Полный текст (324 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من أَوْلَاد ابْن أبي حَصِينَة وَقد ورث نظم القريض من جده وَقد روج فِي جود سوق السُّلْطَان قصائده بِقَصْدِهِ فَلَمَّا توفّي الْمَذْكُور قصدني واسترفدني استرشدني فَقلت للسُّلْطَان لَو أَن نجم الدّين بن مصال حَيا وشفع إِلَيْك فِي رزق مسحق أَو عتق من رق أما كنت تقبله فَقَالَ بلَى فَقلت فَأقبل الْيَوْم شَفَاعَته وَهُوَ فِي دَار البلى ثمَّ ذكرت لَهُ ابْن أبي حَصِينَة ومواته المتينة وحرماته المبينة وصداقته النجمية ومنزلته المحمية فضاعف أدراره وأذهب عَن أقتاره وسوغ لَهُ دَاره
ذكر الظفر بخيل وَرجل للفرنج أغارت على بلد حماة فِي الْعشْر الأول من شهر ربيع الآخر
كَانَ مُتَوَلِّي عَسْكَر حماة الْمِقْدَام الْمُقدم الْهمام الْأسد الضرغام الْفَارِس القمقام الْأَمِير ناصرالدين منكورس بن الْأَمِير خمارتكين صَاحب حصن بوقبيس وَهُوَ شَدِيد الحزم سديد السهْم حَدِيد الْفَهم هزبري الربوض عنتري النهوض ليثي النهمة غيثي الرهمة ماضي الصرامة مضيء الشهامة سخي نخي تَقِيّ نقي ذمرسي مشيح لدم الْكفْر مُبِيح وَمن شَرّ الشّرك مريح وبحكم النَّصْر بعزمه متيح حَرِيص على الْعَلَاء الصَّرِيح مجد فِي كسر الْعَدو بالعدو الصَّحِيح سريع إِلَى الصَّرِيخ بِالْقَلْبِ اليقظ والعزم المصيخ
وَكَانَت طَائِفَة من الفرنج وَمن انْضَمَّ إِلَيْهَا من الذعار وتبعهم من ذؤبان الْكفَّار قد ألهبوا الْأَعْمَال بنارهم وأرهبوها بغوارهم جمعهم مرهوب وجمرهم مشبوب وَلكم أحرقوا وأرهقوا وأغرقوا وأزهقوا وأغاروا على غرَّة وامتاروا مرّة بعد مرّة شرار من النَّار كشرارها طائرة فجرة بدوائر السوء فِي الديار دَائِرَة يَبْتَغُونَ ويسحتون ويقيمون وَلَا يتشتتون كم صدرُوا وَبَاتُوا ورصدوا وفاتوا فَلهم عُيُون تجس وظنون تحس وظلاله تدلهم ولاله تضلهم وغواية تغريهم وعياية تخفيهم وجرأة تنهضهم ونهضة
стр. 107
تجريهم وجسارة تؤتيهم وذعارة تحزبهم وقلق يثبتهم وثبا يقلقهم وحنق يحدهم وحدة تحنقهم وَقد تذوقوا تطعموا وَكلما تلفقوا تسرعوا وَكَانَت بحماة مَعَ نَاصِر الدّين منكورس عدَّة مَعْدُودَة لَا تبلغ مائَة وَلَا تَجِد لاتجادها عَلَيْهَا فِئَة فَعرف الْقَوْم أَن أَعمال حماة قد بقيت شاغرة فصوبت أَفْوَاه غاراتها لالتقامها فاغرة ونهضوا فِي جمع جم ودهم مدلهم فَخرج غليهم نَاصِر الدي نمنكورس فِي عدته وتوكل على الله وكدمهم بضرسه وضغمهم بفرسه وأوحشهم بأنسه وعضهم بعضبه وخبطهم بخطبه وعرضهم على حُدُود الأشافي وَرَمَاهُمْ من نَفسه بثالثة الأثافي وَأخذ عَلَيْهِم المضائق وَصوب إِلَيْهِم البوائق فوقعوا فيفخاخه وفنيت بياذقهم برخاخه فسفك دِمَاؤُهُمْ على الوهاد والربى وسلكهم فِي خدمَة الحومة بنيران الظبى وَأسر المقدمين وأفنى بِسَفَه البَاقِينَ
وَلما فرغ من شغلهمْ وَعز الْإِسْلَام بذلهم وَعَاشَتْ الْأَعْمَال والديار عمرت وَأمنت بأسرهم وقتلهم وَعم الْأَمْن وَتمّ الْيمن وقرت بِفَارِس الْإِسْلَام الْأَعْين وأقرت ببأسه وبسالته الألسن جَاءَ إِلَى الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بِظَاهِر حمص بمنقبة مُسْتقِلّا وبنهضته مدلا وَلِحَدِيث حادثه مملا وَفِي خطاب خطبه مدقا مجلا
وسَاق أُولَئِكَ الْأُسَارَى والأغلال فِي أَعْنَاقهم والآجال آخذة برماقهم فَركب السُّلْطَان فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر من شهر ربيع الآخر وَمَاجَتْ عساكره فِي موكب كالبحر الزاخر ووفق رَاكِبًا ووقفنا راكبين ولغير مَا يَأْمُرنَا بِهِ ناكبين فَحَضَرَ الْأَمِير منكورس وترجل ولثم الأَرْض وَقبل تقدم وصافح السُّلْطَان ولثم يَمِينه بعد أعفر بقدم جَبينه ثمَّ أحضر أُسَارَى من الفرنج وَالنَّصَارَى كَأَنَّهُمْ سكارى وَمَا هم بسكارى مشدودين فِي الحبال ممدودين بالخبال معروضين على الردى مقبوضين من العدى ببسط ايدي الْهدى فَأمر بِفَتْح أغلاقهم وَضرب أَعْنَاقهم وَأَن يتَوَلَّى ذَلِك أهل
стр. 108
التقى وَالدّين من الْحَاضِرين وَأَن يكون هَلَاك الْمُشْركين بأيدي الموحدينفأعنق امامهالضياء الطَّبَرِيّ إِلَى بَرى عنق وزهقت علاقه بازهاق علق وفجر من الْفَاجِر ورد الوريد وأدر مُرَاده بارواء المريد وَكَانَ الإِمَام فِي هَذِه الصَّلَاة الجهادية اماما وأزار الْمُقدم الهاتك حمى حماة حَماما ثمَّ تلاه الشَّيْخ سُلَيْمَان الرِّبَوِيّ المغربي وَكَانَ هماما مقداما وتلاه أخرون كرام وَلَكنهُمْ لم يرَوا أَن يَكُونُوا على أهل الشّرك كراما وَكَانَ الْأَمِير آقطغان بن ياروق حَاضرا وَهُوَ من أكَابِر الْأُمَرَاء الياروقية وَقد أخرجته نَار كير الْجِهَاد فِي غَزَوَاته كالسبيكة النقية وَهُوَ ذُو السِّيرَة العفيفة الزكية والسيرة التقية فتقرب إِلَى الله بِضَرْب رَقَبَة أحد أعدائه رَجَاء أَن يعده فِي أوليائه
وجائني فِي تِلْكَ الْحَالة رَسُول من السُّلْطَان يدعوني فَظَنَنْت أَنه لمهم لَا يَكْفِيهِ غَيْرِي وَلَا ينْفَرد بِهِ دوني وَلما أجتبه أصبته وَهُوَ يَقُول جرد سَيْفك لهَذَا الْكَافِر وَخذ بِهِ مَا يشْتَمل عل ى سَمعه وبصره وَحل حباك حبا لله وَلَا تقصر فِي نجل قصره فَقلت أَنا للقلم وسوفي بالمداد وَلَا أزاحم السيوف وأنشر الْفتُوح وَلَا أنشئ الحتوف وَلَكِن هَب لي ذَلِك الصَّغِير لأملك رقّه وغيري يَنُوب عين فِي ذَلِك الْأَسير وَيضْرب عُنُقه فَتَبَسَّمَ فعاينت من الضحوك الْقِتَال وأقالني وَأجَاب فِي النوال السُّؤَال وَقَالَ هَذَا الصَّغِير نستفك بِهِ من الْمُسلمين أَسِيرًا وَنهب لَك من سبي الأسطول بِمصْر مَمْلُوكا كَمَا تُؤثر أثيرا فانتهزت الفرصة وأحرزت الْحصَّة وسلكت فِي النجح نهجي وأحضرت دواتي ودرجي واستعنت بالأمير عضد الدّين مرهف بن مؤيد الدولة أُسَامَة بني منقذ حَيْثُ رَأَيْته أكْرم النَّاس فَكتب لي توقيعا بِمُقْتَضى الالتماس وَأخذت فِيهِ عَلامَة السُّلْطَان وشكرته على السُّلْطَان
стр. 109
وَلما نزلت حررت إِلَى الْمولى الْأَجَل الفاض رِسَالَة فِي الْمَعْنى واستمدت على عادتي مِنْهُ الْحسنى ووصفت الْمَمْلُوك الْمَطْلُوب والغلام المخطوب بأوصاف يتَعَذَّر وجودهَا وَلَا يَفِي بإحضاره يَد عارفة الدَّهْر وجودهَا فسير إِلَيّ فِي جوابها مائَة دِينَار مصرية عَن الْمَمْلُوك عوضا وَقَالَ رَأَيْت تَحْصِيل غرضك مفترضا وَالرَّقِيق الَّذِي أحضر الأسطول مَا فِيهِ مَا يُوَافقهُ مِنْك الْقبُول أجودهم يُسَاوِي عشْرين دِينَارا وَمَا رَأَيْت ذَلِك لَك مُخْتَارًا وَقد أخذت من الدِّيوَان على الْمَمْلُوك خمسين وَمن الخزانة العادلية ثَلَاثِينَ وَمن خاصتي عشْرين فأثمر قلمي بِمَا عف عَنهُ السَّيْف وَمَا ضيعت اللَّبن لما جَاءَ الصَّيف وَلَو أرقت الْأَحْمَر مَا راقني الْأَحْمَر وَطلقت الباتر فأنجب الْقَلَم الأبتر وَإِنَّمَا أَعرَضت عَن ذَلِك مَخَافَة أَن يضْحك مني فِي ذَلِك الْجمع كَمَا ضحكوا من البَاقِينَ وَكُنَّا مِنْهُم بَين الْبَصَر والسمع
نُسْخَة فصل من كتابي إِلَى الْمولى الْأَجَل فِي طلب الْمَمْلُوك
يُنْهِي الْمَمْلُوك أَن مَالك الْأَمر أَمر لَهُ بمملوك مَقْبُول وَوَقع بِهِ عَليّ سبي الأسطول وَسبب ذَلِك أَنه أره أَن يضْرب رَقَبَة أفرنجي يَوْم قيدت الأساري من حماة فَقَالَ هَذَا أَوَان كَانَ عبَادَة لفاعلها الْحسنى وَزِيَادَة لكنني غير مُتَعَيّن لَهَا وَلَا أَنا معني بهَا فَدَعْنِي لمشق الصحائف وَلَا تدعني لمشق الصفائح وَأَنا لَا أَمر خلف الصائح وأمري خلف الفصائح وَلَا أقلم ظفرا وظفري بالقلم وَأسر بِالْعلمِ وَلَا أَسِير فِي الْعلم وأوثر الْأَحْيَاء لَا الإماتة وأورث الإفادة لَا الإفاتة وأقتل الذَّم لَا الذمر وأبذل الجم لَا الْجَمْر وأفك الرّقاب لَا أضربها وأكف الْعقَاب وَلَا أقربها واستخدم السيوف وَلَا أقربها وَأَرْفَع السقوف وَلَا أهدمها وأفتي واتجافى وَلَا أجنف وأديم الرقة وَلَا أريق الدَّم وَأكْرم الْوُجُود وأكره الْعَدَم وأدواي الأوداء وَلَا أدوي الْأَعْدَاء وَلم يجر هَذَا كُله وَلَا بعضه وَإِنَّمَا بدا من السُّلْطَان رفضه ومني رفضه وَكَانَ من الْأَمر أَن الإِمَام بدر أَمَام العساكر وَقَالَ أَنا أضْرب رَقَبَة هَذَا الْكَافِر فَضرب وَلم يثن وَمَا أضْرب من لم يثن ثمَّ خرج سُلَيْمَان المغربي صَاحب جرديك حاسرا للكمين مجدا بالجدة ماضي الحدين فخطا إِلَى آخر أخطأه حَتَّى خر والمملوك وَاقِف لَا ناقف وَشَاهد لَا شاهر وعائر
стр. 110
قائر وَلَا باقر وسال وَلَا سَالَ وفصال وَلَا نصال فَقيل لَهُ إفعل على موافقتهما وَوَافَقَهُمَا على فعلَيْهِمَا فشنف وأنف وَعز وعزف وَصد وصدف وابى إِلَّا الأباء ونيا أَن يهد الْبناء واستجهل الشُّرَكَاء وَلم يُشْرك الجهلاء وَضربت رِقَاب سِتَّة مَا فيهم إِلَّا من تشاهد لينجو فَمَا نجا وتلفظ بِالْكَلِمَةِ فرجا فرجا وَكَانَ فِي الأسراء صَغِير صاغر بَين الأقوام قد حماه سنه الغض من عض سنّ الْحمام فَقَالَ الْمَمْلُوك للْملك هَب لي هَذَا أربيه وَلَا تهب بِي إِلَيّ ذَاك أبريه فوهبه لصَاحب أَسِير وأحال الْمَمْلُوك على سبي الأسطول بصغير وَمَا فِي التوقيع تعويق بل لسهم النجح بِتَوْفِيق سَهْمه تفويق والمأمول من الْمولى أَن يصطفي لمملوكه الَّذِي اصطفاه مَمْلُوكا فِي قالب الْقُلُوب للقبول مسبوكا يتوقى زكاء وتوقد ذكاء مِثْلَمَا مثله الْمِثَال الشريف فِي سناه وسنه وفننه وفنه رومي الْجِنْس نَارِي الْحسن يحمل الدواة ويمسك المداس ويعاف للعفاف من أدنى النَّاس الأدناس وَلَعَلَّ الْمولى يَقُول هَذَا لَا يُوجد فَيُؤْخَذ وَلَا ينفذ فِي تَحْصِيله إِلَّا فَينفذ وَقد أنبأ الْمَمْلُوك عَن مناه والمنى تزيد وتنقص وَإِنَّمَا الْمَطْلُوب أخْلص الَّذِي يخلص ويتركه الْمولى إِذا أَخذه مَعَ مماليكه يحمل عَن الْمَمْلُوك هم نَفَقَته وَكسوته إِلَى أَن يصل إِلَى الْمقَام الْأَشْرَف ويمثل بخدمته وَمَتى حصل الْمَمْلُوك للمملوك بَان سر تَمْيِيزه وَأمن على جراميزه وَلَقَد صدق قَصده وَمَا شرد رشده ونجح أمله وَمَا جنح عمله وَالشُّكْر شركه وَالْحَمْد نُسكه وَالدُّعَاء فِي وسع سَعْيه وَالْوَلَاء ولي هدي هَدْيه وَلَا زَالَ الْمولى وحر الْحَمد من سبي سيبه وَذُو الْفضل مبر فِي الزَّمَان ببره بري من ريبه
عَاد الحَدِيث
وعاود السُّلْطَان ذكر بعلبك وتمنعها وأحس من أفكارها بتورعها وأشفق عَلَيْهَا وأزمع أَن يسير إِلَيْهَا
ذكر الخريف وَوصف فَصله
وَدخل فصل الخريف ومالت الطباع إِلَى التحريف وأصفرت الأوراق وأغبرت الْآفَاق وَفصل فصل الخريف خريف صف الصَّيف وَطَاف بِطرف كل طرف طيف الْخيف والغزالة لما نفرت من الْأسد واستوعبت رعي السنبلة قنصتها صَاحِبَة الْمِيزَان دون السماك فِي أول الْمنزلَة وغفرها ربرب الغفر ليتوجها بالإكليل وتنزل الْقلب
стр. 111
وأضب بحجابها الضباب فَفرض لفرضها الْحجب بل وَقع دِينَار الشَّمْس فِي ميزَان السَّمَاء لمشتريها وَفَارَقت بَيت عُطَارِد فَهُوَ للإحتراق بهَا تَالِيهَا وتلقتها الزهرة فِي بَيتهَا وأشعلت سراجها بزيتها فَهِيَ منصرفة عَنْهَا إِلَى بَاب دَار المريخ للأستعداء على الزَّمَان العادي بِصَرِيح الصَّرِيح فقد تشاجرت عواصي العواصف مَعَ الْأَشْجَار وَأَلْقَتْ حواملها أجنة الأثمار وناح الهزار على الأزهار وباح نفس الجو العليل بالأسرار وسافرت الأطيار وكارت الْأَسْفَار ونشا النشاص وَربا الربَاب وسحب ذيل نيله السَّحَاب وسفر محيا الْحيَاء من قناع الْفَزع وغاض القيظ من الغيظ وعزف للفزع وَقبض روحه المنتزع وطلت الديمة دم طلها وشردت الأفناء الْأَحْيَاء من أفياء ظلها وارتجت الأَرْض وارتجزت السَّمَاء وعوى لمكاس السماك العواء وارتعد الثرى من ثرة الرغد وَفَاء الزَّمَان فِي الإعتدال وَلَكِن الإعتداء بالوعد وطفقت ليَالِي تشرين تشري مَا انتثر من لآلئ أيلول وابتدى الندى بَطل الطلول ودق الودق تُرَاب التُّرَاب وطردت طرائد القطار فِي الأقطار أسراب السراب وَآل لآل إِلَى لآلاء وتنادى بالأندية تنادي الأنداء وَقد أجد الجو من الجوى وَضحك الْبَرْق مِنْهُ فِي الْبكاء وَتغَير الْهَوَاء لتغير الْأَهْوَاء وابتدأت مُجْتَمع أشتات الشتَاء وتنكرت معارف الأشياع والأشياء وخزنت الْفَوَاكِه وقرنت الشواكه وتشابهت المجاهل وجهلت المشابه وذكت البراري وبركت الصحارى وراحت الرياحين ويبست الْبَسَاتِين وعاودت مساكنها الْمَسَاكِين وجدت العراجين وأعدت الكوانين للكوانين وتجدد للجديدين فِي منهاج انهاجا فِي الْميل الاسْتوَاء وتنحلت الْأَنْوَار وتنحلت النواء ووصلت النَّار وهجر المَاء وفطقت المشاتي وَطلب الْمُوَافق المواتي وَجمع الفحم وَحمل الشَّحْم وهربت الْحَرَارَة وغلبت المرارة واستشعرت النُّفُوس فِي أمزجتها فأبقت كل طبيعة بمداواتها على درجتها وَاعْتمد كل من كُله مَا يَلِيق بِفضل فَصله وكل مَا عقده الهجير الهاجر وَفِي الخريف الواقد بحله واجتيبت الْحباب وحبيت الْحباب ودفيت القباب وتوارد فِي التزوار فِي الأوطان لمحاب الأوطار الأحباب ومالت كل نفس إِلَى الرَّاحَة وحض كل حظر فِي حَظّ على الإستباحة ودعت دعتها الْأَنْفس النفائس والهوى جس الْهَاء فجاست الهواجس وَطَالَ ليل السَّلِيم وغال غرام الْكَرِيم وَنفذ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم ولذ مطاب المطابخ فِي مطال الْمطَالع وناب الْجُود السلطاني مناب الْجُود النابع واقتصيت مبار
стр. 112
المرابع واقتفيت مناقد الْمَنَافِع وانقضى عصر الْبِطِّيخ وَجَاء عرف الطبيخ وَعرف الطريخ وَأَوَان التشريح والتسريح وَمر زمَان الإجتناء وَاسْتمرّ أبان الاجتنان وَمَا اكتنى الْوَاجِد الا بواجد الاكتنان ورعي الهشيم وروعي المشيم وشيم البارق وسيم الشارق وليم المفارق واستديم الْمرَافِق وأمتعت اللَّيَالِي بأسمارها وأقمارها وأسرعت المذاكي فِي إجرائها لمضمارها وراقت بجالي الأطباق وشاقت مجالي الْأَخْلَاق وتقوضت مباني البروق وتعوضت بمغاني الْبيُوت وَدنت مناقلة المناقل وتناثر خلال خَال الْهَوَاء طل الهواطل
ذكر الرحيل إِلَى بعلبك
وَقَالَ الْأُمَرَاء للسُّلْطَان هَذَا أَوَان الإنصراف وَوقت الإنحراف وَقد قضينا حق الْمقَام وَأمنا على ثغور الْإِسْلَام وتسددت بِنَا مرامي المرام فَقَالَ قد بقيت فِي النَّفس حَاجَة بعلبك نقضيها وعزمتنا فِي تلسمها نمضيها فَإِن المتحصن بهَا من متخوف متعزف فنحضره ونحصره ونهديه ونبصره ونعظه ونوقظه ونحفظه بحمدنا وَلَا نَحْفَظهُ وَإِن أهملنا أمره أَو أمرنَا بإهماله لم نَأْمَن من ضيق مجَال احْتِمَاله ويحمله تخيله على تحيله ويشرع فِي توسله بتسوله وَرُبمَا أطمع الفرنج فِي الثغر وأفضى سر الشَّرّ إِلَى الْجَهْر على أَن حق ابْن الْمُقدم مقدم وَلَا شكّ أَنه متندم لكنه يحملهُ اللجاج على مَا لَا يَصح بِهِ الْمِنْهَاج وَدينه قوي ويقينه رُوِيَ وَلَعَلَّه لَا يحوجنا إِلَى المطاولة وَلَا يحرجنا بالمماطلة وَلَا يزعجنا ويخرجنا إِلَى المنازلة
فسرنا على طَرِيق الزِّرَاعَة لقصد حصد زرع الْخلاف ورد من يكدر بظُلْم نَفسه إِن صفا إِلَى الْإِنْصَاف واعادة الْمُنكر العادي إِلَى الِاعْتِذَار وَالِاعْتِرَاف وَجِئْنَا وراسلناه بالاستعطاف والاستسعاف وداريناه لشيخوخته كالأطفال بالألطاف وَكَانَ نزولنا بِظَاهِر بعلبك على رَأس عينهَا وطالبتها العزائم لمتقتضى دينهَا بدينها وطالت
стр. 113
الْإِقَامَة عَلَيْهَا أشهرا وأدلج الْمَذْكُور فِي ليل لجاجه فَلم يبد فِي سفارة مِنْهُ واليه صبحا مُسْفِرًا وَنحن نشفق من نزاله وَلَا نصدق فِي قِتَاله ونرفق بِهِ على عنفه فِي أَحْوَاله فَتَارَة نخوفه فيتجلد وَتارَة نرغبه فَلَا يُجيب بل يتبلد
ذكر دُخُول الشتَاء وَدخل الشتَاء وَاشْتَدَّ الْبرد وَبلغ الْجد وَفرغ الْجهد وَوَقع الثَّلج وَعمي النهج وامتلأ بِهِ ذَلِك المرج وأصبحنا وصباحنا أَبيض وجناحنا لَا ينْهض وَالْعُرُوق لَا تنبض والبروق لَا تُومِضْ والخيام لجمودها واقفة على غير عمودها والنيران مقرورة وشباة الجليد مطرورة والزناد كابية والأجناد آبية وَالْوُجُوه فِي عبوس والوجود فِي بوس وَنحن كأننا فِي خيمنا فِي حبوس وَقد جمدنا كأننا بِلَا نفوس فلبدنا على الْمضَارب اللباد وَكُنَّا فِي الأكنان حول الكوانين كأنا فِي صوامع الْعباد نطري أفلاذ الأكباد فعلى الماقل فِي الشيشات شرائح وللإقتراحات على الطهاة قرائح ولأسرار الْملك من صدورنا صرائح وللسلطان فِي كل بكور ركُوب إِلَى الصَّيْد وَله طرائد وطرائح وَقد طلنا بِطُولِهِ وفضلنا بفضله وابتذلنا الْغنى ببذله واهتدينا بهداه وَمَا ضللنا فِي ظله وَاجْتمعَ شَمل عزنا بِجمع شَمله ونحتفل بحفله ونعقد بحله وَنحل بحله فَمَا ألذها شتوة وأطيبها حظوة وأسوغها لهنة ولهوة وأهنأها نوبَة لم نر لَهَا نبوة واصحها إِلَى كرمة غَزْوَة وأوثقها بعصمه عُرْوَة فَكَأَنَّهَا كَانَت غفوة لم تذكر للدهر لَوْلَا انقضاؤها هفوة وهيهات أَن نرى بعده فِي طيب عيشتها عَشِيَّة أَو غدْوَة وامتدت بِنَا تِلْكَ الْحَالة وملأت خواطرنا للأخطار الملالة وأفضت بِنَا إِلَى الشَّام الإطالة وَطلبت من التَّغَيُّر بالتضجر الاستقالة
فصل فِي الْمَعْنى من مُكَاتبَة أنشأتها عَن السُّلْطَان إِلَى الرَّسُول بِبَغْدَاد
أصدرناها من المخيم الْمَنْصُور على بعلبك وألطاف الله جمة واسباب التَّوْفِيق مستتبة مستتمة وَلَيْسَ لنا شاغل قد صدنَا عَن الْجِهَاد وَضرب على وُجُوه السداد بالأسداد إِلَّا ابْن الْمُقدم فَإنَّا استشعرنا مِنْهُ مراسلة الفرنج فِيمَا لَا يبلغونه من أُمُور
стр. 114
بَعْضهَا تطير الرؤس دونه وَلَو أننا نؤثر مضاجرته حَتَّى نتسلم مِنْهُ القلعة كَيفَ أحْوج ونجتهد أَن لَا يكون فِي الْإِسْلَام دم مضرج لَكنا قد استنزلناه عنْوَة وجعلناه لأمثالة عِبْرَة لَكنا نحلم وَهُوَ يجهل ونسهل وَهُوَ لَا يسهل وَلأَجل ناموس الثغر الْمَحْفُوظ وَأمر احتياطه الملحوظ نسلك أسلم الطَّرِيقَيْنِ وأهون الخطتين وَنَصْبِر إِلَى أَن نبصر كَيفَ تكون عَاقِبَة عُقُوبَته وَكَيف ينقاد للين زِمَام صعوبته وَقد علم الله سُبْحَانَهُ قصدنا وَعرف أَن غرضنا إعلاء منار الدّين لتَكون كلمة الله الْعليا وَالسَّعْي فِيمَا هُوَ أَنْفَع لنا فِي الدّين وَالدُّنْيَا
فصل مِنْهُ فِي الشكوى من مُلُوك الزَّمَان وذم عاداتهم
كلما عزمنا على خير عرضت فِي طرقه الطوارق وعاقت دونه الْعَوَائِق وَاعْترض نهجه اخوان الشَّيَاطِين وعاثت فِي سرحه اشباه السراحين ونلقى ضد مَا هُوَ الْوَاجِب من وَفَاء الْمُلُوك ووفاء السلاطين وَقد لينًا من الْمُسلمين بِمَا لَا نصفه من رفضهم أَمر الدّين وإغماضهم دون مصالحة واعتراضهم مناهج مناجحه فليتهم إِذْ فرغوا للذاتهم ومعاشرة لداتهم ومباشرة شهواتهم ومراضعة اخلاف لهوهم ومضارعة أحلاف رهوهم ومخادعة أطماعهم ومضاجعة طباعهم ومبايعة دنهم بدينهم ومتابعة الشَّك بمخالفة يقينهم لم يَكُونُوا للخير مانعين وللشر تابعين مانحين وَلَا لزناد الْفِتَن مقتدحين وَلَا فِي سَبِيل الله قادحين فَإِنَّهُم مَعَ ابدائهم صفحة الصُّلْح وَوجه الصّلاح وإعطائهم المواثيق على اقتران النجح مِنْهُم بالاقتراح لَا تَنْقَطِع رسلهم عَن الفرنج والحشيشية وَلَا حثهم أياهم على الأذية ويوقظونهم لكل مخزية ونهضونهم لكل مزية ويعدونهم ويمنونهم غرُورًا ويريدون أَن يطفئوا لله نورا فَإِذا جَنبُوا شجعوهم وَإِن جَنبُوا رجعوهم وَإِن قعدوا أنهضوهم وَإِن رقدوا أيقظوهم وَإِن رهبوا رغبوهم وَإِن بعدوا قربوهم وهم يدلونهم على العورات ويجرونهم على المضرات ويبصرونهم بالسوءات وَالله سُبْحَانَهُ بالمرصاد ومذيل من الأضداد
فصل أنشأته عَن السُّلْطَان بحمص فِي كتاب إِلَى ظهير الدّين بن الْعَطَّار صَاحب المخزن بِبَغْدَاد عِنْد انفاذه عسكرا إِلَى بعلبك عِنْد تمنع من ببعلبك من الْحُضُور
قد نهد وليه إِلَى ثغر حمص حماه اله حاميا وخيم على العَاصِي إِلَى طَاعَة الله فِي الْغَزْو متراميا وَأما الفرنج فَإِنَّهُم جمعُوا وجندوا وَنَادَوْا وحشروا وحشدوا واجتمعوا فِي مركزهم الْقَرِيب من هَذَا الثغر خَائِفين من بِدَارِنَا الْخَوْف بدارهم مترقبين كل سَاعَة
стр. 115
من غوار الْعَسْكَر الإسلامي مَا يُؤذن ببوارهم وَقد نثلت منا كنائنها الْآفَاق بكماة أمضى فِي الروع من السِّهَام ولهام لَا يلهو إِلَّا بِضَرْب الْهَام وَمَا جرأ الْعَدو على الْإِقْدَام إِلَّا مَا جرى من ابْن الْمُقدم فِي تَأَخره عَن الْخدمَة ونقضه مبرم الطَّاعَة ورفضه حق التباعة ووقوعه فِي ورطة الشنآن بقعقعة لشنآن الشناعة فقد طمع فِي بعلبك وَظن أَنَّهَا مانعته وَجمع أوباشا من الْجُهَّال جماعتها عِنْد أسفار الْعَاقِبَة عَن الْعقُوبَة مانعته فَرَأى وليه قصد هَذَا الطّرف لتَكون العساكر الإسلامية سادة مسالك الْكفَّار صادة لَهَا عَن قصد الديار وسير عسكرا إِلَى بعلبك يحفظ غلاتها ويلحظ حالاتها وَيمْنَع أطرافها ويمنح بالأمن أكنافها حَتَّى تحتوي الْأَيْدِي على ارتفاعها ويحتوي التَّعَدِّي على ضياعها ويرعى رعيتها كلأ الكلاية وَالرِّعَايَة وتقصر عَن تنَاولهَا يَد المتطوال بالغواية وعساكر الْإِسْلَام بِحَمْد الله قَوِيَّة وآثار النَّصْر عَن سراياها مأثورة وطلائعها فِي الْبر وَالْبَحْر منصورة
ذكر مكرمَة للسُّلْطَان
كتب إِلَيْهِ النواب بِدِمَشْق أَن الْأَمْوَال ضائعة وَأَن الأطماع فِيهَا راتعة وَأَنه لم يبْق الْجُود مَجْمُوع موجودها وطرق الجزر إِلَى ممدودها وَأَنَّهَا لم تفضل عَن الرَّوَاتِب الدارة وفر لوفودها وانا عِنْد الِاحْتِيَاج الى كف ملم وكفاية مُهِمّ لَا نجد مَا ننفقه وَلَا نقدر على جمع مَا نفرقه وَأَن فِي أَرْبَاب الصَّدقَات أَغْنِيَاء لَا يستحقونها وَمَا لَهُم رَقَبَة من الله يتقونها وَأَن أَرْبَاب العنايات استوعبوها وَإِذا ذكرنَا لَهُم الْمصَالح والأوامر بهَا مَا صدقوها بل كذبوها وَأَن الْمصلحَة تَقْتَضِي أَفْرَاد جِهَات لما يسنح من مهمات فَأَمرهمْ فِي كِتَابه بكتب مُؤَامَرَة ووقوف الْعَمَل فِيهَا على مُشَاورَة فَجَاءَت مطالعة مكملة بالأسماء مفصلة وَظن الْوَاصِل بهَا أَنَّهَا تقطع رواتب وَتحرم مواهب فَقَالَ لي السُّلْطَان قربهَا إِلَيّ وأقرأها عَليّ فَبَدَأت بِذكر أَرْبَاب الصَّدقَات وقدمت ذكر جهتهم على الْجِهَات وَكنت مبلغ أحد عشر ألف دِينَار وَمِائَتَيْنِ مبينَة بأسماء الْمُسْتَحقّين فَقلت أحد عشر ألف دِينَار للصدقات فِي مثل دمشق هَذَا قَلِيل وَالعطَاء
стр. 116
بِحَمْد الله جزيل والصنع جميل فَقَالَ اكْتُبْ عَلَيْهَا بالإمضاء وَلَا تكدر على ذَوي الآمال موارد الْعَطاء فَقلت أما أتلو عَلَيْك بَقِيَّة الْأَسْمَاء فَقَالَ لَا بل نزهنى عَن هَذِه الْأَشْيَاء فَبَقيت تِلْكَ الرسوم دارة والآمال بهَا سارة بل تضاعفت على السنين أضعافا واستضافت آلافها آلافا
ذكر إبْقَاء الْقَضَاء بِدِمَشْق وأعمالها على شرف الدّين بن أبي عصرون وترتيب وَلَده محيي الدّين أبي حَامِد لتنفيذ الْأَحْكَام بَين يَدَيْهِ
قد سبق ذكر الشَّيْخ الإِمَام شرف الدّين ابي سعد عبد الله بن أبي عصرون وتفويض الْقَضَاء إِلَيْهِ بِدِمَشْق وأعمالها وَالنَّظَر فِي جَمِيع أمورها وأشغالها فَلَمَّا عدنا هَذِه النّوبَة من دمشق تكلمُوا بذهاب نور بَصَره وَأَن الْقَضَاء منصب خطير يجب أَن يصان من خطره وَأَكْثرُوا فِيهِ القَوْل وَالسُّلْطَان يغتم وَيكثر قَول لَا حول وَكتب إِلَى الْأَجَل الْفَاضِل كتبا يستشيره فِيهَا وَيَقُول لَهُ كَيفَ نعمل وَهَذِه ولَايَة الْقَضَاء الْعَمى ينافيها
فَكتب فِي جَوَابه
مثل الشَّيْخ شرف الدّين لَا يُوجد بِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ شيخ الْمذَاهب وَلسَانه المذرب وحاكمه المدرب وَإِذا كَانَ الْمولى قد كشف فَلم يجد الحكم جرت فِيهِ هفوة وَلَا أخذت من خصم على خصم رشوة وَلَا ظَهرت لِوَلَدَيْهِ وَلَا لأَحَدهمَا نبوة وَكَانَ الَّذِي يستقضيه مِمَّن يَقع عَلَيْهِ الإختيار لَا يزِيد عَن وَلَده فِي رُتْبَة الْعلم وَلم تبْق حجَّة فِي أَن يؤلم خاطر الشَّيْخ والمملوك لَا يُشِير بإيلامه وَلَا أَن يكسرقلبه على مَا بَقِي من عدد أَيَّامه وَلَا بِأَن يعان على حَقه وَالْمولى أولى من أحسن ضيافته مُدَّة مقَامه وَيجوز أَن يجرب الْوَلَد بالاستنابة فَإِن ظهر مَا يُوجب الصّرْف كَانَ الْمولى عِنْد عذره وَكَانَ الشَّيْخ قد قضي حَقه بتجريب الْوَلَد واختبار أمره وَكَانَت الأقدار قد أَبَت الا نقل هَذَا المنصب إِلَى مُسْتَحقّه وَأَن كَانَ الْوَلَد يحسن تصرفه وَلَا يبين فِي هَذَا المنصب تخلفه كَانَ الْمولى قد أبقى صنيعته عِنْد بَيته وَحفظ قديم مَا بَينه وَبَينه وسالف تعصب الشَّيْخ للموليين أَبِيه وَعَمه رحمهمَا الله وَتشفع شفيعي الْعلم وَالسّن وَلَا يشمت بِهِ الْأَعْدَاء وَلَا ينْتَقل إِلَى الْآخِرَة وَهُوَ يحمل الدَّاء وَيكون الْوَلَد قد نَاب عَن بصر الْوَالِد لَا غير فَكَأَنَّهُ حَاجِب لَهُ وَبَقِيَّة الواردات لِسَان الشَّيْخ فِيهَا خائض وفكره فِيهَا مستفتى ورأيه مسترشد وَنور قلبه بَاقٍ وَهَذَا أَمر من الْعلم وجانب من الْفَهم لَا يَسْتَطِيع أحد صرفه عَنهُ ان صرفه عَن الحكم وَأما اسْتِخْدَام زيد وَعَمْرو وَقبُول عصبية فلَان لفُلَان فَمَا سمى الْمولى أحدا يستأهل أَن يكون فِي مَكَانَهُ وَلَا يكمل لغير كَونه عوضا عَن أَوْلَاده ثمَّ إِن هَذَا الشَّيْخ لَا يَصح عَلَيْهِ أَن يقدم على الله وَيقدم على الحكم مَعَ فَوَات شَرطه وَهُوَ أعلم من كل من
стр. 117
افتى فِيهِ إِن لَهُ عهدا فِي وَقت خُرُوجه إِلَى الْمولى من حلب حَتَّى اشْترى دولته وَبَاعَ الدول وفت فِي عضد الْأَعْدَاء بتحيزه إِلَى جَانِبه الْكَرِيم فَإِن قَالَ قَائِل إِن الْأُمُور الشَّرْعِيَّة لَا مجَال لَهَا فِي العهود وَلَا مدْخل لَهَا فِي الشُّرُوط فَصَحِيح وَلكنه لَا يُكَلف مَا يُخَالف الشَّرْع إِذْ تقدم القَوْل أَن الْوَالِد إِن صرف فَلَا يُوجد مثله وَالْولد إِن لم يستصلح فَلَا يُوجد إِلَّا نَظِيره أَو دونه وَإِذا اسْتَوَت الدَّرَجَات فضل الْوَلَد بِقرب مِثَال الاسترشاد من أَبِيه ويسعه أننا نمنعه من تجَاوز القَوْل وتعديه وَمن إسعاف النَّفس إِلَى مَا الله عَنهُ مغنيه الْيَسْ الْمولى يقلده فِي الْفَتَاوَى فَلم لَا يقلده فِي أَمر نَفسه وَإِن كَانَ يُرِيد الِاخْتِيَار لمن يسْتَحق المنصب فدرجة الِاخْتِيَار دقيقة وَمَا ظَاهر الْأَمر إِلَّا أَن مُسْتَند الْمولى فِيهَا إِلَى برهانه ود الْمَمْلُوك لَو أَفِي الْإِسْلَام شَخْصَيْنِ كأبن عصرون وَفِي رعيه الْمولى وَبَيَاض الْأمة جمَاعَة مثله وَلَا يَلِيق أَن يكون الْوَالِي مَحْجُورا عَلَيْهِ والنائب مَأْذُونا لَهُ فَإِن هَذِه الصِّنَاعَة الأَصْل وحوطه فِي الْفَرْع
ذكر مَا آل إِلَيْهِ الْأَمر فِي بعلبك
وَلما طَال الْمقَام على حصن بعلبك والامتناع وَلم يَقع من ابْن الْمُقدم فِيهِ الِاتِّبَاع وَمَا رأى السُّلْطَان مقاتلة الْمُسلمين فِيهِ وَلَا كسر الناموس أبقى الْحصن على صونه المحروس وَحفظه المأنوس فرتب طغرل الجاندار وَمَعَهُ جمَاعَة يكفون من الرِّجَال ووصاهم أَن لَا يتَعَرَّضُوا لِلْقِتَالِ وَلَا يلموا بالنزال بل يمْنَعُونَ من الْخُرُوج وَالدُّخُول ويلحون الأبي من الْقبُول ورحلنا صوب دمشق فِي الْعشْر الْأَخير من رَجَب وَلم يقْض من قضايا تِلْكَ السّنة وعجائبها الْعجب وَتَمَادَى الْأَمر إِلَى أَن رَضِي ابْن الْمُقدم بحصن بعرين وأعماله وببلد كفرطابوأعيان نواح وقرى من بلد المعرة
стр. 118
وَسلم بِتَسْلِيم بعلبك من الْمضرَّة والمعرة وَكَانَ الَّذِي أَخذه أَكثر وأنفع مِمَّا خلاه وَمَا خطر بِبَالِهِ مَا حصل لَهُ وَلَا ترجاه وَلَا تمناه
وسألني السُّلْطَان أَن أعمل أبياتا فِي الشوق إِلَى مصر فَقلت (الْبَسِيط)
يَا سَاكِني مصر لَا وَالله مالكم
شوقي الَّذِي لذعت قلبِي لواعجه
أَصبَحت أطلب طرق الصَّبْر أسلكها
هَيْهَات قد خفيت عني مناهجه
إِنِّي لمن كرب يَوْم الْبَين فِي شغل
لَعَلَّ رَبِّي بِيَوْم الْوَصْل فارجه
فِي الْقلب نَار هموم زَاد مضرمها
وَالْعين بَحر دموع فاض مائجه
مَا قلت أَن فُؤَادِي قر ساكنه
إِلَّا وبالذكر مِنْكُم ثار هائجه
مَتى ترى يتسنى لي لقاؤكم
وتزهدني كَمَا أَهْوى مباهجه
الْقلب عنْدكُمْ قد ظلّ مقتضيا
دين الْوِصَال أما تقضي حَوَائِجه ...
رِسَالَة كتبتها إِلَى الْأَجَل الْفَاضِل بتاريخ سَابِع عشر رَجَب من بعلبك فِي جَوَاب كتاب ورد مَعَ بالعتب ثَانِيًا وَقد سير مَعَه سفتجة بِمِائَة دِينَار مِنْهَا عوض الْمَمْلُوك خَمْسُونَ دِينَارا وَمن الْملك الْعَادِل ثَلَاثُونَ وَمن خَاصَّة عشرُون ويبشرني بِولد من جَارِيَة حَامِل خلفتها بِمصْر وَيَعْتِبُ عَليّ تفضيلي الشَّام على مصر
أدام الله أَيَّام الْمجْلس العالي المولوي الأجلي مولى الْأُمَم ومولي النعم دائمة الجدوى جائدة الديم مكرمَة الموَالِي موالية الْكَرم مشيمة الْحسنى حَسَنَة الشيم هامية السَّمَاء سامية الهمم كالمة للحسود محسودة الْكَلم معلمة بالسعود مسعودة الْعلم قالمة ظفر الْخطب مظفرة الْخط والقلم عادمة للموجودة مَوْجُودَة للعدم حاكمة بالعز عزيزة الحكم حَقِيقَة للْوَلِيّ بِالْحَقِيقَةِ قمنة لِلْعَدو بالنقم وَلَا زَالَ رِضَاهُ روضا لأوليائه بعذب الْعَطاء مصوبا وَسخطه سَوْطًا على أعدائه بِعَذَاب العطب مصبوبا ومحبوب عارفه لمعارفه محبوا وجمر وعيده عَن جرم عبيده خابيا ولإحراق حرم العداة برجم العتاة مخبوا وَلَا بَرحت سيوف أفضاله محيية بالايلاء أولي الْفضل وسيوف إقباله لهجة بإيذاء ذَوي الْجَهْل وَلَا ففتئت ضيوف فيوض نواله من النَّوَى لَهُ آمِنَة وَقُلُوب ذَوي قبُوله واقباله إِلَى جنى جنابه سَاكِنة ومساكن مَسَاكِين أهل رحابه آهلة الأرجاء وبيوت أولي الْبيُوت بل الثُّبُوت فِي ولائه محكمَة الْبناء مَا نظم للأعراب وَأحكم للأعراب بَيْتا شعر وَشعر وأشرف بالسنا وأشرق بالسنا أفقا قرم وقمر وَمَا عدن دَاخل عدن خَالِدا
стр. 119
وظل آبدا لظى بائدا مَا أجل الْمِثَال الْوَارِد وَأَجْلَاهُ لواردات الْهم الماثل وَمَا أدلاه بترويح الْمحلى وترويض الماحل وَمَا أهداه إِلَى سَبِيل الْمنَار وأهداه إِلَى سلسبيل المبار وَمَا أدله على محجة الأبراء وَدَلاهُ بِحجَّة الْأَبْرَار وَأما العتب فقد نفض بساطه وَنقض ساباطه وَقطع سمطه وَرفع سماطه وعلقت بالمسامع أقراطه وسبقت إِلَى المصانع فراطه وَأما الذَّنب فقد بت حيله ونبث خبله وَعرف خطأوه وَرفع خطله وَزَالَ خجله وَزَل وجله ورحم معترفه وَمَا حرم معتره وَنَجَا من الْجنَاح مضطربه ورجي بالنجاح مضطره وَسَاكن الْجنَّة لَا يعود إِلَى النَّار وامن الْحرم لَا يثار للثار والصاحي يقيل عَثْرَة السَّكْرَان وأدران أردان الْحِرْص حبا يرحضها حباء حَيَاء الغفران فَفِيمَ معاودة العتاب ومواعدة الْعقَاب وحاشا لبيت بناه فَضله من الخراب فَإِن بَيت الْمَمْلُوك من كنف الْمولى عَال وسعره فِي سوم سموهُ غال وعرسه من سقيا الْأَنْعَام وري وزنده من لقيا الأكرام وري فَلَا يحتني على مَوْضِعه وَلَا يخَاف من وَضعه وتعرفه بالمولى سَبَب رَفعه وَلَا يشك أَن الْعذر قبل والذعر قتل والذنب الْفَاسِد ذاب والخب الْحَاسِد وَذُو الْحُوب حوبي وحبي وَذُو النُّبُوَّة أبنى وَبني وَالْعَبْد هفا وَالسَّيِّد عَفا
فصل فِي عذر الْقَلَم وَالْكِتَابَة
والقلم لما عق عيق والدواة لما لم يصف صوفها بِمَا يَلِيق مَا ليق فاليراع يراع إِلَى أَن يُرَاعى بالأمن من كسر سنه والمن بسنا أَمنه فَهُوَ قَائِم للْخدمَة على رَأسه هائم بلباس بأسه واجم من قِيَاس باسه هاجم من اساءة اساسه باك بِعِبَارَة نَفسه حاك بعبرة نَفسه شَاك من عَثْرَة جنسه زاك بعبرة أنسه وَله لِسَانا شكر واعتذار ووجها حَيَاء وافتخار وَقد دبت الى شهد مداده نمل الأنمل وَقطع شمعة سمعته نصل التَّوَصُّل وبرته سكين السكينَة إِلَى بَرَاءَته ووكلت آلَاء مَوْلَاهُ إِلَى كلاءته وَعَلِيهِ أهبة المهابة من أبهة سَواد السؤدد واحداق احداق نواظره النواضر بعد مره امْرَهْ فِي الْإِثْم من الْعَفو بالأثمد والمأمول من الْكَرم المولوي قبُول وساطة الوَاسِطِيّ فِي الفار البستي الْفَارِسِي وَقد بَين الْمَمْلُوك من قبل مَا دهم سره وَهدم سروره وشغل أُمُوره وشغف تاموره وَقد أعَاد
стр. 120
ببركة الْمولى حبوره وأطلع بعد أفول ذهنه نوره لَا زَالَ مَوْلَانَا ماحيا للذنوب بعفوه حاميا للقلوب بصفوه
فصل مِنْهُ فِي شكر أنفاد الذَّهَب
وَمن معجزات الْمِثَال العالي لَا مزعجاته وبركات الباركات المبرات من مبراته أَنه عِنْد العتاب عَن الأعتاب وَأَوَان الاجتناب آوى إِلَى الجناب ولدى النظار ولد النضار وَفِي الْجِدَال وَفِي الْجد بِالذَّهَب الْمَذْهَب بمضاء مضاربه فِي نَفعه المضار والسفتجة المروجة انفتحت لَهَا أَبْوَاب المرتجة وتجددت الأثواب المنهجة واستقامت الآراء المتعوجة واستنامت الْآدَاب المحرجة وهدرت شقشقة الْحَمد وَنظرت حدقة الْمجد وهدلت حمائم المدائح حِين هطلت غمائم المنائح وهتفت صوادحها الصوادق لما هَتَفت سواميها السوامق وَأما ثمن الْمَمْلُوك فَهُوَ ثمن الْمَمْلُوك وَأما الرغيبة العادلية فَغَرِيبَة من عَاد الْمُلُوك وَجهد الشُّكْر فِيهَا يسْتَند وحر العَبْد بهَا يستعبد وَمَا كَانَ الْمَقْصُود الذَّهَب الذَّاهِب بل الشّرف الْمُهَذّب الْمذَاهب وَأما أنعام الْمولى وَالْجمع وَالله من انعامه وآي ميامن أَيَّامه فَهُوَ الْفَخر الفخم والشرف الضخم وَهَا هُنَا وَهِي البنان وَهوى الْبَيَان وخاطر الخاطر وناظر النَّاظر ووقف الْقَلَم وحار وطاش الْفِكر وطار فَلَا لضامر الضَّمِير فِي مضمار الْعَدو على السكينَة مجَال وَلَا لقارح القريحة فِي اقتراح السَّبق إِلَى مدى الْمَدْح حسب الأرتجاء ارتحال وعبودية الْمَمْلُوك لمَالِك رقّه الزم من جيد الْحمام لطوقه وقلب ذِي الغرام لشوقه
فصل فِي الْبشَارَة بِالْوَلَدِ
وَأما الْبشَارَة بولده فَهُوَ مَمْلُوك الْمولى وَابْن مَمْلُوكه الْقِنّ ورقيقه المستكين للرق المستكن وهمه الْمولى تربيه وَمن الهموم تبريه والآن فَهُوَ مصري الْوَلَد وَإِن كَانَ عراقي المولد مُضَرِي الْعرق وَإِن كَانَ فَارسي المحتد
فصل فِي الإعتذار عَن تَفْضِيل الشَّام
وَمَا كتبت مَا كتبته فِي تَقْرِير تقريظ الشَّام سأما من بلد السأم بل بِأَمْر السُّلْطَان أذكر فَضِيلَة هَذِه الْبِلَاد وميزها بِقرب مَسَافَة الْجِهَاد فَلَا وَجه للتغضب ونسبته إِلَى التعصب بالتعصب (الْكَامِل)
فالشام شامه وجنة الدُّنْيَا كَمَا
انسان مقلتها الغضيضة جلق ...
стр. 121
هَذَا بَيت عرقله وَسمع سَمعه وَنقل نَقله وَأما الْمَمْلُوك فَهُوَ من بلد ظلّ الْمولى فِي أَي فضاء ضفا ضافه وَبِأَيِّ طف طَاف بِهِ استجد اطافه واستجدى نطافه وطره وَطنه وسكونه سكينه ولبانته لبنانه وَإِن طَابَ حواره فَهُوَ حورانه وَإِن نجا نجاره فَهُوَ نجرانه قد بعد حيه عَن حيه وَترك رَأْيه بريه فقيس قيسه بطيه وسيق قسه فِي زِيّ عيه بطيه فَمَا يدْرِي أَيْن نزلت آيَته وَمن أيه وَكَيف دب التقلص فِي فِيهِ للتخلص من كيه قد صيره زِيّ وَلَاء الْمولى مضريا وجلالة دُرَيْد جَلَاله فِي مطالع المطالب دريا فآوى إِلَى الثمال وروى الا الْمِثَال وَقَالَ فِي الظلال وَقَالَ فِي الْجلَال وَقل فِي الْمِقْدَار وَأَقل من الْمقدرَة واستقل بالذعر واستقال بالمعذرة والملوك رَجَعَ عَن ذَلِك الصِّنْف رَجَاء النّصْف وَعطف عطف وأستخدائه الى استجداء الْعَطف وأضرب عَن ذَلِك الضَّرْب الى المضرب والأريب اللبيب يُلَبِّي مُنَادِي نَادِي الأرب وَأعْرض صفحا الا من استعراض صفحة الصفح وَهُوَ لَا يسْتَوْجب نفي النَّفْع وَمنع الْمنح
فصل مِنْهُ فِي الشُّكْر على انفاد الذَّهَب وانفاد توقيع شمس الدولة إِلَيْهِ
وَمِمَّا ينهيه إِلَى الْعلم الْأَشْرَف أَن بركَة حَرَكَة عارفة الْمولى بِالْمِائَةِ جلبت لَهُ مِائَتَيْنِ وأوجبت الْمِنَّة مِنْهُ وَمن ذويه على فئتين فَإِن الْملك الْمُعظم لما وصل وَصله بتشريف يبلغ مائَة دِينَار وبتوقيع مِائَتي دِينَار والأنعام الَّذِي هُوَ عشر هَذَا كَمَا قيل كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا وَلَوْلَا اهتمام الْمولى مَا كَانَ أَيْضا يرى وَقد اعْتمد الْمَمْلُوك مرّة أُخْرَى مَا لَا يَلِيق بالأدب وَبسط رَاحَة الرَّاحَة ليقْبض قدمه عَن عتب العتب ونفد التوقيع ليأمن التعويق والمضيق أبدا يحذر الْمضيق وَمَا للملوك إِلَّا مَالِكه وَمَا يَسْتَقِيم على المسلك غلا سالكه ثمَّ وجد الْمُلُوك الْإِذْن بِنَصّ الْأَنْعَام وفحواه وَمَفْهُومه وَمُقْتَضَاهُ فِي تسيير الذَّهَب وَلِأَن العَبْد وَمَا يملكهُ لمَوْلَاهُ وَلِأَنَّهُ ينكسر هَذَا كُله وَلَا يَصح لولاه وَحَتَّى يُحِيط الْعلم الْكَرِيم بِأَن معاقد الْمَمْلُوك فِي التثقيل تتصل وَلَا تَنْقَطِع وَأَن آماله تتسق وأحواله ترْتَفع وَلَا تتضع وَهُوَ بعد حريَّة وحر عبودة وَلم يتَغَيَّر فِي ادِّعَاء الْوَلَاء وَوَلَاء الدُّعَاء من حَالَة معهودة لَا زَالَ ظلّ الْأَنْعَام الوافر من الْمولى على الْأَوْلِيَاء وارفا ولصرف الزَّمَان عَنْهُم صارفا وَلَا برح تالد إحسانه يَقْتَضِي تاليا طارفا وعارفته تتقاضى بدين الشُّكْر قَادِرًا مَلِيًّا بِقَدرِهِ عَارِفًا
стр. 122
ذكر المقياس بِمصْر ووفاة متوليه عبد السَّلَام بن أبي الرداد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ السَّادِس من شعْبَان
هَذَا المقياس مَوضِع مَبْنِيّ من عهد خلفاء بني الْعَبَّاس لتعرف زِيَادَة المَاء ونقصانه بِالْقِيَاسِ وَهُنَاكَ عَمُود فِي المَاء مقسوم بالأذرع والأذرع مقسومة بالأصابع وَفِي مَسْجِد يَنُوب فِي الجزيرة عَن الْجَامِع تصلى فِيهِ الْجَمَاعَات وَالْجمع وَقد بني فِي جواره الْموضع ويتولاه من الْعَهْد الْقَدِيم مُتَوَلِّي من بني الرداد من هُوَ مَعْرُوف بالنزاهة وَالْعلم والسداد وَله راتب دَار وَقسم وقرار وخلع وتشريفات فِي المواسم وَحُرْمَة مترامية الْمَعَالِي سامية المعالم وَلما توفّي فِي شعْبَان من هَذِه السّنة متولية فوض السُّلْطَان منصبه إِلَى أَخِيه
حَدِيث حصن بَيت الأحزان وبنائه وفتحه وخرابه وَمَا تمّ من متجددات النُّصْرَة الَّتِي كَانَت من أَسبَابه قبل ذَلِك
كَانَ السُّلْطَان سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مائَة على بعلبك نازلا ولتسلمها من شمس الدّين بن الْمُقدم محاولا فَإِن أَخَاهُ شمس الدولة توارن شاه لح عَلَيْهِ فِي طلبَهَا وَامْتنع ابْن الْمُقدم واستوحش بِسَبَبِهَا وَمضى إِلَيْهَا وَطَالَ مقَامه عَلَيْهَا واشتعل جمرها وَلم ينْفَصل أمرهَا حَتَّى دخل الشتَاء وترادفت النواء وتضاعفت الأنداء وَنحن مقيمون محاصرون صَابِرُونَ مصابرون مَا نؤثر قتالا بل نَنْتَظِر لتِلْك العقد انحلالا فانتهز الفرنج فرْصَة الْخُلُو وَاسْتَحَلُّوا عَرصَة العتو وجاءه الداوية مِنْهُم بأحزابها وشرعوا
стр. 123
فِي بِنَاء حصن على مخاضة بَيت الأحزان وبذلوا فِي أَحْكَامه مَا دخل فِي الامكان وأحكموا بُنيان ذَلِك الْمَكَان وَكُنَّا نقُول للسُّلْطَان مَتى أحكمهذا الحصنتحكممن الثغر الإسلامي الوهن وعلق الرَّهْن فان بَينه وَبَين دمشق مَسَافَة يَوْم وَمَتى خلينا أهل الْكفْر بمالهم فِيهِ من روم لم يخل فِي الْإِسْلَام مَعَ الْإِثْم من ذمّ ولوم فَيَقُول إِذا أتمون واحكموه وظنوا أَنهم من الْحدثَان أذموه وعصموه رحلنا إِلَيْهِ ونزلنا عَلَيْهِ وهدمناه من الأساس وجعلناه من الرسوم الأدراس وغنمنا أسبابهم وضربنا رقابهم فندعهم الْآن حَتَّى يستنفدوا فِيهِ أَحْوَالهم وينفقوا أَمْوَالهم ويتعبوا رجاءهم ورجالهم فَإِذا قصدناهم عكسنا آمالهم وأنحسنا مآلهم فَنَقُول منعم من الأبتداء أسهل من الدّفع فِي الِانْتِهَاء وغذا فَاتَ الفارط لَا يسْتَدرك وَهُوَ الْآن هَين فَلَا يتْرك وَإِذا خرج مَا فِي الْيَد فَمَتَى يملك وَهُوَ صابر بِقُوَّة دينه سَاكن بِنور يقينه كَأَنَّمَا كشف الله لَهُ عَن سر الْغَيْب فأقداره على كشف ذَلِك الريب فَإِن الْعَاقِبَة الحميدة بعد سنة كَانَت على مَا جرى على لَفظه من عدَّة حسنه
فَلَمَّا انْفَصل أَمر بعلبك وَخرج ابْن الْمُقدم مِنْهَا وتعوض بِمَا تسلم من الْبِلَاد عَنْهَا وَوصل السُّلْطَان إِلَى دمشق بهَا مُسْتَقرًّا وعَلى عوائده فِي الْعدْل وَالْإِحْسَان مستمرا لم يزل أَمر الْحصن من همه وَقصد حصاره فِي عزمه
صفة الْمحل
وَكَانَ الْعَام مجدبا والجدب عَاما وَالشَّام لروائح الجوانح شآما وللأسعار أسعار وللأسرار استشعار وللأقوات أقواء وللغلات غلاء وللبلاد بلَاء وللسوء اسْتِوَاء وللضراء استضراء وللشر استشراء وعَلى الْعباد من ثقل الْمحل أعباء وللرجال من لطف الله رَجَاء وَإِلَى عطفه التجاء وَمن الْعُيُون بالدموع استسقاء وللأيدي بالخشوع فِي رَفعهَا إِلَى الله استعداء واستدعاء على أَن الأيادي السُّلْطَانِيَّة نابت عَن الأنواء وَنَادَتْ فِي الأندية بالأناء وعارض سماحها عَارض السَّمَاء وَخص بخصبها الرعايا بالأرعاء وَأمن من الأجداب بالأجداء وَمن الأعطاب بالإعطاء وأزل الْأَزَل ومحا الْمحل وأباح الأهراء وباح السَّرَّاء وأزاح الضراء وأراح بالاغناء الْفُقَرَاء وَأطلق جوده وَقد احْتبسَ الْجُود وتكرر مِنْهُ بعد الْبَراء الْعود فرتعنا من احسانه فِي
стр. 124
مرعى مريع وشرعنا فِي سُلْطَانه من منبع منيع وَشَمل جميعنا من ظله وفضله بشمل جَمِيع وقوى الضِّعَاف وَقد ضعفت القوات ووسع الأقوات وَقد ضَاقَتْ الْأَوْقَات
وأنشأت فِي وصف ذَلِك فِي كتاب إِلَى الْأَجَل الْفَاضِل وَقد سَافر إِلَى الْحَج فِي آخر شَوَّال من تِلْكَ السّنة
إِن بِلَاد الشَّام بعد غيبَة الْمولى عَنْهَا انتقمت اللَّيَالِي مِنْهَا فعاقت عواديها غواديها وعفت بَوَادِر السُّيُول والسيوب بواديها بواديها وَنوى النَّوَى نوءها وونى وخبا بالضوى ضوءها واختبا وبخل ودقها وخلب برقها ومحق حَقّهَا وزوي رزقها وبراث الأمطار احْتبسَ ربابها ورثاث الأطمار احتسب أَرْبَابهَا وورت الْأَيْدِي إِلَى الْآلَة باستمداد الأيادي وغدت الهمم صَادِقَة صادعة لاستهماء الغوادي وسعى السّعر يَعْلُو وَالْغلَّة تغلو وهمرت رمقت حفظا وحفظت رمقا وأبقت ذماء وأذمت بَقَاء
لَكِن الأشفاق اشفى بالقلوب على التقلب والاستشعار أشعرها التهيؤ للتهيب وَقيل للسُّلْطَان هَذِه سنة الأسنات وَأَن الأناة وَلَا سبة فِي السبات وَالسّنة السّنة عَن فرض الْجِهَاد من الْجِهَات فَإِن استمنحوك السَّلامَة فامنح وَإِن جنحوا للسلم فاجنح واعتقد المتثبت المتثبط أَن الْعِزّ فِي الذل وَقيل لَا قبل للشام بالعساكر الْكَثِيرَة والكتائب الكثيفة فَإِن الجموع تثوي والزروع تتوى والضياع يطرقها طَارق الضّيَاع وأزم الأزمن يروع الرعايا بالارتياع وَقَالُوا إِذا صالحت أصلحت وَإِذا حَارَبت حربت ونسوا النصح المنبئ عَن هدم الْحصن الْمَبْنِيّ وهده وعدوا عَن نصر الله وَصدق وعده فَقَالَ السُّلْطَان أعز الله نَصره وَنصر أعزته إِن الله أَمر بِالْجِهَادِ وتكفل بالرزق فَأمره وَاجِب الِامْتِثَال ووعده ضَامِن الصدْق فنأتي بِمَا كلفنا لنفوز بِمَا كفله وَمن أغفل أمره أغفله وَأَنا بالعسكر الْحَاضِر أنازل وأباري وأحمي الْحمى وأدني فِي المرام المرمى وَمَا دَامَت بالشعاب أعشاب فَخَيرهَا لخيلنا إشباع ومعنا من الفوارس الشباع سِبَاع وَأَنا نجد وَلَا نألوا جهدا فِي الْجِهَاد وَإِن لم نجد وَلم ننل عهدا من العهاد
стр. 125
وَذكرت فِي الْكتاب فصلا يتَعَلَّق بالحضور الْفَاضِل فِي الْحَج
طُوبَى للحجر والحجون من ذِي الْحجر والحجى منيل الجدى الجدي ومنير الدجى ولندي الْكَعْبَة من كَعْب الندى وللهدايا المشعرات من مشْعر الْهدى وللمقام الْكَرِيم من مقَام الْكَرِيم وَمن حاطم فقار الْفقر للحطيم وَمَتى رئي هرم فِي الْحرم وحاتم ماتح زَمْزَم وَمَتى ركب الْبَحْر الْبَحْر وسلك الْبر الْبر لقد عَاد قس إِلَى عكاظة وَعَاد قيس بحفاظه وَيَا عجبا لكعبة تعضدها كعبة الْفضل والأفضال ولقبلة تستقبلها قبْلَة الْقبُول والإقبال
ذكر وُصُول رسل دَار الْخلَافَة
وَوصل فِي هَذِه السّنة وَهِي سنة أَربع وَسبعين رَسُول دَار الْخلَافَة بالعاطفة والعارفة والرأفة والتشريف الأمامي الَّذِي فضل كل تشريف واجتباه السُّلْطَان واقاربه فِي أجد سعد مُنِير وأسعد جد منيف وَهُوَ الْأَجَل فَاضل قدم بِأَجل فَضِيلَة وأجلاها وَأحلى حَالَة وأحلاها وأبهج أبهة وأبهاها وأسمى جلالة وأسناها وَأَجد مهلة وأجداها وأوفر محبَّة وأوفاها وَكَانَ هَذَا فَاضل من أفضل الخدم وَندب بِأَفْضَل الخدم وَهُوَ خَاص الْجِهَة الشَّرِيفَة مَخْصُوص بالمنزلة المنيفة وَصَحبه مَا فرقه من الرغائب وأوضح مَذَاهِب المحامد بِمَا أولاه من الْمَوَاهِب وسر السُّلْطَان بوصوله وَحل كل نجح ويمن بحلوله وَأذن كل نصر بشموله وَذَلِكَ رخصت الأسعار ونفض الأعسار وتبدل برخاء الرخَاء الإعصار وسفر السرُور وسر السفور وَزَالَ الشَّرّ وَزَاد الْبشر وتفجرت الْعُيُون وتفرجت الْعُيُون وَسكن الْقَرار وقر السّكُون واشتدت الْأَركان واستند الركون وَوقت مواعد الأقدار وصفت موارد الأكدار وسدلت أطمار الأمطار وهدلت أطيار الأوطار واعتدلت أسحار الأصحار وَحسنت آثَار الإيثار
وَكَانَ الرَّسُول كَرِيمًا والسؤل بإقامته مُقيما وَكَأَنَّهُ فِي سَواد انسان عين كناه نور وبالحسن وَالْحُسْنَى مَشْهُور وزرته فَأَلْفَيْته طلق الْوَجْه بشرا وَالْيَد برا وَهُوَ يشبه بحرا
стр. 126
فَلَمَّا خرجت من عِنْده شيع لي من هداياه وتحفه وألطافه وقرا وَلم يدع أحدا من أكَابِر الدولة إِلَّا حباه بحبائه وحبه وحياه من حَيا سحبه وَكَانَت الْجِهَة الأمامية مالكته قد مَلَأت يَده بِمَال وافر ليصل وَيعود بِوَجْه سَافر فَمَا رَأَيْت رَسُولا وَجه فِي وجاهته ونباهته وهمته ونزاهته وسماحته وسجاحته وَهُوَ ذُو فطْرَة كلهَا فطنة ومكانة مَا تفارقها مكنى ومنحة مَا ترافقها محنة وشغف السُّلْطَان بِهِ وكلف بِقُرْبِهِ واستصحبه مَعَه إِلَى الْغُزَاة والغارة على بِلَاد العداة ووقف بِهِ على الْحصن الَّذِي الستجده الفرنج بالمشهد اليعقوبي واطلع من عورات الْموضع على سر الْغَيْب الربوبي وتخطف من حوله من الفرنج جمَاعَة وَأقَام على أهل الْمعْصِيَة بجهاده طَاعَة وبذل استطاعة وَعَاد وَقد عرف مَا يعزم عَلَيْهِ من أَمر فَتحه وَكَيف يُنْهِي ليل أدلاجه إِلَيْهِ إِلَى صبحه
وَكَانَ السُّلْطَان بِهَذَا الرَّسُول الأمامي مغبتطا مرتبطا وغليه فِي كشف أسراره منبسطا وَلما جهزه ليعود بالعطايا السنايا وَالْخَيْل والسبايا فرقها قبل قفوله وَأبقى لَهُ أنوار حَمده طالعة بعد أفوله وَمن جملَة مَا حمل لَهُ بغلة شهباء مَوْصُوفَة لَا يُوجد لَهَا نَظِير كَأَنَّهَا تَحت السرج هضبة من ثبير وَفِي الجري برق مستطير
وَكَانَ رَسُولنَا ضِيَاء الدّين ابْن الشهرزوري عِنْده حَاضرا وَفِيمَا يبهج من نضارة أَحْوَاله نَاظرا فَقَالَ كنت على طلب هَذِه البغلة من السُّلْطَان وَقد فرحت لَك مِنْهُ بِهَذَا الْإِحْسَان فَقَالَ لَهُ أَنْت أولى بهَا وَبِمَا مَعهَا فَأَخذهَا معما تبعها وفيهَا حصان عَرَبِيّ مَنْسُوب وحجره مَا لَهما قيمَة وَهِي درة يتيمة وَكَانَ إِذا أهديت لَهُ باقة ريحَان جزاها بخلع حسان وانفصل منتصف ذِي الْقعدَة بالإكرام مَوْصُولا وبالأنعام مشمولا
стр. 127
عَاد الحَدِيث
وَفِي آخر سنة أَربع وَسبعين كَانَت نوبَة هنفري ومقتله وَمَا أوضح الله بِهِ من مناهج النَّصْر وسبله وَذَلِكَ أَنه توالت الْأَخْبَار على السّنة جواسيس الفرنج أَنهم فِي جمع جم كعباب خضم على عزم جزم بِالْخرُوجِ إِلَى دَار السَّلَام مهتم فَتقدم السُّلْطَان إِلَى ابْن أَخِيه عز الدّين فرخشاه بن شاهنشاه وَقد قدمه على عَسَاكِر دمشق وولاه أَن يخرج إِلَى الثغر فِي عسكره ويرتب كلا فِي مركزه محترزا فِي مورده ومصدره فَأَقَامَ مُدَّة واستكمل عدَّة وعدة حَتَّى كَاد الارتياب يَزُول والارتياع يحول
فَلَمَّا كَانَ فِي مستهل ذِي الْقعدَة من السّنة تَوَاتَرَتْ الأنباء بخروجهم على الْأَلْسِنَة فَجرى من النَّصْر الَّذِي لم يحْتَسب والنجح الَّذِي الا بعون الله لم يكْتَسب وَمَا وَصفته فِي كتاب أنشأته إِلَى الْأَجَل الْفَاضِل من السُّلْطَان واف بِالْبَيَانِ وَهُوَ
قد سبقت الْمُكَاتبَة بِمَا سناه الله وأسناه وهيأه وهناه من النُّصْرَة الحلوة والمنحة الصفوة والنوبة الخالية من النُّبُوَّة الجالية بالحظوة وَالظفر الَّذِي لم يخْطر بالبال والسيرة الَّتِي أوحت سُورَة حسنها أمالي الآمال وأوضحت صُورَة حسناها حوالي الْأَحْوَال وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء مستهل ذِي الْقعدَة فَإِنَّهُ فضل بنصرة خَمِيس الْإِيمَان كل خَمِيس وضيق على الْأسود السود من بني الْأَصْفَر كل عريس وخسي وأثمر ورق الْحَدِيد الْأَخْضَر فِي مرتع الْمَوْت الْأَحْمَر مِنْهُم بِرَأْس كل رَئِيس وَأخذ الَّذين كفرُوا بِعَذَاب بئيس فَإِنَّهُم خَرجُوا فِي جمع جم جَمْرَة حام مجرة مائج حشده هائج حشره كثيف عدده كَثِيرَة عدده مجلب بخيله وَرجله لجب بسيله فِي سَله جالب برماحه ورمائه طَالب بأطلابه
стр. 128
وأبطاله من الدّين اطلال دمائه حَامِل بطوارقه طوارق الْبلَاء إِلَى الْبلَاء عَامل بعامله مَا تقف مِنْهُ أوطان الاطواد
وَكَانَ الأرجاف قد شاع بخروجهم فِي هَذَا الْجمع مذ أَيَّام والظنون مرتابة والقلوب مرتاعة والعسكر غير حَاضر وخطرهم بالحاضر غير حاظر فَإِن السّنة جَدب ومجاعة وَلَيْسَ فِي مُقَابلَة الفرنج فِي ذَلِك الثغر الا ولدنَا عز الدّين وَهُوَ فِي عدَّة من عسكرنا الْمَنْصُور لَا تبلغ ألفا وَمَا ألفت غير مساورة الْحمام فِي سَبِيل الله إلفا وَهُوَ موصى بإرسال الْحمام عِنْد علمه بخروجهم لنخرج إِلَى لقائهم ونردهم بالردى فِي شقّ شقائهم وأمرناه بِأَن يجفل الْبَلَد ويحذر وينور على الآكام وينذر وَأَنه لَا يلقاهم بل يتوقاهم وَلَا يخاطر بِالْجَمَاعَة الَّذين مَعَه بل يحمي بهم ويتحاماهم ويتركهم حَتَّى يتوسطوا الْبِلَاد وَنحن نجمع عَلَيْهِم الْأَطْرَاف الأجناد الأنجاد وَفِي كل يَوْم يرجف برجفتهم ويهتف بصيحتهم وهم متمادون متباطئون وعَلى محاولة المكيدة متواطئون لتَكون غارتهم على غرَّة ونهضتهم بأرمض مضرَّة فَلم يشْعر مقدمو الطَّلَائِع ذَلِك الْيَوْم الا وَقد خالطوا الْقَوْم فتحيزوا عَنْهُم إِلَى الفئة واجتمعوا وهم دون الْمِائَة فَأخْرج ولدنَا الرُّمَاة الكماة وَقَدَّمَهُمْ إِلَى العداة الْغَدَاة ليشغلوهم سَاعَة ويحولوا بَينهم وَبَين ظعائن الْعَرَب الجافلة وَلم يكن فِي زعم الْعَزْم أَنهم يستدروناخلاف النُّصْرَة الحافلة واستحرت المراماة عِنْد تل الجارة واشتجرت الْحَرْب بَين الْمُغيرَة والغارة وَطلب أَصْحَابنَا طلب الْملك فوفروا سهامه من السِّهَام وظفروا اللتوت بالهام الْهَام وَمَا ترك مماليكنا التّرْك الْملك حَتَّى طرحوا حصانه وجرحوا فرسانه فَحمل طل هنفري ليحميه وأبى اله أَنه كَمَا رمي الْملك الا أَن يرميه وَقتل دونهمَا رهان صَاحب الناصرة وَجَمَاعَة من مقدميهم رموا بالفاقرة وَنَجَا الْملك بجريعة
стр. 129
الذقن وتجرع كأس الشجب والشجن وَحمل هنفري جريحا وأودع بعد يَوْمَيْنِ ضريحا وناح فِي نواحيهم النادب بندوب صريعهم صَرِيحًا وَحَازَ هنفري جراحات فَازَ الْهوى مِنْهَا براحات إِحْدَاهَا نشابه وَقعت فِي مارنه فجدعته ونفذت إِلَى فِيهِ وَمَرَّتْ بضرسه فقلعته وَخرجت من تَحت فكه ففكته وصرعته وَأُخْرَى فِي مشط رجله نفدت إِلَى أَخْمُصُهُ وَأُخْرَى فِي ركتبه جرعته صاب أوصابه وغصته وَكَانَ هَلَاكه بلت فِي جنبه كسر لَهُ ضلعين وَقرب لَهُ حِين الْحِين وَقتلت عدَّة من الخيالة وَثلث ثلة من الرجالة فَمَا انْضَمَّ طرفهم حَتَّى انتظم تلفهم وَمَا نابت روعتهم حَتَّى بَانَتْ عورتهم وَمَا ارْتَفع عثيرهم حَتَّى اتضع عاثرهم وَمَا لغب ناظمهم حَتَّى غلب ناثرهم وَمَا رَاع فارسهم حَتَّى عراه فارسه وَمَا نَهَضَ راجلهم حَتَّى محصه ممارسة وَمَا زَالَت الرُّمَاة يرمونهم ويرامونهم ويدنون مِنْهُم ويدانونهم حَتَّى نفضت الكنائن وانفضت الضغائن
وَكَانَت نصْرَة أثيلة ونوبة أثيرة وثورة من أَعدَاء الله فِي تِلْكَ الفورة مستثيرة وَحَالَة صدقت قَول الله فِي مُحكم كِتَابه ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة﴾ فَمَا ولوا مُدبرين إِلَّا والأدبار وليهم وَمَا غرهم الله الْغرُور إِلَّا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن يملي لَهُم وبالخزي يمليهم وَمَا عَادوا إِلَّا بخسر وعسر وَقتل فيهم وَأسر وَكسب مِنْهُم وَكسر فيا لَهَا من كسرة وسماء النُّصْرَة فِيهَا أصحت وسحب الْخَيْر بهَا سحت
وَتمّ هَذَا الْعِزّ وَلم يتم مدد الْعَسْكَر الغربي وَرجع الفرنج من الخزي بذلك الزي وآذنتنا بطاقة الطير فِي دمشق ذَلِك الْيَوْم بكرَة بكرتهم وبادرنا إِلَى الْخُرُوج لدفع مضرتهم وكشف معرتهم فَمَا وصلنا إِلَى الْكسْوَة إِلَّا ورؤوس رؤوسهم متوافية والبشائر وافية وألطاف الله كَافِيَة والشغف بِحمْل السعف إِلَيْنَا زَائِد والواجد لثَلَاثَة وَأَرْبَعَة من الْأُسَارَى قَائِد فشكرنا الله على تِلْكَ الْحَالة الحالية بظفرها والهالة الجالية لقمرها والقالة القالية غير إِشَاعَة خَبَرهَا وإذاعة أَثَرهَا
стр. 130
وعدنا بِالْحَمْد وحمدنا الله فِي الْعود وأحمدنا فِي نَصره تِجَارَة الْوَعْد ونشرنا للاعلان أَعْلَام السعد وجلونا بِالْبَلَدِ عرائس تِلْكَ الفرائس وعقدنا بعذب الرماح ذوائب أُولَئِكَ الفوارس وعبرنا بأساراهم وعددهم عِبْرَة وأثرنا من أَلْسِنَة النظارة وأقدامها للرحمة وَالرَّحْمَة فِي الدُّعَاء الإدعاء رَغْبَة وغيرة وَطَابَتْ الْقُلُوب وَطَابَتْ الْأَيْدِي ونطقت الألسن فِي هَذِه المعجزة المزعجة للْكفَّار المبهجة للأبرار بالتجدي والتهدي وكفت من الْكفْر كف التَّعَدِّي وَمَا كُنَّا نعلم حَقِيقَة مَا جرى من وهنهم ووهيهم ونكالهم وخزيهم حَتَّى وصل من شاهدهم فِي دِيَارهمْ وشام فِي شامهم بوارق بوارهم فَأخْبر أَنه لَيْسَ فِي خيلهم بل خيالهم إِلَّا مَجْرُوح أَو على فرَاشه مطروح وَفِي كل يَوْم ترد الْبُشْرَى بِمَوْت مقدم من جِرَاحَة أَصَابَته ونكاية نابته وروعة أشابته وفكرة أذابته وغم غام جوه من جواه وَسَهْم أصمى هامه لَا شواه فَالْحَمْد لله على هَذَا النَّصْر الَّذِي علا سناه وحلا جناه وأسرع النجح بِهِ منا إِلَى المنى فِي نعماه وَلما سقط فِي أَيْديهم وتورطوا بتعديهم وأعضل دَاء داويهم وَغدا ثغر الثغر مفترا بِصدق هلك مفتريهم وَعز عِنْدهم موت هنفريهم انْكَسَرت سورتهم وانطفأت فورتهم وسكنت نأمتهم وصدأت هامتهم وسفلت همتهم وفالت آراؤهم وفلت آرابهم ورقب ذلهم حِين ذلت رقابهم
وَلَو كَانَ يَوْمئِذٍ عسكرنا حَاضرا لما نجا مِنْهُم نَاجٍ وَلما رأى أرجع للحيا مداج وَلَا مفاجئ بالغارة الا والردى لَهُ مفاج وَلما استحلينا هَذِه الْمرة الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم مرّة واستجلينا الكرة الَّتِي جرت إِلَيْهِم بالوبال كرة قصدنا الْحصن الَّذِي بنوه وشاهدناه وكشفنا عوراته وعايناه وأزعجنا الْكفْر بأقدامنا وذعرناه وعدنا على عزم الْعود إِلَيْهِ وَالنُّزُول عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله
وَلَقَد كَانَ حتف ذَلِك الْعَظِيم فتحا عَظِيما ونصرا من الله الْكَرِيم لأوليائه الْكِرَام كَرِيمًا وَبَقِي الْعَدو وَفِي كل صباح عَلَيْهِم صائحة وَفِي كل نَاحيَة نائحة وَنزل عندنَا النَّصْر والقطر وسر السرُور وَرخّص السّعر وَنقص زائده وَزَالَ الْعسر ولانت شدائده وخلص الرَّجَاء من يَد الْقنُوط وَخرج نجم الصعُود إِلَى أوج السُّعُود من برج الهبوط وَأَمْسَكت الزروع ارماقها وحفظت الْأُصُول أعراقها ووقف الغلاء وَانْصَرف الْبلَاء وَعلم النَّاس أَنهم فِي هدون وهدو وَأَن سرحهم لَا يطرقه سرحان عَدو وحييت الهمم المتماوتة وتساوت الْقيم المتفاوتة وَعَاشَتْ الرّعية وشاعت الرِّعَايَة وبدا الشكاية وأنبهت العزائم الراقدة ونامت الْأَعْين الساهدة
стр. 131
ذكر مسير شمس الدولة أخي السُّلْطَان إِلَى مصر وتشييع السُّلْطَان لَهُ
كَانَ الْملك الْمُعظم فَخر الدّين تورانشاه بن أَيُّوب وَهُوَ أَخُوهُ الْأَكْبَر قد ملك الْيمن وَأَحْيَا بهَا للعدل وَالْإِحْسَان السّنَن فَلَمَّا ملك السُّلْطَان دمشق فِي سنة سبعين بعد الْملك الْعَادِل نور الدّين ابْن زنكي كتب إِلَى أَخِيه فِي الْيمن بالشوق الاستيحاش بالوحدة والتشكي فَجَاءَهُ سنة إِحْدَى وَسبعين فسر بقدومه وأجراه من إعظامه وإكرامه على رسومه
وَلما عزم السُّلْطَان الْمسير إِلَى مصر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين لتجديد الْعد بملكها ورده إِلَى النظام فِي اتساع مسلكها واتساق سلكها عول على هَذَا أَخِيه شمس الدولة بِالشَّام فِي السلطنة ورد الْأُمُور إِلَى أوامره المتمكنة وفوض إِلَيْهِ المر وأسنده وولاه تَوْلِيَة مُطلقَة وقلده فَكَانَ بحرا من الْجُود مواجا يُغني بفواضله من الْوُفُود بعد الأفواج أَفْوَاجًا فَحكم وتحكم وَنقض وأبرم ورزق وَمَا حرم وعزم على أَعدَاء الملهوف وحزم وَالْتزم بإسداء الْمَعْرُوف وَجزم وراسله الْمُلُوك وتواصل غليه من الْأَطْرَاف والأوساط السلوك وَكَانَ الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين بن زنكي مصَالح السُّلْطَان على مَا تبرجح من الْمصلحَة وتوضح من الشَّرَائِط المفرحة فَجرى شمس الدولة مَعَه على الْوَفَاء والوفاق ونهج سَبِيل الإشفاق
وَأقَام السُّلْطَان بِمصْر إِلَى يَوْم عيد الْفطر من سنة ثَلَاث وَسبعين ثمَّ رَحل عَائِدًا إِلَى الشَّام بعز الاعتزام وجد الاهتمام واستئناف الْغُزَاة لاتلاف العداة وَلما عَاد إِلَى دمشق عَاد بِهِ سرُور سريرة وَزَاد الحبور بِحُضُورِهِ وَجرى على عوائد سُلْطَانه وفوائد إحسانه وَأمر وَنهى وَبلغ الْمُنْتَهى وَأدْركَ المشتهى وَانْقطع شمس الدولة إِلَى مُوَاصلَة لذاته فِي لداته ومعافاة عفاته ومصافاة صِفَاته وانتهت أَحْكَام سلطنته وتوقفت أَسبَاب مكنته فاقترح على أَخِيه تَسْلِيم بعلبك إِلَيْهِ والإنعام بهَا عَلَيْهِ فحفظ قلبه وَمَا أحفظه وصان لَفظه وَمَا لَفظه وَمضى إِلَيْهَا وأكره شمس الدّين بن
стр. 132
الْمُقدم على النُّزُول مِنْهَا والتسلي عَنْهَا فَمنع ادلالا وتوقع أفضالا فلج فِي حصاره حَتَّى أذن أضجاره بأصحاره وتسلمها لشمس الدولة من شمس الدّين وَتمّ الْمُوَافقَة المؤذنة بالتأنيس والتسكين فانتقل إِلَيْهَا يتَصَرَّف فِيهَا ويتألف أَصْحَابه بالتفرق مقطعين فِي نَوَاحِيهَا
وَعَن الْمحل وضن الوبل وجذ الجدب حبال الْحيَاء وَحط الْقَحْط رحال البرحاء وَرَأى السُّلْطَان أَن يَسْتَدْعِي من عَسْكَر مصر مقدمين يقدمُونَ فِي عدَّة منتجبة عدَّة منتخبة وَرَأى أَن الشَّام بمواده الْخَفِيفَة وامداده الضعيفة لَا تحمل أثقال العساكر الْكَثِيرَة الكثيفة فَرغب أَخَاهُ شمس الدولة بِمَا زَاده من الديار المصرية فِي قَصدهَا وَأَنه يجدد بسعده جدها وسعدها وَكَانَ رحيله من دمشق بعد صَلَاة الْجُمُعَة لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة بالعدة المستعدة وَصَحبه خلق كثير من التُّجَّار وَالرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال
وكتبت فِي رِسَالَة أنشأتها
قد بَان لنا وَجه الصَّوَاب فِي استدعاء عدَّة متوسطة من انجاد الْعَسْكَر الْمصْرِيّ الأنجاب بِحَيْثُ يخف وَطْؤُهَا ويثقل فِي الْعَدو نكأها فَإِنَّهُ لَو كَانَ عندنَا مِنْهَا مَعَ عَسْكَر الشَّام ألف فَارس من كل ممار لِلْعَدو ممارس لبلغنا بهم لَك غَرَض وأدينا فِي الْجِهَاد وَالِاجْتِهَاد كل مفترض فَإِن الشّعير غال والسعر وان نزل عَال والعشب قد ولى والاقتصاد مَعَ هَذِه الْحَالة أولى فكتبنا إِلَى أخينا بِمصْر أَن ينتخب لنا من الأقوياء بِالْخَيْلِ وَالْعدة والبأس والشدة الْفَا وَخمْس مائَة فَارس من كل بَاشر بالكريهة وَوجه الْمنون عَابس وأشرنا على الْملك الْمُعظم بالتوجه إِلَى مصر بِالْيمن والنصر ويستصحب مَعَه من طَال بِالشَّام بيكاره وَبَان انفاضه واقتاره وضعفت أَحْوَاله وتضاعفت أثقاله وَعجز عَن الْإِقَامَة احْتِمَاله فاستصحبهم وَسَار بهم من دمشق فِي ذِي الْقعدَة فِي الْعشْر الْأَخير وبادر وحظر التَّأْخِير فِي الْمسير وركبنا وودعناه عِنْد ركُوبه فِي مرج الصفر وَسَأَلنَا الله أَن ينجده فِي السّفر بالظفر وَكَانَ رحيله من بصرى يَوْم الثُّلَاثَاء
стр. 133
الثَّامِن وَالْعِشْرين من الشَّهْر وَمِنْه إِلَى الْأَزْرَق وَمِنْه إِلَى الجفر وَيرد ارْمِ وأيله ويصدر إِلَى صدر وَقد سيرنا الطَّلَائِع إِلَى كل مطلع وأنهضنا كل عَارِف إِلَى الْأَخْبَار متطلع وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْعَسْكَر والعسكر الْوَاصِل من مصر يَلْتَقِيَانِ عِنْد أيله وبقربها وَلَا يكترثان بالفرنج وحربها ورأينا الْمصلحَة فِي مسيرَة لمنافع كَثِيرَة وفوائد أثيرة مِنْهَا التَّخْفِيف عَن الشَّام فِي مثل هَذَا الْعَام وَذَلِكَ بعد أَن رتب فِي بعلبك نوابه وأقطعها أَصْحَابه وَمِنْهَا أَن بوصوله إِلَى مصر وَقد خرج مِنْهُ عَسْكَر اسْما كَبِيرا وصيتا عَظِيما ومحلا خطيرا فَإِن الأرجاف شَائِع باسطول صقلية المخذولة وَخُرُوجه وقصده بحشوده وهيوجه ووصول أخينا يكسر من عزم الْعَدو ويحطه من ذرْوَة العتو وَمِنْهَا أَنه إِذا أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ تصرف أخونا الْعَادِل فِي الْبِلَاد بعسكره وعذب صفو نجح مقْصده فِي مورده ومصدره وَتوجه إِلَى الْعَدو فِي الدَّيْر بالدوائر وَاسْتظْهر بِمن يستنجده من العساكر
وَمِمَّا اتّفق فِي هَذِه السّنة
غادر ابرنس انطاكية وَجمع من أوباشه وأوشابه الزمر وأغار على جشير شيزر وغدر القومص بطرابلس بعد الْأمان بِجَمَاعَة من التركمان فَإِن الفرنجية اجْتَمعُوا وَقَالُوا الصَّوَاب أَن نفرق عَسْكَر الْإِسْلَام فِي ثغوره بالإرعاب والإرهاب والغارة على كل طرف واصماء كل هدف فَإنَّا لَو هادناهم فِي جَانب توفر عَسْكَرهمْ على الْجَانِب الْمُحَارب وتجرد لاصابتنا فِي المصائب فَاقْتضى المر أَن رتب السُّلْطَان ولد أَخِيه تَقِيّ الدّين فِي ثغر حماة وَمَعَهُ شمس الدّين بن الْمُقدم وَسيف الدّين عَليّ المشطوب وعساكرهم الكماة الحماة وَصَاحب شيزر بعسكره محتاط فِي مورده ومصدره وَأمرهمْ
стр. 134
بالاستكثار من الرِّجَال واستخدام نجب الابطال وَكَانَ التركمان قد أغار عَلَيْهِم الْعَرَب واستطالوا وأزالوهم عَن مراكزهم وصالوا وَجرى مَا أحوجهم إِلَى البعاد وأزعجهم عَن الْبِلَاد فنفذ السُّلْطَان وَرَاءَهُمْ يستميلهم بالاحسان ويستدعيهم من الْبلدَانِ ورتب نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه عَمه فِي ثغر حمص فِي مُقَابلَة القومص ومقاتلته وَالْوُقُوف بحذاء الحذار من غائلته والاشفاق من غرَّة تقع من غارته وَكلهمْ مَأْمُور بالتنبه لكل صوب والاصاخة إِلَى كل صَوت والاحتراز فِيمَا يَقع من الفوارط من فَوت رابض فِي مَكَانَهُ اذا أحس بنبأة وثب عَلَيْهَا ممسكا بعنانه اذا سمع هيعة طَار اليها
فصل من انشائي فِي هَذَا الْمَعْنى وَارِد فِيهِ يَقُول
وَمَا أغار من الاعداء إِلَى الْيَوْم مغير الا وَعَاد مثلوما مفلولا مهزوما مخذولا وَقد استجاش الابرنس بالأرمن وَالروم وَلَا بُد لَهُ من لِقَاء يَوْمه المشئوم واذا وصل عسكرنا اضرمنا عَلَيْهِم نَارا ادركنا من كل ثَائِر ثارا وخربنا على كل دائر بالسوء دَارا وتلونا ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ والآن ألان الله الشدائد وأنال الْمَقَاصِد وأردنا المراشد وأصفى لنا الْمَوَارِد وأوفد إِلَيْنَا ذَوي الآمال وأنجح بِنَا رَجَاء الرِّجَال ووسع عندنَا فضاء الافضال وتوالت رسل الْمُلُوك إِلَى جنابنا بالحب والحباء وصفاء العقائد وَعقد الصفاء وإعاد الْوَلَاء وَوَلَاء الدُّعَاء
فصل فِي معنى رسل الْأَطْرَاف ووصولهم بالإسعاف
وَأما الْأَطْرَاف فان مُلُوك ديار بكر إِلَيْنَا ملتجون وَلنَا مرتجون وبحبلنا معتصمون وبحبنا ومتسمون وبحبائنا متوسمون وَإِلَى بشرنا مبتسمون ولبرنا مقتسمون وللصلة طالبون وَفِي الوصلة راغبون وَمن سُلْطَان الرّوم مستشعرون وبسلطاننا مستنصرون فَأَرْسَلنَا إِلَيْهِم أَبَا حَامِد بالألطاف وأدنينا لَهُم مجاني المصافاة الحلوة القطاف العذبة النطاف ولبينا نداءهم وقوينا رجاءهم وروينا صدا أسرارهم وجلينا صدأ أفكارهم وجلينا غمَّة اغتمامهم وَقَبلنَا اعتزاء اعتزامهم وَوصل كتاب
стр. 135
رَسُولنَا بشكر اهتمامهم وَصدق انتمائهم وخلوص ولائهم وخصوص آلائهم
وَوصل رسلو سُلْطَان الرّوم قلج أرسلان يصف لنا صفاءه ويوفينا وفاءه ويعرض وده ويعرض بِمَا عِنْده ويثول أَنه هادن الرّوم وخلا مِنْهُم باله وَزَالَ اشْتِغَاله وَهُوَ عَائِد إِلَى ملطية ليدبر بِحُضُورِهِ أَعماله وَكَأَنَّهُ يستعظم منا متاركته إِذا لم نؤثر فِي قَصده من تَلْبِيَة مشاركته وهيهات أَن نَتْرُك الْمُسلمين يقْصد بَعضهم بَعْضًا أَو نرى أحدا مِنْهُم الا فِي سَبِيل الله ودا أَو بغضا وَلَو أنصفت الْأمة الإسلامية بِأَن صفت ووفت بِعَهْد الله وأوفت لما عَادَتْ الا عَداهَا لَكِن الله يَقُول ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ وَقد توفر اجتهادنا على أَن نستميل كلا إِلَى الْجِهَاد ونجمع شملهم على الِاتِّفَاق والاتحاد وَالله يوفق لما رِضَاهُ من امرار حَبل هَذَا المرام وامراع مُرَاد هَذَا المُرَاد
ذكر مَا عول عَلَيْهِ السُّلْطَان بعد توديع أَخِيه شمس الدولة
أغار على بِلَاد الفرنج لمشاهدة الْحصن الَّذِي بنوه وَالْجد ببأسه فِي إبعاد الْبَأْس الَّذِي أدنوه
فصل من إنشائي
قصدنا البرج ونازلناه وَمَا زلنا نزاول من عِنْده الْقِتَال حَتَّى أزلناه واحتموا بباطنه فَمَا أخرج أحد رَأسه وسنعود غليه بعون الله ونقلع أساسه وأغار أَصْحَابنَا يَمِينا وَشمَالًا وَقتلُوا رجَالًا وأحرقوا غلالا وقرنوا بأعناق من قرنوه أصفادا وأغلالا وعدنا بِالْغَنِيمَةِ وَعز الْعَزِيمَة وباء الْكفْر بالسخيمة والأعين السخينة وتقصت أصلاب الصليبين من هز الْهَزِيمَة وانتقل السُّلْطَان إِلَى الشُّعَرَاء وخيم فِي مروجها وأسام الْخَيل فِي اكلأ خرومها وفروجها وَلما تطوحت الأعشاب وصوحت الشعاب وَقل
стр. 136
الْكلأ ومل الْمَلأ وَعدم الْعلف وَوجد التّلف وَتعذر الْخلف وَزَاد الكلف وَكَثُرت الكنف انْتقل السُّلْطَان وحقق وَأدنى لنا الرَّجَاء وَأَبَان الْيَأْس وَنزلت النوبتية على تل القَاضِي وَشرع فِي استبداء دين الدّين من شُرَكَاء الشّرك بادامة التقاضي وَقد وَفد من الْبَوَادِي من جرى بسيله الْوَادي فرام أعتاب الْبَريَّة واعراب الْبَريَّة وَقَالَ هَؤُلَاءِ إِذا اكتالوا السّنة من الشَّام بلي الْعَام بِالْمحل الْعَام وَجمع عِنْده الجموع وملأ بهَا صُدُور تِلْكَ السفوح والضلوع وَبَلغت الخيم إِلَى حُدُود بِلَاد الْكَفَرَة وأضرم عَلَيْهِم لَهب النيرَان المستعرة وَكَانَ فِي كل يَوْم يركب وَفِي خدمته الْخَواص وَيظْهر أَن غَرَضه الِاصْطِيَاد والاقتناص ثمَّ ينزل على النَّهر ويجرد فرسَان الجلاد والقهر ويسير قبائل الْعَرَب إِلَى بلد صيدا وبيروت حَتَّى يحصدوا غلات الْعَدو ويجمعوا الْقُوت وَمَا يبرح مَكَانَهُ حَتَّى يعود وَا بجمالهم وأحمالهم موثقة بأثقالها حَتَّى خف من زرع الْكفَّار مَا بِالْقربِ وَلم يحصل مِنْهَا كِفَايَة الْعَرَب والعجم الغرب وأشفق على النَّاس وَحقّ وجوب الاحتزار والاحتراس جمع امراءه للمشورة واستنبط خبايا الضمائر المستورة وشاورهم فِي الْأَمر وحاورهم فِي مضرَّة اهل الْكفْر وَقَالَ قد علمْتُم غلاء الغلات وإقواء الأقوات وَظُهُور اعراب الْبَادِيَة وخفاء الاعشاب الْبَادِيَة وَمَا بالبلاد غلَّة للْعَرَب تكيلها وَلَو رامت لضاقت عَلَيْهَا سَبِيلهَا وَمَا كَانَ بِالْقربِ من غلات الْعَدو وزروعه وثماره ونبوعة قد استبحناه واجتحناه وَمَا تركنَا زندا الا اقتدحناه وَلَا لطفا إِلَى الله الا استمحناه وَلم يبْق الْآن الا ان ننهض عساكرنا بالنوبة وَنُقِيم بقوتها إِلَى حِين الاوبة حَتَّى اذا أنس النَّاس من أَسبَاب الْأَمْن وَلم يستشعروا من احكام الوهن استرسلوا فِي دُخُول تِلْكَ الْبِلَاد واستاروا مَا شَاءُوا من الْغلَّة والزاد وان شرع الْعَدو فِي الاحتشاد لصرفنا عَن هَذَا المُرَاد لَا يكتم سرهم وَلَا يخفى امرهم فان جواسيسنا بالبلاد وعيوننا للارصاد ان نهضوا نهضنا فِي مقابلتهم
стр. 137
وحرصنا على مُقَاتلَتهمْ وَأما طَائِفَة مِنْهُم فَإِنَّهَا أقل وأذل وأزل قدما على عَن الْأَقْدَام وأشل وأفل حدا وَأكل فَأَجَابُوهُ على هَذِه الْقَاعِدَة المستطاعة بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة والتباعد الا عَن التباعة وَأَقَامُوا ليقيموا بِهَذِهِ الْمصلحَة ويستفيدوا متاجر الْغُزَاة المريحة وَمَا زَالَت المقانب تنهض والطلائع على مراكزها تربض والمزارع على تحصد والمواضي تقصد والأماكن تخلى والمكامن تخلى والبروج تكنس والمروج تدرس والجديد يشسهر والشديد يقهر وَالثِّمَار تصرم وَالنَّار تضرم حَتَّى إكتفى الْبعيد والقريب والبلدي والغريب والداني والعزيب وارتوى الصَّادِر الصادي واحنوى الْحَاضِر والبادي
فصل من كتاب آخر الى الْأَجَل الْفَاضِل وَهُوَ فِي الْحَج فِي معنى قصد الْحصن وَالنُّزُول عَلَيْهِ فِي ايام الْعِيد والتشريق واعادة ذكر وقْعَة هنفري
قد سبقت الْمُكَاتبَة بشرح النّوبَة الَّتِي شرحت الصُّدُور وحبت الحبور ويسرت السرُور وشدت الظُّهُور ونظمت فِي سلك الاسْتقَامَة الْأُمُور وَهِي الْوَقْعَة الَّتِي انجلى غبارها عَن قتل هنفري وفاز فِيهَا الْإِسْلَام من نهل النَّصْر وَعلة بِالريِّ وَمَا كُنَّا نتحقق قدر تِلْكَ النُّصْرَة وَعظم تِلْكَ المسرة حَتَّى امتدت عَلَيْهَا الْأَيَّام وكشف غطاؤها وكنف عطاؤها وتوالت بِمَوْت الْمَجْرُوحين مِنْهُ أنباؤها وَهَذِه الكسرة الصَّحِيحَة والنصرة الصَّرِيحَة وَالتِّجَارَة الربيحة هِيَ الَّتِي ازعجتهم وأعجزتهم وأخرجتهم مضاجع الْقَتْل وابرزتهم وَأَلْقَتْ فِي قُلُوبهم الرعب وأبقت فِي أكبادهم النّدب ونصبت على بِلَادهمْ الْبلَاء وَالنّصب وصبت على رؤوسهم الوصب فَحَيَّا الله الْوَقْعَة الَّتِي هلك هنفري من جراحها وَالْحَد تَحت الصفائح من حد صفاحها وَكَانَ طاغيتهم الْأَكْبَر وطاغوتهم الْأَشْهر وَرَئِيسهمْ الْأَقْوَى وإبليسهم الأغوى وفارسهم الأفرس الأفرى وممارسهم الأجرأ الأجرى وَكَانَ حتف هَذَا الْعَظِيم فتحا عَظِيما ونجحا عمبما وفضلا من الله جسيما وهلاكه فت فِي أكبادهم وأعضادهم وشتت شَمل انجادهم وأجنادهم وَقد عَادوا الى هونهم وعاذوا بحصونهم وَلَك يبْقى فِي الْعَزْم الا عقرهم فِي عقر دَارهم والإقبال على تَبِعَهُمْ أَوَان أدبارهم
وَوَقعت الْبِدَايَة فِي قصد البرج الَّذِي بنوه وااقتهم وبال الْأَمر الَّذِي جنوه فكشف بمنازلته عواره وَبَانَتْ اسراره وهتكت أستاره وَظهر أَنه هَين الْأَخْذ بَين الوقذ يشقى بِهِ أَهله فَهُوَ بَيت احزانهم وَدَار هوانهم ومصرع فرسانهم ومكسر
стр. 138
أصلابهم وصلبانهم وَقد نهضنا إِلَيْهِ يَوْم الْخَمِيس فِي خَمِيس شَاكر لألطاف الله غير شَاك وصبحنا البرج يَوْم التَّرويَة وروينا ظمأ الظبا من طلا الطلى وأدينا دين الدّين وأخذنا بثأر الثائر العادي من العدى وفجعنا طبريا بمنية منيتها وأظهرنا بِقُوَّة الْإِسْلَام ضعف ملتها وبتنا تِلْكَ اللَّيْلَة على البرج المخذول وفزنا من كشف عوارة والإطلاع على أسراره بالنجح المأمول وأصبحنا وَجَعَلنَا وَقْفَة غزوتنا بِإِزَاءِ وَقْفَة عرفتكم وأقمنا الْحجَّة بهَا على شُمُول بركَة حجتكم واقمنا عَلَيْهِ يَوْم الْعِيد وأقمنا الْقيمَة عَلَيْهِم بالوعيد وأكثرنا النوائح والنوادب بندوب تِلْكَ النواحي ونحرنا عدَّة من رؤوسهم وطواغيتهم مَعَ الْأَضَاحِي وأقمنا بعد ذَلِك بالتأييد والتوفيق يَوْمًا وَبَعض يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق مشرقين بالغارات ومغربين ومضحين بأعداء الله ومقربين حَتَّى وَجَبت جنُوبهم وركدت شمالهم وجنوبهم وهبت لأدبارهم دبورهم وكبت فِي ورطة الردى بورهم فَهَذِهِ خَمْسَة أَيَّام ارتوى فِيهَا خمس الْإِسْلَام نهلا وعَلى وشفت صدورا وغللا وأوضحت من مصر الدّين والدولة سبلا وخذلت عدى ونصلت هدى ونهجت علا
فصل آخر فِي مَعْنَاهُ
وَقد تمت المواعدة على مواعدته والمراددة لمراودته وانعقدت العزائم على الرُّجُوع إِلَيْهِ وَالنُّزُول بِالْجمعِ عَلَيْهِ لهد بنيناه وَهدم قَاعِدَته وَلَوْلَا انْتِظَار وُصُول الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وارتقاب اقترابه لصب عَلَيْهِ صَوت عَذَابه وقرع بَاب الْفَتْح لفتح بَابه وصل الْآن الْعَسْكَر وَبَان من الظفر الْمُضمر
وَمن جملَة نهضاتنا الْقَرِيبَة ودعواتنا الجليبة دَعْوَة الْإِسْلَام المجيبة أننا قُلْنَا يَوْم الْعِيد أَن فَاتَت الْحجَّة فقد كَانَت بِإِمْكَان الْغَزْوَة الْحجَّة وَصحت العزمة ووضحت المحجة فأدجلنا لَيْلَة الْخَمِيس الثَّامِن من الشَّهْر فِي خَمِيس مجر وصبح البرج المخذول حِين شقّ أَنهَار النَّهَار فجر الْفجْر فَروِيَ يَوْم التَّرويَة ظمأ الظبى وسقاها من ورد الوريد طلا الطلى وجلا عَن كفو النَّصْر هدي الْهدى وألحف العدى رِدَاء الردى وعرفنا أَن يَوْم وقفتنا يَوْم عَرَفَة للغزاة تناسب وَقْفَة المحرمين العراة فكلا الْفَرِيقَيْنِ يُؤَدِّي لله فرضا ويجد بعبء عِبَادَته نهضا فَعرف من هَا هُنَا مُجَاهدًا وجاهة من هُنَاكَ مُعَرفا
стр. 139
وَكَانَت الإاضة فااضة الْبلَاء على الْكَفَرَة ودلف إِلَيْهِم مزدلفا وضحى يَوْم الْعِيد بصيدهم وَقرب بنحر صَنَادِيدهمْ
وَدخلت سنة خمس وَسبعين وَخمْس مائَة فِي دولة الإِمَام المستضيء بِأَمْر الله ﵁
وَالسُّلْطَان صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين نَازل على تل القَاضِي ببانياس وَقد عَم الإيناس النَّاس وَفِي كل يَوْم يصابحون بلد الْعَدو ويماسونه ويداوون جرح الجدب بِمَا ينقلونه من الغلات ويأسونه حَتَّى لم يبْق هُنَاكَ إِلَّا الْيَسِير فأجمعنا على أننا نستبيحه فِي يَوْم وَاحِد ونسير
وَكَانَ الْمُقدم على الْعَسْكَر عز الدّين فرخشاه ابْن أخي السُّلْطَان شاهنشاه وَكَانَ مخيمه على بعد من السرادق السلطاني قدامه وَكم قد شكر الْإِسْلَام فِي مَوَاقِف الْعِزّ وأقدامه وَلَقَد كَانَ هماما مقداما سيدا قمقاما ومجربا ضرغاما وأريحيا نجيا وتقيا وذكيا زكيا والمعيا لوذعيا سامي الهمة هامي السَّمَاء نامي الْكَرم كريم الانتماء وَهُوَ ذُو فضل يحب الْفضل وَأَهله وَيجمع بِعَرَفَة الشَّامِل شَمله ويؤثر لموثري الصون بذله وَلم يزل مشكور النقيبة مَشْهُور الضريبة ناجح الْآرَاب رَاجِح الآراء هائجا إِلَى الْأَقْدَام مقدما فِي الهيجاء وَاسع الأكناف أرج الأرجاء وارف الظل وافر الْفضل وَلم يزل كلفا لي بتحمل الكلف وأسامني بأسمائي فِي ورض الجاه الْأنف وتقريب المناجح لأملي وَتَقْرِير المنائح لعملي ويستجدي غرائبي برغائبه المستجداة ويستهدي مدحي بمنحه المستهداة وَله مواهب أبكار وَعون وعقود من عوارفه وعيون وسأذكر فضائله وأشكر فواضله وأصفه كَمَا أعرفهُ فِي كل قَضِيَّة يقرظ فِيهَا موقفه وَأورد من مدائحي فِيهِ وَمَا أبدعته من مَعَاني معاليه
وأذكر هَا هُنَا مَا يتَّصل بِهِ الحَدِيث ويشفع قديمه الحَدِيث وَذَلِكَ أَنه لما اسْتهلّ محرم هَذِه السّنة يَوْم السبت حضرعند السُّلْطَان عَمه وأنهى إِلَيْهِ مَا لَاحَ لَهُ فِي زَعمه وَمَا باح بِهِ من عزمه وَقَالَ إِن الْمقَام هَا هُنَا يصعب وَالصَّبْر عَلَيْهِ يتعب لَا سِيمَا وَالْحر قد تضرم وَالزَّرْع قد تصرم وَالْعَام قد تجرم والعسكر قد تفرق والعدو قد أخفق وبلاد الْكفْر خويت وطرافها وتلادها حويت وخلالها جيست وغلاها
стр. 140
ديست ومراعيها رعيت ومنافعها نعيت وَالْعرب قد اكتالت واكتفت وَالْملَّة قد اختالت واشتفت وَأهل الشّرك هاجمون واجمون ولظنونهم فِيمَا هم لَهُ راجون راجمون فنتحول إِلَى حَيْثُ نتبدل الضّيق بِالسَّعَةِ وتنتقل الْمضرَّة بِالْمَنْفَعَةِ فَقَالَ السُّلْطَان مَا أَنْجَب الرَّأْي الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ وأنجح السَّعْي الَّذِي سعيتموه وَقد بَقِي أَنكُمْ تنهضون فِي هَذِه اللَّيْلَة أَجْمَعِينَ وعَلى دُخُول بِلَاد الفرنج مُجْمِعِينَ فتجمعون مِنْهَا مَا تخلف فِي موَاضعهَا المتفرقة وتزورونها بنيران عزماتكم المحرقة وَإِذا عدتم سَالِمين سالبين غَانِمِينَ غَالِبين رحلنا صوب الْبِقَاع واستأنفنا مَا يعود لِلْإِسْلَامِ وأعلامه بالإرتفاع وَالِانْتِفَاع
ذكر وقْعَة مرج عُيُون ونصرها وقمع الفرنج وَكسر مقدميها وأسرها
وَلما نَهَضَ أَصْحَابنَا تِلْكَ اللَّيْلَة وأدلجوا وخاضوا بَحر الظلام ولججوا وامتدوا وأبعدوا وتعلفوا تزودوا أصبح السُّلْطَان يَوْم الْأَحَد رَاكِبًا وَمَعَهُ صمصمام الدّين أجك وَالِي بانياس مصاحبا فِي موكب خَفِيف وَجمع غير كثيف ووقف على الطَّرِيق وَسَأَلَ الله حسن التَّوْفِيق فَوجدَ فِي تِلْكَ الغياض أبقارا جافلة وسروحا عَن مراتعها زائلة وجاءه بعض الرُّعَاة وَأخْبر أَنه شَاهد عَسَاكِر العداة وَأَنَّهُمْ عبروا بِالْقربِ على قصد المتعلفة بالنهب وَالْحَرب فَعجب السُّلْطَان من هَذَا الْخَبَر واستبعده وَقَالَ لَو كَانَ للفرنج قصد لجاءنا الجاسوس عَن الْعَدو وأوضح لنا جدده وَذكر عدده وعدده فَمَا صدق الْخَبَر حَتَّى جَاءَ من أَوَائِل الْعَسْكَر من ارتاع وَعجل فِي الْعود الْإِسْرَاع
فجَاء السُّلْطَان إِلَى المخيم وَقت الظّهْر فتفاءلنا بِهِ للظهور ونادى فِي متخلفي مماليكه وخواصه بالحضور وَكَانَت فِي اسطبله خيل عراب شدت للتضمير وجياد عتاق أعدت ليَوْم النفير فبذل مصونها وأصفى لخواصه صفونها وَقَالَ اركبوا وأدركوا الْعَدو وانكبوا وَعَن قصد لِقَائِه لَا تنكبوا وَمَا زَالَ ينْهض محربا ويقنب مقنبا حَتَّى انتظمت لَهُ كَتِيبَة شهباء وبهمة دهماء ولاحت لَهُ غرَّة النَّصْر وَهِي بَيْضَاء وَسَقَى بِمَاء
стр. 141
الْمنون لهاذمه وصوارمه وَهِي حَمْرَاء وَسَارُوا لَيْلَة العجاج فِي يَوْم الْهياج سَوْدَاء والخضراء من وَقع الحوافر ونقع الحوافر غبراء وهاج كَمَا ماج الدأماء وتلألأت خرصانه كَمَا تزينت بالزهر السَّمَاء وَجَرت بالجبال الرِّيَاح وقلقت فِي اشباح الغمود الْأَرْوَاح ونزعت عرائس الْبيض إِلَى خضابها واشتاقت شفَاه الشفار من ممراشف الطلا إِلَى رياضها واشتارت ذئاب الظبى ضرب ضرابها وأنست عاسلات السبَاع من عاسلات اليراع بِصُحْبَة أضرابها وطارت العقبان مَعَ أَمْثَالهَا من الرَّايَات وتنزلت الْمَلَائِكَة من نَص النَّصْر بِالْآيَاتِ ولوت فوراع الألوية مواعد اللأواء وأشرعت شوارع الأسنة موارد الدِّمَاء وشغفت أحباء الله بلقاء الْأَعْدَاء وحفز الزَّحْف ومرج وَفتح الحتف المرتج ونعب غراب الْغُبَار ببين الأعادي وطميت طي العضاب الغضاب إِلَى هد الهوادي وَجرى سيل الْخَيل وجر القتام على بهار النَّهَار ذيل اللَّيْل وللبنود اختفاق وللجنود التفاف واتفاق وللسعود اشراق وللصوارم انتشاء وانتشاق وللصرائم إِجْمَاع لَا افْتِرَاق وللرماح مراح وللأرواح إِلَى الْمَوْت ارتياح وَالسُّلْطَان فِي موكب جلالته كَالْقَمَرِ المبدر فِي هالته وابداء النَّصْر برشده بدلالته فَلم يزل يعنق ويخب ويبرق ويهب ويغرق ويعب ويزخر ويموج ويزجر ويعنج وَيجْرِي ويجر ويفري ويفر ويمري ويمر والسوائح للتجار حاملة والجوائح للْكفَّار حَاصِلَة شَامِلَة حَتَّى ترَاءى الْجَمْعَانِ ودنا الرعان من الرعان وعنا الْعَنَان للعنان وحنا السنان على السنان ونشطت إِيمَان الْإِيمَان وَقرب قرَان الأقران واحترب حزب الله وحزب الشَّيْطَان وحلا ضرب الضَّرْب وَطعم الطّعْم بعذب الْقَضِيب وَمر المران ومالت للتداني أعطاف اللدان وصافحت الصفاح أشاجع الشجعان ووقف الْجَمْعَانِ ووقد الجمران وطلعت فِي أبراج العجاج نُجُوم الخرصان وَتحقّق خراب مَا لألأعمار من الْعمرَان ﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾
وَاتفقَ أَن الإفرنج لما أشرفوا على العلافة سدوا طَرِيق الْأَمْن بطوارق المخافة وَكَانَ عسكرنا الناهض لما عرف إقدامهم لم يقف قدامهم وَسَار عَن أثقاله بَعيدا وَرَجا من النجدة مدَدا جَدِيدا فخف رجالتهم إِلَى الأثقال وفارقوا خيل النزال وفوارس
стр. 142
الْقِتَال والمقدمون والأكابر بأنفون من الِاشْتِغَال بالنهب وَلَا يقتحمون الا حر الْحَرْب فقصدهم السُّلْطَان فِي أبطاله وشغلهم بقتاله وَرَمَاهُمْ برماة رِجَاله وكماة مصاله وهم على رَأس راس راكبون شناخيب من آكام وأفراس فأحدق بهم الْعَسْكَر وتكاثر العثار وتكاثف العثير وَجَاء فل الْعَسْكَر الجافل ووفرت أقساطها القساطل وَطلبت صلَة مناها المناصل وَأُصِيب من الْكفْر فِي الْقِتَال الْمقَاتل فتحركت جبالهم وتدركت المنى أَو الْمنون ابطالهم وبرز ابْن بارزان مقدما فِي مقدمتهم وَحمل بحملتهم وكادوا يكسفون الْأَنْوَار ويكشفون الاستار ويشقون الْغُبَار ويسبقون الْمِضْمَار فَثَبت السُّلْطَان أمامهم وردهم وَرَاءَهُمْ وميل بهم عَن استوائهم إِلَى أسوائهم وترادف المدد وسدت الملحمة عَلَيْهِم فَمَا الحموا وَلَا اسدوا فحملوا حَملَة كَادَت تتمّ وَبسر الشَّرّ تنم وَطعن فِيهَا صمصام الدّين أجل وخشي أَنَّهَا لَا تتدارك فردهم خوف الردى إِلَى الْجَبَل وَضَاقَتْ عَلَيْهِم واسعات الْحِيَل وخشي أَنَّهَا لَا تتدارك فردهم خوف الردى إِلَى الْجَبَل وَضَاقَتْ عَلَيْهِم واسعات الْحِيَل وطلبوا وَرَاءَهُمْ طَرِيقا فَمَا وجدوها وعدموا رجالتهم الَّتِي انجدوها وَأَحْدَقَتْ بسيدانهم أسودنا إحداق النَّار بالحلفاء وخاضت غمار الهيجاء واسروا بأسرهم وَصَحَّ النَّصْر من كسرهم وَتمّ يسرنَا بعسرهم وربحنا بخسرهم وَدخل اللَّيْل فَمَا خَفِي بسواده سوادهم وَقيد بخزائم الذل قوادهم وصيد بالصيد صيدهم وَمَا صين صَنَادِيدهمْ وَمَا فرس غلا فرسانهم وَمَا شجى وشجب الا شجعانهم فَإِن الرجالة لما شاهدوا عَسَاكِر الْإِسْلَام تبدد شملهم فِي الوهاد والآكام وارتاعوا من الروع وَمَا اجْتَمعُوا بِمَا لَهُم من الْجمع فَمَا ضغم الا ضيغم وَلَا قدم الا كل مقدم وَلَا شقي الا كل منعم وَلَا اعقتل الا كل معقتل وَلَا شَمل الْبلَاء الا كل قاهر وَلَا عقر الا كل عَاقِر وَلَا ندب الا كل ندب وَلَا ضرب الا كل ضرب وَلم يفلت من بَينهم وَلم ينج من حينهم إِلَّا الْملك المجذوم فَإِنَّهُ أخر مهلكه
стр. 143
المحتوم وَقيل إِن أحدهم حمله على قَفاهُ وسرى بِهِ تَحت اللَّيْل وأخفاه ثمَّ نجا بِهِ ونجاه
وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مخيمه بعد هدء من اللَّيْل وَيَوْم النَّصْر بالعجاج ساحب الذيل وداعي الْكفْر فِي الفجاج صَاحب الويل ووافت البشائر إِلَى الْعَسْكَر بالنصر من الْعَصْر وصدرت شروحها بشرح الصَّدْر وَجلسَ السُّلْطَان فِي سرداقه وَنحن عِنْده جُلُوس وحول شمسه من الأفاضل شموس وَمن شموع الحضرة المشتعلة نُجُوم وَمن جموع الْكَفَرَة المعتقلة قروم وَهُوَ يحدثنا بالحادث وَيكثر خطر الكارث وَيَقُول لَوْلَا التأييد من الله لَكَانَ الْخطب خطيرا والخبط كثيرا وَالشَّر كريثا والضر حثيثا فَإِن الْقَوْم أَغَارُوا وَنحن غَارونَ وأسروا سراهم وَنحن بحالتنا سارون لَكِن الله أعماهم وَعَن سَبِيل الْقَصْد أغواهم فإنهملو بدأوا بالمعسكر والحي خلوف والكيد مخوف والجند غيب والثأر كتب وَالنَّار خطب لأعجلوا عَن الألجام والإسراج وسدوا على الكرب مناهج الإفراج ووجدوا الفرصة بادية والعرصة خَالِيَة فصد الله قصدهم وأعمى بخطأهم عمدهم
ثمَّ أذن فِي تَقْدِيم الْأُسَارَى وهم يتهادون كَأَنَّهُمْ سكارى فَأول من قدم ابْن بارزان بادوين وأسره من أمرائنا الأكراد مُحَمَّد بن خوشترين ثمَّ قدم أود مقدم الداوية الْكَبِير وَقد اشْتهر فِي الفرنج بأسه المبير وأحضر هُوَ ابْن القومصية وَكَانَ يعرف بِالنَّفسِ الأبية والنخوة الغضبية وَقيد أَخُو صَاحب جبيل وطالما انهض إِلَى ثغور الْإِسْلَام الْخَيل وَجَمَاعَة من مقدميهم الأكابر
стр. 144
جمعتهم الْجَوَامِع وقمعتهم حَتَّى هانوا ودانوا المقامع وَأَنا جَالس بِقرب السُّلْطَان مُنْفَردا استعرضهم بقلمي فِي الدستور ومشاركا أَوْلِيَاء الله فِي الحبور وَالسُّرُور فأجلسهم من حوله وآنسهم بقوله وَأمر لَهُم بفراء مصيصية فأقروا بطولة طوله وَمن ألطاف الله أا وخواصه الْحَاضِرين لم نزد على عشْرين والأسراء قد أنافوا على سبعين وَقد أنزل الله علينا السكينَة وخصهم بالذلة المستكينة وطلع الصَّباح ورفح الْمِصْبَاح وقمنا وصلينا بِالْوضُوءِ الَّذِي صلينَا بِهِ الْعشَاء والأعطاف من المسرة قد شارفت الانتشاء
ثمَّ جلسنا حَتَّى تمّ عرض المأسورين فبلغوا مِائَتَيْنِ ونيفا وَسبعين من الفرسان المقدمين سوى من أسره آسره فِي خيمته وَلم يسمح بهديته وَسوى من لَا يذكر من الأتباع فَإِنَّهُم عدوا عَن سقط الْمَتَاع
ثمَّ نقل الأسرى إِلَى دمشق فاعتقلوا وبالحديد ثقلوا فَأَما ابْن بارزان فَإِنَّهُ بعد سنة بذل فِي نَفسه مائَة وَخمسين ألف دِينَار واطلاق ألف أَسِير من الْمُسلمين وَكَانَ الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى من نوبَة الرملة عِنْدهم من المأسورين فالتزم إِدْرَاكه وَأَن يُؤَدِّي من قطيعته الْمَذْكُورَة القطيعة الَّتِي عرف بهَا فكاكه وَأما هُوَ ابْن القومصية فَإِنَّهُ استفكته أمة بِخَمْسَة وَخمسين ألفا من الدَّنَانِير الصورية وَأما أود مقدم الداوية فَإِنَّهُ انْتقل من سجنه إِلَى سِجِّين فطلبت جيفته فَأَخَذُوهَا بِإِطْلَاق أَسِير من مقدمي الْمُؤمنِينَ وكال أسر البَاقِينَ فَمنهمْ من هلك وَهُوَ عان وَمِنْهُم من حرج بقطيعة وأمان
ذكر فصل من كتاب أنشأته عَن السُّلْطَان فِي هَذِه الْوَقْعَة الْمُبَارَكَة والألطاف المتداركة إِلَى مُجَاهِد الدّين قايماز بالموصل
صدرت هَذِه الْمُكَاتبَة إِلَى الْمجْلس السَّامِي المجاهدي لَا زَالَت موارد الْبُشْرَى
стр. 145
لَدَيْهِ صَافِيَة وملابس النعمى عَلَيْهِ ضافية وأمداد الْحسنى لَهُ وافية والية متوافية دَالَّة على الْبشَارَة بِمَا سناه الله وأسناه وولاه وأولاه من الظفر الهني والنصر السّني وثمر الْعَزْم الجني وَمَا من بِهِ من كسر الفرنج واسرهم وقهر قوامصهم وقسرهم وَمَا أسفرت عَنهُ عَاقِبَة عقوبتهم فِي خسرهم وَمَا أذهبه الله من يسرهم وَقدره من عسرهم
وَذَلِكَ أَن ملك الإفرنج حشر حشود ضَلَالَة وأبطال بَاطِلَة وحشد جيوشه من بره وبحره وساحله وَقدم بفارسه وراجله وقناه وقنابله وظباه وعوامله وذؤبانه وذوابله واستتبع عَبدة الطاغوت واسترفع صَلِيب الصلبوت وزحف فِي ألف رمح وَعشرَة الآف مقَاتل مَا بَين فَارس تركبلي وراجل سرجندي وحامل عدَّة للْمَوْت حَامِل وشارع عَامل بِالشَّرِّ عَامل وكل دراع داعر ومراوغ مغاور وَفَارِس فَارس وَسبع عَابس وَذي طوارق بالأذى طوارق وسوابق إِلَى الْمَوْت سوابق وَوصل فِي هَذَا الْجمع المجر الجم الْجَمْر يَوْم الْأَحَد ثَانِي الْمحرم وَقرب فِي بانياس من المخيم وَكَانَ مُعظم الْعَسْكَر الْمَنْصُور قد ادَّلَجَ لَيْلًا مَعَ العلافة إِلَى ضيَاع للفرنج وناوشوها وشعثوها واسعروا نَار الْحَرْب وأرثوها ووافى إِلَيْنَا دَاع مستصرخ فأصرخناه ولبيناه وضممنا إِلَيْنَا الْعَسْكَر الْحَاضِر وعبيناه وسرنا ناهضين وكرنا راكضين ووافيناهم وَالشَّمْس فِي الطِّفْل محجوبة القسطل وَالْأَجَل عَاد على الأمل والقنا راعف بالنجيع القاني والمنايا هازئة بالأماني والعناء سَائِر إِلَى الْأَسير العاني وَقد سَالَ بالدماء سيل الدأماء واعتقلت الْأسود الهائجة الأساود إِلَى الهيجاء وَالْخَيْل تجول وتجور والخيالة تنوء بالردى فِي ردائها وتنور والجماجم من حر الجلاد تفوت وتفور وحمائم الْحمام تجول حول الْحمى من حماة الروع وتحور وَالْبيض محمرة والسمر مغبرة وغران الزغف بورق الْحَدِيد مخضرة ووجوه الشجعان من شحوب الاحن مصفرة وثغور الْمنون من نيوب النوائب مفترة والأرواح للْفرق مضطربة والأشباح
следующие страницы →