَان فِي هَذَا الْفَتْح مدحه سَيرهَا من مصر إِلَيْهِ فَخر الْكتاب أَبُو عَليّ الْحسن بن عي الْجونِي الْعِرَاقِيّ وَيذكر فِيهَا الْمُبَارَكَة الْفَاضِلِيَّةِ فِي الْحَج (الْخَفِيف)
لَك رب السَّمَاء خير معِين
وكفيل لما تحي ضمين
فَلهُ الْحَمد أَي نصر عَزِيز
قد حبانا بِهِ وَفتح مُبين
أدْرك الثأر حِين ثار لَهُ المغ
وار حتف الْكفَّار لَيْث العرين
الْهمام الغضنفر الْملك النا
صر مولى الورى صَلَاح الدّين
يَا مليكا أضحى الزَّمَان يُنَاجِي
هـ بِلَفْظ الْمُذَلل المستكين
قذفت أَهلهَا الْحُصُون إِلَى بأ
سك حَتَّى عوضتهم بالسجون
وأراهم رب السَّمَاء بأسيا
فك مَا لم تجل لَهُم فِي ظنون
أطمعتهم مِنْك المراخاة فاستش
روا فلاقوا وبال حَرْب ركون
عِبْرَة أَصْبحُوا لكل غوي
مِنْهُم غادر رجيم لعين
أَو يوافون طائعين فَمَا فا
ءوا وهم بَين موثق وطعين
كم لقِيت الْأَعْدَاء بِاللَّه والقل
ب الجريء الصدْق الشَّديد الملين
فهزمت الجيوش غير سؤول
عَن يسَار من عَسْكَر أَو يَمِين
لَك قلب عِنْد اللِّقَاء مكين
وَله من تقاة ألف كمين ...
стр. 151
.. يَا مليكا بعون الله
مستعصما وَصدق الْيَقِين
ولرب السَّمَاء جند تقَوِّي
هـ بهم غير ظَاهر للعيون ... فَإِذا الظَّن حاد عَنْهُم معَاذ الله وافى مَا لَيْسَ بالمظنون ...
وَمِنْهَا ... أَيهَا الطَّاهِر الْخلال الْكَرِيم ال
آل والبدر فِي اللَّيَالِي الجون
إِن هَذَا الْفَتْح الْمُبين شِفَاء
لصدور وقرة لعيون
هُوَ يَوْم أضحى كَيَوْم حنين
سهل الله نَصره فِي الحزون
إِذْ أسرت الْأَبْطَال جمعا وَلم يم
تنعوا من سطاك بالتحصين
ساقهم حينهم إِلَيْك وَلم يظ
فر مليك بِمِثْلِهَا فِي حِين
خدمتك الأقدار فِي كل من أع
جز صرف الردى وريب الْمنون
يَا لَهَا وقْعَة بهَا ذكر الرا
ؤون عَنْهَا مَا كَانَ فِي صفّين
أشبهت لَيْلَة الهرير وبحر الدَّم طام وَالْخَيْل مثل السفين
نلْت مَا أعجز الْمُلُوك تمني
هـ وَلما يجل لَهُم فِي ظنون
أَنْت من رَحْمَة خلقت وَهَذَا الْخلّ
ق من حمأة مَعًا أَو طين ...
وَمِنْهَا فِي غيبَة الْفَاضِل ... إِن يكن غَابَ عَنْك مَشْرُوع ورادك
والفاضل الْبعيد الدّين
والنصيح الْأمين من لم يُشَاهد
مثله للأمين والمأمون
فَلهُ من دُعَائِهِ خلف عَن
دك أبشر بنجحه الْمَضْمُون
لَك من حجَّة وَأَنت مُقيم
خير ذخر عِنْد الْإِلَه مصون ...
ذكر سَبَب غيبَة الْملك المظفر تَقِيّ الدّين ابْن أخي السُّلْطَان عَن هَذِه النّوبَة
كَانَ السُّلْطَان الرّوم قلج أرسلان أرسل فِي طلب حصن رعبان وَيَدعِي أَنه من بِلَاده وَإِنَّمَا أَخذه مِنْهُ نور الدّين ﵀ على خلاف مُرَاده وَأَن الْملك الصَّالح وَلَده قد أنعم بِهِ عَلَيْهِ وَرَضي بعوده إِلَيْهِ فَهُوَ لَهُ وَلَا يتْركهُ وَكَيف لَا يُعِيد يَده على مَا يملكهُ وأبى ذَلِك سلطاننا فصد قَصده وَمنعه ورده وَكَانَ مَعَ شمس الدّين بن الْمُقدم وَفِيه نوابه وَقد قوى بالسلطان جَانِبه وَامْتنع جنابه فأنهض قلج ارسلان عسكرا
стр. 152
مجرا نزل على حصاره وَشرع فِي تشعيث نواحيه واقطاره فندب السُّلْطَان تَقِيّ الدّين وَمَعَهُ سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب ليجلوا بكر الْفَتْح المخطوب ويتوليا إِزَالَة رعب رعبان ويرسلا الروع على روع عَسْكَر قلج ارسلان فنهضا وهما فِي ألف من كل ذمر للكريهة ألف وَكَانَت تِلْكَ الحشود فِي عشْرين الْفَا مجمعة على النهب والغارة مزمعة فَلَمَّا شاهدوا أَصْحَابنَا قد جرى بسيل خيلهم الْوَادي أجفلوا من عدوى تِلْكَ العوادي وَزَالَ عَن رعبان رعبها وَأَن سربها وعذب شربهَا ورعي سبقها ورعي سوامها وحيم ذمامها وتلألأت لياليها وايمنت ايامها وارتوى أوامها واستوى قوامها وعصي خرامها وانتظم مرامها وخمد ضرامها وركد عرامها وغري بالدولة الصلاحية غرامها وَبعد برجها وَسعد سرحها وهجر هرجها وتفجر برحها وسمت أضوائها وهمت أنواؤها وأرحب بأرجائها مهاب المهابة وطافت بهَا ألطاف عصمَة الله الذابة بالإصابة وتجلت فِي أبراجها الْأَنْوَار الشمسية ونسيت لمنافع يَوْمهَا المضار الأمسية
فصل من كتاب سلطاني أنشأته فِي الْمَعْنى إِلَى مُجَاهِد الدّين قايماز بالموصل
قد عرف أَنا نؤثر أَن تكون هَيْبَة الْإِسْلَام كَامِلَة وخيبة الْكفْر حَاصِلَة وَالْقُوَّة على حزب الْكفَّار متوفرة والعساكر الإسلامية كَمَا عود الله بجيوش الْكفَّار مظفرة وَأَن قلج ارسلان قد هادن الرّوم وهادى الفرنج وتنكب فِيمَا يَقْتَضِيهِ الدّين النهج وحرض الْكَافرين على قتال الْمُؤمنِينَ وَقد عاود الْآن وراسل الملاعين وَنفذ عسكره وَزَل على رعبان وعاثوا فِي الضّيَاع وَقَطعُوا السبل وأحرقواالزرع واتلفوا الْمغل وأهلكوا الْحَرْث والنسل ونكأوا قرح قلوبالمسلمين بالقرح وأغارت سراحينهم على السَّرْح وَكَثُرت شكوى شمس الدّين مِنْهُم وَأخْبر بِهَذِهِ المساوئ عَنْهُم وَمَا خفنا على القلعة فَإِنَّهُم كَانُوا أَضْعَف من أَن يؤثروا فِيهَا أثرا أَو يقضوا مِنْهَا وطرا ويفتضوا لَهَا عذرة أَو يقرعُوا لَهَا ذرْوَة أَو يعصموا من سورها سوارا أَو عُرْوَة فَإِنَّهُم أَقَامُوا عَلَيْهَا هَذِه الْمدَّة فِي الْجمع الجم الْجَمْر والعسكر الدثر المجر وَلما رحلوا بل رحلوا راغمين وللسلامة عادمين لم يُوجد لَهُ فِيهَا أثر حجر وَلَا نقب خرم ابر وَذَلِكَ على مَا بذلوه من الْجهد الجهيد وَالْجد الْجَدِيد وَالْحَد الْحَدِيد ونصبوا المجانيق وحلبوا للشر أفاويق وَإِنَّمَا اشفقنا على الرّعية فقد حصلت بمضيعة وتورطت فِي مسبغة فلزمنا انفاذها من
стр. 153
تعديهم واستخلاصها من اجتراحات ايديهم فسيرنا بِحكم الِاضْطِرَار تَقِيّ الدّين فِي عدَّة من الْأُمَرَاء غير مستنجدين بِأحد فِي دفع ذَوي الاعتلاء فِي الاعتداء واندفع عَسْكَر قلج ارسلان بأقبح صُورَة وَهزمَ باختيارنا على ضَرُورَة
وَكسر تَقِيّ الدّين بِإِذن الله ثَلَاثِينَ ألفا من عَسْكَر الْمَذْكُور بِأَلف وَكَانُوا ضعفا على ضعف فزيدوا ضعفا على ضعف وَكَانُوا فِي غنى عَن أَن يكسروا ناموسهم ويرفعوا إِلَى خافضها رؤوسهم أَو يحدثوا بِمَا لَا يبلغونه نُفُوسهم وَقد علم الله أَنه كسر ناموسهم المهيب ومؤاخذته على رَأْيه الْمُخطئ الْمُصَاب لَا الْمُصِيب فَإِن الْمَذْكُور يمشي زامنه بناموسه ويوشي نَهَاره بِمَا ينمقه من أشعة الآفلات من شموسه
ذكر النُّزُول على حصن بَيت الأحزان وتيسير فَتحه فِي أقرب زمَان وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَسبعين
لما ضعف الْكفْر بالنوب الَّتِي نابته والبأس الإسلامي الَّذِي هابته والمصائب الَّتِي أَصَابَته قوي الْعَزْم السلطاني فِي قصد البرج ووسع همته الْكَرِيمَة للخرج وسير التركمان وقبائلها وَإِلَى الْبِلَاد لجمع راجلها ألوفا مصرية تفرق فِي جموعهم وحشودهم وَتطلق لَهُم فَوَائِد وفودهم وَأمر باعداد الدَّقِيق للتركمان وتكثيره وتسهيل كل مَا يُرَاد وتيسيره فخرجنا فِي جَيش فض بالفضاء ختام قتامه وَورد على الاصباح باظلامه وأثرنا الإثاره فِي جوى الجو غرام رغامه وَقدم الرعب إِلَى الْأَعْدَاء بأقدامه وخفق أَعْلَام العقبان بِحَق النَّصْر بعقبان أَعْلَامه وأقرت بقرى العاسلات من قرا الأقران عاسلاته وأسالت الغيات المحتوية على آسادها سلاته ومادت ميادينه وسرحت وعامت ثعابينه وَقَامَت براهينه ورست أهاضيبه وسرت سراحينه وخفقت أرضه واباد عرض البيد عرضه وضجت غمامة ورجت غمائمه وطارت فِي خروقه الْخرق ودجا من فيالقه الفلق وجلبت الترائك على أتراكه وكلبت الممالك بأملاكه وهادت الوهاد آكامه وأهدت الْأسود آجامه وسحبت على السحب أردانه وَجَرت أرسانه فرسانه وذكت بمذاكيه نيرانه وقلقت بغراره أجفانه وغلفت بغباره رهانه وخرصت عناقيد النَّجْم خرصانه وهبت بِهِبَة الْأَرْوَاح أرواحه ودارت بفوز القداح أقداحه ولاحت غرره وأوضاحه وأربت باشتراء الانفس فِي سَبِيل الله أرباحه ودب براجل كَرجل الدبا وغصت بخيولها وسيولها الشعاب والربى وسرنا وسرنا سَار وبرنا
стр. 154
بالبرية بار وَكَانَت الْحَرَكَة فِي سُكُون والنهضة فِي ركون والسرعة فِي هدوء وهدون حَتَّى انضمت الْأَطْرَاف المنتشرة وانتظمت الأفواج المنتثرة والتفت الجموع وارتجت الصُّفُوف المتلفقة وتألفت الاشتات المتبددة واتسقت الْأَسْبَاب المتمهدة وحملت الْآلَات وكملت الْحَالَات
ووصلنا إِلَى الْحصن فِي أَيَّام كأنهن لَيَال من ظلمَة العثير وليال كأنهن أَيَّام سنا السنور وَقد جاش الْجَيْش بقساور قساوة وضراغم ضراوة وليوث كفاح وكباش نطاح وأقران قرَان وقراع واخدان مصال ومصاع وفرسان طراد وأجادل جلاد ومثيري عجاج ومديري هياج ومعتقلي أنابيب ومشتملي شآبيب وممتطي شناخيب ومضمري أعاريب ومظهري أَعَاجِيب ومضمري نقع ومضرمي روع ومسعري نَار الوغى ومفجري مَاء الطلى وقابضي أَرْوَاح العدى وباسطي جنَاح الْهدى ومثقفي الوشيج مغارش العلى وجالي الْبيض فِي الدَّم المريج عرائس حمر الحلى ومريقي نجيع الْكفْر بِالْحَرْبِ الزبون ومذيقي جموع الشّرك طعم الْمنون من كل أغلب قسوري وأجدل مضرحي وأحمس حَيّ وَندب شمري وَضرب كمي وذمر مشيح للمهج مُبِيح وللنصل منتض وللضر متقتض وللقصر بار وللظفر جَار وللقرن سالب وللطعن طَالب وللثأر ثَائِر والزار زائر وللقاء العداة محب ولنداء المنايا ملب وللبوس الْبُؤْس مجتاب ولمتنامي النُّفُوس منتاب وَإِلَى نزع الذماء ونزح الدِّمَاء نازح فهاجوا وماجوا وعجوا وعاجوا إِلَى دَار الْبَقَاء من دَار الفناء
ووصلنا إِلَى مخاضة بَيت الأحزان يَوْم السبت والحصن مُبين من دونهَا من الغرب فخيمنا مِنْهَا بِالْقربِ وَجَعَلنَا البرج مَرْكَز دوائر المخيم ورميناه من نزالنا ونزولنا بالصليم واحتمى الفرنج وامتلأ بهم البرج وضاق بالعسكر ذَلِك المرج ورفعنا على تِلْكَ الآكام آكاما من الخيم وعقدنا بالجو ركاما من أنفاس تِلْكَ الْأُمَم ورمينا من
стр. 155
الجماجم والغماغم مسامع الْآفَاق بالصمم وأزرنا وجود الْعَدو من جد قصدنا بِالْعدمِ وَقُلْنَا حصن حُصَيْن وَمَكَان مكين وركن ركين وَهُوَ يصعب ويتعب لَوْلَا أَن الله فِي فَتحه معِين وَلَا بُد من نظم ستائر لنصب المنجنيقات وَجمع الأخشاب والآلات
فَركب السُّلْطَان بكرَة الْأَحَد إِلَى ضيَاع صفد وَكَانَت قلعة صفد يَوْمئِذٍ للداوية وَهِي عش البلية وَأمر بِقطع كرومها وَحمل زرجونها وأخشابها واستكمل للمجانيق كل مَا يتم بِهِ أَسبَاب انتصابها وَعَاد إِلَى المخيم بعد الظّهْر ظَاهرا وببرهان لطف الله بارهرا وَخرج بعد الْعَصْر وَجمع أراءه وعارض بآرائهم آراءه فَقَالَ لَهُ عز الدّين جاولي الْأَسدي وَهُوَ الْأسد المحرب المجرب الجريء تَأذن لنا بالزحف قبل الِاشْتِغَال بِنصب المنجنيق والانتصاب لهَذَا الْخطب جليله والدقيق حَتَّى نذوق قِتَالهمْ ونجرب نزالهم ونستض نصالهم ونستعرض أَحْوَالهم ونستقبل أهوائهم وأهوالهم فَرُبمَا تلوح فيهم فرْصَة وتخلو لنا عَرصَة وتحلو خصة فَقَالَ استخيروا الله حَيْثُ اخترتم وأثيروا كَمَا أثرتم فَنُوديَ فِي النوادي بالإقدام والحضور فِي مقَام الانتقام وحفز الزَّحْف إِلَى حمى الْحمام والاحتذاء للاحتذام والاصطلاء بِنَار الاصطلام فثاروا الى الثار وطاروا إِلَى الأوطار وداروا بِالدَّار وكشفوا خدودهم لقبل السِّهَام ونصبوا وُجُوههم لشعل الضرام ودنوا من الباشورة وباشروها وَسقوا معاشرها كأس الْمنية وعاشروها وعهدي بشاب من الْعَوام فِي جرْأَة الضرغام عَلَيْهِ
стр. 156
قَمِيص خلق وَفِي يَده عضب ودرق وَهُوَ بنأر الحنق محترق وَقد فرع الْجِدَار وَنزع الحذاروهو يكافح ويقارع ويجالد ويماصع ويواقح ويواقع فَتَبِعَهُ ضرب من أضرابه فِي الضَّرْب وشيعة آخر على حر الْحَرْب فتخاذل الْقَوْم فِي الوقم وهز أعطاف الْهَرم ودخلوا الْحصن وأغلقت الْأَبْوَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب واسلموا للسوء سورهم وللخراب معمورهم وأحاط النَّاس بِالْحَائِطِ وهانوا بِمَا فرط وَعز عَلَيْهِم اسْتِدْرَاك الفارط ودخلوا الْحصن واستشعروا الوهن وعناهم مَا عَن ووقفوا وَرَاء الْأَبْوَاب وعَلى شرافاته وأشرفوا على شَرّ آفاته وَملك اصحابنا الباشورة وملأوها وانتقلوا بكليتهم إِلَيْهَا وكلأوها وَبَاتُوا طول اللَّيْل يَحْرُسُونَ وعَلى الْقِتَال يحرصون ولنهزة الظفر يفترصون وَالسُّلْطَان يمدهُمْ بالإمداد وينجدهم بالانجاد ويشفق من فتحهم الْأَبْوَاب وكبسهم النَّاس على غرَّة وعود مَا خلناه مَنْفَعَة بمضرة فَقيل لنا انهم قد أوقدوا خلفكل بَاب نَارا ليأمنوا على أفسهم اغْتِرَارًا وَلَا يلْقوا عوارا فقر قَرَار الْأَصْحَاب وَعَاد الجماح إِلَى الْأَصْحَاب وَقُلْنَا هان الْحصن ولان صعبه وَلم يبْق الا نقبه ثمَّ جمع الْأُمَرَاء والكبراء وَفرق عَلَيْهِم الْبناء فَأخذ عز الدّين فرخشاة الْجَانِب القبلي وَجمع عَلَيْهِ الصناع النقابين والحجارين وَجَاء الخراسانية وَرَاء الجفاتي جارين ولأثقالها جارين وَأخذ السُّلْطَان النقب فِي الْجَانِب الشمالي وأهض إِلَيْهِ حجارين للصخور بارين وَأخذ نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بِقُرْبِهِ نقبا وَأقَام لَهُ فِيهِ حَربًا واقر تَقِيّ الدّين لَهُ قسما وجد عَلَيْهِ عزما وَكَذَلِكَ كل كَبِير شرع فِي طرف وَأخذ الْعَمَل فِيهِ بِسُرْعَة وسرف والفرنج من فَوْقهم على السُّور ووراء الستائر يرْمونَ بالفواقر ويصوبون الجروخ ويرومون لعقود الخطوب الفسوخ
стр. 157
وَكَانَ الْحصن جَدِيد الْبناء رطبَة شَدِيد التأتي صعبة يعسر على النقاب إِخْرَاج حجره وَإِظْهَار مضمره كَأَنَّمَا أفرغ من حَدِيد وَقد آوى الْكفْر مِنْهُ إِلَى ركن شَدِيد فَمَا انْقَضى يَوْم الْأَحَد على أهل الْأَحَد الا بالبكاء والنكد
وَتمّ النقب السلطاني وعلق وَحشِي بالحطب لَيْلَة الِاثْنَيْنِ وأحرق وَظن أَنه يتضعضع وتوقع أَنه يَقع والنقب فِي طول ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَفِي عرض ثَلَاثَة أَذْرع فِي الْمِقْدَار وَكَانَ عرض السُّور تِسْعَة أَذْرع بالنجار فَمَا تأثر بِالتَّعْلِيقِ وَالتَّحْرِيق وَلَا أبان عَن التشييد وَالتَّشْدِيد فَأصْبح يَوْم الِاثْنَيْنِ والقلوب قد اشفقت والظنون قد اخفقت وَالْعَمَل قد وقف والأمل قد ضعف وَلَا سَبِيل لتعميق النقب وتوسيعه للنيران الملتهبة فِيهِ وَفِي ضلوعه فَأخْرج لاسلطان صرة فِيهَا ثَلَاثمِائَة دِينَار مصرية على اعادة تِلْكَ النَّار الجحيمية ابراهيمية وَتركهَا على يَد عز الدّين جاولي وَأعْطى دِينَارا لكل من جَاءَ من المَاء بِقُرْبِهِ على وَجه زلفى لله وقربه فَرَأَيْت الناسللقرب حاملين ولأوعية المَاء ناقلين حَتَّى اغرقوا تِلْكَ النقوب فخمدت فَعَاد نقابوها وَقد بردت فخرقوه وعمقوه وفتحوه وفتقوه وشقوا حجره وفلقوه ثمَّ علقوه وحشوه واستظهروا فِيهِ يومي الثُّلَاثَاء والاربعاء ثمَّ أحرقوه وَوصل الْخَبَر بالفرنج قد اجْتَمعُوا بطبرية وَأَنَّهُمْ بروا بخيلهم وراجلهم تِلْكَ الْبَريَّة ونقع منا الْحِرْص فِي الْإِسْرَاع وحض الجاندارية والصناع فَلَمَّا أَصْبَحْنَا يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول أصبح الْخَمِيس وَقد حمي الوصيس وغص بالأسد الخيس وَالدُّنْيَا تضطرب والبلوى تضطرم والعدوى تحتد والعدو يحتدم وللبأس اقتحام وَلِلنَّاسِ ازدحام وللإسلام من الْكفْر انتقام وَنحن نَنْظُر إِلَى السُّور وَقد طَال الِانْتِظَار ونقع فِي بطء وُقُوعه
стр. 158
الاستشعار وَلما تَعَالَى النَّار وَعيلَ الاصطبار وَزَالَ الْقَرار انقض الْجِدَار فأبرت الْبُشْرَى وتباشرت الْأَبْرَار وتسابق النَّاس إِلَى الثلمة واجتلوا لمع الرَّحْمَة من فرج الزحمة
وَكَانَ الفرنج قد جمعُوا وَرَاء ذَلِك الْوَاقِع حطبا وحموا بِهِ عَن أنفسهم عطبا فَلَمَّا وَقع الْجِدَار دخلت الرِّيَاح مِنْهَا فَعَادَت عَلَيْهِم النَّار واحرقت الْبيُوت الدانية مِنْهَا فِي الجوانب وبلوا من كل صوب بالمصائب فَاجْتمعُوا الى الْجَانِب الْبعيد من النَّار وَقد لفحهم وهج الاستشعار وصاحوا الْأمان وأظهروا الإذعان وحنت حمت النيرَان من الهجوم عَلَيْهِم وَالدُّخُول إِلَيْهِم وتسلق الْخلق وتعلقوا فَلَقوا وفلقوا وأطلقوا أَيْديهم فِي الْقَتْل فقادوا وقيدوا وشدوا وشددوا
وَجلسَ السُّلْطَان وَأَنا عِنْده وَقد حمد الله تَعَالَى وَحده فَمن احضر عِنْده من الْأُسَارَى استنطقه فَمن كَانَ مُرْتَدا أَو راميا بجرخ ضرب عُنُقه
وخلص من الْأسر أَكثر من مائَة مُسلم أحضروهم للعمارة وَقطع الْحِجَارَة وَأكْثر من أسر قَتله فِي الطَّرِيق الْغُزَاة المطوعة والرعاع المجمعة وَكَانَ فتحا هنيا ومنحا سنيا
وَمَا ظن لاحكام بنائِهِ وتوثيق رَفعه واعتلائه وتسفيح تله وتسطيح مَحَله وتوعير سبله أَنه يَتَأَتَّى افتتاحه وَيتَصَوَّر اجتياحه وَكَانَ قد بذل فِي هَدمه لليأس مِنْهُ والسلو عَنهُ مبلغ سِتِّينَ ألف دِينَار فَلم يذعنوا بالفرار وَبلغ بالمبلغ مائَة الف فثبتوا على الاصرار وَقَالُوا مَا أنفقنا فِيهِ الْأَمْوَال وَنحن إِلَيْهَا مفتقرون وَقد أخرج الداوية عَلَيْهِ جَمِيع مَا ملكوه وهم بقوتهم مستظهرون وظنوا أَنهم بِهِ يحاصرون الْبِلَاد ويحصلون المُرَاد وَلَو بَقِي الْحصن لم يحصن الْبَقَاء ولدنَا من الْبِلَاد الْبلَاء ولأعضل بِقرب الداوية الدَّاء واعوز الدَّوَاء لَكِن الله نظر لِلْإِسْلَامِ وَنَصره وقمع الْكفْر وقهره وَيسر لنا مَا ظنناه عسيرا وَلم يزل للْمُؤْمِنين نَصِيرًا
وَرَأَيْت السُّلْطَان منتديا فِي حبى الحبور مُسْتَبْشِرًا يتلألأ وَجهه بِنور السرُور وَعِنْده رَسُول القومص معافى وَهُوَ يُشَاهد أهل مِلَّته وَلَا يجد لاستشعار همومه نقع
стр. 159
غَلَّته وَكَانَ الْحر شَدِيدا لَا يُطَاق وَدم الشّرك مُبَاحا يراق وَقد وَقد القيظ وان رقد الغيظ
وانتنت اشلاء الْقَتْلَى وَذكرت آيَات الِاسْتِعَاذَة تتلى وسير من باقاه الاسار الى دمشق للعرض والاعلام بِبِشَارَة اداء الْفَرْض وَأقَام السُّلْطَان فِي مخيمه والاموات قد جافت والأحياء قد عافت وَقَالَ لَا أَبْرَح حتلا أهدم الْموضع من أساسه وأعيد الرَّجَاء فِي تصور اعادته الى ياسه فقمسناه أذرعا على النَّاس حَتَّى هدوه الى الاساس وَعَاد المشهد اليعقوبي مزورا وأري الابتهاج بزيارته مشورا وَكَانُوا قد احتفروا فِيهِ جبا وَاسِعًا على التل نبع مُعينَة وَأحكم بِالْحِجَارَةِ من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ طيه وترصيفه وترصينه فَأمر بطمه وَالْجد فيهدمه فاحتيج فِي ذَلِك الى جثث الْقَتْلَى وجيف الهلكى
وَدخلت الْحصن فشاهدت الْعجب وعاينت فِي الْأَعْدَاء الشجب وَرَأَيْت فَارِسًا حِين ألْقى على النَّار حصانه وَهُوَ رَاكِبه وَلم يتنكب الْبلَاء وَالْبَلَاء ناكبه فَانْظُر الى هَذِه الحمية وَالنَّفس الأبية
واقام السُّلْطَان فِي ذَلِك الْمنزل الكريه حَتَّى فرغ من التخريب والتعفية وشفع حق الْجِهَاد بالتوفير وَورد المُرَاد بالتصفية ورحلنا يَوْم الْأَرْبَعَاء آيبين بالنعماء رجعين بالغنائم والآلاء وَعند الْوُصُول الى دمشق مرضنا من وبال ذَلِك الوباء ونتن ذَلِك الْهَوَاء وانتقل الى جوَار الرَّحْمَة أَكثر من عشرَة من الْأُمَرَاء وَمن الله عليبعد الاشفاء بالشفاء
وَمِمَّا أنشأته فِي هَذِه النّوبَة رِسَالَة إِلَى القَاضِي الْأَجَل الْفَاضِل وَنحن بالمخيم على الْحصن بشرح ذَلِك من يَوْمه الى آخِره وَكَانَ الْمقَام على الْحصن فِي أَيَّام فَتحه وَبعدهَا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا
يهني بِمَا يُنْهِي نبأه وأثره الْأَثِير وَحَدِيثه الحَدِيث وَخَبره الثبت الحثيث وخطبه الْخَطِيب من بره على مِنْبَر العلى وحاله الحالية من الْحسنى حسن الحلى وَهُوَ فتح البرج وحتف الفرنج وتضوع النجح وتوضح النهج وافترار ثنايا الثَّنَاء بأذى ذَوي الافتراء واجترار اللهاذم لَهَا دَمًا من ارماق المراق من أولي الاجترام والاجتراء فان يكن برج الفرنج المستجد المؤثل لَهُ موثرا لَهُم فان خبر الفرنج المستجدي أَذمّ بسلامة الْإِسْلَام ونكاة الْكفْر من كل ذمّ وَقد أخبر بِمَا من الله بِهِ ومنح وأسنى من سمناه فسنح من مُقَدمَات السعادات ومسعدات المقدمين واجتهادات الْغُزَاة ومغزى الْمُجَاهدين
стр. 160
فانه لم حضر الْعَسْكَر وحصره وصابره وأبصره وَقصد مَنْهَج الرَّأْي ومنهل الرّيّ من صوب الصَّوَاب فارتأى وارتوى وَرَأى من النَّهْي أَنه إِن حاوله وطاوله انفض من الزَّاد وَأقوى من القوى وَكَانَ السُّلْطَان ركب بكرَة الْأَحَد إِلَى صفد فصادف ضِيَاء ضياعها بالأوهار زاهرا ورواء روابيها بالبهاء والبهجة ظَاهرا وكرائم كرومها معلقَة الأقراط وغروس عروشها مخلدة الأشراط والأرواح للأحوار وَالْأَشْجَار مشاجرة وَالشمَال لتصفيقها بصفقة الشُّمُول متاجرة والعناقيد روم وزنج بالعناقيد قيدت إِلَى السجون لتبريز ابريز الزرجون والأفنان المورقة المترنحة من فرقها بالفنون وَقد ربى رباها وهدا هداها كَافِر لكَافِر وَسوى أنحائها ونحى سوءها فَاجر لِفَاجِر فأباح الْعَسْكَر حماها وأتى حَتَّى إِذا رامها وبالأذى رَمَاهَا فَمَا ترك نابتة إِلَّا حصدها وَلَا نابتة الا قَصدهَا وَلَا نابضة الا قَصدهَا وَلَا رائضة الا رصدها وَعَاد ظهرا على الْعَدو ظَاهرا وللحصن حاصرا حَامِلا من تِلْكَ الغوارس لحشو المتارس عَاملا لنصب المنجنيق عمل المقاسي ثمَّ رأى أَن يقدم على رَفعه ونصبه جرا للجند إِلَى الْقِتَال وزحفا إِلَى اولئك الرِّجَال المعدودة المحصورة بأولي الْعدة المصحرين من الرِّجَال فَمَا زحف حَتَّى رجف وَمَا جرى حَتَّى جرف وَمَا دلف حَتَّى أوجف
والفرنج إِذا ذَاك حَشْو الحوش كالذئاب فِي الجرأة بل فِي الْوُثُوب كالوحوش وتسلق فِي الْحَائِط من تسلى عَن حوطة نَفسه النفيسة وسخا بِالروحِ العزيزة لدفع مَا لزم الْإِسْلَام بِسَبَب الْحصن من الخسيسة فَمَا انْقَضتْ سَاعَة حَتَّى انْقَضتْ عَلَيْهِم جمَاعَة وهم كالشواهين المنقضة على البغاث وكائدي مخلفي الْكِرَام إِذا تصرفت فِي التراث فَكل منقصد بَاب الْحصن من الفرنج فر وَنَجَا وَثَبت أَقْدَام المقدمين وجاءهم الوجى وشجاهم الشجى وملكت الباشورة عنْوَة وكملت تِلْكَ المسورة حظوة فأطلقت النيرَان فِي أَبْوَاب الْحصن وَأخذت النقوب فِي كل جَانب فِي الرُّكْن وأحاطت الْجَمَاعَة بالسور الْمُحكم إحاطة السوار بالمعصم والخلخال بالمخدم بل أحدقت بِهِ إحداق الأجفان بالحدقة والسياج بالحديقة واشرأبت إِلَى الشّرْب من ورد وريد أهل الْبَاطِل ظماء الظبى بأيدي الأيد من أهل الْحق والحقيقة وَإِذا الخَنْدَق عميق والمزلق وثيق والمقصد سحيق والورد مَا إِلَى طرقه طَرِيق وَأهل الْوَفَاء تَحت جفَاء الجفاتي والنقاب النقاب لاجتهاده فِي جهاده منْكب على اسْتِخْرَاج الْحجر العاتي وَهُوَ لَا يؤاتي فكم جرح وأحرج حَتَّى خرج الْحجر وَكم ضرج وأحوج حَتَّى ضج مِنْهُ الشّجر وَالرُّمَاة الكماة على الخَنْدَق بثبات أَقْدَامهم يمْنَعُونَ الفرنج من إِخْرَاج رؤوسهم ويجبون بالمشرف إِلَيْهِم من السِّهَام خراج نُفُوسهم
стр. 161
وَلما أَخذ النقابون مواضعهم شَاهد الْقَوْم مصَارِعهمْ فَمَا زَالَت المعاول تعول والجنادل تتخلخل والنقاب يعْمل واخراب بَيت الأحزان فِي تبييته يعجل حَتَّى استقامت النقوب واستنامت الْقُلُوب وخطب الْخطب مِنْهَا نِكَاح كفاحها وعط العطب بهاء رِدَاء رداحها ظن أالنقب استتم واستتب وَأَنه كَمَا تهوى الْقُلُوب فِي قالب الْهوى للصَّوَاب صب وَلم يعلم أَن الْبكر بعذرتها لم تفتض وَأَن الْحَائِط بحوطته مَا آن أَن يرفض وَأَن الْجِدَار برمتِهِ مَا يُرِيد أَن ينْقض فشب لما شب نَارا وقر رُكْنه بنكره قرارا فأعيد عَلَيْهِ النقب مرَارًا وَيزِيد درس الدُّرُوس فِيهِ تَكْرَارا وَحرقت النقوب صفا فَكلما استكملت ضعفا استكملت ضعفا وَأَتَتْ عَلَيْهَا سِتَّة أَيَّام من جَانب الْكفْر للعطب تخشى وَمن جَانب الْإِسْلَام بالحطب تحشى وَلكم ترمدت النَّار وَمَا تردم الْجِدَار وَمَتى رضت نَار رضوى وَهل يذبل من عدوي وَمَا كَانَ السُّور إِلَّا كَأَنَّهُ مفرغ من الْحَدِيد أَو ثَانِي سد ياجوج وماجوج الشَّديد وأشفق الْمُسلمُونَ من الْبَأْس وَظن نجاة الأنجاس فتدارك الله الْأَرْوَاح وتلافاها من التّلف وجلا عَن وَجه الْإِيمَان سدفة الكلف وأعيدت النقوب على الْمَوَاضِع بعد بردهَا وَأخذت العزائم بترك هزلها وَالْحَمْد لله الَّذِي نصر الْحق وَأَهله وأدال الْبَاطِل وأذله تمّ الْجُزْء الثَّالِث من كتاب الْبَرْق الشَّامي بِحَمْد الله وعونه وَحسن توفيقه يتلوه السُّلْطَان بِفَتْح هَذَا الْحصن وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَالْحَمْد لله وَحده وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد نبيه وَآله وَصَحبه وَسَلَامه ٠ الْبَرْق الشَّامي
стр. 162
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
ذكر الْعَزْم على قصد حلب وعبور الْفُرَات إِلَى بِلَاد الجزيرة والاستيلاء عَلَيْهَا وَالنُّزُول على الْموصل وَالْعود إِلَى سنجار وَأَخذهَا فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة
وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى الشَّام أظهر إِلَى قصد حلب صدق الْعَزْم وَأَنه لَا بُد وَلَا غنى من استضافتها والأمن من آفتها فقد انهى إِلَيْهِ من أغراه بهَا وحث عزمه محث على طلبَهَا وَأَن المواصلة قد كاتبوا الفرنج وأنفذوا إِلَيْهِم الرَّسُول وبذلوا لَهُم البذول وَلَو راموا حملُوا الحمول فرغبوهم فِي الْخُرُوج مبادرين إِلَى الثغور وهونوا عَلَيْهِم اسْتِبَاحَة الْمَحْظُور والاستراحة من الْمَحْذُور آمِنين ليشغل شغل الْكفْر عَن الْفَرَاغ لقصدهم واتوا من ذَلِك التحريض والوعد وَالتَّرْغِيب بِمَا فِي وسع جهدهمْ فَقَالَ السُّلْطَان قد جزم عَلَيْهِم معزم الْقعُود وحبب إِلَيْهِم تَعْجِيل النهوض مِمَّا لايتم فرض الْجِهَاد إِلَّا بِهِ جدا وَكَانَ حِين النهوض والتفويض فرغ من غَزْو طبريا وبيسان وَقد شكر الله فِي نهضته بِالْإِحْسَانِ وَتوجه على سمت بعلبك وخيم بالبقاع متبلج ضواحي مسارح الأضواع وَكَانَ قد وَاعد أسطول مصر أَن يتجهز ٢ أ
стр. 163
إِلَى بعض بِلَاد السَّاحِل ليوافقه عَلَيْهِ ويسير بعساكره إِلَيْهِ فَجَاءَهُ الْخَبَر بِأَنَّهُ وصل إِلَى سَاحل بيروت فبادره السُّلْطَان بعسكره جَرِيدَة قبل ان يفوت فَلَمَّا وصل رأى أَن أَمر بيروت يطول وان مَسْأَلَة حصرها تعول وَكَانَ قد سبى الأسطول مِنْهَا وسلب وظفر من غنيمتها بِمَا طلب فَأَغَارَ السُّلْطَان على تِلْكَ الْبِلَاد وأتى فِي تخريبها وإخراجها بالمراد وَرجع بِمَا رجا من الْأَثر الحميد وَالظفر العتيد وَأعَاد الْملك معز الدّين إِلَى دمشق ليقوم فِي سد الثغور وتسديد الْأُمُور بالنيابة وينهج فِي آرائه وآرابه سنَن الْإِصَابَة وَسَار لقصد الشرق والعزب مَاض والعزم قَاض والجيش من أوراق حديده وأزهار عديده فِي رياض ورياح السوابق تجْرِي بالجبال وأرزاق الخوامع ترجى من الْآجَال وأعنة الْجِيَاد مسرعة وأسنة الصعاد مشرعة وبحور السوابغ فِي تموج وبوارق البيارق فِي تبوج وللسان العاسل ذلاقة ولوجه الباسل طلاقة وغرار الجفن متجاف وَمَاء الفرند صَاف ولخروق السَّمَاء من تسابيح النَّقْع رقع وَفِي عروق الأَرْض من سنابك القب وَقع ولترائك التّرْك لمع ولسبائك الْبيض طبع ولذوائب الذوابل المجزوءة نصب وَرفع وللحديد من الْحَدِيد قرع وللبنود نشر ٢ ب وللجنود نصر وللواء عقد وللاواء وَقد وَحقّ الْهدى نقد وباطل العدى حقد والشعاب سَائِلَة والهضاب جائلة والعراب مجلية والجعاب ممتلئة والحنايا متوترة والمنايا مُؤثرَة وللأوتار اوتار وللأوطار اطوار من مجر الرِّيَاح مراح وللجد جد وللمزاح
стр. 164
مزاح وللعتاق من رق الارتباط أعتاق وللآفاق من سنا السيوف ولمعان الْحَدِيد الْأَخْضَر إشراق وإبراق
وَجِئْنَا إِلَى بعلبك وخيمنا بمرج عدوسة أَيَّامًا وأحكمنا اسبابا وسببنا احكاما ورحلنا إِلَى حمص عَن طَرِيق الزِّرَاعَة ونزلنا على العَاصِي مذعنين لله بِالطَّاعَةِ وَجَاء الْفَقِيه الْمُهَذّب عبد الله بن أسعد الْموصِلِي ولقى السُّلْطَان بمدائحه وتلقاه بمنائحه وأوردت فِي هَذَا الْموضع من قصائده مَا أعدهَا من عوائد فَوَائده وَهِي
من الْكَامِل
... أعلمت بعْدك وقفتي بالأجرع ... ورضى طلولك عَن دموعي الهمع
مطرَت غضا فِي منزليك فذاويا ... فِي أَربع ومؤججا فِي أضلع
لم يثن غرب الدمع لَيْلَة غربت ... ولع العذول بفرط عذل المولع
يلحي الجفون على الدُّمُوع لبينهم ... والعذل فرط العذل إِن لم تَدْمَع
دَعْنِي وَمَا شَاءَ التَّلَذُّذ والأسى
وأقصد بلومك من يطيعك أودع
لَا قلب لي فأعي الملام فإنني
أودعته بالْأَمْس عِنْد مودعي ... هَل يعلم المتحملون لنجعة ... ان الْمنَازل أخصبت من مدمعي
كم غادروا حرضا وَكم لوداعهم ... بَين الجوانح من غرام مُودع ...
стр. 165
.. أمروا الضُّحَى أَن يَسْتَحِيل لأَنهم ... قَالُوا لشمس خدورهم لَا تطلعي
تَحْمِي قبابهم ظَبْي فِي كلة ... وتذود عَنْهُم أسْهم فِي برقع
قل للبخيلة بِالسَّلَامِ تورعا كَيفَ استبحت دمي وَلم تتورعي
وبديعة الْحسن الَّتِي فِي وَجههَا ... دون الْوُجُوه عناية للمبدع
بَيْضَاء يدنيها النَّوَى ويحلها ... اعراضها فِي الْقلب ألطف مَوضِع
مَا بَال مُعْتَمر بربعك دائبا ... يقْضِي زيارته بِغَيْر تمتّع
كم قد هجرت إِذْ التواصل ... مكثب وضررت قادرة على أَن تنفعي
مَا كَانَ ضرك لَو غمزت بحاجب ... عِنْد التَّفَرُّق أَو أَشرت بإصبع
ووعدتني أَن عدت عود وصالنا ... هَيْهَات مَا أبقى إِلَى أَن تَرْجِعِي
هَل تسمحين ببذل أيسر نائل ... أَن أشتكي وجدى إِلَيْك وتسمعي
أَو شاهدى جسدى ترى أثر الْهوى ... أَو فاسألي إِن شِئْت شَاهد أدمعي
فالسقم أَيَّة مَا جن من الجوى ... والدمع بَيِّنَة على مَا أَدعِي
فتيقني أَنِّي بحبك مغرم ... ثمَّ اصنعي مَا شِئْت بِي أَن تصنعي
يَا صَاح هَل أَبْصرت برقا خافيا ... كالسيف سل على أبارق لعلع
برق إِذا لمع استطار فُؤَاده ويبيت ذَا قلق إِذا لم يلمع
فسقى الرّبيع الجون ربعا طالما ... أَبْصرت فِيهِ الْبَدْر لَيْلَة أَربع
وعلام استسقى لَهُ سيل الحيا ... يَكْفِيهِ مَا يسْقِيه فيض الأدمع ...
стр. 166
.. وَلَو اسْتَطَعْت سقيته سيل الْغَنِيّ ... من كف يُوسُف بالأدر الأنفع
بندى فَتى لَو أَن جود يَمِينه ... للغيث لم يَك ممسكا عَن مَوضِع
كلف بِأَسْبَاب الْمَعَالِي مغرم ... صب بأبكار المكارم مولع
للمعتفين رَجَاء ريح سَجْسَج ... والمعتدين عجاج ريح زعزع
رب المكارم وضحا لم تستتر ... بدنية يَوْمًا وَلم تتقنع
ومديم بذل النَّفس غير مفرط ... وَكثير بذل المَال غير مضيع ... فَإِذا تَبَسم قَالَ ياجود اندفق ... وَيَا سحب الندى لَا تقلعي ... وَإِذا تنمر ... قَالَ للْأَرْض ارجفي ... بالصاهلات وللجبال تزعزعي
وَإِذا علا فِي الْمجد أَعلَى غَايَة ... قَالَت لَهُ الهمم الجسام ترفع
ثَبت الْجنان إِذا الْقُلُوب تطايرت ... فِي الروع بعْدك ألف ألف مدرع
فضل الورى بفضائل لم تتفق ... فِي غَيره ملكا وَلم تتجمع
مَا رام صَعب المرتقى متصاعد
إِلَّا وَكَانَ عَلَيْهِ سهل المطلع
جمع الجيوش فَشَتْ شَمل عداته ... مَا فرق الْأَعْدَاء مثل مجمع
لم يثنه عَن نَصره حلفاءه ... عظم الْعَدو وَلَا بعاد الْموضع ... بجحافل مثل السُّيُول تدافعت ... وَإِذا السيوف تدافعت لم تدفع ...
стр. 167
٤ - أ ... من تبع فلكم لَهُ من تَابع ... أوفى وأوفر عزة من تبع
من دوحة شاذية ارجت بهَا الد ... نيا لطيب شذى لَهَا متضوع
والناثرين الْهَام يَبْرق بيضه ... والخارقين مضاعفات الأدرع
والواصلي قصر الظبي بخطاهم ... والقاطعين بهَا طوال الأذرع ... قوم إِذا نقع الصَّرِيخ تبَادرُوا ... نَحْو الْحمام بِكُل أَبْلَج أروع
لَا يغررن الرّوم بعد دِيَارهمْ ... ان الخليج عَلَيْك أقرب مشرع
لَو أَن مثل الْبَحْر سَبْعَة أبحر ... من دونهم وأردتهم لم تمنع
كم وَقْفَة لَك فِي الوغى محمودة ... أبدا وَكم جود حميد الْموقع
وَالطير من ثِقَة بِأَكْل مشبع ... تبِعت جيوشك فَوق غَابَ مسبع
وَالنَّاس بعْدك فِي المكارم والعلى ... رجلَانِ اما سَارِق أَو مدعي
ياغيث لَا تسجم وَمَا حل مربعي ... بنداك الا ذُو غَدِير مرتع
راجعت فِيك الشّعْر بعد طلاقة ... طَمَعا بجودك أَي مَوضِع مطمع
لولاك لم أَرض القنوع وذلة ... من بعد طول تعززي وتقنعي
فسؤال فسؤال جودك عزة للمجتدي ... ونداك تشريف ورفعة مَوضِع
فَاسْلَمْ على مر الزَّمَان ممتعا ... بِالْملكِ الاعظم وَالْمحل الأرفع
فاذا بقيت فلست أحفل من مضى ... واذا حييت فَمَا أُبَالِي من نعي ...
стр. 168
وَهَذِه القصيدة من أول مدائحه فِيهِ وَإِنَّمَا مدحه فِي هَذِه النّوبَة بالحائية الَّتِي سبقت فاتفق ايرادها على الْجُمْلَة الَّتِي اتّفقت
عَاد الحَدِيث إِلَى سِيَاقَة فِي اعداد الْعَزْم السلطاني واعناقة وارعاد عَارض الدَّهْر بِهِ وابراقه
ورحل وَوصل إِلَى حماة وأوت عَسَاكِر الْبِلَاد إِلَى حماه وَكَانَت حماة للْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر وَهُوَ مَعَه فَأمره أَن يرتب أُمُور ذَلِك الثغر ويتبعه فامتثل الْأَمر وَمَا فَارقه وكفل الْأَمر ورافقه وَسَار فَلَمَّا قرب من حلب تردد عزمه فِي الْمسير إِلَيْهَا والعبور عَلَيْهَا فَمَا شعرنَا إِلَّا برَسُول مظفر الدّين كوكبرى بن على كوجك يُشِير بعبور الْفُرَات وَحُضُور تِلْكَ الولايات
ذكر وُصُول مظفر الدّين واجتماعاته بالسلطان
وَوصل مظفر الدّين وَاجْتمعَ بالسلطان وخلا بِهِ لخلابه واغرائه بالممالك وارغابه وَقَالَ لَهُ أَنا مواليك ومحب معاليك ومريد تعاليك والمغالي فِيك وصديق صديقك ومعادي معاديك وَهَذِه الْبِلَاد لَك وَلَيْسَ من النصح أَن لَا أدلك وَأَنا لديك وَبَين يَديك فَإِذا ملكت تِلْكَ الممالك وسلكت تِلْكَ المسالك فَحلبَ تبقى من ورائك وَأَنت بعد ذَلِك على إِيثَار عزمك ورأيك وَإِلَّا فَحلبَ تشغل عَن الْأُمُور ومهماتها والجزيرة
стр. 169
وولاياتها وَلَك الْمحبَّة الْعَامَّة والمهابة التَّامَّة فَإِذا عبرت الْفُرَات سلمت لَك الأقاليم أقاليدها وجمعت لَك طاعات الْعباد عبابيدها ونظمت شَمل الدولة ووصلت حبلها وألفت اشتات الْكَلِمَة واوضحت سبلها وَمَا زلت شوقا إِلَيْك فِي حران حران وَإِلَى الرى من مورد خدمتك ظمآن وَهِي لَك مبذولة وبأوليائك من اهل الدّين والديانة مأهولة والرها لَا يعسر أمرهَا والرقة لرقك وَبَعض حَقك والخابور فِي انْتِظَار خبرك وارتقابه وايثار ظفرك واقترابه ودارا دَارك ونصيبين نصيبك اذا ظهر استظهارك وَملك الْموصل موصلك إِلَى الْملك وَثمّ عُقُود ثَمَانِيَة تنظمها فِي السلك وَمَا هَذَا أَوَان الونا فادن الينا وكل بعيد دنا وكل عنيد عَنَّا وَهل يقدم أحد على عصيانك وَأَنا أَنا ثمَّ عبر مظفر الدّين إِلَى بلدته عَائِدًا ولنصرته واعدا وبانجاده مساعدا وباسعاده مناجدا وجليت صُورَة اجْتِهَاده وتليت سور أحماده وحلت فِي مساغ الْمَحْض لَا فِي مذاق المذق مشورته المشورة وحلت لَهُ عُقُود الْعُقُول وحلت فِي قُلُوب الْقبُول مساعيه الْمَشْهُورَة المشكورة وقر الجأش ووفر الْجَيْش وَوقر الْحلم وفر الطيش وعاش الطّيب وطاب الْعَيْش
ذكر وُصُول السُّلْطَان إِلَى الْفُرَات
وَوصل الْبَحْر إِلَى الْفُرَات وتبدل بالغنى فقر المقفرات وَعَاشَتْ الدُّنْيَا بدنو انتعاش العثرات وَقرب الْأَعْدَاء على الْأَعْدَاء وَبَانَتْ فِي مرايا المراء مِنْهُم وُجُوه الترات وَحسنت الْآثَار فِي إثارة كوامن الثارات وخيمنا على الْفُرَات من غربي البيرة وارتاعت
стр. 170
العدى من عدوى سطواتنا المبيرة وَمد الجسر كَمَا امْتَدَّ على الطرس السطر
وَكَانَت البيرة قد طمع فِيهَا صَاحب ماردين فاستولى على مَوَاضِع من أَعمالهَا وحوى اليه من حواليها مَا عطل حوالي أحوالها فَلَمَّا سمع بِنَا تخلى عَنْهَا وخلاها وَتركهَا وَمَا سَأَلَ عَنْهَا بل سلاها فأعدنا اليها شهَاب الدّين مُحَمَّد بن الياس الارتقي فاحمد فِي ذروتها الرقي وشرعنا فِي تهيئة أَسبَاب العبور وعقدنا فِي الْحل والترحال حبى الحبور وبدأنا بِنَقْل الاثقال إِلَى السفن لنحصل من مخاطرة الزحام بهَا فِي الجسر على الامن وَضرب كل منا خيمة بالجانب الشَّرْقِي يحول اليها رَحْله ويخفف نَحْوهَا ثقله وأمددنا من معاقل الأَرْض بعدة من السفن والخلق كثير وَالْجمع جم غفير والجيش جائش والجو من قرارنا ووقارنا طائش وَالْفَتْح الكواسر بعثيرنا عاثرة والرعن الجواشر من بأسنا باسره وَالسَّمَاء من عجاجتنا أَرض وَالْبَحْر من أمواجنا برض وَمنا من عبر خيله سباحة وَوجد من الزحمة رَاحَة وَلم يجد على العبور على الجسر جسارة فَوجدَ ربحا وَعدم خسارة وكل فِي عبره على حذر وَمن أمره على قدرومن ورده فِي صدر وَمن صَفوه متحرز من كدره وَمن عزمه على جد وَمن حزمه ذوجد وَمن عدته وعدته فِي غَد والشعاب لأسهم سهمنا جعاب وعَلى الربى من سحب شجبنا ربَاب والعصاب غضاب وللقنا من أسدنا غَابَ وَللَّه من عباده أبرار لنصر دينه أَرْبَاب
فَلَمَّا جزنا الْفُرَات وحزنا الثَّبَات وجمعنا من الرِّجَال والرحال الشتات واغتنمنا فِي الطّيب الْأَوْقَات وتسلمنا البيرة والعمق وأوسعنا على العداة فِي ذَلِك الْخرق ورعنا بغربنا الشرق كاتبنا أَصْحَاب الاطراف بالوفود للوفاق والتنحي عَن مَذْهَب
стр. 171
الْخلاف وانه من جَاءَ مُسلما وللأومر مستسلما سلمت بِلَاده وصينت أَطْرَافه وتلاده على أَنه يكون من اجناده فِي غَزْو الْكفْر وجهاده
ذكر وُصُول رَسُول نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان صَاحب حصن كيفا بالإذعان ومجازاة مَا سبق اليه من الاحسان بالاحسان
وَعَاد رَسُولنَا من ابْن قرا أرسلان يذكر انه مذعن بِالطَّاعَةِ مُؤذن بالتباعة وَاصل بِرِجَالِهِ ورحاله وأشياعه وأسبابه وأجناسه وأنواعه وأوزانه وأوزاعه وأتراكه وأكراده وجرده وجراده وكمته وكماته وحمسه وحماته وقبه وقبابه وعربه وعرابه وسمره وبيضه وقضه وقضيضه وكواهل صواهله وحوامل عوامله وأنابيب صعاده وشآبيب جياده ومناقب مقانبه وسحائب سلاهبه وضوامن ضوامره لخُصُوص النَّصْر وكوامن ضمائره وسرائره لخلوص السِّرّ وَطلب عِنْد وفائه بالعهد ووفاته فِي الود وقيامه بِحسن الْبلَاء واهتمامه بِصدق الْغناء ان يعان على صَاحب آمد فانه تنكب فِي قَصده المحامد وتجرد فِي عداوته فَكَانَ المعاند فشكره السُّلْطَان وَأجَاب سُؤَاله وَأصَاب سؤله وَأعَاد إِلَيْهِ مَعَ رَسُوله رَسُوله وعرفه بعرفه انه مَا موله إلامأموله وَسَنذكر فِي وقته وُصُوله
ذكر سيرنا إِلَى الرها وَفتحهَا وتأمين سرحها
ثمَّ رحلنا من البيرة والمبرة مبرة وألطاف الله مستدرة فِي ممرنا مستمرة ورغائبنا لغرائب المستجيرين بِنَا مستجرة ومواهبنا فِي مَذَاهِب المستقرين لنا مُسْتَقِرَّة وَفِي كل
стр. 172
يَوْم قوم لَهُم فِي بحرنا عوم وَمن سمونا سوم وَفِي كل فلق فيلق نسده بالقتام ورونق نجده بالاعتزام وَفِي كل فجر مجر وَلكُل جمع جمر وَفِي كل حَال من عَسْكَر وَاقد وعثير عَاقد وبيارق تبرق وبوارق تخفق وسنا سنابك تقدح وسرى سراحيب تمرح وسراحين تجمح وقنا تعتقل وَمنى تعتقد وظبى تنتضي وربى تنتضد وحبى تعقد وحباء تفتقد وعقود تنتقي وعقول تنتقد وبيض تقد وبيض تعد
ذكر النُّزُول على الرها والمسير إِلَى حران والرقة
فنزلنا بالرها وانس مَعَ عقوقها برهَا وَاسْتمرّ أَيَّامًا حصرها وفيهَا الْأَمِير فَخر الدّين مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي فتنمر وتذمر وتربص وتصبر وتسمر بهَا وتشمر وَنَفر واستنفر ثمَّ رأى أَنه لاطاقة وَأَنه لَا يجد إِلَّا فاقة وَأَنه لَا يعْدم الْفَاقَة فاستبدل من عبوسه الطلاقة وَأرْسل إِلَيْنَا بتسليمها لسلامته ووفيناه حق كرامته وتسلمها مظفر الدّين الى حران مُضَافَة وَوجد بهما فِي رُتْبَة الْعَلَاء إنافة
وَجِئْنَا إِلَى حران ظافرين ظَاهِرين قَادِرين قاهرين وَالدُّنْيَا دانية والعليا زائنة وَالْحُسْنَى زَائِدَة والجدوى جائدة ونكب الدَّهْر راكدة وَعين الْخطب رَاقِدَة وسحب الْبَأْس بارقة راعدة ومثارات القتام من تَحت الصلاد فَوق الصعاد صاعدة فَأَقَمْنَا حَتَّى
стр. 173
أَقَمْنَا الشعار وأنمنا الاستشعار وقضينا من رِعَايَة الرعايا فِي أوطانها الأوطار وبردنا حر حران واستجلت من مُلُوكنَا الْوُجُوه الغران واستحليت ثَمَرَات المران واستعذبت لذات اللدان واعتدنا السَّعَادَة واستسعدنا الْعَادة وطلبنا الزِّيَادَة ورمنا لمرضى الْبِلَاد بِصِحَّة عزمنا العيادة ولبينا فِي ندي الندى السِّيَادَة واستأنفنا للابداء الاعادة وأحسنا لَدَى الْوِفَادَة الإفادة بعد الْإِجَازَة الإجادة ورحلنا إِلَى الرقة بصرائم قَوِيَّة مجانبة الركة والرقة لنقاضي غُرَمَاء الْملك بديونه الْمُسْتَحقَّة وَتمّ الْحصْر والنزال وفيهَا الْأَمِير قطب الدّين بن حسان ينَال فدارت على قطبه الرحي فَرَأى من النازلين عله جنح الدجى فِي رأد الضُّحَى ثمَّ عرف أَنه لَا يُطيق وَمن سكر خطبه لَا يفِيق فبذل اذعانا وَسَأَلَ أَمَانًا وَسلم وَسلم وعصم المَال وَالدَّم وَخرج بنفائس أَمْوَاله بعد ترك ذخائره وعدده وغلاله وَفَارق وَمَا رافق ووفى لصَاحبه وَمَا وَافق ولبثنا ريثما أَصْلحنَا الْفَاسِد ونفقنا الكاسد وروضنا الماحل وروحنا الناهل وأعذبنا الْمَوَارِد وهذبنا الْمَقَاصِد وأحكمنا الْقَوَاعِد وأبرمنا المعاقد وألنا الشدائد وأنلنا الْفَوَائِد ورددنا الشارد وشردنا المارد وولينا فِي الْبَلَد من أهل الْجلد من يَفِي بِحِفْظ الْمطرف وصون المتلد وَنفي شرعة الشَّرِيعَة من الرنق ويلي بادالته الدولة رائقة الرونق ويعي الْأَمر فيمتثله بالأوفى الأوفق ويسني بشر صفائه بشر
стр. 174
ولائه العبق وروى زند جده فِي منار الْحق لانجياب الغسق ويري الْخلق بحسناه حسن الْخلق ويضيء نَبَات ثباته عِنْد اتساع خرق الْخرق وَلَا يهي عقد حزمه فِي الوقائع الروائع عِنْد انحلال عُقُود أولى الْعَزْم الموثق فِي الْحق المستوسق
فَلَمَّا أتممنا الْمصَالح وأحكمنا المناجح وأوضحنا المناهج هززنا معاطف المران إِلَى مشْهد الرُّمَّان وثنينا أَعِنَّة العراب إِلَى عرابان وَجِئْنَا إِلَيْهَا فلاة شاسعة ودوية شاسعة وجرنا فِي جور تِلْكَ الْبَريَّة ببحور تِلْكَ الْبَريَّة وَحين قربنا مِنْهَا تلقانا قضاتها ورؤساؤها وَخرج إِلَيْنَا رجالها ونساؤها وأظهروا بقدومنا الْبشر والبشاشة وَالْبر والهشاشة
وَكَانَ عِنْد قربنا من الْمَدِينَة يَوْم الزِّينَة فنفسنا بحبور حضورنا عَن النُّفُوس الحزينة وخيمنا على ظَاهرهَا وَنزلت بأرضها سَمَاء السماح بأزهارها وزواهرها وأصحرنا بصحرائها فَبَدَا كل وَجه حسن وَبَان وكل ضرّ بذلك العراء عرا عرابان بِأَن فرفعنا مِنْهُم الرؤوس ووضعنا عَنْهُم المكوس وضربنا على الضرائب وفللنا نيوب النوائب وثلمنا مضَارب المضار وهدمنا معارج المعار وشفينا أوام الْأَوَامِر وعفينا مناهج المناهي وروينا ظمأ الضمائر وسوينا دَوَاء الدَّوَاهِي وَعدم مَتَاع المتاعب وَأمن مصاع المصاعب وتواصلت أَخْبَار وصولنا الخابور وهبت فِيهَا قبُول اقبالنا بادبار الدبور وشاع الْعدْل وذاع ورتبنا على قانون الدولة العادلة الاوضاع وعمرت الْأَعْمَال وصلحت الاحوال وَفتحت من رَأس عينهَا عينهَا وأصلحت
стр. 175
بِالطَّاعَةِ والتباعة بَيْننَا وَبَينهَا وَبَلغت الْخيرَات إِلَى مداها وانتهت الركاب إِلَى مُنْتَهَاهَا حَتَّى سكن سُكُون دور دورين واستنزعنا ماكس ماكسين وطلعت شمس الانس للشمسانية وأشرقت الْآفَاق بالأنوار السُّلْطَانِيَّة وتحصن بعزنا الْحصين وفدانا الفدين وَثَبت الْمجد للمجدل وَأخذ للبزاة الشهب منا قنص الاجدل وقطعنا نهر الخابور على قنطرة التنينير وانتظمنا عَلَيْهَا فِي الزحام نظم النثير وَنشر عبورنا بهَا نشر العبير
ذكر الْوُصُول إِلَى نَصِيبين
وَلما جزنا الخابور وأتممنا العبور أَخذنَا الطَّرِيق إِلَى نَصِيبين يسرة واستخرنا الله فِي قصدنا واستجدينا مِنْهُ نَصره ونصبنا بنصيبين خيامنا بعد ثَلَاث وسلكنا فِي مسالك سهول وأوعاث وأزلنا جدبها وجورها بغيث وغياث وعزائم حثاث وصرائم ذَات انبعاث على أَن الانفس من خوف الالتباث لوخمها ذَات التياث ودخلنا الْمَدِينَة وانزلنا بهَا السكينَة وَجِئْنَا إِلَى قلعتها وَقد تحصنت وبمنعتها تحسنت وَسَائِر اسوارها مصفوفة وعرائس مجانيقها مزفوفة واشفقنا فِي حصرها من سفك الدَّم وهتك الْحرم فوكلنا بهَا من يمْنَع من الدُّخُول وَالْخُرُوج وسلطنا والى اللجاج على واليها اللجوج فمني بمصاب المصابرة وَعرف انه لَا محيص من المحاصرة فَأرْسل بعد مُضِيّ بُرْهَة من
стр. 176
الْأَيَّام فِي الاسلام والاستسلام فتسلمناها بِمَا فِيهَا من أخاير الذَّخَائِر وأثرت من احساننا أحسن المآثر وعولنا فِي تولي نَصِيبين على حسام الدّين أبي الهيجاء السمين فتولاها تولي المكين الْأمين وَكُنَّا قد ولينا الخابور جما الدّين خوشترين
نُسْخَة فصل من منشور أنشأته لَهُ على حُرُوف المعجم بعد الْخطْبَة
أَوله الْحَمد لله المتعالي جَلَاله المتوالي افضاله الْقَدِيم كَمَاله العميم نواله نحمده حمد من اعتصمت بكرمه آماله وانتظمت بنعمه احواله ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا مُحَمَّد نبيه الَّذِي امتدت باشراق الْهدى وارهاق الضلال ظلاله وعَلى آله وَصَحبه الَّذين هم اعلام الْحق واركانه وأطواده وجباله وَبعد فانا لما نفترضه لله من شكر شَامِل النعماء والمتوالي المتواصل الثَّنَاء من الالاء والتحدث بِمَا أتمه علينا من النعم والمواهب وانجحه لنا بفضله من المطالب وافاضه من سِجَال المكرمات واصفاه من رِدَاء المبرات المبرات مَا نزال نستزيل بِمَا نستزيده من طوارف الطافه طوارق الْأَحْدَاث ونستهل مَا يحصل من التَّوْفِيق حزون الاوعار والاوعاث ونستفتح بتأييده فِي النَّصْر كل رتاج ونستوضح بارشاده فِي طلب النَّفْع وَدفع الضّر كل منهاج ونقدم من أُمَرَاء دولتنا كل مصافح للصفاح وكل أسل باسه يهْزم العدى قبل الكفاح وكل أَبْلَج سامي الهمة أبلخ وكل أَشمّ ماضي العزمة أشمخ
وَهَذَا جمال الدّين أيده الله ذُو الْبَأْس الشَّديد وَالْبَيْت المهيد والعزيمة الْمَعْرُوفَة بالمضاء والنفاذ والنهضة الَّتِي لم تزل فِي مقارعة أَعدَاء الله دائمة الاغذاذ والمخالصة الثَّابِتَة على الاستقراء والاستمرار والمناصحة الناصعة المشرقة الانوار والاعتزاء إِلَى الْخدمَة القاضية لَهُ بالاعتزاز والانتماء إِلَى الْعُبُودِيَّة الشافعة وعد النجاح النجاز وَهُوَ
стр. 177
الْأَثِير الأثيل الأساس والكمي الكميش ذُو الشدَّة والبأس وَالْقَوِي الضافي الرياش والجريء الرابط الجأش وَقد اصطفيناه وأصفينا لَهُ مشارع الِاخْتِصَاص وأضفينا عَلَيْهِ مدارع الاخلاص وأفضنا عَلَيْهِ ملبس الاكرام الفضفاض وأغزرنا لريه مورد الْأَنْعَام الْفَيَّاض وأجزلنا لَهُ النِّعْمَة لكَونه لَهَا بالشكر مرتبطا وأفضلنا عَلَيْهِ بالمزيد ليصير بامداده مغتبطا وحفظنا فِيهِ الْحُقُوق لكَونه من ذَوي الْحفاظ ورضينا مقاصده فِي غيظ الْأَعْدَاء بالاحفاظ ووفرنا لَهُ حفظ الاصطفاء والاصطناع وأظهرنا فضل مكانته فِي الْمَعيشَة والاقطاع وقرنا الموهبة فِي حَقه بالسبوغ وأدنينا لأمله فِيهِ صنائعنا أمد الْبلُوغ ورفعنا لَهُ الفوارع من العوارف وأكدنا توالد النعم عِنْده بالطوارف لتصبح مطالع احواله الخوالي مشرقة واشتات مَصَالِحه وَأَسْبَاب مناجحة متألفة متألقه وَيَده لذخائر أعراضه فِي السَّعَادَة متملكة وَالنعْمَة إِلَيْهِ لسكونها بفنائه متحركة والموهبة لَهُ شَامِلَة والْمنَّة عَلَيْهِ كَامِلَة والمنائح منا نَحوه متواترة الامداد متوافرة الْأَقْسَام وَالرَّغْبَة فِي رفع قدره وَأَسْمَاء ذكره نَافِذَة الْحُكَّام مستمرة الْأَيَّام وَقد أجرينا لَهُ من الْوَظَائِف والاحسان مَا يُوضح ذكره من الدِّيوَان
ذكر الْوُصُول إِلَى الْموصل وَالنُّزُول عَلَيْهَا
وَلما توفر نصيبنا بنصيبين واجتلينا من مشرق الظفر النَّصْر الْمُبين وَكَانَت الحشود مجتمعة والوفود مزدحمة والعقود منتظمة والسعود ملتئمة والجحافل حافلة والعواسل عاسلة وذوائب الذوابل منشورة وعوالم العوامل محشورة والصواهل الصوافن للالجام والاسراج والضوامر الضوامن للاقدام فِي الْهياج والمداكي الْجِيَاد والصلادم الصلاد وجراد الجرد الْمُرْسلَة على منابت الْهَام وحمام المريشات الطائرة
стр. 178
بكتب الْحمام وطيور السِّهَام النافذة إِلَى أوكار الابصار ونسور الحوامي الناهضة بمثار العثار وعقبان البنود فِي المطار وسيدان الْجنُود للغوار وسراحين السراح واكفاء الكفاح ولدات اللدان والمتنمرون المتمرنون بالمران والحمس المساعير والأسد المغافير والمقرنات المقرونات والمسرجات والسربجيات وَالْبيض واليلب وَالْبيض والقضب والسمر السَّلب والجيش اللجب والشأن الْعجب وَالْجِبَال السائرة والنبال الطائرة وغدران الزعف وأقران الزَّحْف وجداول البواتر وجنادل الحوافر ورياح السوابق النكب وبحار السوابح القب
وقطعنا أَعمال بَين النهرين بأنهار متدفقة وأزهار متألقة وبحار طامية وهضاب سامية وهواضب ساجية وسحائب هاضبة فكسونا عرى العراء وأسونا جرح الاواء واثرنا غُبَار الغبراء وأدرنا صحاف الصفاح وأطرنا جنَاح النجاح وأزرناالرعية زور الرِّعَايَة وأمرنا بِالْعَدْلِ والاحسان فِي تِلْكَ الْولَايَة ثمَّ جزناها إِلَى أَعمال الْبقْعَة وتبوأ شاهنا بِتِلْكَ الرقعة ثمَّ سرنا إِلَى بلد وأشرفنا على دجلة الْعرَاق وأظهرت من فيض بحورنا الخجلة
وَكُنَّا أوردنا خَيْلنَا فِي أشهر من تِلْكَ السّنة نيل مصر والفرات ودجلة الْعرَاق وأهدينا بهدانا الْإِفَاقَة إِلَى الْآفَاق فأصغت الينا المسامع وصيغت منا الصَّنَائِع ومالت نحونا المطامع وسالت من خوفنا المدامع وتوافدت الجيوش واستأنست الوحوش وتواصلت الينا مقطعوا الْبِلَاد وترادفوا امدادا بعد الامداد فَفِي كل صباح يطلع
стр. 179
علينا من الدارعين صباح ويفوز لَهُم منا قداح وَيرى لَهُم من زناد أرعابنا وفْق الاقتراح اقتداح وَمن ثمَّ صممنا عزم الْوُصُول إِلَى الْموصل وبشرنا الصوادى بِقرب المنهل وأطرنا الأطواد برياحها الْأَرْبَع وسرنا اليها بِقصد المصيف والمربع وقربنا مِنْهَا فِي مراحل مُتَقَارِبَة وهواجل بالصدى متجاوبة وهوادى فِي الوهاد كأ نها آكام وضوارى من الاساد لَهَا من القنا آجام ومذاكي كَأَنَّهَا فِي الجري أرام وَفِي المروق سِهَام وعتاق لَهَا فِي المجال حلاب وعراب لَهَا بالتصهال اعراب وَقد رمدت بِمَا أثارته الْأسد عين الغزالة وبطشت من ليل الْعَجَاجَة بضوء النَّهَار يَد الْإِزَالَة وعادت تِلْكَ البرارى من مراكز رماحنا بساتين وَمن مراكض جيادنا ميادين فالليوث معتقلات ثعابين ممتطيات من السراحيب سراحين وَكَأَنَّهَا من لبس الْحَدِيد رياض بأيديها من القواضب قضب رياحين وأسراب الضمر اسرار ضمائر المضامير وجري المذكيات فِي غلائها يعاف ركض اليعافير وتجدد بِنَا مراح المراحل وامتلأت هوادج الهواجل وقضيت منا منى المناهل وَصحت فِينَا عقائد العقائل ووهت مقاعد المعاقل وزهيت بِأَيْدِينَا مناصب المناصل وتوفرت من فَوْقنَا أقساط القساطل وسفر لشوقنا فضاء الْفَضَائِل وكفلت بنصرنا ذَوَات الذوابل وحفلت ببرنا فواض الفواضل وَحسنت لهبوبنا شمائل الشَّمَائِل وعلت بوثوبنا افاضة الافاضل وهتنت سحبنا مواحي المواحل وسكنت بركوبنا نوازى النَّوَازِل وأقدمنا وكلنَا جحاف الجحافل فتاك بالقرن الْمقَاتل مَا ينهنهنا لواذع العواذل وَقد أغنتنا كَثْرَة النَّاصِر عَن اتِّخَاذ الخاذل فَلَمَّا قربنا من الْوُصُول كبرنا تَكْبِير من ظفر بالسؤل
стр. 180
وَتقدم السُّلْطَان فِي الْأُمَرَاء ذوى الآراء وَدَار حول السُّور وَعدم تحدب الحدباء وَعين لكل مقدم مقَاما وَلكُل مِقْدَام اقداما فَنزل هُوَ وَرَاء الْبَلَد وتقي الدّين شرقية بِأَهْل الْجلد وَأَخُوهُ تَاج الْمُلُوك بورى عِنْد بَاب الْعمادِيَّة ونسفنا الْجبَال برِيح بأسنا العادية العادية وضايقنا الاسوار أَشد مضايقة وعالفنا رحالنا أحد معالفة وقربنا الاسواء إِلَى الاسوار وأدرنا الدَّوَائِر بِالدَّار وسبكنا فِي نَار الْحَرْب تبر البتار وهتكنا بيد الايد أَسْتَار الْأَعْمَار وَصَاحب الْموصل حِينَئِذٍ اتابك عز الدّين سعود بن مودود بن زنكي وَهُوَ لمن عَتبه وشكا يعتب ويشكي وَتَوَلَّى نَائِبه مُجَاهِد الدّين قايماز حفظ الْبَلَد بِأَحْسَن تَدْبِير وتلقى كل مَا قابله من الْعسر بِوَجْه تيسير واستقبل العبوس بالبشر والبؤس بالنعمى واليسر وَشرح صَدره وروح سره وَكَانَ قد كَاتب الدِّيوَان الْعَزِيز للايعاز بإعزازه وإعانته على أعوازه وَله موعد إنْجَاح وإنجاد عِنْد الصاحب مجد الدّين فتقاضى بإنجازه
ذكر وُصُول رسل دَار الْخلَافَة للشفاعة ورد المواصلة بِالْمَصْلَحَةِ فِي الْمُصَالحَة الى الطَّاعَة
وَوصل الينا الْخَبَر بِأَن رسل دَار الْخلَافَة واصلون وَفِي أَمر الْموصل شافعون
следующие страницы →