← История

История · id 6628

البرق الشامي

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (324 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَمَتى ينقص ثَانِيَة فَلَا نقص يَبْدُو فِي بناه المحكمة عري عجمي نصفه كُله معنى لمن قد علمه وَإِذا ساهم فِي تصحيفه لَك بَاقِيَة قدم أَن تفهمه وَهُوَ إِن شاءهم لكنه فِيهِ إِيضَاح لهندي المبهمة ... واقترح عَليّ فِي اسْم بلق فَقلت (الرمل) اسْم من قد ركب الأبلق كي يتَعَدَّى ظَاهر فِي فرسه وَهُوَ قلب الْقلب ابغي قلبه فَأَنا من أجل ذَا هوسه وَمَتى اسكن فِي جنته مستمدا رِيحهَا من نَفسه ... وأوردت هَذِه اللمْعَة لأعْلم أَنِّي مَا خلوت فِي ظغني واقامتي مِمَّن يستجدي غمامتي ويستليم ملامتي وينتشي من مدامتي ويهتدي مَا ينشوه من فضيلتي وَكَانُوا لتوفير موادهم وتسفير جوادهم يوفرون مودتي ويعتصمون بعصمتي ويأمنون فِي حرم حرمتي ويجرون فِي مكر مكرمتي وَحسن عيشة وحسنى شيعَة ومراعي متشعبة وشعاب مريعة ورياض وسيعة وشيعة (وَمَا زلنا نسير) حَتَّى وصلنا الى دمشق يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال فَاسْتقْبلنَا أَهلهَا بنعم ذَات نوال وأمدونا من فواكهها برخائص وغوال وَاسْتقر بِنَا النَّوَى لكل نوال وَقدمنَا إِلَى حوالي أَحْوَال وجددنا الْعَهْد بلقيا أصدقائنا من أريب وأديب ونجيب وحبِيب ومتصرف ومتطرف وَأمين وأمير ووال فَأول مَا فتحت بِهِ عَيْني واستفتحت بزينته زيني وأكدت بعقده ديني وَأديت بنقده ديني كتاب كريم فاضلي وصلني من مصر يتشوقني فِيهِ ويشوقني الى معاليه وَكَانَ قد أَقَامَ بعد السُّلْطَان وَاسْتَأْذَنَ فِي الْحَج فِي السّنة الْقَابِلَة وَقَامَ الْملك الْعَادِل سيف الدّين نَائِبا فِي المملكة بالسير العادلة

стр. 37

ونسخة الْكتاب الْكَرِيم الفاضلي إِلَيّ بِخَطِّهِ تَوَجَّهت حَضْرَة سيدنَا القَاضِي الْأَجَل الإِمَام الصَّدْر الْعَالم عماد الدّين فَخر الْإِسْلَام مجد الْعرَاق صفوة الإِمَام ذِي البلاغتين وَمَا بَين ذَلِك من النعوت الَّتِي لَا تستوعب أوصافها وَلَا توجب أنصافها وَلَا تلف أقطار محاسنها وَلَا تجمع طرفها وأطرافها أمتع الله ببقائها وَزَاد فِي علائها وضاعف مواد حبائها وَلَا أخلى مِنْهَا عُيُون وَقُلُوب أحبائها وَلَا فسخت روائع الدَّهْر عُقُود احتبائها وكأنما صدف بوجهها وقلبها وأعرضت برسلها وكتبها وأوجفت بخيل القطيعة ورجلها وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا من الْمَوَدَّة وتخلت عَن حملهَا وَلَو أَنَّهَا استصحبت الْقُلُوب الشيقة وَتركت الصُّدُور الضيقة لما جَازَ أَن تطالب بِحَق قد مطلت بِهِ وألطت وَلَا أَن يحاكم إِلَى عدل وركائب نَوَاهَا بعد أَن حطت (وَلَكِن طلابيها لما فَاتَ من عَقْلِي) مَعَ أَن مكاتباتها عَن الْمجْلس العالي الملكي الناصري أعز الله أنصاره ومهد مقاره يشْعر من سَلامَة نصبتها وجملتها وَحُضُور خواطر بلاغتها وانجاد حَاضر بديهتها واستقلال ركائب الأقلام مَا حدا حاد من براعتها بِمَا يُوجب تَارَة فَرح الشُّكْر وَتارَة مرح السكر وَيعلم بِأَن الْبَحْر لَا يخْشَى عَلَيْهِ إملاق ذخائر الدّرّ وَلَقَد تضاعفت المسرة بِمَا تجدّد لَهَا فِي هَذِه السفرة من ثُبُوت الجأش ومضائه وبراءتها من أثر كرب الْخَوْف ورحضانه فأبقت الأقلام حجَّة ظَاهِرَة على السيوف كَمَا أبقت فِي الأسماع حلية زايدة عَن الشنوف وَمَا من جمَاعَة الأخوان وَالْأَصْحَاب الا من يذكرهَا ذكر الهواتف النقاب والشوارف السقاب وَمن لَا يتعال الا بالجريدة وكشفها والخريدة ورشفها وتباهي باسمه المورد فِي وصفهَا وصفهَا وَمن لَا يزَال يقطف غض طرفها الَّتِي توجب على الهمم غض طرفها وَإِن تجدّد لَهَا متجدد عراقي أَو خراساني فَلَا تدفن فِيهِ النَّوَى وَلَا تكل على استتار الْأَخْبَار عَنْهُم بالندى وَالله الْخَلِيفَة عَلَيْهَا نفسا ومالا ومآلا وَجُمْلَة مِنْهَا الْحَاجِب إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ يزِيد الْجُمْلَة جمالا فَكتبت فِي جَوَاب تشريفه وأصف الْجَمَاعَة فِي مصر أعز الله نصر الْمجْلس العالي الأجلي الفاضلي ولي النعم وَمولى الْأُمَم ومولي الْكَرم وضاعف جَلَاله ورادف إقباله وساعف آماله وأوضح مناهج الْأَيَّام بمباهج أَيَّامه وانجح مني أهل الرَّجَاء باصفاء مناهل أنعامه وأدام مفاخر الزَّمَان بمفاخر زَمَانه وأطاب مَا ثره من مآثره واحسانه وَلَا أخلى إخلاف الْفضل من در أفضاله وَأحلى أَحْلَام

стр. 38

الْأَمْن من وافر الْيمن فِي وارف ظلاله وَلَا زَالَت الاماجد ناطقة الأفواه بمناقبة والمحامد دافقة الأمواه بمواهبه وسماء السماح هامية الْجُود همته وَجَنَاح النجاح محلقا على مطار المطالب فِي لحاق نعْمَته مَا تألق الفلق وتأنق المفلق ونضرت الحدائق وَنظرت الحدق الْمَمْلُوك يقبل ثرى التباعة ويتقيل ذرا الطَّاعَة ويقابل مورد الْمِثَال الملتثم والتشريف المبجل الْمُعظم بالاستكانة لقدره والاستنامة لفخره والتضاؤل لعزه والتظاهر بعجزه والتصاغر لعظمه والتفاخر بكرمه لَا بل تطاول بِطُولِهِ وحاول منال المنى لحوله وَمد يَد الأيد الى مدى آلائه وَأَجد قصد الْجد فِي صدق ولائه وشرى فِي أسواق الشّرف أَو سَاق الصَّنَائِع النصائع ودرى أَن النافق من بضائع الْفَضَائِل فِي فضائه لَيْسَ بنافذ وَلَا بضائع وَلما وصل إِلَى عتبَة العتب وقف خَاشِعًا خاسيا حائرا متلاشيا حَيْثُ حكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ صد بِوَجْهِهِ وَقَلبه وَأعْرض برسله وَكتبه وأوجف بخيل القطيعة ورجلها وَألقى مَا فِيهِ من الْمَوَدَّة وتخلى عَن حملهَا وَمن يثبت لخطب هَذَا الْخطاب أَو يقطع عتاب هَذَا الْعقَاب وَأي قدر لَهُ حَتَّى يردع أَن عتابا بالعتاب ويودع الجوى بِالْجَوَابِ وَكَيف يصد بِوَجْهِهِ عَن التَّوَجُّه الى قبْلَة الإقبال وَكَيف يُؤثر النَّوَى للبعد عَن ذَلِك النوال وَكَيف يعرض عَن الْبَحْر الزاخر وَالرَّوْض الزَّاهِر ويتعرض لجري الجداول وجنا الجنادل لقد وجد عَدمه بل عدم وجده وفللت جده وَكثر الدَّهْر عناده عِنْده فَأَما ترك الْمُكَاتبَة فِي الطَّرِيق مَعَ طوارقها وعوقها فِي عوائقها فَإِنَّهُ لما ثَبت جأشه وَنبت رياشه وَزَالَ ارتعاشه وَزَاد انتعاشه واستقل استيحاشه واستقال انكماشه مكْرها لَا بطلا وماثلا فِي السّير لَا مثلا فَبَقيت عِنْد روعه بَقِيَّة روع شغلته عَن الْفِكر فِي كل نوع إِلَى أَن ألْقى عَصا السّفر عَن عاتق الْخطر وَوضع ثقل الْغرَر عَن منْكب الحذر وخلع كسْوَة الْكسْوَة عَن رَقَبَة الْعقبَة وَوصل إِلَى الْمنزلَة المقتربة المرتقبة فَحِينَئِذٍ أراق دم دمشق فِي ذَلِك المدى من المدامع وتذكر الْقَاهِرَة الباهرة الزاهرة بداية حسنها وحسناها بالبدائع واستعار اسْتعَار الْجَحِيم لِقَلْبِهِ الشيق إِلَى تِلْكَ الْجنَّة وانهدت عَلَيْهِ أساس وساوس الْجنَّة وَلما ظفر بايناس باناس وناسه تأسف على مَا فَاتَهُ من نيل النّيل وسيل مقياسه وتذكر جَامع صلَاته ومجامع صلَاته ودائرة مركزه وَدَار تعززه

стр. 39

وخزانة كتبه وَكتبه خَزَنَة وَثمن الدفاتر وجهبذة وَزنه وَصُورَة ابْن صُورَة فِي الدفتر وصولة ابْن صولة فِي الْعَسْكَر وبنان ابْن بنان فِي الْمَوَاهِب ومضاء ابْن عُثْمَان فِي الرَّوَاتِب وشغف ابْن شكر بالشكر وَقَضَاء السدر برحب فضاء الصَّدْر والتردد إِلَى اللِّسَان ومحاسنه الحسان ثمَّ أضْرب عَن ذكر هَذَا كُله وَضرب عيه الأسى بكلكل كُله فَوجدَ حَظه من السَّعَادَة عَظِيما وَرَأى النَّدَم على مَا فَارقه من الْكَرَامَة لَهُ نديما وَأَنه صَاد صد عَن ورده مَعَ فرط الأوام ورد وَعَاد بِمَا عده من جِنَايَته على نَفسه فَمَا بلغ بِهِ حدا لعقوبة وان حد حِين فَارق ملاذ أمله ومعاذ عمله ومولي نعْمَته ومولي خدمته ومؤمل رجائه وموئل أنحائه وصائن وَجهه بِمِائَة بري رُوَائِهِ ومحيي بَقَائِهِ ومبقي حيائه وباني مجده وقاني حَمده وشافي غَلَّته وكافي علته إِلَى أَن تهي الأنفاس وتنتهي الأنقاس وَيقف الْقيَاس ويعجز أَن يصف النَّاس فَلَا يبلغ حصر فواضله البليغ الا بحصر وَلَا عد فضائله المتطاول الا عَن قُصُور قصر وَهَا هُنَا يقبض عنان قلمه عَجزا ويبسط عناء قلقه حفزا ويقتصر على الشُّكْر الَّذِي هُوَ فِي سكره وَالدُّعَاء الَّذِي هُوَ مُقيم لوظائف ذكره فِي صَحَائِف نشره وَهُوَ يأمل أَن يتشرف بالاستخدام وَيصرف فِي المهام وَيعرف مناجح الْمَقَاصِد ويرشف رضاب الرِّضَا من مراشف المراشد وَأما المتجددات من الْفَوَائِد العراقية والفرائد الخراسانية فَإلَى الْآن مَا حلت قوافل اسقاطها وَلَا حلت مقفلات اسفاطها وَلَا سرت ركائب برهَا وَلَا رست مراكب بحرها وَلَا ارزمته المهاري من رزمها وَلَا حزمت المهار بحزمها وَلَا صودفت أصداف دررها وَلَا شوهدت أَصْنَاف غررها بل هُنَاكَ غثاء من الغث للسيل وجفاء من الرث للذيل وَلم ير إِلْحَاق الحقاق مِنْهَا بالقروم ومل يرض خلط الْهِنْد مِنْهَا بالروم وَمَا لَهُ فرَاغ من شغل الْكِتَابَة بِحكم النِّيَابَة وَإِذا صرف طرفا من نظره إِلَى أَمر آخر كبا طرفه ونبا طرفه وَهوى هودجه وَمَا بهر بهرجه بل هُوَ يمشي أمره على ظلع وينشئ شعره على صلع ويلقي عَصا السّير وَلَا سير فِي عَصَاهُ ويدني بغاية جهده من الْمَطْلُوب أقصاه وَمَا دَامَت الهمة السامية بِهِ مكتنفة والحضرة الْعَالِيَة لَهُ مشرفة فَإِنَّهُ يسْبق الْقرح ويحقق الْفَرح ويحوي غلاب جرى المذكيات الضمر فِي مضمار الذكاء ويجتلي من العنايات المولوية مطالع أنوار ذكاء وَلَعَلَّه مَعَ استتمام الْكتب العراقية وسير رسلها يتَفَرَّع لإمتراء خلف الْفَوَائِد على رسلها ويوصل الذيل الى المجر والسيل إِلَى المجرى ويخص بالإطراء مَا هُوَ إطراء وَكَيف يحمل إِلَى هجر التَّمْر الَّذِي يدْفن فِيهِ النَّوَى أَو يقنع من نوال السَّعَادَة الْعُظْمَى بالنوى وَلَا زَالَ الْمولى رَافعا لأوليائه فارعا

стр. 40

لعلائه عَارِفًا حق المستعبد بعارفته والمستجد بعاطفته كاشفا ضرّ الرَّجَاء راشفا ثغر الثَّنَاء فارشا غرار النعم ناعشا عثار الْكَرم إِن شَاءَ الله تَعَالَى ذكر شرح مَا فِي الْكتب فَأَما مَا ذَر فِي الْكتاب الْكَرِيم الفاضلي من الجريدة وكشفها والخريدة ورشفها فَإِنَّهُ يُشِير إِلَى مَا صنفته فِي مصر على مِثَال يتيمة الهر من شعراء أهل الْعَصْر وسميته (كتاب خريدة الْقصر وجريدة الْعَصْر) إِلَى آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وأوردت فِيهِ من بعد سنة خمسماية وَهُوَ فِي عشر مجلدات ضخمة مُشْتَمِلَة على كل حكم وَحِكْمَة على أَرْبَعَة أَقسَام على نسق متناسب ونظام الْقسم الأول بَغْدَاد وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْعرَاق وَقد قدمتها بِالِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهَا مَدِينَة السَّلَام وَدَار الْإِسْلَام ومقام الْإِمَامَة المعظمة ومقر الْخلَافَة الممجدة المكرمة وَالْقسم الثَّانِي فضلاء عراق الْعَجم وخراسان وغزنة وأذربيجان وأرانية وَمَا وَرَاء النَّهر وَسَائِر بِلَاد الْبر وَالْبَحْر وَالْقسم الثَّالِث شعراء الشَّام والجزيرة والموصل وديار بكر وختمت هَذَا الْقسم بشعراء الْحجاز واليمن وَصَنْعَاء وزبيد وعدن وَالْقسم الرَّابِع يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا مصر وأعمالها وصعيدها وأسوانها وَالثَّانِي الْبِلَاد المغربية وأندلسها وقريبها وبعيدها ومهديتها وقيروانها وَتمّ هَذَا الْكتاب وَنسخت مِنْهُ نسخ وَلم يبْق لحكمه منسخ وَلَا لعقده مفسخ وتجدد بعد ذَلِك مَا تعذر بِهِ الالحاق وَتمكن مني على تَغْيِير وضع الْكتاب الإشفاق فشرعت فِي تأليف كتاب آخر أسميته ذيل الخريدة وسيل الجريدة ثمَّ شغلتني المهام السُّلْطَانِيَّة عَن اسْتِيعَاب ذكر المتجددين وَاسْتِيفَاء حَدِيث الْمُحدثين وَقد اجْتمع فِيهِ كثير وأسأل الله التَّوْفِيق لإتمامه فَإِنَّهُ قدير وَأما الْجَمَاعَة الَّذين ذكرتهم فِي كتابي فَإِنِّي ذكرتهم بِالْخَيرِ كَمَا هُوَ دأبي فَابْن شكر كَانَ يتَوَلَّى الدِّيوَان ويتولى الْوَظَائِف ابْن عُثْمَان وَكَانَ يتَوَلَّى بيع الْكتب بِالْقصرِ ابْن بنان ويكمل ويستوفي الْأَثْمَان وكل مَا اشْتَرَيْته مِنْهُ سامحني بِهِ السُّلْطَان وَابْن صُورَة هُوَ دلال الْكتب وعارفها وجاني ثمارها وقاطفها وَمَا لأحد صَنعته فِي ترويجها وتخريجها وتقويمها تَارَة فِي تقويمها حسب مُرَاده وتعويجها فَمن عني بِهِ أنجح أمله وذلل صعبه وسهله أَن بَاعَ أَو ابْتَاعَ لَهُ وَابْن صولة كَانَ وَكيل السُّلْطَان وَهُوَ رجل الزَّمَان وَاللِّسَان هُوَ الصُّوفِي الَّذِي سبق ذكر ضيافاته واناراته فِي لياليها وانافاته وَكَانَت دَاره

стр. 41

بِمصْر على النّيل فِي جوَار الصِّنَاعَة وَهُوَ مَعَ تصوفه وتصونه وتحمله وتجمله لَا يضن ببذل الِاسْتِطَاعَة وَطَابَتْ لي مصر فِي السنتين فاستوحشت لَهَا عِنْد الإزماع للبين وَمِمَّا نظمته فِي الشوق إِلَى مصر بعد مفارقتها (الرمل) سَاكِني مصر هُنَاكُم طيبها إِن عيشي بعدكم لم يطب لَا عدمتم رَاحَة من قربهَا فَأَنا من بعْدهَا فِي تَعب لَا تركت الغمض يغشى ناظري لَا وَلَا طيب الْكرَى يأنس بِي لَا وَأَيَّام اجتماعي بكم إِنَّهَا كَانَت زمَان الطَّرب أَنْتُم روحي وَأَنْتُم منيتي أَنْتُم سؤلي وَأَنْتُم أربي لَيْتَني لما دَعَا دَاعِي النَّوَى بِي من بَيْنكُم لم أجب وأنخت العيس فِي أبوابكم ولأجواز الفلا لم أجب وتصبرت على عتبكم وتلومت بِتِلْكَ العتب بعد الْعَهْد بأخباركم فَابْعَثُوا أخباركم فِي الْكتب لَيْت مصرا عرفت أَنِّي وَإِن غبت عَنْهَا فالهوى لم يغب فَمَتَى أظفر من قربكم يَا أخلاي بنجح الطّلب وَمَتى أحصل بالوصل على ال وَاصل المرتقب المقترب وَمَتى أطلع فِي أفقكم قمرا يجمع شَمل الشهب ... وَقلت فِي أثْنَاء أنشأته عَن السُّلْطَان (مُتَقَارب) تذكرت فِي جلق داركم بِمصْر فيا بعد مَا بَيْننَا وَمَا أَتَمَنَّى سوى قربكم وَذَلِكَ وَالله كل المنى يدل نسيمكم بالأريج عَلَيْكُم وبرقكم بالسنا لكم بالجناب وَطيب الْمقَام وَحسن النَّعيم بِمصْر الهنا فحثوا النسيم لإبلاغه سلامكم فِي النَّوَى لَا ونى ودلوا على الرّوح قلبِي فقد عناني لأشواقكم مَا عَنَّا وَإِنِّي فَقير إِلَى وصلكم وَمن نَالَ ذَلِك نَالَ الْغنى ...

стр. 42

وَقلت أَيْضا (الْبَسِيط) لَا أوحش الله من انسي بقربكم وَلَا أَرَانِي فِيكُم غير إيثاري وَلَا عدمتكم فِي كل نائبة حفاظ سري وأعواني وأنصاري فعندكم لَا فقدت الْبر عنْدكُمْ فرَاغ بالي وأوطاني وأوطاري يَا سَاكِني مصر قد فقتم بفضلكم ذَوي الْفَضَائِل من سكان أمصاري لله دركم من عصبَة كرمت ودر مصركم الْغناء من دَار ... واقترح عَليّ السُّلْطَان عمل أَبْيَات يكْتب بهَا إِلَى مصر فَقلت ... أيا سَاكِني مصر ألم تتحققوا بأنكم لم تَبْرَحُوا سَاكِني قلبِي حنانيكم زَاد الحنين إِلَيْكُم فأضعف من صبري وضاعف من كربي لقد أشفقت من لوعة الْحبّ مهجتي وَهل مهجة تبقى على لوعة الْحبّ وَلَو أنني أودعت شوقي كتبكم لخفت لقلبي محرقا وقده كتبي بِغَيْر الرِّضَا مني ببعد مزاركم رضيت بإهداء السَّلَام مَعَ الركب ... وَقلت (الْكَامِل) أشتاقكم شوق الظماء إِلَى الحيا ... واحبكم حب النُّفُوس حَيَاتهَا عَن غَيْركُمْ نَفسِي تلازم صَومهَا وبذكركم أبدا تديم صلَاتهَا مَا فاتها حَظّ الأسى لفراقكم إِن فاتها من وصلكم مَا فاتها لله مهجتي الَّتِي أَوْقَاتهَا بِالْقربِ مِنْكُم لم تزل أقواتها إِن كَانَ صبري قد عدمت ثباته فصبابتي لكم حمدت ثباتها يَا لَيْت أيامي الَّتِي قضيتها فِي قربكم قد عاودت أَوْقَاتهَا وغدت عُقُود مسرتي مَجْمُوعَة لَا تَسْتَطِيع يَد الْفِرَاق شتاتها الله يعلم أَن عَيْني بعدكم من شوقكم لم تستلذ سباتها أَنْتُم بِمصْر ذَوُو غنى من طيبها أَدّوا بذكركم الْفَقِير زَكَاتهَا ...

стр. 43

عَاد الحَدِيث ووصلتني مُكَاتبَة كَرِيمَة فاضلية جَوَابا عَمَّا كتبته إِلَيْهِ أَولا من الطَّرِيق تاريخها منتصف ذِي الْقعدَة ونسختها وقف عبد الحضرة السامية القضائية الأجلبية الْعَالم الصَّدْر لَا زَالَت بِعَين الله مَحْفُوظَة مكلوة وَلَا بَرحت حقائبها بذخاير الْبر مملوه وعرائس محاسنها على وُجُوه الإفهام مجلوة والطاف الله القوية كافلة لَهَا بِمَا لَا تصل إِلَيْهِ بالحول وَالْقُوَّة على كِتَابه الْكَرِيم الَّذِي تنزه طرفِي فِي موشى رياضة والقطت فكري من تضاعيفه الدّرّ الثمين من بياضه وكلفت خاطري الْإِجَابَة فمل يسْتَطع صرفا وَلَا نصرا وأنهضته فَجمع بَين الكبوة والكآبة فَقَالَ ألم أقل لَك إِنَّك لن تَسْتَطِيع معي صبرا وأمل مَا أخل فِيهِ بِالْمَقْصُودِ فَقَالَ إِذا لمته لَا تؤاخذني بِمَا نسيت وَلَا ترهقني من أَمْرِي عسرا أَنِّي لَك وَمن أنالك أَن تباري من جَاءَ بِالْفَضْلِ من حَيَّة وَقلت أنوار الشَّمْس أَن تستمير من نوره وَلَكِن من فِيهِ وَلَا تعش إِلَى محَاسِن يقصر عَنْهَا الأعشيان واطو اخلاسك عَن مجاراة من لَا يجاريه الطاءان وَلَا الصادان وَلَا ينوء بأثقال مباراته من نسب إِلَى تصنيفه النونان وَهل أَنْت الا كسير لَا تَسْتَطِيع نهضة رجل من الركاب وَلَا نهضة لِسَان مَعَ الْكتاب وَلَا نهضة يَد مَعَ الطلاب فاربع على غير مربع وطر بالأسى أَو قع وَعرف حَدِيث الْجمال الذاهبة وَالطَّرِيق الْمُبَارَكَة والسلامة الْمَوْهُوبَة والصحبة المشورة والخدمة المستتبة وَظَهَرت آثارها بالنظم المستحسن فِي الْكتب الشَّرِيفَة وَعِنْدهَا يُؤثر أَن يكون حَرِيصًا على أجلاب الْحَظ بِالْحَال لَا بالمقال وبيد الدَّلِيل فِي اجتلاب الحظوظ الَّتِي تقصر على اقتراحها وسوق الآمال الَّتِي يكبو زناد الطّلب دون اقتداحها وَقد كتبت فِيمَا أشارت إِلَيْهِ من الطّلب الرابضة ووفقت على نسخ الْكتب الشَّرِيفَة الأمامية صلوَات الله على من هطلت بركاتها من سحب مسائه وانبجست أنوارها من ينابيع آرائه وفيهَا بِحَمْد الله مَا يجمل الْمولى وَيَرْفَعهُ وَكَيف لَا يشرف من يعْنى بِهِ وَقد شرف بِهِ من يسمعهُ وَقد وقفت على الِابْتِدَاء وَأَنا مُتَوَقف الْوُقُوف على الْجَواب وَعِنْدِي من محاسنها عَسْكَر وَلَكِن مَا يَسْتَغْنِي مِنْهَا عَن فوارس الأعتاب

стр. 44

ووصلت مِنْهُ إِلَى السُّلْطَان إِجَابَة نسختها ورد على الْمَمْلُوك أدام الله أَيَّام الْمجْلس العالي الملكي الناصري وصره على أعدائه وَملكه أرضه بِعدْل حكم سمائه وَلَا أخلى من نعمتي خيرة وَنَظره قُلُوب وعيون أوليائه وأعز الْإِسْلَام وَرفع عَن أَهله الْبلوى بلوائه الْكتب الْكَرِيمَة الَّتِي تسر الناظرين بشعارها الْأَصْفَر وتبشر الْأَوْلِيَاء إِن كَانُوا غائبين مَعَ الْغَيْب بِأَن حظهم حَاضر مَعَ الْحَضَر وَقد كَانَت الفترة قد طَالَتْ أَيَّامهَا واستطالت آلامها والطرقات قد سبق الى الْأَنْفس اتهامها ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ وَأولى من النِّعْمَة مَا اشْترى الْحَمد عبدا بِلَا ثمن وَذَلِكَ من فضل اله علينا وعَلى النَّاس ووعد الله سُبْحَانَهُ منتظر إِذْ يَقُول فِي كِتَابه ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ وَصدق صلى الله عَلَيْهِ فِي قَوْله (إِن اخْتِيَار الله لِلْمُؤمنِ خير من اخْتِيَاره وان مواقع أمل العَبْد خير مِنْهَا مواقع اقضية الله وأقداره) فقد كَانَت حَرَكَة احْتَاجَت إِلَيْهَا الْبِلَاد الَّتِي انْفَصل عَنْهَا والبلاد الَّتِي قدم عَلَيْهَا أما المصرية مِنْهَا فبكونها على عدَّة من نجدته آجلا وَأما الشامية فبكونها على نقدة من نصْرَة عَاجلا فقد تماسكت من الْمُسلمين الأرماق وَقد انْقَطَعت من الْمُشْركين الْأَعْنَاق ... تهاب بك الْبِلَاد تحل فِيهَا وَلَوْلَا اللَّيْث مَا هيب العرين ... وَعرض الْمَمْلُوك جَمِيع مَا وصل إِلَيْهِ من مكاتبات الْمولى على الْعلم العادلي وأدركها تحصيلا وأحاط بهَا جملَة وتفصيلا وَالْمولى خلد الله ملكه وكل مَا أَشَارَ إِلَيْهِ من عَزِيمَة أبداها وَنِيَّة أمضاها فَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي أوضح الله لَهُ مسالكه والتوفيق الَّذِي قرب الله عَلَيْهِ مداركه وَمن أطَاع الله أطاعه كل شَيْء وَمن استخاره بَين لَهُ الرشد من الغي فَالله تَعَالَى يَجعله من كل حَادِثَة بنجوة وَيكْتب أجره فِي كل حَرَكَة وَنَفس وخطوة وَقد كَانَ الْعَدو خذله الله نَهَضَ وَوصل إِلَى صدر وَقَاتل القلعة قتال من

стр. 45

يجسها ويجوسها ويرتاد الأطماع فِيهَا فَوَجَدَهَا امْنَعْ من عِقَاب لوح الجو وَعَاد متخلف النِّيَّة مخلف النو وَكفى الله أمره وَصرف شَره وَوصل من الفرنج مستأمن وَأخْبر أَنهم كَانُوا يُرِيدُونَ الْغَارة على فاقوس فاستقلوا أنفسهم وتخرجوا الى هَذَا الْجَانِب وَلَو ألموا بفاقوس لَكَانَ الْعَسْكَر لَهُم مستعدا والنصر عَلَيْهِم من الله مستمدا وَقد ذكر أَنهم مضوا بنية تَجْدِيد الحشد ومعاودة الْقَصْد وَمن كَانَ الْمجْلس الناصري أَعْلَاهُ الله وَنَصره ظَهره فَمَا يَسُوق إِلَيْهِ الدَّهْر مَا يضيق صَدره وَلَا يُمكن الله مِنْهُ عدوا يزعج طرف عمله ومستقره فصل مِنْهُ الْمَمْلُوك ينْهَى أَنه على نسخ الْكتب العراقية الْمُبَارَكَة وَهِي دَالَّة على جميل النِّيَّة وَوُقُوع الاهتمام بِهَذَا الْجَانِب وَحمل الْهم بِمَا يجْرِي لَهُ مَعَ الْأَعْدَاء والمشاركة المشكورة فِي الشدَّة والرخاء وَأوجب أَن يتلَقَّى هَذَا الْإِحْسَان بغاية الِاعْتِدَاد ويجرد فِيهِ لِسَان الشُّكْر والاحماد ويوسع القَوْل فِي أَن الآراء الشَّرِيفَة هُوَ الْعدة والعمدة والمرجو فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والعاجلة والآجلة ويعجل إِعَادَة الرَّسُول فَمَا تكون كلفته الا وَاسِعَة والمطالب بإقامته الا مُتَشَتِّتَة فصل فِي ذكر من يخْتَار فِي الرسَالَة وشروطها وَمَا عِنْد الْمَمْلُوك أَنه يحْتَاج إِلَى رَسُول لِأَن الْهُدْنَة مَا يحْسب أَنه فِي الْحَاصِل مِنْهَا مَا يُرْضِي همة الْمولى وَإِن كَانَ لَا بُد من رَسُول فيلمح الْمولى من أمره النزاهة حَتَّى لَا يثقل تثقيلا لَا ينفعنا ويستثقل بِهِ من نفذ إِلَيْهِ وَالْعقل حَتَّى يعرف مَا يَأْتِي وَمَا يذر والصدق فَإِنَّهُ لَا رَأْي لكذوب والاستقلال بالْقَوْل فَإِن غيبَة الْحجَّة فِي وَقتهَا خذلان عَظِيم وَالْمولى يعرف كل من طلب سعى أَن يُقَال مَعَ مَعْرفَته خُذ فلَانا ودع فلَانا وَلَو أَن عندنَا غَرضا مهما لَكَانَ إنهاض الْفَقِيه قطب الدّين النَّيْسَابُورِي وَاجِبا لِأَن خدمته كَبِيرَة وصلته موفرة واسْمه مشهر ومعرفته ثاقبة فَلَا يعدل عَن استشارة ظهير الدّين فقد تجرد لقَضَاء الْحق الانصباب إِلَى هَذَا الْجَانِب والتشهر بمحبته والحطب فِي حبله

стр. 46

فصل مِنْهُ فِي معنى شرف الدّين بن عصرون وَكَانَ قد أظلم بَصَره وَحَدِيث قَاضِي دمشق لَا يعجل فِي أمره وَلَا يسْتَبْدل بِهِ بعد ظُهُور الْخيرَة فِيمَن تقدمه فالمنصب كَبِير وَجمع شَرط الِاخْتِيَار عسير وإيلام قلب رجل قد شَارف مُنْتَهى عمره مَعَ كَونه لم يظْهر مِنْهُ مَا يذم من أَثَره مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فصل مِنْهُ فِي وقْعَة الرملة ونوبة الْعَدو فِي الرملة فقد كَانَت عَثْرَة علينا ظَاهرهَا وعَلى الْكفْر بَاطِنهَا ولزمنا مَا نسي من اسْمهَا ولزمهم مَا بَقِي من غرمها وَلَا دَلِيل أدل على الْقُوَّة من الْمسير بعد شَهْرَيْن من تَارِيخ وقعتها الى الشَّام نَخُوض بِلَاد الفرنج بالقوافل الثَّقِيلَة والحشود الْكَثِيرَة والحريم المستور وَالْمَال الْعَظِيم الموفور فَالَّذِي تضمنه كتاب صَاحب منبج والحلبيين والمواصلة فَمَا هُوَ الا ظن توهمه أَو نقل ناقل يجب أَن نتهمه فَأَي سَبَب يحمل قوما قد أفردتهم الْأَيَّام بلذاتهم وَقَامَ الْمولى بَينهم وَبَين أهل معاداتهم يسهر وهم ضاجعون ويتعب وهم وادعون ثمَّ أَنهم قد جربوا ولدغوا وطلبوا فَمَا بلغُوا وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المرجم فصل مِنْهُ فِي ابْتِدَاء كتاب حاطه الله بِعَيْنِه وعونه وصان رِدَاء الْإِسْلَام من كل جاذب وحادث بصونه وَلَا أعدم اله الْخلق مِنْهُ مولى يعدمهم الاصعبين الْخَوْف والعدم وَلَا زَالَ ناقدا فِي الأمتين الْعَرَب والعجم المرهفين السَّيْف والقلم الْمَمْلُوك يبْدَأ فِي كل كتاب خطاب بشكر الله تَعَالَى على مَا وفْق سُلْطَان هَذِه الْأمة لَهُ من الصّلاح وَاسْتَعْملهُ بِهِ من الصَّوَاب فِي إِقَامَته هَذِه وَالظَّاهِر والخفي من تَدْبيره وأجراه على أَكثر من عاداته وأسكن الرعب فِي بقلوب عداته واستخدم أترابه مُلُوك الزَّمن وساداته وَأَرَادَ بِهِ الْخَيْر وَأَن يخَاف من أَرَادَهُ بِهِ رادا

стр. 47

عَاد الحَدِيث من أول دخولنا إِلَى دمشق وَلما دَخَلنَا إِلَى دمشق وجدنَا رسل الْخلَافَة قد وصلوا بِأَسْبَاب العاطفة والرأفة وَكَانَ حِينَئِذٍ صَاحب المخزن ظهير الدّين أَبُو بكر مَنْصُور بن نصر الْعَطَّار وَهُوَ من ذَوي الأخطار وَله التحكم فِي الْإِيرَاد والإصدار وَقد توفر على محبَّة السُّلْطَان وتربية رجائه وتلبية دُعَائِهِ وتسنية آرائه فوصل كِتَابه وَرَسُوله بِكُل مَا سر السرائر وَنور البصائر وَكَانَ الْكتاب بِخَطِّهِ وَقد جرى للتقرب فِي شوطه ووفى للتودد بِشَرْطِهِ وَلم يقبض فِي كل مَا يشْرَح الصَّدْر وَيرْفَع الْقدر عنان بَسطه واقترح على السُّلْطَان أبياتا يَكْتُبهَا إِلَيْهِ بِخَطِّهِ فَقلت مَا ضمنه الْكتاب ... وأفاض فِي شكر العوارف عَارِفًا بقصور بَاعَ الشُّكْر عَن نعمائه وَتَأمل الْخط الْكَرِيم فأشرقت أنوار حسن الْعَهْد من أَثْنَائِهِ وَجرى معِين الْجُود من تياره وسرى نسيم الْمجد من تلقائه أضحى ظهير الدّين أفضل صَاحب يسْتَمْسك الراجي بِصدق ولائه والسعد فِي آلائه والنجح فِي آرابه والنصر فِي آرائه ... وأنشأت إِلَيْهِ عَن السُّلْطَان كتابا بخطى ابتداؤه ضاعف الله عَلَاء الْمجْلس السَّامِي الظهيري وساعف بالنجح رَجَاءَهُ وَأَرْدَفَ بالمنح آلاءه وَلَا أخلى الْأَيَّام من التجلي بأنوار حَسَنَاته والتحلي بأضواء مكرماته والتملي بأنواع مبراته وَلَا زَالَت أطواق المنن مِنْهُ لأعناق المنن لَازِمَة ومباسم المحامد عَن ثنايا الثَّنَاء على غر مفاخرة وزهر مآثره باسمة ونفحات مكارمه لمناشق المنى بعرف المناجح وَعرف المناجح فاغمة ومعاطس عداته بطوراق الردى من صواعق الصغار وبوارق الْبَوَار راغمة وَلَا بَرحت مقانب مناقبه لسرايا الْحَمد مجهزة ومراقب مراتبه لتوقل مطامح الأمل إِلَى أمده معْجزَة ونصائع صنائعه لذخاير شكر الأخاير محرزة وحوالي الْأَحْوَال بسنا محاسنه ومزايا مزاينه معلمة مطرزة مَا همى صيب وهام صب وأرج طيب وراج طب ووردت الْمُكَاتبَة الْكَرِيمَة المفداة والتكرمة الأثيرة المهداة والمكرمة الخطيرة المسداة والعارفة العارفة حق الْوَلَاء والموهبة الواهبة نجح الرَّجَاء والْمنَّة المضعفة منَّة الشُّكْر

стр. 48

والمنحة المضاعفة جنَّة الْفَخر والمكتوب الَّذِي باح مَكْتُوبَة بسر الخلوص وفاح مكنونه بنشر الْخُصُوص وعذبت مناهله من منابع الصفاء ورحبت مَنَازِله من مناهج الْوَفَاء واشتمل على رائقات تغبطها الشمَال والشمول وشائقات ينشطها الإقبال وَالْقَبُول فَيلقى وَارِد الْكمّ الْوَافِد بِالنعَم الصَّادِر عَن صدر الْأُمَم الطَّاهِر النسيم مَالك السَّيْف والقلم بالتقبل والتقبيل والتعظم والتبجيل والإجلال وَالْإِكْرَام والامتثال والالتثام وَوَافَقَ مقدم الْمُكَاتبَة الْكَرِيمَة مقدمه إِلَى الشَّام فاتخذه فألا لَا مراع مُرَاد المُرَاد وَأَدْنَاهُ مرامي الرسَالَة والنبوة الوصلين بالكرامة المحبوبة المحبوة واستفتح مباكرة نصائحه الْمُبَارَكَة واستدر أخلاف الألطاف المتداركة وَاسْتمرّ على عَادَته فِي استمراء التهاني واستقراء الْمعَانِي وإطراء معالي الْمجْلس العالي وأطراف الأسماع والقلوب بالثناء الَّذِي تنجلي بِهِ الْأَيَّام والليالي وَمَا يشك فِي كل مَا وقف عَلَيْهِ وَعطف إِلَيْهِ من صدق عقيدة وَعقد صداقة أكيدة ومودة وافرة الْموَاد وافية الْموَات ومصافاة أَحيَاء مواتها بموالاة حَيَاء الْمُوَالَاة فضميره الْكَرِيم الْمنور الْمُقَدّس الشفاف الْجَوْهَر مطلع بفراسة نور الْإِيمَان على مَا عِنْد عَبده من الود الْمُقَرّر وَالضَّمِير المطهر والصفو الَّذِي لَا يتكدر والعهد الَّذِي لَا يتَغَيَّر وكل مَا يَشْمَلهُ من إنعام المواقف المقدسة لَا زَالَت مضَارب عزمها نَافِذَة المضاء وذوائب عزها آخذة فِي الاعتلاء فَهُوَ من الْمجْلس السَّامِي أسماه الله وصادق اهتمامه وسابق إنعامه فصل فِي وصف الْحَال وَقد أحَاط الْعلم الْكَرِيم بِمَا دهم الشَّام من تولي الخصب وتوالي الْقَحْط وَخُرُوج الْأَمر بِسَبَب ذَلِك عَن الضَّبْط وَقُوَّة أطماع الفرنج فِي الْأَطْرَاف وطروقها لظن الاستضعاف حَتَّى أَقَامَت على حارم مُدَّة طَوِيلَة وَمَا غادرت فِي مضايقتها ومحاصرتها مكيدة وَلَا حِيلَة فَاقْتضى الرَّأْي تَقْدِيم الْمسير لسرعة النفير والإشفاق على الْإِسْلَام من الْخطب الخطير وَكَانَت الفرنج تستبعد من مصر النجدة وَتكذب أَن الله قد أعد لِلْإِسْلَامِ بعسكره النَّصْر الْمعدة حَتَّى أيقنت مِنْهُ بِصِحَّة الْعَزِيمَة فَأخذت فِي أهبة الْهَزِيمَة وأظهرت الجنوح إِلَى السّلم فهادنها الحلبيون قبل أَن يحصلوا من قدومه بِالْعلمِ واتصل الْخَبَر بِهِ بعد انْفِصَاله عَن الديار المصرية وَأَنَّهَا قد انفصلت وَأَنَّهَا من رَجَب إقدام الْعَسْكَر الإسلامي بقدومه ترحلت عَن حارم وأجفلت وَمَا فَارق الْبِلَاد المحروسة هُنَاكَ حَتَّى أحكم أسوارها وأوضح فِي مطالع الحوطة أنوارها وسد ثلمها وشفى سقمها وَحمى أكنافها وحصن أطرافها وأجرى مَاء الْأَمْن فِي جداولها وأعشى عُيُون الأسواء عَن سواحلها وَفرق على نَوَاحِيهَا عساكرها وأصفى من الشوائب مواردها ومصادرها وجهز الأساطيل المنصورة فِي الْبَحْر الى مراكز الْأَعْدَاء لتباشرها وتحاصرها وَتَأْخُذ

стр. 49

بجرائرها جزائرها فقد فرغ الْقلب بِالْكُلِّيَّةِ من شغل تِلْكَ الْبِلَاد فَهِيَ مشحونة بِالْحُمَاةِ الكماة من الأنجاد الأجناد واستؤنف الْآن تَدْبِير هَذِه الْبِلَاد الشامية والثغور الإسلامية وَالْجمع بَين حفظهَا وخفضها المرجو فصل فِي وصف الْقَحْط فَإِنَّهَا أشفت من الجدب واشتكت من الكرب وأخلفت بهَا أخلاف السحب وَلم تبك عَلَيْهَا عني الودق وَلَا خَفق لإخفاقها قلب الْبَرْق وَلَا بكتب سماؤها بالأنواء وَلَا ضحِكت أرْضهَا بالنوار وَلَا اهتزت بهَا أعطاف الأزهار وَلَا استدرت لرواضع بناتها أطباء الوابل المدرار وَلَا لَاحَ فِي صحاريها سنا السنابل وَلَا زمجرت فِي نَوَاحِيهَا رواعد الهواضب الْحَوَامِل فافتقرت عِنْد فقد عهاد الْحيَاء إِلَى إحْيَاء التعهد واستعاضت سماح الْجُود لَهَا عَن جود السَّمَاء للتفقد فعني بهَا ليعجل غناها وَيحصل مناها ويتدارك ارماقها ويمري بِالْخَيرِ أفاويقها ويجلو بالبشر آفاقها وَلَو اشْتغل فِي هَذِه السّنة بِجمع العساكر وحشد الْكَتَائِب واستدعاء إمداد الأجناد إِلَيْهَا من كل جَانب لسامها ثقلا يبهظها وكلفها إصرا يحفظها وَلَا يحفظها وغرامات تستنفد ذخائر أقواتها وخيولا تَأتي فِي الرَّعْي على زَرعهَا ونباتها فَهُوَ مشتغل بتربيتها وتقويتها بتقويتها وغهداء الإعتدال لمزاجها واماطة الاعتلال بعلاجها عَن منهاجها وَإِذا قويت الْبِلَاد فِي هَذِه السّنة واستعد الأجناد للأنجاد استفتح بعون الله فِي الرّبيع بِفَتْح الْبَيْت الْمُقَدّس وسارع فِي أَدَاء فَرِيضَة الْجِهَاد وإحراز فضيلته ببذل الْأَنْفس من الْأَمْوَال والأنفس وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يخلي الفرنج فِي هَذِه الْمدَّة من شن الغوار والمسارعة إِلَى الْحُلُول بدارها على البدار وَالِاجْتِهَاد فِي اطلَاع قمر النَّصْر للْجِهَاد من أوج الإبدار لَا زَالَ الْمجْلس السَّامِي عَارِيا من الْعَار كاسيا من الفخار أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَمن كتاب عَن السُّلْطَان إنشائي إِلَى الدِّيوَان والوزير عضد الدّين أَبُو الْفرج بن رَئِيس الرؤساء لَا زَالَت الْأَيَّام بآلاء أيامنه متباهية والأقدار فِي إِمْضَاء أَحْكَامه متناهية

стр. 50

وسعود الْأَوْلِيَاء بأنوارها فِي سلك الهلك ومسلك الهبوط واهية مَا جد ماجد للهدى وجاد وَاجِد بالندى وَذَادَ رَاع ورعى ذود وأجدى حَيا وأحيى جود فصل ورد الْمِثَال الشريف العالي الْمشرق بأنوار الْمَعَالِي المشرف اخلص الموَالِي المسعف بِالْإِحْسَانِ المتوالي عَالِيا فِي سَمَاء السماح بثواقب المناقب ونواصع النصائح حاليا بمزايا المزاين ووصايا المحاسن المظفرة الطَّلَائِع المنورة الْمطَالع فَاسْتقْبل الموهبة لمطلعه الْمُنِير وموقفه الْأَثِير بعرفان قدرهَا وإدمان شكرها والإذعان لأمرها والإعلان بسر نشرها ورفل فِي ذيل الفخار لوروده وسفر عَن وَجه الاستبشار بسعوده وَاجِد لَهُ ثوبا من الابتهاج لَا تعبث بِهِ يَد الانهاج وافاض فِي الشُّكْر بِلِسَان لم يزل بِذكر محامده وَنشر مفاخره كثير الالتهاج فصل مِنْهُ وَلما صَادف مقدم الْمِثَال الْعَزِيز مقدمه تيمن بفأل إقباله وجلالة جَلَاله حوالي أَحْوَاله وتلا بتلألؤ آلائه وتتالي نعمائه آمالي أماله وَوجد سفرته إِلَى الشَّام عَن صبح النجاح وَوجه الْفَلاح مسفرة سافرة وألفى ظلال الْعِزّ وسجال النعمى بطالع شمسه وهامر مزنه وارفة وافره وَمَا اِسْعَدْ نهج من طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ نهجه القويم وسننه اللاحب وخلوص ولائه وخصوص وفائه وَوَصفه اللَّازِم ودأبه اللازب وَمن إمارات سعادته فِي قدومه افتتاحه بِرُؤْيَة الرُّسُل القادمين من مقرّ الرسَالَة ومقام الْجَلالَة وانشراح صَدره وانفتاح امله فِي أمره بجلية تِلْكَ الحاله فصل فِي ذكر وقْعَة الفرنج بحمص اتّفق عِنْد عبورهم على ثغر حمص حماه الله ظفر ابْن الْعم نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بالفرنج الْمُغيرَة واستيلاء يَد الْأسر على الْعدة الْكَثِيرَة والتدمير على أَكْثَرهم بالسطوة المبيدة المبيرة وَإِن الفرنج أباد الله جمعهم وأبد قمعهم شنوا غَارة على غرَّة وطلبوا بهَا حُصُول معرة وشمول مضرَّة فَعرف نَاصِر الدّين وَكَمن لَهُم على طريقهم وَنصر الله على فريقهم فَلم يفلت فَارس الا وَهُوَ مفروس وَلَا طالع الا وَهُوَ منحوس وحظه مبخوس واشتمل حَبل الأسار على عدَّة من الفرسان المعروفين وَقتل الْبَاقُونَ بِسيف أَوْلِيَاء الله الْمُؤمنِينَ الْمُجَاهدين وَهَذَا كُله من بَرَكَات ميامن أَيَّام أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 51

فصل فِي محاصرة الفرنج قلعة حارم وَذكر قلعة حارم وَمَا بعث الْخَادِم على قصد الشَّام فِي هَذَا الْعَام إِلَّا الاهتمام بمهام من جُمْلَتهَا ربوض الفرنج بحارم حماها الله تَعَالَى ونزولهم عَلَيْهَا واصحارهم للمحاصرة وَعظم مصابها بالمصابرة وَكَانَت فِي مضايقة لَهَا وضائقة بهَا ومنازلة اياها ونازلة بِسَبَبِهَا حَتَّى أقوت فِيهَا قواها وأقفرت مِنْهَا مناها وَوجدت حارما لحظها حارمة وَبقيت مُدَّة اربعة أشهر وَهِي تصيح كل يَوْم وتمسي لعدة من فارسها وراجلها عادمة وَكَانَت مَعَ ذَلِك بفنائها رابضة وَإِلَى قتالها ناهضة ظنا مِنْهَا أَن النجدة الإسلامية تبعد وَأَن الْفرْقَة الْمُوَحدَة عَن إِدْرَاك ثأرها من الفئة الْمُثَلَّثَة تقعد فَلَمَّا أحسوا باس الْعَزِيمَة أخذُوا فِي أهبة الْهَزِيمَة وجنحوا مَعَ الحلبيين الى السّلم ليسلموا وطلبوا مِنْهُم عقد المهادنة قبل أَن يعرفوا قدومنا ويعلموا ورحلوا عَنْهَا قانعين بالمصالحة لحفظ الظَّاهِر وَلَو أَقَامُوا خطب بنصر الْهدى على مَنَابِر طلاهم خطباء البواتر وَوصل خبر انفصالهم إِلَى الْخَادِم وَقد إنفصل عَن الْبِلَاد المحروسة المصرية وأغذ السّير على الْبَريَّة وَكَانَ من أقوى أَسبَاب الْمسير مَا اقتضته النّوبَة الْجَارِيَة من سرعَة النفير فصل مِنْهُ فِي تَرْتِيب الْأُمُور بِمصْر قبل الِانْفِصَال وَمَا فورقت تِلْكَ الديار المصرية إِلَى أَن قويت ثغورها وترتبت أمورها واسهلت وعورها وشكر من الْعدة وَالْعدة بهَا وفورها وحصنت أطرافها وحميت أكنافها واعترت أعطافها وصفت من كل شَائِبَة وشانية نطافها ووظفت على مَوَاضِع العوارف عساكرها وجهزت الأساطيل المنصورة الَّتِي تباشر الْأَعْدَاء فِي بلادها وتحاصرها وتراصد المراكب المبكرة من وَرَاء الْبَحْر وتباكرها وبمصر الْيَوْم جند لَهُم من نصر الله جند وَأَخُوهُ عَنهُ نَائِب مَاض لَا يفل لَهُ حد وَمَا سَار عَنْهَا حَتَّى شحنها بِالرِّجَالِ الحماة والأبطال الكماة والأجناد الهداة والأنجاد الْغُزَاة وَأمن من فِيهَا عَادِية العداة ومكايد الْبُغَاة وغوائل الطغاة وَالْقلب من شغلها فارغ والأمن فِي ظلها سابغ وَالله لأمرها فِي أدالتها ونصرها بَالغ ولأعدائه بأعدائها وقهرها دامغ فصل مِنْهُ فِي ذكر مَحل الشَّام والاعتذار بِهِ وَلَوْلَا أَن الشَّام فِي هَذِه السّنة المجدبة لَا يحمل العساكر الثَّقِيلَة وَلَا يقبل إِلَّا الفئة القليلة لوقع الشُّرُوع فِي الْغَزْو المشرعة لهاذمه إِلَى نحور عداة الدّين لطلب

стр. 52

ثأرها المشرعة صورامه فِي إحراق حطب هام الْمُشْركين بلهب نارها المؤذنة لأولياء الله كتائبه بالنصر الْمَاضِي النصل المعلنة فضائله القَاضِي بِالْفَضْلِ لَكِن الْبِلَاد لتوالي جدبها وتولي خصبها واستمرار محلهَا واغترار محلهَا وتصويح نباتها وتصريح اسناتها وَتعذر الْأَوْقَات فِي أَوْقَاتهَا وتكرر الْحَاجَات فِي سنواتها مفتقرة إِلَى تلافي ذمائها وتدارك شفائها من دائها وَحفظ رمقها وإعادة رونقها وَإِزَالَة رنقها واراحة فرقها بِالْخصْبِ وإزاحة فرقها من الجدب وَفِي وُصُوله إِلَيْهَا هَذِه السّنة مَنْفَعَة تَامَّة ومصلحة عَامَّة وآنسة لشمل أَهلهَا ضامة حَتَّى تكْثر زروعها وتثمر أُصُولهَا وفروعها وتستدر ضروعها وتلتئم فِي كنف الْحِفْظ وظل الدعة جموعها وَمَعَ مَا بهَا من الإفتقار إِلَى ذهَاب بوسها وإبدال الْبشر من عبوسها وإهداء النَّمَاء والزكاء إِلَى زروعها وغروسها وإبقاء أرماقها والمحافظة على حشاشات نفوسها لَا تحْتَمل حشد العساكر الكثيفة اليها وَلَا تفي بِجَمِيعِ العساكر المقيمة عَلَيْهَا وَلَا تكفل علالات غلاتها وصبابات أقواتها بأثقالها وَلَا تؤذن نوافذ أَمْدَاد الأجناد الى بلادها إِلَّا بِضعْف حَالهَا وَضعف أمحالها فَهُوَ يجْتَهد فِي تَقْوِيَة بِلَاد الشَّام فِي هَذَا الْعَام وَيكثر بهَا الدخائر لِلْإِسْلَامِ وَمَعَهُ من الْعَسْكَر الوافي وَالْعدَد الوافر مَا يكفل بسد الثغور وَضبط الْأُمُور وَحفظ الْأَطْرَاف والأوساط وإبرام معاقد الاعتزام واحكام قَوَاعِد الِاحْتِيَاط ويأمل ببركات اعتزازه بالاعتزاء إِلَى الْعُبُودِيَّة بالمواقف المقدسة الأمامية المستضية أَعلَى الله فِي الْخَافِقين خافقات بنودها وأعلامها وأنار فِي المشرقين والمغربين مشرقات سعود أَيَّامهَا أَن يسْتَقْبل فِي الرّبيع الْقَابِل اسْتِدْرَاك مَا يتَأَخَّر فِي هَذِه السّنة من أَمر الْجِهَاد ويضاعف فِي هَذِه الْمدَّة قُوَّة الأجناد وَآلَة الاستعداد ويستفتح الْعَزِيمَة حِينَئِذٍ بِفَتْح الْبَيْت الْمُقَدّس وَجَمِيع السَّاحِل ويخطب بألسنة الأسنة محصنات الْحُصُون وعقائد المعاقل ويقصي من الْمَسْجِد الْأَقْصَى عَبدة الصلبان ويطهر من أرجاس اولئك الأنجاس بيُوت الرَّحْمَن ويطفىء بمودوعات جداول حمد أولي الأغماد من مياه القضب الْحداد نيران أنفس أهل الشّرك والعصيان وَالله منجز وعده ومظفره ومظهره ولينصرن الله من ينصره على أَنه لَا يخلي فِي هَذِه الْأَشْهر عزمه من نكاية فِي الْأَعْدَاء وَشن غَارة عَلَيْهِم وانقاذ سَرِيَّة اليهم ويشغلهم بِمَا يضدهم عَن قصد ويردهم ويصدفهم عَن مكر وَكيد

стр. 53

ويوقع بأسهم بَينهم ويقرر من التَّدْبِير فِي التدمير مَا يقرب حينهم ويقر الْهدى بارداء العدى عينه وَيَقْضِي بِمَا يتقاضاه من موعد النَّصْر دينه وعوارف السدة الشَّرِيفَة يحقوق طَاعَته عارفة وعواطفها الْكَرِيمَة وبركاتها لعزمته وهمته كانفة ذكر مُكَاتبَة فاضلية وصلت بالهناء بمولود اسْمه دَاوُد وَكَانَت وِلَادَته فِي السَّاعَة الرَّابِعَة من لَيْلَة الْأَحَد لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين ونسختها الْمَمْلُوك يقبل الأَرْض بالْمقَام العالي الناصري نصر الله الْإِسْلَام بمقامه وَأهْلك أَعدَاء الْحق بانتقامه وَلَا أعدم الْأمة المحمدية عقد الْتِزَامه بكفالتها ومضاء اعتزامه يهنىء الْمولى بِنِعْمَة الله عِنْده وَعند الْإِسْلَام وَأَهله بِمن زَاده فِي وَلَده وكثره فِي عدده وَهُوَ الْأَمِير ابو سُلَيْمَان دَاوُد أنشأه الله نشو صالحي خلقه وَجعله من أنصار حَقه كَمَا جعل أَبَاهُ وَأَهله من أنصار حَقه وَكَانَت وِلَادَته فِي السَّاعَة الرَّابِعَة من لَيْلَة الْأَحَد لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَمن الله بِكَمَال خلقه ووسامة وَجهه وسلامة أَعْضَائِهِ وتهلل غرته وابتسام أسرته وَدلّ بِهِ على أَن هَذَا الْبَيْت الْكَرِيم فلك الْإِسْلَام لَا تطلع فِيهِ إِلَّا البدور كَمَا دلّ على عناية الله بِأَبِيهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور﴾ وَطَرِيق الْمولى هَذِه فقد توالت فِيهَا البشائر وَنصر الله فِيهَا بالطاف أغنت بلطف الخواطر عَن قُوَّة العساكر واشتملت عَلَيْهِ فِي الْغَائِب من أمره والحاضر ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ وَكَيف يحصيها المحصي ويحصرها الحاصر أيحيط من يفنى بِمَا لَا يفنى فَالْحَمْد لله الَّذِي كتب الْمولى إِلَى أوليائه وكتبهم إِلَيْهِ مبتسمة عَن المسار ناطقة بأطيب الْأَخْبَار منكشفة أسرارها عَمَّا يروح الْأَسْرَار وَهَذَا الْوَلَد الْمُبَارك هُوَ الموفي لإثني عشر ولدا بل لإثني عشر نجما متوقدا فقد زَاد الله فِي أنجمه عَن أنجم يُوسُف ﵇ نجما ورآهم الْمولى يقظة وَرَأى تِلْكَ الأنجم حلما ورآهم ساجدين لَهُ ورأينا

стр. 54

الْخلق لَهُ سجودا وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَادر على أَن يزِيد جدود الْمولى إِلَى أَن يراهم آبَاء وجدودا وَله إِلَيْهِ فِي صفة مَوْلُود وَهَذَا السَّيِّد الْجَدِيد والنجل الرشيد سوي خلقه كريم فَرعه وعرقه ... متهلل والبدر فَوق جَبينه يلقاك رونق بشره من دونه ... أَبَت الشُّبُهَات أَن تجاب عَلَيْهِ بشبهاتها وفدته الخدام بِآبَائِهَا والقوابل بأمهاتها ... رأين الَّذِي للشمس فِيهِ مشابه فَقُلْنَ نرى شمسا وَمَا طلع الْفجْر ... زَاد الْمولى وَلَا نَقصه وَمد ظله وَلَا قلصه وأصفى رد سعادته وَلَا نغصه ذكر مواليد أَوْلَاد السُّلْطَان على مَا سمعته مِنْهُ فِي آخر عَهده بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَحَيْثُ ذكرت الْوَلَد الْمَذْكُور فِي هَذِه فَأَنِّي مَا أهملته من ذكر مواليد أَوْلَاد السُّلْطَان فِي سنيها وَثُبُوت مباني الدولة بسعود بنيها وَكنت فِي بعض اللَّيَالِي عِنْد السُّلْطَان فِي آخر عَهده وَهُوَ فِي حَدِيثه وشكر الله وحمده وَجرى ذكر أَوْلَاده واعتضاده بهم واعتداده فَقلت لَهُ لَو عرفت أَيَّام مواليدهم فِي أعوامها لأنشأت رِسَالَة على نظامها فَذكر لي مَا أثْبته أَبُو الْحسن عَليّ وَهُوَ الْملك الْأَفْضَل نور الدّين مولده بِمصْر عيد الْفطر سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس ماية أَبُو الْفَتْح عُثْمَان وَهُوَ الْملك الْعَزِيز عماد الدّين مولده بِمصْر فِي ثامن جُمَادَى الأولى سنة سبع

стр. 55

وَسِتِّينَ وَتُوفِّي ﵀ فِي الْمحرم من سنة خمس وَتِسْعين وخمسماية ٠ أَبُو الْعَبَّاس خضر وَهُوَ الْملك الظَّاهِر مظفر الدّين مولده بِمصْر فِي خَامِس شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وخمسماية وَهُوَ أَخُو الْأَفْضَل لأمه وَأَبِيهِ أَبُو مَنْصُور غَازِي وَهُوَ الْملك الظَّاهِر غياث الدّين مولده بِمصْر فِي منتصف شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس ماية أَبُو يَعْقُوب اسحق وَهُوَ الْملك الْمعز فتح الدّين مولده بِمصْر فِي شهر ربيع الأول سنة سبعين وَخمْس ماية أَبُو الْفَتْح مَسْعُود وَهُوَ الْملك الْمُؤَيد نجم الدّين مولده بِدِمَشْق فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مائَة أَبُو سلميان دَاوُد وَهُوَ الْملك الزَّاهِر مجير الدّين مولده بِمصْر لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَخمْس ماية وَهُوَ لأم الْملك الظَّاهِر وَتَوَلَّى البيرة عِنْد تولي أَخِيه بحلب أَبُو يُوصف يَعْقُوب وَهُوَ الْملك الْأَعَز شرف الدّين مولده بِمصْر فِي شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس ماية وَهُوَ لأم الْملك الْعَزِيز ٠

стр. 56

أَبُو مُحَمَّد مُوسَى وَهُوَ الْملك الْمفضل ثمَّ نعت بالمظفر قطب الدّين مولده بِمصْر سنة ثَلَاث وَسبعين وَخمْس ماية وَهُوَ لأم الْفضل أَبُو عبد الله مُحَمَّد وَهُوَ الْملك الْأَشْرَف عز الدّين مولده بِالشَّام فِي سنة خمس وَسبعين وَخمْس ماية أَبُو سعيد أَيُّوب وَهُوَ الْملك الْجواد ركن الدّين مولده فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وَهُوَ شَقِيق الْمعز أَبُو مَنْصُور تورانشاه وَهُوَ الْملك الْمُعظم فَخر الدّين مولده بِمصْر فِي شهر ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَخمْس مائَة أَبُو بكر وَهُوَ الْملك النصير أَخُو الْمُعظم أَيْضا لأمه وَلَهُم أُخْت شَقِيقَة تزَوجهَا الْملك الْكَامِل مُحَمَّد ولد الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وولدان آخرَانِ وهما مَرْوَان وشادي ولدا بعد وَفَاة السُّلْطَان

стр. 57

وَإِنَّمَا ذكرت هَذِه المواليد لِأَن فيهم من تولى بعد أَبِيه وَفِيهِمْ من يُرْجَى أَن تقضي الأقدار بتوليه كتاب فاضلي تَارِيخه منصف ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَسبعين أدام الله دولة مَوْلَانَا الْملك النَّاصِر جَامع كلمة الْإِيمَان وَجمع بِهِ كلمة أهل الْإِيمَان وَخَصه بتشييد بِنَاء السُّلْطَان وَلَا أخلى مِنْهُ عُيُون الْأَوْلِيَاء فَأَما الْقُلُوب فَإِنَّهُ لَهَا سَاكن وَأَنَّهَا لَهُ أوطان وأوزعه أَن يشْكر مَا بِهِ من نعْمَته وألهمه أَن يخلف مُحَمَّد ﷺ بِأَحْسَن الْخلَافَة فِي أمته وَحفظ عَلَيْهِ كل مَا حفظ بِيَدِهِ قاصيته وَكَفاهُ كل خلق بيد الله ناصيته ... وَإِن أَكثر الداعون فِيمَا دعوا لَهُ فَلَا تلحين من بَات يَدْعُو لنَفسِهِ ... كتب هَذِه الْخدمَة بعد انْقِضَاء عيد النَّحْر على مَا شرع فِيهِ من سنة وَاسْتحبَّ من قربه على نِيَابَة الْملك الْعَادِل أوفى نيابه وعَلى مُشَاهدَة من بِالْبَابِ من رسل الْأُمَم الْمُخَالفَة مَا أرغمهم من بسطة الْإِسْلَام وَقُوَّة وَمَعَ هَذَا فَإِن الْخلق لغيبه الْمولى ... تراهم كبيت غير الْكسر وَزنه فألفاظه نثر وَمَعْنَاهُ قَائِم دنا الْعِيد لَو تَدْنُو بِهِ كعبة المنى وركن الْمَعَالِي من ذؤابة يعرب فيا ويلتي للدمع يَرْمِي جماره وَيَا بعد مَا بيني وَبَين المحصب ... فصل فِي وصف كتب السُّلْطَان الْوَارِدَة غليه كتب الْمولى عِنْد الْمَمْلُوك كالجنة الَّتِي هِيَ إِن شَاءَ الله مآل الْمولى إِذْ يَقُول تَعَالَى واصفا لَهَا ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَأَنْتُم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وان لم يخلد الْمَمْلُوك فِيهَا جسما فقد تخلد لَهُ الْفَخر فِيهَا اسْما وَإنَّهُ لذكر لَك ولقومك ونعمة الْمولى بهَا وبغيرها تجل عَن الْوَصْف

стр. 58

.. وَمَا علمت لساني كل عَن صفة وَلَا علمتك الا فَوق مَا أصف ... وَالله مَا تهيج البروق اللامعة والحمائم الساجعة والنسيم فِي الآصال إِذا خطر لَهَا ذكر أَيَّام الْوِصَال مَا تهيج هَذِه الْكتب وَإِنَّهَا لتلقح من سحب الْعُيُون مَا لَا تلْحقهُ مؤلفات السحب ... هَل الدَّهْر يمْضِي فِي هواكم كَمَا أرى حنين وتذراف الدُّمُوع الهواطل ... وَبِالْجُمْلَةِ كل دم حقنه الْمولى بجهاده قد أجراه دمعا ببعاده وَذكر الْمولى الشتوة وَأَنَّهَا رُبمَا كَانَت للقاء ميعادا ... يَا برد ذَاك الَّذِي قَالَت على كَبِدِي منى أَن تكن حَقًا تكن أحسن المنى أعيش بهَا فسوغوني المنى وَقد ينعش الله الْفَتى بعد عَثْرَة ويصطنع الْحسنى سراة بني عجل سقى الله دَارا شوقتك لغَيْرهَا فأدنتك نحوي يَا زِيَاد بن عَامر أصايل قرب أرتجي أَن أنالها بلقياك قد زحزحن برد الهواجر ... والمملوك الْآن يعالج من الأشواق غريمين كريمين غَرِيم ينْزع بِهِ إِلَى كعبة الْحرم وغريم يرجع بِهِ إِلَى كعبة الْأُمَم ... لَو سرت من ذَا إِلَى هَذَا وَكَيف بِهِ مَا سرت من حرم الا إِلَى حرم ... فصل مِنْهُ عرف الْمَمْلُوك نعْمَة الله بسلامة الْمولى وَأَهله وَإِخْوَته وَبني إخْوَته وَالْمولى وَلَده والرفقاء من حَاشِيَته وَمَا يَتَوَلَّاهُ الله بِهِ من إعزاز أوليائه واذلال اعدائه وَمَا كَانَ فِي سفر الشَّام من الْخَيْر والخيرة وَمَا لبس الفرنج لعزمه من الكآبة والحيرة وَمَا يراسل بِهِ تعريضا وَتَصْرِيحًا من الْمُشَاركَة والمسالمة وَمَا سيرة فِي الرسَالَة العراقية من الْهَدِيَّة وَمن عين للرسالة وَحَدِيث مَا يلْزم الخزانة من المغارم وَقد قَالَ أحد وزراء الرشيد ﵀ وَقد أَرَادَ سفرا إِلَى إِحْدَى غَزَوَاته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تكْثر الكلف قَالَ وَمَتى قلت

стр. 59

.. لَا تَسْتَقِر بكفه أَمْوَاله فَكَأَنَّمَا هِيَ عابرات سَبِيل ... وَمَا ضَاعَ مَال ورث الْحَمد أَهله فصل فِي أَوْلَاد السُّلْطَان للْمولى أَوْلَاد وَقد صَارُوا رجَالًا وَيُحب أَنِّي يستجيد للقلاع رجَالًا كَمَا فعل السَّابِقُونَ أعمارا وأعمالا وَقيل القلاع أنوف من جملها شمخ بهَا مَا فِي الرِّجَال على النِّسَاء أَمِين ... وزهدني فِي النَّاس معرفتي بهم وَطول اخْتِيَاري صاحبا بعد صَاحب وَلم تؤتني الْأَيَّام خلا يسرني بواديه الا سَاءَنِي فِي العواقب وَلَا كنت أرجوه لدفع ملمة من الدَّهْر الا كَانَ إِحْدَى النوائب ... فصل مِنْهُ فِي عز الدّين آقبوري عز الدّين آقبوري يطول الْمولى عنان صبره ويودعه بلطف خلقه وَيحمل جفوة ظَاهِرَة مَعَ الْعلم بسلامة بَاطِنه وَمن كَانَ من بعض ايادي الْمولى عِنْد تَفْسِيره بِسِتَّة الآف دِينَار فَلَا بُد من إحتماله لتتناسب أَسبَاب الْمَعْرُوف عِنْده ... مَا جِئْت فِيمَا قلته بغريبة إِذْ قَالَت الضحوات للشمس اشرقي ... فصل مِنْهُ فِي عمَارَة السُّور أَمر الْمولى فِي السُّور ممتثل وَقد أحسن فِيهِ النّظر لنَفسِهِ ولعقبه وَقدم بَين يَدَيْهِ لغده وَنظر لِلْإِسْلَامِ فِي عاقبته وَإِن يسر الله تسوير المدينتين فَإِنَّهَا حَسَنَة مَا تضمخت أَيدي الْمَلَائِكَة الْكَاتِبين الْكِرَام بِمِثْلِهَا وَمَا يكوم قد اقر بَيْضَة الْإِسْلَام بعشها بل بعشرها وَمِنْه أَبْيَات فِي ذكر السَّلَام ... مَمْلُوك مَوْلَانَا ومملوك ابْنه وأخيه وَابْن أَخِيه وَالْجِيرَان ...

стр. 60

.. طي الْكتاب إِلَيْهِ مِنْهُ إِجَابَة لسلام مَوْلَانَا ابْنه عُثْمَان وَالله قد ذكر السَّلَام وان هـ يَجْزِي بأحسنمنه فِي الْقُرْآن وغريبة قد جِئْت فِيهَا أَولا فَمن اقتضاها كَانَ بعدِي الثَّانِي ... فرسولي السُّلْطَان فِي إيصالها وَالنَّاس رسلهم إِلَى السُّلْطَان ... ذكر إِجَابَة للسُّلْطَان بإنشائي عَن بعض الْكتب الْكَرِيمَة الْفَاضِلِيَّةِ وَردت الْمُكَاتبَة الْكَرِيمَة الصادرة عَن المجا لس السامية الأجلبية الْفَاضِلِيَّةِ ضاعف الله سمو جلاها ونمو أفضالها وبلوغ آمالها وسبوغ ظلالها وذل الْعَدو وَعز الْوَلِيّ ببأسها ونوالها مؤرخات بثالث عشر شَوَّال ورابع عشره ومنتصفه مشتملات على نكت الْفضل وطرفه والدر والدري المتألفين المتألقين من نظام سطور الطرس وظلام ديجور النَّفس فِي صدفه وسدفه متضمنات شكر مَا من الله بِهِ من سالف الْإِحْسَان مبشرا بِمَا أعده لنا من مؤتنفة مهديات النصائح الفصائح والوصايا الصحائح وجوامع الْكَلم الجامعة شَمل المناجح والمصالح فَأَضَاءَتْ بطلوعهن مطالع المطالب عَن سنا النجح وَأحلت لقاطف ثَمَر الْفَوْز من جنان المنى جنى الْملح وحلت مباهج المسار ومناهج المبار سافرة الْوُجُوه مسفرة الصُّبْح وتضاعف من الْأنس بمطالعة الْكتب الوحشة لما يفوت من مُشَاهدَة طلعة الْقرب وتزايدت لواعج الشوق المتمكنة من صميم الْقلب فَأَما مَا أنهاه الْمجْلس السَّامِي الْكَرِيم بعد رحيلنا من تراعه الْمُقِيم وتأثره بالبعد وتألمه وتشكيه من عَادِية الْفرْقَة وتظلمه وتأسفه على مَا قدمه من أَمر التَّأَخُّر وتندمه فَإِنَّهُ شرح بعض مَا تجدّد لنا من غيبته وأوضح طرفا مِمَّا وَجَدْنَاهُ من الوحشة عِنْد عدم الاستيناس بكريم حَضرته

стр. 61

فصل مِنْهُ أحَاط علمه الْكَرِيم بِأَن الْيمن مقرون بِحُضُورِهِ وَأَن استقامة الْملك فِي أُمُوره بِحسن تَدْبيره وان مشور أرِي الصَّوَاب عِنْد مشورة رَأْيه الصيب بصوبه وَأَن كل مَا ينوطه بِعِلْمِهِ ويحوطه بحزمه ويحكمه بِحكمِهِ ويرقمه بقلمه صَاف من كدره خَالص من شوبه وَلَوْلَا مُتَابعَة إِرَادَته ومطاوعة بغيته لما سمحنا على الكره بغيبته وَلَكنَّا ظننا بِهِ أَنه يجد من ذَلِك التَّعَب الدَّائِم رَاحَة وَتَكون جمام موارد الإجمام لَهُ مستباحة مستماحة أَنى والمملكة بآرائه وآلائه أَيْن حل متسعة الْعُقُود مشرقة السُّعُود فائزة الجدود ناجزة الوعود ناظرة الحدقة ناضرة الديقة بِنور الْحق ونوار الْحَقِيقَة لَا زَالَت أقلامه لمقاصد النجاح محررة وَأَحْكَامه لقواعد الصّلاح مقررة وَالْأَيَّام بميامنه الْمُبَارَكَة مباكرة والممالك لمشاركة تدبيرة المشكور شاكرة وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ من حُصُوله بالغربة فِي الوطن وَظُهُور مَا أجنه الضَّمِير من سر الاستيحاض المتمكن فَإِنَّهُ بِحَمْد الله غَرِيب الْفضل وأوطانه الْقُلُوب وَإِنَّمَا الْغَرِيب من غريماه الارتياح غليه الغرام الْغَالِب وَالصَّبْر المغلوب وَقد علم الله أَن الظمأ إِلَى سلسال ورد لِقَائِه لَا يشفيه غلا الرّيّ بِرُؤْيَة رُوَائِهِ فصل مِنْهُ فِي وصف الْملك الْعَادِل وَأما مَا أوضحه من أنس الْبِلَاد بِالْملكِ الْعَادِل وابتهاجها بايالته والتهاجها بتعظيم جلالته وافترار ثغور الثغور عَن ثنايا الثَّنَاء على سياسته وحراسته واستبشار وُجُوه الْأَعْيَان وَالْوُجُوه وقرة عيونها باستقرار مَمْلَكَته فَالْحَمْد لله على ذَلِك حمدا يديم دِيمَة هَذِه النِّعْمَة منحلة العزالي منهلة الغوادي على التوالي وَمَا أسعدنا وَالْملك الْعَادِل بَعْدَمَا يسْعد الْملك وينهج ويبهج بِعقد إبرامه وَعقد نظامه مِنْهُ المسلك والسلك وينصر بجده الدّين والتوحيد ويخذل بحده التَّثْلِيث والشرك ويورد أَوْلِيَاء الله من الْعِزّ الْهدى وللأعداء من الذل والهلك وَنحن نرغب الى الله سُبْحَانَهُ فِي أَن يديم لنا بطول بَقَائِهِ وَطول آرائه الإمتاع وَيحسن عَن حوزته فِيمَا يحسن عَن حوزة الْملك دفاعه الدفاع فَهُوَ يعلم أننا مَا فارقنا مصر إِلَى الشَّام غلا وثوقا بوفور غناهُ فِي غنائه ونفوذ مضَارب مضائه واستقرار اعتزاز أَطْرَاف المملكة وأوساطها باعتزائه واستمرار اهتزاز أعطاف الْبركَة واغتباطها باهتمامه فَمَا غبنا عَن مصر وَهُوَ حاضرها وَلَا فاتنا النّظر فِي مصلحَة وَهُوَ ناظرها وَلَا

стр. 62

ضَاعَت رعية هُوَ راعيها ومراعيها وَلَا عدت الْإِصَابَة وَلَا عدمت الْإِجَابَة وَصِيَّة ونصيحة هُوَ راعيها وداعيها وَالله تَعَالَى يوفقه وَيُؤَيِّدهُ ويظفره ويسدده فصل مِنْهُ وَأما مَا أعرب عَنهُ من دُعَاء الْخلق وَإِظْهَار الرّعية مَا كَانَ من إضمارها من الْمُوَالَاة المولية محيا الصدْق فالمنة لله على مَا منحه لنا من التَّوْفِيق للحق وَقد ظَهرت آثَار الْأَدْعِيَة الصَّالِحَة على صفحات الحوالي من الْأَحْوَال وتليت سور النجح بهَا من صفحات آمالي الآمال وَكَانَت سفرتنا مسفرة عَن مناجح المنى ومباجح الْحسنى والسلامة عَن كل حذر وخطر والاستقامة فِي كل ورد وَصدر والاستنامة إِلَى كل مقَام ومقر حَتَّى اجتلت منا الْأَبْصَار فِي بصرى أنوار لِقَاء الْملك الْمُعظم وَأتم اله بهَا النعمى وتلقتنا رسل الْخلَافَة المعظمة بألطاف الْبُشْرَى وأصناف الْيُسْرَى والرسالة الْمُبَارَكَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة فُصُول ضامنة لإجابة كل سُؤال وإصابة كل سَوَّلَ فَأول الْفُصُول إِظْهَار الاغتنام بِمَا جرى من نبوة تِلْكَ النّوبَة وَثَانِيها عرض المَال وَالرِّجَال اللَّذين بهما مآل الرَّجَاء إِلَى دَرك الحظوة وَثَالِثهَا قبُول الشَّفَاعَة فِي عز الدّين آقبوري والاعتداد بهَا وعدها من المنن الحلوة والمنح الصفوة فصل مِنْهُ فِي ذكر الأساطيل واما انتظام عدَّة أساطيلنا المنصورة فِي عقد التَّمام وجريان أمورها على أوفى النظام فَللَّه الْحَمد على إدناه مرامي هَذَا المرام وَنحن نأمل أَن نبلغ بالشواني من شائني الْإِسْلَام فِي النكاية شَأْنًا ونهدم من الْكفْر بالغزو فِي الْبر وَالْبَحْر بنيانا ونوضح للهدى بالنصر على العدى برهانا وَالْحَمْد لله على وهاء الْأَعْدَاء وهوانها وصغارها وخذلانها فصل مِنْهُ وَأما أَخْبَار الفرنج فانهم مجتمعون فِي كل صوب مجلبون من كل أَوب قد ملكهم

стр. 63

رعب قدومنا وسيهلكهم خوف أقدامنا ويصدهم بصدهم عَن سَبِيل السَّلامَة بَأْس انتقامنا وَقد حشدوا وحشروا واستجاشوا واستكثروا وهم على جمع واستشارة وَفِي طلب غرَّة لغارة أَو قصد مَوضِع على غرارة عَاد الحَدِيث وَخرج السُّلْطَان للصَّيْد فِي ذِي الْحجَّة نَحْو قارا وَأَيَّام اقباله وقبوله بمبار الأيامن تتبارى فشكوت ضرسي وعدمت أنسي وَاتفقَ رُجُوع الْملك عز الدّين فرخشاة لحمى عرته وَأَسْبَاب على التَّخَلُّف عذرته وَرجعت مَعَه أحاضره وأسامره لَيْلًا وَنَهَارًا وأجتلي من أخلاقه المؤنقة أزهارا فأنشدت بَيْتِي المتنبي فِي وصف الْحمى ... وزائرة كَأَن بهَا حَيَاء فَلَيْسَ تزور إِلَّا فِي الظلام إِذا مَا فارقتني غسلتني كَانَا عاكفان على حرَام ... قَالَ وحماي بالضد مِنْهَا لَا أقدر أعرق عَنْهَا فَإِنَّهَا لَا تزور إِلَّا نَهَارا وَلَا تهجم الا جهارا وَلَا تُفَارِقنِي بعرق وَلَا أخْلص من نارها بغرق فنظمت فِيهِ كلمة طَوِيلَة مِنْهَا فِي وصف الْحمى (الوافر) وزائرة وَلَيْسَ بهَا حَيَاء لَيْسَ تزور الا فِي النَّهَار وَلَو رهبت لَدَى الْإِقْدَام جوري لما رغبت جهار فِي جواري أَتَت وَالْقلب فِي وهج اشتياقي لتظهر مَا أواري من أواري وَلَو عرفت لظى سطوات عزمي لكَانَتْ من سطاي على حذار تقيم فحين تبصر من أناتي ثبات الطود تسرع فِي الْفِرَار تُفَارِقنِي على غير اغتسال فَلم أحلل لزورتها إزَارِي أيا شمس الْمُلُوك بقيت شمسا تنير على الممالك والديار يجد إِلَى العلى أبدا بدارا فَلَا عبر الْأَذَى مِنْهُ بدار ...

стр. 64

.. لَئِن حمي المزاج فَغير بدع فَنَار ذكاك تقذف بالشرار أحماك استعارات لفح نَار لعزمك لم تزل ذَات اسْتعَار فقد نهضت إِلَيْك بِلَا احتشام وَقد جسرت عَلَيْك بِلَا اعتذار وَمَا إِن حم لَيْث الغاب إِلَّا ليوقد ناره عِنْد الغوار أيفرق من صغيرات الأذايا مشيب مفارق النوب الْكِبَار ... تَابع صفحة ٨٦ ومطلع هَذِه القصيدة ... يَمِينك دأبها بذل الْيَسَار وكفك صوبها بدر النضار وَإنَّك من مُلُوك الأَرْض طرا بِمَنْزِلَة الْيَمين من الْيَسَار وَأَنت الْبَحْر فِي بَث العطايا وَأَنت الطود فِي نَادِي الْوَقار أعز الدّين غيث الْجُود غوث ال ورى طود العلى شمس النَّهَار حَلِيف الْمجد رب الْفَخر ترب السماح أَخُو الحجا زاكي النجار غزير المجتدى غمر الأيادي مُنِير المجتلى عالي الْمنَار إِذا عثر الأماجد فِي مقَام فعز الدّين مَأْمُون العثار فَتى سبق الْكِرَام فَلم يطيقوا وَقد ركضوا لُحُوقا بالغبار لَئِن جهل الزَّمَان فَأَنت عذر لَهُ فامح الْإِسَاءَة باغتفار فَإنَّك من رِدَاء الْفَخر كاس وَإنَّك من لِبَاس الْعَار عَار وليك فِي بِلَاد الْيمن وَال وجارك فِي رياض الْأَمْن جَار ... ذكر استشهاد عضد الدّين ابْن رَئِيس الرؤساء وَزِير الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد على أَيدي الْمَلَاحِدَة قفزوا عَلَيْهِ فِي الْعشْر الأول من ذِي الْقعدَة فِي هَذِه السّنة بغربي بَغْدَاد وَلما صفت للوزير عضد الدّين أبي الْفرج بن المظفر بن رَئِيس الرؤساء موارد

стр. 65

النعماء وأقدره الْقدر بالأعداء على الْأَعْدَاء وَأمن من طروق الدَّهْر نَوَائِب الإعتداء وفقد نصب منصبه وَوجد مَذْهَب مذْهبه وَعدم مطل مطلبه تفرد بشغله وفاض عد عدله وفيض فَضله وَأنس من الْعِزّ بِجمع شَمله وخف تحمل ثقله وَتحمل كل كُله واستكمل الرّيّ من نهله وعله وتعاشت أبصار الْمُلُوك عَن الطموح إِلَى مَحَله وَتَوَلَّى باقباله الانافة على من تولى من قبله ووثق بِالزَّمَانِ وَأَهله وَلم يعرف نكره وَلم يعلم بجهله وَحل عقله عقله وتيقظ لفرضه ونفله وَظن أَنه ملك زِمَام الزَّمَان وانه عَن فَوَات الْأَمَانِي فِي حمى واحتمى بوفاء الْأمان وَذهل والدهر غير ذاهل وغفل والخطب غير غافل ونعس وَالْقدر غير ناعس وَبشر وللقضاء وَجه عَابس واحتمى بالحول وَالْحمام حول حماه حائم وارتدى برداء الْعِزّ والردى على علاهُ هاجم وانتدى للمنى والمنون تناديه واغتدى لروحه وَلم يعلم أَن الروع يراوحه ويغاديه وعزم على الْحَج لاداء فَرْضه وارتقى بحركته إِلَى سمائه وَقد قرب سكونه تَحت أرضه وَأصْبح والصدر يجلوه والقبر يَدعُوهُ والثريا تحسده وَالثَّرَى يحصده والأمل يَبْعَثهُ والاجل يحدثه والرتبة تغره والتربة تجره ويعمر فناه وَقد فني عمره وَيَأْمُر بِالْقضَاءِ وَقد انْقَضى أمره والسرار بدده وجهرت لَهُ الدُّنْيَا بسرها وَقد دنا من السِّرّ جهره وأجرى إِلَى سَفَره أجره وَركب إِلَى نَفعه وَقد كرب ضره وحاجه بالحجب حجه وانهج جدته فِي جدته نهجه وفجأة بالفجيعة فجة وأوجه إِلَيْهِ بالوبال أوجه وَلَو درى بالردى فَوجه لاخوانه لخانة فَوجه وَكَانَ من أمره فِيمَا اباح لَهُ الْقَضَاء من سره انه رَحل الْجمال وَقدم الْأَحْمَال وسير الأثقال وَحسب الارزاق وَلم يحْسب الْآجَال وانهض قدامه الرِّجَال وَخرج فِي موكب تعنو لَهُ وُجُوه الْأَمْلَاك وتخبو لشمسه نُجُوم الافلاك وَهُوَ يتجلى فِي بهوجلاله وزهو حليته وحالته كالبدر فِي هالته وَأمر أَن لَا يحجب عَلَيْهِ مظلوم وَلَا يمْنَع مِنْهُ مهضوم وَلَا يبعد صَاحب غصه وَلَا رَافع قصَّة وَلَا طَالب حِصَّة فانه قد خرج من بَيته إِلَى الله مُهَاجرا وَإِلَى بَيته الْحَرَام سائرا فطرقه فِي طَرِيقه هَادِم لذاته وَوصل غليه قَاطع حَيَاته ووقف لَهُ فِي مضيق قطفتا غربي دجلة كهل فِيهِ جرْأَة وَكفر وَجَهل

стр. 66

وَفِي يَده قصَّة عَلَيْهَا يتحدث وَبهَا يتغوث وَهُوَ يصر وَيُصَرح ويضرم وينفخ وَيَقُول لَا أسلم قصتي من يَدي الا الى الْمولى الْوَزير وَهُوَ كَهْف المضيم وموئل المستجير فَقَالَ الْوَزير خلوه وَلَا تخلبوه وَدعوهُ وَلَا تمنعوه فَأَوْمأ ليوصل قصَّته فانتهز فِيهِ فرصته وَقرب نَحوه بمنيته وضربه بمديته فهتك حجاب روحه وغادره لقى فِي مصرع حتفه بجدع أَنفه وَكَانَ مَعَ ذَلِك الْجَاهِل رفيقان فَخَرَجَا ومعهما سكينان فجرح أَحدهمَا صَاحب الْبَاب ابْن المعوج وَالْآخر ولد قَاضِي الْقُضَاة فوفى حَاجِب الْبَاب بموافقة الْوَزير فِي شَهَادَة الْوَفَاة ففثأ الْمَلَاحِدَة وقطعوهم وأحرقوهم قبل دُخُولهمْ النَّار بالنيران الواقدة وذروا فِي الْهَوَاء رماد تِلْكَ الجمرات الخامدة وَختم الله للوزير بِالشَّهَادَةِ فِي طَرِيق الْحَج ونهج الْعِبَادَة وفاز فِي عليين بالسعادة وَقضي حمامه وَانْقَضَت أَيَّامه وسلك بِهِ إِلَى دَار الْمُتَّقِينَ إِحْرَامه ذكر ظهير الدّين أبي بكر مَنْصُور بن نصر الْعَطَّار صَاحب المخزن وَمَا اعْتَمدهُ مَعَ رَسُولنَا واستقل ظهير الدّين بالدولة وَكَانَ لسلطاننا ظهيرا وللملك النَّاصِر نَصِيرًا وَكَانَ الرُّسُل قد مضوا إِلَى الْوَزير فَلم يصادفوه وَتَوَلَّى أَمرهم ظهير الدّين فألفوه فِي الاعتناء بالأمور كَمَا ألفوه وَكَانَ الْمَنْدُوب فِي الرسَالَة القَاضِي ضِيَاء الدّين الشهرزوري فَإِنَّهُ كَانَ لَهَا يترشح وبأرديتها يتوشح وَفِي مناهجها يتوضح ورأي السُّلْطَان فِيهِ مترجح فَتعين للرسالة وَسَار بِقُوَّة الْقلب والبسالة فلقي من ظهير الدّين مَا دنا بِهِ من الظُّهُور وَحصل مِنْهُ على الوفر الموفور وَالْعرْف المشكور وَالْبر الْمَشْهُور وَأذن وَجه وجاهته بالسفور واقتضت المهام مقَامه هُنَاكَ عدَّة كَثِيرَة من الشُّهُور وَكَانَت لَهُ من الْأَنْعَام الأمامي وَظِيفَة دَاره ومبرة بِهِ وبمن مَعَه بارة فَزَاد بطول الْإِقَامَة طول الْإِقَامَة وتضاعفت بالإدامة وَكَانَت مياومته بِالدَّنَانِيرِ الأمامية تبلغ الْعشْرين فَإِذا انْقَضى الشَّهْر تضاعفت مئين وَذَلِكَ سوى وظائف الطَّعَام والعلوفة والأغنام وَسوى التحف والهدايا والتشريفات والعطايا وَمَا وَصله من الصلات وَشرف بِهِ وسفر بِهِ من نقود النَّفَقَات وَكَانَ السُّلْطَان قد نفذ مَعَه على عَادَة إِنْفَاذه فِي كل سنة إِلَى أَعْيَان الْعرَاق

стр. 67

وَأَمْثَاله وأكارمه وأفاضله وَالْعُلَمَاء وَالشعرَاء والقراء والمتصوفة والمتصومة من الْفُقَرَاء عطايا وهدايا وخلعا وتشريفات سنايا وَرُبمَا بلغ الْمبلغ ألوفا يسدي بهَا إِلَى ذَوي الْمَعْرُوف مَعْرُوفا ذكر مكرمَة هَا هُنَا جِئْت إِلَى الصفي بن الْقَابِض الْمُتَوَلِي الخازن وَهُوَ مُنْفَرد بِمَا هُوَ فِيهِ عَن الموازي والموازن وَقلت لَهُ أطلعني على أَسمَاء الَّذين سيرتهم إِلَيْهِم العطايا على يَد الرَّسُول فَتلقى قولي الْقبُول فَلَمَّا تَأَمَّلت الدستور وكشفت المستور فقدت فِيهِ أسامي جمَاعَة من الأصدقاء قد أهملت فِي الْعَطاء فَقلت لَهُ هَا هُنَا خَمْسَة أَسمَاء لم يجر لَهَا ذكر ويغتنم لَهَا دُعَاء وَحمد وشكر فَقَالَ كم يصيبهم واي قدر نصِيبهم فَقلت مبلغ مايتي دِينَار فَلم يُقَابل قولي بإنكار فأغزر باشارتي درها ووزنها وصرها وَسلمهَا إِلَى عدنان النجاب وَقَالَ الْحق بهَا الرَّسُول وَخذ بهَا مِنْهُ الْوُصُول فَقلت لَهُ هلا اسْتَأْذَنت السُّلْطَان فَقَالَ قَوْلك المقبول وَالسُّلْطَان مَا يَقُول فِي هَذَا إِلَّا مَا تَقول عَاد الحَدِيث فِي ذكر عضد الدّين الْوَزير المستشهد وَذكرت فصلا بالإنشاء الْكَرِيم الفاضلي ورد فِي مطالعة لَهُ إِلَى السُّلْطَان يتَضَمَّن التوجع لنائبته والتفجع لحادثته وَهِي النّوبَة الْجَارِيَة للوزير عضد الدّين ﵀ نوبَة بل نائبة رائعة فاجعة واعظة رادعة ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ فقد كَانَ عَفا الله عَنهُ قتل وَلَدي الْوَزير ابْن هُبَيْرَة رَحمَه اله وأزهق أَنفسهمَا وَجَمَاعَة لَا تحصى ... من ير يَوْمًا ير بِهِ والدهر لَا يغتر بِهِ ... وَهَذَا الْبَيْت بَيت ابْن الْمسلمَة عريق فِي الْقَتْل وجده هُوَ الْمَقْتُول بيد البساسيري فِي وَقت إِخْرَاج الْخَلِيفَة الْقَائِم ﵀ فِي أَيَّام الملقب بالمستنصر بِمصْر وَهُوَ صَاحب الثأر الممطول وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَة الصَّحِيح صَاحب النّدب المطلول ... حَتَّى أُتِي الدُّنْيَا ابْن بجدتها فَشَكا إِلَيْهِ السهل والجبل ...

стр. 68

فقضي من الْأَمر مَا قضي بِهِ وأسخط من لله فِي سخطه رضى وَجعل وَجه لابسي السوَاد مبيضا وَأدْركَ لَهُم بثأر نَامَتْ عَنهُ الْأُمَم ودوخت عَلَيْهِ الْأُمَم وشفى الصُّدُور وَجَاء بِالْحَقِّ إِلَى من غره الْغرُور واستبضع إِلَى الله تِجَارَة لن تبور وَبَقِيَّة حَدِيث ابْن رَئِيس الرؤساء فَهُوَ من ذُرِّيَّة لم تزل مقتولة وَمَا زَالَت السيوف عَلَيْهَا وَمِنْهَا مسلولة فهم فِي هَذِه الْحَادِثَة المسمعة المصمة كَمَا قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة (الطَّوِيل) أَبى الْمَوْت إِلَّا آل صمة أَنهم أَبَوا غيرَة وَالْقدر يجْرِي إِلَى الْقدر فَأَما ترينا لَا تزَال دماؤنا لَدَى واتر يسْعَى بهَا آخر الدَّهْر فانا للحم السَّيْف غي نكيرة ونلحمه حينا وَلَيْسَ بِذِي نكر يغار علينا واترين فيشتفي بِنَا ان أصبْنَا أَو نغير على وتر قسمنا بِذَاكَ الدَّهْر شطرين بَيْننَا فَمَا يَنْقَضِي إِلَّا وَنحن على شطر ... وَقد ختمت لَهُ السَّعَادَة بِمَا ختمت لَهُ بِهِ الشَّهَادَة لَا سِيمَا وَهُوَ خَارج من بَيته إِلَى بَيت الله قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ وَمَا أحسن مَا أَشَارَ الْمولى إِلَيْهِ فِي أمره وَمَا قسمه فِي حق كل من يظنّ بِهِ الدُّخُول فِي دَمه ... إِن المساءة قد تسر وَرُبمَا كَانَ السرُور بِمَا كرهت جَدِيرًا إِن الْوَزير آل مُحَمَّد أودى فَمن يشناك كَانَ وزيرا ... هَذَانِ بيتان قالهما شَاعِر فِي أَيَّام السفاح أبي الْعَبَّاس أول الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس ﵁ وعنهم فِي وزيره أبي سَلمَة الْخلال وَكَانَ دعامة دولتهم وقائم دعوتهم وَلذَلِك قصَّة طَوِيلَة ذكر نوبَة عز الدّين آقبوري والشفاعة فِيهِ وَلما سمع بقتْله الْوَزير عَاد قد سبق ذكر الْأَمِير عز الدّين آقبوري بن أزغش وَأَنه من نوبَة قطب الدّين

стр. 69

قايماز خرج مَعَه واستوحش وخلى بِبَغْدَاد من أَمْوَاله وذخائره قناطير مقنطرة وعقودا لَا قيمَة لَهَا بجوهرة سَبَب ذَلِك تشور ذهنه وتشوش فاعتنى بِهِ السُّلْطَان وَكرر الشَّفَاعَة فِي حَقه ورد سناه من رضى الدِّيوَان الْعَزِيز إِلَى أفقه وسفره بأموال وسيره بإجلال وَسمع فِي طَرِيقه باستشهاد الْوَزير وَلم يبْق من يقوم بعده بِالتَّدْبِيرِ وجنبت نَفسه ووقفت على الاسْتوَاء شمسه وَزَالَ بِالْعودِ إِلَى بَغْدَاد أنسه فَلَمَّا وصل كِتَابه أخلف فِي أمره حسابه وَكتب إِلَى الْأَجَل الْفَاضِل فِي أمره فوصل جَوَابه فصل من الْكتاب الْكَرِيم الفاضلي فِيهِ وَمِمَّا الْمَمْلُوك حَاصِل الاهتمام بِهِ واستئناف النّظر فِي أمره أَمر الْأَمِير عز الدّين آقبوري وعودته وَضعف نَفسه وَكَانَ سَبيله أَن يتوكل ويتقدم فَإِن ذمَّة الْمولى مَا كَانَت لتخفر فِيهِ والقائم الْآن مقَام الْمَاضِي صَاحب غير مُتَّهم الْمَوَدَّة وَبِالْجُمْلَةِ المخاطر كثير الخواطر وَمَا لي غير هَذَا الرَّأْس رَأس وَالرجل لَا شكّ أه عائل وَالْمولى لكل عاثر مقيل وَلكُل مَرِيض عَائِد (الْكَامِل) وَلَقَد ضربنا فِي الْبِلَاد فَلم نجد أحدا سواك إِلَى المكارم ينْسب فاصبر لعادتك الَّتِي عودتنا أَولا فأرشدنا إِلَى من نَذْهَب ... (وَقَالَ) وَلَو كنت تحصي مَا وهبت من الندى تبينت مَا تجني عَلَيْك المكارم ...

стр. 70

ذكر ضِيَاء الدّين ابْن الشهرزوري السائر فِي الرسَالَة وتوفقه بالموصل لحادثة الْوَزير وَوَافَقَ وُصُوله إِلَى الْموصل وَفَاة ابْن عَمه القَاضِي عماد الدّين أَحْمد بن كَمَال الدّين الشهرزوري وَكَانَ شَابًّا فصل من الْإِنْشَاء الْكَرِيم الفاضلي فِي ذَلِك مُكَاتبَة الضياء الشهرزوري بالإتمام لطيته والنفوذ لوجهته صَوَاب وَعلم أَيْضا وَفَاة ابْن عَمه فسبحان من قَارب بَين الْخلق فِي الأرزاق والآجال (مُتَقَارب) تدلى ابْن عشْرين فِي لحده وَتسْعُونَ صَاحبهَا راتع ... اعتبط الْوَلَد مَعَ نضارة الشَّبَاب المقتبل وَعمر الْوَالِد ﵀ مَعَ ذبول المشيب الْمُشْتَمل ليعلم أَن الشيب لَيْسَ بِمُسلم ... ليعلم أَن الشيب لَيْسَ بِمُسلم وَأَن الشَّبَاب الغض لَيْسَ بمانع ... وليكون العَبْد حذرا من بغتات الْآجَال فِي كل الْأَحْوَال وَالله يُطِيل للْمولى فِي الْعُمر كَمَا أَطَالَ لَهُ فِي الْقدر وَيسمع مِنْهُ وَلَا يسمع فِيهِ ويبقيه سندا للدّين الحنيفي فَإِن بَقَاءَهُ يَكْفِيهِ ذكر شمس الدّين ابْن الْمُقدم وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الْملك قد سبق ذكر شمس الدّين ابْن الْمُقدم وَأَنه من أكَابِر المراء المقدمين والأكابر الْمُكرمين وَله سوابق وموات وشوافع وحرمات وَهُوَ السَّابِق الى مُكَاتبَة السُّلْطَان فِي تصويب رَأْيه فِي الْوُصُول إِلَى الشَّام وتدارك أَمر الْإِسْلَام وَأَن السُّلْطَان عِنْد تسلم بعلبك أنعم بهَا عَلَيْهِ ورد أمورها إِلَيْهِ فَأَقَامَ بهَا مُسْتَقرًّا ولأخلاف أَعمالهَا مستدرا وَلما وصلنا فِي هَذِه النّوبَة إِلَى الشَّام لم يحضر كَمَا جرت بِهِ الْعَادة للْخدمَة

стр. 71

وَالسَّلَام فَإِنَّهُ كَانَ نمي إِلَيْهِ أَن الْملك الْمُعظم فَخر الدّين شمس الدولة طلبَهَا من أَخِيه وَأَنه لَا يُمكنهُ الرَّد فِي نجز مباغيه وَعلم أَنه إِذا حضر حظر عَلَيْهِ الْعود وتضعضع عَلَيْهِ الرَّأْي السلطاني وَحمله الطود وكوتب مرَارًا سرا وجهارا ويفصح لَهُ بِالْمَقْصُودِ والأرب المجهود وَأَنه يعوض عَنْهَا بِمَا هُوَ أوفى مِنْهَا وَأَن أاه وَهُوَ يطْلب رِضَاهُ بتسليمها إِلَيْهِ يتقاضاه فَأبى الا الاباء وَكذب الأنباء وشارف السُّلْطَان مِنْهُ وَمن أَخِيه الْحيَاء وَمكث طَويلا عَسى أَن يجمع بَين الْقُلُوب وَيدْفَع مَا لزم من الخطوب وَهُوَ فِي يَسْتَعِين بِاللَّه فِي هدايته إِلَى الصَّوَاب وارشاد الآراء إِلَى سداد الْآرَاب وَفِي هَذِه السّنة أربعنا عِنْد مخيم السُّلْطَان بتل حَان من الشُّعَرَاء ونزلنا مِنْهَا بالعراء والعشب واص والخطب قاص وَالزَّمَان غير عَاص ونجح الآمال غير معتاص والمرعى مريع وَشَمل المبار جَمِيع وَللَّه فِي الْإِحْسَان إِلَيْنَا صَنِيع ورورض النعم لنا وسيع وشيع وَدخلت سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَالسُّلْطَان فِي أَمر بعلبك مفكر وَالرسل بَينهمَا إِمَّا رَايِح أَو مبكر وَالْمَسْأَلَة مشكلة والقضية معضلة وأبواب انكشاف الرَّأْي مقفلة وشمس الدولة أَخُوهُ لَا يقبل عذرا وَلَا يرى عَمَّا طلبه صبرا وَكَانَت سلطنة الشَّام لَهُ وَهُوَ يعْقد وَيحل ويمهي ويفل ويدق ويجل ويحزم وَيحل ويعز ويذل وَيكثر ويقل وَلما وصل السُّلْطَان أخذت عقوده فيالإنحل الوأموره فِي الاختلال وَصَارَ السُّلْطَان يقطع ويصل وَيرد وَيقبل ويحزن ويسهل ويخفف ويثقل فَأَرَادَ موضعا يتفرد فِيهِ بحكمة وَيجْرِي فِيهِ فِي طيب الْعَيْش على رسمه فَلم يتَعَيَّن لَهُ سوى بعلبك فطلبها وعلق سَببهَا وَهُوَ يُرِيد أَن يحفظ أَيْضا قلب ابْن الْمُقدم وَأَرَادَ مِنْهُ طَاعَة

стр. 72

الْمُسلم المستسلم وَكلما رفق بِهِ عنف وَكلما لطف بِهِ كثف وَكلما اسْتَأْنف مَعَه الاستمالة عز وعزف وشمخ بِأَنْفِهِ وأنف فَمَا زَالَت الصَّغَائِر تتربى والخواطر من الِاتِّفَاق تتبرا والمودات السهلة تتوعر والضمائر الصافية تتكدر والحليم يطيش والجأش يَجِيش ذكر الْمسير إِلَى حمص وَاسْتَأْذَنَ الْملك الْمُعظم شمس الدولة فِي التَّوَجُّه إِلَى بعلبك فَأذن لَهُ وَقد بهَا أمله وَقصر على تسلمها عمله وَتوجه الْملك عز الدّين فرخشاه إِلَى حوران لحفظ الثغور ورعاية الْجُمْهُور وسرنا إِلَى حمص ونزلنا على نهر العَاصِي لاستدناء الآمال القواصي العواصي ذكر فُصُول من كتب كَرِيمَة فاضلية وَردت فِي جَوَاب كتاب سلطاني بشرح الْأَحْوَال وَفِي أجوبة أُخْرَى وَفِي وَصَايَا فِي أَوَائِل شهور هَذِه السّنة فصل أما اسْتِقْرَار المخيم الْمَنْصُور بِمَنْزِلَة العَاصِي والعزم بعده على منازلة العَاصِي وَكَون الْعَدو خذله الله فِي الْعدَد الْأَقَل وَالْحَد الأفل والرأي الْمُخْتَلف والعزم المنصرف لَا الْمُتَصَرف وَمَا أهل الْبِلَاد عَلَيْهِ من الأسعار الَّتِي ابتلت بهَا الأكباد واستدركت بهَا أرماق الْبِلَاد وَمَا ارْتَفع من الغلات وأنوف الْأَعْدَاء راغمة ومهابة الْإِسْلَام بسلطانه لَا عَدمه قَائِمَة وَمَا تواصل إِلَيْهِ من المكاتبات والهدايا والألطاف والتحايا من جِهَات الْمُلُوك الَّتِي أحْوج الله إِلَى بحره خلجها وَإِلَى الإقتباس من أنوار شمسه سرجها والعساكر المنصورة الناصرية وتناصرها والعدات الحلبية بالنجدة الَّتِي ترتقب توافيها وتوافرها والعز منار التقوية والعزية واتجاهها إِلَى من تعرض للبلاء بتصريحه بِكفْر النعماء وَكتاب رَسُوله الْأَمِير بدر الدّين ساوتكين على ملقاة من الجوانب الْموصِلِي من الأحفاء فِي الْمَسْأَلَة والاحتفال بالمودة وَالْمُبَالغَة فِي الْخدمَة والإبانة عَن الْمحبَّة والمباسطة فِي الإهداء والاستهداء وبذل النجدة على أَعدَاء الْإِسْلَام بِمن لَهُ من الْأَوْلِيَاء وَمَا عرض بِهِ الأسماعيلية من الْأَسْبَاب الناطقة برغبتهم فِي سلمه وخوفهم من بَوَادِر عزمه وَمَا

стр. 73

استلاح من جنوحهم إِلَى الاستسلام وَمَا يترقب أَن شَاءَ الله من جنوحهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِن بَرَكَات الْمولى تدخل فِيهَا النَّاس أَفْوَاجًا كَمَا أَن فتكاته توسع المستقتلين قتلا والمستقيلين عفوا واستدراجا فَهَذِهِ كلهَا نعم تعم بشراها وتتيسر للحسنى يسراها زَاده الله فضلا وشكرا وَشرح لَهُ صَدرا كَمَا شرح لأولياء الله صَدرا وأطاب بشائره وَنصر عساكره وأمضى أوامره وَقضى كل حَاجَة فِي نَفسه وَفتح على يَده بَيت قدسه وأحضره فِي الْآخِرَة مَعَ خَواص الْمُتَّقِينَ حظائر قدسه فصل من كتاب آخر فِي أَمر الْمُمْتَنع ببعلبك وَأما المتحصن بقلعة بعلبك فقد ضرب بَينه وَبَين السَّعَادَة بحجاب وَصرف عَن بَاب الْخَيْر وَهُوَ بَاب الْمولى الَّذِي مَا بعده بَاب وَلَقَد خدعه الَّذِي تبعه وَدَلاهُ النّظر الَّذِي دله وَلَو هدي لصوابه ووفق لرشاده فتحت لَهُ أَبْوَاب الْإِنَابَة ومهدت لدعائه أَسبَاب الْإِجَابَة قبل أَن تحق عَلَيْهِ الْكَلِمَة ويشتد عَلَيْهِ جذب الْحِكْمَة ويخبط الأرجل خبط السلمة فصل لَهُ من كتاب آخر فِي المشورة والتفكر والتدبر الْمَمْلُوك يَقُول إِن كَثْرَة الشَّك محاماة عَن الْيَقِين وَكَثْرَة الْفِكر أَمَان من تطرق الرَّأْي المنتقد وَأَنه لَا تنَال الزبدة إِلَّا بالمخض وَلَا يتَأَكَّد الإبرام إِلَّا بعد النَّقْض وَإِذا تكَرر صقل السَّيْف كَانَ التّكْرَار أظهر لجوهره وَإِذا تكَرر سقِِي الْغُصْن كَانَ أخرج لثمره لَا سِيمَا وكل أَمر ابْتَدَأَ بِهِ الْمولى واستدركه وَنهى عَنهُ ثمَّ أَمر بِهِ ثمَّ نهى عَنهُ لم يفت مِنْهُ فَائت وَلَا خرج عَن الْيَد مِنْهُ خَارج فصل من آخر فِي وَصِيَّة نصح لَا شكّ أَن الْمولى تغرق الْجبَال فِي بحره وتضيق الْعِظَام فِي سَعَة صَدره وَهَذِه عَادَة الخواطر وَالله سُبْحَانَهُ قد أشرك بَين الْخلق فِيهَا وَلكنه عِنْد الصَّوَاب أفرده بهَا وَالْملك فِيمَا يرد عَلَيْهِ مِنْهَا بِمَثَابَة الشَّجَرَة فِيمَا يرد عَلَيْهَا من مَائِهَا تتلقى صفوة فتسيغه وتنبو عَن قذاه فتمجه وتلفظه وَمن أَمْثَال الْعَرَب رب عجلة تهب ريثا

стр. 74

وَقيل لرجل يعدوا وَرَاء خصم وَقد أجهد نَفسه إِن رفقت لحقت فَقَالَ هَذَا لَا يتَصَوَّر إِن قصرت سبقت فَوَقفهُ التَّعَب وَنَجَا خَصمه من الطّلب وَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا كَانَ الرِّفْق فِي شَيْء قطّ الا زانه وَلَا كَانَ الْخرق فِي شَيْء قطّ الا شانه ولعمر الله ان الفرص اذا لاحت لايحمد الرِّفْق فِيهَا وَإِنَّمَا تحمد إِلَى أَن تلوح مضاربها وتحمد مطالبها وَالله تَعَالَى يقدر الْمولى على نيل أغراضه ويسدد سَهْمه لمطابقة أغراضه فصل لَهُ من كتاب آخر فِي وصف منزلَة من منَازِل السُّلْطَان وَذكر الأشواق أصدر هَذِه الْخدمَة من المخيم العادلي بطاهر بلبيس قبالة الْبِئْر وَهِي منزلَة الْمولى ومجر مضاربه ومجرى كتائبه ومركز رماحه ومطلع صفاحه ومعترض حوافر سيوله ومرتكض حوافر خيوله وَلما نزل بهَا نزل بِهِ من آثَار الشوق مَا قيد ناظره بأطراقه وانفق ذخر دمعه على يَد آماقه وتذكر أَيَّام الْخدمَة لَا فقدت وسعادات أَوْقَاتهَا الَّتِي سعد بهَا وسعدت وامتثل مَا رسمه أَبُو الطّيب فِي قَوْله ... نزلنَا عَن الأكوار نمشي كَرَامَة لمن بَان عَنْهَا أَن نلم بهَا ركبا ... وَصلى بِالسُّجُود إِلَى آثَار خيوله فَإِنَّهَا محاريب الأذكياء وَتوجه إِلَى كعبة خيامه فَإِنَّهَا مَنَاسِك الْوَلَاء ثمَّ تَأمل النِّعْمَة باستمرار سُلْطَان الْمولى بَعيدا وقريبا وبامتثال أوامره مباشرا ومستنيبا فَإِذا هِيَ نعْمَة تظهر فِي الْغَيْبَة أَكثر من ظُهُورهَا فِي الْحُضُور وتذكر بِمَا فِي ذَلِك من آيَات لَا يعرفهَا الا كل عَارِف وَلَا يشكرها الا كل شكور فصل لَهُ من كتاب السُّلْطَان فِي معنى الْأَثِير بن بنان كَانَ طالع بِسَبَب القَاضِي الْأَثِير بن ذِي الرئاستين وَأَنه الْآن قد عطل من خدمَة وَاسْتقر فِي جَانب عزلة وَأَنه لَا غنى لخدمة الْمولى عَنهُ وَلَا لَهُ عَنْهَا أما حاجتنا إِلَيْهِ فلفرط استقلاله وَأما حَاجته إِلَيْنَا فلفرط اقلاله وَلَا مجَال للحرمان من أنعام الْمولى وآماله وَلَو أَن انعامه مُسْتَقل بِنَفسِهِ لَكَانَ مستريضا بضراعه مَمْلُوك وسؤاله لَكِن وَارِد النّيل لَا يحْتَاج الى شطن وتاجر الأمل فِي كرمه ينَال الْغنى بِلَا ثمن وَعلم الْمولى مُحِيط بِمَا لَهُ فِي هَذِه الدولة الشَّرِيفَة من السَّابِقَة الْحسنى واللاحقة المثلى وَالْجهَاد مَعَ أوليائها

стр. 75

والاستهداف لأعدائها وكشف الْوَجْه عَن ولائها وَتَجْرِيد الضَّمِير وَالْفِعْل فِي استثارة مَنَافِعهَا الَّتِي لَوْلَا تلطفه لبقيت تَحت حجاب خفائها هَذَا مَعَ كَونه لَا تعد خدمَة كَبِيرَة وَلَا رُتْبَة جليلة الا كَانَ من كفاتها وأكفائها وان فوض إِلَيْهِ النّظر الْجَامِع فِي ديواني المَال وَالْحَبْس ظهر أَثَره حَقًا يشْهد بِهِ النّظر لِأَنَّهُ لَا يكون فِي حيّز الظنون المنتظر وَأي شَيْء اخْتَارَهُ لَهُ من مهماته بلغ فِيهِ الْغَرَض وَتَنَاول الْمولى مِنْهُ الْجَوْهَر وَأعْرض الْعرض وَصحت لَهُ دَلَائِل الصدْق واصفة وَسَقَطت أَحْوَال من فِي قلبه مرض والمملوك يستمطر بحره الفائض الَّذِي يُرْسل إِلَى الْبعيد المواطر وَإِلَى الْقَرِيب الْجَوَاهِر وطرق لَهُ أَبْوَاب كعبة كرمه الَّتِي هِيَ مثابة للنَّاس وَسَوَاء فِيهَا البادي والحاضر وَقد زَادهَا الْمَمْلُوك بضميره وأزارها رَسُول هَذَا القَاضِي بضامر ومعاذ الْفضل الناصري أَن يحرم حج الْقَصْد وَقد لبّى الدعْوَة والداعي الْكَرم وألب بالعقوة والمزور الْحرم فصل مِنْهُ فِي جَوَاب السُّلْطَان فِي الْحَث على الْجُود وَأما مَا انْفَتح على الْمولى من المطالب وَمَا يسره من الجوائز وَمن قدم عَلَيْهِ من العفاة وكرق أبوابه من الشُّعَرَاء وَعظم الكلفة بهم وتوفير الْغرم بسببهم فَمَتَى خفت الكلفة وَمَتى قلت الغرامة وَمَتى وجد الْخَلَائق بَابا غير بَاب الله وبابه وَمَتى استمطروا غير لطف الله بِوَاسِطَة سحابه وَقد ضمن الله أَنه يعجل لمنفق خلفا ولممسك تلفا نعم وأبواب الْمُلُوك مغلقة فَهِيَ تدفع إِلَى بَابه المفتوح والغنى من الْمولى لأوّل نظرة من الْعَافِي والقليل من غَيره يحْتَاج فِيهِ إِلَى صَبر أَيُّوب وَعمر ونوح وَالله منجد هَذِه الهمة بالجدة ويجعلها لرق الْحَمد من كل لِسَان وَالْإِخْلَاص من كل قلب مستفد فصل فِي وصف جمَاعَة الْوَالِي عفيف إِلَّا نوابه والمشارف مَأْمُون إِلَّا أَن كِتَابه وَفُلَان ثِقَة إِلَّا أَنه غير متصرف (الْكَامِل) وَلكُل شَيْء آفَة مَوْجُودَة نور السراج على سناه يدخن ... فصل من كتاب فِي معنى السُّور وَأما سور الْقَاهِرَة فعلى مَا أَمر بِهِ الْمولى شرع فِيهِ وَظهر الْعَمَل وطلع الْبناء
следующие страницы →