Полный текст (687 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(بنى لي الْمجد آبَاء كرام ... ورثنا مجدهم باعاً فباعا)
(وهذبني الإباء فقات طرفِي ... وكل بعد يجرى مَا استطاعا)
وقبلهما مِمَّا يصل حبلهما ويصف فضلهما
(وَمَا للنَّاس منا غير رعي ... يفيدهم رفاهاً وانتفاعا)
(فيمنعهم وَمَا شعبوا مضاماً ... ويوسعهم وَمَا سغبوا انتجاعا)
وَلَهُم رضى الله عَنْهُم وَسمعت ذَلِك مِنْهُم
(أجب داعيتها فالنجيب يُجيب ... وشب لظاها فالنخيب يخيب)
стр. 2
(وشم عَزمَة لَا يغمز الْعَجز متنها ... فذو الْعَزْم فِي الْيَوْم الصعيب يُصِيب)
(وَلَا تبتغ العلياء إِلَّا بأبيض ... لغربيه فِي هام الكماة غرُوب)
(وأسمر غر شيب الوقع رَأسه ... أَلا إِنَّمَا بعد القشيب مشيب)
(وَإِن شِئْت قلت النَّجْم توج رَأسه ... فلاح لَهُ بَين الْقُلُوب ثقوب)
(ينضنض صلاً ثمَّ يهوى كَأَنَّهُ ... رشاء لَهُ قلب الكمى قليب)
(وصفراء ربتها الْجُيُوب وراوحت ... ذوائبها فَوق الجبوب جنوب)
(إِذا عيج متناها أُقِيمَت شباتها ... فَمِنْهَا سروب لَا يرى ورسوب)
(فَإِن سدكت بالكف أَو فل خطوها ... فخطو بنيها فِي الحروب رحيب)
(وأجرد يستجلى بأوضاحه الوغى ... وَقد جنها يَوْم الرّكُوب عكوب)
стр. 3
(إِذا مَا استحر الضَّرْب وأشتجر القنا ... بدا وَهُوَ فِي حَال)
(لَهُ من سعالى الْجِنّ خلق مطهم ... يروع وَمن هوج الرِّيَاح هبوب)
(بِتِلْكَ ينَال الْوتر لَو حَال دونه ... سهوب وحالت عَن مداه لهوب)
(فرع عَنْك أَبنَاء الزَّمَان فكلهم ... لَهُ عِنْد تمحيص الغيوب عُيُوب)
(فَلَا توردنه وردك الصفو إِنَّه ... شروب وَعند الحادثات سروب)
( [] اوى الرِّجَال فباسم ... لَهُ عِنْد هباب الخطوب خطوب)
( [] قربى يعرد هايبا ... ويبأى إِذا الْحق النؤوب يؤوب)
( [] إِلَى الْخَلِيل محلّة ... وَقد جعلت [] )
( [] يَديك فَإِنَّهُ ... سَوَاء قريب فِي الورى وغريب)
( [أَلا فاستعتن واستعن بِاللَّه إِنَّه ... لفتح بِتَقْدِير الرَّقِيب قريب)
وَلَهُم أَيّدهُم الله فِي اسْتِقْبَال حَضرتهمْ الْعلية من بعض غزواتهم الميمونة
(تقر جفون عَيْنك بالقرار ... وَمن شَرط الْهوى رعى االذراري)
(ألاح الْبَرْق مُعْتَرضًا فغارت ... نُجُوم الْأُفق من مَاء ونار)
(خفى يسرى وظل الدمع يجرى ... فواحرباه من سَار وجار)
(وهاب الْبَدْر أَن يفرى دجاه ... فَمَال عَن الشرار إِلَى السرَار)
(وساءل مُسْندًا يرويهِ عني ... فحدثه الزَّفِير عَن إدكار)
(سقى أَعْلَام تونس فالحنايا ... فمقتبل العشية والعرار)
(فواكبداه من شوق تناءت ... نهايته على قرب المزار)
(وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار)
стр. 4
وَمن قلائدهم المزرية بقلائد العقيان المربية على فرائد الجمان
(وحوراء تستعلى بنهدين أشرعا ... وَلَا غرو أَن يَدْعُو هَواهَا فَأتبعهُ)
(تَقول وَقد رقت لما بِي أجازع ... وَأَنت جرئ ولأسنة مشرعه)
(فَقلت لَهَا جفناك عزا تجلدي ... ونهداك هَذَا نفس هيمان موجعه)
(وَمَا زلت ألقِي الْقرن يعسل رمحه ... فَمن لي بِمن يلقى الْفُؤَاد بأربعه)
صدر هَذَا عَنْهُم دَامَت سعادتهم وَقد أنْشد بمجلسهم العلى للْقَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ فِي مداعب لَهُ من فتيَان الملثمة هز رمحه عَلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِهِ إِلَيْهِ
(يهز على الرمْح ظَبْي مهفهف ... لعوب بألباب الْبَريَّة عابث)
(فَلَو كَانَ رمحا وَاحِدًا لاتقيته ... وَلكنه رمح وثان وثالث)
كَذَا قَرَأت فِي ديوَان شعرهم أدام الله تأييد أَمرهم وهما عِنْدِي للْقَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن غَالب بن عَطِيَّة أنشدنيهما القَاضِي أَبُو سُلَيْمَان دَاوُود ابْن سُلَيْمَان بن حوط الله الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ بِمَدِينَة بلنسية وَهُوَ إِذْ ذَاك يتَوَلَّى
стр. 5
قضاءها قَالَ أنشدنا الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن سراج بن عبد الله العثماني مَرَّات للفقيه القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن عَطِيَّة وَذكر الْبَيْتَيْنِ إِلَّا أَن صدر أَولهمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة يهددني بِالرُّمْحِ ظَبْي مهفهف وَصدر ثَانِيهمَا فَلَو كَانَ رمحا وَاحِدًا لَا تقيته وباقيهما سَوَاء وَلمن كَانَ مِنْهُمَا ذَلِك فقد عدل بِهِ عَن جادة الإجادة وَالزِّيَادَة
وَمن لزومياتهم السّنيَّة فِي غزلياتهم السُّلْطَانِيَّة
(بَدَت لَك فِي ثوب يشف منجم ... أزيرق يالله لِلْحسنِ أزرقا)
(ولاحت وَبدر الْأُفق فِي الْأُفق كَامِل ... فَلم أدر أَي راعني حِين أشرق)
(خلا أَنه لما رأى حسن وَجههَا ... تأنى قَلِيلا حِين شام فأبرقا)
(ودونهما صفو الغدير مسلسلاً ... فأقسم لَوْلَا رقة الْوَصْل أحرقا)
(وَلما رنا نَحْو السجنجل وَجههَا ... أطل على متن الغدير فأطرقا)
(وزرت عَلَيْهِ الشهب ثوب سمائه ... فقارب فِي التَّشْبِيه منهاا وأغرقا)
(ونازعها ثوبا ولوناً ورفعة ... وبعداً وإشراقاً ووجهاً ترقرقا)
وَمن رفيع الرصف وبديع الْوَصْف قَوْلهم لاا زَالَ يجاري الأقدار عدلهم ويباري الأمطار طولهم
(أعد نظرا حَيْثُ الرياض كَأَنَّهَا ... خدود الغواني أَو قدود الكواعب)
стр. 6
(تميل وَلَيْسَت بَين كأس وقينة ... وَلكنهَا بَين الصِّبَا والجنائب)
(وسال نمير المَاء بَين أخضرارها ... فجَاء كَمثل الْفرق بَين الذوائب)
(وَإِلَّا كَمَا شقّ الكنهور بارق ... وَإِلَّا كَمثل الصُّبْح بَين الغياهب)
(قد أطردت فِيهِ المذانب دَائِما ... وَلم تَرَ حسنا كأطراد المذانب)
(وللنرجس النَّضر أصفرار تخاله ... كشمس أصيل بَين بيض السحائب)
(يدب إِلَيْك الْحسن فِي جنباتها ... بعقرب أصداغ من الآس لَا سبّ)
(وللياسمين الغض فِي خضر بسطها ... نثائر در أَو سبائك ساكب)
(وللسوسن المبيض إصغاء آلف ... يحن فيحنو خَاشِعًا نَحْو شَارِب)
(وَقد كللت أَغْصَان نارنجها فَقل ... مجامر تبر جامد غير ذائب)
(وعطر مِنْهَا النشر مَا بَلل الندى ... فَنمت بِأَنْفَاسِ الرِّيَاح الغرائب)
(وللماء فِي الدولاب إِن رمت وَصفه ... سِهَام قسى أَو مخاريق لاعب)
(تضمن سقى الرَّوْض رفهاً يعله ... وَفَاء فعد القَوْل عَن قَوس حَاجِب)
(معطرة الأردان يفعم نفحها ... يُحْيِيك عرف الطّيب من كل جَانب)
(سَمَاء وَجرى المَاء فِيهَا مجرة ... وَمن زهرها المفتر زهر الْكَوَاكِب)
(فدونكها تختال زهواً ونضرة ... وترفل تيهاً فِي برود الْعَجَائِب)
وَلَهُم خلد الله سلطانهم فِي طبق مَمْلُوء نثائر زهر النارنج والخابور وَأكْثر هَذَا التَّشْبِيه على البديهة
(بعثتها وذكى الْعرف ألحقها ... بردين من وضح الإصباح والشفق)
(كَأَنَّمَا الزهر والخابور جزعه ... شذر تناثر فِي در من الْعُنُق)
(قد راق منظره حسنا لملتفت ... ورق مخبره عرفا لمنتشق)
стр. 7
وَلَهُم ظَاهر الله نعمه لديهم مِمَّا كتبته بَين الكريمتين يديهم
(خُذْهَا كَمَا تمّ عرف الرَّوْض بِالسحرِ ... وَأَيْقَظَ الطل رَبًّا نَائِم الزهر)
(حَمْرَاء ترفل فِي أَثوَاب بهجتها ... تفتر عَن لُؤْلُؤ عذب وَعَن أشر)
(زفقتها ورواق اللَّيْل منسدل ... كَأَنَّهَا شفق فِي هَالة الْقَمَر)
وَمن ألغازهم وَسمعت مِنْهُم ﵃
(زقفتها سحرت أعين الجآذر لبّى ... وأستباحت حمى فُؤَادِي وقلبي)
( [] مِنْهَا أشتباه ... فأنظرن التَّصْحِيف من بعد قلب)
وَقد أستوفوا حُرُوف المعجم فِي هَذَا الْبَاب فَأتوا أَيّدهُم الله بِمَا فِيهِ عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب
وَلَهُم فِي الرثاء أدام الله أيامهم كَمَا جعل مَفَاتِيح الأقاليم سيوفهم وأقلامهم
(تصبر فَإِن الصَّبْر أولى بِذِي حجر ... وَإِن كَانَ حجرا فالملام إِلَى الْحجر)
(وَمَا زَالَت الْأَيَّام تَغْدُو على الْفَتى ... فطوراً على بشر وطورا على بسر)
(وَإِن سالمت واالظلم مِنْهَا سجية ... فَلَا بُد يَوْمًا أَن تغر وَأَن تغرى)
(مرى الْحزن دمعى أَن أَمر حباله ... وَكَانَ قَدِيما لَا يمر وَلَا يمرى)
(وعهدي بِهَذَا الدمع ياعين وافياً ... فَهَل لَك فِي الْغدر المبرح من عذر)
(أَلا من لعين لَا ينهنه غربها ... أَلا من لسحر لَا يمل من السحر)
(أَلا تِلْكَ شمس الجو فِي الدو فَأُعْجِبُوا ... أَلا تلكم إدمانة العفر فِي القفر)
стр. 8
(أأسلو وَهَذَا شخصها حَشْو مقلتي ... وأنسى وَمَا تنفك مني على ذكر)
(لَئِن ضم مِنْك اللَّحْد ذاتاً زكية ... لقد حنيت منى الضلوع على جمر)
(سأبكيك مَا أَنْت فقيدة بكرها ... وحنت إِلَى وكر مطوفة النَّحْر)
(أطارحها شجوى فيسعد شجوها ... فتحسبنا إلفى مصاب لَدَى وكر)
(وَمَالِي وَمَا للعيد لَوْلَا تحفل ... يكلفني مَالا أُطِيق من الصَّبْر)
(فَمن كَانَ ذَا هدى وَهدى لعيده ... فعندي هدى من مدامعي الْحمر)
(يغادونها قربى لنحر ثَلَاثَة ... ودمعي من تسكابه الدَّهْر فِي بَحر)
(وَعِنْدِي وَلَا رد زفير مردد ... تهد لظاه جَانب الْبشر)
(وتصديق إِيمَان وَإِقْرَار موقن ... وَتَسْلِيم مربوب لذى الْخلق وَالْأَمر)
وَمن تصنيف لَهُم فِي الزّهْد جليل هُوَ على أنفرادهم فِي الْكَمَال وسحر الْكَلَام أوضح دَلِيل
(يعجل الْإِنْسَان بالشَّيْء وَهل ... خلق الْإِنْسَان إِلَّا من عجل)
(ولذى الْعدْل قَضَاء فِي الورى ... بتقاضاه كتاب وَأجل)
(إِن ظفر اللَّيْث يدمى من ردى ... مثل خد الخود يدمى من خجل)
(وأخو الْغَفْلَة فِي غفلته ... إِن بَكت وَرْقَاء غنى وأرتجل)
وَإِنَّمَا أورد مِنْهُ الفرائد وأقصد إِلَيْهِ من القصائد وَهَا هِيَ تضيق عَنْهَا المهارق وتضىء مِنْهَا المغارب والمشارق وَإِنَّمَا هَذَا إلماع بِمَا أعوز الْعلمَاء وإسماع لما أسكت الْحُكَمَاء
وَلما ظَفرت من هَذَا الْمَقْصُود الأحمد وسبقت إِلَيْهِ سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد قصرته على مُلُوك إفريقية وبلاد الْمغرب المضافة إِلَيْهَا وقدمت
стр. 9
القادمين فِي الْمِائَة الأولى من السّلف الأول عَلَيْهَا لِأَنَّهَا من أَوَائِل فتوح الْإِسْلَام ثمَّ من منَازِل بدر التَّمام مَوْلَانَا الْخَلِيفَة الإِمَام أدام الله لَهُم نصر الألوية والأعلام
(وَفِي الْمِائَة الثَّانِيَة صَارَت الأندلس دَار إِيمَان فواليت ذكر ولاتها من ذَلِك الزَّمَان ليوقف على جلالة شَأْنهمْ وَيعرف تمكن محلهم من البلاغة ومكانهم وَذكرت أَبْنَاءَهُم وأختصرت أنباءهم هربا من التَّطْوِيل ورهباً للتثقيل إِلَّا نكتاً لَهَا بأنتخابها أحسن المواقع وعيوناً هِيَ بأقتضابها أجول فِي المحافل وأولج فِي المسامع وَرُبمَا عرض مَا يَدْعُو إِلَى الْبسط فأنتقض حكم هَذَا الشَّرْط وَلَا غرو أَن أواقع الْمَحْذُور فللكلام اضطرار يُبِيح الْمَحْظُور
وأبرزته مسوقاً على الحقب منسوقا بِحَسب الرتب أعين للصدور صدر كل مائَة وَأبين من تميز فِي جمَاعَة أَو تحيز إِلَى فِئَة ليستوفى المتأدبين حَتَّى من المتوثبين
وَالَّذين مَا عثرت على أشعارهم أفردت بَابا لأخبارهم وَلم أعرض لمن أَعرَضت عَنْهُم الدولة الحفصية بالخلعان وأنتزعت مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم تراثاً لَهَا من الْملك وَالسُّلْطَان ثمَّ
[] الأسم الَّذِي من خَصَائِصه التَّأْمِين والتأمير وأشبهه [] النَّضِير والمشرع النمير حَضْرَة مَوْلَانَا الْأَمِير [] الأسعد الأطهر الأرضى أَبُو يحيى ولي عهد الْمُؤمنِينَ وعهد الولى فِي مُتَتَابِعَات السنين
стр. 10
والملى وَقد [] مَكَارِم الْآبَاء بإنجاب كرام الْبَنِينَ أجهد فِي الأستظهار على شكر نعْمَته وأجهر آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار بِأَن يكون الْعَمَل خَادِم النِّيَّة فِي خدمته وأقصى المأمول أَن تَأذن لَهُ سيادته فِي الْقرب من سدته وتقابل وفادته بِالْقبُولِ ليسعد مداه بسعادة مدَّته أبقاه الله وَلِوَاؤُهُ مَنْصُور وكرم الْخلال فِيهِ مَحْصُور وَشرف الْكَمَال عَلَيْهِ مَقْصُور والعيون والقلوب إِلَيْهِ ميل وصور يمنه
стр. 11
الْمِائَة الأولى من الْهِجْرَة
١ - عَمْرو بن العاصى أَبُو عبد الله
قَرَأت بِخَط أَحْمد بن يحيى بن جَابر البلاذرى فِي كتاب أَنْسَاب الْأَشْرَاف من تأليفه قَالَ مُحَمَّد بن سعد قَالَ الْوَاقِدِيّ من خبر عَمْرو ابْن العاصى إِنَّه قدم على النَّبِي ﷺ مُسلما فِي صفر سنة ثَمَان قبل فتح مَكَّة بأشهر وَكَانَ الْفَتْح فِي شهر رَمَضَان فوجهه رَسُول الله ﷺ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان إِلَى ذَات السلَاسِل فِي سَرِيَّة وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح رضى الله عَن جَمِيعهم قَالَ ثمَّ بعث بِهِ إِلَى ابْني الجلندى بعمان فَأَسْلمَا وَكَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا فَلم يزل عَمْرو بعمان حَتَّى قبض رَسُول الله ﷺ
قَالَ وَعَمْرو بن العاصى هُوَ الَّذِي فتح مصر ونواحيها فِي خلَافَة عمر وعزله عُثْمَان عَنْهَا
وَقَالَ غير البلاذرى ثمَّ صَار من مصر حَتَّى قدم برقة فَصَالح أَهلهَا على ثَلَاثَة عشر ألف دِينَار يؤدونها إِلَيْهِ جِزْيَة على أَن يبيعوا من أبنائهم
стр. 12
فِي [جزيتهم مَا أَحبُّوا بَيْعه] [وعَلى يَدَيْهِ تمّ فتح الْمُسلمين] لبرقة ثمَّ غزا فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين إطرابلس فحاصرها شهرا لَا يقدر مِنْهَا على شَيْء ثمَّ أفتتحها فِي قصَّة غَرِيبَة ذكرهَا أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الحكم فِي تَارِيخه وغنم مَا فِيهَا وَلم يفلت الرّوم إِلَّا بِمَا خف لَهُم فِي مراكبهم وَأَرَادَ أَن يُوَجه إِلَى الْمغرب فَكتب إِلَى عمر رضى الله عَنهُ إِن الله فتح علينا إطرابلس وَلَيْسَ بَينهَا وَبَين إفريقية إِلَّا تِسْعَة أَيَّام فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يغزوها ويفتحها الله على يَدَيْهِ فعل فَكتب إِلَيْهِ عمر ينهاه عَن ذَلِك
الظَّاهِر من هَذَا الْخَبَر تحيز إطرابلس من إفريقية وَلم تزل من أَعمالهَا قَدِيما وحديثاً قَالَ ابْن عبد الحكم كَانَ سُلْطَان جرجير من إطرابلس إِلَى طنجة وَبِهَذَا الأعتبار سَاغَ لي ذكر عَمْرو رضى الله عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب
وَمن شعره يُخَاطب عمَارَة بن الْوَلِيد أَخا خَالِد بن الْوَلِيد عِنْد النَّجَاشِيّ
стр. 13
وَكَانَت قُرَيْش بعثتهما إِلَيْهِ يكلمانه فِي من قدم عَلَيْهِ من الْمُهَاجِرين رضى الله عَنْهُم
(تعلم عمار أَن من شَرّ شُبْهَة ... لمثلك أَن يدعى ابْن عَم لَهُ أنتمى)
(لَئِن كنت ذَا بردين أحوى مرجلاً ... فلست برَاء لِابْنِ عمك محرما)
(إِذا الْمَرْء لم يتْرك طَعَاما يُحِبهُ ... وَلم ينْه قلباً هائماً حَيْثُ يمما)
(قضى وطراً مِنْهُ وغادر سبة ... إِذا ذكرت أَمْثَالهَا تملأ الفما)
وَقَالَ أَيْضا فِي حروب صفّين
(شبت الْحَرْب فأعددت لَهَا ... مفرغ الحارك محبوك السبج)
стр. 14
(يصل الشد بشد فَإِذا ... ونت الْخَيل من الشد معج)
(جرشع أعظمه جفرته ... فَإِذا ابتل من المَاء حدج)
وَقَالَ يُخَاطب مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان رضى الله عَنهُ
(معاوى إِنِّي بِعْت ديني وَلم أنل ... بِهِ مِنْك دنيا فأنظرن كَيفَ تصنع)
(وَمَا الدّين وَالدُّنْيَا سَوَاء وإنني ... لآخذ مَا تُعْطى ورأسي مقنع)
(فَإِن تعطنى مصرا فأربح بصفقة ... أخذت بهَا شَيخا يضر وينفع)
قَالَ عَمْرو وَهَذَا لِأَنَّهُ شَرط على مُعَاوِيَة لما تحير إِلَيْهِ وَكَانَ مَعَه فِي حروبه لعَلي رضى الله عَنْهُم أَن يوليه إِذا ظهر مصر طعمة فوفى لَهُ بذلك
وروى أَن عتبَة بن أبي سُفْيَان دخل على مُعَاوِيَة أَخِيه وَهُوَ يكلم عمرا فِي مصر وَعَمْرو يَقُول لَهُ إِنَّمَا بِعْتُك بهَا ديني فَقَالَ لَهُ عتبَة أثمن الرجل بِدِينِهِ فَإِنَّهُ صَاحب من أَصْحَاب مُحَمَّد
стр. 15
فَأَقَامَ على مصر إِلَى أَن توفى فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَمِمَّا يعزى إِلَيْهِ
(وأغضى على أَشْيَاء لَو شِئْت قلتهَا ... وَلَو قلتهَا لم أبق للصلح موضعا)
(فَإِن كَانَ عودي من نضار فإنني ... لأكْره يَوْمًا أَن أحطم خروعا)
وَأنْشد لَهُ ابْن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي فِي يَوْم أحد مالم أر وَجها لذكره
٢ - ابْنه عبد الله بن عَمْرو بن االعاصي أَبُو مُحَمَّد
ذكره أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد الْمَالِكِي فِي الداخلين إفريقية من الصَّحَابَة ﵃ وهم قريب من ثَلَاثِينَ رجلا وَكَانَ يخلف أَبَاهُ على إِمَارَة مصر إِذْ وَليهَا عَمْرو فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب وَفِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَهُوَ صلى على أَبِيه عِنْد وَفَاته ثمَّ صلى بِالنَّاسِ يَوْم الْفطر وَلم يكن بَينه وَبَين أَبِيه فِي السن إِلَّا أثنتا عشرَة سنة وَأسلم قبله وَكَانَ أحد فُقَهَاء الصَّحَابَة وفضلائهم والمكثرين من الحَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 16
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الْفَقِيه روى عبد الله بن عَمْرو بن العاصى سَبْعمِائة حَدِيث
وَفِي تَارِيخ ابْن عبد الحكم أَن عُثْمَان ﵁ كتب إِلَى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يؤمره على مصر سنة خمس وَعشْرين فَجَاءَهُ االكتاب بالفيوم بقرية مِنْهَا تدعى دموشة فَجعل لأهل الْجَواب جعلا على أَن يصبحوا بِهِ الْفسْطَاط فِي موكبه فقدموا بِهِ الْفسْطَاط قبل أَن يصبح الصُّبْح فَأَشَارَ إِلَى الْمُؤَذّن فَأَقَامَ الصَّلَاة حِين طلع الْفجْر وَعبد الله بن عَمْرو بن العاصى ينْتَظر الْمُؤَذّن يَدعُوهُ إِلَى الصَّلَاة لِأَنَّهُ كَانَ خَليفَة أَبِيه فأستنكر الْإِقَامَة فَقيل لَهُ صلى عبد الله بن سعد بِالنَّاسِ
قَالَ ابْن عبد الحكم يَزْعمُونَ أَن عبد الله بن سعد أقبل من غربي الْمَسْجِد بَين يَدَيْهِ شمعة وَأَقْبل عبد الله بن عَمْرو من نَحْو دَاره بَين يَدَيْهِ شمعة فألتفت عِنْد الْقبْلَة فَأقبل عبد الله بن عَمْرو حَتَّى وقف على عبد الله بن سعد فَقَالَ هَذَا بغيك ودسك فَقَالَ عبد الله بن سعد مَا فعلت وَقد كنت أَنْت وَأَبُوك تحسداني على الصَّعِيد فتعال حَتَّى أوليك الصَّعِيد وَأولى أَبَاك أَسْفَل الأَرْض وَلَا أحسدكما عَلَيْهِ
وَكَانَ عزل عَمْرو بن العاصى عَن مصر وتولية عبد الله بن سعد فِي سنة خمس وَعشْرين صدر خلَافَة عُثْمَان ﵁ وَمن شعر عبد الله بن عَمْرو فِي صفّين
(فَلَو شهِدت جمل مقَامي ومشهدي ... بصفين يَوْمًا شَاب مِنْهُ الذوائب)
(عَشِيَّة حبا أهل الْعرَاق كَأَنَّهُمْ ... سَحَاب ربيع دَفعته الجنائب)
стр. 17
(وجئناهم نردى كَأَن صُفُوفنَا ... من الْبَحْر مد موجه متراكب)
(إِذا قلت قد ولوا سرَاعًا بَدَت لنا ... كتائب مِنْهُم فأرجحنت كتائب)
(فدارت رحانا وأستدارت رحاهم ... سراة النَّهَار مَا تولى المناكب)
(وَقَالُوا لنا إِنَّا نرى أَن تبايعوا ... عليا فَقُلْنَا بل نرى أَن تضاربوا)
هَكَذَا وجدت هَذَا الشّعْر مَنْسُوبا إِلَيْهِ وَخلاف هَذِه الْحَال كَانَ على أَن أَبَا الْفتُوح الطَّائِي الْبَغْدَادِيّ قد حكى فِي كِتَابه الْأَرْبَعين حَدِيثا من جمعه أَن عبد الله بن عَمْرو شهد مَعَ أَبِيه صفّين وَكَانَ يضْرب بسيفين وَالأَصَح هُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي خبر يسْندهُ إِلَى ابْن
стр. 18
أبي مليكَة أَن عبد الله بن عَمْرو بن العاصى كَانَ يَقُول مَالِي ولصفين مَالِي ولقتال الْمُسلمين وَالله لَوَدِدْت أَنِّي مت قبل هَذَا بِعشر سِنِين ثمَّ يَقُول أما وَالله مَا ضربت فِيهَا بِسيف وَلَا طعنت بِرُمْح وَلَا رميت بِسَهْم ولوددت أَنِّي لم أحضر شَيْئا مِنْهَا وَأَسْتَغْفِر الله من ذَلِك وَأَتُوب إِلَيْهِ قَالَ أَبُو عمر إِلَّا أَنه ذكر أَنه كَانَت بِيَدِهِ الرَّايَة يَوْمئِذٍ فندم ندامة شَدِيدَة على قِتَاله مَعَ مُعَاوِيَة قَالَ أقسم أَنه إِنَّمَا شَهِدَهَا لعزمة أَبِيه عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ أطع أَبَاك ذكر أَبُو عمر هَذَا فِي كتاب الأستيعاب فِي الصَّحَابَة من تأليفه وَلَكِن الشّعْر مَعَ هَذَا مَذْكُور لَهُ فِي مُصَنف أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره
٣ - عبد الله بن عَبَّاس أَبُو الْعَبَّاس
غزا إفريقية مَعَ عبد الله بن سعد بن أبي سرح فِي خلَافَة عُثْمَان سنة سبع وَعشْرين وَشهد فتحهَا ذكر ذَلِك أَبُو سعيد بن يُونُس فِي تَارِيخه ثمَّ ولى إِمَارَة الْبَصْرَة فِي خلَافَة عَليّ ﵁ حِين أسْتَعْمل أَخَوَيْهِ عبيد الله على الْيمن ومعبداً على مَكَّة وَكَانَ لعبد الله بن الْعَبَّاس من عمر بن الْخطاب مَكَان وَقَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد كَلمه فِي حظوته لَدَيْهِ إِنَّه من حَيْثُ علمت
стр. 19
وَكَانَ يَقُول ابْن عَبَّاس فَتى الكهول لَهُ لِسَان سؤول وقلب عقول وَيَقُول إِذا سَأَلَ ابْن عَبَّاس فِي الْأَمر يعرض مَعَ جلة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَيفَ تَلُومُونَنِي عَلَيْهِ بعد مَا ترَوْنَ
وَفِي كتاب الأغاني لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ أَن عُيَيْنَة بن مرداس ابْن فسوة الشَّاعِر وَهُوَ الْمَعْرُوف بِأبي فسوة أَتَى عبد الله بن الْعَبَّاس وَهُوَ عَامل لعَلي بن أبي طَالب على الْبَصْرَة وَتَحْته يَوْمئِذٍ شميلة بنت جُنَادَة بن أبي أزيهر الزهرانية وَكَانَت قبْلَة تحلت مجاشع بن مَسْعُود السلمى فَأَسْتَأْذِن عَلَيْهِ فَأذن لَهُ وَكَانَ لَا يزَال يأتى أُمَرَاء الْبَصْرَة فيمدحهم فيعطونه وَيَخَافُونَ لِسَانه فَلَمَّا دخل على ابْن عَبَّاس قَالَ لَهُ مَا جَاءَ بك إِلَى يَا ابْن فسوة فَقَالَ لَهُ وَهل دُونك مقصداً أَو وَرَاءَك معدى جئْتُك لتعينني على مروءتي وَتصل قَرَابَتي فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس وَمَا مُرُوءَة من يعْصى الرَّحْمَن وَيَقُول الْبُهْتَان وَيقطع مَا أَمر الله بن أَن يُوصل وَالله لَئِن أَعطيتك لأعيننك على الْكفْر والعصيان أَنطلق فَأَنا أقسم بِاللَّه لَئِن بَلغنِي أَنَّك هجوت أحدا من الْعَرَب لأقطعن لسَانك فَأَرَادَ الْكَلَام فَمَنعه من حضر وحبسه يَوْمه ذَلِك ثمَّ أخرجه عَن الْبَصْرَة فوفد إِلَى الْمَدِينَة بعد مقتل عَليّ ﵇ فلقى الْحسن بن عَليّ ﵇ وَعبد الله بن جَعْفَر ﵉ فَسَأَلَاهُ عَن خَبره مَعَ ابْن عَبَّاس فَأَخْبرهُمَا فأشتريا عرضه بِمَا أرضاه فَقَالَ يمدحهما وَيَلُوم ابْن عَبَّاس من
أَبْيَات
стр. 20
(لقِيت ابْن عَبَّاس فَلم يقْض حَاجَتي ... وَلم يرج معروفي وَلم يخْش منكري)
(فَلَو كنت من زهران لم ينس حَاجَتي ... ولكنني مولى جميل بن معمر)
(فليت قلوصي أغربت أَو رحلتها ... إِلَى حسن فِي دَاره وَابْن جَعْفَر)
(إِلَى ابْن رَسُول الله يَأْمر بالتقى ... وللدين يَدْعُو وَالْكتاب المطهر)
(إِلَى معشر لَا يخصفون نعَالهمْ ... وَلَا يلبسُونَ السبت مالم يخصر)
(فَلَمَّا عرفت الْيَأْس مِنْهُ وَقد بَدَت ... أيادي سبا الْحَاجَات للمتذكر)
(تسنمت حرجوجاً كَأَن بغامها ... أجيج ابْن مَاء فِي يراع مفجر)
(فَمَا زلت فِي التسيار حَتَّى أنختها ... إِلَى ابْن رَسُول الْأمة المتخير)
(فَلَا تدعني إِذْ رحلت إِلَيْكُم ... بنى هَاشم أَن تصدروني بمصدر)
قَالَ أَبُو الْفرج كَانَ عُيَيْنَة هَذَا شَاعِرًا خَبِيث اللِّسَان مخوف المعرة فِي جاهليته وإسلامه وَكَانَ يقدم على أُمَرَاء الْعرَاق وأشراف النَّاس فَيُصِيب مِنْهُم بِشعرِهِ قَالَ وَكَانَ حليفاً لجميل بن معمر الْقرشِي وَمن شعر عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ أَبوهُ الْعَبَّاس أَيْضا شَاعِرًا
(إِذا طارقات الْهم ضاجعت الْفَتى ... وأعمل فكر اللَّيْل وَاللَّيْل عاكر)
(وباكرني فِي حَاجَة لم يجد لَهَا ... سواى وَلَا من نكبة الدَّهْر نَاصِر)
стр. 21
(فرجت بِمَالي همه من مقَامه ... وزايله هم طروق مسامر)
(وَكَانَ لَهُ فضل على بظنه ... بِي الْخَيْر إِنِّي للَّذي ظن شَاكر)
وَقَالَ أَيْضا وَقد عمى فِي آخر عمره وروى عَنهُ من وُجُوه قَالَه أَبُو عمر ابْن عبد الْبر وَغَيره
(إِن يَأْخُذ الله من عَيْني نورهما ... فَفِي لساني وقلبي مِنْهُمَا نور)
(قلبِي ذكي وعقلي غير ذِي دخل ... وَفِي فمي صارم كالسيف مأثور)
وَهَذَا من أحسن مَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ دَاخل فِي بَاب تَحْسِين مَا يقبح وَقد جمعت قِطْعَة من ذَلِك فِي تأليفى للخزانة الْعَالِيَة الإمامية الموسوم ب قطع الرياض فِي بدع الْأَغْرَاض وَمن ذَلِك قَول بشار بن برد
(عميت جَنِينا والذكاء من الْعَمى ... فَجئْت مُصِيب الظَّن للْعلم موئلا)
(وغاض صفاء الْعين لِلْعَقْلِ رافدا ... بقلب إِذا ماضيع النَّاس حصلا)
(وَشعر كنور الرَّوْض لامست نظمه ... بقول إِذا مَا أَحْزَن الشّعْر أسهلا)
وَقَالَ آخر ويروى لأبي الْعَلَاء وَالصَّحِيح أَنه لأبي الْحسن الحصري
(وَقَالُوا قد عميت فَقلت كلا ... وَإِنِّي الْيَوْم أبْصر من بَصِير)
(سَواد الْعين زار سَواد قلبِي ... ليجتمعا على فهم الْأُمُور)
وَقَالَ عبد الله بن سُلَيْمَان الْقُرْطُبِيّ النَّحْوِيّ الْمَعْرُوف بدرود وَيُقَال دريود وَكَانَ أعمى
(تَقول من للعمى بالْحسنِ قلت لَهَا ... كفى عَن الله فِي تَصْدِيقه الْخَبَر)
стр. 22
(الْقلب يدْرك مَالا عين تُدْرِكهُ ... وَالْحسن مَا أستحسنته النَّفس لَا الْبَصَر)
(وَمَا الْعُيُون الَّتِي تعمى إِذا نظرت ... بل الْقُلُوب الَّتِي يعمى بهَا النّظر)
وَمن جيد الْعذر لَوْلَا شوبه بالهجر قَول الآخر
(قَالُوا الْعَمى منظر قَبِيح ... قلت بفقدي لَهُم يهون)
(تالله مَا فِي الْأَنَام شَيْء ... تأسى على فَقده الْعُيُون)
كَأَنَّهُ أَخذه من قَول بن سعيد الْمسيب وَقد نزل المَاء فِي عَيْنَيْهِ فَقيل لَهُ لوقدحتهما فَقَالَ وعَلى من أفتحهما وَمثل هَذَا قَول المعرى وَهُوَ عِنْدِي من المنشد
(أَبَا الْعَلَاء بن سليمانا ... إِن الْعَمى أولاك إحساناً)
(لَو أَبْصرت عَيْنَاك هَذَا الورى ... لم ير إنسانك إنْسَانا)
٤ - عبد الله بن الزبير أَبُو بكر وَأَبُو خبيب
غزا إفريقية مَعَ ابْن أبي سرح فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ الَّذِي ولى قتل جرجير ملكهَا وأحتز رَأسه وَجعله فِي رمحه وَكبر فإنهزم الرّوم فِي خبر طَوِيل ذكره مُصعب بن الزبير فِي كتاب قُرَيْش من تأليفه فَوجه بِهِ ابْن
стр. 23
أبي سرح بشيراً إِلَى عُثْمَان فَقدم عَلَيْهِ فَأخْبرهُ بِفَتْح الله وَنَصره وخطب يَوْمئِذٍ بذلك فِي مَسْجِد الْمَدِينَة على الْمِنْبَر قَالَ مُصعب وَبشر عبد الله مقدمه من إفريقية بِابْنِهِ خبيب بن عبد الله وَهُوَ أكبر وَلَده
وَقَالَ ابْن عبد الحكم بعث عبد الله بن سعد بِالْفَتْح عقبَة بن نَافِع وَيُقَال بل عبد الله بن الزبير وَذَلِكَ أصح فَيُقَال إِنَّه سَار على رَاحِلَته إِلَى الْمَدِينَة من إفريقية فِي عشْرين لَيْلَة قَالَ وَقد قيل إِن عبد الله بن سعد كَانَ قد وَجه مَرْوَان بن الحكم إِلَى عُثْمَان من إفريقية فَلَا أَدْرِي أَفِي الْفَتْح أم بعده وَالله أعلم
ثمَّ ولى ابْن الزبير الْخلَافَة بالحجاز وَالْعراق وَأكْثر الشَّام بعد موت مُعَاوِيَة ابْن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَ قد خرج من الْمَدِينَة مَعَ الْحُسَيْن بن عَليّ إثرموت مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان مُمْتَنعا من بيعَة ابْنه يزِيد وَأقَام يسلم عَلَيْهِ بالخلافة تسع سِنِين ثمَّ قَتله عبد الْملك بن مَرْوَان على يَد الْحجَّاج سنة ثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة
وَحكى الزبير بن بكار فِي كتاب نسب قُرَيْش لَهُ عَن هِشَام بن
стр. 24
عُرْوَة قَالَ كَانَ أول مَا أفْصح بِهِ عمى عبد الله بن الزبير وَهُوَ صبي السَّيْف وَكَانَ لَا يَضَعهُ من فَمه فَكَانَ الزبير بن الْعَوام إِذا سمع ذَلِك مِنْهُ يَقُول أما وَالله لَيَكُونن لَهُ مِنْهُ يَوْم وَيَوْم وَأَيَّام
وَمن شعره الْمَشْهُور عَنهُ
(وَكم من عَدو قد أَرَادَ مساءتي ... بِغَيْب وَلَو لاقيته لتندما)
(كثير الْخَنَا حَتَّى إِذا مَا لَقيته ... أصر على إِثْم وَإِن كَانَ أقسما)
وَقَالَ أَيْضا أنْشدهُ لَهُ أَبُو على الْحسن بن رَشِيق فِي كتاب الْعُمْدَة من تأليفه قَالَ غَيره ويروى لعبد الله بن الزبير بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْبَاء
(لَا أَحسب الشَّرّ جاراً لَا يفارقني ... وَلَا أحز على مَا فَاتَنِي الودجا)
(وَمَا لقِيت من الْمَكْرُوه منزلَة ... إِلَّا وثقت بِأَن ألْقى لَهَا فرجا)
ويروى أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان كتب إِلَيْهِ
(رَأَيْت كرام النَّاس إِن كف عَنْهُم ... بحلم رَأَوْا فضلا لمن قد تحلما)
(وَلَا سِيمَا إِن كَانَ عفوا بقدرة ... فَذَلِك أَحْرَى أَن يجل ويعظما)
стр. 25
(وَلست بِذِي لؤم فَتعذر بِالَّذِي ... أتيت من الْأَخْلَاق مَا كَانَ ألأما)
(وإبي لأخشى أَن أنالك بِالَّتِي ... كرهت فيخزى الله من كَانَ أظلما)
فَرَاجعه ابْن الزبير
(أَلا سمع الله الَّذِي أَنا عَبده ... وأخزى إِلَه النَّاس من كَانَ أظلما)
(وأحرا على الله الْعَظِيم بجرمه ... وأسرعه فِي الموبقات تقحما)
(أغرك أَن قَالُوا حَلِيم بقدرة ... وَلَيْسَ بِذِي حلم وَلَكِن تحلما)
(وَأقسم لَوْلَا بيعَة لَك لم أكن ... لأنقضها لم تنج منى مُسلما)
وَمِمَّا رويته من طَرِيق ابْن أبي الْحسن بن صَخْر فِي فَوَائده وقرأته على الْحَافِظ أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن مُوسَى بن سَالم الكلَاعِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ حَدثنِي يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أجتمع مَرْوَان وَابْن الزبير عِنْد عَائِشَة ﵂ قَالَ فَذكر مَرْوَان بَيْتا من شعر لبيد
(وَمَا الْمَرْء إِلَّا كالشهاب وضوئِهِ ... يعود رَمَادا بعد إِذْ هُوَ سَاطِع)
فتعجب مِنْهُ قَالَ ابْن الزبير وَمَا تعجبك لَو شِئْت قلت مَا هُوَ أفضل مِنْهُ
(ففوض إِلَى الله الْأُمُور إِذا اعترت ... فبالله لَا بالأقربين تدافع)
قَالَ مَرْوَان
(وداو ضمير الْقلب بِالْبرِّ وألتقى ... وَلَا يستوى قلبان قَاس وخاشع)
стр. 26
وَقَالَ ابْن الزبير
(وَلَا يستوى عَبْدَانِ عبد مصلم ... عتل لأرحام الْأَقَارِب قَاطع)
قَالَ مَرْوَان
(وَعبد تجافى جنبه عَن فرَاشه ... يبيت يُنَاجِي ربه وَهُوَ رَاكِع)
قَالَ ابْن الزبير
(وللخير أهل يعْرفُونَ بهديهم ... إِذا جمعتهم فِي الخطوب المجامع)
قَالَ مَرْوَان
(وللشر أهل يعْرفُونَ بشكلهم ... تُشِير إِلَيْهِم بِالْفُجُورِ الْأَصَابِع)
فَسكت ابْن الزبير فَقَالَت لَهُ عَائِشَة مَا سَمِعت مجادلة قطّ أحسن من هَذِه وَلَكِن لمروان إِرْث فِي الشّعْر لَيْسَ لَك
٥ - مَرْوَان بن الحكم أَبُو عبد الْملك
غزا إفريقية مَعَ ابْن أبي سرح وَوَجهه إِلَى عُثْمَان ﵁ على مَا ذكره ابْن عبد الحكم حَسْبَمَا تقدم وَكَانَ ابْن أبي سرح قد كتب إِلَى عُثْمَان يَسْتَأْذِنهُ فِي غَزْو إفريقية فندب عُثْمَان النَّاس بعد المشورة فِي ذَلِك فَلَمَّا اجْتَمعُوا أَمر عَلَيْهِم الْحَرْث بن الحكم أَخا مَرْوَان إِلَى أَن يقدموا على عبد الله بن سعد بن أبي سرح بِمصْر فَيكون الْأَمر إِلَيْهِ
стр. 27
وَمن شعر مَرْوَان
(أعمل وَأَنت من الدُّنْيَا على حذر ... وَأعلم بأنك بعد الْمَوْت مَبْعُوث)
(وَأعلم بأنك مَا قدمت من عمل ... محصى عَلَيْك وَمَا خلفت موروث)
وَقد أوردت مَا دَار بَينه وَبَين عبد الله بن الزبير قبل هَذَا وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا بَين يَدي خِلَافَته عِنْد موت مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة وأضطراب الْأُمُور بِالشَّام
(إِنِّي أرى فتْنَة تغلى مراجلها ... وَالْملك بعد أبي ليلى لمن غلبا)
وَذكر لَهُ الزبير بن بكار وَغَيره رجزاً فِي قتل الْحُسَيْن بن عَليّ حِين قدم بِرَأْسِهِ على الْمَدِينَة تركت ذكره وَكَانَ أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بن الحكم من فحول الشُّعَرَاء
٦ - ابْنه عبد الْملك بن مَرْوَان أَبُو الْوَلِيد
غزا إفريقية مَعَ مُعَاوِيَة بن حديج سنة أَربع وَثَلَاثِينَ فِي آخر خلَافَة عُثْمَان وَبَعثه مُعَاوِيَة هَذَا إِلَى مَدِينَة يُقَال لَهَا جلولا فِي ألف رجل فحاصرها
стр. 28
عبد الْملك أَيَّامًا فَلم يصنع شَيْئا فأنصرف رَاجعا فَلم يسر إِلَّا يَسِيرا حَتَّى رأى فِي ساقة النَّاس غباراً شَدِيدا فَظن أَن الْعَدو قد طَلَبهمْ فكر بِجَمَاعَة من النَّاس لذَلِك وَبَقِي من بَقِي على مَصَافهمْ وتسرع سرعَان النَّاس فَإِذا مَدِينَة جلولا قد قوع حائطها فَدَخلَهَا الْمُسلمُونَ وغنموا مَا فِيهَا وأنصرف عبد الْملك إِلَى مُعَاوِيَة بن حديج
ولعَبْد الْملك فِي تمنيه الْخلَافَة وَإجَابَة دُعَائِهِ بذلك خبر غَرِيب يدْخل فِي بَاب الْأَمَانِي الصادقة وَقد رويته عَن الْحَافِظ أبي الرّبيع بن سَالم بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ من طَرِيق أبي على بن سكرة الصَّدَفِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ لقد رَأَيْت عجبا كُنَّا بِفنَاء الْكَعْبَة وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَمصْعَب بن الزبير وَعبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ الْقَوْم بعد أَن فرغوا من حَدِيثهمْ ليقمْ كل رجل مِنْكُم فليأخذ بالركن الْيَمَانِيّ وَيسْأل الله حَاجته فَإِنَّهُ يعْطى من سَعَة قُم يَا عبد الله ابْن الزبير فَإنَّك أول مَوْلُود ولد فِي الْهِجْرَة فَقَامَ فَأخذ بالركن الْيَمَانِيّ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك عَظِيم ترجى لكل عَظِيم أَسأَلك بحركة وَجهك وبحرمة عرشك وَحُرْمَة نبيك أَلا تميتنى من الدُّنْيَا حَتَّى توليني الْحجاز وَيسلم عَليّ بالخلافة وَجَاء حَتَّى جلس فَقَالُوا قُم يَا مُصعب بن الزبير فَقَامَ حَتَّى أَخذ بالركن الْيَمَانِيّ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك رب كل شَيْء وَإِلَيْك يصير كل شَيْء أَسأَلك بقدرتك على كل شَيْء أَلا تميتني من الدنياحتى توليني الْعرَاق وَتَزَوَّجنِي سكينَة بنت الْحُسَيْن وَجَاء حَتَّى جلس وَقَالُوا قُم يَا عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَامَ وَأخذ بالركن الْيَمَانِيّ فَقَالَ اللَّهُمَّ رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْأَرْضين ذَات النبت بعد القفر أَسأَلك بِمَا سَأَلَك
стр. 29
عِبَادك المطيعون لأمرك وَأَسْأَلك بِحرْمَة وَجهك وَأَسْأَلك بحقك على جَمِيع خلقك وبحق الطائفين حول بَيْتك أَلا تميتني من الدُّنْيَا حَتَّى توليني مشرق الأَرْض وَمَغْرِبهَا وَلَا يُنَازعنِي أحد إِلَّا أتيت بِرَأْسِهِ ثمَّ جَاءَ حَتَّى جلس ثمَّ قَالُوا قُم يَا عبد الله بن عمر فَقَامَ حَتَّى أَخذ بالركن الْيَمَانِيّ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك رحمان رَحِيم أَسأَلك بِرَحْمَتك الَّتِي سبقت غضبك وَأَسْأَلك بقدرتك على جَمِيع خلقك أَلا تميتني من الدُّنْيَا حَتَّى توجب لي الْجنَّة قَالَ الشّعبِيّ فَمَا ذهبت عَيْنَايَ من الدنياحتى رَأَيْت كل وَاحِد مِنْهُم أعْطى مَا سَأَلَ وَبشر عبد الله بِالْجنَّةِ ورؤيت لَهُ وَمن شعر عبد الْملك وَقد هم بقتل بعض أَهله ثمَّ صفح عَنهُ
(هَمَمْت بنفسي همة لَو فعلتها ... لَكَانَ كثيرا بعْدهَا مَا ألومها)
(ولكنني من أسرة عبشمية ... إِذا هِيَ هَمت أدركتها حلومها)
ويروى أَنه لما بلغه إِسْرَاف الْحجَّاج بن يُوسُف فِي الْقَتْل وتبذيره الْأَمْوَال بعد ظُهُوره على عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْأَشْعَث كتب إِلَيْهِ ينهاه ويتوعده وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه
(إِذا أَنْت لم تتْرك أموراً كرهتها ... وتطلب رضاي بِالَّذِي أَنْت طَالبه)
(وتخش الَّذِي لم يخْش مثلك لم تكن ... كذي الدّرّ رد الدّرّ فِي الضَّرع حالبه)
(فَإِن تَرَ مني وثبة أموية ... فَهَذَا وَهَذَا كل ذَا أَنا صَاحبه)
(وَإِن تَرَ مني غَفلَة قرشية ... فياربما قد غص بِالْمَاءِ شَاربه)
(فَلَا تأمنني والحوادث جمة ... فَإنَّك مَجْزِي بِمَا أَنْت كاسبه)
(وَإِنِّي لأغضى جفن عَيْني على القذى ... وأزور بِالْأَمر الَّذِي أَنا رَاكِبه)
(وأملي لذِي الذَّنب الْعَظِيم كأنني ... أَخُو غَفلَة عَنهُ وَقد جب غاربه)
(فَإِن آب لم أعجل عَلَيْهِ وَإِن أَبى ... وَثَبت عَلَيْهِ وثبة لَا أراقبه)
стр. 30
فجاوبه الْحجَّاج برسالة وَكتب مَعهَا
(إِذا أَنا لم أطلب رضاك وَأتقى ... أذاك فيومى لَا توارى كواكبه)
(وَمَا لامرئ يعْصى الْخَلِيفَة جنَّة ... تقيه من الْأَمر الَّذِي هُوَ رَاكِبه)
(أسالم من سالمت من ذِي مَوَدَّة ... وَمن لم تسالمه فَإِنِّي محاربه)
(إِذا قارف الْحجَّاج فِيك خَطِيئَة ... فَقَامَتْ عَلَيْهِ بالصياح نوادبه)
(وَإِن أَنا لم أدن النصيح لنصحه ... وأقص الَّذِي دبت على عقاربه)
(وَأعْطِ المواسى ... ترد الَّذِي ضَاقَتْ على مذاهبه)
(فَمن يتقى بوسى ويرعى مودتي ... ويخشى الردى والدهر جم عجائبه)
(فأمري إِلَيْك الْيَوْم مَا قلت قلته ... ومالم تقله لم أقل مَا يُقَارِبه)
(وَمهما ترد مني فَإِنِّي أريده ... وَمَا لم ترد مني فَإِنِّي مجانبه)
(بِي على الرِّضَا ... مدى الدَّهْر حَتَّى يرجع الدّرّ حالبه)
وَالَّذِي أوردته من أَبْيَات فمنقول عَن إِثْبَات ومجموع من تصنيفات أشتات وَمَا كَانَ مقولا عَلَيْهِم ومنحولا إِلَيْهِم فَأَنا برِئ من عهدته
стр. 31
الْمِائَة الثَّانِيَة
٧ - أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن عبد الله بن الْعَبَّاس
دخل إفريقية فِي أَيَّام بني أُميَّة وَهُوَ إِذْ ذَاك سوقة فِرَارًا مِنْهُم وملكها فِي خِلَافَته بعد أَخِيه أبي الْعَبَّاس السفاح وخلع فِيهَا وقتا ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ وولاها الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي جد الأغالبة المتداولين ملكهَا إِلَى أَن غلبهم عَلَيْهَا عبيد الله الشيعي فأنقرضوا بِهِ
وَكَانَ يُقَال لأبي جَعْفَر فِي صغره مِقْلَاص لقب بذلك تَشْبِيها بالمقلاص من الْإِبِل وَهِي النَّاقة الَّتِي تسمن فِي الصَّيف وتهزل فِي الشتَاء وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو جَعْفَر حكى ذَلِك أَبُو الْوَلِيد الوقشي قَالَ وَهُوَ مقلوب الْعَادة وَلَيْسَ فِي خلفاء بني الْعَبَّاس أعلم من أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَعبد الله الْمَأْمُون ثمَّ بعدهمَا الرشيد والواثق وَمن متأخريهم المسترشد بن المستظهر وأشعرهم أَبُو الْعَبَّاس الراضي بن المقتدر
стр. 32
وَأَبُو جَعْفَر مَعْدُود فِي الكملة من الْمُلُوك وَكَانَ يفرط فِي دَعْوَاهُ الِاطِّلَاع ويقرط بتقريظ نَفسه الأسماع فَمن قَوْله فِي بعض خطبه الْمُلُوك أَرْبَعَة مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زياده وَعبد الْملك وَكَفاهُ حجاجه وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه وَأَنا وَلَا كافى لي وَلما عزم على الفتك بِأبي مُسلم صَاحب دولتهم والقائم بدعوتهم وَقد حذر من عَاقِبَة ذَلِك كتب إِلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى بن على ابْن عبد الله بن الْعَبَّاس مُشِيرا عَلَيْهِ بالأناة وَكَانَ قد شاوره فِيهِ
(إِذا كنت ذَا رَأْي فَكُن ذَا تدثر ... فَإِن فَسَاد الرَّأْي أَن يتعجلا)
فَقَالَ الْمَنْصُور يجِيبه
(إِذا كنت ذَا رَأْي فَكُن ذَا عَزِيمَة ... فَإِن فَسَاد الرَّأْي أَن يترددا)
(وَلَا تهمل الْأَعْدَاء يَوْمًا بقدرة ... وبادرهم أَن يملكُوا مثلهَا غَدا)
وَينظر إِلَى هَذَا قَول عبد الله بن المعتز
(وَإِن فرْصَة أمكنت فِي العدا ... فَلَا تبد فعلك إِلَّا بهَا)
(فَإِن لم تلج بَابهَا مسرعا ... أَتَاك عَدوك من بَابهَا)
(وَإِيَّاك من نَدم بعْدهَا ... وتأميل أُخْرَى وَأَنِّي بهَا)
وَقَالَ الْمَنْصُور
(تقسمني أَمْرَانِ لم أفتتحهما ... بحزم وَلم تعرك قواى الْكَرَاكِر)
(وَمَا ساور الأحشاء مثل دفينة ... من الْهم ردتها عَلَيْك المصادر)
(وَقد علمت أَبنَاء عدنان أنني ... لَدَى مَا عرا مقدامة متجاسر)
стр. 33
وَقَالَ أَيْضا يُخَاطب مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيم ابْني عبد الله بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنْهُم حِين خرجا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة
(بنى عمنَا لَا نصر عنْدكُمْ لنا ... وَلَكِنَّكُمْ فِينَا سيوف قواطع)
(فلولا دفاعي عَنْكُم إِذْ عجزتم ... وَبِاللَّهِ أحمى عَنْكُم وأدافع)
(لكنتم ذنابى آل مَرْوَان مِثْلَمَا ... عهدناكم وَالله معط ومانع)
٨ - عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان
الدَّاخِل إِلَى الأندلس وَيُقَال لَهُ صقر قُرَيْش سَمَّاهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بذلك وكنيته أَبُو الْمطرف وَهُوَ الْأَشْهر فِي كنيته وَقيل أَبُو زيد وَقيل أَبُو سُلَيْمَان
هرب فِي أول دولة بنى الْعَبَّاس إِلَى الْمغرب وَتردد بنواحي إفريقية وَأقَام دهر فِي أَخْوَاله نفزة من قبائل البربر وَكَانَت أمه مِنْهُم رَاح ثمَّ لحق بالأندلس فِي غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهزمَ أميرها يُوسُف ابْن عبد الرَّحْمَن الفِهري فِي يَوْم الْخَمِيس لتسْع خلون من ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة وأستوسقت لَهُ الْخلَافَة ليَوْم آخر يَوْم الْجُمُعَة يَوْم الْأَضْحَى وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة
ودعا لنَفسِهِ عِنْد استغلاظ أمره وأستيلائه على دَار الْإِمَارَة قرطبة وَيُقَال إِنَّه أَقَامَ أشهراً دون السّنة يَدْعُو لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور متقيلا فِي ذَلِك يُوسُف
стр. 34
الفِهري الْوَالِي قبله إِلَى أَن أفرد نَفسه بِالدُّعَاءِ وَيُقَال إِن عبد الْملك بن عمر ابْن مَرْوَان بن الحكم أَشَارَ عَلَيْهِ بذلك عِنْد خلوصه إِلَيْهِ فَقبله إِلَّا أَنه لم يعد أسم الْإِمَارَة وسلك الْأُمَرَاء من وَلَده سنته فِي ذَلِك إِلَى أَبى عهد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله فَهُوَ الَّذِي تسمى بالخلافة بعد سِنِين من سُلْطَانه ودعى بأمير الْمُؤمنِينَ لما أستفحل أمره وأستبان لَهُ ضعف ولد الْعَبَّاس وأنتثار سلطانهم بالمشرق وَذَلِكَ فِي آخر خلَافَة المقتدر بِاللَّه جَعْفَر بن أَحْمد المعتضد مِنْهُم ذكر ذَلِك أَبُو مَرْوَان حَيَّان بن خلف بن حَيَّان صَاحب تَارِيخ الأندلس
وَمن شعر عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة يتشوق معاهده بِالشَّام أنْشدهُ الْحميدِي فِي تَارِيخه
(أَيهَا الرَّاكِب الميمم أرضي ... أقرّ من بَعْضِي السَّلَام لبَعض)
(إِن جسمي كَمَا علمت بِأَرْض ... وفؤادي ومالكيه بِأَرْض)
(قدر الْبَين بَيْننَا فأفترقنا ... وطوى الْبَين عَن جفوني غمضي)
(قد قضى الله بالفراق علينا ... فَعَسَى بإجتماعنا سَوف يقْضى)
وَقَالَ أَيْضا فِي حَيْوَة بن ملامس الْحَضْرَمِيّ من جند حمص النازلين إشبيلية وَكَانَت لَهُ مِنْهُ منزلَة لَطِيفَة فِي أول ملكه
стр. 35
(فَلَا خير فِي الدنياا وَلَا فِي نعيمها ... إِذا غَابَ عَنْهَا حَيْوَة بن ملامس)
(أَخُو السَّيْف قارى الضَّيْف حقايراهما ... عَلَيْهِ ونافى الضيم عَن كل بائس)
وَحكى عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ أَن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة أول نُزُوله منية الرصافة بقرطبة وأتخاذه لَهَا نظر إِلَى نَخْلَة مُفْردَة فهاجت شجنه وتذكر بلد الْمشرق فَقَالَ بديهاً
(تبدت لنا وسط الرصافة نَخْلَة ... تناءت بِأَرْض الغرب عَن بلد النّخل)
(فَقلت شبيهي فِي التغرب والنوى ... وَطول التنائي عَن بني وَعَن أَهلِي)
(نشأت بِأَرْض أَنْت فِيهَا غَرِيبَة ... فمثلك فِي الإقصاء والمنتأى مثلي)
(سقتك غوادي المزن من صوبها الَّذِي ... يسح ويستمري السماكين بالوبل)
وَقَالَ أَيْضا فِيهَا
(يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثلي ... فِي الغرب نائية عَن الأَصْل)
(فأبكى وَهل تبْكي مكبسة ... عجماء لم تطبع على خبل)
(لَو أَنَّهَا تبكى إِذا لبكت ... مَاء الْفُرَات ومنبت النّخل)
(لَكِنَّهَا ذهلت وأذهلني ... بغضي بني الْعَبَّاس عَن أَهلِي)
وَقد قيل إِن الأبيات الْأَرْبَعَة الأول لعبد الْملك بن بشر بن عبد الْملك بن بشر بن مَرْوَان بن الحكم قَالَهَا عِنْد دُخُوله الأندلس فِرَارًا من بني الْعَبَّاس فِي صدر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقيل فِي الأبيات الْأَخِيرَة إِنَّهَا لعبد الْملك
стр. 36
ابْن عمر بن مَرْوَان بن الحكم وَقد اجتاز فِي قَصده قرطبة حَضْرَة الْأَمِير عبد الرحمن بن مُعَاوِيَة على مَا حكى الْحَافِظ بِمَدِينَة إشبيلية فَرَأى فِي مَوضِع مِنْهَا يعرف ب النخيل إِلَى الْيَوْم نَخْلَة مُفْردَة فلحقته رقة عِنْد النّظر إِلَيْهَا وَقَالَ بديهاً الأبيات الْمَذْكُورَة
وَمِمَّا يرد هَذَا القَوْل ويقوى نسبتها أَعنِي الأبيات الْأَخِيرَة لعبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة مَا حكى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك بن بشكوال فِي تَارِيخه وقرأته على القَاضِي أبي الْخطاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن وَاجِب الْقَيْسِي بِمَدِينَة بلنسية عَنهُ قِرَاءَة عَلَيْهِ بِحَضْرَة قرطبة قَالَ قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى بن فتح يعرف بِابْن الْغُرَاب دخلت يَوْمًا على أبي عُثْمَان بن الْقَزاز وَهُوَ يعلق فَقلت لَهُ رَأَيْت السَّاعَة فِي تَوَجُّهِي إِلَيْك القَاضِي والوزراء والحكام والعدول قد نهضوا بِجَمْعِهِمْ إِلَى حِيَازَة الْجنَّة الْمَعْرُوفَة ب ربنالش وَهبهَا هِشَام للمظفر بن أبي عَامر قَالَ فَقَالَ لي ابْن الْقَزاز إِن هشاماً لضعيف هَذِه الْجنَّة الْمَذْكُورَة
стр. 37
هِيَ أول أصل أتخذه عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَكَانَ فِيهَا نَخْلَة أدركتها بسنى وَمِنْهَا توالدت كل نَخْلَة بالأندلس قَالَ وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقد تنزه إليهاا فَرَأى تِلْكَ النَّخْلَة فحن يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثلي وَذكر الأبيات إِلَى آخرهَا
وَحكى أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج صَاحب كتاب الحدائق الْمُؤلف للْحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه من أشعار الأندلسيين قَالَ بَلغنِي أَن بعض الْوُفُود من قُرَيْش كتب إِلَى الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ﵀ يستعظم حَقه عَلَيْهِ بالرحم ويستقل حَظه مِنْهُ بالمسطمع فَوَقع فِي ظهر كِتَابه
(شتان من قَامَ ذَا أمتعاض ... منتضى الشفرتين نصلا)
(فجاب قفراً وشق بحرا ... مساميا لجة ومحلا)
(فشادمجدا وبز ملكا ... ومنبراً للخطاب فصلا)
(وجند الْجند حِين أودى ... ومصر الْمصر حِين أخلى)
(ثمَّ دَعَا أَهله جَمِيعًا ... حَيْثُ أنتأوا أَن هَلُمَّ أَهلا)
стр. 38
(فجَاء هَذَا طريد جوع ... شريد سيف أياد قتلا)
(فنال أمنا ونال شبعاً ... وَحَازَ مَالا وَضم شملا)
(ألم يكن حق ذَا على ذَا ... أعظم من منعم وَمولى)
وَبَعض هَذَا الشّعْر عَن ابْن حَيَّان وأوله عِنْده
(شتان من قَامَ ذَا امتعاض ... فشال مَا قل وأضمحلا)
(وَمن غَدا مُصْلِتًا لعزم ... مُجَردا للعداة نصلا)
فجاب قفراً الْبَيْت
وَبعده
(فبز ملكا وشاد عزا ... )
إِلَّا أَن ابْن حَيَّان ذكر عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسي أَن جلساء عبد الرَّحْمَن القادمين عَلَيْهِ من فل أَهله بِالشَّام حدثوه يَوْمًا مَا كَانَ من
стр. 39
الْغمر بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ابْن عَمه أَيَّام محنتهم وَكَلَامه للْعَبَّاس الساطى بهم وَنسب ذَلِك إِلَى عبد الله بن عَليّ وَفِي الأوراق للصولى أَن السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ تولى قتل الْغمر وَقد فَخر فِي مَجْلِسه بمناقب قومه وَكثر الْقَوْم فِي وصف ذَلِك وعجوا بِهِ فَكَأَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن أحتقر ذَلِك فِي جنب مَا كَانَ مِنْهُ هُوَ فِي الذّهاب بِنَفسِهِ لأقتطاع قِطْعَة من مملكة الْإِسْلَام عَن عدوه وَقَامَ من مَجْلِسه فصاغ هَذِه الأبيات بديهة
قَالَ ابْن الْفرج وَأَتَاهُ فِي بعض غَزَوَاته آتٍ مِمَّن كَانَ يعرف كلفه بالصيد فَأخْبرهُ عَن غرانيق وَاقعَة فِي جَانب من مُضْطَرب الْعَسْكَر وحركه إِلَى اصطيادها فَقَالَ
(دَعْنِي وصيد وَقع الغرانق ... فَإِن همي فِي أصطياد المارق)
(فِي نفق إِن كَانَ أَو فِي حالق ... إِذا التظت لوافح الضوائق)
(كَانَ لفاعي ظلّ بند خافق ... غنيت عَن روض وَقصر شَاهِق)
стр. 40
(بالقفر والإيطان بالسرادق ... فَقل لمن نَام على النمارق)
(إِن الْعلَا شدت بهم طَارق ... فأركب إِلَيْهَا ثبج المضائق)
(أَولا فَأَنت أرذل الْخَلَائق ...
٩ - ابْنه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة
ولى الْخلَافَة بالأندلس بعد أَبِيه يَوْم الْأَحَد غرَّة جُمَادَى الأولى من سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَت وَفَاة أَبِيه وَهُوَ بماردة يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ربيع الآخر وبقرطبة ولد لَهُ هِشَام هَذَا لأَرْبَع خلون من شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَيعرف ب الرِّضَا لعدله وفضله ويكنى أَبَا الْوَلِيد وأستوزره أَبوهُ عبد الرَّحْمَن وأخاه كبيره سُلَيْمَان الْمَوْلُود بِالشَّام تنويهاً بحالهما وَأَخذهمَا بالركوب إِلَى الْقصر ومشاهدة مجَالِس مشورته وَكَانَا يركبان متداولين ومتناوبين لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِذا كَانَ يَوْم هِشَام تأهب حاضرو الْمجْلس من كبار أهل المملكة [] والإفاضة فِي الحَدِيث إِلَى إنشاد شعر أَو ضرب مثل أَو ذكر يَوْم من أَيَّام الْعَرَب أَو ذكر حَرْب أَو أجتلاب حِيلَة أَو حِكَايَة تَدْبِير أَو إحماد سيرة وَإِذا كَانَ يَوْم سُلَيْمَان خلا من ذَلِك كُله وانبسط الْحَاضِرُونَ فِي غث الْأَحَادِيث وَأخذُوا فِي الدعابة
ويروى أَن رجلا يعرف بالهوارى دخل على هِشَام فِي حَيَاة أَبِيه عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة وَهُوَ مرشح للخلافة فَقَالَ لَهُ إِن فلَانا مَاتَ عَن ضَيْعَة تعود بِكَذَا وَكَذَا من الْغلَّة وَأَنَّهَا تبَاع فِي دين أَو عَن وَصِيَّة وَهِي ناعمة مثمرة وطيبة الأَرْض مخصبة وحضه على اشترائها فَقَالَ لَهُ أَنا أُرِيد أمرا إِن بلغته
следующие страницы →