Полный текст (324 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فكذبهما فعزز بثالث وتنقل إِلَى جهلة قارح قبلهَا خطْفَة جارح قبلهَا نفثة نافث فَلَمَّا انْقَضتْ ضِيَافَة أَيَّام النذارة واحتقر من بآمد نَار الْحَرْب جَاهِلا أَن ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ عمد لَهَا فِي الْيَوْم الرَّابِع فزلزل عمدها وقاتلها فأزال جلدهَا وزيل جلمدها ثمَّ رأى أَن الشَّوْكَة رُبمَا أَصَابَت غير ذى الشكة من جندها وَأَن الْمُسلم قد آمنهُ الله من عَذَاب الْحَرِيق وَلَا يَأْمَن أَن تحرقه القسي من السِّهَام بشرار زندها فَعدل الى منجنيقه الذى أمل صَاحبه مِنْهُ منجى نيقه وَرَأى ان سَوط سطوته يضْرب الْحجر عَن أَن يُبَاشر الْبشر وَتلك الابرجة قد شمخت بأنفها ونأت بعطفها وتاهت على وامقها وغضت عين رامقها وَذَهَبت همة فِي حالقها وَلكنهَا لم تذْهب هَامة عَن حالقها فَهِيَ فِي عِقَاب لوح الجو كالطائر الا ان المنجنيق اغرى بهَا عقابيه وضغمها بمخلبيه وجثم أمامها يخاصمها وَقَامَ الى الْغَيْر يحاكمها وَيضْرب بعصاه الْحجر فتنبجس من الثقوب أعين لَا ترسل المَاء وَلَكِن تروى العطاش إِلَى منهل الْمَدِينَة وتنهل الظمأى كَذَلِك اياما حَتَّى مُحي من الشرفات شنب ثغرها وتناوبها كأس فتك تبين بِهن ابرجتها اثار سكرها وعلت الايدى الرامية لَهَا وعلت الايدي المحامية عَنْهَا فَلم يبْق على سورها من يفتح جفنا وَلَا جفنا وَشن المنجنيق عَلَيْهَا غارته الى ان صَارَت شنا وفضت صناديق الْحِجَارَة المقفلة وفصلت مِنْهَا أَعْضَاء السُّور الْمُتَّصِلَة وَوَجَب الْقِتَال لِئَلَّا يظنّ بالخادم انه لَا جند لَهُ الا جندله فأوعز بالتقدم اليها وَدخُول النقابين فِيهَا فاثخنت جراحاتها بالنقوب وهتك الْحجاب من أضالع الْبَلَد فكاد يُوصل الى مَا وَرَائِهَا من الْقُلُوب وخشيت معرة الْجَيْش فِي وَقت هجمه وطل صَاحبهَا وَقد كشف لَهُ الخذلان حَتَّى نصر على شكه بِعِلْمِهِ فاعاد الرسَالَة
стр. 247
مستكشفا بحجب النجَاة بارسال ذَوَات الْحجاب وابرازهن ومستكفا ليد الْقَتْل بِمن لم يكن جَوَابه غير احرازه واحرازهن وَلم يُعَارض فِي نَفسه وَلَا فِي قومه وَلَا فِي أَمْوَاله وَهِي مَا هِيَ من ذخائر موفرة ومكاسب أرباح مخسرة وَكَانَت الْحُقُوق عَنْهَا مذودة وَكَانَت مُسْتَقِرَّة فِي مأمنها من يَدَيْهِ والامال دونهَا مطرودة وغض الْخَادِم كل عين عَن عينه وورقه وصانه فِي مخيمه من الْفقر صيانته فِي ذَات سوره وخندقه وَاسْتوْفى شَرط الْوَفَاء بِمَا أعطَاهُ من موثقه
وَهَذِه آمد فَهِيَ مَدِينَة ذكرهَا من الْعَالم متعالم وطالما صادم جَانبهَا من تقادم فَرجع عَنْهَا مقدوعا أَنفه وَإِن كَانَ فحلا وقرعها فريد الهمة وان استصحب حفلا وَرَأى حجرها فَقدر انه لَا يفك لَهُ حجر وسوادها فَحسب انه لَا ينسخه فجر وجمية أنف أنفها فَاعْتقد انه لَا يستجيب لزجر من مُلُوك كلهم طوى صَدره على الغليل إِلَى موردها وَكلهمْ وقف مِنْهَا وَقْفَة الْمُحب السَّائِل فَلم يفز بِمَا أمل من جَوَاب بعهدها وَرَأى الْخَادِم ان الْخَادِم نور الدّين بن قرا ارسلان قد تقدّمت مِنْهُ فِي الْخدمَة مكاونه وشرطت عَلَيْهِ فِي وَقت الْغُزَاة الى الْكفْر معاونه وَأَنه جارها الادنى الدَّار وخاطبها وَابْن خاطبها فِي سالف الاعصار وانه ذُو جَيش مجرور وَأَرَادَ ان يَجعله بولايتها ذَا جَيش جرار فسلمها اليه وَشرط عَلَيْهِ مَا شَرط من الدِّيوَان الْعَزِيز عَلَيْهِ من معدلة تنسخ مَا كَانَ بهَا من ظلمَة الظُّلم ونزاهة ان يكون اتباعها من حِكْمَة الحكم وَتَخْفِيف الْوَطْأَة وتحسين السمعة وَقبُول الْوَصَايَا الديوانية الَّتِي هِيَ لاولياء أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ منهاج وشرعه وَلما رأى صَاحب ميافارقين ان أُخْت صاحبته قد ابتنى بهَا ابْن عَمه خَافَ ان يجمع لَهُ بَين الاختين فراسل ببذل الْخدمَة الَّتِي يكون فِيهَا لنُور الدّين ثَانِي اثْنَيْنِ وَالْخَادِم يَقُول من حَيْثُ املاه الْوَلَاء فانه يَقُول من لِسَانه ويجني من جنانه ويقتطف نور الْقبُول من بستانه وَلَا يقدم على ذكره مذكرا ويعيذه
стр. 248
الله من نسيانه أَنه مهما ارادت مِنْهُ الآراء الشَّرِيفَة أَتَاهُ وَمهما نَوَت فِيهِ من احسان قرب عَلَيْهِ نوى مَأْوَاه وعَلى ذَلِك دَلِيل جلي جليل وبرهان لَا نوره يأفل وَلَا رَأْيه يفيل فَهَذِهِ آمد لما أرسل اليه مفتاحها وَهُوَ التَّقْلِيد بِفَتْحِهَا وَهَذِه الْموصل لما تَأَخّر عَنهُ الْمِفْتَاح منعهَا وَمَا منحها وَلَو أعين بِهِ لعظمت على سَلام عائدته وَظَهَرت فِي رفع مناره فَائِدَته لِأَن ليد بِهِ على عَدو الْحق وَاحِدَة والهمة لآلات النَّصْر واجدة وَذَلِكَ أَمر عقباه أَن لَا يعبد إِلَّا الله وَحده وفحواه الظفر الادنى بِالْمَسْجِدِ الاقصى الذى حمل الله اليه لَيْلَة الْمِعْرَاج عَبده ومغزاه أَن يكون لأمير الْمُؤمنِينَ عبد ولي لَا يبْقى على الدولة والاسلام عدوا بعده وَمَعْنَاهُ أَن يجرد للاسلام سيف نَصره يمده قلم الدِّيوَان بمده
ذكر الدُّخُول إِلَى الْبَلَد
وَدخل السُّلْطَان إِلَى الْمَدِينَة فِي يَوْم كَانَ يَوْم الزِّينَة وعادت بِهِ خواطر الإنزعاج الى السكينَة وَحَضَرت أكَابِر اهلها بالطاعات المستكينة واستمسك رعايها من رعايته بحبال الحباء المتينة وَجلسَ فِي دَار الامارة وَهِي على أحسن وابدع واعجب وأزين مَا يُمكن من الْعِمَارَة من دَخلهَا تَلا ﴿إرم ذَات الْعِمَاد الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد﴾ نائية عَن الظنون ناهية للعيون عقيلة من عقائل الْجنان حَلِيلَة من الحلائل الحسان عالية الايوان حَالية الْبُنيان بهية البهو شهية الزهو رائقة الرواق شائقة الاشراق معْجزَة صفتهَا معجبة صنعتها سارة تزاويقها دارة أفاويقها قد تحركت الافلاك إِلَى سمائها وتنزلت الاملاك لهنائها وتسنى بهَا السنا الناصرى فأضاء بفضائها كَأَنَّمَا نبع من بركها الْكَوْثَر واطلع من فلكها الْقَمَر الازهر وبدا فِي دارة دارها الْبَدْر وامتلأ ببشر الانشراح من تصدر مَالِكهَا الصَّدْر روضية الازهار رضوانية الانهار سلطانية الانواء والانوار يحدث ربيع ربوعها نيسان نيسانها وَيحدث ذكر نباهتنا نبأ نسيانها
стр. 249
وينبىء طيبها وطينها عَن ريا رئاسة بانيها وتصف غضارة معاليها ونضارة مجاليها طلاوة مَعَانِيهَا وحلاوة مجانيها وتذكر بأيام أيامنها وازدهاء الدَّهْر فِي سُكُون سكانها فَمَا محا سنا محاسنها فزرنا اعلامها بأعلام وحطنا أَحْكَامهَا بِأَحْكَام ووصلنا رغامها بغرام وأنشأنا سحابها بسجام ودخلنا دَار سلامها بِسَلام وانزلنا عَنْهَا الازل وازحنا عَن محلهَا الْمحل وارحناها من مشاق المشاقق بوفاق الْمُوفق الْمُوَافق واخرجناها من يَد الْمُبْطل الى يَد المحق المحاقق وَبَانَتْ تِلْكَ الْعَرُوس من زَوجهَا وَكم جلت لِلْحسنِ وَالْحُسْنَى أوجها فِي أوجها وخلا مِنْهَا فج فوجها وَرمى بهَا مج موجها وَهَذِه شِيمَة الدُّنْيَا لَا تمق وامقا وَلَا ترمق رامقا من جنى مِنْهَا جنت عَلَيْهِ وَمن علت يَده فِيهَا غلت يَدَيْهِ وَمن اطاعها عصته وَمن داناها أقصته وَمن وفى لَهَا خانته وَمن أعزها أهانته وَمن وَصلهَا قطعته وَمن نزع اليها نَزَعته وَمن اكل مِنْهَا أَكلته وَمن خف الى اثقالها استخفته واستثقلته وَمن تملأ بهَا مِلَّته وَمن تخلى لَهَا خلته وَمن ارتمى اليها رمته وَمن استحلى شَهِدَهَا سمته وَمن انتجع غمامها غمته وَمن برهَا برته وَمن اكتساها أعرته وَمن ارتداها اردته وَمن صدق مخايلها كَذبته وَمن استعذب مناهلها عَذبته وَمن اسْتغنى مِنْهَا افقرته واحوجته وَمن سكن دارها أزعجته واخرجته وَمن استطبها أمرضته وَمن استطابها أمضته وَمن أرضاها أغضبته وَمن أحبها وَقبلهَا قلته وقلبته وَمن قر بهَا قبرته وَمن أقالها عثرته أَو أرادها ردته أَو أباد بهَا أبدته ومتاعها قَلِيل ومتاعبها كَثِيرَة ومقاريها مقرة ومبارها مبرة فَلَا مطار بهَا لمطاربها وَلَا مطال بهَا الا لمطالبها فمشارقها صائرة الى مغاربها ومشاربها غائرة فِي مساربها ومراقبها مترامية على مراقبها ومطالعها متعامية على مطالعها ومقارها نابية عَن مقارعها وَقد ظَهرت آثَار غدرها بِابْن نيسان حَيْثُ غادرته وَقد رجا نصرها مخذولا وَتركته وَقد اعْتصمَ بهَا متبذلا لليالي الباخلات مبذولا وَهَكَذَا من تلاه فان نور الدّين مَا امْتَدَّ زَمَانه وانتقل إِلَى وَلَده بعد سِنِين مَكَانَهُ وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي مَوْضِعه وَشرح شَأْنه
ذكر استحضار نور الدّين مُحَمَّد بن قرا ارسلان وَأخذ يَده على طَاعَة السُّلْطَان ومعاملة الرّعية بِالْعَدْلِ والاحسان
وَلما اسْتَقر السُّلْطَان فِي الدَّار ودارت بأقدار مُرَاده الاقدار من الْفلك الْمدَار
стр. 250
استحضر نور الدّين وَأخذ يَده وأوضح لجده جدده واستوثق مِنْهُ بِحلف أكده وَعقد مِيثَاق عقده وعاهده من طَاعَته على مَا عَهده وأسعده بمناه مِنْهُ وأسعده وأرشفه شفَاه شفاهه وأرشده وأقامه لملكه وَفِي دسته أقعده وَشرط عَلَيْهِ طَاعَته وَفِي كل غزَاة مُتَابَعَته ومشايعته ومبادرته عِنْد الاستدعاء وبالاستعداد ومسارعته وَكَانَ لَهُ مِمَّن صحت مناصحته ولزمت بمصافاته مصافحته وَلَا يكون لمن ينازعه على غير مصالحة مصالحته وَأَنه يعمر الْبَلَد وأعماله ويعمها بإحسانه وَيُعِيد مَا تشعث مِنْهَا الى عمرانه وَيسْقط المكوس ويغبط النُّفُوس ويبدل بالنعمى الْبُؤْس وبالبشر العبوس ويبنى العروش ويزكي الغروس ويديم لمطي المكاره وكف العظائم الرّكُوب ولنشر المكارم وكشف الْمَظَالِم الْجُلُوس ويسعي السُّعُود وينحي النحوس وَصدق الصداقة صداقك الذى جلونا بِهِ عَلَيْك هَذِه الْعَرُوس فأمدنا بالامداد وَأحل مِنْهَا أجناء الاجناد وانجاء الانجاد واحمل بحملك اعباء الْعباد واكف بحكمك بلَاء الْبِلَاد وأقم صلوَات الصلات وأدم سكنات الْحَسَنَات وحركات البركات وأد صدقَات الصَّدقَات وتنكب طرق طوارق النكبات وَأبْعد عَن مَعَاني الشُّبُهَات ومظان الشَّهَوَات وانتهز فرص الْخيرَات فَوَاتهَا قبل الْفَوات وأحي لاوليائك بآلائك موَات الْموَات ثمَّ استودعه وودعه بعد ان نور للعيون مطلعه وَنور بالعيون منبعه وهب لَهُ اغنائه بِمَا وهب لَهُ وَبِمَا فض لَهُ من ختام عطاياه فَضله وأوضح وأعذب منهجه ومنهله وَأَتَاهُ من تفضيله بجميلة وجمله
ذكر القوام أَحْمد بن سماقة وَزِير نور الدّين بن قرا ارسلان
كَانَ صَدرا رحيب الصَّدْر جليل الْقدر متحببا إِلَى الْقُلُوب بكرمه متقربا إِلَى الْمُلُوك بخدمه ناصحا فِي خدمَة مخدومه مُدبرا لقلمه باقليمه حَافِظًا لاوليائه غائظا
стр. 251
لأعدائه منفذا بِحسن المضاء أوامره معودا بِصدق الْوَلَاء مفاخرة مُسَددًا بِالْأَمر السديد الامور مجددا بسفارته لجدة السفور وَهُوَ يقرب بِفضل توصله الْبعيد ويلين بلطف توسله الشَّديد ويتولى تذليل المصاعب وتفليل النوائب بِنَفسِهِ ويستلين المستعصب المستوحش بأنسه أريحي الى المكارم مرتاح المعي سنا ضَمِيره لظلم الخطوب مِصْبَاح لوذعي إِصَابَة رايه لمغالق الْمَقَاصِد مِفْتَاح لَهُ فِي مطار المطالب لكل نجاح جنَاح وَفِي كل مزاح عرف مراح وَلكُل مرض علاج وَفِي كل عرض منهاج وَفِي كل ليل اسراء وَمَعَ كل خيل اجراء وَفِي كل وَاد لسحبه سيل وَفِي كل نَاد لسحبه ذيل وَلكُل هاد إِلَى صَحبه ميل وَهُوَ الَّذِي عطف الْقلب السلطاني على مخدومه باستعطافه واستلطفه بألطافه ونال مُرَاده مِنْهُ باستسعافه وتكلف وتكفل بوفاء الِالْتِزَام ومضاء الاعتزام وتسديد المرامي وتصويب المرام وَكَانَ لَهُ بوفود الغرامات أوفى غرام وريه لزند كل اوار وريه لري كل أوام وَقد حكمه صَاحبه فِي أَمْوَاله فَهُوَ يصونه ببذلها وَيجمع شَمل ملكه بِشَتٍّ شملها وَلما سَأَلَهُ السُّلْطَان فِي مُبْتَدأ ايام سفارته ومفتتح عَام زيارته عَن مشتهى مخدومه ومنتهى مرومه وَمَا الْعَمَل الَّذِي يقترحه وَمَا الامل الَّذِي يستنجحه وَمَا الَّذِي يَقْضِيه من اربه ويؤتيه من طلبه فَقَالَ لَهُ ان اباه فَخر الدّين قرا ارسلان درج على حسرة آمد وَإِن فتحتها لَهُ اقتنيت المحامد واستعبدته للابد وأرشدته فِي الْجد بخدمتك إِلَى أوضح الجدد وَأخذ الْيَد الناصرية لاتخاذ يَد نصرته وحسر لثام الْحِرْص على تَحْصِيل مَا هُوَ فِي حسرته فَسبق الْوَعْد وَصدق وَاتفقَ من الْفَتْح مَا اتّفق وَكَانَ هَذَا الْوَزير المنعوت بقوام الدّين قوام دولته ونظام مَمْلَكَته وَدخل إِلَى سلطاني من بَاب عرفاني وانتظم مَعَ اخواني وَلم يزل نحوى متوددا وَالِي متودا حَتَّى اخجلني بمننه واثقلني بمنحه وشغلني بفروضه وسننه وألزمني بمقترحه ووثقت من وده بدوامه وضمنت لَهُ الاهتمام باتمامه وَجَعَلَنِي فِي مقاصده مقصدا وَاتخذ عندى بِصدق صداقته يدا فَمَا زلت معتنيا بوده مقتنيا لحمده مبتنيا لمجده وتحجبت لَهُ عِنْد السُّلْطَان وسهلت حجابه وصوبت لَدَيْهِ اراءه وارابه وسببت
стр. 252
احكامه وأحكمت أَسبَابه وَقرر لي على مخدومه وبمرسومه وظائف عطايا ورواتب هَدَايَا اسْتَقَرَّتْ من احسانه وَاسْتمرّ إِلَى آخر زَمَانه وسأنهي ذَلِك فِي مَكَانَهُ
ذكر الرحيل عَن آمد والتوجه إِلَى الْفُرَات لقصد حلب والولايات
وَلما تسنى الْغَرَض وتأدى المفترض وَقضي الأرب وَرَضي الطّلب وَحصل بِالْمَقْصُودِ وَوصل المنشود واستتم المرام واسترم التَّمام ورشد الْقَصْد وَقصد الرشد وبذ الْفَتْح ولد الْمنح ووافى الظفر وَوَافَقَ الْقدر وَزَاد بالصفا وَزَالَ الكدر وافتض الْبكر وَاقْتضى الشُّكْر وَوزن بِالْمهْرِ وزان الدَّهْر وتوضح الْبشر وتضوع النشر وفرغنا من شغل آمد وبلغنا ببلوغ أمد فتحهَا وفرغنا ومنحناها المحامد رميت النوبتية وَقد دنت العشية فَعرفنَا دَلِيل الرحيل ونهجنا سَبِيل التَّحْوِيل فشرعنا فِي ضم نشر الاثقال وَجمع شتات الاحمال وتونخ الْجمال وتوكيف البغال وتقويض ذَات الْعِمَاد وَحل الاطناب وَقلع الاوتاد وتعزيل الخيم وتعديل الشيم وتوثيق الصناديق وتلفيق التفاريق وتوسيق الاعدال وتوفيق الاحوال والالجام والاسراج والتبريز والاخراج وطي الْبسط وَحل الرَّبْط وايضاح مطلع الايضاع لطلوع الْقَمَر وحسر اردية الرديان للسحر وإعلام أَمِير الْعلم بِمَا فِي الْعَزْم المبرم من معاودة السرحة والروحة ومواعده الغبقة والصبحة وَشد العرى بالبرى وترتيب السّير والسرى وَتَقْدِيم الجمازات للسبق وأدلة المفازات للهداية الى الطّرق فاستقلت الْجمال نصف اللَّيْل آخذة فِي الإعناق كاعناق السَّيْل فالسيول جارفة والخيول جَارِيَة والاودية سَائِلَة وَالْجِبَال الراسية سَارِيَة والمشاعل مشعلة والرواحل مرقلة والرواسم تسرع والمناسم تدرع والوشيج يعْمل والوشيح يحمل حَتَّى خفت الاثقال وحم الارتحال وأصبحنا على الرّكُوب وملأنا الشعاب بالشعوب والصواهل فِي الأعنة تمرح والذوابل بالأسنة تلمح وبحر الْبر بالجيش جائش وقلب الجو من جوى النَّقْع طائش وَصدر
стр. 253
الْفلك الرحب لعثار العثير ناعش وَالسَّمَاء قد تنقبت من الوقع الثائر والارض قد تنقبت من وَقع الحوافر والمصم يسترق السّمع بشهبها والشم تخترق الْجمع بهضبها والسوابغ فِي روض الْحَدِيد غُدْرَان وأمواه الزرد المتضاعف للمعانها نيران ولضرام الْبيض واليلب من القتام دُخان والأجواد تجرى بهَا الْجِيَاد والرياح قد امتطتها الأطواد وَلكُل جفن غرار وَلكُل روض عرار وَلكُل زند جد شرار وَفِي كل كبد عزم نَار عَار وكل وَلكُل ضامر سبق وَلكُل سَابق مضمار وكأنما الغاب يسير بأسوده وَقد سَار الْجَيْش فِي جُنُوده وبنوده فَمَا تحرّك الْخَمِيس حَتَّى سَار بالأسد الخيس وعرس فِي دجى عجاجه العريس وكأنما مَالَتْ باعطاف المران لاهتزازها الخندريس وتعينت الْمنَازل وتبينت المراحل
ذكر انجاز أُمُور الرُّسُل
وَكَانَت عندنَا رسل مُلُوك الْأَطْرَاف وَقد وصلوا على اخْتِلَاف الْمَقَاصِد بِاتِّفَاق الاستعطاف والاستلطاف وكل يسْأَل فِي سؤل بِكِتَاب مِنْهُ وَرَسُول يشفع أَن يشفع مَا قبله بِقبُول ويضرع أَن يرضع طِفْل لطفه من خلف الاحتفال بِهِ در حفول ويلتمس طولا بِهِ يطول ووصولا إِلَى الْخدمَة بجاه وجاهته يصول ويتقرب بِكُل فن ويترقب كل من ويترسل ويتوسل ويتوصى ويستدعي ويستعدي وَيهْدِي ويستهدي ويجتذب ويجتدي ويقتضب وَيَقْتَضِي ويستأمن لرعبه ويستأمر فِي خطبه ويستام قرب قلبه ويروم أَن يضم الى ملكه وينتظم فِي سلكه ويذعن بِطَاعَتِهِ ويمعن فِي تباعته
وأحضرني السُّلْطَان تِلْكَ اللَّيْلَة عِنْده وأفردني بخطابه وَحده حَتَّى أنجزت الْكتب وجهزت الرُّسُل وتفرغت لتِلْك القضايا حَتَّى قضيت الشّغل فَمَا نهضت حَتَّى أنهضت كتائب كتبي الى الْبِلَاد وَمَا قُمْت حَتَّى قُمْت فِي ذَلِك المُرَاد بالمراد وأمددت الاقاليم من مداد اقلامي بالامداد ووسعت صدرى للإصدار والايراد وكتبت
стр. 254
وبتكت وسكنت وحركت وتملكت وملكت وحكمت وأحمكت ونقضت وأبرمت وَأمنت وخوفت ووعدت وسوفت ووشعت وفوفت وأنشأت وأنشرت وافتكرت وابتكرت وأطنبت وأوجزت وأعجبت وأعجزت ونسجت وطرزت وبنيت وقوضت وقلدت وفوضت وروحت وروضت وختمت وعنونت وحتمت وكونت وابتدأت وأنهيت وصقلت وأمهيت وبريت وبرأت ودريت ودرأت وحللت وعقدت وانتقيت وانتقدت ورقمت ورقشت ونقحت ونقشت ورشت ونشت ونعشت وملأت البروج بالدراري والدروج بالدرر وجلوت بلجة بَيَاض الطرس فِي دلجة سَواد النَّفس فِي الأوضاح وَالْغرر فَمنهمْ من احلت على رَسُوله بسؤله وَمِنْهُم من بَشرته باقباله وقبوله وَمِنْهُم من عَرفته بمأموله من عرف مأموله وَمَا هُوَ لَهُ من معمور بَلَده ومأهوله وَمِنْهُم من رددت اشتطاطه وَقبلت اشْتِرَاطه ونشطت عقلته بعد أَن عقلت نشاطه وأوثقت بالعصمة وَالنعْمَة ارتباطه واغتباطه وَمِنْهُم من وقفته بَين الْمحبَّة والمهابة واسعفته بالاجارة والاجابة وأزلت مَا سامره وخامره من الاسترابه وَمِنْهُم قطب الدّين إيلغازى بن آلبي بن تمرتاش الارتقي رتق فتقه ورعى فِي اعتذاره حَقه وآفاق من نشوته وانتشا بِنَا الاحسان أفقه وَكَانَ أمره كَمَا ذكر فِي فصل من كتاب
وَلما رأى صَاحب ميافارقين أَن أُخْت صاحبته قد ابتنى بهَا ابْن عَمه خَافَ ان يجمع لَهُ بَين الاختين فراسل ببذل الْخدمَة الَّتِي يكون فِيهَا لنُور الدّين ثَانِي اثْنَيْنِ وَقرر ان ينْهض عسكره فِي اوقات الملاقاة وَأَن ينْتَقل من حكم الثقاف الى حكم الثِّقَات
فصل من انشائي من تَقْرِير آمد على ابْن قرا أرسلان وَمُصَالَحَة ابْن عَمه صَاحب ماردين
كَانَ الْملك نور الدّين بن قرا أرسلان فِي الْخدمَة مُنْذُ عبرنا الْفُرَات بِنَفسِهِ وَعَسْكَره ملازما لنا بحرصه على المناصحة وتوفره فأنجزنا لَهُ فِي آمد موعده وأنجحنا مقْصده وقررنا أَن يكون فِي الْخدمَة هُوَ وعساكره وراقتنا مباهج ابتهاجه بالانتماء الينا وسوافره وَرَأى صَاحب ماردين ان ابْن عَمه قد فَازَ بِالسَّبقِ وَحَازَ الْفَضِيلَة فَدَعَا بالاذعان وابتغى الينا الْوَسِيلَة وَقد كُنَّا فتحنا من بِلَاده طرفا وحركنا من قلبه شنفا
стр. 255
فحين عَاد إِلَى الْحَمد والاخلاص شملته عاطفتنا بالاصطناع والاختصاص وملكناه مَا ملكناه عَلَيْهِ وأعدنا كل مَا أخذناه من ولَايَته اليه واستمسك منا بِحَبل الْعِصْمَة وَاسْتقر أَيْضا أَن يكون عسكره عِنْد الْغُزَاة فِي الْخدمَة
فصل من انشائي فِي فتح آمد الى الصاحب
صدرت هَذِه الْمُكَاتبَة من آمد بعد فتحهَا وإسفار لَيْلَة السرى فِي الْقَصْد لَهَا عَن صبحها فانه لما وصل اليه التَّقْلِيد الذى هُوَ اقليد رتاج اقليمها ومفتاح بَاب تَسْلِيمهَا سَار اليها فَفَتحهَا وَختم وَورد جمتها الَّتِي طالما صدت عَن صدائها الحائمين فمنحها وَهِي المحجبة الَّتِي كشفت ستورها وَدَار لعصمتها كسوار معصمها سورها وغلت على انها السَّوْدَاء على خطابها لَان المهج مهورها وطالما نأت بجانبها للاعراض ونبا جوهرها عَن الاعراض وصافت دون أوصافها سِهَام الْأَغْرَاض ودرجت الْمُلُوك على حسرتها فَلم يحسرلها لثاما وَمَا استطاعت لثغرها ثلمًا وَلَا لثغرها التثاما التثاما فَلَمَّا وصل اليها وص إِلَيْهَا وصال عَلَيْهَا منعت كعادتها العادية وصالها وَحرمت المنى منالها وحجبت عَن الحجى حجالها وصدت بوجهها وتصدت لنجهها وَردت شفاها وردعت سفاها فَبَدَا صَاحبهَا بالانذار فكذب النذير وانكر التَّقْدِير
ذكر القفول بالنصر الدَّار بالحفول وعبور الْفُرَات وَفتح تل خَالِد
وقفلنا عَن آمد وَقد فتح مقفلها ومتح منهلها وجليت بسناها عروسها وحليت بجناها غروسها وأسنيت عروشها وأنست وحوشها وامتزجت بجيوشها جيوشها ووصلنا الى الْفُرَات فِي مراحل مري حلبها هم أَمر حلب وَجَرَّدْنَا لَهَا الطّلب وعبرنا الْفُرَات ببحر الْجَيْش اللجي وغزونا النَّهَار بلَيْل العجاج الدجوجي وارعبنا بتقليب الأَرْض قلب السَّمَاء وفرطنا بمشرعات الأسنة جوز الجوزاء وكسونا بمشرعات الأعنة عرى العراء وأسدلنا على الخضراء ستر الغبراء وسلونا عَن السَّوْدَاء بحب الشَّهْبَاء
فصل من كتاب
ونزلنا على تل خَالِد يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر الْمحرم وَقد كَانَ تقدمنا الْأَجَل تَاج
стр. 256
الْمُلُوك بورى أَخُو السُّلْطَان اليها وأناخ عَلَيْهَا وقابلها وقاتلها وعالجها وَلَو شَاءَ لعاجلها وَلما أطلت عَلَيْهِ راياتنا ألْقى من فِيهَا بِيَدِهِ وأنجز النَّصْر صَادِق موعده وأصفى عِنْد موردها عذب مورده وأجرى الله تَعَالَى على الْعَادة فَلَا عدم فَضلهَا رَجَاء معوده وَكِتَابنَا هَذَا وَقد جازتها القبضة واستفتحت بهَا هَذِه النهضة وأرسلتها حلب مُقَدّمَة لفتحها وعولجت لَيْلَة سرى الْعَزْم بصحبتها
وَمن الْإِنْشَاء الْكَرِيم الفاضلي فِي الْمَعْنى
٣ - أَن رايتنا المنصوبة المنصورة قد صَارَت مغناطيس الْبِلَاد تجذبها بطبعها وسيوفنا مفاتح الْأَمْصَار نفحتها بنصر الله لَا بحدها وَلَا بقطعها فقد كفانا الله من احتيازباجتياز وَقد سبق الْحُصُول عَلَيْهَا الْوَعْد مِنْهَا فَلَا مؤونة لمطل وَلَا مِنْهُ لنجاز وَلما قَطعنَا الْفُرَات بعثنَا سرعَان الْعَسْكَر الْمَنْصُور إِلَى تل خَالِد فنزلوا بعقوتها وَرفع المنجنيق يَده إِلَى ذروتها فَلَمَّا نزلنَا بهَا نزل من فِيهَا على حكمنَا وأجريناه من الاحسان على رسمنا واستجار من حربنا بِذِمَّة سلمنَا وطوينا إِلَى أُخْرَى بِمَشِيئَة الله قَرِيبا كتاب فتحهَا ويقر الله بهَا الْعُيُون أسْرع بهَا من لمحها
وَفِي الْمَعْنى كتَابنَا هَذَا وَقد جزنا الْفُرَات ونزلنا على تل خَالِد واستنزلنا من بهَا على السّلم وأذمت لَهُ من عَادَة الفتك عَادَة الظُّلم وَفِي الْحَال تسلمت قلعتها وبلدها وكرم بالنصر موردنا وَصفا بِالْعَدْلِ موردها وتجاوزنا عَمَّن بهَا قَادِرين وتجاوزنا عَنْهَا إِلَى أهم مِنْهَا سائرين وأصدرنا هَذِه الْبُشْرَى حامدين لله شاكرين فذكرناها لَك لنسرك بهَا فَإِن فِيهَا ذكرى لِلذَّاكِرِينَ
وَفِي ذَلِك أَيْضا من الْإِنْشَاء الْكَرِيم
من النعم مَا يزِيد على حلاوة موقعه بديهة مطلعه وَيرْفَع من قدره سهولة
стр. 257
أمره ويصفي من مورده وُرُود النجح سائقا لموعده وَتلك النِّعْمَة فِي فتح تل خَالِد فَإِنَّهُ أعْطى القياد قبل عراكه وَلم يفرط مِمَّن بِهِ فارط يحْتَاج إِلَى استدراكه فَنزل مستعفيا من المنازلة وَألقى بِيَدِهِ قبل لِقَاء مَوَاقِف الْمُقَاتلَة وَكِتَابنَا هَذَا وَقد تسلمنا قلعتها ذَات الهضبة المنيعة وبلدته ذَات الرساتيق الوسيعة الوشيعة وَجَاء هَذَا الْفَتْح لما بعده من الْفتُوح طَلِيعَة وَكَانَ عجالة الْقرى عِنْد مقدمنا من بِلَاد الجزيرة وسابق فتوح مَا بعده من الْبِلَاد الْكَثِيرَة وَالله يتَوَلَّى من ذَلِك مَا يكون الصنع فِيهِ صنعه وَمَا لَا يبلغهُ الْمُجْتَهد وَإِن بذل وَسعه
ذكر الْوُصُول إِلَى عين تَابَ
ثمَّ نزلنَا على عين تَابَ جائزين ولأعمالها حائزين وبالنصر من الله فائزين فَنزل صَاحبهَا الينا نَاصح الدّين مُحَمَّد بن خمارتكين ذُو الْمَكَان المكين والحصا الرزين الركين وتبرع بِطَاعَتِهِ وَشرع فِي بذل استطاعته وَأخذ جموع أَصْحَابه بالاصحاب وجنوح أَسبَابه بالاستتباب وَأَحْكَامه بالاحكام وإلزامه بالالتزام وخلط عسكره بعسكرنا وربط مفخرة بمفخرنا وأبدل النزال بالانزال وَعجل مَا نوى لنا من النوال فَانْزِل من الْمنزل مَا فضل وَبِه فضل وَتحمل من الْهَدَايَا والتحف مَا ثقل لما حمل فهنأنا لَهُ النحلة وعجلنا عَنهُ الرحلة وَذَلِكَ بعد أَن مكناه فِي مَكَانَهُ وأحسنا اليه لاحسانه ووفرنا زينته ووقرنا رتبته فاجتاب لما احتبى خلعته واحتل لما حلى قلعته وقرت عين عين تَابَ تَابِعَة للامر قَارِعَة ذرى الْفجْر سَابِقَة الى الاستسلام صَادِقَة فِي الِاعْتِصَام جَارِيَة مَعَ الدولة فِي مَسْلَك المرام وسلك الانتظام راجية كَرَامَة صَاحبهَا بالجميل لكَونه من جملَة الْأَصْحَاب الْكِرَام
فصل من الانشاء الْكَرِيم فِيهِ
وَوصل صَاحب عين تَابَ بِنَفسِهِ وبعسكره مسابقا للنزول عَلَيْهِ بمحضره وملقيا بِيَدِهِ من معقله ومستذما بالاحسان الذى ورد عذبا من منهله ومهديا لما صرف عَن قوته الى مَا فتح لَهُ من تحيله وانه اقر فِي مَكَانَهُ وعومل بِفضل الابقاء واحسانه واستجلب سواهُ مَا فعل مَعَه وَنحن على انْتِظَار من اذا سمع مَا رَآهُ الْمَذْكُور تبعه
стр. 258
ذكر الْوُصُول إِلَى حلب فِي الْمحرم من السّنة
ووصلنا إِلَى حلب وعماد الدّين زنكي بن مودود ثاقب سمائها وراكب شهبائها ومفترع عذرتها وفارع ذروتها وقارع مروتها وَبدر هالتها وَصدر جلالتها وحصين قلعتها وقرين تلعتها وَأمين سلعتها وَمَالك بضاعتها وَملك جماعتها وَلَيْث غابها وغيث سحابها ومقيم أرْضهَا والقائم بفرضها ورابض حماها وحامي ربضها وآمرها وناهيها وزاهرها وزاهيها وشاه رقعتها وجاه بقعتها وضوء بلجها وضوع أرجها وَوجه انيسها ووجيه ناسها ووارث ارثها وباعث بعثها ووالي جنتها وحالي وجنتها ورضوان قصرهَا وسلطان عصرها ومروض جنانها ومروج جنانها وراعي رعاياها وقاضى قضاياها ومشتري فلكها ومشتري ملكهَا وَمَالك بَلَدهَا وسالك جددها ومبدي فجرها ومجري مجرها وجار جرمها وجار عرمرمها وَهُوَ مَعَ ذَلِك على مَا فِي يَده متخوف والى سنجار بَلَده متشوف ولتصريف الزَّمَان ومدده متعيف وَمن اسْتِئْنَاف الْحَرْب مَعَ امكان السّلم آنف وَلكنه بِأَمْر الامراء النورية مستنير ولرأيهم فِيمَا رابه وراعه مستشير وكل مِنْهُم على سَبِيل التعصب والتصعب والتبغض والتغضب بِالشَّرِّ مشير وللثأر مستثير وَكم وَكم أوقدوا للحرب نَارا وعقدوا للشر شرارا وشاموا الْبيض وساموا التحريض وبارزوا الاقران وحاجزوا الشجعان وَاسْتَحَلُّوا ضرب الضَّرْب واستمروا طَعَام الطعان واستمروا على الهر وَمر الْمَوْت وهز المران واقحوا وواقعوا وعاقروا وقارعوا وَخَرجُوا مدججين فِي بَحر الْحَرْب ملججين وَفِي ليل النَّقْع مدلجين والى الرّكُوب اليهم والوثوب عَلَيْهِم محوجين وثبتوا على دين الْجلد وثبتوا دون الْبَلَد واستنوا من الْجد فِي سنَن الجدد وَأخذُوا فِي تكثيف الْعدَد وتكثير الْعدَد وتضعيف المدد ودفعونا عَن مُقَارنَة السوء ومقاربة السُّور وَاحْتَملُوا بارتداء حومة الردى عارين من عَار المحصور المحسور وضاربوا الاضراب وأرضوا ببسالتهم الْأسد العضاب وروعوا روع الروع ووسعوا خطى
стр. 259
الكره إِلَى الطوع فاذا ساءوا بالاقدام سروا واذا فروا وفروا وَإِذا فروا كرموا وكروا وهم على كل حَال أجناد الْجِهَاد وأجلاد الجلاد وكماة المأزق وحماة الْحَقَائِق وحمس اللِّقَاء وشمس الاحراء وَمِنْهُم النورية النارية الاذكاء القارية الرماء الهائجة إِلَى الهيجاء المائجة فِي دأماء الوغى بأمواج الدِّمَاء وَمِنْهُم الياروقية الروق وَقد سلفت لاسلافهم واخلافهم على الاسلام الْحُقُوق وَالسُّلْطَان لَا يُؤثر جراحهم وَلَا يروم اجتياحهم وَلَا يُنكر اجتراءهم واجتراحهم ويفكر كَيفَ يطغى بِغَيْر حرق احتراقهم وَيَكْفِي بِغَيْر قرح اقتارحهم وَقد اعجبته فِي مقَام الاقدام سماحتهم وحماستهم وراقه بأسهم وبسالتهم وَثبتت عِنْده بالتجريح عدالتهم وحالت لَهُ حالتهم وترجحت فِي نظره استمالتهم وَلم يظْهر للكريهة وان ظَهرت كَرَاهَته وَنبت همته ان يتْرك نباهته وَلم يزل يكف الاصحاب عَن هوى الْهوى فِي مطار المطاردة ويرجو عواقب المقاربة ويزجي مبادىء المباعدة ويشيع انهم لانتهاز فرص القنص بزاة الْغُزَاة واصلاحهم بالمولاة أولى من افسادهم بالمعاداة وَكَانَ هُوَ مَعَ عقلاء الْعَسْكَر يَتَّقِي واليزكية مَعَ جهلاء المعشر تلتقي ونفع الرقعة صباح مسَاء يرتقي والذمر المشيح بأشطان الاسل يَسْتَقِي
وَكَانَ تَاج الْمُلُوك أَخُو السُّلْطَان فَارس الفرسان ومعفر الاقران ومعثر الشجعان بِحكم شبابه الطري وشباه الطرير وَلما سبق بِهِ حكم الله فِي التَّقْدِير يسْرع الى الحملات ويشرع الأسلات ويعيم سابحه فِي دأماء الدِّمَاء وَيُقِيم الْحَرْب على سَاق حَيْثُ لَا ثبات للقدم ويعتري الْوُجُود بِالْعدمِ وَقد سلبت رزانة حصاه خفَّة حصانه وَكم جَار عَن مجاراته مدانيه فِي ميدانه يشك بالرديني ردن الردى ويفك بيد الأيد عرى العدى وَهُوَ مِقْدَام متذمر متهور متمرن على حب الكريهة متنمر محب للْمَوْت ملب للصوت طَائِر لكل هيعة ثَائِر لكل روعة وَاقع على كل وقْعَة زعيم كل
стр. 260
جحفل عَظِيم كل محفل ضرامي الوقدة ضرغامي الوقذة ليثي اللوثة عمري الأحدوثة فَمَا زَالَ الاقدام بِهِ حَتَّى تورط وفراه طعن فِي فَخذه حِين فرط فَمَا ملاه الامل وَلَا أَجله الاجل وَسَنذكر شرح ذَلِك مَعَ ذكر النُّزُول بِظَاهِر حلب فِي منزلتين
ذكر الْمنزلَة الاولى بالميدان الْأَخْضَر
نزلنَا بالميدان الْأَخْضَر فِي الزَّمَان الانضر وَالربيع فِي ريعانه والصنيع فِي احسانه والدهر فِي زهره وزهوه وَالشَّجر فِي نوره ونوئه وَالرَّوْض فِي ضوعه وضوئِهِ وَالطير فِي شوقه وشدوه والدوح بالورق بَين أوراقه فِي حدوه وللاشجار اشجان تبثها الحمائم وللزوار ادوار تحثها العزائم والنوار قد شب وشاب والهزار قد لب ولاب والعندليب قد طرب وغنى والحبيب قد طرف وتجنى وللاندية انداء وللاودية اوداء وللصبا صبابات وللبيب لبانات والشادى هزج والنادى أرج والوادي بهج والعيش رغد والطيش غرد وَالْحسن جاذب والحزن كَاذِب والبلابل تهيج بلابل الاشواق وامالي تكْتب بانفاس الانفاس من الندى السَّحَرِيِّ فِي الاوراق والنور شائب والجور غَائِب والدور راتب والزور مواظب واحداق الحدائق الناظرة ناظرة ولذات الذَّات الحاظرة حَاضِرَة وغدائر الاعشاب وَارِدَة وغدران الشعاب مورودة والظلال ممدودة والخلال مودودة وساعات الفرص مَعْدُودَة وساحات الرُّخص محدودة وَالْحُدُود مسعودة والسعود مجدودة وللشمال شُمُول وللقبول قبُول وللعرار شميم وللبهار نسيم وللمجلس زين وللنرجس عين وللورد جنَّة وللورد وجنة وللكمام أجنة وللغمام دجنة وللأنس من الأغاني جنَّة وللأنس بالمغاني جنَّة وللجدول جدوى وللبلبل شكوى وللاقاحي ثغور وللضواحي حبور وللشقائق خدود وللحقائق حُدُود وللرقائق لحون وللافنان فنون وَلِلْحَدِيثِ شجون وللاحداث وهون ولجبهة الغدير من حَرَكَة النسيم غصون ولهزة المسار اعطاف يُقَال لَهَا غصون وللتطريب تطرية وللتحريب تحرية وللتعريد تعريب وللتشبيه تشبيب وللانشاد انشاء وللازهار ازهاء وللنفوس بالنفائس اشتهار واشتهاء وللانهاء الى قَرَار القري انهاء فَجِئْنَا إِلَى حلب وفجأناها فِي أطيب أوانها وَأحسن زمانها وفجعناها بِكُل طرب وحرمناها كل ارب واعدنا سلمهَا حَربًا وبردها كربا وخدها تربا وَحدهَا دربا وحزنها مقتربا وسرورها مغتربا وغمضها سهدا وشملها بددا وجديدها سملا وجذلها جدلا وبساتين خضرها ميادين خضرها وأماكن مكينها مكامن كمنها واثرنا الغبراء من خضرائها وقلبنا
стр. 261
أرْضهَا الى سمائها وَضربت سرادقات السُّلْطَان فِي صدر الميدان وَضربت خَيْمَتي عَن يَمِينهَا على الْعَادة فِي الْبُسْتَان وَكَانَت لي خيمة فويق نهر قويق مَضْرُوبَة وَهِي محجبة عَمَّن يشغلني عَن مهام الْخدمَة محجوبة وَلَقَد أسفت على تِلْكَ المتنزهات كَيفَ تشعثت وأيدي التَّعَدِّي بهَا تشبثت فَإِن الْحلقَة الْخَاصَّة فِيهَا ازدحمت وعَلى نثر منثورها ومنظومها انتظمت ثمَّ العساكر على كثرتها من بعيد بِالْبَلَدِ احاطت واشتطت فِي حب الكريهة واستشاطت وَفِي كل غدْوَة وَعَشِيَّة ركُوب إِلَى كروب وهبوب إِلَى وثوب وزحف بحفز وعزم بعز وجهلات وحملات ووثبات وثبات وفر وكر وشزر وَطعن يفصل ويخيط وَضرب يطيش ويشيط وعثير يرتقى وعاثر يَتَّقِي وعامل يجبي خراج الارواح بخروجها وباسل يجلو أقمار التّرْك من الترائك فِي بروجها وتاج الْمُلُوك موقد نارها وخائض تيارها ومضرم حربها ومغرم حبها ومتيم كربها ومتيمم تربها ومقدم طَعنهَا وضربها وَالسُّلْطَان لرعيته فِي الابقاء وكراهيته للقاء واشفاقه على رجال الاسلام وأبطال الشَّام يَأْمُرهُم بالكف وينهاهم عَن الزَّحْف وَيَقُول مقصودنا الْبَلَد وَمن دون فَتحه على الجلاد الْجلد واذا تهَيَّأ فَتحه وَتَهْنَأ منحه عَادوا عَن الْعَدَاوَة وآبوا وأبوا خلق الضّر والضراوة ويقيضهم عَن أَن يباسطوا وَيَتْلُو عَلَيْهِم ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا﴾ لَكِن كَانَ الشَّبَاب يشبون الضرام وَيُحِبُّونَ الاقدام ويلبون الْحمام فأصابت تَاج الْمُلُوك طعنة لم يكترث بهَا وفكت ركبته وَقلت ركبته بِسَبَبِهَا وفضت بفلول شبا شبابه وذبول جنا جنَاحه وحؤول رتبته الى ترابه وَسَنذكر يَوْمه وَكَيف شغل يَوْم الْفَتْح عَن حتفه قومه
ذكر الْمنزلَة الثَّانِيَة على جبل جوشن
ثمَّ رأى السُّلْطَان أَن مقَامه بالميدان الْأَخْضَر لَا يقْضِي بتضييق حصر وَلَا يُفْضِي الى تَحْقِيق نصر فأصبحنا بعد أَيَّام على عزم الرحيل وازماع التَّحْوِيل وعبرنا بِمن حضر من العساكر على بيُوت الْحَاضِر وَلما وصلنا إِلَى جبل جوشن لبسنا جواشن الصَّبْر
стр. 262
وأنسنا من ليل النَّصْر مطلع الْفجْر وضربنا عَلَيْهِ الْخيام واظهرنا بِهِ الْمقَام وأحضر السُّلْطَان بنائين وصناعا ومهندسين وَأمر بِحَفر أساس قصر يبنيه وَنصر مجتنيه وَحمد بالكف عَن الْقِتَال يقتنيه وَقَالَ ان كَانَ الْبَلَد منَازِل فهاهنا مَنَازلنَا وَبهَا تركز عواملنا وَنحن نتصرف فِي الْبِلَاد والأعمال ونقطعها للرِّجَال ونترك حلب على مَا بهَا من الْحَال وَأمر بترك الْقِتَال والاعفاء عَن النزال والعسكر تركب فِي كل يَوْم صُفُوفا وتطيل على الطلل وقوفا وَتعلق فِي اذان شراريفه من النصال شنوفا وتشعل بِنَار أَنفه عيُونا وأنوفا حَتَّى أنسنا النعشه وأنسينا الوحشة وسكنا ماكثين وركنا لَا بثين ولهونا عابثين لَا عائثين ولرسل التَّرْهِيب باعثين وَفِي عقد التَّرْغِيب نافثين وَنَذْكُر اننا من عباد الله الصَّالِحين الَّذين جعلهم الله للارض وارثين وَقد ضنت حلب بحلبها وظنت ببيضها ويلبها ورنت بأوتارها وحنت الى اوتارها وثارت لثارها وطاش نحونا حجى حجارها وَثقل علينا حصا حصارها وَنَادَتْ الاسواء على اسوارها وَسمع شفَاه سفاهها وفضع فحش أفواها وَكثر سبع سباعها وَثَبت حكم اجتماعها وَمَا فِي الْقَوْم الا من حميت حميته واهتمت همته وأبت الا الاباء أبيته وخشنت كَلمته وَكلمت خشونته وَعلمت جهلته وَعرفت نكرته وَبَانَتْ نبوته وَمَا تجافت جفوته وَالسُّلْطَان يحمل ويحلم ويتغابى وَهُوَ يعلم ويتكره ويتكرم ويعاود الاستماله ويواعد بالاقالة وَيُعِيد القَوْل الْجَمِيل ويفيد الطول الجزيل ويعين الاقطاع وَيبين الضّيَاع وينادمهم باسماء مناقبهم ويناديهم باسماء مَرَاتِبهمْ فجدوا بالاضرار وشدوا أَرْكَان الانكار وصدوا بِوُجُوه الاعراض وَقُلُوب النفار وعسوا على الْعَجم وعصوا قبُول الحكم وحاصوا وصاحوا وَبسر السِّرّ باحوا وهم يحسبون انهم يحْمُونَ الْحمى لحمام صبور ويحفظون العقيلة لمستام غيور وَمَا عرفُوا أَن صاحبهن قد أصحب بعد جمَاعه واكثب بعد الظَّن بسماحه وَرغب فِي الْمُبَايعَة وتقرب بالمتابعة وَاخْتَارَ السّلم والسلامة وآثر الْكَرم والكرامة
стр. 263
ذكر رَغْبَة عماد الدّين فِي السّلم ودخوله فِي الحكم والمخاطبة فِيهِ سرا من أَصْحَابه والمراسلة فِي احكام احكامه وتسبيب اسبابه وَتَسْلِيم حلب على مَا شَرط وَطلب وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم السبت ثامن عشر صفر سنة تسع وَسبعين
وَكَانَ عماد الدّين صَاحب حلب للسوء عائفا ولسوى الْعِزّ عازفا وبعواقب الامر عَارِفًا وعَلى نَوَائِب الدَّهْر وَاقِفًا وَفِي كل مَا يستبعد مقاربا وَلكُل مَا يكره مجانبا وَفِي كل شَدِيد لينًا وَفِي كل حَدِيد هينا وَلكُل مُبْهَم مُبينًا وَلكُل منعم معينا رَاغِبًا فِي التحدي بالاتحاد والاعتداد والاعتضاد وَالِاجْتِهَاد فِي الْجِهَاد وإماطة الْبلَاء عَن الْبِلَاد والاحاطة بِمُرَاد المُرَاد وإماتة إيقاد الاحقاد وَعقد الحبى لحب الِاعْتِقَاد وَفرض سدى السداد ورفض عناء العناد وَالنُّزُول من سَمَاء السماحة الى أَرض الارضاء والبروز فِي فيض الْفَضَائِل الى الفضاء وحسم الدَّاء قبل اعضاله باقتضاب الِاقْتِضَاء وافكر وَوجد عَلَيْهِ فِي كل شهر يفرقه ثَلَاثُونَ ألف دِينَار على الأجناد والأمراء واذا طَال الْحصار وَتعذر الإنتصار رَاح الرِّبْح ورسخ الخسار وَكَانَ يعْتَمد على رَأْي الْأَمِير حسام الدّين طمان الياروقي وَهُوَ قَدِيما يوالي السُّلْطَان ويولي الاحسان ويؤثر المرافقة والموافقة وَيُحب فِي مضمار الْوَلَاء الْمُسَابقَة فَأَشَارَ على عماد الدّين بِمَا كشفه من ضَمِيره ووعده اذا سفر فِيهِ بازكاء الْغَرْس وتثميره وتسهيل الصعب وتيسيره وترتيب النجح وتدبيره فَخرج لَيْلًا من بَاب السِّرّ سرا وبر بالحضور وأحضر برا وَقد قر بِقُرْبِهِ السُّلْطَان وخلا بِهِ لخلابه وعامله بآداب دأبه وأخلى لَهُ جنا جنابه وشفى عتابه باعتابه وَأبْعد عَنهُ الجوى بجوابه وفذلك لَهُ بجود الْجُود حِسَاب سحابه وسامه اصحار الاسد الخادر من غابه واعطاه يَمِينه مَعَ سطر يَمِينه فِي كِتَابه وانه اذا قضى بِرَأْيهِ اربه تَابعه فِي آرائه وآرابه فَعَاد الْأَمِير طمان مطمئن الْجنان مرجحن الْمِيزَان طيب الثَّنَاء صيب الحباء وأفضى إِلَى مخدومه بسر مكتومه وفض مختومه واستفاضة معلومه فافتتحنا بكره ببكر الْفَتْح وَقد جليت وَرَايَة النَّصْر وَقد اعليت وَآيَة الظفر وَقد تليت وعروس القلعة وَقد جليت والابواب قد فتحت والآراب قد نجحت والاوزان قد رجحت والاحزان قد سرحت والصدور قد شرحت والامور قد
стр. 264
صلحت وَعرف الامراء فَمنهمْ من خجل وَمِنْهُم من وَجل وكل مِنْهُم نَدم على مَا ند من إبائه وَعدم مَا أعده ليَوْم بلائه وَحسب انه يذب عَمَّن يشْكر ذبه وَيُحب من يذكر حبه فَأرْسل إِلَيْهِم السُّلْطَان استزال روعهم وخوفهم واستزاد طوعهم وشوقهم ومدح لجاجهم والتجاجهم وَأحمد ارتياجهم واحتجاجهم وشفع انكسارهم بجبرهم وقرظهم على صبرهم ووعد كل مَعْرُوف بِمَعْرُوف وَبَدَأَ بالاحسان الى كل شرِيف ومشروف وَحَدَّثَهُمْ بِمَا طيب النُّفُوس بعد الْحَادِث الَّذِي شيب الرؤوس وأزال ببشره العبوس وأطلع فِي مَذَاهِب الْمَوَاهِب بعد غي الغياهب من انوار الرشد الشموس وأوجد النعمى واعدم الْبُؤْس
نكته مدح القَاضِي مُحي الدّين بن الزكي السُّلْطَان بِأَبْيَات مِنْهَا ... وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر ... مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب
فَوَافَقَ فتح الْقُدس كَمَا ذكره فَكَأَنَّهُ من الْغَيْب ابتكره فَفِي صفر سنة تسع وَسبعين كَانَ فتح حلب وَكَانَ فتح الْقُدس سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ فِي رَجَب وَيُشبه هَذَا انني فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين طلبت من السُّلْطَان جَارِيَة من سبي الاسطول الْمَنْصُور فِي أَبْيَات وَهِي ... يؤمل الْمَمْلُوك مَمْلُوكَة ... تبدل الوحشة بالانس ... تخرجه من ليل وسواسه ... بطلعة تشرق كَالشَّمْسِ
فوحدة الغربة قد حركت ... سواكن البلبال والمس
فَلَا تدع يهدم شَيْطَانه ... مَا احكم التَّقْوَى من الأس
فَوَقع الْيَوْم بمطلوبه ... مِمَّا سبى الاسطول بالامس
لَا زلت وهابا لما حازه ... سَيْفك من حور وَمن لعس ...
стр. 265
.. وانني آمل من بعْدهَا ... كرائم السَّبي من الْقُدس ...
فجَاء الامر على وفْق الامل كَمَا قلت ووهب لي تِلْكَ السّنة مَا سَأَلت واعطاني عَام فتح الْقُدس من سباياه مَا أملت
عَاد الحَدِيث فِي فتح حلب وتسليمها وتصحيحها بعد السقم بتقويمها وتسقيمها
وَخرج عماد الدّين زنكي الى خيامه الَّتِي ضربهَا وَشرع فِي استنجاز الْموعد فِي الْبِلَاد الَّتِي طلبَهَا وَلم يزل وزيره شمس الدّين بن الْكَافِي وَهُوَ من الكفاة مترددا فِي الطّلب مَعَ العفاة وَأَمرَنِي السُّلْطَان بانشاء عهد وانجاب عقد يتَأَكَّد بِهِ الْمِيثَاق ويتمهد بِهِ الْوِفَاق فلازمني أَيَّامًا وَأَنا أَزِيد تَارَة وانقص وأغلي مرّة وأرخص حَتَّى حررت نُسْخَة حكمهَا الْمُحكم لَا ينْسَخ وعقدها المبرم لَا يفْسخ وَعلمهَا فِي السرائر يرسخ وثوبها بالمعاير لَا يتوسخ وأنعم عَلَيْهِ ببلدة سنجار وآن لمطالبه ان تروج وَزيد الخابور ونصيبين والرقة وسروج وَاتخذ التحدى وتعدى التعدى وتهدا التهدى وتأيدت الايدى وَشَمل الاسلام الْجُود المجدي وَعلا الاشراك الْبَأْس المردى
فُصُول من كتب انشأتها فِي فتح حلب
كتَابنَا مُبشر بِفَتْح حلب الذى وقعه فِي الْفتُوح كوقعها فِي الْبِلَاد وعزته فِي النُّفُوس كعزتها فِي المُرَاد وقرنت الينا الشَّهْبَاء وسكنت بحركتها اليها الدهماء وانجلت الظلماء وتجلت النعماء وكشفت الغماء وَفتحت أَبْوَاب جنانها من بَاب الْجنان واعتمدت باحياء الشان إماتة الشنان وَلم يغل فِي الْخطْبَة عندنَا مهر حسنائها وَلم يصلح لركوبنا صهوة شهبائها وَكَانَت لنا وَدِيعَة فِي يَد من بهَا فَأدى أمانتها وَرَأى بِنَا دون نَفسه صيانتها وَمَا خلب حلب الا بارق عزمنا الَّذِي لَيْسَ بخلب وَمَا تركت يَدهَا الا فِي يَد حول فِي تملك الْبِلَاد قلب وعوضنا ابْن اتابك عَنْهَا بلادا سلا باعدادها عَن الْفَذ فحصلنا على الارفع الأمنع وَحصل على الأمتع الألذ وَحلف لنا وحلفنا لَهُ وَحصل منا لَهُ مناله وظفر بالمغنمين من ودادنا وبلاده وَأظْهر الحسنتين من طاعتنا وسداده وَلَقَد كَانَت الشَّهْبَاء
стр. 266
علمت بِمَا جرى على السَّوْدَاء فَأَصْبَحت قبل الرياضة ونهض جناحها فِي مطار النَّصْر تفاديا من أَجْنِحَة تِلْكَ المناهضة
فصل آخر فِي الْمَعْنى
وَلَقَد كَانَت شهباء وَهِي جامحة ولبعد عهد اهلها بِالْجِهَادِ طامحة الى من يلجمها ويسرجها ليملكها الذى يتَفَرَّع من أَصله فتوح الْبِلَاد وينتجها فَلَمَّا وجدت كفؤها وهبت نَفسهَا وأطلعت لساري الْقَصْد لَهَا صبحها بل شمسها وأحمدت يَوْمهَا فذمت أمسنها ومدت يَدهَا الينا للمبايعة وَعرضت علينا مَتَاع الْمُتَابَعَة فاشتريناها بأعواض وقابلنا جوهرها بأعراض وتفرقنا بعد اللُّزُوم عَن ترَاض وَصرف دينارها منا بِدَرَاهِم وَظن من سمح بهَا حَيْثُ أبذل فذه بالاعداد أَنه حَاز الْمَغَانِم
فصل آخر من انشائي وَذكر إِزَالَة المكوس بهَا
ان الله ببركة أدعية الصَّالِحين اسْتَجَابَ منا الدُّعَاء وحقق الرَّجَاء وَيسر النعماء وَسكن بحركتنا الدهماء وكشف بِنَا الغماء وملكنا الْيَوْم الشَّهْبَاء كَمَا ملكنا أمس السَّوْدَاء وَجعل لمن يذب عَن كَلمته العلياء الْيَد الْبَيْضَاء وَكِتَابنَا هَذَا وحلب قد حلت لنا عقدَة اشكالها وأدرت لنا حلب منالها وَفتحت من بَاب الْجنان ابواب جنانها وشرعت أَبْوَابهَا للدولة ظامئة الى شرعة عدلها وإحسانها وَقد أفضنا عَلَيْهَا سِجَال الْعَوَارِض وسجام الْمَوَاهِب واعفيناها من الْمَظَالِم والنوائب واصفيناها من الشّبَه والشوائب وأزلنا عَنْهَا رسوم المعاير والمعايب ونقلنا عَن اسواقها أوساق المضار ومتاع المتاعب فأنوارنا فِي آفاقها طالعة وأشعة سنا سنتنا فِي فضائها بفضائلنا شائعة وأوامرنا فِي مملكتها نَافِذَة وأيدى ايادينا بأطواق شكرها آخذة وَاحْتَاجَ من بهَا فَبَاعَهَا بِالْعِوَضِ وَنزل عَن جوهرها بِالْعرضِ وَلما من الله علينا بالغرض وَجب علينا ان نستفتح شكره فِي الْجِهَاد بأَدَاء المفترض وَقد ربحت الصَّفْقَة وَأعْطيت بحلب سنجار ونصيبين والخابور وسروج والرقة وَمَا خرجت هَذِه الْبِلَاد عَنَّا فقد اسْتَقَرَّتْ لنا عساكرها الْمُسْتَحقَّة
فصل آخر من انشائي فِي الْمَعْنى وَذكر أَبْوَاب حلب
وَقد من الله بِفَتْحِهَا سلما لم نكشف لحوبها قناعا وَلم نقصر لَهَا فِي مدها الْيَد
стр. 267
بالاذعان والمصافحة باعا وكشفت غماها وأخرجت وألجمت شهباؤها واسرجت وشرعت أَبْوَابهَا وَفتحت وسرت قُلُوب أَهلهَا بقبولها وروحت وزخرفت لنا من بَاب الْجنان جنانها وَمَا كَانَ الا لحلبة سوابقنا ميدانها وأرج من بَاب قنسرين نسرينها وَصفا لنا وَالله الْمعِين معينها فَهِيَ جنَّة عدن مفتحة الابواب لِلْمُتقين وَقد أَوْرَثنَا الله اياها وَقد سبقت كَلمته بِإِرْث الارض لِعِبَادِهِ الصَّالِحين وَوجدنَا فتح بَاب انطاكية مبشرا بِفَتْح سميه وَكَذَلِكَ الْوَلِيّ يكون بعد وسميه وَقد عرضنَا من كَانَ بهَا بلادا لنا مَا لَا نسمح بِهِ وَهُوَ عسكرها وَله مَالا نضن بِهِ وَهُوَ دينارها ودرهمها وَقد بقيت تِلْكَ الْبِلَاد بِأَيْدِينَا فقد اعطيناها من يساعدنا على الْغَزْو الْمَفْرُوض وَيقوم فِي إِقَامَة واجبه بالنهوض وَالْحَمْد لله على الْكَلِمَة المتحدة والسكينة المتئدة والألفة المتجددة والنصرة بالمتوحدة
فصل من انشائي فِي كتاب بشرح الْحَال الى خطلبا وَالِي زبيد
وَأما أحوالنا فقد تناسقت فِي النَّصْر وتناسبت فِي حمد الله وَالشُّكْر وَقد سبقت المكاتبات اليك بشرح مَا سناه الله من الْفتُوح وَسَببه وقربه لنا من الامور وهذبه فبلاد الجزيرة قد اسْتَقَرَّتْ فِي خدمتنا عساكرها ودانت لطاعتنا اكابرها وَأمر فِيهَا امراؤنا وَولي بهَا أولياؤنا وأصحب ريضها لرضا اصحابنا وانصرفت نوائبها بِتَصَرُّف نوابنا وعنا ذَوُو عنادها وساد ذَوُو سدادها ومجدنا كرامها واكرمنا أمجادها وروضنا بآلائنا مواحلها فَمَا ضرها أخلفها الْحيَاء أم جادها وديار بكر لما قصر امد آمدها وطالت يَد أَيْدِينَا بالطول على معاهدة معاهدها وَفتحت سوداؤها واخضرت ببركة اقدامنا فِي الاقدام غيرائها بَعْدَمَا أغبرت من مثار النَّقْع عِنْد نزولنا عَلَيْهَا خضراؤها سكنت دهماؤها وانكشفت غماؤها واصحت سماؤها وَصحت اسماؤها ووطيءبساط الْخدمَة مُلُوكهَا الصَّيْد وَأقر بالعبودية لنا احرارها الصناديد وَجِئْنَا إِلَى حلب وَقد اسرجت لنا والجمت شهباؤها وزينت لتزف علينا حسناؤها وَقَامَت بِعُذْر خفرها فِي تمنعها عذراؤها ودانت لأرضينا فِي ارضائها سماؤها وَتحقّق فِي عرفنَا رجاؤها وأرجت بعرفنا ارجاؤها وَظهر حَقّهَا وخفي باطلها وتروض ماحلها وتحلى عاطلها وعقل جاهلها وغنم عاقلها وانتظمت فِي سلك الممالك حصونها ومعاقلها وانضمت الينا عساكرها
стр. 268
واستفاضت بِنَا مغافرها وأطاعت عواصي عواصمها وامتلأت المغاني بمغانيها وَظَهَرت الْمَعَالِي فِي معالمها وَلم يبْق الا التوفر على الْجِهَاد بِالِاجْتِهَادِ من سَائِر الْجِهَات وانجاز عدات الله فِي النَّصْر على العداة وَالسَّعْي فِي تملك الْقُدس وافتتاحه وَتَحْصِيل مُرَاد الاسلام وَالنُّزُول على اقتراحه
فصل من إنشائي من أُخْرَى
وَلما تسلمنا حلب وتسنمنا قلعتها وفرغنا شهباءها وسكنا دهماءها باكرنا بالايلاف فألفيناها على الْبكارَة واجتلينا عروسها افقية الانارة روضية النضارة وزفت الينا حسناء لم يغلها الْمهْر وعقيلة لَا يسمح الا لنا بهَا الدَّهْر فقر بهَا سَرِير السرُور وَصفا لأَهْلهَا حبير الحبور وتأصلت فِيهَا أرومة الامور وتوالت النعم من الله فِي وُفُود الوفور وتبلج صبح الْيُسْر وَوجه الْبشر بالاسفار والسفور وغض الظُّلم طرفه وكف العسف كَفه وَقبض الخور يَده وأوضح الْعدْل جدده وَحط الْحَظ لثامه واخذ بالامر نظامه ومجد الشَّرْع احكامه وانجابت الظلماء وطلت الشموس وانفرجت الغماء وَطَابَتْ النُّفُوس وأسقطت الْمَظَالِم وأطلقت المكوس واهتزت الاعطاف من سكر الشُّكْر حِين طافت من الطاف الله على الْأمة الكؤوس
ذكر تسني فتح حارم
لما فتحنا حلب ودانت لنا معاقلها وزفت علينا عقائلها بقيت حارم مَعَ اُحْدُ المماليك الصغار النورية يُقَال لَهُ سرخك وَقد طمع فِيهَا وَظن انه يحميها
وَذكرت شرح الْحَال فِي فصل من كتاب انشأته وأبدعت مَا أفْضى اليه الامر وأبدأته
وَكَانَت اذ ذَاك حارم بَاقِيَة فِي يَد واليها حامية بِنَار حاميها وَهُوَ مَمْلُوك نورى لَا يسر بِمثلِهِ ثغر وَلَا يشد بكفايته أزر وَهُوَ يراسلنا وَيشْتَرط ويشتط ويرتفع فِي سومه وَلَا ينحط ويبالغ ويغالب ويباعد وَلَا يُقَارب وَلم يدر أَن لَهُ فِي حارم حارما وَأَنه لَا يجد فِيهَا اذا عثرنا عشا وَلَا راخما وَكَانَ من ألطاف الله بهَا انه فِي اثناء سومه ورومه ودورانه
стр. 269
حول حمى الطِّبّ وحومه وسباحته فِي بَحر الْغرُور وعومه دهمه من خطر الْبلَاء مَا لم يخْطر بِبَالِهِ من قومه فان أجناد حارم اتَّهَمُوهُ بمراسلة الفرنج ومداخلتهم فأخرجوه واكرهوه على النُّزُول وَنزل بِهِ الْمَكْرُوه واعلنوا بشعارنا وكشفوا ليل لبسهم بنهارنا فسرنا اليها وتسلمناها ودبرنا امرها واحكمناها ووفرنا من الاحسان حَظّ أُولَئِكَ الْمُسلمين وتلونا فِي حَقهم ﴿إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ فَحِينَئِذٍ صفت الشَّرَائِع وأضاءت الْمطَالع ورجفت انطاكية رعْبًا وأثارت من رهج اختلاطهم ووهج اخْتلَافهمْ سحبا وايقن الفرنج بانتهاء مدَّتهَا واقتضاء عدتهَا واقواء قواها وَقطع مناياهم طَرِيق مناها فراسل صَاحب انطاكية ضارعا وللعجز عارضا والى الانقياد مسارعا وسير إِلَيْنَا من اسارى الْمُسلمين عدَّة وافية واظهر استكانة لاسباب الايقاع فِيهِ مُنَافِيَة وانخذل الفرنج فِي جَانب الْقُدس وربضوا وانهاضوا فَمَا قدرُوا لخوا فيهم من الْخَوْف ان ينهضوا
كتاب آخر من انشائي
صدرت الْمُكَاتبَة مبشرة بِمَا من الله بِهِ من الْفَتْح الْعَزِيز والنصر وَالْوَجِيز والنجح الحريز والموهبة الواهبة قُوَّة الِاسْتِظْهَار والعارفة الْمعرفَة زِيَادَة الاستبصار وَالنعْمَة الَّتِي جلت النعماء فَجلت وحلت فِي مذاق الشُّكْر حلت وعلت بإعلاء كلمة الدّين فانهلت وعلت وطالت يَدهَا بالطول وبأديها أظلت وَذَلِكَ فتح حلب الَّذِي در حلبه ونجح طلبه وَبلغ أمد الفلج غَلبه ووضح لحب هَذِه الدولة الْقَاهِرَة لحبه فَإِنَّهُ قد سكنت الدهماء مُنْذُ سكنت الشَّهْبَاء وبشرت بهما بالْأَمْس أُخْتهَا السَّوْدَاء لما كَانَ لنا من فتحهَا الْيَد الْبَيْضَاء فاخضرت الغبراء وآلت إِلَّا تغبر بعْدهَا إِلَّا فِي سَبِيل الله الخضراء وتلاها فتح حارم الَّذِي انْحَلَّت بِهِ الداهية الْحَمْرَاء وعلت بالعواصم لقمع بني الْأَصْفَر راياتنا الصَّفْرَاء واهتزت طَربا إِلَى الْجِهَاد فِي أَيدي شائميها ومعتقليها الْبَيْضَاء والسمراء فقد زَالَ الشغب وأسفر عَن الرَّاحَة التَّعَب وخمد اللهب وَأخذت للغزاة الأهب وسقت غيمة الرَّأْي بِالريِّ حلب وَقد اتّحدت كلمة الْإِسْلَام وعساكره وصدقت زواجره وربحت بالتنقل فِي الْأَسْفَار متاجره وَالْحَمْد لله الَّذِي ضاعف المنن وأضعف عَن شكرها المنن وَشَمل بالألفة وَألف الشمل وافضل بظهورنا وَأظْهر الْفضل
стр. 270
وَمن إنشائي أَيْضا فِي فتح حلب
كتَابنَا وَقد أوضح الله فِي الْخَيْر السبل وأمل فِي النجح الأمل وأعذب للرأي والري والعل والنهل ونقع الغل وشفي الْعِلَل وسد الْخلَّة وسدد الْخلَل وأدر لنا حلب حلب وأنجح فِيهَا الطّلب وَسلم إِلَيْنَا الشَّهْبَاء مسرجة ملجمة وألبسنا النعماء مطرزة معلمة وجلا علينا رياض الرِّضَا بعرف الْعرف فاغمة وحياض المنى بِالْيمن والمن مفعمة وكادت تتمنع فأغلينا مهرهَا وأعلينا قدرهَا ورغبنا فِي خطبهَا وَمَا رعبنا بخطبها وتقربنا إِلَى أَهلهَا فتأهلنا لقربها وَفتحت أَبْوَاب جنانها من بَاب الْجنان وحصلنا على المحامد الحسان بِالْإِحْسَانِ ثمَّ شرعت الْأَبْوَاب وأحكمت الْأَسْبَاب ونقعت اوامرنا أوامها وشفت أَقسَام عدلنا سقامها وكشفت أشعة مشايعتنا ظلمها وظلامها وسددت اراؤنا وآلاؤنا مراميها ومرامها وخصصنا عَامَّة الرّعية بالرعاية وأزحنا عَنْهُم غيابة الغواية وزالت المكوس وَطَابَتْ النُّفُوس وأضربت عَن الضرائب ووفرت الرغبات بالرغائب وفاضت أمواه الْمَوَاهِب وفاضت مهج الْأَعْدَاء وغاضت لجج الاعتداء وغاظت مواطؤنا الْكفَّار وملأت أنصارها الْأَمْصَار وهيبتنا وهباتنا الْقُلُوب والأبصار وَالْحَمْد لله الَّذِي بلغ الإيثار ونعش العثار وَحسن الْآثَار
فصل من إنشائي فِيهِ
قد حقق الله لنا الارب وأنجح الطّلب وأوضح الْمَذْهَب الْمَذْهَب وَقطع الشغب وأوصل الالفة بَين اهل الاسلام السَّبَب وأخمد اللهب ووفر للْمُؤْمِنين الرغب وَفِي قُلُوب اهل الْكفْر الرهب فَإِنَّهُ أدر لنا حلب حلب وملكنا شهباءها الَّتِي جَازَت الشهب وجمل بسير ايامنا التواريخ والكتب وذلل لنا كل مَا صَعب وَأدنى لنا كل مَا بعد من الفتوحات فَقرب وَلم يبْق لنا إِلَّا أَن نَأْخُذ فِي الْجِهَاد الأهب ونقوم بِمَا علينا من جِهَاد اعداء الله الَّذِي وَجب وَالْحَمْد لله الذى ملك وَأعْطى ووهب وَأَعْلَى للْعَالمين كلمة الرتب
فصل آخر مِنْهُ
كتَابنَا وَقد افضل الله علينا وَمن بِمَا منحه وَبسط بِهِ الامل وفسحه وَأظْهر بِهِ نهج النجح وأوضحه ووهب للرجاء مَا اقترحه ووهب للزمان مَا اجترمه من خلف اهل
стр. 271
الاسلام واجترحه وَفتح بَاب الْخَيْر بِمَا سهله من أَبْوَاب الْفتُوح وفتحه وَأحلى حلية حلب لاجراء ضوامرنا وشفى اوام رعيتها فِي رعايتها بأوامرنا وجلا علينا الشَّهْبَاء فِي شهب سمائها وَانْزِلْ الى طاعتنا الْملك الاشم من شمائها وملكنا قياد كل أبي وتواضع فِي افق مملكتنا كل حصن فِي السمو كوكبي
فصل آخر مِنْهُ
صدرت هَذِه الْمُكَاتبَة وَقد تضوعت ارجاء الرجا بأرج النجح وأعقبت لَيْلَة سرى الْعَزْم من النَّصْر سفور الصُّبْح وفازت متاجرنا فِي سَبِيل الله بِالرِّبْحِ واجزل الله لنا نصيب الْمَنّ والمنح وَذَلِكَ بِمَا يسره لنا من فتح حلب سلما أبدينا فِيهِ صفحة الصفح وسفرت وُجُوه الْمُسلمين كَافَّة بِمَا وَقعت السفارة فِيهِ من هَذَا الْفَتْح وَهُوَ حتف عَاجل للأعداء وتحف الطاف للاولياء وَبَانَتْ شهب السَّمَاء بملكنا لَهَا دون مَحل الشَّهْبَاء وَجعل الله لنا الْيَد الْبَيْضَاء فِي تسكين الدهماء وَلم يبْق الا تصميم الْعَزْم على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله مشحوذة فِيهِ مضَارب المضاء وَقد دَانَتْ لنا بِلَاد الشَّام بأسرها وتضاعفت نعم الله الَّتِي لَا نقوم بشكرها وَلَا نعرفها حق قدرهَا
فصل آخر
وَنعم الله دارة وفرص الْجِهَاد مُمكنَة والأيدى والآمال من الظفر والنجح متمكنة وللاسلام بتألف عساكرها المنصورة قُوَّة لأهل الْكفْر موهنة وَالسّنة المحامد لنا بشعار الدولة معلنة والمتجددات الْمُوَافقَة لكل مَا يُؤذن بِحُصُول المرام مؤذنة وحلب قد حلت لنا هديها وحلت لما حلت ثَمَرَتهَا وطاب جنيها وجلت فَجلت علينا عروسها لما كمل من عدلنا واحساننا حليها وَقد علت اعلامنا الصفر عَلَيْهَا كانها علم فِي رَأسه نَار وعزت شهباؤها بِنَا عز الابلق الْفَرد فَمَا لَهَا غير حلبة عزنا مضمار وَقد أخلى الله منا للْجِهَاد الذرع ومهد لاعدائنا الضّر ولاوليائنا بِنَا النَّفْع
كتاب آخر من إنشائي فِيهِ صدرت هَذِه الْمُكَاتبَة مبشرة بِمَا من الله من الْفَتْح الاغر والنجح الابر والمنح الادر وَالصُّبْح الاسفر الاسر وَهُوَ فتح حلب الَّذِي حلا لنا لري الرَّأْي حلبه ووضح لحب وضوح دولتنا بالأدالة لحبه وانارت فِي سَمَاء شهبائها الشماء بنمو السمو شهبه واضاء فِي فضاء الْفَضَائِل على علم الْعلَا لهداية العاشين إِلَى نَار الْهدى لهبه فالدهماء سَاكِنة والشهباء مسكونة والرعايا آمِنَة والأذايا مَأْمُونَة والايدي
стр. 272
بأيدها للبلاد مستفيضة والايادي بفيضها فِي الْعباد مستفيضة وعد الْعدْل غزير وجود الْجُود مطير وَقُلُوب الْقبُول مبتهجه ومطالع المطالب متبلجه والألفة شَامِلَة والشمل آلف وَالْفضل وافر والظل وارف ولمضارب نصل النَّصْر مضاء ولسنا افق التَّوْفِيق سناء وعود الوعود بثمر الظفر مُورق وطائر الوطر بجناح النجاح محلق والجنى دَان وَالدّين جَان وَالْهدى هاد والندى مُنَاد وَفتح الاسلام حتف الْكفْر وَربح الْحق هُوَ للباطل حَقِيقَة الخسر فَلم يبْق الا الاعداد لقمع جمع الاعداء والاضداد وَالِاجْتِهَاد فِي صدق قصد الْجِهَاد وايقاظ الجفون من غرارها فطالما قرت بالاغماض فِي الاغماد وَنقل من قرَاب الْهدى الى رِقَاب العدى واضعاف الاعداء بِتَضْعِيف الاعداد والغزاة قد شغل حَقّهَا وَبَطلَت شواغلها ووليمة النَّصْر على الْكفَّار من ظمأ الظبي إِلَى طلا دم الطلى قد ورش واغلها وَقد آن ان يمْلَأ بالأعنة والأسنة سَاحل السَّاحِل وَينزل الدّين ويرحل الْكفْر فَمَا أوفر رَاحَة الْمُقِيم واصفر رَاح الراحل وان كَانَ امس حد الْمَسْجِد الْأَقْصَى فاليوم الادنى بِنَا يَوْم وفائه ووفاقه وان ظهر شَرّ الشّرك فِيهِ آونه فَهَذَا اوان إخفائه وإخفاقه والقدس قد سر سره منا بعز عزمنا فقد جرينا فِي تعفية رسم الْبَغي والغي على رسمنا وَالْحَمْد لله الَّذِي بِحَمْدِهِ تثمر الطَّاعَات وتنزل البركات
وَمن الْإِنْشَاء العالي الْكَرِيم المولوي الفاضلي كتاب إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز النَّبَوِيّ بِفَتْح حلب
أدام الله سُلْطَان الدِّيوَان ممتثلة مراسمه متأثلة مكارمه متبارية رياض فَضله وغمائمه متكشفة بأنوار فَضله ظلم الدَّهْر ومظالمه معليا للاقدار لثم ثراه فينال السَّمَاء من هُوَ لاثمه مخشية مباسمة مغشية مواسمه مقوية ربوع اعدائه فَكلهَا الرّبع الذى اشجاه طاسمه صدرت هَذِه الْخدمَة وَقد تسلم مَدِينَة حلب ممتثلا لِلْأَمْرِ الْوَارِد عَلَيْهِ وَاقِفًا حَيْثُ وقف بِهِ الِاخْتِيَار لَهُ وهداه اليه وَعوض من كَانَت فِي يَده مَا اشْترط فِيهِ خدمَة عسكره فِي الْغَزْو الَّذِي هُوَ مُرَاده وَالْجهَاد الذى فِيهِ اجْتِهَاده وَقد كَانَ الْخَادِم أشرف على مَدِينَة حلب عَاجلا وقلعتها اجلا الا انه لما امْر بالمصالحة والمصلحة سلك إِلَيْهَا هَذِه الطَّرِيق من الطَّرِيق وَسلم الْأَمر إِلَى وليه بجمعه بَين فَرِيضَة المطاع وفضيلة الشفيق وَقد نشر لبصيرته من أنوار الْوَلَاء مَا لم يكن عَنْهَا انطوى وَعلم أَن الآراء الْعَالِيَة مهما ارادت فِيهِ اته وَمهما زوت عَنهُ انزوى وَهُوَ الْآن مُسْتَقْبل بِمَشِيئَة الله مَا بورك لَهُ فِي لُزُومه وَلَا يمل الْعَزْم المستشير وَلَا يمِيل الى جثومه ويستأنف من قتال الْكفْر مَا كَانَ اليه ظامئا ويسوم حَظه من ثَوَاب الْغُزَاة الَّتِي مَا زَالَ طرفه اليها ساميا وَلَو كَانَ من ناضله
стр. 273
وناظره لحظ بالامر من اوله واخذ بالحزم من مستقبله لَكَانَ قد قدم مَا أخر وَأورد مَا أصدر وَالله سُبْحَانَهُ يديم ايام الدِّيوَان لملك يصونه ويتيحه ولطف يجريه الله على يَدَيْهِ ويبيحه وضيم عَن جِهَة الاسلام يزحزحه ويريحه
وَمن إنشائه الْكَرِيم فِي جَوَاب شيخ الشُّيُوخ
وصل كتاب حَضْرَة سيدنَا فأوصل الْأنس إِلَى الْقلب والنور إِلَى الطّرف وعقل الخاطر بالود واطلق اللِّسَان بِالْوَصْفِ واستوحش لحظه بعد استيحاشه لنظره ورقع مِنْهُ فِي روض كَاد يمد يَده لاقتطاف ثمره ووقف على الْكتاب الْموصِلِي الْموصل فِيهِ القَوْل وعَلى مَا تلاه من فَرِيضَة رأى سيدنَا الَّتِي لَا حجب فِيهَا وَلَا عول وَقد امتثل الْأَمر وقنع بِمَا قنع لَهُ بِهِ وَنزل عَن الْبِلَاد لمن كَانَت حلب بِيَدِهِ وتسلمها وعوضه عَنْهَا بِبِلَاد الجزيرة إِلَّا اقلها وَاشْترط خدمَة الْعَسْكَر فِي الْغُزَاة الَّتِي مهما مل فَإِنَّهُ لن يملها وَهَذِه الْمُكَاتبَة صادرة وَقد أحاطت الْيَد بحلب وَكَانَت على الْإِحَاطَة برساتيقها وبلادها وَمَا كَانَ يخَاف إِلَّا تاخر أَمر قلعتها فَعجل بمشورة الآراء الْعَالِيَة وإرشادها وَمِمَّا يسر من هَذَا الْأَمر مَا كَانَ مستصعبا وَأوجب من نجازه مَا لم يكن مستوجبا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ سيدنَا من أَن ينْهض إِلَى هَذِه الْجِهَة مَعَ بعْدهَا وحر القيظ فِيهَا وَرَأى أَنه إِذا جشمه الحركتين أزعج ذَلِك الْجِسْم الَّذِي يرفهه ويقنع من زِيَادَته بالطيف وَلم ير أَن يكلفه الرحلتين رحْلَة الشتَاء ورحلة الصَّيف وَهُوَ يشْكر الله على مصائر هَذَا الْأَمر فالأمور لَهَا مصائر ويسأله بِلِسَان سيدنَا وبلسانه ان ينور بصيرته فِي طَاعَته فيدعى بِنور البصائر
وَمن كتاب من الانشاء الْكَرِيم الفاضلي إِلَى الْملك الْعَادِل
﴿ولينصرن الله من ينصره إِن الله لقوي عَزِيز﴾ وَقد علم موقع حلب من الْبِلَاد وموقعها من المُرَاد وفاتحة النجدة بهَا من الله فِي الْجِهَاد وفادحة فتحهَا فِي الْكَفَرَة والأضداد وَكِتَابنَا وَقد انْعمْ الله بهَا بسلم مَا شفيت فِيهَا للسيف غلَّة وَلَا ارتجت للردى عِلّة وَلَا أَتَى فِيهَا مَا يشق على أهل الْملَّة ولاعدونا مَا يَبْنِي للْمُسلمين الْعِزَّة وَيُورث عدوهم الذلة وَعوض عماد الدّين عَنْهَا من بِلَاد الجزيرة سنجار ونصيبين والرقة وسروج والخابور وَهُوَ صرف بِالْحَقِيقَةِ اخذنا فِيهِ الدِّينَار وأعطينا فِيهِ الدَّرَاهِم ونزلنا عَن المبيحات وأحرزنا العواصم وسرنا أَنَّهَا انْحَلَّت وَالْكَافِر الْمُحَارب وَالْمُسلم المسالم وَكِتَابنَا هَذَا وَقد تمكنت أعلامنا موفية على قلعتها المنيفة وتصرفت نوابنا فِي مدينتها موفية
стр. 274
بمواعد عدلنا الجليلة اللطيفة وفرقنا إقطاعاتها وبلادها وقلاعها على أهل الْغناء وحصلت بيدنا وَمَا فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا مَا نرجو من آجله الْأجر وعاجله الثَّنَاء واشترطنا على عماد الدّين الْخدمَة والمظاهرة والحضور فِي مَوَاقِف الْعَزْم والمصابرة وانتظم الشمل الَّذِي كَانَ نثيرا وَأصْبح الْمَرْء بأَخيه كثيرا وَذهب الكلال وأرهف الكليل وَنزع الغل وشفي الغليل وَالْحَمْد لله قولا يسترهن النِّعْمَة ويستزيدها وَنِيَّة تبدي العارفة وتعيدها ونسأله إيزاع شكر مَا بِنَا من مواهبه الَّتِي احرزنا أَولهَا فِي التعداد وأولاها بالاعتداد
وَمن الْإِنْشَاء الْكَرِيم الْمَذْكُور
أولى مَا انْطَلَقت الأقلام والألسنة بِذكرِهِ وتجردت الخواطر لقَضَاء حق شكره وهني الْإِسْلَام فِيهِ بِيَوْم ضَامِن لما بعده من أَيَّام نَصره مَا كَانَ لشمل الْأمة جَامعا ولعدوه كلما هم قاصرا وَكلما قَامَ قامعا وَذَلِكَ مَا من الله بِهِ من تسلمنا مَدِينَة حلب وقلعتها بسلم وضعت بهَا الْحَرْب أَوزَارهَا وَبَلغت بهَا الهمم أوطارها واحسنت فِيهَا التقية أثارها وَعوض صَاحبهَا بِمَا لم يخرج عَن الْيَد لِأَنَّهُ مشترط عَلَيْهِ الْخدمَة بِنَفسِهِ وبعسكره ومختلط بِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أحد الْأَوْلِيَاء فِي مغيبة ومحضره وَكِتَابنَا هَذَا وَقد ظفر الساري بفجره وَحمد الصابر عُقبى صبره وَالْأَحْكَام فِي مَدِينَة حلب جائلة والعلام على قلعتها مَحْمُولَة بل حاملة فالسيوف الَّتِي كَانَت لَهَا مبيحة هِيَ الَّتِي كَانَت بصونها كافلة وَقد حقق الله الْخَيْر وزواجره وَصرف الضير واخرس زماجره والألفة وَاقعَة والمصلحة جَامِعَة وأشعة أنوار الِاتِّفَاق شائعة
فصل آخر مِنْهُ
صدر إِلَيْك هَذَا الْكتاب والاوامر بحلب نَافِذَة والرايات بأطواق قلعتها آخذة وَجَاء اهل الْمَدِينَة يستبشرون قد بلغُوا مَا كَانُوا يؤملون وأمنوا مَا كَانُوا يحذرون وَالْحَمْد لله على هَذَا الْمصير وعَلى مَا من بِهِ من هَذَا الطول الطَّوِيل فِي الزَّمَان الْقصير وَنحن نستنصر بِاللَّه مَوْلَانَا فَنعم الْمولى وَنعم النصير
فصل آخر من انشائه الْكَرِيم
ان الله سُبْحَانَهُ يَسُوق مقاديره إِلَى مواقيتها ويؤلف بَين قُلُوب اهل طَاعَته على طواغي الْكفْر وطواغيتها وَيتم مَا سبق فِي مَشِيئَته من جمع كلمة هَذِه الْملَّة وتأليف شتيتها وَمن ذَلِك مَا أنعم بِهِ من فتح مَدِينَة حلب سلما سفر فِيهَا وَجه الاسلام ورقي قلعتها سلما بِمَشِيئَة الله تَعَالَى الى دَار السَّلَام
стр. 275
آخر من الْإِنْشَاء الْكَرِيم
يشْعر الامير بِمَا من الله بِهِ من فتح مَدِينَة حلب الَّتِي هِيَ مِفْتَاح الْبِلَاد وتسلم قلعتها الَّتِي هِيَ أحد مَا رست بِهِ الارض من الاوتاد وَللَّه الْحَمد وَأَيْنَ يَقع الْحَمد من هَذِه الْمِنَّة ونسأل الله تِلْكَ الْغَايَة الْمَطْلُوبَة بعد هَذِه الْغَايَة الْمَوْهُوبَة فَتلك الْجنَّة فانتظمت الامور ونفذت الْأَوَامِر وسر أَهلهَا سيرنا فيهم وَنَرْجُو أَن نسر بِهِ يَوْم تبلى السرائر
عِبْرَة
كَانَ السُّلْطَان قد عين يَوْمًا للضيافة الْعمادِيَّة وَأعد لَهُ من الألطاف الودادية مَا يربى على التحف والهدايا العادية وَكَانَ ذَلِك فِي المخيم قبل انْتِقَاله إِلَى الْبَلَد وصور لَهُ من نَظَائِر جنَّة الْخلد مَا لم يخْطر بالخلد وجلا بهَا عرائس المحاسن ونفائس المزاين وكملت لَهَا اسباب وشروط ونظمت للسماط سموط وترنم الشادى وترنح النادي وادى حق الطَّرب ذَلِك الْوَادي فالنغم هزجه وَالنعَم ممتزجة والارجاء ارجه والافاق متبلجة والالحان فصيحة والاوزان صَحِيحَة وَفِي نصب الخوان خفض عَيْش الاخوان وكأنما اجْتمع القمران بجلوس عماد الدّين بِجنب السُّلْطَان والمجلس فِي اسر مجلى والدهر قد افاض علينا من انواره وانوائه سجلا فَبينا هم فِي أحظى حُضُور وَأحب حبور وأسفر بهجه وأبهج سفور وَأتم نشاط وانم اغتباط إِذْ جَاءَ بعض الْحجاب وَأسر إِلَيْهِ بنعي اخيه تَاج الْمُلُوك فَمَا تنكب عَن نهج ثباته المسلوك وَلم تَتَغَيَّر طلاقة وَجهه بانقباض قلبه وحزنه وَأمر سرا بتجهيزه وَدَفنه وَأعْطى تِلْكَ الضِّيَافَة حَقّهَا وَبسط بسنا انبساطه أفقها فَكَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم ضدان وَلِيمَة حسن وألم حزن وموسم هناء ومأتم عزاء وشجو نادب وشجو آدب وَفِي جَانب نائحة نوح وَفِي جَانب رَائِحَة روح وَمَا وفى ذَلِك الْفَتْح بذلك الحتف وَلَا ذَلِك الرِّفْق بذلك العنف وَجَاءَت البلية منتشرة فِي طي النِّعْمَة والمنية تقضي والأمنية تقضى والعمر يمْضِي والعمارة تمضى والترح يمهي الْغُرُوب والفرج يلهي الْقُلُوب وَالدُّنْيَا تعدِي وافي مرها وَالْأُخْرَى تَدْعُو الى اجرها وَالْمَوْت ينْقض ابرام الْحَيَاة وَاللَّيْل ينْسَخ اية الاناة
стр. 276
وللأنفس انفاس مَعْدُودَة وآساس مجدودة وطلولها أدراس وربوعها أرماس فَكَانَ السُّلْطَان فِي طرف من العثرة ينعش وَأَخُوهُ العاثر فِي طرف ينعش وَهَذَا يضْحك وَذَاكَ عَلَيْهِ يبكى وَهَذَا يَحْكِي اصاباته وَذَاكَ مصابه يحْكى وَهَا هُنَا دَعْوَة الزهر وَهُنَاكَ عدوة الدَّهْر وَهَا هُنَا عود يشعل وَهُنَاكَ عود يحمل وانقضى ذَلِك الْيَوْم أنسا ووحشة ونعشا ونعشة وضيافة وَآفَة وملكا وهلكا وسعة وضنكا وَكرها وطوعا وروحا وروعا وَعزا وعزاء ونعمة وبلاء وتواردت كتب الْمُلُوك بالتعزية والجري على رسم التسلية
فصل من انشائي فِي جَوَاب كتاب صَاحب ماردين بالتعزية
ورد كتاب الْكَرِيم وَالْبر العميم فجدد الابتهاج واجدى وَأعَاد من الْإِحْسَان مَا أبدى واتحف بِمَا هدى إِلَى الْكَرَامَة وَأهْدى وَأولى المعروض وأسنى وأسدى فالفاه من الرَّوْض فِي السحر ابهج واعطر واندى فاما مَا تضمنه من اقامة سنة التَّعْزِيَة فَهَذِهِ سَبِيل كلنا على جددها وَغَايَة لَا بُد من بُلُوغ أمدها وشربة لَا ظمأ إِلَّا فِي ريها ولهجة لَا فصاحة إِلَّا فِي عيها ورقدة لَا يقظه الا فِي نومها وَسَاعَة لَا مقَام فِي لَيْلَتهَا إِلَّا الْقيام فِي يَوْمهَا ومحجة لَا عِبْرَة الا فِي عبورها وَحجَّة لَا خَفَاء الا فِي ظُهُورهَا وَطَرِيقَة لَا حَقِيقَة إِلَّا فِي مجازها ومفازة لَا مفاز إِلَّا بِجَوَاز أجوازها وفناء لَا بَقَاء الا فِي فنائه وَقَضَاء لَا لُزُوم إِلَّا فِي اقتضائه وَللَّه فِي كل حكم حِكْمَة وَفِي كل بلية نعْمَة وَفِي كل عِبْرَة موعظة وَفِي كل قدرَة آيَة من السّنة موقظة فَالْحَمْد لله على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والتنبيه على التأهب من دَار الفناء لدار الْبَقَاء والسعيد من اغتنم الْحَيَاة الفانية للحياة الْبَاقِيَة وأخلص الله عمله بالعقيدة الصادقة والسريرة الصافية
فصل من كتاب إِلَى صَاحب السويداء فِي جَوَابه وَقد توفّي أَيْضا وَلَده
فَأَما مَا أَقَامَهُ من سنة العزاء فَنحْن معزوه فِي الْمُصَاب الَّذِي نَحن فِيهِ مساهموه ولنصيب التفجع لملمه المؤلم مقاسموه فَعظم الله لنا وَله الثَّوَاب الصافي الاثواب واجرى لنا وَله الْأجر الْمَوْعُود بِهِ على الصَّبْر والاحتساب وان الْعَاقِل من لَا يسخطه مَا جرى من الْقدر بل يرضيه وَلَا يُفَارق يقظته لما يَقْضِيه وَمَا الأعزة الا ودائع الله فاذا استردها فَلَا يعد ذَلِك من الفجيعة وَالْمُودع الْأمين لَا يجزع لرد الْوَدِيعَة والاسى المفاجىء لَا يتولج معاقل الْعُقُول المنيعة والروعة الْحَادِثَة لَا تلهى عَن التحدث بِمَا سلف من الصنيعة وان الله قد يبتلى عَبده بنعمته وَقد ينعم عَلَيْهِ فِي ضمن بليته فَيجب ان يكون الْمَرْء فِي الْحَالَتَيْنِ لَا يمِيل بِهِ الْخَوْف فيأسى وَلَا يبطره الرجا فيتناسى وَلَا يأسف على مَا
стр. 277
فَاتَ فَيهْلك يأسا وَلَا يفرح بِمَا أُوتِيَ فيطلب فِي دَار الوحشة إيناسا وَالْمَوْت طَرِيق إِلَى الْآخِرَة لَا بُد من انتهاجها والحياة حلَّة ان راقت جدَّتهَا فَمر الجديدين يسْرع فِي إنهاجها وَآيَة نفس تسكن الى قدرتها وقوتها والقدرالمحتوم جَار باعجازها وازعاجها ان لله وانا اليه رَاجِعُون وبقضائه راضون ولقدره مستسلمون لَا مرد لمراده وَلَا معَاذ من معاده وبهاء الدّين يحافظ على بهاء دينه بِمَا يلْزمه من سنة الصَّبْر الْمُؤَذّن بتسليته وتسكينه وَالله يَخُصُّهُ بتوفيقه وتمكينه
ذكر الْقَضَاء بحلب
وعول فِي الحكم وَالْقَضَاء بحلب على قَاضِي الْقُضَاة مُحي الدّين بن الزكي أبي الْمَعَالِي مُحَمَّد بن عَليّ الْقرشِي فَقضى وَحكم وَنقض وأبرم وَعقد وألزم وأنفذ وأمضى وأغضب فِي الله وأرضى واستناب فِيهَا القَاضِي زين الدّين أَبَا الْبَيَان نبأ بن الْفضل بن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بِابْن البانياسي
ذكر دُخُول السُّلْطَان إِلَى مَدِينَة حلب ومقامه فِي قلعتها واحسانه إِلَى رعيتها
ثمَّ انْتقل السُّلْطَان إِلَى حلب وَأقَام بالقلعة مستويا على عرش السمو والرفعة فأدار الْعدْل فِي دَاره وأفاض الْفضل بأنوائه وأنواره ووظف المكارم وكشف الْمَظَالِم وَدفع النوائب وَرفع الضرائب وَأسْقط المكوس وأغبط النُّفُوس ووفى لمن وعده وان لم يكن لَهُ كَمَا شَرط فِي الْفَتْح صنع بعداته وسعى الْقدر لَهُ فِي اعلاء اقدار سعاداته وَكتب الى أَصْحَاب الاطراف والاوساط لِاجْتِمَاع عَسَاكِر الْجِهَاد من جَمِيع الْجِهَات عِنْده للرباط وَتمّ لَهُ ملك الشَّام وسر سره بالتمام وحالفه عماد الدّين فِي الْمُوَافقَة فِي
стр. 278
سَائِر المرام وَأَمرَنِي بكتب المناشير لأكابره وَأَمْثَاله بَعْدَمَا خص أَرْبَاب الْفَضَائِل بفواضله وَمَرَّتْ حلب حلب مروته واعتصمت العواصم بعصمته ووقفت الْقُلُوب فِي الْقبُول بَين مهابته ومحبته وأسلى أَهلهَا بحبائه عَن حب من عداهُ وعادوا أولياؤه على عداهُ وَأحسن رِعَايَة محسني الرّعية وَأعَاد الْقَضَاء وَالْخطْبَة إِلَى أهل مذْهبه الشَّافِعِيَّة وأعلا سنا السّنة وَلكم قلد الاعناق من الْمِنَّة وتباعد فِي ندى الندى عَن مظان الضنة وترجح بعلاه على مَوَازِين الموازين المرجحنة
ذكر القلاع وَمَا رتب من وُجُوه الاصطناع
أبقى عين تَابَ على صَاحبهَا وَخَصه بايادي يَده ومواهبها وَأما تل خَالِد فَإِنَّهُ أنعم بهَا على بدر الدّين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق مُضَافَة الى تل بَاشر قَضَاء لحق مسابقته الى الْخدمَة الَّتِي بَادر اليها وباشر فهدم قلعتها وَتصرف فِي أَعمالهَا واستبد بارتفاعاتها وغلاها وَأما قلعة عزاز فان عماد الدّين زنكي بن مودود صَاحب حلب كَانَ قد هدمها لتوفر قوته على حفظ حلب وَمَا خطر بِبَالِهِ أَنه ان ضويق سلمهَا فأقطعها وأعمالها للأمير علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر وكلن قد أورد من المناصحة وأصدر فَأَعَادَ عمارتها أحسن مَا كَانَت وَظَهَرت آثَار كِفَايَته وَبَانَتْ وَسلم حارم الى اُحْدُ الْخَواص من اهل الْوَلَاء والاخلاص وَولى الْقَضَاء بحلب مُحي الدّين أَبَا الْمَعَالِي مُحَمَّد بن زكي الدّين عَليّ الْقرشِي فرتب عَنهُ نَائِبا وَجعل لَهُ من رَأْيه راتبا
стр. 279
وَأقَام فِي قلعة حلب سيف الدّين يازكوج واليا بأوصاف الْفَضَائِل حاليا ولانوار المحاسن جاليا وَولى الدِّيوَان العميد نَاصح الدّين اسماعيل بن العميد وَوصل وَجمع بِهِ حَبل التسديد وَشَمل مَا شملته يَد التبديد وَجعل حلب باسم وَلَده الْملك الظاهرغازى وَقد جلّ فِي صِفَات جَلَاله وسمات كَمَاله عَن الموازن والموازي وَكَانَ قد استصحبه من مصر عِنْد وُصُوله إِلَى الشَّام وعادت الامور بسيرته السارة الى النظام وَمَا برح السُّلْطَان من حلب حَتَّى استقامت احوالها على جدد الصّلاح واستنامت آمالها الى مددالنجاح واتسقت عقودها واشرقت سعودها وقضيت حُقُوقهَا ونقضت حقودها وَسعد بِوُجُودِهِ وجوده وجودهَا وتجددت بِحُدُودِهِ جدودها وعادت نضرتها ونضر عودهَا وَضرب باسمه درهمها ودينارها وانارت معالمها وَعلا منارها وصدحت بالادعية منابرها وَصدق لارعاء الرّعية منا برهَا وسفرت وُجُوه الصَّنَائِع ووفرت جِهَات الْمَنَافِع ونابت أياديه مناب المنابع ونجزت عدات الانوار فكفينا مطال الْمطَالع وقطف مجانى المناجح مناحي المناجع وَدرت فِي مسارح المسار ومبارك المبار رواتب الرواتع ووصلت كتب المحبين بِدِمَشْق باهتزاز أعطاف الاشواق ومزج مدام المدامع فشرعنا فِي اصفاء المشارع واصفاء المدارع وَجمع الامراء لِلْأَمْرِ الْجَامِع وَسَيَأْتِي ذكر كل شيىء فِيمَا نبينه من الْمَوَاضِع
ذكر بعض المناشير الَّتِي كتبتها لأهل حلب منشور من انشائي للشَّيْخ الامام عَلَاء الدّين الكاساني مدرس الْمدَارِس الحنيفية بحلب
الْحَمد الله ذى المنن المتضاعفة المتظاهرة والمنح المتناصرة المتضافرة وَالنعَم المتكاثفة المتكاثرة وَالْقسم المتوافرة نحمده على نعمه الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد هادي وشفيع الْآخِرَة وعَلى آله واصحابه ذَوي المفاخر الْعلية والمعالي الفاخرة وَبعد فان من شرف بِالْعلمِ قدرَة وَشرح لشرح صُدُور المستفيدين بافادته صَدره وسما فِي سَمَاء السنا لكشف ظلمات الشّبَه بسنا هداه بدره وسفر لتسفير مَعَاني الشَّرْع وَتَحْقِيق وُجُوه أدلته وَجهه واسفر فجره وطاب فِي نشر مطاوي الْعُلُوم واحياء معالمها وإنشار مواسمها نشره كَانَ جَدِيرًا بتوفير الهمم على اعزاز جَانِبه وابداء
стр. 280
انوار المناجح فِي مطالع مطالبه وإصفاء مشارب الانعام لَهُ وإعذاب مشارعه وإضفاء ملابس الاكرام عَلَيْهِ واسباغ مدارعه وتفويض مدارس الْعلم الى نظره وتصفية مورده بِهِ من رنق الشوب وكدره وَالشَّيْخ الامام الْعَالم عَلَاء الدّين أَبُو بكر بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الكاساني ادام الله توفيقه ذُو الْفضل الْوَاسِع وَالْعلم الْجَامِع والبرهان الْقَاطِع وَالدَّلِيل الصَّادِق الصادع وَهُوَ الْبَحْر الطامي عبابه والغيث الهامي سحابه والعالم الَّذِي هُوَ أوحد الْعَالم فِي عصره والحبر الذى حبر علم الْفِقْه بِذكر وضوحه وايضاح ذكره وَهُوَ مَالك قلم الْفتيا وسالك لقم الْعليا وموضح الْمَذْهَب الى رفع الْخلاف والموضع فِي سَبِيل الافادة بِفضل الاسعاد والاسعاف والمتحلي من الْفَضَائِل بِأَحْسَن الحلى وأشرف الاوصاف وَقد أقررناه على المستمر من عَادَته والمستقر من قَاعِدَته فِيمَا هُوَ مفوض إِلَيْهِ ومعول فِيهِ عَلَيْهِ من تولى الْمدَارِس الَّتِي تَحت ولَايَته وَنَظره ورعايته بمدينتى حلب والرقة للحنفية وفقهم الل وَهِي الْمدرسَة النورية غربي الْجَامِع عِنْد بَاب الحلاويين ومدرسة الحدادين ومدرسة جاولي وخزانة الْكتب بالجامع والمدرسة النورية بالرقة على الْفُرَات وَتَوَلَّى أوقاف ذَلِك جَمِيعه على الِاسْتِقْلَال والاستبداد وان يَسْتَنِيب فِي هَذِه الْمدَارِس من الْفُقَهَاء مدرسا ومعيدا ومفتيا ومفيدا واليه الْعَزْل وَالتَّوْلِيَة والتبديل وَالعطَاء وَالْمَنْع والتسوية والتفضيل وترتيب كل مِنْهُم فِي مَنْزِلَته الَّتِي يستحقهابأهليته والنزيل فَمن قبله فَهُوَ الْمقبل المقبول وَمن حرمه فَهُوَ المحروم المرذول فانه مَا يعْتَمد امرا الا بِدَلِيل مُسْتَنده الْمَشْرُوع والمعقول وَهُوَ الذى دلّت على الْفُرُوع ببيانه الاصول وَصَحَّ بروايته واسناده المسموع وَالْمَنْقُول وسبيل النواب اعزاز جَانِبه وانجاح مآربه والشد على ايدى نوابه واظهار جاه اصحابه وتفريغ سره فِيمَا هُوَ بصدده وترفيه خاطره لإِفَادَة الْعلم وإيضاح جدده وكف أَيدي معارضه فِي ولَايَته واقامة حُرْمَة الشَّرْع بِهِ فانه نَافِع رِوَايَته وَرَافِع رايته
منشور من انشائي أَيْضا لمحتسب حلب وَهُوَ شرِيف متضمنا شُرُوط الاحتساب
الْحَمد لله الْآمِر بِالْعَدْلِ والاحسان الناهي عَن الظُّلم والعدوان نحمده على مَا قَلّدهُ من الامتنان وَهدى اليه من الايمان ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا مُحَمَّد نبيه وَاضع الْمِيزَان بِالْقِسْطِ الْوَاضِح الْبُرْهَان وعَلى آله وَأَصْحَابه اهل الرَّحْمَة والرضوان وَبعد فَإنَّا
стр. 281
لما يفترض من الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر واجراء أُمُور الرّعية على وفْق أَحْكَام الشَّرْع المطهر وَأَخذهم فِي مَعَايشهمْ ومعاملاتهم مَا يحظر عَلَيْهِم مُلَابسَة الْخطر وَيُقِيم الْوَزْن بِالْقِسْطِ للبدو مِنْهُم والحضر حَتَّى تدوم الْمعَاهد بِالْعَدْلِ آهلة والمحافل بِالْفَضْلِ حافلة والرعية فِي ملابس الرِّعَايَة رافلة وسيدان الأذايا وسراحينها عَن سراح أَمنهم جافلة نرى أَن نولي الاحتساب من يكرم محتده ويسمو سؤدده فيضح فِي النباهة بالفضائل والنزاهة عَن الرذائل جدده وَمن تقوى بالتقوى نَفسه ويشرق فِي افق دينه بالتوفيق رشده وتنبسط فِي الْحق بالأيد يَده ويخلص لله فِي الإستقامة عَن سنَن الْعدْل مقْصده وَمن يَسْتَقِيم فِي الدّيانَة مذْهبه وَيصِح فِيهَا معتقده وَيعرف بِالتَّوْحِيدِ توحده فَيتَحَقَّق لنهج سَبِيل الْهدى تجرده ويصفو من شبه الشوائب مصدره ومورده وَلما كَانَ فلَان أدام الله توفيقه جَارِيا فِي نزاهة النجار ونباهة الفخار على سنَن شرفه مُتبعا فِي كرم المحتد وَصِحَّة المعتقد سنَن سلفه شافعا متلده فِي الاحسان بِحسن مطرفه مغضيا عَن مطامح المطامع بِعَين عزوفة وَأَنْفه مهيبا لفضل وقاره مصيبا فِي إِيرَاده وإصداره مجيلا قداح النّظر فِي اخْتِيَاره مستطيلا على ذوى التَّقْصِير والاستطالة بانتصافه وانتصاره عَارِفًا بأحوال النَّاس فِي الْمُعَامَلَات والمعاش ثَابت الْقلب فِي مُلَابسَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر رابط الجأش عولنا عَلَيْهِ فِي تولي الْحِسْبَة بحلب حرسها الله وفوضنا اليه أمرهَا ورفعنا بِهِ قدرهَا وقلدناه عَملهَا وحلينا بِهِ عطلها استنامة الى أَمَانَته وسكونا الى صيانته وديانته وَمَعْرِفَة بشرف نَفسه وعزوفها وصدود همته عَن كل مَا تأباه الْمُرُوءَة وصدوفها واعتمادا على امانته الَّتِي على التَّقْوَى اعتمادها واستنادا إِلَى حزامته الَّتِي إِلَى التَّوْفِيق استنادها وثقة بسريرته الَّتِي بتأييد الله ثقتها وَفِي مرضاة الله مقتها ومقها وعلما بسيرته الَّتِي لمح سنا محاسنها وموالاته للدولة الَّتِي أبهجت الانام أَيَّام أيامنها فليتول ذَلِك بنهضة تَامَّة وكفاية لشمل الْمصَالح ضامة وسياسة لشعب الشّعب الملئم لَامة وَفِي تَهْذِيب الْخَاصَّة والعامة خَاصَّة وَعَامة وَنظر
стр. 282
يذلل الجوامح ويروضها وَمِنْه تستقل بالامانة نهوضها وفطنه ينْكَشف بهَا من الخافيات غموضها وعدالة تُقَام بهَا من المعدلة سننها وفروضها وهداية تنفى الضَّلَالَة وتنسخها ودراية تحل عقد الشُّبُهَات وتفسخها وصرامة تلبى دَعْوَة المستصرخ وتصرخها وسيرة يثبتها كَاتب الْيَمين ويؤرخها وسطوة تدمر الغواية وتدمغها وشهامة تَنْتَهِي فِي حفظ الِاعْتِدَال الى الْغَايَة وتبلغها ورافة بالمتورعين فِي الْمُعَامَلَة توسع عَلَيْهِم الْمَعيشَة وتسوغها وعفة عَن المطاعم والمطامع تضفي عَلَيْهِ حلل الثَّنَاء وتسبغها ومحافظة على خلقه عِنْد الانكار يحفظه فِيمَا يحفظه ومراقبة لله فِي السِّرّ والجهر تبهضه بِمَا لَا يبهضه وتفكر فِي الْحَوَادِث يحدثه بِالْغَيْر ويعظه وخشية الله فِي سَائِر احواله تنذره بالمخاوف وتوقظه وليشرع فِي حفظ الْمُعَامَلَات على جدد الشَّرِيعَة ومنهاجها وليصن حدتها بتجديد دُعَاء النَّاس اليها من انهاجها وليعتمد فِي زجر الفجرة مَا يُؤذن باعجازها وازعاجها وَفِي الْبر بالبررة مَا يُفْضِي باغتباطها وابتهاجها وليعتبر اهل الاسواق فَمن ألفاه ألفا للسداد الفه وَمن عرفه جَاهِلا بالمشروع عَرَفَة وَمن وجده متجوزا فِي امانته أوجده وخوفه وَمن صادفه مائلا عَن مَنْهَج النَّصِيحَة صدفة وثقفه وليتبع بالمسكر باراقته وليقم الْحَد على شَاربه فِي حَال افاقته وَمن ذاق مِنْهُ من اهل التَّحْرِيم وَلَو جرعة فليجرعه من الْحَد مر مذاقته وَمن اسْتوْجبَ التَّعْزِير فَلَا يبلغن بِهِ حد الْحَد وَلَا يحملهُ من الْعقُوبَة فَوق طاقته وليردع مقترف الذَّنب وَلَا يخل بنصيحته وَلَا يتجسس على الْمُسَافِر فيفضي اشاعة الْفَاحِشَة مِنْهُ الى فضيحته وَمن الْتبس عَلَيْهِ أمره فليتوقف فِيهِ حَتَّى يسفر بالكشف عَنهُ ليل الارتياب عَن صبيحته وَمن تفرس فِيهِ حَالا فَلَا يقطع فِيهِ بهَا دون ظُهُور امارتها ووضوح بيناتها بفراسته وقريحته وَلينه عَن الْغِشّ فِي الْعرُوض والنقود وَعَن الرِّبَا فِي المقروض والمعقود وَعَن التطفيف فِي الْكَيْل وَالْوَزْن والذرع وَعَن التنكب فِي الْمَقَادِير والمعايير والمكاييل عَن الْعرف الْمُعْتَبر فِي الشَّرْع وليبحث عَن اهل الصناعات كل الْبَحْث وَعَن المصنوعات جديدها والرث وسمينها والغث فَمن شهد لَهُ أهل الْمعرفَة بالبراعة أقره على مَا يتعاطاه من الصِّنَاعَة وَمن رَآهُ مقصرا نَهَاهُ عَن التَّقْصِير أَو مغررا ردعه عَن التَّغْرِير بالتعزير أَو مفرطا عاقبه على التَّفْرِيط أَو مخلطا أدبه على التَّخْلِيط وَمن عرفه جَاهِلا بصنعته مَنعه وَمن أبصره غير بَصِير بحرفته قدعه وليمنع الطرقيين والمتعاطين للطب على التخمين وليصدهم عَن مداواة الامراض ومزاولة الاعراض ومعالجة الْعُيُون ومعالجة الأدواء بالظنون وَبيع الادوية المغشوشة والمجهولة
стр. 283
وَوضع اساميها على غير المقولة والمنقولة وليزع المتلبسين بالتنجيم والشعبذة وَالْكهَانَة وليهن الْقَائِلين بهَا والقاطعين بحكمها كل الاهانة وليصن الْمَسَاجِد وبيوت الْعِبَادَات من اتخاذها حوانيت لذوى الصناعات وحلفا لذوى الخرافات ومخازن ومساكن لذوى الصَّنَائِع والتجارات ولينكر غَايَة الانكار كشف العورات لَا سِيمَا فِي الحمامات وليكف صَوت المتحدثين فِي العقائد بِمَا يوتغها وَيقطع الالسن عَمَّا يطلقهَا فِي اعراض السّلف الصَّالح ويولغها وليلتزم كل مَا يتَعَيَّن على الْمُحْتَسب وَيلْزمهُ وليعمل بِمَا يعرفهُ من الصَّوَاب وَالصَّلَاح ويعلمه من اطايب المعايش وازالة الْفَوَاحِش واصلاح المكاسب وايضاح الْمذَاهب وتبطيل الملاهي وتعطيل المناهي وتحسين العوائد وتمكين الْفَوَائِد وايجاد المراشد واعدام الْمَفَاسِد وَحفظ الاسعار والقيم وصون الاموال والعصم وابعاد اهل الريب والتهم وإبعاد أهل الظنن وإخماد نَار الْفِتَن وَمن جملَة مَا يلْزمه عمَارَة الطّرق وتنظيفها وتشييد جوانبها وترصيفها فانه متولى أوقافها والناظر فِي مصالحها ومصارفها وَيجب أَن يتولاها ويحافظ فِيهَا على شُرُوط واقفها مشمولا من الدولة بأنص عوارفها مجتنيا من النِّعْمَة من أَغضّ مقاطعها مُحْتَبِيًا من الْحُرْمَة فِي أَعلَى مراتبها معتليا من الْكَرَامَة فِي أسمى مراقيها مقتنعا بِمَا قرر لَهُ عَن الْخدمَة من وظائف المبرة ورواتب النِّعْمَة وسبيل الْوُلَاة والأمراء والشحن والنواب معاونته على مَا وليناه ومساعدته وتقوية يَده على مَا هُوَ بصدده وَإِقَامَة جاهه ومنصبه وإنجاح مقْصده فِي إنالة إربه وتنفيذ احكامه وتمكينه من نقضه وابرامه وموافقته على حبس من يرَاهُ وإطلاقه وإرهاق حد من نبا عَن الْحق ليمضي فِيهِ وارهاقه وتلبية دَعوته وإجابتها وإنالته بغيته وإصابتها وتقليده فِي مهذب التَّهْذِيب والتفويض اليه فِي مناهج التَّقْوِيم والتأديب وَالْعَمَل فِي جَمِيع ذَلِك بالامر العالي وَمُقْتَضَاهُ والاعتماد على التوقيع فِيهِ ان شَاءَ الله
منشور من انشائي لطبيب بحلب
لما كَانَ الْحَكِيم فلَان حرسه الله متفردا بصناعة الطِّبّ متوحدا فِي علمه مُنْطَلقًا فِي تَدْبيره بدرايته وفهمه مجربا لمداواة الامراض ومداراتها وَاقِفًا على أدلتها فِي مبادئها وغاياتها عَارِفًا بإماراتها ماهرا فِي تشريح الاعضاء وحالاتها عَالما بالعناصر الاربعة واستقصاءاتها ومتفطنا على الامزجة على اختلافها فِي أَوْقَات انحرافها واعتدالها
стр. 284
متمرنا بِالْوُقُوفِ على مَا يجب وَيَنْبَغِي لَهَا فِي حفظ صِحَّتهَا وإماطة اعتلالها فارقا بَين الطبائع الغريزية والغريبة نَاظرا فِي القوى الْآتِيَة مِنْهَا والمجيبة متوسلا فِي تسقيم السقيم وتقسيم الادوية بِحَسب الْعَوَارِض على القانون الْمُسْتَقيم وحماية الناقه بانقائه بالحمية حَتَّى يعود بوفور حِصَّة الصِّحَّة حَالي الْبَهْجَة بهيج الْحِلْية ذَا دراية بالجواهر وأعراضها والاجسام وأمراضها صناعَة طبية اكتسبها بتجريبه وَمهر فِيهَا بِحسن تَدْبيره وترتيبه وأمرناه بِأَن يواظب على الْخدمَة بقلعة حلب المحروسة لمداواة أَهلهَا وحيازة مرضاة مرضاها ومعالجة كل حَالَة بمقتضاها ومداواة أهل الْبَلَد على حسب مَا يكون فِيهِ من الْجلد لمن لابد من ملازمته وَلمن تتوفر الرغبات على حفظ صِحَّته وَقد قرر لَهُ مَا يُعينهُ على استثمار صناعته ويغنيه عَن سواهُ بمواظبته فليتول هَذِه الْخدمَة متوفرا على حفظ الصِّحَّة حَاصِلَة واسترجاعها بِمَشِيئَة زائلة مُقَابلا كل مرض بوزانه من قُوَّة الدَّوَاء مُسْتقِلّا بِمَعْرِِفَة الادوية المركبة والمفردة على تغاير الادواء صائغا فِي تركيبها وَدفع ضَرَر بَعْضهَا بِبَعْض فارقا بَين السَّرِيع والمتواتر والمتخلف والمنتظم فِي النبض مشفقا على الْأَعْضَاء الرئيسة والاجزاء النفيسة بإمالة الْخَلْط عَنْهَا قبل استفراغه والاضافة الى الدَّوَاء مَا يعين على ايصاله وابلاغه وترجيح الْأَمر فِي الْعرض الهائج هَل يستفرغ أَو يُبدل مزاجه وَالْفرق بَين مَا يدارى فَلَا يُحَرك ساكنه وَبَين مَا يُبَادر فيعاجل علاجه وَمَعْرِفَة الدَّوَاء الذى تنْحَل قوته بالطبخ أَو الدق وَمَا يصلح كيفيته بالتصويل والسحق والاطلاع على مَا يسهل ويمسك أَو يُؤْخَذ أَو يتْرك وَالنَّظَر فِي زِيَادَة الْخَلْط على مِقْدَاره الَّذِي يَنْبَغِي بتنقص ضِدّه عَمَّا يَنْبَغِي بفطنته وذكائه وَالِاجْتِهَاد فِي ملاطفة أَخْلَاق الْمَرِيض فِي دوائه وغذائه مُؤديا لامانته فِي كِفَايَته موفيا بالمحافظة على القوانين الصَّحِيحَة حق صناعته
واقتصرت على ذكر هَذِه المناشير الثَّلَاثَة لِئَلَّا يُفْضِي بطول الْكتاب وَفِي كل وَاحِد مِنْهَا فِي فنه مَا يتشوف اليه ذَوُو الالباب
ذكر بشائر بوقعات نصر فِيهَا الاسلام وَنحن بحلب من ذَلِك
وقْعَة بَريَّة بالفرنج على مَاء يعرف بالعسيلة ووقعة بحريّة فِي ظفر الاسطول وَذَلِكَ
стр. 285
فِي محرم سنة تسع وَسبعين وَشرح ذَلِك فِي كتاب من الانشاء العالي الْكَرِيم الفاضلي إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز يتَضَمَّن الوقعتين بعد ذكر فتح حلب ونسخته
أدام الله ايام الدِّيوَان الْعَزِيز وَلَا زَالَت منَازِل ملكه منَازِل التَّقْدِيس والتطهير وموالاته وَسِيلَة التمحيص والتكفير ومواقف الاولياء بِبَابِهِ مَوَاطِن السُّجُود والتعفير وَالْولَايَة من قبله عَلامَة التَّمْلِيك والتأمير وَالْوُقُوف بأقصى المطارح من ترابه مُوجب التَّقْدِيم والتصدير وآيات نعم الله فِي وجوده وَاضِحَة تغني فِيهَا الالباب عَن التَّبْيِين وَالتَّفْسِير وَالْأمة مَجْمُوعَة الشمل بإمامته جمع السَّلامَة لَا جمع التكسير وَالْخَادِم يُنْهِي ان الذى يحملهُ على مَا يحملهُ الى الدِّيوَان الْعَزِيز من كتبه ويندبه من رسله ويجيب بِهِ دَاعِي طبعه فِي الْوَلَاء المسترسل على سجيته المنبعث فِيهِ على رسله أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن الذى يفتتحه من الْبِلَاد ويتسلمه إِمَّا بِسُكُون التغمد اَوْ بحركة مَا فِي الاغماد إِنَّمَا يعده طَرِيقا إِلَى الاستنفار الى بِلَاد الْكفَّار واما يحسبه جنَاحا يُمكنهُ من المطار إِلَى مُلَابسَة الْكَفَرَة من الاقطار وَالثَّانِي إِعْلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ ان تقليداته وتقليد آبَائِهِ الطاهرين اذا صدرت عَنهُ وعنهم قُرِئت وَمَا عصيت ونفذت وَمَا نبذت فَيعلم ان لَهُ عبدا ممتثل امْرَهْ وَيلْزم النَّاس بامتثاله وخادما يُطِيع حكمه الْجَلِيل وَيحكم على غَيره بِطَاعَتِهِ واجلاله وَإِلَّا فَكَانَ من الْوَاجِب ان يذخر بريده الَّذِي يبرده ويلجم القَوْل الَّذِي يُورِدهُ ويدع الحَدِيث الَّذِي يصوغه سنّ الْقَلَم والنور الذى يقتدح مِمَّا يَقْتَضِيهِ المداد من الظُّلم لخَبر عَن الْكَافِر لَا تلغى شمس معجزته يدا فِي كَافِر وَلِحَدِيث عَن الْبَيْت الْمُقَدّس ينْتَظر النَّاظر بسفور صَاحبه السافر وَذَلِكَ بِمَشِيئَة الله غير بعيد من لطف الله بديع وَغير عَزِيز عِنْد قدرَة الله الْكَافِر بهَا غير عَزِيز وعَلى هَذِه التقدمة فَهُوَ يستفتح هَذِه الْخدمَة بِذكر ظفرين للاسلام بري وبحري شَامي ومصري أَحدهمَا وَهُوَ البحري عود أحد الاسطولين اللَّذين اغزاهما أَخُو السُّلْطَان
следующие страницы →