← Фатава

Фатава · id 663

الدرر البهية من الفتاوى الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 933 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كلمة الإدارة الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلَّا اللهُ وليُّ الصالحين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فانطلاقاً من مسؤوليَّة إدارة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة تجاه عموم المسلمين؛ في تبصيرهم بأمور دينهم ودُنياهم، من خلال تعزيز الثِّقة بين أفراد المجتمع، وهيئاته الدِّنيَّة والشرعيَّة؛ يسرُّنا أن نقدِّم هذا الإصدار الجديد المسمَّى: (الدرر البَهيَّة من الفتاوى الكويتيَّة)، المشتمل على خلاصة ما صدر عن «هيئة الفتوى الشرعيَّة ولجانها المختصَّة» من الفتاوى في مختلف الموضوعات التي تمسُّ حاجة الناس في أمور العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصيَّة، والنَّوازل والمستجدات، انْتُقِيَتْ من أصلها (مجموعة الفتاوى الشرعيَّة) للفترة ما بين عامَيْ ١٩٧٧ م، وحتى عام ٢٠٠٧ م، وفق منهجيَّة عمليَّة، وضوابط فنِّيَّة. وقد شارك في هذا العمل كلٌّ من: الشيخ / تركي عيسى المطيري ... رئيساً. الدكتور / أيمن محمّد العمر ... عضواً. الشيخ / نور الدين عبد السلام مسعي ... عضواً. الشيخ / أحمد عبد الوهاب سالم ... عضواً. الدكتور / محمود محمَّد الكبش ... عضواً.

стр. 2

سائلين المولى بمَنِّه وكرمه أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وينفع به جميع المسلمين؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3

المقدّمة الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ وَليُّ الصالحين، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ الأمين، أرسلَه الله هدى ورَحمةً للعالمين، صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سارَ على هدْيهِم واقتفَى أثرَهُم إلى يوم الدِّين، أمَّا بعدُ: فلا يخفَى على كُلِّ ذي لُبٍّ وعقلٍ سليمٍ ما لِمنصِبِ الإفتاءِ من شرفٍ عظيمٍ، وفضلٍ كبيرٍ؛ لأن المفتيَ وارثُ تَرِكَةِ الأنبياءِ والمرسلينَ، ومُوَقِّعٌ عن ربِّ العالمينَ، بل إنَّ من عظيمِ شرَفِ الإفتاءِ أنَّ الله تعالى نسبَهُ إلى نفسِهِ؛ فقالَ في مُحكَمِ التَّنزيلِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ (١). يقولُ ابنُ الصَّلاحِ ﵀: «للعُلماءِ خِصِّيصةٌ فاقوا بها سائرَ الأُمَّةِ، وما هُمْ بصدَدِهِ منْ أمرِ الفَتوى يُوضِّحُ تحقُّقَهُم بذلكَ للمستوضِحِ؛ ولذلكَ قيلَ في الفُتيا: إنَّها توقيعٌ عنِ الله ﵎» (٢). وقال الشاطبيُّ ﵀: «فالمُفتي مُخبِرٌ عنِ الله كالنَّبيِّ، وموقعٌ للشَّريعةِ على أفعالِ المكلَّفينَ بحسبِ نَظَرِهِ كالنَّبيِّ، ونافذٌ أمرُهُ في الأُمَّةِ بمَنشورِ الخِلافَةِ كالنَّبيِّ، ولذلكَ سُمُّوا أُولي الأَمرِ، وقُرِنتْ طاعتُهُم بطاعَةِ الله ورَسولِهِ ... » (٣).

стр. 4

ومن هنا وجبَتِ العنايةُ بأمرِ الفَتوى والإِفتاءِ؛ لما له من أثر خطير على الناس؛ ذلك لأن للمفتي دوراً كبيراً في توعيةِ المسلمينَ بما يحتاجونَ إليه من أحكامِ دينهِمْ، وشؤونِ دُنياهُم، من خلالِ إيجاد الحلولِ الشَّرعيَّةِ التي تنسَجِمُ معَ مقاصدِ الشَّريعةِ السَّمحَةِ، بعيداً عن داعية النفس والهوى. وقد قامت هيئة الفتوى ولجانها بإصدار الآلاف من الفتاوى الشرعيّة؛ ممّا شغل بال المسؤولين لإيجاد طريقةٍ مُثلَى لحفظها كي يُنتفَع منها عند الحاجة؛ فتولَّى فضيلة الشيخ مشعل مبارك عبد الله الصباح -وفّقه الله- هذا الأمر مع ثلَّة من طلبة العلم، واستقرَّ رأيُهم على إخراج هذه الفتاوى في إصدار مُسَلسَلٍ كلّ عام حسب ما يصدر فيه من فتاوى، حتى اجتمع لدى إدارة الإفتاء الآن أكثر من خمسة وعشرين (٢٥) مجلَّداً. غير أنَّ الإدارة الحاليّة رأت أنَّه في المستقبل سيصعب الاستفادة من هذه السِّلسلة القيّمة الاستفادة المثلى؛ وذلك لعدّة أسباب؛ منها: ١ - كثرة عدد مجلَّداتها الصادرة؛ ذلك أنَّها تصدر في أجزاء مسلسلة ومتتابعة في كلِّ عام؛ الأمر الذي تصبح معه كُلفة طباعتها باهظة، ويصعب على الراغب فيها اقتناؤها. ٢ - كثرة الفتاوى المكرَّرة؛ حيث إنَّه في كلِّ عام تتكرَّر الأسئلة، وتتكرَّر الفتاوى مع اختلافات بسيطة في بعض الأحيان، وهذه الفتاوى المكرَّرة تشغل حيِّزاً من هذه الموسوعة. ٣ - رجوع الهيئة أو لجانها عن بعض الفتاوى المذكورة في المجلَّدات الأُوَل ممّا لم يَعُدْ لذكرها فائدة من حيث إنَّها لا تمثِّل ما استقرَّت عليه الفتوى

стр. 5

في الهيئة واللِّجان المنبثقة عنها. ٤ - اشتمالها على جملة من المسائل التي لا يمكن الاستفادة منها استفادة علميَّة مباشرة؛ نظراً لكونها تتضمَّن توجيهاً لمراجعة القضاء، أو كونها إرشاداً ونُصحاً للمستفتي، وليس فيها بيان حكمٍ شرعيٍّ. لهذه الأسباب وغيرها؛ قمنا باختصار «مجموعة الفتاوى الشرعيَّة» وَفْق منهجيَّة يأتي ذكرها؛ لتتمَّ الاستفادة منها بقدر الإمكان، ولنوثِّق ما استقرَّت عليه الفتوى، مع حذف المكرَّر منها، حتى خرجت بهذا الشكل. علماً بأنّ هذا المختصر ستُعاد طباعته بالنظر لما يُستجَدُّ من الفتاوى الصادرة فيما يستقبل من السنوات بإذن الله تعالى. والله تعالى الموفِّق، والهادي لسواء السبيل. وقبلَ الشُّروعِ في عرْضِ مسائلِ هذا المُختصرِ؛ أحببْنَا أنْ نضعَ بينَ يَدَي القارئِ الكريمِ هذهِ المقدِّمةَ التَّعريفيَّةَ بهيئة الفتوى في دولة الكويت، وما يتَّصلُ بمنهج العمل في هذا المشروعِ المباركِ -بإذنِ الله-، مع ذكر بعض المسائل العلميَّة التي لها ارتباط بالفتوى وأحكامها.

стр. 6

هيئة الفتوى في الكويت (١) لا بدَّ للمسلمين في كلِّ زمان ومكان من علماءَ يُبيّنون لهم أحكام دينهم، ويُفتونَهم فيما نزل بهم من حوادث وأحوال، ولذلك درج علماء الإسلام على القيام بوظيفة الإفتاء والاهتمام بها، من لدن رسول الله ﷺ حتَّى يومنا هذا. وفي دولة الكويت برز فقهاء متقنون، ومفتون مُتَمرِّسون؛ سدُّوا حاجة الناس في هذا الجانب؛ فأفتوا الناس لمّا سُئلوا، وبيّنوا لهم الحلال والحرام، وأرشدوهم إلى حكم الله في النوازل والمُلمَّات؛ من أمثال: الشيخ / محمّد بن عبد الله بن فارس، والشيخ / عبد الله بن خلف بن دحيّان، والشيخ / خالد بن عبد الله بن محمّد العدساني، والشيخ / عبد الرحمن بن محمّد الفارسي، والشيخ / محمّد بن سليمان آل جَرّاح، والشيخ المصلح / يوسف بن عيسى القِناعي، والشيخ / عبد الله النُّوري، وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى. وبعد عصر النفط، انتقلت البلد إلى تنظيم العمل الإداريِّ فيها؛ فنُظِّمَتِ الوزارات الحكوميّة، وكان من أهداف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة توفير الجهة الشرعيّة الموثوقة التي تفتي الناس في أمور دينهم، وتبيِّن أحكام الشرع فيما استجدّ من النوازل. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء لجنة تتولّى القيام بمهامِّ الإفتاء، والردَّ على أسئلة

стр. 7

واستفسارات المواطنين، وذلك في عام ١٩٦٩ م، وكانت تتكوّن في بدايتها من العلماء الأفاضل التالية أسماؤهم: - الشيخ عبد الله النُّوري ... رئيساً. - الشيخ أحمد محمّد الأحمر ... عضواً. - الشيخ رضوان رجب البِيلي ... عضواً. - الشيخ حسن مراد منَّاع ... عضواً. - الشيخ محمّد سليمان الأشقر ... عضواً ومقرِّراً. ولِضبط جلسات اللجنة بمحاضر يمكن الرّجوع إليها، والاستفادة منها -حيث كانت تكتفي بالإجابة الشفويّة- أُعيد تشكيل لجنة الفتوى، وكانت على النحو التّالي: - الشيخ عبد الله النُّوري ... رئيساً. - الشيخ بدر المتولِّي عبد الباسط ... عضواً. - الشيخ حسن مراد منَّاع ... عضواً. - الشيخ عطيّة محمّد صقر ... عضواً. - الشيخ محمّد سليمان الأشقر ... عضواً ومقرِّراً. ثمّ في عام ١٩٨١ م؛ أُعيد تشكيل لجنة الفتوى؛ نظراً لفقدها اثنين من أعضائها؛ فأصبح الشيخ بدر متولّي عبد الباسط رئيساً للّجنة؛ خَلَفاً للشيخ / عبد الله النُّوري رحمه الله تعالى. وفي عام ١٩٨٣؛ تمّ تعديل مسمّى «لجنة الفتوى» إلى «الهيئة العامّة للفتوى»؛ نظراً لتوسّع أعمال اللجنة وتشعّبها؛ فقد تفرّع عن هيئة الفتوى لجنتان: الأُولى: للأحوال الشخصيَّة؛ وهي التي تتولَّى الإجابة على الاستفسارات

стр. 8

المتعلِّقة بالزواج، والطلاق، والوصايا، وما شابهها. والثانية: للأمور العامّة؛ وهي التي تتولَّى الإجابة على الاستفسارات المتعلِّقة بالموضوعات الأخرى؛ كالزكاة، والمعاملات، وغيرها. وقد أُعيد تشكيل العاملين فيها أكثر من مرَّة؛ لتضمَّ ثُلَّة كريمة من العلماء؛ ليصبح عدد أعضاء هيئة الفتوى منذ ذلك التاريخ عشرة أعضاء، في غالب التشكيلات؛ خمسة منهم من العاملين في الموسوعة الفقهيّة، وخمسة منهم أساتذة في كلِّيَّة الشريعة. وقد ترأّس الشيخ حسن مراد منّاع رحمه الله تعالى هيئة الفتوى منذ عام ١٩٩١ م، بعد الغزو العراقي الغاشم مباشرة، واستمرّ في رئاستها إلى عام ٢٠٠٨ م؛ حيث طلب إعفاءه من هذه المهمّة، مكتفياً بوجوده رئيساً في لجنة الأحوال الشخصيّة، والتفرّغ للرّدِّ على أسئلة المراجعين في مكتبه، وكذلك الأسئلة التي تَرِدُهُ عبر الهاتف، مع بقائه مستشاراً لقطاع الإفتاء والبحوث الشرعيّة. شروط عضويّة هيئة الفتوى: إنّ الشروط اللّازمة لعضويّة هيئة الفتوى -وهي شروط أبرَزَها الواقعُ العَمَلي لضمان تحقيق شروط المفتي كما نصَّ عليها الفقهاء، من كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط- هي كما يلي: ١ - الكفاءة العلميّة المتخصِّصة في الفقه والأصول، والأولويّة للحاصلين على الشهادات العُليا فيهما؛ كالدكتوراه والماجستير، بالإضافة إلى الخبرة

стр. 9

الطويلة في مجال البحوث والمؤلَّفات العلميّة، وبخاصّة الموسوعيّة منها. ٢ - التميّز بالإلمام التامِّ بالقواعد الفقهيّة العامّة، والاطّلاع الشامل على أحكام المذاهب الأربعة المعتدِّ بها، أو التخصُّص الدقيق في أحدها. ٣ - أولويّة الاختيار بالنسبة للعاملين في الوزارة منحصرة في أصحاب الكفاءات الشرعيّة بالجهاز العلميِّ للموسوعة الفقهيّة. ٤ - أولويّة الاختيار بالنسبة للعاملين خارج الوزارة تكون لأعضاء الهيئة التدريسيّة في كليّة الشريعة - جامعة الكويت.

стр. 10

منهج اعتماد الفتاوى وآلية إصدارها من لجنة الفتوى (١) عملُ لجنة الفتوى عملٌ جماعيٌّ، وأثناء مداولات أعضاء لجنة الفتوى يُدلي كلٌّ منهم برأيه -حسب علمه ومعرفته- في السؤال المعروض أمام اللجنة دون تردُّد. وعادة ما تأخذ اللجنة بالرأي السهل الأيسر بعد قناعتها به؛ حتى لا تُوقِعَ السائل في الحَرَج، ولا تُشدِّد في الأحكام دون مسوِّغٍ، ولا تحمل الناس على ما يشقُّ عليهم. وقد يخالف بعضُ الأعضاء رأيَ الأكثريّة في مسألة ما -ولا حرج في ذلك-؛ فتَصْدُر الفتوى برأي الأكثريّة، مع تسجيل رأي العضو المخالف في محضر الاجتماع. وقليلاً ما تخرج اللجنة في فتاواها خارج إطار المذاهب الفقهيّة الأربعة، وذلك لشمول أحكام تلك المذاهب، وقوّة مستنداتها، وانعقاد عمل الأُمّة عليها ... وهذا الخروج النادر يكون إذا رأت اللجنة في رأي ما دليلاً يُستند إليه، ومصلحة أكيدة تدفع إلى ذلك. وتبتعد لجان الفتوى عن تناول القضايا التي تعرض في ساحة القضاء أمام المحاكم عموماً، ولا تتدخّل فيها إلّا إذا طلبت الجهات المختصّة منها ذلك رسميّاً،

стр. 11

فقد تحيل إليها المحاكم أو جهات التوثيق أو إدارات العدل بعض المسائل المعروضة أمامها؛ إمّا للاستئناس برأي هيئة الفتوى، وإما لمعرفة الحكم الشرعيِّ. وقد يطلب بعض السائلين مُجَرَّد معرفة الحكم الشرعيِّ في أمر يرغب في عرضه على القضاء؛ فيُبيَّن له رأي اللجنة في ذلك مشافهة، مع ردِّه للبتِّ في أمره إلى المحاكم المتنازع أمامها؛ فهي صاحبة الاختصاص. وممّا جرت عليه الإدارة أن لا يُسلَّم الجواب في كلِّ فتوى إلّا إلى صاحب العلاقة، أو وكيله. وقد تحيل اللّجنة بعض الأسئلة إلى بعض أعضائها ليتولّى الإجابة عليها؛ إمّا لمصلحة عامّة تتعلَّق بإذاعة الجواب في وسائل الإعلام، أو لظروف تفهُّم السؤال والاتِّصال بأصحاب العلاقة فيه، أو غير ذلك. وتندب اللّجنة أحياناً بعض أعضائها للوقوف بأنفسهم على بعض الأحوال أو الوقائع أو الأعمال خارج الوزارة، ثمّ موافاتها بتقرير حول ذلك؛ لتكون أكثر اطِّلاعاً وإحاطة. ولا تتدخَّل هيئة الفتوى، ولا لجانها في المسائل السِّياسيَّة البحتة، وقد أفاد ذلك في بقائها بعيدة عن التقلّبات السِّياسيَّة، أو الارتباط بجهات التوجيه السِّياسي؛ ممّا جعلها لجنة علميَّة حياديَّة نزيهة. كما لا تتدخّل هيئة الفتوى ولا لجانها في المسائل والقضايا التي تثير حساسيَّة اجتماعيَّة أو طائفيَّة داخل المجتمع؛ كالأمور الخلافيَّة بين المذاهب الفقهيَّة، أو الشيعة والسنَّة، أو البدو والحضر، ونحو ذلك، وترى الهيئة أنّ ضمان سلامة المجتمع وأمنه واستقراره مصلحة عليا، يجب أخذها بعين الاعتبار في لجانها الرسميَّة ذات التأثير الكبير في واقع الناس.

стр. 12

وقد ترى هيئة الفتوى أو لجانها إحالة السائل إلى جهة أخرى، ربما تكون جهة علميّة في مجال الإجابة عن بحث تخصُّصيٍّ، أو جهة إداريَّة في مجال العمل الرسميِّ والوظيفيِّ، أو جهة للإفتاء في بلده؛ لتراعي الظروف والأعراف المتَّبعة فيه، ولتعرف خبايا المسائل بشكل دقيق ومفصَّل؛ ممّا قد يخفى على غيرها. وقد تعتذر اللِّجان عن الإجابة على سؤال لم يُبتَّ فيه من قبل المجامع الفقهيَّة الشرعيَّة؛ كالمسائل المستحدَثة المستجَدَّة، والأمور المعقَّدة الشائكة؛ فتؤجِّل الإجابة لمزيد من الدراسة والتثبُّت، وعدم الاستعجال فيما هو مهمٌّ أو دقيقٌ.

стр. 13

هذا الكتاب الغاية من هذا المختصر: لا شكَّ أنَّ هذا الجهدَ الّذي بُذلَ في اختصارِ هذا السِّفرِ الكَبيرِ له غاياتٌ جليلةُ، ومقاصدُ مفيدةٌ؛ تتجلَّى في الأمور التالية: ١ - تقريبُ مسائلِ الأصلِ (مجموعة الفتاوى الشرعيَّة) إلى عمومِ المسلمينَ؛ ليسهلَ الاستفادةُ منها، والانتفاعُ بما حَوتهُ من دُررٍ نافعةٍ؛ ذلكَ أنَّ الأصلَ قد احتوى على جملةٍ كبيرةٍ من المسائلِ المتنوِّعةِ، والوقائعِ المتعدِّدةِ في شتَّى أبوابِ الفقهِ المختلفةِ؛ الأمر الذي يتعذَّر معه انتفاعُ عمومِ الناسِ به على الوجهِ الأكملِ. ٢ - تهذيبُ الكتابِ الأصلِ (مجموعة الفتاوى الشرعيَّة) منَ المسائلِ المكرَّرةِ الَّتي تشتركُ في جوابِها؛ بما يُغني أحدُها عن مثيلاتِها. ٣ - تنقيحُ الأصلِ من الفتاوى الَّتي رَجعتْ هَيئةُ الفتوَى أو لِجانُها عن القول بها، وعَدَلَتْ عنها إلى قولٍ آخرَ. منهج العمل في المختصر: لقد سار العمل في اختصار الأجزاء الثلاثة والعشرين الأُولى من (مجموعة الفتاوى الشرعيَّة) وَفق المنهجيَّة التالية: ١ - الاعتماد على النسخة المطبوعة من مجموعة الفتاوى الشرعيَّة. ٢ - انتقاء واعتماد الفتاوى الأشمل موضوعاً، والمتأخِّرة صدوراً في المسألة الواحدة.

стр. 14

٣ - حذف الفتاوى المكرَّرة في الباب الواحد. ٤ - حذف الفتاوى التي هي وقائع أحوال، والاستعاضة عنها بالفتاوى الجامعة في المسألة. ٥ - إذا اشتملت الفتوى على شِقَّيْن أو أكثر لأبواب فقهيّة مختلفة؛ أُثبتت الفتوى في أحد هذه الأبواب إذا كان في الأبواب الأخرى ما يغني عنها، وإلّا أُثبتت في الجميع، مع المحافظة على صياغة الفتوى بما يناسب الباب الذي وضعت فيه. ٦ - إذا اقتضى المقام الاقتصار على ذكر أحد فروع المسألة المستفتى عنها دون الفروع الأخرى من السؤال لتكرر موضوعها في الباب، أو لعدم علاقة موضوعها بالباب، أو لشدَّة الحاجة إليها في أبواب أخرى؛ فإننا نحذفها، ونراعي في الصياغة ما يشير إلى أن السؤال المستفتى عنه مختصر، أو مختار من جملة أسئلة؛ بقولنا: «وممَّا ورد فيه». ٧ - المحافظة على عناوين المسائل، إلّا إذا كانت غير مناسبة لمضمون الفتوى الموضوعيِّ. ٨ - المحافظة على نصِّ السؤال وإجابة (هيئة الفتوى / لجنة الفتوى) كما وردت في النسخة المطبوعة، مع تصحيح ما يجب تصحيحه من الأخطاء اللغويَّة والطباعيَّة. ٩ - إثبات ما وقع في السؤال أو الفتوى من سقط مؤثِّر؛ وذلك بالرجوع إلى محاضر الفتوى. ١٠ - ترتيب الفتاوى داخل الباب الواحد بما يتوافق مع ترتيب المسائل في المصنَّفات الفقهيّة -غالباً-.

стр. 15

١١ - ترتيب الأبواب في الكتاب بما يتوافق مع ترتيبها في الكتب الفقهيَّة. وهو منهج أصيل سبق إليه كثيرٌ من العلماء؛ كما سيأتي بيانه قريباً. ١٢ - حذف أرقام المحاضر، والاكتفاء بعزو الفتوى إلى الجزء والصفحة ورقم الفتوى المسلسل من مجموعة الفتاوى الشرعيّة؛ بحيث يوضع في آخر الفتوى على الجهة اليسرى بين معقوفتين. ١٣ - وضع تخريج الآيات في المتن بعد الآية مباشرة، مع اختصار الصيغة [السورة: رقم الآية]. ١٤ - تخريج ما لم يُخَرَّج من الأحاديث الواردة في نصوص الفتاوى في الهامش وعزو ما تم تخريجه منها إلى مصدره برقمه. ١٥ - وضع ترقيم مسلسل لجميع الفتاوى التي أُثبتت في المختصر؛ وذلك في بداية كلِّ فتوى. ١٦ - جمع البيانات الصادرة عن هيئة الفتوى في جزء خاصٍّ بها في آخر المختصر. ١٧ - عمل فهارس علميَّة شاملة للمختصر؛ تشتمل على فهرست للآيات، وفهرست للأحاديث والآثار، وفهرست للقواعد والضوابط الفقهيّة والأصوليّة، وأخيراً فهرست للمسائل الواردة في المختصر.

стр. 16

تعريف الفَتوَى الفَتْوَى لغةً: اسمُ مَصدر أَفْتَى يُفْتِي؛ بمعنى تَبيينِ الحُكْمِ؛ يقال: أَفْتَيْتُهُ في مسألةٍ: إذا أَجَبْتُهُ عنها، وَأَفْتَاهُ الفقيهُ في الأمر الذي يُشْكِل: أبانَهُ له (١). قال ابن فارس: «الفاء والتاء والحرف المُعتلُّ؛ أصلان: أحدُهما يدلُّ على طَراوةٍ وَجِدّةٍ، والآخرُ على تَبيين حُكْمٍ». ثم قال: «والأصل الآخرُ الفُتْيا؛ يقال: أَفْتَى الفَقيهُ في المسألة: إذا بَيَّنَ حُكمَها، واسْتَفتَيتُ: إذا سألتُ عن الحُكمِ، قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٢)» (٣). والاسم: الفُتْيا؛ بضمِّ الفاء وبالياء، والفَتْوَى بفتح الفاء وبالواو (٤)، وتُجمَعُ على فَتَاوَى وفَتَاوِي (٥). أمَّا الفتوَى اصطلاحاً: فعرَّفها الإمام القَرافيُّ ﵀ بقوله: «الفتوى: إخبارٌ عن حكمِ الله تعالى في إلزامٍ أو إباحةٍ» (٦).

стр. 17

وقال الدَّردير: «الإخبارُ بالحكمِ الشَّرعيِّ على غير وجهِ الإلزامِ» (١). وقال الرُّحَيبانيُّ الحنبليُّ: «تَبيينُ الحُكمِ الشَّرعيِّ للسائل عنه، والإخبارُ بلا إلزامٍ» (٢). وقيل في تعريفها: «تَبيينُ الحكمِ الشَّرعيِّ عن دليلٍ لمن سألَ عنهُ» (٣). ومن خلالِ ما سبقَ يلاحظ الآتي: ١ - أنَّ المعنى الاصطلاحيَّ للفتوى لا يخرجُ في دلالتِهِ عن المعنى اللُّغويِّ؛ إلّا أنَّ المعنى الاصطلاحيَّ قيَّدَ بيانَ الحُكمِ بكونِهِ واقعاً في مسألةٍ من المسائلِ الشَّرعيَّةِ، وأنَّ الحكمَ المرادَ معرفتُه هو حكمٌ شرعيٌّ (٤). ٢ - أنَّ الفتوَى تُبيّنُ الحكمَ الشَّرعيَّ وتُظهرُهُ؛ فهيَ كاشفةٌ لهُ، وهي بذلكَ تختلفُ عن الحُكمِ القضائِيِّ الذي يُعدُّ مُلزماً للخصومِ (٥).

стр. 18

٣ - أنَّ الفتوَى لا بُدَّ أنْ تكونَ مبنيَّةً علَى دليلٍ شرعيٍّ منَ القرآنِ، أو السُّنَّةِ، أو الإجماعِ، أو الاجتهادِ.

стр. 19

حكم الإفتاء والاستفتاء أولاً: حكم الإفتاء: الإفتاء من فروض الكفايات التي يجب أن يقوم به طائفة من المسلمين، وإلّا أَثِمَ الجميع؛ لأنّه لا بدّ للمسلمين من وجود مَنْ يُبيّن لهم أحكام دينهم، ويفتيهم فيما يعرض لهم، ويَدُلّهم على ما يحلُّ، وما لا يحلُّ من أمور الشريعة؛ قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١)، وقال النبيُّ ﷺ : (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٢). يقول النوويُّ ﵀: «الإفتاء فرض كفاية» (٣). ويقول المحلِّيُّ ﵀: «ومن فرضِ الكفاية القيام بإقامة الحُججِ العلميَّة، وحَلُّ المشكلات في الدِّينِ، ودفعُ الشُّبَه، والقيامُ بعُلوم الشَّرع كتفسير وحديث؛ بما يتعلَّق بهما، والفروع الفقهيَّة، بحيث يصلح للقضاء والإفتاء؛ للحاجة إليهما» (٤). ويقول السيوطيُّ ﵀ في كتاب آداب الفتيا: «باب وجوب الفتيا على من تأهَّل لذلك ... » (٥).

стр. 20

ولأنّ القيام بمنصب الإفتاء لا يستطيعه، ولا يُحسِنُه كلُّ أحدٍ؛ إذ لا بدَّ من توافر شروط معيَّنة -سيأتي ذكرها-؛ لذا وجب أن يقوم به من توفّرت فيه تلك الشروط، وكانت لديه القدرة عليه. وإنّما لم يكن الإفتاء فرض عَيْنٍ؛ لأنَّه يقتضي تحصيل علوم جَمَّة، فلو كُلّفها كلُّ واحد لأفضى إلى تعطيل أعمال الناس ومصالحهم؛ لانصرافهم إلى تحصيل علوم بخصوصها، وانصرافهم عن غيرها من العلوم النافعة، شأنها في ذلك شأن باقي فروض الكفايات (١). إذاً الإفتاء فرض كفائيُّ، لكنه يتعيّن أحياناً على العالم المسؤول، وذلك إذا توافرت شروط معيَّنة، وهي كما يلي: الأوّل: أن لا يوجد في الناحية غيره ممّن يتمكَّن من الجواب، يقول الإمام النوويُّ: «فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعيَّن عليه الجواب» (٢). أما إذا وُجِدَ غيرُه، وكان متمكِّناً من الجواب؛ فإنه لا يتعيَّن عليه الفتوى حينئذٍ، وله أن يحيل عليه؛ يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسْأل أحدُهُم عن المسألةِ، فيرُدُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأوَّل» (٣).

стр. 21

الثاني: أن يكون عالماً بما سُئل عنه، وإلّا لم يتعيَّن عليه الجواب؛ لما عليه من المشقّة في تحصيله. الثالث: ألّا يكون هناك مانع يمنع من تعيُّن الجواب عليه؛ كأن تكون المسألة اجتهاديَّة لا نصَّ فيها للشارع، أو عن أمر لا منفعة فيه للسائل، أو غير ذلك (١). وقد يكون الإفتاء حراماً، وذلك في حقِّ من لم يكن عالماً بالحكم؛ فلا يجوز له أن يفتي والحالة هذه؛ وإلّا كان متقوِّلاً على الله بغير علم، وقد قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، فجعل الله ﵎ القول عليه بغير علم من أعظم المحرّمات التي لا تباح بحالٍ، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر. وكذا يحرم على المفتي أن يفتي بغير الحقِّ الذي يعلمه، وإلّا فهو كاذب على الله تعالَى عمداً، وقد قال الله : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٣). وقد يكون الإفتاء مكروهاً؛ وذلك إذا كان المفتي في حال غضب شديد، أو وَجَع مُفْرِط، أو هَمٍّ مُقْلِق، أو نعاس غالب، أو شغل قب مُسْتَوْلٍ عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحسَّ من نفسه شيئاً من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبُّته وتبيُّنه؛ أمسك عن الفتوى (٤).

стр. 22

وقد يكون الإفتاء مستحبّاً؛ وذلك إذا كان المفتي أهلاً للفتيا، وكان في البلد غيره (١). ثانياً: حكم الاستفتاء: أما الاستفتاء فكذلك حكمه الوجوب في حقِّ العامِّي الذي نزل به أمرٌ أو حادثة لا يعلم حكمها، فإنه يجب عليه أن يستفتي عنها من يثق به من العلماء؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، ولأنّه يجب عليه العمل حسب حكم الشرع، ولا يتأتّى له ذلك إلّا بسؤال العلماء، ولأنّه لو عمل دون علم فقد يقع في الحرام، أو يترك في العبادة ما لا بد منه (٣). يقول الغزاليُّ ﵀: «العامِّيُّ يجب عليه الاستفتاء واتّباع العلماء» (٤). وقال أيضاً: «إنّ الإجماع منعقد على أن العامِّيَّ مكلَّف بالأحكام، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال؛ لأنّه يؤدّي إلى أن ينقطع الحرث والنسل، وتتعطّل الحِرَفُ والصنائع، ويؤدّي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بجملتهم بطلب العلم، وذلك يردُّ العلماء إلى طلب المعايش، ويؤدّي إلى اندراس العلم، بل إلى إهلاك العلماء وخراب العالم، وإذا استحال هذا لم يبق إلّا سؤال العلماء» (٥). ويقول النوويُّ ﵀: «فصل في آداب المستفتي وصفته وأحكامه ... ثمّ قال: ويجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة، يجب عليه علم حكمها، فإن لم

стр. 23

يجد ببلده من يستفتيه؛ وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه، وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام» (١). ويقول الشاطبيُّ ﵀: «إن المقلِّد إذا عرضت له مسألة دينيَّة؛ فلا يسعه في الدِّين إلّا السؤال عنها على الجملة» (٢). وجاء في إعانة الطالبين للدِّمياطيّ ﵀: «يجب على المستفتي عند حدوث مسألة أن يستفتي من عُرِفَ علمُه وعدالتُه ... » (٣). فإذا لم يجد من يفتيه لا في بلده ولا في غيره؛ فإنه يسقط عنه التكليف بالعمل إذا لم يكن له به علم، لا من اجتهاد معتبر، ولا من تقليد، ولا يثبت في حقّه حكم؛ لا إيجاب ولا تحريم، ولا غير ذلك؛ لأنّ شرط التكليف عند الأصوليّين العلم بالمكلَّف به، وهذا غير عالم بالفرض؛ فلا ينتهض سببه على حال، إذ لو كُلِّفَ بالعمل والحالة هذه؛ لكان تكليفاً بما لا يُطاق، وهو منتفٍ في هذه الشريعة والحمد لله، فيكون حاله كحال من لم تبلغه الدعوة (٤). لكن ذهب ابن القيّم ﵀ إلى أنّه في هذه الحالة يجب عليه أن يتّقيَ الله ما استطاع، ويتحرّى الحقَّ بجهده ومعرفة مثله. ثمّ ذكر كلاماً نفيساً؛ حيث قال: «وقد نصب الله تعالى على الحقِّ أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله بين ما يحبّه وبين ما يسخطه من كلِّ وجه بحيث لا يتميّز هذا من هذا، ولا بدّ أن تكون الفِطَرُ السليمة مائلة إلى الحقِّ مُؤْثِرة له، ولا بدّ أن يقوم لها عليه بعض الأمارات

стр. 24

المرجِّحة ولو بمنام أو بإلهام، فإن قُدّر ارتفاع ذلك كلّه، وعدمت في حقّه جميع الأمارات؛ فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلَّفاً بالنسبة إلى غيره ... والله أعلم» (١).

стр. 25

شروط المفتي لمّا كان المفتي مُبلِّغًا عن الله تعالى، ومجتهدًا في الوصول إلى حكم الله في واقعةٍ أو نازلةٍ معيَّنة؛ كان لا بدّ من الحديث عن شروطِه، وما يجب أن يتوفّرَ مِن صفاتِهِ ونعوتِهِ اللّازمة. والمفتي مجتهِدٌ في الاستدلال بالأدلّة الشرعيّة، واستنباط الأحكام منها، وليس ذكرُ بعض الأصوليّين في تعريف المفتي بأنّهُ المجتهد ... تسويةً بينهما في المنزلة والأهمّيّة، بل إنّ الاجتهاد شرطٌ من الشّروط الواجب توفُّرُها عند المفتي (١)، ولذلك اعتبر بعض الأصوليين مقام الفتوى أشدّ وأغلظ من مقام الاجتهاد (٢). والمقصودُ في هذا المقام الوقوفُ على ما اشترطه العلماءُ من شروط فيمَن تصدّر لهذا المنصب العظيم، لِئَلّا يتسنَّمه كلُّ أحدٍ، فَيُسْأَل مَن ليس أهلاً؛ فَيَضِلّ السّائلُ والمسؤولُ. والحديثُ عن الشروط هنا حديثٌ عمّن يصلح أن يكون مفتيًا، لا عمّن تجبُ عليه الفتوى، إذ لهذا الأخيرِ أحوالٌ مختلفةٌ تجب الفتوى بوجود مقتضياتِها وأسبابِها. وقبل الحديث عن الشّروط الّتي اشترطها العلماء في المفتي، لا بدّ من ذكر الشّروط المتّفق على عدم اشتراطِها فيه؛ وهي: الحريّة، والذكوريّة، والنّطق؛

стр. 26

فتصحّ فتوى العبد، والمرأة، والأخرس؛ إن أفتى السائلَ بالإشارة المفهومة، أو الكتابة الواضحة، وكلِّ ما يقوم مقام النّطق إن كان صحيحًا معتبرًا (١). وأمّا الشّروط المعتبرة الّتي يجب أن تتوفَّر؛ فهي: أوّلاً: أن يكون مسلمًا؛ وهذا الشّرط لا خلاف فيه عند العلماء، فإنّ الكافر غيرُ مؤتَمن على الدِّين، فضلاً عن الإفتاء فيه؛ فإنّ كفرَهُ يجرِّئُه على الكذب والافتراء فيه. وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (٢). فبيَّن الله تعالى أنّ الكافر يتمنَّى ضلال الناس مثله وكفرهم؛ فكيف يؤتمن على الدِّين؛ قال الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير هذه الآية: «فقد كانوا (أي الكفار) جبهةَ تضليل النّاس، وتحريفٍ للكتاب، وتلبيسٍ للحقِّ بالباطل؛ كلُّ ذلك عن قصدٍ وعِلْمٍ؛ بدافعِ الحَسَد، ومناصبةِ العداء. وخصمٌ هذا حالُهُ فلا دواءَ له؛ لأن المدلِّس لا يؤمَنُ جانبه، والمضلِّلَ لا يصدَّق، والحاسدَ لا يشفيه إلّا زوال النّعمة عن المحسود» (٣). ثانيًا: أن يكون مكلَّفًا؛ فلا تصحّ فتيا الصّبيّ والمجنون؛ أمّا الصّبيُّ فلأنّه ناقصُ الأهليّة، غيرُ مؤتَمن، ويأمَنُ غالبًا مِن عقوبة الله تعالى؛ فلا يُستبعدُ منه الكذبُ أو التّدليس.

стр. 27

وأمّا المجنون فَبُعْدُ قبولِ فتياه آكدُ من الصّبيّ لما ذُكِر آنفًا، ولأنّه لا يعقل السّؤالَ؛ فكيف تؤخَذُ منه الأحكامُ؟! قال ابنُ حمدان الحرّانيُّ ﵀: «ومِن صفتِهِ وشروطِهِ (أي المفتي) أن يكون: مسلماً، عدلاً، مكلَّفاً، فقيهاً، مجتهداً، يقظاً، صحيحَ الذِّهن والفكرِ والتصرّف في الفقه، وما يتعلَّق به. أمّا اشتراط إسلامِه وتكليفِه وعدالتِهِ .. فبالإجماعِ؛ لأنّه يخبر عن الله تعالى بحُكْمِهِ؛ فاعتبر إسلامُهُ، وتكليفُهُ، وعدالتُهُ لتحصل الثقةُ بقولِهِ» (١). ثالثًا: أن يحيطَ بالنصوص الشرعيَّة من الكتاب والسُّنّة؛ مع معرفة تامّة بآيات وأحاديث الأحكام، ومعرفة العلوم المتعلِّقة بها، مثل: علم النّاسخ والمنسوخ، والجرح والتّعديل، وغيرها. قال الآمدي في «الإحكام»: «وأما المفتي فلا بدّ وأن يكون من أهل الاجتهاد، وإنما يكون كذلك بأن يكون عارفًا بالأدلّة العقليّة، ... وأن يكون مع ذلك عارفاً بالأدّلة السمعيّة وأنواعها، واختلاف مراتبها في جهات دلالتها، والناسخ والمنسوخ منها، والمتعارضات، وجهات الترجيح فيها، وكيفية استثمار الأحكام منها ... » (٢). وأشار أبو المظفَّر السمعانيُّ إلى ذلك فقال: «المفتي مِن العلماءِ مَن استكملت فيه ثلاثة شرائط: أحدها: أن يكون من أهل الاجتهاد. والشّرط الثّاني: أن يستكمل أوصاف العدالة في الدِّين، حتّى يثق بنفسه في التزام حقوقه، ويوثَقَ به في القيام

стр. 28

بشروطِهِ. والشّرط الثّالث: أن يكون ضابطًا نفسَه من التّسهيل، كافّاً لها عن التّرخيص حتّى يقومَ بحقِّ الله تعالى في إظهار دينِهِ، ويقومَ بحقِّ مستفتيه» (١). ومع اتّفاق العلماء على هذا الشّرط وأهميّتِهِ .. إلّا أنّك تجدُ عندهم خلافًا عريضًا في المرتبة الّتي ينبغي أن يصلَ إليها الفقيهُ حتّى يسمّى مجتهدًا أو مفتيًا، ولا شكّ أنّ هذا الأمرَ مِن أهمِّ الأمورِ الّتي وَقَفَ عندها العلماءُ لدى بيانِ سبب الخلاف بين الفقهاء والمجتهدين في القضايا الفقهيّة، والنّوازل المعاصرة. رابعًا: أن يُحصِّل المهمَّ اللّازم من العلوم الشرعيّة الّتي تساعد على فهم النّصوص الشّرعيّة، واستنباط الأحكام الفقهيّة منها، وذلك مثل: علوم اللُّغة، وأصولِ الفقه، والقواعد الفقهيّة، ومعرفةِ مواضع الإجماع، ومعرفة أعراف النّاس وعوائدِهم، وجملة كبيرة من المسائل المختلف فيها، ووجوه النّظر والاستدلال، وكذلك بعض العلوم العقليّة، وما يمكِّن من فهْمِ نصوص الشّرع. ولأهميّة أصول الفقه ومكانتِهِ في فهم شرع الله تعالى .. عدَّه الأصوليّون أصلَ باب الاجتهاد والفتوى، ولا يمكن للمفتي أو المجتهد أنْ يبلغ هذه الدرجة إلَّا بالتّمكُّن منه، والفهم من خلاله مرادَ الله تعالى (٢). وأمّا عُرْفُ النّاس وعاداتُهم فقد أشار الإمام ابن القيم إلى أنّ المفتي لا يتمكّن من الحكم بالحقّ إلّا بفهمٍ يتضمّن معرفةَ الواقع وعُرْف النّاس (٣). خامسًا: أن يكون عدلاً معروفًا بالتزامه وتديُّنِهِ واستقامتِهِ؛ فلا تصحُّ فتيا

стр. 29

الفاسق، وذلك عند جماهير العلماء (١)، وقد أمر الله تعالى بالتّثبُّت من خَبَرِهِ؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢). وقضية اشتراط العدالة في المفتي مطلقًا شائكةٌ، ولابن القيّم كلام قيّم في تحريرِ هذا الشرط والتزامِه؛ حيث يقول: «وأمّا فتيا الفاسق؛ فإن أفتى غيرَه لم تُقبَل فتواه، وليس للمستفتي أن يستفتيَه، وله أن يعمل بفتوى نفسه، ولا يجب عليه أن يفتي غيره، وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان، والصّواب جواز استفتائه وإفتائه. قلتُ (الكلام لابن القيّم): وكذلك الفاسق إلّا أن يكونَ معلنًا بفسقِهِ داعيًا إلى بدعتِهِ؛ فحكم استفتائِهِ حكمُ إمامتِهِ وشهادتِهِ، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والقدرة، والعجز؛ فالواجب شيء .. والواقع شيءٌ، والفقيه مَن يطبِّق بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا مَن يلقي العداوة بين الواجب والواقع، فلكلِّ زمان حكمٌ، والنّاس بزمانِهم أشبهُ منهم بآبائهم، وإذا عمّ الفسوقُ، وغَلَبَ على أهل الأرض؛ فلو مُنِعَت إمامةُ الفسّاق، وشهاداتِهم، وأحكامَهم، وفتاويهم، وولاياتُهم .. لعُطّلتِ الأحكام، وفَسَدَ نظام الخلق، وبَطَلت أكثرُ الحقوق، ومع هذا؛ فالواجبُ اعتبار الأصلح فالأصلح، وهذا عند القدرة والاختيار، وأما عند الضّرورة والغلبة بالباطل؛ فليس إلَّا الاصطبار،

стр. 30

والقيام بأضعف مراتب الإنكار» (١). سادسًا: أن لا يكون معروفًا بتساهله في الفتوى؛ وقد نصّ الإمام السّمعانيُّ كما مرّ معنا على هذا الشرط، وفصّل فيه القول؛ فقال رحمه الله تعالى: «وللمُتَسَهِّل حالتانِ: إحداهما: أن يتسهَّلَ في طلب الأدلّة، وطُرُق الأحكام، ويأخذ بمبادئ النّظَرِ، وأوائل الفكر. فهذا مقصّر في حقّ الاجتهاد؛ فلا يحلُّ له أن يفتيَ، ولا يجوز أن يستفتى، وإن جاز أن يكون ما أجاب به حقّاً؛ لأنّه غيرُ مستوفٍ لشروطِ الاجتهاد؛ لجواز أن يكون الصواب مع استيفاء النظر في غير ما أجاب فيه. والحالة الثّانية: أن يتسهَّل في طلب الرُّخَص، وتأويل الشُّبَه، ويمُعِن النظر؛ ليتوصّل إليها، ويتعلَّق بأضعفها، وهذا مُتَجوِّز في دينه، متعدٍّ في حقّ الله تعالى، و غارٌّ لمستفتيه، عادلٌ عمّا أمر الله سبحانه به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٢)، وهو في هذه الحالة أعظم مأثمًا منه في الأُولى؛ لأنّه في الحالة الأولى مُقَصِّرٌ، وفي الثّانية متعدٍّ، وإن كان في الحالتين آثمًا متجوِّزًا، لكن الثّاني أعظم» (٣). سابعًا: أن يُعرف بفطنتِهِ وصفاءِ قريحتِهِ ونباغته؛ وقد مرَّ معنا قول ابن حمدان الدالّ على هذا المعنى؛ حيث قال: «ومن صفته وشروطه (أي المفتي) أن يكون: مسلمًا، عدلاً، مكلَّفًا، فقيهًا، مجتهدًا، يقظًا، صحيحَ الذِّهن والفكرِ والتصرّف

стр. 31

في الفقه، وما يتعلّق به» (١). قال ابنُ عابدين الحنفيُّ في هذا الشرط: «وهذا شرطٌ لازمٌ في زماننا، فإنّ العادةَ اليوم أنّ من صار بيده فتوى المفتي استطال على خصمِهِ، وقهَرَهُ بمجرَّد قولِهِ: أفتاني المفتي بأنّ الحقَّ معي، والخصمُ جاهلٌ لا يدري ما في الفتوى، فلا بدّ أن يكون المفتي متيقّظًا؛ يعلم حِيَل النّاس ودسائِسَهم». ثمّ قال: «ولهم مهارة في الحيل، والتّزوير، وقلْبِ الكلام، وتصوير الباطل بصورة الحقِّ، فإذا أخذ الفتوى قَهَرَ خصمَهُ، ووصل إلى غرضِهِ الفاسد؛ فلا يحلُّ للمفتي أن يعينه على ضلالِهِ، وقد قالوا: مَن جَهِل بأهلِ زمانِهِ فهو جاهل» (٢).

стр. 32

مراتب المفتين يختلف العلماءُ المفتون في رُتَبِهِم تَبعاً لاختلاف درجاتهم في الاجتهاد، وقد قسّم العلماء رُتب المفتين إلى أقسام متعدّدة؛ يمكن إجمالها فيما يلي: المرتبة الأُولَى: المفتي المجتهد المستقلّ: وهو الذي بلغ مرتبةً في العلم استقلَّ فيها بإدراك الأحكام الشرعيَّة من أدلّتها العامّة والخاصّة، من غير تقليد لأحد، أو تقيُّد بمذهب أحد؛ فهو يستنبط الأحكام الشرعيّة من مصادرها الأصليّة وَفْق نظره وتحقيقه واجتهاده هو، من غير أن يكون تابعاً لمن سبقه من العلماء والمجتهدين (١). يقول ابن القيِّم ﵀: «العالِمُ بكتاب الله وسُنَّة رسوله وأقوال الصحابة؛ فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلّة الشرعيّة حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحياناً؛ فلا تجد أحداً من الأئمّة إلّا وهو مقلِّدٌ من هو أعلم منه في بعض الأحكام» (٢). ويقول السيوطيُّ ﵀: «هو الذي استقلَّ بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجاً عن قواعد المذهب المقرَّرة» (٣).

стр. 33

المرتبة الثانية: المفتي المجتهد المُطْلَق المنتسب إلى مذهب إمامٍ: وهو المفتي الذي ينتسب إلى مذهب إمامٍ من الأئمّة المجتهدين، إلَّا أنَّه لا يكون مقلِّداً له في أحكام المذهب ولا في دليله؛ ولكن يطلب معرفة الأحكام بطريق إمامه، ويسلك مسلكه في طريقة الاجتهاد (١). ويُلقَّب بـ: «مجتهد التخريج» (٢). فالمفتي هنا وإن كان يتبع إمامَ مذهبِه من حيث الأصول التي يبني عليها استدلاله واستنباطه، إلّا أنه يستقلُّ عنه فيما يؤدّيه إليه اجتهاده في الأحكام التفصيليّة والفروع الفقهيّة؛ لما له من القدرة على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول التي قرّرها إمامه (٣). قال السيوطيُّ ﵀: «وأما المجتهد المُطْلَق غير المستقلِّ؛ فهو الذي وُجِدَت فيه شروط الاجتهاد التي اتَّصف بها المجتهد المستقلّ، ثمّ لم يبتكر لنفسه قواعد، بل سلك طريقة إمامٍ من أئمّة المذاهب في الاجتهاد، فهذا مُطْلَقٌ منتسبٌ لا مستقلٌ ولا مقيَّدٌ» (٤). المرتبة الثالثة: المفتي المُقيَّد في مذهب من انتسب إليه: وهو الفقيه المجتهد الذي أتقن مذهب إمامه، واستقلَّ بتقريره بالدليل،

стр. 34

وحفظ فتاويه وأقواله، إلّا أنّه لا يتعدَّى ما قرَّره إمامُه من أصول وقواعد، مع قدرته على التحرير والتقرير والترجيح بينها، إلّا أنّه ليس له مَلَكَة الاستنباط من أصول إمامه أو التخريج على أقواله (١). ويُلقب بـ: «مجتهد التَّرجيح» (٢). يقول ابن حمدان ﵀: «الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رُتبة أئمّة المذاهب أصحاب الوجوه والطُّرُق، غير أنّه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلّته، قائم بتقريره ونصرته؛ يُصوِّر، ويُجوِّز، ويُمهِّد، ويُقرِّر، ويُزيِّف، ويُرجِّح، لكنّه قَصُر عن درجة أولئك، إمّا لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإمّا لكونه غير متبحِّر في أصول الفقه ونحوه، على أنّه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلّته عن أطراف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإمّا لكونه مقصِّراً في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات للاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطُّرُق» (٣). المرتبة الرابعة: المفتي الذي تفقَّه في مذهب إمامه: وهو الذي حفظ فتاوى مذهب إمامه وفروعه، مع فهمه لها ولضوابطها وتخريجات أصحابه، وقدرته على الرجوع إلى مصادره، إلّا أنّه ليس له مَلَكَة في تقرير أدلّة المذهب، وتحرير أقيسته، فهو يُقلِّد إمامه تقليداً محضاً من جميع الوجوه (٤). ويُلقَّب بـ: «مجتهد الفتيا (٥)».

стр. 35

يقول ابن القيِّم: «النوع الرابع: طائفة تفقَّهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرّت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه؛ فإن ذكروا الكتاب والسنَّة يوماً في مسألة؛ فعلى وجه التبرُّك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل ... » (١). المرتبة الخامسة: المفتي المجتهد في باب معيَّن أو مسألة معيَّنة: ذهب جمهور العلماء (٢) إلى أنَّ المفتي يجوز أن يكون مجتهداً في باب معيَّن من أبواب الفقه، أو مسألة من مسائله، وهو ما يسمى بـ «الاجتهاد الجزئي»؛

стр. 36

ذلك أنَّ المجتهد بلغ هذه الرتبة لما حصل له من العلم بالحكم الشرعيّ بدليله؛ فوصف الاجتهاد -المصطلح عليه- يتحقَّق للمجتهد إذا اجتمعت له أدوات العلم بالحكم الشرعي بدليله في جميع أبواب الفقه ومسائله، وهذا الوصف متحقِّق في المجتهد الجزئي، إلّا أنه ضاق نشاطه عن الاجتهاد في غير ما اجتهد فيه من أبواب ومسائل الفقه الأخرى (١).

стр. 37

مستند الفتوى لمّا كانت الفتوى توقيعاً عن ربِّ العالمين، وإخباراً عن أحكام الله تعالى في أفعال المكلَّفين؛ كان لا بدّ أن يكون لها مستندٌ يدلُّ على صحّتها، ويشهد لانضباطها، وأنّها من عند الله ﵎، لا بمجرَّد الظَّنِّ والهوى؛ وذلك لأنّ الله سبحانه إنّما تعبّد عباده باتِّباع ما جاءهم من عنده في محكم كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ؛ كما قال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). قال ابنُ كثيرٍ ﵀: «أي: لا تخرجوا عمّا جاءكم به الرسول إلى غيره؛ فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره» (٢). كما نهى الله تعالى عن القول عليه بغير علم؛ بل جعله من أعظم المحرَّمات؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). قال ابنُ القيّم ﵀: «فرُتَبُ المحرَّماتِ أربعَ مراتب، وبدأ بأسهلها؛ وهو الفواحش، ثمّ ثنّى بما هو أشدُّ تحريماً منه؛ وهو الإثم والظلم، ثمّ ثلّث بما هو أعظم تحريماً منهما؛ وهو الشِّرك به سبحانه، ثمّ ربَّع بما هو أشدُّ تحريماً من ذلك كلِّه؛ وهو القول عليه بلا علمٍ، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علمٍ في أسمائِه

стр. 38

وصفاتِه، وأفعالِه، وفي دينِه وشرعِه» (١). فكان لزاماً على المفتي أن يكون عالماً بأدلّة المسائل، وحُجَج الأحكام، كما ينبغي أن يكون عالماً بأصول الشّريعة، ومقاصدها الكُلّيّة، وغير ذلك من آلات الاجتهاد المهمّة. وأدلّة الأحكام تنقسم إلى قسمين: أدلّةٌ أصليّةٌ متّفقٌ عليها، وأدلّة تبعيّةٌ مختلفٌ فيها. فأمّا الأدلّةُ الأصليّةُ المتَّفقُ عليها؛ فهي أربعة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس. قال الخطيبُ البغداديُّ ﵀: «وأصول الأحكام في الشّرع أربعة: أحدها: العلم بكتاب الله على الوجه الذي تصحُّ به معرفةُ ما تضمّنه من الأحكام: مُحْكَماً ومتشابهاً، وعموماً وخصوصاً، ومجملاً ومفسَّراً، وناسخاً ومنسوخاً. والثَّاني: العلم بسنُّة رسول الله ﷺ الثّابتة من أقواله وأفعاله، وطرق مجيئها في التّواتر والآحاد، والصِّحَّة والفساد، وما كان منها على سبب أو إطلاق. والثَّالث: العلم بأقاويل السّلف فيما أجمعوا عليه، واختلفوا فيه؛ ليَتْبَع الإجماعَ، ويجتهدَ في الرَّأي مع الاختلاف. والرَّابع: العلم بالقياسِ الموجِبِ لردِّ الفروعِ المسكوتِ عنها إلى الأصولِ المنطوقِ بها، والمجمعِ عليها؛ حتّى يجِدَ المفتي طريقاً إلى العلمِ بأحكامِ النّوازلِ، وتمييز الحقِّ من الباطلِ؛ فهذا ما لا مندوحةَ للمفتي عنه، ولا يجوزُ له الإخلالُ بشيءٍ منه» (٢).

стр. 39

وأمّا الأدلّةُ التبعيّةُ المختلفُ فيها؛ فهي كثيرةٌ، ويختلف علماء المذاهب في الأخذ بها إقلالاً وإكثاراً، كما يختلفون في ترتيبها تقديماً وتأخيراً؛ وذلك كقول الصّحابي، والمصالح المُرسَلَة، والاستحسان، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وغيرها. وهذا النّوع من الأدلّة لا يصير إليه المفتي غالباً إلّا إذا أعوزه الدّليل من النّوع الأوّل. والحاصل: أنّ الفتوى لا بدّ أن يكون لها حجّةٌ ودليلٌ، والمفتي لا ينبغي أن يصدر في فتواه إلّا عن برهانٍ وتأصيلٍ. هل يلزم المفتي أن يذكر الدليل؟ تقرَّر فيما سبق أنّه لا يجوز أن يفتي في دين الله سبحانه إلّا عالمٌ بأدلَّة الشَّريعة، ومقاصدها الكليَّة، وأنّ الفتوى بالرأي المجرَّد بابٌ من أبوابِ الضلالةِ، والقولِ على الله تعالى بلا علم، ولا بيَّنة. ولا يخفى أنّ الفتوى المشفوعة بالدّليل، المصحوبة بالتعليل؛ تكون أحرى بفهم المستفتي، وقبوله لها، وانشراح صدره للعمل بها؛ من الفتوى المجرَّدة عن الدّليل أو التّعليل. وإذا عُلم ذلك؛ فهل يلزمُ المفتيَ ذكرُ الدَّليلِ على الأحكامِ الّتي يقرِّرها في فتواه؟

стр. 40

اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأوّل: ينبغي للمفتي أن يذكر الدليل على الحكم الذي انتهى إليه، ويبيِّن مأخذه ما أمكنه ذلك. وممّن نصّ على ذلك: ابنُ القيّم؛ حيث قال: «ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجاً مجرَّداً عن دليله ومأخذه؛ فهذا لضيق عَطَنِه، وقلّة بضاعته من العلم، ومن تأمّل فتاوى النبيِّ ﷺ الذي قوله حجّة بنفسه؛ رآها مشتملة على التنبيه على حِكْمَة الحُكْم ونظيره، ووجه مشروعيتّه» (١). ثمّ قال - بعد أن ذكر أمثلة على ذلك من السنّة النبويّة- «فينبغي للمفتي أن ينبِّه السائل على علّة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، وإلَّا حرم عليه أن يفتي بلا علم» (٢). وقال أيضاً: «عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أَوْلَى بالعيب؛ بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل؛ فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين، وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم، والقياس الصحيح عيباً؟! وهل ذكر قول الله ورسوله إلّا طراز الفتاوى؟! ... » (٣). ثمّ استدلّ على ما قرّره بأنّ رسول الله ﷺ الّذي قوله حُجّة كان يُسأل عن المسألة؛ فيضرب لها الأمثال، ويشبّهها بنظائرها؛ فكيف بمن ليس قوله حُجّة؟!
следующие страницы →