← История

История · id 6628

البرق الشامي

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (324 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

.. هَل أَنْت رَاحِم عِبْرَة وتوله ... ومجير صب عِنْد مأمنه دهي هَيْهَات يرحم قَاتل مقتوله ... وسنانه فِي الْقلب غير منهنه من بل من دَاء الغرام فانني ... مذ حل بِي مرض الْهوى لم انقه اني بليت بحب أغيد سَاحر ... بلحاظه رخص البنان برهره أبغي شِفَاء تدلهي من دله ... وَمَتى يرق مدلل لمدله كم آهة لي فِي هَوَاهُ وَإنَّهُ ... لَو كَانَ يَنْفَعنِي عَلَيْهِ تأوهي ومآرب فِي وَصله لَو أَنَّهَا ... تقضى لكَانَتْ عِنْد مبسمه الشهي يَا مُفردا بالْحسنِ إِنَّك منته ... فِيهِ كَمَا أَنا فِي الصبابة منتهي قد لَام فِيك معاشر أفانتهي ... باللوم عَن حب الْحَيَاة وَأَنت هِيَ ... أبْكِي لَدَيْهِ فان أحس بلوعة ... وتشهق أومى بِطرف مقهقه ... أَنا من محاسنه وحالي عِنْده ... حيران بَين تفكه وتفكه ضدان قد جمعا بِلَفْظ وَاحِد ... لي فِي هَوَاهُ بمعنيين موجه لأجردن من اصطبارى عَزمَة ... مَا رَبهَا فِي محفل بمسفه أولست رب فَضَائِل لَو حَاز أد ... ناها وَمَا أزهى بهَا غيرى زهي ...

стр. 212

.. شهِدت لَهَا الاعداء واستشفت بهَا عينا حسود بالغباوة أكمه أَنا عبد من شهد الزَّمَان بعجزه ... عَن أَن يجيئ لَهُ بند مشبه عبد لعز الدّين ذى الشّرف الذى ... ذل الْمُلُوك لعزه فر خشه الموقد الْحَرْب الْعوَان ببأسه ... ولأسد بَين معرد وموهوه المفحم الفصحاء فصل خطابه ... من ذى الروية فيهم والمبده فَكَأَن قرنا يبتلى بنزاله ... يرْمى بطود فَوْقه متدهده وَكَذَا البليغ ملجلج فِي نطقه ... حصرا كألكن فِي الحوار متهته فلتبجح العلياء مِنْهُ بمحرب ... عِنْد الجلاد وَفِي الْجِدَال بمدره هُوَ غرَّة الزَّمن البهيم وعصمة المل ... ك الْعَقِيم وغوث كل مؤيه ملك همام حَازِم يقظ رَضِي ... بَحر غمام عَالم ندس نهي فطن لأخذ محامد خفيت على ... فطن الألى فلمثلها لم يؤبه متنبه للمكرمات وَلم يكن ... عَنْهَا ينَام فيبتدى بتنبه يعدى على جور الزَّمَان بعدله ... وَيُجِير بالنعماء كل موله واذا اسْتَغَاثَ اليه مِنْهُ مَاله ... كَانَت اغاثته لَهُ صه أَو مَه وعَلى شمائل مجده وروائه ... للمجد أبهة بِغَيْر تأبه مَا اللَّيْث أوغل فِي الترائب نابه ... سغبا يصول بأهرت متكهكه ...

стр. 213

يَوْمًا بأسفك للدماء لَدَى الوغى ... مِنْهُ واقتل للعداوة واعضه تعبت اسنته على عليائه حَتَّى تفرد بِالْمحل الأنوه فغدا وَرَاح بِهِ رعايا ملكه ... فِي رَاحَة تبهو بسؤدده الْبَهِي كم فِي عناء المتعبين على العلى ... من مترف بعنائهم مترفه انْظُر اذا ازْدحم الْوُفُود بِبَابِهِ ... من كل ذى أمل بِهِ مُتَوَجّه ان شط لم يشطط رِضَاهُ وان سَطَا ... فِيمَا يحاول عِنْده لم ينجه طابت موارده فغص فناؤه ... وشدا الحداة بِذكرِهِ فِي المهمه كَالْمَاءِ عِنْد وُرُوده مَا لم يكن ... عذبا نميرا سائغا لم يشفه يَا خير بَان بالشجاعة والندى ... مجدا يهي عمر الزَّمَان وَلَا يهي يفديك كل مملك متتايه ... ابدا بألسنة الرعاع ممده لَا يفقه النَّجْوَى اذا حدثته ... واذا بدا بحَديثه لم يفقه أَنِّي على شرف القريض لهاجر ... للنظم هِجْرَة آنف متنزه أضحى وأهلوه كممدوحيهم ... فِي جهل قيمَة ذى الحجى والأوره أبدا عرائس مدحه تجلى على ... دنس الخبيئة بالعيوب مُشَوه قل للمميز سَامِعًا أَو منشدا ... فِي النَّاس بَين مفهه ومفوه ...

стр. 214

.. آلَيْت لَا أوليت غَيْرك مِدْحَة ... شعرًا وان افْعَل فمدحة مكره أَصبَحت من نعماك صَاحب انْعمْ ... ترجى نوافلها وعيش أبله وبدا لديك صَرِيح فضلى مثل مَا ... لَا يستسر لديك نقص مموه حزت السَّعَادَة من الهك مَا سرت فِي اللَّيْل دَعْوَة عَابِد متأله ... وَفِي شَوَّال سنة ثَمَان وَسبعين كَانَت نصْرَة الأسطول المتوجه إِلَى بَحر القلزم والمقدم فِيهِ الْحَاجِب حسام الدّين لُؤْلُؤ لطلب الفرنج السالكين بَحر الْحجاز لما صَعب على الأبرنس أرناط صَاحب الكرك مَا توالى عَلَيْهِ من نكاية أَصْحَابنَا المقيمين بقلعة أَيْلَة وَهِي فِي وسط الْبَحْر لَا سَبِيل عَلَيْهَا لأهل الْكفْر أفكر فِي اسباب احتياله وَفتح ابوبا اغتياله ودبر فِي نهج طرق بالغوائل فَبنى لَهُ سفنا وَنقل اخشابها على الْجمال الى السَّاحِل ثمَّ ركب المراكب هُنَاكَ وَطلب فِي الْبَحْر الادراك والاستدراك وشحنها بِالرِّجَالِ والات الْقِتَال ووقف مِنْهَا مركبين على جَزِيرَة القلعة وهما شَدِيدا المنعة فَمنع اهلها من استقاء المَاء وَندب أشياعها فِي الاشياء وَمضى الْبَاقُونَ فِي مراكب نَحْو عيذاب فَقطعُوا طَرِيق التُّجَّار وشرعوا فِي الْقَتْل والنهب

стр. 215

والاسار ثمَّ توجهوا إِلَى أَرض الْحجاز فَتعذر على النَّاس وَجه الِاحْتِرَاز فانه لم يعْهَد فِي ذَلِك الْبَحْر طروق الْكفَّار وَلَا تأجج فِي لجة شرار الاشرار فَعظم الْبلَاء واعضل الدَّاء واستشرى الشَّرّ واستضرى الضّر وشاعت النكاية وراعت الاية وجزع الْعَاجِز وَعجز الجازع وَضعف النازع وقوى المنازع وبليت الرّعية مِنْهُم بأفجع لوعة وأفجأ روعة وأشرف أهل الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة مِنْهُم على خطر وأصيبوا بالنفيسين من وَطن ووطر وخافت السواحل حُلُول الاسواء وَنزلت بالبلاد نَوَازِل الْبلَاء وَوصل الْخَبَر إِلَى مصر وَالْملك الْعَادِل أَخُو السُّلْطَان متوليها وَرَافِع اعلام الاسلام ومعليها فأفكر فِيمَن يتدرك بالامر ويسلك إِلَى الْقَوْم فِي الْبَحْر ويفتك بِأَهْل الْكفْر وَوَقع اخْتِيَاره على الشهم الْمُخْتَار وَاللَّيْث المغوار والفارس الكرار والخضرم التيار والخضم الزخار والضيغم الزآر وَهُوَ الْحَاجِب حسام الدّين لُؤْلُؤ فأحيا بِهِ السّنة الْقَدِيمَة والنصرة الْكَرِيمَة فِي القَوْل السَّابِق بِالْفِعْلِ الصَّادِق ... ايش مَا شِئْتُم فَقولُوا ... إِنَّمَا الْفَتْح للولو ... فعمر فِي بَحر القزم مراكب الرِّجَال البحرية ذوى التجربة والتحرية من اهل النخوة للدّين وَالْحمية وَسَار إِلَى أَيْلَة فظفر بالمركب الفرنجي عِنْدهَا فخرق السَّفِينَة وَأسر جندها ثمَّ عدى إِلَى عيذاب وَشَاهد بِأَهْلِهَا الْعَذَاب وَدلّ على مراكب الْعَدو فتبعها وَرَأى تسرعه وراها لما عرف فِي نكرها تسرعها وَوَقع بهَا بعد ايام فأوقع بهَا وواقعها وَقطع قطعهَا ونسف برِيح بأسه سفنها وأزارها وَهِي هاوية

стр. 216

وهيها ووهنها إِلَى بعض سواحل الْبَريَّة بشعابها محتمية وَفِي تَلَاهَا مرتقية وبقتالها مبتدئة وَمن اغتيالها مختشية فَلم يزل الْحَاجِب لُؤْلُؤ ناكب مراكبها وراكب مناكبها حَتَّى أزالها وأزلها وفل فلهَا وأشلها وسلها وهجم على كثرتها فاستقل اليها واستقلها فَلَمَّا استنفرت وفرت وَفرقت وَتَفَرَّقَتْ وَمَا قرت بَدَأَ بالسفن فاطلق المأسورين من التُّجَّار ورد عَلَيْهِم كل مَا اخذ لَهُم من الْمَتَاع وَالدِّرْهَم وَالدِّينَار ثمَّ اقْتضى بدين الدّين عِنْد الْكفَّار ثمَّ صعد إِلَى الْبر فَوجدَ أعرابا قد نزلُوا مِنْهُ شعابا فَركب خيلهم وَرَاء الهاربين وَكَانُوا فِي أَرض تِلْكَ الطّرق ضاربين فحصرهم فِي شعب لَا مَاء فِيهِ وَحلق عَلَيْهِم بقوادم الْبَأْس وخوافيه وجلاهم عَن المَاء وأحاهم بالاظماء وأتاهم بالاتواء وداوى أدواهم بالادواء وناظر ناضرهم بالاذواء وحسر ظامئهم على الارواء وعثر اردياءهم فِي سبل الارداء حَتَّى اسْتَكَانُوا ولانوا وهابوا وهانوا واستأمنوا واستسلموا وَلَو أَسْلمُوا لسلموا فأسرهم بأسرهم وَأَخذهم فِي مكر مَكْرهمْ وَقيد مِنْهُم اقدام اقدامهم وأكف كفرهم وَكَانَ ذَلِك فِي أشهر الْحَج فساق مِنْهُم أسيرين إِلَى منى كَمَا يساق الْهَدْي وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة وَمَعَهُ الاسر والسبي وَقد بذل وسع بالنجح ونجح السَّعْي وَجَاءَت الْبُشْرَى بِمَا من الله بِهِ من الحظوة والنصرة الحلوة فَكتب السُّلْطَان اليه بِضَرْب رقابهم وَقطع اسبابهم بِحَيْثُ لَا يبْقى مِنْهُم عين تطرف وَلَا أحد يخبر طَرِيق ذَلِك الْبَحْر أَو يعرف فصل من الانشاء الفاضلي يتَضَمَّن هَذِه النُّصْرَة فِي كتاب الى الدِّيوَان الْعَزِيز عَن السُّلْطَان مِمَّا مثله لي ان الابرنس خذله الله كَانَ قد عمر مراكب واستكثر عدتهَا وعدتها واستجد

стр. 217

شوكتها وشكتها وَله مُدَّة يجْتَهد فِيهَا وَيعْمل ويؤمل من قصد قلعة أَيْلَة مَا يؤمل فَلَمَّا بلغ من كمالها مَا أمله وَبلغ كتاب ملاعبته أَجله سَار بهَا إِلَى الْبَحْر ايلة ورام القلعة فَبَاتَ بجانبها وهزئت بطالبها وَرَأى مَا لَا مطمع لَهُ فِيهِ وأخلفه مَا كَانَ يرتجيه فَعمد الى المراكب الْمشَار اليها فسير منعتها وقوتها فِي بَحر الْحجاز وَترك مركبين تَحت القلعة يمْنَع مورد المَاء ويحصر رجال القلعة عَن الاستقاء وَكَانَ الْملك الْعَادِل بِمصْر قد عمر مراكب اعدها للقاء هَذِه المراكب وَنظر من أول هَذَا الْخَبَر فِيمَا يسفر عَن العواقب وَعرف تفرق مراكب العو على المَاء لتمنعه وعَلى طَرِيق الْحَاج لتقطعه فَجهز الى القلعة من ظفر بالمركبين لوقت الاطلال عَلَيْهِمَا وَسَاعَة الْوُصُول اليهما وَكفى الله اهل الدّين مؤونة من حمى المَاء عَن الحائمين وَقطع الله بأوليائه المطيعين دابر اعدائه الظَّالِمين وسارت هَذِه المراكب الاسلامية طالبة شَوْكَة المراكب الحربية المتعرضة للمراكب الحجازية واليمنية وَكَانَت مراكب الْعَدو قد أوغلت فِي الْبَحْر ودلها على عورات الساحلين من الْعَرَب من أشبه ركابهَا فِي الْكفْر فوصلت إِلَى عيذاب فَلم تنَلْ مِنْهَا مرَادا وَلَا أنجحت مِنْهَا ارتيادا غير أَن من وجدته فِي طريقها من المراكب أَو من عبرت بِهِ فِي فَرْضه عيذاب نَالَتْ مِنْهُ وشعثت وأفسدت فِيهِ وعيثت وتمادت فِي السَّاحِل الحجازى الى رابغ الى سواحل الْحَوْرَاء وَهُنَاكَ وَقع عَلَيْهَا اصحابنا وأوقعوا بهَا أَشد الايقاع وَأخذُوا المراكب الفرنجية بأسرها على حكم البدار والاسراع وفر فرنجها إِلَى السَّاحِل فَركب أَصْحَابنَا وَرَاءَهُمْ خُيُول العربان الَّتِي وجدوها وأسروا الْكفَّار من شعاب وجبال اعتصموا بهَا وقصدوها وكفي الْمُسلمُونَ اشد فَسَاد فِي أَرضهم وأقطع قاطعع لفرضهم وانبسطت آمالهم بقبضهم وعميت على الْكفَّار هَذِه الطَّرِيق الَّتِي لَو كشف لَهُم غطاؤها قدما وَلَو أحاطوا بهَا علما لَا شتطت نكايتهم واشتدت جنايتهم وَعز على قدماء مُلُوك مصر أَن يصرعوا هَذِه الاقران ويطفئوا

стр. 218

هَذِه النيرَان ويركبوا عورات اللجج ويرخصوا غوالي المهج ويقتنصوا هَذَا الطَّائِر من جوه الَّذِي لَا يدْرك لوحه ويدركوا هَذَا الْعَدو الذى لَا يدْرك الا أَن يتَّخذ عَلَيْهِ مَلَائِكَة الله وروحه وَنَرْجُو من الله فراغا نجد بِهِ بلاغا إِلَى مَا يؤمله من استئصال هَذِه الشأفة وشفاء الممطول بهَا من غلل الكافة وَمن كتاب آخر من انشائه فِي الْمَعْنى كَانَ الفرنح قد ركبُوا من الْأَمر نكرا وافتضوا من الْبَحْر بكرا وظنوا ان الشواغل عَنْهُم تتعرض والليالي دون الْيَقَظَة لمكرهم تتقرض وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والازواد وضربوا بهَا سواحل الْيمن والحجاز واثخنوا وأوغلوا فِي الْبِلَاد واشتدت مَخَافَة اهل تِلْكَ الجوانب بل اهل الْقبْلَة لما اومض اليهم من خلل العواقب وَمَا ظن الْمُسلمُونَ الا انها السَّاعَة وَقد نشر مطوي أشراطها وَالدُّنْيَا قد طوى منشور بساطها وانفطر غضب الله لفناء بَيته الْمحرم ومقام خَلِيله الأكرم وتراث أنبيائه الاقدم وضريح نبيه الْأَعْظَم ﷺ ورجوا ان تشحذ البصائر اية كآية هَذَا الْبَيْت اذ قَصده أَصْحَاب الْفِيل ووكلوا الى الله الامر وَكَانَ حسبهم وَنعم الْوَكِيل وَكَانَ للفرنج مقصدان احدهما قلعة أَيْلَة الَّتِي هِيَ على فوهة بَحر الْحجاز ومداخله وَالْآخر الْخَوْض فِي هَذَا الْبَحْر الذى تجاوره بِلَادهمْ من ساحله وانقسموا فريقين

стр. 219

وسلكوا طَرِيقين فَأَما الْفَرِيق الذى قصد قلعة ايلة فَإِنَّهُ قدر ان يمْنَع اهلها من مورد المَاء الَّذِي بِهِ قوام الْحَيَاة ويقاتلهم بِنَار الْعَطش المشبوب المشبوب الشباة واما الْفَرِيق القاصد سواحل الْحجاز واليمن فَقدر ان يمْنَع طَرِيق الْحَاج عَن حجه وَيمْنَع مُجيب الدعْوَة ويصرفه عَن نهجه ويحول بَينه وَبَين فجه ويلم بسواحل الْحجاز فيستبيح وَالْعِيَاذ بِاللَّه الْمَحَارِم ويجيح جَزِيرَة الْعَرَب بعظيمة دونهَا العظائم وَالله يعكس تَقْدِير الْمُقدر اذا كَانَ عَاصِيا وَيقرب حتف الْبَاغِي وان كَانَ مَوضِع حتفه قاصيا وَكَانَ الْأَخ سيف الدّين بِمصْر أوعز بانشاء مراكب حربية لما علم خبر مراكب الْعَدو الْكَافِر وانتخبها انتخاب المتخير وَلم يحشدها حشد المكاثر وفرقها على الْفرْقَتَيْنِ وأمرها بِأَن تطوى وراهم الشقتَيْنِ فَأَما السائرة إِلَى قلعة أَيْلَة فانها انْقَضتْ على مرابطي منع المَاء انقضاض الْجَوَارِح على بَنَات المَاء وقذفتها قذف شهب السَّمَاء مسترقي سمع الظلماء وَأخذت مراكب الْعَدو برمتها وَقتلت اكثر مقاتليها وَأما السائرة إِلَى بَحر الْحجاز فانها طلبت شَوْكَة المراكب الحربية المتعرضة للمراكب الحجازية واليمنية وَقد أوغلت وغالت ووصلت وصالت وَأخذت تجارًا وأخافت رفاقا ودلها على عورات الْبِلَاد من الْأَعْرَاب من هُوَ أَشد كفرا ونفاقا فأوقعت بهَا المراكب الاسلامية أَشد الايقاع وَقطعت طَرِيق النجاه على الطراق القطاع وفر فرنجها بعد اسلام المراكب وسلكوا فِي الْجبَال مهاوى المهالك ومعاطن المعاطب وَركب

стр. 220

أَصْحَابنَا وَرَاءَهُمْ خيل الْعَرَب يشلونهم شلا وقبضونهم أسرا وقتلا وَمَا زَالُوا يتبعونهم خَمْسَة ايام خيلا ورجلا نَهَارا وليلا حَتَّى لم يتْركُوا مِنْهُم مخبرا وَلم يبقوا لَهُم أثرا وسيق الَّذين كفرُوا الى جَهَنَّم زمرا وَقيد مِنْهُم إِلَى مصر مائَة وَسَبْعُونَ أسرا ذكر تَوْلِيَة الْأَمِير شمس الدّين بن الْمُقدم بِدِمَشْق بعد الْملك معز الدّين فرخشاه لما وصل إِلَيْنَا بوفاة معز الدّين النعي فتر منا إِلَى الْبِلَاد الشرقية السَّعْي وَكُنَّا عبرنا الْفُرَات على قصد الرها وَقد دنت دارها ودرها تقدم السُّلْطَان الى شمس الدّين بن الْمُقدم بِالْعودِ إِلَى دمشق اخذا بالاحوط الاحزم وَلَقَد كَانَ بأسه للعدى دامغا ولباسه للهدى سابغا وَقَلبه لشغل الاهتمام بمصالح الدّين فَارغًا ورأيه فِي تَدْبِير سداد الثغور وسداد الْجُمْهُور بَالغا وَهُوَ أكبر الامراء المقدمين وَأكْرم الاكابر الْمُكرمين وَله عرف بنشر الْعرف يشيعه وعسكر على البأساء وَالضَّرَّاء يطيعه وَهُوَ القرم الذى لَا يُوجد قريعه والقرن الذى لَا يسْتَقلّ فِي الوغى صريعه وَأَمرَنِي بانشاء منشوره وتحكيمه فِي احكام اوامره وأموره ونسخة المنشور الْحَمد لله ذِي السُّلْطَان القاهر والاحسان الظَّاهِر والبرهان الباهر والامتنان الوافر نحمده على إنعامه المتناصر الْمُتَوَاتر وافضاله المتكاثف المتكاثر ونسأله ان يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد الطّيب الطَّاهِر وعَلى آله وَأَصْحَابه ذَوي المحامد والمكارم والمآثر والمفاخر وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَبعد

стр. 221

فانا لما نرى من اجراء الامور احسن مجاريها واعطاء قَوس السياسة باريها ونظم أُمُور المملكة بتقليد الكفاة الاكابر فِي سلك اتساقها وَضم نشر العساكر المنصورة بتفويض أَحْكَامهَا الى مطلع شمس النَّصْر بِعَزَائِمِهِ الْمَاضِيَة المضيئة من آفَاق اشراقها عولنا على الْمجْلس السَّامِي الشمسي اسماه الله فِي التَّقَدُّم على عساكرنا المظفرة بِدِمَشْق وأعمالها المحروسة وقلدناه امرهم وشددنا بقوته أزرهم وأمرناهم ان يتصرفوا على حكمه وَأَن يجروا على رسمه وَأَن يركبُوا بركوبه ويهبوا بهبوبه وينهضوا بنهوضه وينزلوا بنزوله ويحلوا بحلوله وَأَن ينزل مفردو دمشق فِي حلقته ويخيموا عِنْد مضربه اويجتمعوا للتَّصَرُّف على امْرَهْ فِي موكبه ويصدروا عَن آرائه وَينفذ أمره على جَمِيع الْعَسْكَر مقدميه ومفرديه وأمرائه وَقد أمرناه بعرضهم وَحفظ احوالهم والزامهم بعدة اجنادهم وعدة رِجَالهمْ وَأَن لَا يغيب أحد الا باذنه لعذر وَاضح وان يَكُونُوا محتاطين مَعَه للرباط فِي الثغر المحروس لاجابة كل دَاع والهبوب لكل صائح آخذين للْجِهَاد الأهب حافظين فِي اتِّبَاع اشاراته وطاعته الادب موقنين ان أمره أمرنَا وطاعته طاعتنا وَحكمه حكمنَا وارادته ارادتنا وليسمعوا لَهُ ويطيعوه وليأتمروا لما يَأْمر بِهِ ويسمعوه وَقد قلدناه أَمر الْعَرَب جَمِيعهم ليجمعهم إِلَى النقرة المحروسة ويستدعي النازحين ويستدني قاصيهم ويستحضر حاضرهم وباديهم وَيكْتب الامان للخائفين وَيحسن إِلَى الْمُحْسِنِينَ وَيَأْخُذ على يَد المفسدين ويؤلف بَين قُلُوبهم المتنافرة ويخمد بهيبته وبأسه مَا بَينهم من نائرة الْفِتَن الثائرة وَهُوَ مُحكم فِي جَمِيع قبائل الْعَرَب وعشائرها وافخاذها وبطونها وعمائرها وَهُوَ يتولاهم ويجريهم على معتادهم فِي رسمهم ومعيشتهم وعدادهم ويرتب النواب والشحن من قبله على الْعَادة الْجَارِيَة ويحملهم على السِّيرَة الْحَسَنَة الراضية وَمن ينزل من الْعَرَب فِي بلد الفرنج فَلهُ انهاض الْعَسْكَر اليه وَشن الْغَارة عَلَيْهِ حَتَّى يتنظموا فِي سلك الطَّاعَة رَغْبَة وَرَهْبَة ويزيدوا من الْخدمَة قربا إِذا زادوا طَاعَة وقربة فليتول ذَلِك كُله بِأَمْر قَاطع وبأس قامع للأعداء وازع وعزم صَادِق صادع وحشد لشمل الْكَلِمَة الاسلامية جَامع وَعَذَاب بالمشركين والمفسدين وَاقع وَعدل شَامِل لرعاية الرّعية وَفصل رَاع قَوَاعِد العوائد المرعية المرضية حاسما بهيبته مواد الاطماع مُخْتَصًّا للمحسنين بِالْإِحْسَانِ والاصطناع كافا للمقطعين من ظلم أهل الضّيَاع والأمراء من التحيف على رِجَالهمْ فِي الْقَرار والاقطاع وسبيل الْوُلَاة والامراء والاجناد والمفردين والاصحاب والاتباع مُقَابلَة أمرنَا فِي تلقي أمره بالامتثال والاتباع فَهُوَ المطاع الامر بأمرنا المطاع والمفوض اليه أَمر الْعَسْكَر وَالْعرب فِي حالتي الِافْتِرَاق

стр. 222

والاجتماع والموثوق إِصَابَة رَأْيه السَّامِي وبسالة عزمه الْمَاضِي فِي السّلم والقراع والمستضاء بأنوار ميامنه فِي ليَالِي الملمات المدلهمات والمقتدى بآثاره المبرات المبرات فِي كشف الظلامات والمظلمات وَالْمُعْتَمد على مضاء مضاربه ونفاذ مراسمه فِي جر عَسَاكِر الاسلام وكتائبه إِلَى الْغَزَوَات ذكر مكرمَة لمظفر الدّين كوكبري صَاحب حران لما وصل السُّلْطَان حران عِنْد عبوره الْفُرَات وَبعد تَسْلِيم الرها بلغ فِي إكرام مظفر الدّين الْمُنْتَهى المشتهى وَقَامَ الْمَذْكُور بِمَا وَجب عَلَيْهِ من حق الْخدمَة وشكر النِّعْمَة واحتفل بنزولنا على بَلَده وسخا لنا بسبده ولبده وبذل مطرفه ومتلده ولحبنا فِي قلبه حبانا بِمَا فِي يَده وَذخر فِي يَوْمه منا لغده وَمن غرائب رغائبه ومذهبات مذاهبه ومبتكرات مواهبه انه نفذ الي صَاحبه بالطافه وَيعْتَذر عَن الْقدر المنقود بوعد أضعافه وَيَقُول هَا هُنَا بحران قَرْيَة من قراها وَقد جعلهَا برسم وفادتك لقراها وَلم تزل هَذِه الضَّيْعَة الْمُسَمَّاة ضرعاء باسم كَاتب الْموصل وَأَنت أولى بهَا فَأَنت يَمِين الدولة وَأجل كتابها وَاسْتَأْذَنَ السُّلْطَان فِي كتبهَا لي ملكية شَرْعِيَّة ومبايعة معقودة مرعية وأشهدت عَلَيْهِ وَعلي السُّلْطَان باجازتها وتفردت بحيازتها عشر سِنِين إِلَى آخر الْعَهْد السلطاني سقَاهُ الله العهاد وتسلم أَخُوهُ الْملك الْعَادِل الْبِلَاد فَأَبت النبوات وفجأت الجفوات وَشَمل ذَلِك الشمل الشتات وَعرضت نَوَائِب نوابه بالاعراض وعادت مرائر تِلْكَ الْأُمُور إِلَى الانتفاض واقطع الْملك وَقطع السلك وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكر هَذِه الْعَدْوى وَللَّه الْحَمد واليه الشكوى ذكر مَا أنعم بِهِ السُّلْطَان على ابْن قرا أرسلان وَشرح مُقَدمَات ذَلِك وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة ثَمَان وَسبعين انْعمْ السُّلْطَان على نور الدّين

стр. 223

مُحَمَّد بن قرا ارسلان بالهيثم وَكَانَت جَارِيَة فِي عمل الْموصل فَلَمَّا تسلمها جعلهَا من نصِيبه الأجزل وَقد كَانَ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي حِين توجه إِلَى الْموصل فِي أَوَائِل سنة سِتّ وَسِتِّينَ عِنْد وَفَاة أَخِيه قطب الدّين مودود وعد ابْن قرا ارسلان بقلعة الْهَيْثَم ثمَّ سلمهَا إِلَه دون أَعمالهَا تَحِلَّة ليمينه ووفاء بوعده لكرمه وَدينه وَلما جَاءَ لمساعدتنا فِي هَذَا الْعَام خصّه السُّلْطَان عَاجلا بِهَذَا الانعام ثمَّ وهب لَهُ قلعة الجديدة وَهِي من نَصِيبين قريبَة وَلَا ستصراخ من يدعوا مجيبه وصف مَدِينَة آمد ووعد بِفَتْح آمد لَهُ وينجح بتسليمها اليه أمله فقد كَانَ أَبوهُ فَخر الدّين قرا أرسلان درج على حسرة حصرها وَلم يزل مهزوزا عَلَيْهِ نصل نصرها وَكَانَ الرئيس عَليّ بن نيسان مربيا بحضانتها مُرَتبا لحصانتها واثقا بوثاقتها عالقا بعلاقتها آويا إِلَى جبلها لعصمته ثاويا فِي حصنها بعصبته حاميا بحمايته وحميته ساميا بعزته فِي ذروته وَهُوَ من امدته آمد السَّوْدَاء وسودته وَمَا لم يتعوده اسلافه من العلى عودته وَلم يزل مِنْهَا للأبلق الْفَرد رَاكِبًا وَلكُل من يُقَارِبه فِيهَا مجانبا متقيدا من تحزمه بِكُل قيد متأيدا بتحرزه من كل كيد محتميا بسوره من السوء مرتميا من آمد فِي الْعُلُوّ إِلَى امد العتو وَلم يزل باحكامها يضْرب الْمثل وَفِي تيَسّر

стр. 224

فتحهَا يُحَقّق الامل وَكم تحيل قرا ارسلان فِي أَخذهَا سَرقَة لما أعياه فتحهَا وصالحها لَعَلَّه ينتهز لَهَا فرْصَة فَمَا أرضاه صلحها وتمناها فحالت الْمنية دون الأمنية وَنوى لَهَا فَكَانَ عمله بِقدر الله مُخَالف النِّيَّة وَابْن نيسان مرتبع فِي نيسان رَبِيعه مُرْتَفع عَن قراع قريعه رابض بجنوحه ريض فِي جموحه متغور فِي كهفه متكهف فِي غاره آمن من النَّوَازِل والدوائر فِي منزله وداره وَهُوَ متهوم فِي جَاره متوهم من جَاره وَاقِف حذاء حذاره عاكف وَرَاء جِدَاره وَكَانَ لآمد أَمِير قديم يُقَال لَهُ ايكلدي من أَيَّام السلاطين القدماء وَولده مَحْمُود شيخ كَبِير عِنْده يطعمهُ ويسقيه وَيَدعِي انه من غلمانه ومصطنعيه وانه يحفظ الْبَلَد لَهُ وانه لَا يغدر بِهِ وَلَا يُؤثر بدله واذا جَاءَ رَسُول يحضرهُ عِنْد اميره ويسند مَا يدبره إِلَى تَدْبيره وَيَقُول انه غُلَام وَمَا مَعَه كَلَام وَلَا عَلَيْهِ فِيمَا يجرى ملام وحافظ على سر هَذِه السريرة وَأمن باحتياطه من جور الجيرة بل مَا مِنْهُم الا من يخَاف مكره ويحفظ مِنْهُ طَائِره وفكره وينكر عرفه وَيعرف نكره وَكنت عبرت فِي سنة خمس وَسِتِّينَ بآمد وَقد سيرني الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي إِلَى خلاط رَسُولا فِي مُهِمّ وَدفع ملم وَاتفقَ نزولي بِظَاهِر آمد بكرَة جُمُعَة وحسبت صلَاتهَا عَليّ غير ممتنعه فَقيل لي تحْتَاج إِلَى اسْتِئْذَان الرئيس وَرفع أَحْكَام استيحاشه بِأَسْبَاب التأنيس وَذَلِكَ يحْتَاج إِلَى مُقَدمَات ونتائج ومواصلات ووشائج فَقلت هَذَا عذر فقد ضَاقَ الْوَقْت وَلَا حَاجَة الى مقه فِيهَا المقت فانا اذا تعرفنا اليه اعْتقد أَنا نثقل عَلَيْهِ ثمَّ تقدّمت عَلَيْهِ ثمَّ تقدّمت الى غلماني بابتياع مَا لَا بُد مِنْهُ للطريق من الطَّعَام والعليق فَقيل هَذَا ايضا مَشْرُوط باذن الرئيس فأسرعت الرحيل إِزَالَة الْكُرْبَة بالتنفيس وَكَذَلِكَ فِي هَذِه النّوبَة عبرت بميافارقين وفارقتها وَلم ادخلها وَفِي الْعود جاوزتها وَلم انزلها فَقدر الله بعد سِنِين فِي الدولة

стр. 225

الصلاحية اني دَخَلتهَا بِالسَّيْفِ وحللتها حُلُول الْمَالِك لَا الضَّيْف وانما شرحت هَذِه الْحَال اسْتِدْلَالا بهَا على حزم ابْن نيسان وَأَنه قد بذل فِي صِيَانة الْمَكَان الْإِمْكَان وَتُوفِّي وَتَوَلَّى ابْنه مَسْعُود على رسم أَبِيه وَجرى على عَادَة تأبيه وَلم يخْطر ببال ملك من الْمُلُوك الطمع فِيهِ حَتَّى جَاءَت الايام الصلاحية وَصَارَ ابْن قرا ارسلان من أشياعها وَتَدين باتباعها وَفرع يفاع ارتفاعها واطمعته فِي افتضاض ابكار الْفتُوح وافتراعها وعرفته ان أمد آمد لَا يبعد وانها عَن الْقيام بمساعدته فِيهَا لَا تقعد وَحلف السُّلْطَان لَهُ على هَذَا الْوَعْد وانه يُحَقّق بعز عزمه فِي حَقه صدق الْقَصْد وَكَانَ جمال الدّين عِيسَى صَاحب السويدا مسايرا لي فِي الطَّرِيق ومذاكرا فِي جليل ودقيق وَفِي جملَة مَا قَالَه وتعجب مِنْهُ وأحاله هَذَا سلطانكم يحلف على المستحيل فان فتح أمد مُمْتَنع السَّبِيل فَقلت لَهُ سعادته من الله تذلل المصاعب وتسهل المطالب وتبدي الْعَجَائِب وتهدي الغرائب وَلما خيمنا بحران بعد الْعود من الْموصل تقاضى ابْن قرا أرسلان بانجاز عدته وإيجاد حِدته وَأذن فِي تفرق الْعَسْكَر للإستراحة ووعده بتحقيق الْوَعْد عِنْد الْعود فِيمَا بعد وَاسْتمرّ على هَذَا العقد الْعَهْد الى أَن وصل الْخَبَر باجتماع شَاة أرمن صَاحب خلاط وَأَنه اغتاظ للموصل واستشاط وانه اتَّصل بِهِ صَاحب الْموصل عِنْد ماردين وَأَنه خَرجُوا على نِيَّة أَن يَكُونُوا لنا طاردين وعلينا ماردين ذكر السَّبَب فِي ذَلِك كَانَ عِنْد نزولنا على الْموصل وصلت رسل شاه أرمن فِيهَا شافعين وَلَا سباب الْحَرْب رافعين ثمَّ استتب الرحيل عَنْهَا اظهارا لقبُول الشَّفَاعَة الامامية واعلانا بسر الطَّاعَة الناصرية ونزلنا على سنجار وَوصل سيف الدّين بكتمر وَهُوَ أعز أَصْحَاب شاه أرمن وبذل للسُّلْطَان فِي الشَّفَاعَة فِي سنجار كل مَا أمكن فاشترطنا شَرَائِط ماقبلها وكفلناه فِي الوساطة أمورا استثقلها فنفر سيف الدّين بكتمر وَسَار مغيظا وَأبْدى خلقا خشنا وَقَالَ

стр. 226

قولا غليظا وقفل سرعَة وَلم يقبل خلعة وَمضى إِلَى صَاحبه ونخاه وَنَقله عَمَّا توقاه إِلَى مَا توخاه وشاه أرمن ظهير الدّين سكمان وَهُوَ خَال صَاحب ماردين قطب الدّين ايلغازي بن آلبي بن تمرتاش وَهَذَا ابْن خَال صَاحب الْموصل عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي وَكتب اليه فاستدعاه فَخرج وَاجْتمعَ بِهِ وَأَتَاهُ الياروقية وَغَيرهم من عَسْكَر حلب فِي لجبة وجلبة ونزلوا من ماردين إِلَى ضَيْعَة يُقَال لَهَا حرزم ومطي قصدهم يرزم ولجهم ملتطم وفجهم مزدحم وجمرهم مضطرم وجمعهم مقتحم وموجهم عباب وفوجهم ذُبَاب وشعابهم سَائِلَة وذئابهم عاسلة ورواسيهم سائرة وسواريهم ثائرة وَالْجِبَال تحملهَا الرِّيَاح والرماح تميلها المراح والصفاح وللعراب باعراب صليلها وصهيلها فصاح ولأشباح الْقرب من أشباه الشهب أَرْوَاح وللسماء استتار وللارض افتضاح ولنيران الْحَدِيد لمياه النجيع فِي الاحتراق اقتراح والفلق بستور الفيلق مَسْتُور ورق الْخرق فِي ورق الخزق من يراع الْخط مسطور وظلام العثير معثر وضياء الستور مُسْفِر وللعجاج ارتتاج وللضجاج ارتجاج ولسبائك السنابك طبع ولترائك الاتراك لمع ولاكدار الاكراد نقع ولصخور الحوافر رض ولبحور السوانح فيض ولختام القتام بالفضاء فض وسيلهم مرفض وخيلهم لَهَا فِي الْعرض طول وَعرض وصدى رعبهم متجاوب وصدا غربهم متناوب والقباب مَضْرُوبَة والقب مجنوبة والكفائن منتثلة والضغائن مشتعلة والعقود لَازِمَة والحقود جاحمة والهمم هائمة وَالْقِيَامَة قَائِمَة ونهار المعترك ليل معتكر ولبريق الْبيض والسمر وَقد مستعر وودق منهمر وللجراد اجراء وللطرد اطراء وللعتاق انطلاق وللرفاق اندلاق ولأقمار الْبيض فِي سرار النَّقْع محاق ولشرار الْقدح من وَقع الحوامي فِي السباق استباق والسوابغ مفاضة والسوابق مرتاضة والمسرجات مشلولة والسريجيات مسلولة ومعاقد الريث محلولة وَعين الشَّمْس بإثمد الثرى مكحولة وللسراحين سراح وللجماهير جماح وضربوا خيامهم والهبوا ضرامهم وأرهجوا وأوهجوا وأزعجوا وأججوا وَرفعُوا صوتهم وصيتهم وشهروا مصاليتهم وجاءنا خبرهم فَلم نبديه اكتراثا وَلم نظهر لصِحَّته التياثا وكتبنا الى أمرائنا الغائبين بِقرب الْقَوْم المجانبين فبادر الْملك المظفر تَقِيّ الدّين بالوصول الينا من حماة إِلَى حران فِي خَمْسَة أَيَّام ووافانا بِحَدّ اهتمام وَصدق اعتزام وَقَالَ قومُوا بِنَا الى

стр. 227

الْقَوْم فَلَا قعُود بعد الْيَوْم فَقُلْنَا انهم فِي كَثْرَة وَلَا بَأْس بالحتراس من عَثْرَة وَهَذَا الْعشْر الْمُبَارك من ذى الْحجَّة والنصر مَعَ الصَّبْر وَاضح المحجة فَأبى إِلَّا الرحيل مُوَافقَة لرَأى السُّلْطَان ومتابعة لأَمره ومشايعة لسرور سره وأقمنا حَتَّى صلينَا الْعِيد واستقبلنا الطالع السعيد وَقدمنَا الازماع وأجلنا الانساع وأسلنا الادوية ونشرنا الالوية وأطرنا العقبان وأثرنا الاضغان وسرنا بلأسود فِي غابها وبالبروق فِي سحابها وبالرعود فِي اصطخابها وبالبروق فِي سحابها وبالنصول فِي جعابها وبالدروع فِي عيابها وبالبحور فِي عبابها وبالشموس فِي حجابها وبالنجوم فِي نقابها وبالاجال وكتابها وبالجبال وهضابها وبالخطوب وخطابها وبالكروب وركابها وَقدمنَا من الرعب جَيْشًا وأبدينا من الْحلم طيشا وأشعنا من الْعلم جهلا وقطعنا إِلَى الْحزن سهلا وأجوينا الجو وأدوينا الدو وأضوينا الاضواء وسوينا لَهُم الاسواء وهززنا أعطاف الظبى وأطراف القنا وحللنا عُقُود الحبى وقطعنا أَسبَاب الونا وعلونا الجدد بعزائم صَحِيحَة غير عليلة وتلونا ﴿كم من فِئَة قَليلَة﴾ وجلونا بيدى التّرْك عرائس الْهِنْد ورجونا لإشباع السبَاع الجياع من قرا الانجاد وقرى الاقران فرائس الْأسد ونزلنا بِرَأْس عين وعلينا لرؤسائها عُيُون فِي ذممهم لذمامنا عِنْدهم دُيُون فطار الْخَبَر إِلَى الْقَوْم فطاروا شعاعا وغربوا وَلم نذر لما ذَر من شموسهم شعاعا وَذَلِكَ يَوْم عَرَفَة فتركوا الْوُقُوف وعزفوا العزوف ونفروا قبل يَوْم النَّفر ونحروا اضاحي جلدهمْ قبل النَّحْر وَعَاد الخلاطي إِلَى خلاطه باختلاطه وَرجع الْموصِلِي إِلَى موصله لمواصلة احتياطه واعتصم الماردي بحصنه المارد وهتكوا حرز حرزم للصادر والوارد وهاب عَسْكَر حلب الْعود إِلَيْهَا وَنحن على طَرِيقه فَأذن جمعه بتفريقه وَمضى معظمهم إِلَى الْموصل فَعبر الْفُرَات عِنْد

стр. 228

عانة وَلم يجد مِمَّن أَعَانَهُ الْإِعَانَة ونسفتهم ريحنا وهم جبال وذهبوا بقلوب النِّسَاء وَقد جَاءُوا وهم رجال وَوصل الينا خبرهم وَمَا وعظت بهم عبرهم وركد شرهم وخمد شررهم وَنحن فِي طَرِيق الْقَصْد سائرون وبأجنحة النجاح طائرون ولطلب الثأر ثائرون فأكملنا السّير وأملنا الْخَيْر وَقُلْنَا قد أخلى الشاه رقعته ببيادقه وأفراسه ورخاخه وَخَافَ وُقُوعه فِي الشّرك بعد نصب فخاخه واستصرخ صَاحب الْموصل بِهِ فَلم يظفر بإصراخه وَصدر إِلَى كدر بعد ورد نقاخه وَلَا يحمد الْعَاقِبَة شَاب استبد بِرَأْيهِ وَلم يصغ إِلَى نصائح أشياخه فان مُجَاهِد الدّين قايماز مَا زَالَ يُشِير عَلَيْهِ بالثبات ويحذره مخاوف الزلات ومواقف العثرات وَعرف بِنور فراسته عواقب الْحَال ومغبة الاستعجال وَلما نزلنَا فِي منزلَة الْقَوْم وملأنا بتوافي اثقالنا إِلَى آخر النَّهَار طرف الْيَوْم لم نسْمع لَهُم خَبرا وَلم نعاين مِنْهُم أثرا وصف الْقصر القطبي بحرزم وَهُنَاكَ بحرزم لصَاحب ماردين قصر مشيد مزين مَا على حسنه مزِيد كَانَ لَهُ فِي فروجه تفرج وَفِي مروجه تمرج وَفِي أرجائه تأرج وَفِي بروجه تبلج وَفِي مدارجه دروج وَفِي معارجه عروج يَخْلُو فِيهِ بخلانه ويند اليه مَعَ ندمائه وَقد زوقه وصوره وسوره ونمقه ونوره وخاله جنَّة تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار وتترنم من فَوْقهَا الأطيار وتترنح من حولهَا الاشجار وتتنفس بسحرها أنفاس الاسحار وتشرق فِي آفاقها زهر الازهار ويشوق بهَا البهار ويروق نور النوار ويرق غرار العرار وَمَا أعطر وَأطيب صبا صباحه وأسفر وأعجب رواء رَوَاحه وأضوع ريا رياحينه وأضوأ دَار دارينه فلنوافجه نوافج ولمباهجه مباهج ولبلابله بلابل ولبابليته من شُمُول شمائله بابل وَفِي عقر دَاره در الْعقار ولهزاهز اهتزازه زهازه الهزار ومناطه جَاوز مناطق الجوزاء وأرضه منبت سماك السَّمَاء وَمَا أغْنى الرياضة برياضة الْغناء فأبقيناه بأسه الْأَثِير الأثيل وَحسنه الْجَلِيّ الْجَلِيل واشفقنا على نبته الاثيث وعصمنا عِمَارَته من التشعيث وَأقَام فِيهِ تَاج الْمُلُوك أَخُو السُّلْطَان برسم التَّنَزُّه ووكل بحفظه عَن التنية وصناه بِأَسْبَاب التكرم من احكام التكره

стр. 229

فصل من الْإِنْشَاء الفاضلي من كتاب الى الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ فِي الْمَعْنى مثله لي فكتبته اجْتمع المواصلة وشاه أرمن وَصَاحب ماردين ودولة شاه صَاحب أرزن وبدليس وَغَيرهم على قصد الْخَادِم حِين ظنُّوا أَنه تفلل من عسكره وَندب الى الْكفَّار من امرائه من اكْتفى فِي مغيبه بمحضره وقدروا انه يتم لَهُم اغتراره ويمكنهم غواره أَو يتناصرون عَلَيْهِ قبل ان تَجْتَمِع أنصاره ونزلوا تَحت الْجَبَل فَلَمَّا صَحَّ لَهُم قصد الْخَادِم ظنُّوا انه وَاقع بهم فأجدوا عَنهُ الْفِرَار بِقُوَّة وَذكروا مَا فِي لِقَائِه من عوائد عِنْدهم مخوفة وَعِنْده مرجوة وَسَار كل فريق على طَرِيق بنية عَدو وَفعل صديق معتقلا مَا لَا يَهْتَز وَلَا يعتز ومتقلدا مَا لَا يرقى وَلَا يريق واعدي أنفسهم بِجمع لَيْسَ فِيهِ تبشير وَلَا تيسير وان كَانَ فَمَا هُوَ جمع سَلامَة بل هُوَ جمع تكسير ذكر الْمسير إِلَى آمد وَالنُّزُول عَلَيْهَا وَفتحهَا وتيسير الْمَقَاصِد وَأَسْبَاب نجحها وَكَانَ النُّزُول عَلَيْهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر ذى الْحجَّة وَفتحهَا يَوْم الاحد فِي الْعشْر الاول من الْمحرم وَلما أحمدنا الْمَقَاصِد وقصدنا المحامد اغتنمنا الْقرب من آمد فَقُلْنَا ننجز لنُور الدّين بقصدها المواعد ونصفي لَهُ بهَا الْمَوَارِد وَكُنَّا لما رَجعْنَا عَن الْموصل اظهارا لقبُول الشَّفَاعَة ودخولا فِيمَا يلْزمنَا للديوان الْعَزِيز من الطَّاعَة كتبنَا نطلب الاذن فِي قصد آمد بتقليد إمامي نجعله إمامنا فوصل التَّقْلِيد بملكها والاذن فِي فتحهَا ونظمها من الممالك فِي سلكها فقوي الْعَزْم وَرُوِيَ الحزم وَتحقّق بِالصّدقِ الْقَصْد الْجَزْم وَلَكِن سبق لنُور الدّين بن قرا أرسلان بهَا الْوَعْد الحتم فراى السُّلْطَان بِحكم كرمه أَن وعده يتم وَمَا زَالَت قُلُوب اهلها صادية إِلَى وردنا والسنتهم صادحة بحمدنا فتصدينا لَهَا لنوضح بالرى مَنْهَج منهلها وَنحل بِالْفَتْح معقد معقلها وَنَذْهَب بتوريد خدود الْبيض سَوْدَاء سودائها ونزيل باحسان سؤددنا سودانها ونضعف جلد بَلَدهَا ونقوى بملكنا لَهَا أيد يَدهَا ونعتقها من الرّقّ النيساني ونوثقها بِالْحَقِّ السلطاني فأعدنا إِلَى الشَّام من أكَابِر

стр. 230

أمرائنا من يسد الثغور ويسدد الامور وتوجهنا فِي ايام التَّشْرِيق وتأييد الله مَعنا فِي الطَّرِيق وجزنا على قلعة البارعية فتلقانا بِالْبرِّ ألباء الرّعية وَمَا اعترضنا بَلَدا وَلَا عَارَضنَا أحدا وَلَا قصدنا ضَيْعَة وَلَا أضعنا مقصدا وَلَا رددنا ذمَّة وَلَا ذممنا موردا ونزلنا على آمد يَوْم الاربعاء سَابِع عشر ذى الْحجَّة بالغي الْحجَّة واضحي المحجة فِي كل مدجج فِي الْفَارِسِي المسرد وكل مفرح ضيق المأزق بالمشرفي المهند وكل باسل للرديني معتقل وكل باسر بالسريجي مُشْتَمل وكل عَابس بجنى مر الْمَوْت بَاشر وكل فَارس بسنا السنور سَافر وكل أَمِير على الْملك أَمِين وكل قرن للبأس قرين كل ذمر حامي الذمار سامي الْمنَار ماضي الغرار ثَائِر للطلب طَالب للثأر وكل شُجَاع أشاجعه لقبض القضب وكل خطير خواطره لعض العضب وكل كَبِير متكبر على ذِي الْعُلُوّ وَأسد متنمر على ذِي العتو وكل لَيْث ذِي لوثه وكل ذِي حَدَاثَة رَاغِب فِي حسن احدوثه وكل رئبال ذِي بَال وعاسل بعسال ومستليم بلام ومصمم بصمصام وحاسم بحسام وسام بمحاسن وسام أَو صَاف بمزاين أَوْصَاف وكاف بكرم عَارض وكاف ومعنا رجال الى الْمَوْت عِجَال لَهُم الى الى رحاب الْحُضُور وحلاب الْحَضَر مجَال وَمنا من جَاءَ بمنجنيق مَا مَعَه منجانيق وَلَا وثوق مَعَه لكل ركن وثيق وَمن عرا بعرادة وبالشر شراده سراده وبالحجر طراده جراده وكل زيار زيارته بِخُرُوج الرّوح والجروخ المرديات الجروح وَكَانَ مَعنا منجنيق هائل بسيول الْحِجَارَة سَائل يُقَال لَهُ المفتش لِأَن حجره يَدُور فِي الزوايا بدوائر المنايا ويشوش فَنصبت المجانيق وجمعت مِنْهَا التفاريق وحلبت من افواقها الافاويق وشدت حبالها وَرفعت جبالها واشتدت رجالها ونضدت ستائرها واعضدت أوائلها وأواخرها وانتظمت سقوفها وجزمت أفعالها حروفها وشمخت أنوفها وسمحت حتوفها وَمَا سمجت زحوفها ورأينا الحجارين بالمراح جارين والعتالين بالاثقال لتِلْك التلاع تالين والخراسانية للجفاتي الجفاة حاملين وللعدوى على العداة عاملين وشرعنا فِي أدوات الْحصْر وَحصر أدوائه واستجادة أَنْوَاعه واستجداء انوائه واشتغل الْجمع واشتعل الْجَمْر وَاسْتمرّ الامر وَوَقع بِالْحجرِ على الْبَلَد الْحجر

стр. 231

فصل من كتاب انشأته إِلَى صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ بِبَغْدَاد عَن السُّلْطَان فِي شرح اجْتِمَاع الجموع واحتشاد الحشود ورعبهم عَنَّا واندفاعهم عَنَّا ومسيرنا إِلَى آمد ونزولنا عَلَيْهَا قد عسلت ذئابهم ونسلت دبابهم وطنوا فِي لوح الهجير ووطنوا أنفسهم على التشمير وتحركت رجل دبارهم للدبيب وقمشت يَد حَاطِب ليلهم وجالب خيلهم ورجلهم من الْبعيد والقريب وتواثبت أفاعيهم وتجاوبت فِي إطلال عواديهم اصداء دعاويهم وحكموا آراءهم المخدوعة وَلم يعلمُوا أَن شُهُود نصالها تجرح بَيِّنَة دعاويهم وَلما عرفنَا انهم يجولون فِي مكر الْمَكْر ويلوبون حول غَدِير الْغدر وَقد صَارُوا بالبغي بالغي أمد الْبَغي ويكيدون وَمَا قيد مِنْهُم كيد كيدهم قدم السَّعْي وحققنا انهم وهموا وهموا وَلما كروا مَعَ نقصهم حسبوا أَنهم قد تَمُّوا استدعينا ولدنَا تَقِيّ الدّين فَسَار من حماة إِلَى حران فِي خَمْسَة أَيَّام وَقدم مسرعا لمقام الاقدام وَلم نَنْتَظِر اجْتِمَاع جَمِيع العساكر واستغنينا بوصول اوائلها عَن لحاق الاواخر وَلم نرتقب وُصُول نَاصِر الدّين وَلَا حُضُور من غَابَ الى دمشق وَغَيرهَا من الاجناد وَلم نحتج بِحَمْد الله إِلَى الحشد وَالْجمع للانجاد فان الله تَعَالَى ثَبت قُلُوبنَا ثِقَة بنصره وعودنا مزِيد النِّعْمَة بمزيد شكره وأيقنا ان الْحق يقوينا وَالْبَاطِل يصعفهم وَأَن قصدنا الصَّالح يؤمننا وَالنِّيَّة الْفَاسِدَة تخوفهم وَحين علمنَا باجتماعهم صممنا الْعَزْم على فل جمعهم وخرق اجماعهم أشرعت نحوهم الأسنة وأسرعت اليهم الأعنة وَلَوْلَا أَن الْعِيد قد أقبل والعسر بسناه تهلل لَكَانَ فِي الْعَزْم ان نبادر ونفرق تِلْكَ العساكر فأجرانا الله على سنة نبيه ﷺ فِي النَّصْر بِالرُّعْبِ وفروا على الْبعد قبل أَن تظهر لَهُم مستودعات الْقرب على الْقرب وَكَانُوا قد تشاوروا بَينهم فِي ضرب المصاف فَلم يُوَافق بَعضهم بَعْضًا وَلم يَجدوا لقصورهم وعجزهم فِي أنفسهم إقداما وَلَا نهضا وَعَاد الْموصِلِي إِلَى موصله والمارديني إِلَى معقله وَمضى كل يجر ذيل خجله ويستتر بلَيْل وجله ويراسل معتذرا من نِيَّته الَّتِي مَا اعانه الله بِفِعْلِهَا وراجعا عَن سوء عقيدته الَّتِي سعادته فِي أَن يوفق لحلها وَقد كُنَّا قضينا سنتي الْعِيد من الصلوة والنحر ورحلنا على أَن ظن الْقَوْم مقيمون على الحشد والحشر فَلَمَّا وصلنا إِلَى رَأس عين عرفنَا فرقهم وتفرقهم وتبددهم فِي مهب دبور الادبار وتمزقهم وَكَانُوا تحققوا أَنا نصلي يَوْم الْعِيد ونرحل فرحلوا يَوْم عَرَفَة ونفروا قبل يَوْم النَّفر ولقوا فِي ليل ذعرهم يَوْم

стр. 232

الْحَشْر وطاروا شعاعا وصاروا من ارتياعهم بعد أَن انتحلوا الْملك رعاعا وَرَجَعُوا الى مراكزهم سرَاعًا وغدوا سباعا فعادوا ضباعا وأخطأوا سَعَة الْكر فقدموا للفرار خطى وساعا وَالْحَمْد لله الَّذِي هزم أُولَئِكَ الاحزاب وَنصر منا الآراء وانجح الْآرَاب وَحَاصِل الامر ان الْقَوْم لما افترقنا اجْتَمعُوا وَلم يقدموا لما اجْتَمعُوا وَعرفُوا اقدامنا تفَرقُوا وَقد كَانُوا حققوا فِي أنفسهم المعاودة وأخلفوا المواعدة وهابوا المقاربة فتعجلوا المباعدة ورأينا اعادة ولدنَا تَقِيّ الدّين إِلَى الشَّام ليَكُون بصدد حفظ ثغور الاسلام وَكَانَ عَسْكَر حلب مَعَ المواصلة فانفصل عَنْهَا رَاجعا وجد فِي السّير مسارعا وَعَلمُوا انهم لَا يَجدونَ إِلَى النجَاة سَبِيلا وَلَا يصادفون ان عثروا مقيلا وان اقاموا مقيلا فنفروا من المخافة نفور عانة الى عانة وعدموا من عَسْكَر الْموصل فِي اسعادهم الْإِعَانَة وَلَو ساقوا إِلَى الخابور وسبقوا إِلَى العبور لم يحتاجوا إِلَى جوب الشَّهْبَاء وَلم يتخذوا اللَّيْل جملا تَحت الظلماء وَرُبمَا صادفهم تَقِيّ الدّين فِي طَرِيقه وأيدها الله بتأييده وتوفيقه وكما أَن الرعب يطردهم ويشلهم فَإِن الْبَغي يقيدهم ويغلهم وان فَسَاد الحلبيين قد تفاقم شَره وفدح ضره لقطع الطَّرِيق وإخافة السَّبِيل وَلَا بُد ان يلْقوا عَاقِبَة وبال امرهم الوبي الوبيل وَلما فرغ الله منا البال وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ أَمر آمد من المهام سرنا اليها ونزلنا عَلَيْهَا يَوْم الاربعاء سَابِع عشر ذى الْحجَّة وَالله يمن بالنصر الْوَاضِح المحجة فصل من مُكَاتبَة أُخْرَى علمُوا بِمَا نَحن عَلَيْهِ من الْعَزِيمَة فشرعوا قبل اللِّقَاء فِي الْهَزِيمَة ونفروا لَيْلَة عَرَفَة قبل النَّفر ونحروا قرابين جلدهمْ قبل النَّحْر وعادت عشرات الوفهم إِلَى الْآحَاد قبل انْقِضَاء الْعشْر ولقوا الوهل فِي ليل قرارهم هول يَوْم الْحَشْر فَفرُّوا وَمَا قروا وامتاروا زَاد الذل ومروا ووصلنا الى آمد سَابِع عشر ذى الْحجَّة بالغي الْحجَّة واضحي المحجة وَقد قرب بِحَمْد الله فتحهَا ودنا الآمال نجحها لَا زَالَت سَعَادَة الاخ مقمرا لَيْلهَا مُسْفِرًا صبحها وَدخلت سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة والعسكر السلطاني للنصر فِي حصر آمد آمل

стр. 233

والشمل جَامع وَالْجمع شَامِل والشغل شاغل وضف الظفر واغل وَنَصّ النَّصْر نَازل وجد جدنا بالعدو هازىء هازل والعز الذى هُوَ الينا عاز لعز من لم يعتز بولايتنا عازل وَكَانَ الْفَتْح قد تسنى والمنح قد تهنى وَلَكِنِّي أصف مَا جرى من قبل وَكَيف وضحت فِي مرادنا السبل فانا لما وصلنا الى آمد صدقنا الْقِتَال وحققنا النزال وَنور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بمقامنا مُلْتَزم وبذمامنا معتصم وبعقدنا متمسك ولعهدنا متدرك وبملكنا متملك والى حركتنا سَاكن ولسكوننا متحرك وبجناحنا طَائِر والى نجاحنا نَاظر وبشريعتنا قوى وَمن شرعتنا رُوِيَ وَفِي رياضنا سارح وَمن حياضنا ماتح وبزنتنا رَاجِح وبزينتنا باجح وبالاعتزاء الينا ذُو اعتزاز ومعاطف حبوره بمواقف حضورنا ذَات إهتزاز وَقد أَمن فِي الايعاز السلطاني بغناه كل إعواز وبنزولنا على مُرَاده ونزالنا لمراده نَوَازِل اللَّيَالِي عَلَيْهِ غير نوار وَمَا صدق ان الْفَتْح يحصل وَأَن النجح يكمل فان اسلافه اسلفوه الاعمار وَأَقَامُوا لَهُم لتعذره الاعذار وأطالوا مَعَ الصَّبْر الْحصار وأداموا لتنظره وتيسره الإنتظار وأسفر غناهم بافلاس وابلاؤهم الْعذر بابلاس وَحصل رجاؤهم على يأس وَقَالَ هَذَا يصعب ويتعب وَلَا يشكى وَلَا يعتب ذكر تفرد السُّلْطَان بِفَتْح آمد من غير مُشَاركَة أحد وَوصف عاداتنا وعاداتهم ومقاماتنا ومقاماتهم وَكُنَّا اذا شددنا الْقِتَال ورددنا النزال وقفُوا بمعزل وقُوف النظارة وَحَسبُوا أَن الخسارة فِي الجسارة وَكُنَّا نعذرهم فان أهل ديار بكر لَا تجربة لَهُم بتجربة الْحَرْب فِي مضمار وَلَا اصحار لحصار وانما ألفوا مداناة الدنان ومعاقرة الْعقار وأنين الاوتار وحنين الاوطار ونعرات الصنج وغمزات الغنج ورموز الزمور وبدور الْخُدُور وأقمار الْقُصُور وشموس الندام وكؤوس المدام وهتك المشيز وسبك الابريز وقدح زناد الْفَرح بالقدح وَملك قياد المرح بالمنح ومزج الصّرْف لصرف المزاج إِلَى الاسْتقَامَة

стр. 234

والهم بالمزاح للهم المزاح للمدامة وَقبض روح الدن لاحياء جسم الكأس وتفريغ الاكياس لشغل الكياس ورقص الأحباب على ارتقاص الْحباب وإطراء الاغاريد لإغراء الاطراب وممازجة القرقف ومغانجة الأهيف ومعانقة المهفهف ومعالقة المشنف وقهقهة الابريق لبكاء الراووق وزهزهة الرفيق لذكاء الشروق ورشف الظُّلم والشنب وكشف اللثم والنقب ولثم الخدود وثلم الْحُدُود ورشفات الْقبل ورشقات الْمقل وشفاء الْأَلَم بلمى الشفاه وبشاعة الْحلم ولذاذه السفاه وحلاوة العتاب والاعتاب وطلاوة الطلى لذوى الطلاب وتحريك الْعود وتحريق الْعود وتمايل الاعطاف وتثاقل الأرداف وجنات الْورْد وَورد الوجنات وعمرات الجوى لجور العمرات وأوقات الغبوق والصبوح وأوقات الْقلب وَالروح وَتقبل الاعذار من تبقل العذار وَكسر الْقُلُوب بعيون الانكسار واضناء المحبين من ضني حُضُور الحبايب واجناء المتيمين من جنى ثغور الكواعب وسهام اللواحظ من قسي الحواجب وبيض الجفون من جفون الْبيض وَمرض النَّاظر الى النَّاظر الْمَرِيض وأوارة السلاف الى انارة السوالف وإنالة العواطف بإمالة المعاطف ونشوة الصاحي لصحوة المنتشي وهيئة المجتري فِي هَيْبَة المختشي ونشاط اللحظ الفاتر فِي المستشاط العضب الباتر والميلان إِلَى مائلات القدود والجولان مَعَ جائلات الْعُقُود وَالْوَفَاء لناقضات العهود والوفاق لمخالفات الوعود وأسفار صباح السوافر الصَّباح وَمُرَاد لمراح المراح واعتام ليَالِي الاصداغ واغتنام أَيَّام الْفَرَاغ ومناغاة الغواني ومناجاة الاغاني ومقاناة القناني ومعاناة الْمعَانِي ومغاناة المثالث والمثاني ومجاذبة قياد القيان ومطايبة مجاني المجان ومناقشة حِسَاب الحسان ومناقلة خوان الاخوان ومنافثة النافثات فِي العقد ومحادثة الباسمات بالبرد ومباحثة المستدلات بالدلال ومباعثة المستملات من الملال ومناظرة الناظرات بالكحل ومحاضرة الحاضرات بالخجل ومواقحة الحيية للعياء ومفاضحة العيية للحياء ومناهبة لدات اللَّذَّات ومناهبة سنات الْحَسَنَات بالسيئات ومجالس عادات السعادات ومغارس شجرات الحجرات ونفحات الصِّبَا ولفحات الصبابات ونسمات الطّيب ونغمات العندليب ومسامرة السمر ومخامرة ذَوَات الْخمر ونشوات المسار ونشآت المبار وأريحيات السقاة وتحيات الرقاة وتضجر الشّرْب وتفرج الكرب

стр. 235

وشهود الحانات ودعاوى النايات والمبادىء والغايات والراح والراحات واستبطاء القهوة الانتشاء وامتطاء صهوة الصَّهْبَاء وَالْجمع بَين المَاء وَالنَّار وَالظُّلم والانوار والجفن والغرار والخلخال والسوار والاطواق والازرار والشموس والاقمار وَالْيَمِين واليسار وَالرِّبْح والخسار وَالْخمر والخمار والسيل والقرار وَاللَّيْل والاستقرار والنهب والغوار والخط والعذار والسر والجهار والانكار والاقرار والعون والابكار والاضمار والاظهار والاعلان والاسرار والزهر والازهار فَهَؤُلَاءِ الَّذين ألفوا الراح والراحة واعتادوا فِي بَحر الطَّرب السباحة كَيفَ يَصح اعتزاء اعتزامهم وَتثبت اقدام اقدامهم وَكَيف يطْلبُونَ مَتَاع المتاعب ويركبون مطا المطالب وأنى يهيجون الى الْهياج ويتعرضون عَن مدامة الزجاجة بمدمية الزّجاج فاذا عاينوا الكريهة كرهوها وَمن حَقهم أَن يشنؤها وَلَا يشتهوها وَأَيْنَ ذووا الحميا من ذوى الحمية ولاثموا المراشف من ثالمي المشرفية ومعتقلوا القنا من معتقدي الْقَيْنَة ومقدمي الْمنية من مقدمي المنيه ومنتضوا الْبيض من مقتضي الْبيض وأصحاء العزائم من مرضِي اللحظ الْمَرِيض وأرباب الحجى من ربات الحجال وموسعوا المجال من موشعي الْجمال ومعانقوا الكعوب من معانقي الكعاب ومقابلوا الثغور من مقبلي الثغور ومقصدوا المران فِي النحور من قاصدى رمان النحور ومصبحوا المعارك من معاركي الصَّباح ومقوموا الرماح من مقيمي المراح ومطيفوا الصفاح من مطيفي الصحاف وملاحفوا المؤازرة من مزاورى اللحاف وَكُنَّا لأجلهم عَالمين ولقتلهم حالمين ولآرائهم قاضين وَفِي آرابهم ماضين وباقتراحهم راضين ولجماحهم مرتاضين لَا نكلفهم مَا لَا يتكلفون وَلَا نستسعفهم الذى بِهِ لَا يسعفون ويرقبون وَلَا يقربون وبجذبنا ينجذبون وَالسُّلْطَان مجد لجده مجد لمجده رائع لِبَاسه باسل فِي روعه طائع لرَبه وَقد رباه الرب على طوعه وصبرنا وصابرنا وحصرنا وحاصرنا وأمطرنا المحصورين حِجَارَة لم يَجدوا بالأسوار من اسوائها اجارة وخلا مَا حواليها من حام وَمَا رام الاشراف على شراريفها رام فصبحناهم يَوْمًا بالسلاليم وطمعنا مِنْهُم فِي التسلي من الْبَلَد بِالتَّسْلِيمِ وَصعد فِيهَا الرِّجَال وجالت فِي قُلُوب الْخُصُوم الاوجال وَملك أَصْحَابنَا بَين السورين قِطْعَة من الفصيل وتعمدوا عقد بنيانها بالتحليل وتطرفوا فِيهَا فاذا هِيَ ممدودة السَّبِيل فانهم

стр. 236

قطعُوا من الْجَانِبَيْنِ فِي الْعرض بسورين فشرعوا فِي النقب ومعاناة الصعب وخطاب الْخطب وَتَقْدِيم أَسبَاب الرعب وابلاء الخرب واصلاء الْحَرْب واذكاء الكرب واستحلاء طعم الطعْن وَضرب الضَّرْب وَابْن نيسان فِي الْبَلَد جلد على الْجلد باذل فِي صونه الْمطرف والمتلد يحمي بالمغاوير وَيَرْمِي بِالْقَوَارِيرِ ويسعر بالمساعير ويسخوا بِالدَّنَانِيرِ ويقصد المنجنيق بالحريق وَيُرْسل الْفرق إِلَى الْفَرِيق ويتوسل فِي الْجمع بِالتَّفْرِيقِ ويصمي بالجروخ ويباشر الْعُقُود بالفسوخ وَقد جمع الرِّجَال وَفرق الاموال وحرض الكماة وحض الرُّمَاة وانهض الحماة وَكم أَخذنَا نقوبا فِي الفصيل قبل الطُّلُوع فحرقوها ونصبنا آلَات قبل الِالْتِزَام بِالشُّرُوعِ فأحرقوها ونظمنا ستائر فمزقوها وظنوا أننا نكل ونمل وَبعد شدنا العقد ننحل فألفوا كل يَوْم جدنا جَدِيدا وحدنا حديدا وشدنا شَدِيدا والمبدأ قبل الْغَايَة مبيدا ووجدوا من بأسنا عَلَيْهِم مزيدا وكتبنا فِي اعداد من النشاب فصولا للارغاب والارهاب نعدهم تَارَة ونتوعدهم ونهديهم مرّة ونتهددهم ونقول لَهُم اكفونا معديتكم وَكفوا ايديكم فانا ان ملكناكم وَأَنْتُم مصرون اهلكناكم والا اعطيناكم سؤالكم وملكناكم وان ملتم الينا مولناكم ونولناكم وعولنا عَلَيْكُم وعليناكم ففترت عَنهُ مساعدة اهل الْمَدِينَة وحصلوا منا على الوثوق والسكينة وعادوا الى طباعهم المستكينة وَقد كَانُوا تضجروا بِولَايَة ابْن نيسان وعدموا الْعدْل وألفوا الْعدوان فتقاصروا عَن الاستطالة وسرعوا مَعَه فِي الاستقالة واشتط عله أَيْضا أَصْحَابه واشترطوا وتقبضوا عَنهُ وَعَلِيهِ انبسطوا فَبَدَا لَهُ وَجه الخذلان وَخط الحرمان وخلل الخلان وخيانة الاخوان وَجبن الغلمان وخطاب الخطوب وَحَدِيث الحدثات وان صرف الْقدر صرف عَن يَد قدرته زِمَام الزَّمَان فَعرف ان سَلَامَته فِي السّلم اذا عز الاذعان وانه لَا بَقَاء مَعَ أَنْوَاع الْبلَاء بِلَا نصْرَة الاعوان فَأرْسل فِي الاستعطاف والاستلطاف والاستشفاع والاستسعاف قبل طلب الامان ذكر شرح الْحَال فِي ذَلِك وأصبحنا بعض الايام بِصدق الاهتمام وحد الاعتزام وَفرض الِالْتِزَام ومواضع النقب يخْشَى عَلَيْهَا من الانهدام وَالْعَمَل منته الى التَّمام والأمل مُتَّجه إِلَى نجح المرام اذ خرج نسْوَة من الْمَدِينَة ذَوَات جاه وَقدر قد أخرجن وأخرجن من أعز خدر قاصرات تكاثفت حجبهن فِي الْقُصُور سافرات فِي بروجهن لم تبرز وجوهها نقبها عَن السفور

стр. 237

مقصورات محصورات تَحت الْحجر فِي حجرات محتجرات بجلابيب الخفر مُعْتَجِرَات لَا عهد لاقمارهن بالتبرج من البروج وَلم يحوجهن الا صرف الزَّمَان الجافي إِلَى الْخُرُوج وَمَا جررن فِي ثرى الاثراء الا ذيل الافتخار وَمَا أبصرن فِي يَوْم الْغنى ليل افتقار وَلم تطف بنارهن فرَاش وَلم يطو الا لصونهن فرَاش ساجيات فِي السجف مكتنفات بالانف مؤتنفات فِي الكنف معتصمات بالذمم مبتسمات بالعصم موصوفات بالتطهر معروفات بالتستر آنسات بالاستيحاش من النَّاس لابسات ملابس الِاحْتِرَاز والاحتراس لم يقْلع عَن شموسهن السَّحَاب وَلم يرفع عَن حجالهن الْحجاب وَلم يرشف كلامهن سمع لم يكْشف ظلامهن سمع وَلم يعرف برامهن لمع وَلم يَهْتِف بغرامهن دمع وَلم يطْرق كراهن طيف وَلم يطْلب قراهن ضيف وَلم يذو ربيعهن صيف وَلم يثور بعهن حيف وَلم يثن هيفهن هيف وَلم يرو قوافيهن عويف وَلم يعر شملهن تشتيت وَلم يبر حبلهن تبتيت وَلم يقْض بقلقهن تثبيت وَلم يقْض إِلَى فرقهن تبييت وَلم يشْعر بعطاسهن تسميت وَلم يعثر بنعاشهن تصويت وَلم يسر بمرادهن تعويت وَلم يسر فِي اكبادهن تفتيت وَلم يصبحهن سوى ظلالهن فِي أطلالهن وَلم يحللن غير حلالهن بحلالهن وَهن فِي عصمَة لم يدر لَهَا فِي الْوَهم وَهن وَفِي كَثْرَة قُوَّة لم يطر حول حولهَا قل وكل دَار لَهُنَّ لبدور الغسق دارة وكل مقرّ دونهن لرماة الحدق قارة مَا يحمي غيرالغيران حماهن وغار من الشَّمْس إِذا ذرت يَهْتِف بغرامهن دمع وَلم يطْرق كراهن ذمَّة مَا وَهِي مِنْهَا بالنكر وَكن وَفِي عزة لم يطف بهَا ذل بذراهن فَلم يقم على جرس برهَان براهن وَلم يَقع فِي حدس هوان هواهن وَلم يخْطر فِي ضمير ضمور خطرهن وَلم يدر فِي بَال وبال ضررهن وَلم يَفِ صفو وردهن بكدر صدرهن وَمَا فتئن تِلْكَ الفتيات فِي خفارة خفرهن وَلم يزل يشب دون خمارهن الْجَمْر ويذب عَن ذمارهن الذمر فأحوجن فِي هَذَا الْحصار للانتصار وارتدين على الِاضْطِرَاب برداء الِاضْطِرَار ووقعن على النَّار وترفعن عَن الْعَار وتبرقعن بالاستتار ورقعن بِالْخمرِ خرق الاشتهار وبرزن من السرَار اسرارا فِي ضمائر الازار وطلعن سحره طُلُوع كواكب الاسحار معتمرات إِلَى حرم الْكَرم الفاضلي محتميات من الْعَدو بالولي معتفيات نصْرَة الْعَفو الناصرى مناديات ندى ذَلِك الندى مبديات من نقب الذعر الْخَفي وَجه الْعذر الْجَلِيّ مستشفعات بشفيع كريم لَا ترد شَفَاعَته بل ترَاد لطاعة الله طَاعَته فأواهن أواهات إِلَى فنَاء الْخَيْمَة

стр. 238

وامترى لَهُنَّ خلف شَفَاعَته لشفا الغيمة وسعى وَسعه ووسع سَعْيه وسَاق بأوساق هداياهن هَدِيَّة وَعرف السُّلْطَان أَن لقصد الْحرم حُرْمَة وَأَن للمعتصمات بعزة عزة وعصمة وأنهن نسْوَة الامير والرئيس يسألن فِي كشف مَا حزبهن من حربهن لحربهن بالتنفيس فأكرمن واحترمن ورحمن وَمَا حرمن وبجلن وَمَا أخجلن ولأجبن وَمَا حجبن واعتبن وَمَا أتعبن ووصلن بِمَا فِيهِ وصلن وشفعن فِيمَا لَهُ شفعن وأعطين الامان على أَنهم ان اقاموا توفرت عَلَيْهِم الاملاك والاموال وان تحولوا سهل عَلَيْهِم الِانْتِقَال وَلم يسألن فِي البد لعلمهن أَنه لَا يخلى وانما سألن أَنه لَا تسلم الْمَدِينَة إِلَى ان تفرغ من نفائس اعلاقهم وتخلى فأعطين الامان على انهم يخرجُون بِكُل مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ وتمتد ايديهم اليه مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها وَأَنا نعينهم بدوابنا وأصحابنا على إِخْرَاج جَمِيع مَا لَهُم فِيهَا وعدن بِمَا وعدن وَمَا سعدن كَيفَ مَا اسعدن فانهن وان قربن أبعدن وان فزن بالافراج فقد حزن الاخراج وان شفعن فِي استتباب أمورهن لقد أضعن بخراب معمورهن وتوجعن بحجاب خُدُورهنَّ واغتراب بدورهن واخلاء دورهن والاخلال عِنْد سفورهن بستورهن فحادثهن صرف الْحدثَان بالانصراف وجاذبهن انحارف إِلَى الانحراف وَهَذِه عَادَة اللَّيَالِي العادية وَقَضِيَّة الاقدار القاضية فِي ارخاء الطول وانقضاء الدول وتصرم الْأَعْمَار وَتصرف الاعصار وانقضاء الدول وانقراضها واعتراء النوب واعتراضها وانتهاء المدد بانتهابها والتهاء الكرب بالتهابها وايماء البوارق فِي ايماضها واغراء البوائق باغراضها ووفاة النُّفُوس على وفائها وانضواء الشموس فِي اضوائها وَذَهَاب اللَّيَالِي بحسراتها وارهاب الايام لسراتها وإيقاذ النواظر بشوك اقذائها وايقاظ النواضر بوشك اذوائها ومعاقبة الرّبيع بتعقب الخريف واعادة الْقوي إِلَى عَادَة الضَّعِيف واحالة حَال الحالي على العطل وإقالة العاثر باليأس من الامل وَقد آن لِابْنِ نيسان زمَان نِسْيَان ذكره وان نبا وَكره خراب بُنيان وَكره وانْتهى الى سواهُ فِي الاسْتوَاء أمد آمده والزمن المزمن محا مده محامدة الدَّهْر والهر الخائن فِي أخوانه خانه والخطب الشائن فِي شَأْنه شانه والملوان ملا بتقريع اوانيه أَوَانه والجديدان جدا فِي جد جده فأسلبنا مَكَانَهُ وامكانه ذكر مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر فِي الْبَلَد وتسليمه وتستقيم مَا اعتل فِيهِ وتقسيمه وَلما اسْتَقر تَسْلِيم الْبَلَد بعد ثَلَاثَة ايام وَتقدم السُّلْطَان برد النِّسَاء باكرام واحترام

стр. 239

نفذ ابْن نيسان يخبر بِأَن غلمانه خَرجُوا عَن طَاعَته وانه لَا يقدر على نقل مَاله اذا وكل الى مُجَرّد استطاعته فندب بله من خواصه من يُرَاعى باعانته أَحْوَاله ودواب من اصطبلاته تنقل امواله فَخرج وَنزل فِي غير منزل وَضرب لَهُ خيمة بمعزل فشرع ينْقل درهمه وديناره ويحول اليه من كلا الجنسين أوقاره وتعجل مِنْهَا مَا خف حمله وَخيف عَلَيْهِ اذا لم يعجل نَقله وَترك مَا كبر حجمه واذهب الزَّمَان ثقله وَنقل المصوغات النضارية والفضية والمنسوجات الذهبية والجواهر والفرائد والعقود والقلائد وَالثيَاب المعدنية وصانها ان تكون مَعَ الدنية قلم يقدر فِي الْمدَّة المضروبة الا على تَحْويل الامتعة الْكَرِيمَة المحبوبة وَكم نشبت الطوارق فِي طرقه بنشبه وَكم ذهب اعوانه فِي مذاهبه بذهبه فان الطَّرِيق من دوره فِي بَاطِن الْبَلَد بَعدت الى خيمته فِي ظَاهره فولعت ايدي التَّعَدِّي بنفائس اعلاقه وكرائم جواهره وَمن اصحابنا جمَاعَة ندبوا لاعانته فاستغنوا بِمَا أَصَابُوهُ وحازوا وفازوا بِمَا بِهِ فازوا وَذكر انه كَانَ يحمل من دَاره عشرَة احمال باثقال أَمْوَال فَيذْهب فِي الطَّرِيق بَعْضهَا ويتعذر باعداد عروضها فَرُبمَا وصلت اليه من تِلْكَ الْعشْرَة الثمينة ثَمَانِيَة وَيسْأل عَن الْبَاقِي فَيُقَال دوابها وانية وَهِي فِي الْوُصُول متدانية وَمَا يزَال يدْخل جملَة فِي جملَة وَقد عبثت بمجانيها ايدى جانية فنضا أعوانه أَنْوَاع نضاره وهيهات ان يرجع مَا ذهب وَهُوَ فِي انْتِظَاره فكم اختزل مِنْهُ وَاعْتَزل وَكَانَ يعْتَقد انه سمين فاذا هُوَ قد هزل فراح وَقد أعوز عزه وبز بزه وهتك حرزه ونهك كنزه ووجدوا من مصائبه فَوَائِد وَوَضَعُوا من لحومه مَوَائِد واستجدوا من مضاره مَنَافِع واستنجدوا من مغرابه مطالع وسلخوا من قدره وطبخوا فِي قدره ومالوا بِمَالِه وحالوا بِحَالهِ وسمنوا بهزاله واعتزوا باعتزاله وخفوا بثقاله واستفادوا الصِّحَّة من علله والحلية من عطله واسداد من خلله وَالْجمال من حلله وَهُوَ لما بِهِ من روع وَكره بِغَيْر طوع وهم وهم بِكُل نوع يحصر لَدَى التَّكَلُّم وَيقصر عَن التظلم ويغتنم لما حواه فوزه وَلَا يصدق بِمَا حصل فِي يَده من ذخره حوزه فَهُوَ عَلَيْهِ مرتعد مرتعش على أَنه بِمَا راعه من الرعب من كل أنيس مستوحش فَلَمَّا انْقَضى الْأَجَل خامرة الوجل واعترف بِأَنَّهُ عَن نقل سَائِر ذخائره عَاجز وان غدر الزَّمَان بَينه وَبَين

стр. 240

مَا غَادَرَهُ حاجز فانه ترك أخاير الذَّخَائِر وسلا عَن حبها سلو الخائر الحائر وَكَانَت ابراج الْمَدِينَة ودورها واماكنها قد ملئت بِكُل ذخر من اجناس الغلات وأنوع الالات والادوات اهراؤها ومخازنها فَتَركهَا من غير ان فركها وَفَاته دركها وَمَا ادركها وخلاها وَمَا اخلاها وَأبقى ثراه بثراها وسهرت عينه لَهَا وَمَا كرّ عَلَيْهَا طيفها فِي كراها وَلَو اسْتَزَادَ مهلة لاستفاد نهلة لكنه هاب وارتاع وارتاب وَفِي مظنه الرجا خَابَ وعَلى مطيه النجا نجا وَغَابَ وَلَو رشد لنشد ضالته فِي ظلّ السُّلْطَان وَأَوَى احسانه الى مأوى الاحسان لكنه بعد فَبعد وَلَو اسعده لسعد ذكر تسلم مَدِينَة آمد وتسليمها إِلَى نور الدّين مُحَمَّد بن قرا ارسلان بِجَمِيعِ مَا فِيهَا وَذَلِكَ فِي الْعشْر الاول من محرم سنة تسع وَسبعين وَلما انْقَضتْ مُدَّة الْأمان فتحت لاولياء الله أَبْوَاب الْجنان وَقد ذكرنَا النُّزُول على آمد فِي سَابِع عشر ذى الْحجَّة وَكَانَ الِاشْتِغَال بِالْقِتَالِ وادواته وَنصب المنجنيق وآلاته فِي بَاقِي السّنة فَمَا استهلت السّنة إِلَّا وَقد اسفرت الْحَسَنَة ونطقت بالبشائر الْأَلْسِنَة وَقيل للسُّلْطَان هَذِه آمد فِيهَا ذخائر تربي قيمتهَا على الف الف دِينَار وَمَا دخلت عِنْد الْوَعْد بآمد فِي شَرط وقرار فَاقْض بهَا المهام وخصص وعمم بهَا الْخَواص والعوام وَهُوَ يقنع بآمد فارغة ويعدها لكل حجَّة بَالِغَة ونعمة عَلَيْهِ سابغة فَقَالَ نور الدّين صَار من أشياعنا فَمَا نضن عَلَيْهِ بِهَذِهِ الاشياء وَلَا نظن بِهِ جحود هَذِه النعماء وهبنا وهبنا لَهُ الاصل مَعَ الضنة بالفرع فَمَا يَلِيق بِمَا سنته مكرماتنا من الشَّرْع فَأَما مَا كَانَ فِي الاهراء من اجناس الغلات وأنوع الْحُبُوب فَمَا يحويه وهم المظنون وَعلم المحسوب وَأما الامتعة والاسلحة وَالْعدَد وَقد جمعت مددها على طول الازمنة المدد وَقد تكاثرت بهَا الْعتْق والجدد وأحضر النواب دساتير المخازن ففقدنا إِمْكَان معرفَة مَا فِي الْأَمَاكِن وَمِنْهَا برج من الْمَدِينَة يحوى على ثَمَانِينَ ألف شمعة لم يظفر مِنْهَا من احرزها فِي ظلام الْخطب الداجي بلمعة فَأخذت مِنْهَا لحاجتي الى انشاء كتب الْفتُوح لَيْلًا عشرا فألقيت لضوئها وضوعها بشرا ونشرا وَلَو شِئْت لأخذت مِنْهَا

стр. 241

لكنني عددتها ثقلا وَمَا رَأَيْت لَهَا نقلا وَأما المستعملات الآمدية من الْبسط والفرش والخيام فَلَا يدْخل حصر مبالغها فِي الاوهام وَلَو ذكرت مَا وَجَدْنَاهُ من الطّرف ومصنوعات الاواني من الْحَرْف لطال الذّكر وتعب فِي احصائه واستقصائه الْفِكر وَكَانَ من جملَة المستودعات الْقطن قدامتلأ بِهِ الْبَلَد وَلَا أَقُول الخزن وَذكر انه بيع مِنْهُ سبع سِنِين فَمَا فني مَعَ أَن مُتَوَلِّي الْبَلَد بِبيعِهِ غَنِي فاستغنى باثمان الاذخار واستفرغ الْجهد فِي اسْتِخْرَاج مَا فِي ابراج الاسوار وانما شرحت هَذِه الْقِصَّة لتعلم ان الدُّنْيَا لم يكن لَهَا عِنْد السُّلْطَان قدر وانه لم ينطو مِنْهُ على قَلبهَا صدر فَأول يَوْم فكها نصبت على سورها أَعْلَامه ونفذت فِي امورها أَحْكَامه ثمَّ سلمهَا إِلَى نور الدّين بن قرا أرسلان وكتبت لَهُ بهَا وبأعمالها التَّقْلِيد وتسلم مني بِهِ لمغالق المعاقل الاقليد وَعمر طريف فخاره بِنَا التليد وَدخل جنَّة النَّعيم لَو انها فِي الدُّنْيَا توجب التَّخْلِيَة لَا التخليد وآمال للاهتزاز لَهَا والاعتزاز بهَا أعطاف أطرية الأماليد وتوطا بهَا وتوطد وتوطن وتأثث بأثاثها ومكانها وَتمكن وملكناه زمامها وحسرنا لَهُ طالما تحسر عَلَيْهِ لثامها وفضضنا لَهُ ختامها ونشرنا لملكه اعلامها وقررنا فِي سلكه انتطامها وأسعدنا بِعُمُوم عدلنا عامها واعدناها بعد الْخَوْف إِلَى أَمن أَنَام انامها واستعبد السُّلْطَان من نور الدّين حرا وفاه ثمنه ووفى لَهُ ومكنه وأناله خطرا لم يخْطر مناله بِبَالِهِ وامال لَهُ اعطاف اعطيات لم تهتز فِي اماله وَوصل بِعَمَلِهِ مَا نوى لَهُ من نواله فَأَضَاءَتْ فِي قَضَائِهِ مجالي مجاله وصان لَهُ بالعطاء من العطل حَالي حَاله ثمَّ مَلأ بالمناجح من منائحه رَجَاء رِجَاله وَخَصه واستخلصه باحتفائه واحتفاله وَعلا بِهِ على امثاله بمثاله وَمَا اسْتَقل عَن دَاره حَتَّى درى باستقلاله وَكَانَ سيدنَا الاجل الْفَاضِل حَاضرا فجلا لَهُ بفضله جلالة أفضاله ذكر بعض الامثلة الْفَاضِلِيَّةِ بِسحر الالفاظ والمعاني السحرية البابلية فَمن ذَلِك فصل إِلَى بعض امراء الاطراف صدرت الْمُكَاتبَة مشعرة لَك بِفَتْح آمد وَذَلِكَ بِقِتَال اعْمَلْ السَّيْف فِيهِ إِعْمَال المشفق وَاسْتعْمل فِيهِ الْعَزْم اسْتِعْمَال المترفق فَلَمَّا رأى صَاحبهَا غير مَا ظَنّه وَسوى مَا

стр. 242

عَهده لم ير الْغَنِيمَة الا نَفسه وَمَاله وَولده فاستام الصُّلْح فأرخصناه وَاسْتَأْمَنَ فأمناه مِمَّا خَافَ وخلصناه واغمد مَا كَانَ مُجَردا واجرانا الله من نصرته على مَا لم يزل متعودا ورفعنا عَنهُ الْقِتَال يدا وأوليناه الاحسان يدا وَكِتَابنَا هَذَا وَالْمَدينَة قد فتحت ابوابها وعذقت بدولتنا أَسبَابهَا وَتكلم لِسَان علمنَا فِي فَم قلعتها وبشرها بِعدْل نشرها بخصب نجعتها وَبعد أَن لبستها دولتنا وَفينَا بموعد خلعتها فَالْحَمْد لله الَّذِي تتمّ النِّعْمَة بِحَمْدِهِ وينجح الامل بِقَصْدِهِ مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده فصل آخر من انشائه قد رفعت على قلعتها أعلامنا ونفذت فِي مدينتها احكامنا ونال صَاحبهَا صلحنا وَعم اهلها صفحنا ووفى فِيهَا موعدنا ونجح وَالْحَمْد لله مقصدنا وألان الله صعبتها وحطم فِي ثَلَاثَة أَيَّام صعدتها وَنحن نستعيذ بِاللَّه من أَن نظن أَن لنا فِي هَذَا الصنع صنعا وَأَن نعتقد انا نملك لأنفسنا ضرا وَلَا نفعا فصل آخر لَهُ نزلنَا على آمد وَمَا استبعدنا أمدها وأردنا ان ننجز لنُور الدّين موعدها ففتحت بِقِتَال ثَلَاثَة أَيَّام أعقبت سلما حقنت الدِّمَاء فِي أهبها وَردت السيوف بغيظها إِلَى قربهَا فَالْحَمْد لله الَّذِي فتح مِنْهَا مَا كَانَ فِي وُجُوه الهمم سدا وَجعل نارها لبني الاسلام خليلية يناديها الصفح ﴿يَا نَار كوني بردا﴾ فصل آخر لَهُ مشعرة بِفَتْح آمد وَهِي الَّتِي طالما اعرضت بجانبها وصدت عَن خاطبها فرضناها بساعات عزم على الاولياء فرضناها وَسلمهَا صَاحبهَا مستأمنا وسام منا الاحسان الذى طالما ارخصناه على مستامنا وقضينا لنُور الدّين عدتهَا وابتنى بهَا بانينا من كَانَ بهَا قبل ان تقضي عدتهَا وَكِتَابنَا هَذَا اليك وَالْيَد لَهَا مالكة وواهبة وَالدُّنْيَا الا بِمن يكون بهَا ذَاهِبَة ذَاهِبَة

стр. 243

فصل آخر لَهُ توجهنا إِلَى آمد بعد أَن ولانا الاعداء ظهورا وأولانا الله نصرا وظهورا واستصحبنا دونهم من مُلُوك بِلَادهمْ من كُنَّا بِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَجَعَلنَا لَهُ نورا﴾ وَهِي طريدة الصَّدْر الاول الَّتِي صدر عَنْهَا محلا عَن وردهَا حَاصِلا على رَاحَة يأسه وتعب طردها فَفَتحهَا الله بأيسر مَعَاني المعاناة وبلغنا صَاحبهَا وكافة اهل الْبَلَد مَا كَانَ اقصى الاماني من الامانات وَكِتَابنَا هَذَا ومنبر الْجُمُعَة باسمنا صادح وَالْملك عقيم وَنحن على ثِقَة بِأَنَّهُ مَعنا لاقح وَقد أعطينا نور الدّين مَا ورث من سلفه ارادته وَأحسن الله على يدنا افادته فصل آخر لَهُ نزلنَا عَلَيْهَا وَلم يكن الا رباضة ثَلَاثَة أَيَّام ريثما فتح الجفن عَن نصله واستيقظ صَاحبهَا بجد الْقِتَال من هزله وَاسْتَأْمَنَ فأومن على نَفسه وَمَاله وَأَهله وَكِتَابنَا هَذَا ولواء النَّصْر قد مد بَاعه معانقا لقلعتها وخطيب منبرها قَائِم باسمنا سَاعَة تسلمها للموافقة لساعة جمعتها ووصلنا نور الدّين إِلَى عقيلة طَال مَا واعدها أَبوهُ وخطبها وَقَبلنَا مِنْهُ مهرهَا بمعونة فِي سَبِيل الله أوجبهَا فصل آخر من الانشاء الفاضلي من كتاب الى الصاحب مجد الدّين بِبَغْدَاد ان آمد قصر الأمد فِي الظفر بهَا وانقاذها من الْمَظَالِم الَّتِي كَانَت تلبس نَهَارهَا نقبة غيهبها فَلَمَّا حل بعقوتها اراد ان يجْرِي الامر على صَوَابه وَأَن يلج الْأَمر من بَابه وَأَن ينذر المغتر ويوقظه ويغلظه بالْقَوْل الَّذِي من الرِّفْق أَن يغلظه فَبعث اليه بِأَن يهب من كراه ويعد لضيف التَّقْلِيد قراه وينجو بِنَفسِهِ منجا الذُّبَاب وَلَا يتَعَرَّض لَان يكون منتحيا للدباب واذا عريكته لَا تلين الا بالعراك وطريدته لَا تصاد الا بالشراك فهنالك رأى عَاجلا مَا هُنَاكَ وقوتل حق الْقِتَال فِي يَوْم وَاحِد عرف مَا بعده من الايام وَوَقع الاشفاق من روعة الْحَرِيم وَسَفك الْحَرَام وَنصب المنجنيقات فَأرْسل عارضها

стр. 244

مطره وَفطر السُّور بِقَدرِهِ الَّذِي فطره وخطب امامها خطيب خطبه وأغمد الصارم اكْتِفَاء بضربه وترفه اهل الْحَرْب لحسن المناب عَنهُ بحربه فَصَارَ فِي اقْربْ الاوقات جبلها كثيبا مهيلا وعفرت الابرجة وَجها تربا وَنظرت القلعة نظرا كليلا كَذَلِك حَتَّى امكنت النقوب ان تُؤْخَذ وكبد السُّور أَن يفلذ فَرَأى الذى لَا يصبر على بعضه وَاعْتذر اليه الْبناء الَّذِي بنى الامر اذ لم يقضه والا فَلَا يَأْمَن من نقضه وَسُئِلَ فِيهِ فَأُجِيب إِلَى الامان على نَفسه وَقد كربت وتقطعت الاكراب وَبَلغت وَقد كَانَ يظنّ انها تبلغ الاسباب وَخرج مِنْهُ وانما أخرجه الظُّلم بالظلم وَسلم وَهُوَ يرى السَّلامَة اما من الْحلم واما من الْحلم فصل فِي وصف التَّقْلِيد وان كَانَت هَذِه الالات الموصوفة وَهَذِه الْعدَد المرصوفة هِيَ الَّتِي تنَاول بأنملها ورامي بجند لَهَا وصالت بأنصالها فن الْآلَة المعدودة من الالاء وَالسَّبَب المتدرع بِهِ الى المُرَاد الدرْع بِهِ لَدَى الهيجاء هُوَ التَّقْلِيد الامامي الذى لما أُوتِيَ مِنْهُ كِتَابه بِيَمِينِهِ وَسجد الى قبلته فَبَان نور الْقبُول على جَبينه وَتحقّق ان الْحق مَعَه وَأَن لَا قبل بِهِ لباطل وَأَن القَوْل الذى فِيهِ مَا ترك مقَالا لقَائِل وَأَن السَّيْف الَّذِي حمله أقطع من السَّيْف الذى حَملته الحمائل وَأَن الْقَلَم الذى جرى بِهِ اجرى من الرمْح فان الْخط هُوَ النَّضِير والخطي هُوَ الذابل ولولاه مَا فتح لَهُ الْبَاب الَّذِي قرعه وَلَا انْزِلْ عَلَيْهِ النَّصْر الَّذِي انْزِلْ مَعَه وَلَا ساعد سَيْفا ساعد وَلَا نَالَتْ يَد من مصر فاخذت آمد وَمن بآمد وَقد وضح لَهُ الْيَقِين الذى لَا شُبْهَة فِيهِ وَالدَّلِيل الذى لَا يُسلمهُ الا الْغرُور وَلَا يدليه انه لَو اجيبت رغبته وَقبلت مَسْأَلته فِي تَقْلِيد الْموصل لَكَانَ قد ولجها وَلَو بدلجة واخذها وَلَو بحصاة نبذها ولكانت الاقدار تؤتيه وتواتيه والآمال توفيه وتوافيه وَلكنه لما لم ترد دَار السَّلَام تحيته وَلم يقبل ولي العقيلة خطبَته كَانَ مَمْنُوعًا من الْموصل بِغَيْر يَد من كَانَ بهَا محصورا ومنصرفا عَنْهَا بيد من كَانَ بَاعه بأَمْره مَقْصُورا وَحَيْثُ شملته الْعِنَايَة فِي آمد فَهِيَ طَلِيعَة لَهَا مَا بعْدهَا وتقدمه لَا تقف آماله عِنْدهَا وازرق الْفجْر بعده أبيضه وانزر الْقطر بعده افيضه وَهُوَ يتَوَقَّع فِي جَوَاب هَذَا الْفَتْح ان يمد بِجَيْش هُوَ الْكَلَام

стр. 245

ورماح هِيَ الاقلام وَنصر هُوَ وَافد الامر وترشيد هُوَ فك الْحجر وَلَيْسَ ذَلِك لوسائل تقدّمت من دولة اقامها بعد ميل عروشها وَلَا لدَعْوَة قَامَ فِيهَا بِمَا تصاغرت دونه همم جيوشها وَلَكِن لَان هَذِه الجزيرة الصَّغِيرَة مِنْهَا تنبعث الجزيرة الْكَبِيرَة وَهِي دَار الْفرْقَة ومدار الْمَشَقَّة وَلَو انتظمت فِي السلك لانتظم جَمِيع عَسْكَر الاسلام فِي قتال الشّرك ولكان الْكفْر يلقِي بيدَيْهِ وينقلب على عَقِبَيْهِ ويغشاه الْإِسْلَام من خَلفه وَبَين يَدَيْهِ ويغزى من مصر برا وبحرا وَمن الشَّام سرا وجهرا وَمن الجزيرة مدا وجزرا وَأما الْكتاب بِفَتْح آمد من الانشاء الْكَرِيم الفاضلي الى الدِّيوَان الْعَزِيز فِي محرم سنة تسع وَسبعين وَوصف التَّقْلِيد الامامي بِولَايَة آمد فَهُوَ أدام الله ايام الدِّيوَان الْعَزِيز النبوى وَلَا زَالَت دواوين الْخَلَائق منتصبة بولاء مَالِكه وطاعته من أهم فَرَائض الدّين ومناسكه وَالدُّنْيَا إِمَّا سَاكِنة بالامر تَحت سَرِيره وَإِمَّا منزعجة بالعجاج تَحت سنابكه وَالْحق وَالْبَاطِل منصرفين بَين أمره وَنَهْيه فطوبى لآخذه وطوبى لتاركه والاقلام تنقل الى علمه من آثَار أرماح اوليائه واخبار نصر لوائه مَا يعلم بِهِ ان الاقلام عباسية لما لبست من شعار ايامه وَلما أمهت من شفار انتقامه وَلما أبدت من آثَار خُدَّامه وَلما خطبت من أَخْبَار إنعامه وَلما نابت فِيهِ فأحسنت عَن حسامه ورد الْخَادِم التَّقْلِيد بِولَايَة آمد فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقرًّا عِنْده قَالَ هَذَا مفتاحها وَسمع الْوَصَايَا فاستضاء بهَا فِي ظلمات الْقَصْد وَقَالَ هَذَا مصباحها وتناوله فَمَا ظَنّه الا كتابا انْزِلْ عَلَيْهِ من السَّمَاء فِي قرطاس وَمَا تيقنه إِلَّا نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس وَلَا شكّ ان الذى تقلد مِنْهُ امضى من الذى تقلد وَلَا ارتاب ان الذى تبلج من نوره عَمُود صبح اهْتَدَى بِهِ فَمضى وَمَا تبلد وَسَار بِهِ وَلَوْلَا الْعَادة لما استصحب جنديا وعول عَلَيْهِ وَلَوْلَا الزِّينَة مَا تقلد هنديا فطرق بَابه باقليده ولولاه مَا اسْتَطَاعَ الاولياء ان يظهروه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نقبا﴾ وناشد الْمُقِيم بهَا بتقليده وَلَو كَانَ ذَا سمع أصغى وَلَو كَانَ ذَا لب لبّى وَلم يعد السّنة فِي الانذار لَهُ والاعذار اليه ثَلَاثَة أَيَّام بِثَلَاث رسائل ارسل اثْنَيْنِ

стр. 246

فكذبهما فعزز بثالث وتنقل إِلَى جهلة قارح قبلهَا خطْفَة جارح قبلهَا نفثة نافث فَلَمَّا انْقَضتْ ضِيَافَة أَيَّام النذارة واحتقر من بآمد نَار الْحَرْب جَاهِلا أَن ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ عمد لَهَا فِي الْيَوْم الرَّابِع فزلزل عمدها وقاتلها فأزال جلدهَا وزيل جلمدها ثمَّ رأى أَن الشَّوْكَة رُبمَا أَصَابَت غير ذى الشكة من جندها وَأَن الْمُسلم قد آمنهُ الله من عَذَاب الْحَرِيق وَلَا يَأْمَن أَن تحرقه القسي من السِّهَام بشرار زندها فَعدل الى منجنيقه الذى أمل صَاحبه مِنْهُ منجى نيقه وَرَأى ان سَوط سطوته يضْرب الْحجر عَن أَن يُبَاشر الْبشر وَتلك الابرجة قد شمخت بأنفها ونأت بعطفها وتاهت على وامقها وغضت عين رامقها وَذَهَبت همة فِي حالقها وَلكنهَا لم تذْهب هَامة عَن حالقها فَهِيَ فِي عِقَاب لوح الجو كالطائر الا ان المنجنيق اغرى بهَا عقابيه وضغمها بمخلبيه وجثم أمامها يخاصمها وَقَامَ الى الْغَيْر يحاكمها وَيضْرب بعصاه الْحجر فتنبجس من الثقوب أعين لَا ترسل المَاء وَلَكِن تروى العطاش إِلَى منهل الْمَدِينَة وتنهل الظمأى كَذَلِك اياما حَتَّى مُحي من الشرفات شنب ثغرها وتناوبها كأس فتك تبين بِهن ابرجتها اثار سكرها وعلت الايدى الرامية لَهَا وعلت الايدي المحامية عَنْهَا فَلم يبْق على سورها من يفتح جفنا وَلَا جفنا وَشن المنجنيق عَلَيْهَا غارته الى ان صَارَت شنا وفضت صناديق الْحِجَارَة المقفلة وفصلت مِنْهَا أَعْضَاء السُّور الْمُتَّصِلَة وَوَجَب الْقِتَال لِئَلَّا يظنّ بالخادم انه لَا جند لَهُ الا جندله فأوعز بالتقدم اليها وَدخُول النقابين فِيهَا فاثخنت جراحاتها بالنقوب وهتك الْحجاب من أضالع الْبَلَد فكاد يُوصل الى مَا وَرَائِهَا من الْقُلُوب وخشيت معرة الْجَيْش فِي وَقت هجمه وطل صَاحبهَا وَقد كشف لَهُ الخذلان حَتَّى نصر على شكه بِعِلْمِهِ فاعاد الرسَالَة

стр. 247

مستكشفا بحجب النجَاة بارسال ذَوَات الْحجاب وابرازهن ومستكفا ليد الْقَتْل بِمن لم يكن جَوَابه غير احرازه واحرازهن وَلم يُعَارض فِي نَفسه وَلَا فِي قومه وَلَا فِي أَمْوَاله وَهِي مَا هِيَ من ذخائر موفرة ومكاسب أرباح مخسرة وَكَانَت الْحُقُوق عَنْهَا مذودة وَكَانَت مُسْتَقِرَّة فِي مأمنها من يَدَيْهِ والامال دونهَا مطرودة وغض الْخَادِم كل عين عَن عينه وورقه وصانه فِي مخيمه من الْفقر صيانته فِي ذَات سوره وخندقه وَاسْتوْفى شَرط الْوَفَاء بِمَا أعطَاهُ من موثقه وَهَذِه آمد فَهِيَ مَدِينَة ذكرهَا من الْعَالم متعالم وطالما صادم جَانبهَا من تقادم فَرجع عَنْهَا مقدوعا أَنفه وَإِن كَانَ فحلا وقرعها فريد الهمة وان استصحب حفلا وَرَأى حجرها فَقدر انه لَا يفك لَهُ حجر وسوادها فَحسب انه لَا ينسخه فجر وجمية أنف أنفها فَاعْتقد انه لَا يستجيب لزجر من مُلُوك كلهم طوى صَدره على الغليل إِلَى موردها وَكلهمْ وقف مِنْهَا وَقْفَة الْمُحب السَّائِل فَلم يفز بِمَا أمل من جَوَاب بعهدها وَرَأى الْخَادِم ان الْخَادِم نور الدّين بن قرا ارسلان قد تقدّمت مِنْهُ فِي الْخدمَة مكاونه وشرطت عَلَيْهِ فِي وَقت الْغُزَاة الى الْكفْر معاونه وَأَنه جارها الادنى الدَّار وخاطبها وَابْن خاطبها فِي سالف الاعصار وانه ذُو جَيش مجرور وَأَرَادَ ان يَجعله بولايتها ذَا جَيش جرار فسلمها اليه وَشرط عَلَيْهِ مَا شَرط من الدِّيوَان الْعَزِيز عَلَيْهِ من معدلة تنسخ مَا كَانَ بهَا من ظلمَة الظُّلم ونزاهة ان يكون اتباعها من حِكْمَة الحكم وَتَخْفِيف الْوَطْأَة وتحسين السمعة وَقبُول الْوَصَايَا الديوانية الَّتِي هِيَ لاولياء أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ منهاج وشرعه وَلما رأى صَاحب ميافارقين ان أُخْت صاحبته قد ابتنى بهَا ابْن عَمه خَافَ ان يجمع لَهُ بَين الاختين فراسل ببذل الْخدمَة الَّتِي يكون فِيهَا لنُور الدّين ثَانِي اثْنَيْنِ وَالْخَادِم يَقُول من حَيْثُ املاه الْوَلَاء فانه يَقُول من لِسَانه ويجني من جنانه ويقتطف نور الْقبُول من بستانه وَلَا يقدم على ذكره مذكرا ويعيذه

стр. 248

الله من نسيانه أَنه مهما ارادت مِنْهُ الآراء الشَّرِيفَة أَتَاهُ وَمهما نَوَت فِيهِ من احسان قرب عَلَيْهِ نوى مَأْوَاه وعَلى ذَلِك دَلِيل جلي جليل وبرهان لَا نوره يأفل وَلَا رَأْيه يفيل فَهَذِهِ آمد لما أرسل اليه مفتاحها وَهُوَ التَّقْلِيد بِفَتْحِهَا وَهَذِه الْموصل لما تَأَخّر عَنهُ الْمِفْتَاح منعهَا وَمَا منحها وَلَو أعين بِهِ لعظمت على سَلام عائدته وَظَهَرت فِي رفع مناره فَائِدَته لِأَن ليد بِهِ على عَدو الْحق وَاحِدَة والهمة لآلات النَّصْر واجدة وَذَلِكَ أَمر عقباه أَن لَا يعبد إِلَّا الله وَحده وفحواه الظفر الادنى بِالْمَسْجِدِ الاقصى الذى حمل الله اليه لَيْلَة الْمِعْرَاج عَبده ومغزاه أَن يكون لأمير الْمُؤمنِينَ عبد ولي لَا يبْقى على الدولة والاسلام عدوا بعده وَمَعْنَاهُ أَن يجرد للاسلام سيف نَصره يمده قلم الدِّيوَان بمده ذكر الدُّخُول إِلَى الْبَلَد وَدخل السُّلْطَان إِلَى الْمَدِينَة فِي يَوْم كَانَ يَوْم الزِّينَة وعادت بِهِ خواطر الإنزعاج الى السكينَة وَحَضَرت أكَابِر اهلها بالطاعات المستكينة واستمسك رعايها من رعايته بحبال الحباء المتينة وَجلسَ فِي دَار الامارة وَهِي على أحسن وابدع واعجب وأزين مَا يُمكن من الْعِمَارَة من دَخلهَا تَلا ﴿إرم ذَات الْعِمَاد الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد﴾ نائية عَن الظنون ناهية للعيون عقيلة من عقائل الْجنان حَلِيلَة من الحلائل الحسان عالية الايوان حَالية الْبُنيان بهية البهو شهية الزهو رائقة الرواق شائقة الاشراق معْجزَة صفتهَا معجبة صنعتها سارة تزاويقها دارة أفاويقها قد تحركت الافلاك إِلَى سمائها وتنزلت الاملاك لهنائها وتسنى بهَا السنا الناصرى فأضاء بفضائها كَأَنَّمَا نبع من بركها الْكَوْثَر واطلع من فلكها الْقَمَر الازهر وبدا فِي دارة دارها الْبَدْر وامتلأ ببشر الانشراح من تصدر مَالِكهَا الصَّدْر روضية الازهار رضوانية الانهار سلطانية الانواء والانوار يحدث ربيع ربوعها نيسان نيسانها وَيحدث ذكر نباهتنا نبأ نسيانها

стр. 249

وينبىء طيبها وطينها عَن ريا رئاسة بانيها وتصف غضارة معاليها ونضارة مجاليها طلاوة مَعَانِيهَا وحلاوة مجانيها وتذكر بأيام أيامنها وازدهاء الدَّهْر فِي سُكُون سكانها فَمَا محا سنا محاسنها فزرنا اعلامها بأعلام وحطنا أَحْكَامهَا بِأَحْكَام ووصلنا رغامها بغرام وأنشأنا سحابها بسجام ودخلنا دَار سلامها بِسَلام وانزلنا عَنْهَا الازل وازحنا عَن محلهَا الْمحل وارحناها من مشاق المشاقق بوفاق الْمُوفق الْمُوَافق واخرجناها من يَد الْمُبْطل الى يَد المحق المحاقق وَبَانَتْ تِلْكَ الْعَرُوس من زَوجهَا وَكم جلت لِلْحسنِ وَالْحُسْنَى أوجها فِي أوجها وخلا مِنْهَا فج فوجها وَرمى بهَا مج موجها وَهَذِه شِيمَة الدُّنْيَا لَا تمق وامقا وَلَا ترمق رامقا من جنى مِنْهَا جنت عَلَيْهِ وَمن علت يَده فِيهَا غلت يَدَيْهِ وَمن اطاعها عصته وَمن داناها أقصته وَمن وفى لَهَا خانته وَمن أعزها أهانته وَمن وَصلهَا قطعته وَمن نزع اليها نَزَعته وَمن اكل مِنْهَا أَكلته وَمن خف الى اثقالها استخفته واستثقلته وَمن تملأ بهَا مِلَّته وَمن تخلى لَهَا خلته وَمن ارتمى اليها رمته وَمن استحلى شَهِدَهَا سمته وَمن انتجع غمامها غمته وَمن برهَا برته وَمن اكتساها أعرته وَمن ارتداها اردته وَمن صدق مخايلها كَذبته وَمن استعذب مناهلها عَذبته وَمن اسْتغنى مِنْهَا افقرته واحوجته وَمن سكن دارها أزعجته واخرجته وَمن استطبها أمرضته وَمن استطابها أمضته وَمن أرضاها أغضبته وَمن أحبها وَقبلهَا قلته وقلبته وَمن قر بهَا قبرته وَمن أقالها عثرته أَو أرادها ردته أَو أباد بهَا أبدته ومتاعها قَلِيل ومتاعبها كَثِيرَة ومقاريها مقرة ومبارها مبرة فَلَا مطار بهَا لمطاربها وَلَا مطال بهَا الا لمطالبها فمشارقها صائرة الى مغاربها ومشاربها غائرة فِي مساربها ومراقبها مترامية على مراقبها ومطالعها متعامية على مطالعها ومقارها نابية عَن مقارعها وَقد ظَهرت آثَار غدرها بِابْن نيسان حَيْثُ غادرته وَقد رجا نصرها مخذولا وَتركته وَقد اعْتصمَ بهَا متبذلا لليالي الباخلات مبذولا وَهَكَذَا من تلاه فان نور الدّين مَا امْتَدَّ زَمَانه وانتقل إِلَى وَلَده بعد سِنِين مَكَانَهُ وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي مَوْضِعه وَشرح شَأْنه ذكر استحضار نور الدّين مُحَمَّد بن قرا ارسلان وَأخذ يَده على طَاعَة السُّلْطَان ومعاملة الرّعية بِالْعَدْلِ والاحسان وَلما اسْتَقر السُّلْطَان فِي الدَّار ودارت بأقدار مُرَاده الاقدار من الْفلك الْمدَار

стр. 250

استحضر نور الدّين وَأخذ يَده وأوضح لجده جدده واستوثق مِنْهُ بِحلف أكده وَعقد مِيثَاق عقده وعاهده من طَاعَته على مَا عَهده وأسعده بمناه مِنْهُ وأسعده وأرشفه شفَاه شفاهه وأرشده وأقامه لملكه وَفِي دسته أقعده وَشرط عَلَيْهِ طَاعَته وَفِي كل غزَاة مُتَابَعَته ومشايعته ومبادرته عِنْد الاستدعاء وبالاستعداد ومسارعته وَكَانَ لَهُ مِمَّن صحت مناصحته ولزمت بمصافاته مصافحته وَلَا يكون لمن ينازعه على غير مصالحة مصالحته وَأَنه يعمر الْبَلَد وأعماله ويعمها بإحسانه وَيُعِيد مَا تشعث مِنْهَا الى عمرانه وَيسْقط المكوس ويغبط النُّفُوس ويبدل بالنعمى الْبُؤْس وبالبشر العبوس ويبنى العروش ويزكي الغروس ويديم لمطي المكاره وكف العظائم الرّكُوب ولنشر المكارم وكشف الْمَظَالِم الْجُلُوس ويسعي السُّعُود وينحي النحوس وَصدق الصداقة صداقك الذى جلونا بِهِ عَلَيْك هَذِه الْعَرُوس فأمدنا بالامداد وَأحل مِنْهَا أجناء الاجناد وانجاء الانجاد واحمل بحملك اعباء الْعباد واكف بحكمك بلَاء الْبِلَاد وأقم صلوَات الصلات وأدم سكنات الْحَسَنَات وحركات البركات وأد صدقَات الصَّدقَات وتنكب طرق طوارق النكبات وَأبْعد عَن مَعَاني الشُّبُهَات ومظان الشَّهَوَات وانتهز فرص الْخيرَات فَوَاتهَا قبل الْفَوات وأحي لاوليائك بآلائك موَات الْموَات ثمَّ استودعه وودعه بعد ان نور للعيون مطلعه وَنور بالعيون منبعه وهب لَهُ اغنائه بِمَا وهب لَهُ وَبِمَا فض لَهُ من ختام عطاياه فَضله وأوضح وأعذب منهجه ومنهله وَأَتَاهُ من تفضيله بجميلة وجمله ذكر القوام أَحْمد بن سماقة وَزِير نور الدّين بن قرا ارسلان كَانَ صَدرا رحيب الصَّدْر جليل الْقدر متحببا إِلَى الْقُلُوب بكرمه متقربا إِلَى الْمُلُوك بخدمه ناصحا فِي خدمَة مخدومه مُدبرا لقلمه باقليمه حَافِظًا لاوليائه غائظا
следующие страницы →