← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ابْن عمر بن مَرْوَان بن الحكم وَقد اجتاز فِي قَصده قرطبة حَضْرَة الْأَمِير عبد الرحمن بن مُعَاوِيَة على مَا حكى الْحَافِظ بِمَدِينَة إشبيلية فَرَأى فِي مَوضِع مِنْهَا يعرف ب النخيل إِلَى الْيَوْم نَخْلَة مُفْردَة فلحقته رقة عِنْد النّظر إِلَيْهَا وَقَالَ بديهاً الأبيات الْمَذْكُورَة وَمِمَّا يرد هَذَا القَوْل ويقوى نسبتها أَعنِي الأبيات الْأَخِيرَة لعبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة مَا حكى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك بن بشكوال فِي تَارِيخه وقرأته على القَاضِي أبي الْخطاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن وَاجِب الْقَيْسِي بِمَدِينَة بلنسية عَنهُ قِرَاءَة عَلَيْهِ بِحَضْرَة قرطبة قَالَ قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى بن فتح يعرف بِابْن الْغُرَاب دخلت يَوْمًا على أبي عُثْمَان بن الْقَزاز وَهُوَ يعلق فَقلت لَهُ رَأَيْت السَّاعَة فِي تَوَجُّهِي إِلَيْك القَاضِي والوزراء والحكام والعدول قد نهضوا بِجَمْعِهِمْ إِلَى حِيَازَة الْجنَّة الْمَعْرُوفَة ب ربنالش وَهبهَا هِشَام للمظفر بن أبي عَامر قَالَ فَقَالَ لي ابْن الْقَزاز إِن هشاماً لضعيف هَذِه الْجنَّة الْمَذْكُورَة

стр. 37

هِيَ أول أصل أتخذه عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَكَانَ فِيهَا نَخْلَة أدركتها بسنى وَمِنْهَا توالدت كل نَخْلَة بالأندلس قَالَ وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقد تنزه إليهاا فَرَأى تِلْكَ النَّخْلَة فحن يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثلي وَذكر الأبيات إِلَى آخرهَا وَحكى أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج صَاحب كتاب الحدائق الْمُؤلف للْحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه من أشعار الأندلسيين قَالَ بَلغنِي أَن بعض الْوُفُود من قُرَيْش كتب إِلَى الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ﵀ يستعظم حَقه عَلَيْهِ بالرحم ويستقل حَظه مِنْهُ بالمسطمع فَوَقع فِي ظهر كِتَابه (شتان من قَامَ ذَا أمتعاض ... منتضى الشفرتين نصلا) (فجاب قفراً وشق بحرا ... مساميا لجة ومحلا) (فشادمجدا وبز ملكا ... ومنبراً للخطاب فصلا) (وجند الْجند حِين أودى ... ومصر الْمصر حِين أخلى) (ثمَّ دَعَا أَهله جَمِيعًا ... حَيْثُ أنتأوا أَن هَلُمَّ أَهلا)

стр. 38

(فجَاء هَذَا طريد جوع ... شريد سيف أياد قتلا) (فنال أمنا ونال شبعاً ... وَحَازَ مَالا وَضم شملا) (ألم يكن حق ذَا على ذَا ... أعظم من منعم وَمولى) وَبَعض هَذَا الشّعْر عَن ابْن حَيَّان وأوله عِنْده (شتان من قَامَ ذَا امتعاض ... فشال مَا قل وأضمحلا) (وَمن غَدا مُصْلِتًا لعزم ... مُجَردا للعداة نصلا) فجاب قفراً الْبَيْت وَبعده (فبز ملكا وشاد عزا ... ) إِلَّا أَن ابْن حَيَّان ذكر عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسي أَن جلساء عبد الرَّحْمَن القادمين عَلَيْهِ من فل أَهله بِالشَّام حدثوه يَوْمًا مَا كَانَ من

стр. 39

الْغمر بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ابْن عَمه أَيَّام محنتهم وَكَلَامه للْعَبَّاس الساطى بهم وَنسب ذَلِك إِلَى عبد الله بن عَليّ وَفِي الأوراق للصولى أَن السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ تولى قتل الْغمر وَقد فَخر فِي مَجْلِسه بمناقب قومه وَكثر الْقَوْم فِي وصف ذَلِك وعجوا بِهِ فَكَأَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن أحتقر ذَلِك فِي جنب مَا كَانَ مِنْهُ هُوَ فِي الذّهاب بِنَفسِهِ لأقتطاع قِطْعَة من مملكة الْإِسْلَام عَن عدوه وَقَامَ من مَجْلِسه فصاغ هَذِه الأبيات بديهة قَالَ ابْن الْفرج وَأَتَاهُ فِي بعض غَزَوَاته آتٍ مِمَّن كَانَ يعرف كلفه بالصيد فَأخْبرهُ عَن غرانيق وَاقعَة فِي جَانب من مُضْطَرب الْعَسْكَر وحركه إِلَى اصطيادها فَقَالَ (دَعْنِي وصيد وَقع الغرانق ... فَإِن همي فِي أصطياد المارق) (فِي نفق إِن كَانَ أَو فِي حالق ... إِذا التظت لوافح الضوائق) (كَانَ لفاعي ظلّ بند خافق ... غنيت عَن روض وَقصر شَاهِق)

стр. 40

(بالقفر والإيطان بالسرادق ... فَقل لمن نَام على النمارق) (إِن الْعلَا شدت بهم طَارق ... فأركب إِلَيْهَا ثبج المضائق) (أَولا فَأَنت أرذل الْخَلَائق ... ٩ - ابْنه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ولى الْخلَافَة بالأندلس بعد أَبِيه يَوْم الْأَحَد غرَّة جُمَادَى الأولى من سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَت وَفَاة أَبِيه وَهُوَ بماردة يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ربيع الآخر وبقرطبة ولد لَهُ هِشَام هَذَا لأَرْبَع خلون من شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَيعرف ب الرِّضَا لعدله وفضله ويكنى أَبَا الْوَلِيد وأستوزره أَبوهُ عبد الرَّحْمَن وأخاه كبيره سُلَيْمَان الْمَوْلُود بِالشَّام تنويهاً بحالهما وَأَخذهمَا بالركوب إِلَى الْقصر ومشاهدة مجَالِس مشورته وَكَانَا يركبان متداولين ومتناوبين لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِذا كَانَ يَوْم هِشَام تأهب حاضرو الْمجْلس من كبار أهل المملكة [] والإفاضة فِي الحَدِيث إِلَى إنشاد شعر أَو ضرب مثل أَو ذكر يَوْم من أَيَّام الْعَرَب أَو ذكر حَرْب أَو أجتلاب حِيلَة أَو حِكَايَة تَدْبِير أَو إحماد سيرة وَإِذا كَانَ يَوْم سُلَيْمَان خلا من ذَلِك كُله وانبسط الْحَاضِرُونَ فِي غث الْأَحَادِيث وَأخذُوا فِي الدعابة ويروى أَن رجلا يعرف بالهوارى دخل على هِشَام فِي حَيَاة أَبِيه عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة وَهُوَ مرشح للخلافة فَقَالَ لَهُ إِن فلَانا مَاتَ عَن ضَيْعَة تعود بِكَذَا وَكَذَا من الْغلَّة وَأَنَّهَا تبَاع فِي دين أَو عَن وَصِيَّة وَهِي ناعمة مثمرة وطيبة الأَرْض مخصبة وحضه على اشترائها فَقَالَ لَهُ أَنا أُرِيد أمرا إِن بلغته

стр. 41

غنيت عَنْهَا وَإِن قطع بِي دونه خسرتها ولأصطناع رجل أحب إِلَيّ من أكتساب ضَيْعَة فَقَالَ لَهُ الهوارى فأصطنعني بهَا تَجِد أكْرم مصطنع فَأمر بأبتياعها فَأَشَارَ بعض من حضر إِلَى أَن الأستعداد بِالْمَالِ أعون على دَرك الآمال فَأَطْرَقَ عَنهُ ثمَّ قَالَ (الْبَذْل لَا الْجمع فطْرَة الْكَرم ... فَلَا ترد بِي مالم ترد شيمي) (مَا أَنا من ضَيْعَة وَإِن نعمت ... حسبي أصطناع الْأَحْرَار بِالنعَم) (ملك الورى والعباد قاطبة ... لاملك بعض الضّيَاع من هممي) (تفيض كفى فِي السّلم بَحر ندى ... وَفِي سِجَال الحروب بَحر دم) (تزل عَن راحتي البدور وَمَا ... تمسك غير الحسام والقلم) لم أجد لهَذَا الْملك الأمجد مَعَ نشدان ضَالَّة كَلَامه غير هَذَا المنشد وَإِن كَانَ قَلِيلا فَكفى دَلِيلا على سرف الحباء وَشرف الحوباء حَتَّى كَأَن أعشى هَمدَان سمع بِطُولِهِ فأعتمده بقوله (رَأَيْتُك أمس خير بني لؤَي ... وَأَنت الْيَوْم خير مِنْك أمس) (وَأَنت غَدا تزيد الْخَيْر ضعفا ... كَذَاك تزيد سادة عبد شمس) ١٠ - ابْنه الحكم بن هِشَام الْمَعْرُوف بالربضى أَبُو العاصى ولي بعد أَبِيه يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة خلت من صفر سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ شجاعاً باسلاً أديباً مفتناً خَطِيبًا مفوهاً وشاعراً مجوداً تحذر صولاته وتستندر أبياته

стр. 42

وَهُوَ الَّذِي أوقع بِأَهْل الربض فنسب إِلَيْهِ وَأمر بهدمه وتعطيله وصير ذَلِك وَصِيَّة فِيمَن خَلفه وعهداً على بنيه مَا كَانَ لَهُم سُلْطَان بالأندلس فَلم يعمر وَلَا أختطت فِيهِ دَار إِلَى آخر دولتهم ثمَّ بعْدهَا إِلَى أَن ملك الرّوم قرطبة يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَأقَام على ذَلِك نَحوا من أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة وَلَا أعلمهُ إِلَّا كَذَلِك إِلَى الْيَوْم وَكَانَت وقْعَة الربض الشنعاء يَوْم الْأَرْبَعَاء النحسة لثلاث عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة أثنتين وَمِائَتَيْنِ فِي آخر خلَافَة الحكم وَيَوْم الْخَمِيس بعده أَمر بهدم الربض القبلي الَّذِي مِنْهُ نشأت الْفِتْنَة فأعيد بطحاء مزرعة بعد أَن قتل من أَهله مقتلة عَظِيمَة وَأسر خلقا جماً صلب مِنْهُم نَحْو ثلثمِائة صفوا من إزاء بَاب القنطرة إِلَى آخر المصادة مَعَ ضفة النَّهر لم ير فِيمَا سلف ممثلون أَكثر مِنْهُم عددا وَلَا أهول منْظرًا وَتَمَادَى الْقَتْل والنهب لمنازلهم والتتبع لمستخفيهم ثَلَاثَة أَيَّام لم تقل لمن عثر عَلَيْهِ مِنْهُم عَثْرَة وَجَرت عَلَيْهِم خلالها محن لَا تضبطها الصّفة وكف الحكم عَن الْحرم ووصى بِهن فأجمل فِي ذَلِك مَا شَاءَ

стр. 43

وَلما انْقَضتْ الْأَيَّام الثَّلَاثَة أَمر بِرَفْع الْقَتْل وتأمين الفل على أَن يخرجُوا من حَضرته قرطبة فَسَارُوا عَن أوطانهم كل بِحَسب مَا أمكنه وأستمروا ظاعنين على الصعب والذلول فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر بَقينَ من شهر رَمَضَان المؤرخ مُتَفَرّقين فِي قصى الكور وأطراف الثغور وَلحق جمهورهم بطليطلة لمُخَالفَة أَهلهَا الحكم ولجأ آخَرُونَ إِلَى سواحل بِلَاد البربر وأصعدت مِنْهُم طَائِفَة عَظِيمَة نَحْو الْخَمْسَة عشر ألفا فِي الْبَحْر نَحْو الْمشرق حَتَّى أنتهوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَذَلِكَ فِي أول ولَايَة عبد الله الْمَأْمُون بن الرشيد فعازهم أَهلهَا وذهبوا إِلَى إذلالهم فَأَبَوا الضيم وثاروا بهم فغلبوهم وبذلوا السَّيْف فيهم وَقتلُوا كثيرا مِنْهُم وسطوا بهم سطوة مُنكرَة وملكوا الْإسْكَنْدَريَّة مديدة إِلَى أَن ورد عبد الله بن طَاهِر أَمِيرا على مصر من قبل الْمَأْمُون فَصَالحهُمْ على التخلى عَنْهَا على مَال بذله لَهُم وَخَيرهمْ فِي النُّزُول بِحَيْثُ شَاءُوا من جزائر الْبَحْر فأختاروا جَزِيرَة إقريطش من الْبَحْر الرومى وَكَانَت يَوْمئِذٍ خَالِيَة من الرّوم فأحتملوا إِلَيْهَا بفتنتهم ونزلوها فأعتمروها وجاءهم النَّاس من كل مَكَان فأوطنوها مَعَهم وَحكى ابْن حَيَّان عَن أبي بكر بن الْقُوطِيَّة وَغَيره أَن الحكم غرب فِي بأساء حربه هَذِه عِنْدَمَا حمى وطيسها وأعضل خطبهَا بنادرة من نَوَادِر الصَّبْر والتوطين على الْمَوْت مَا سمع لأحد من الْمُلُوك مثلهَا وَذَلِكَ أَنه فِي مقَامه بالسطح وَعند بَصَره بأشتداد الْحَرْب وجثوم الكرب وسماعه قعقعة السِّلَاح وأنتماء الْأَبْطَال دَعَا بقارورة غَالِيَة لتدني مِنْهُ فتوانى بهَا عَنهُ

стр. 44

خادمه الْمُسَمّى يزنت ظنا مِنْهُ أَنه لهج فِي مَنْطِقه فصاح بِهِ وزجره وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فَكَأَن الْخَادِم شكّ فِي طلبته واتهم سَمعه فتوقف عَن المضى لأَمره فصاح بِهِ الحكم أَنطلق يَا ابْن اللخناء فَعجل فَجَاءَهُ بالقارورة فأفرغها على رَأسه ولحيته وَلم يملك الْخَادِم نَفسه أَن قَالَ لَهُ وأية سَاعَة طيب هَذِه يَا مولَايَ فتستعمله وَقد ترى مَا نَحن فِيهِ فَقَالَ لَهُ أسكت لَا أم لَك من أَيْن يعرف قَاتل الحكم رَأسه من رَأس غَيره إِذا هُوَ مذه إِن لم يفرق الطّيب بَينهمَا ثمَّ أستلأم للحرب وَأمر بتفريق السِّلَاح وَالْخَيْل على أجناده وأنهضهم لقِتَال من جاش بِهِ بعد أَن كتبهمْ كتائب قَود عَلَيْهَا كبارًا من قواده وَأهل بَيته فأنهزمت الْعَامَّة بعد قتال شَدِيد وَلم تكن لأحد مِنْهُم كرة وَكَانُوا كالدبا كَثْرَة قَالَ وَلم ينل الحكم بعد وقيعة الربض حلاوة الْعَيْش وأمتحن بعلة صعبة طاولته أَرْبَعَة أَعْوَام قلت غربه وأطالت ضناه وأحتجب فِيهَا آخر مدَّته وأستناب وَلَده عبد الرَّحْمَن فِي تَدْبِير ملكه فَمَاتَ على تَوْبَة من ذنُوبه وَنَدم على

стр. 45

مَا اقْتَرَف مِنْهَا بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر من يَوْم الْخَمِيس لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَمن شعره فِي ذَلِك يعْذر نَفسه بالدفاع عَن ملكه والحماية لسلطانه وَهُوَ من أحسن شعر قيل فِي مَعْنَاهُ (رأبت صدوع الأَرْض بِالسَّيْفِ راقعاً ... وقدماً لأمت الشّعب مذ كنت يافعاً) (فسائل ثغوري هَل بهَا الْيَوْم ثغرة ... أبادرها مستنضى السَّيْف دارعا) (وشافه على الأَرْض الفضاء جماجماً ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا) (تنبئك أَنِّي لم أكن فِي قراعهم ... بوان وقدماً كنت بِالسَّيْفِ قارعا) (وَإِنِّي إِذا حادوا حذاراً عَن الردى ... فلست أَخا حيد عَن الْمَوْت جازعا) (حميت ذماري فاتهكت ذمارهم ... وَمن لَا يحامى ظلّ خزيان ضارعا)

стр. 46

(وَلما تسقينا سِجَال حروبنا ... سقيتهم سجلاً من الْمَوْت ناقعا) (وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهم ... فلاقوا منايا قدرت ومصارعا) (فهاك بلادي إِنَّنِي قد تركتهَا ... مهاداً وَلم أترك عَلَيْهَا منازعا) قَالَ عُثْمَان بن الْمثنى النَّحْوِيّ الْمُؤَدب قدم بعد الْوَقْعَة علينا عَبَّاس بن نَاصح قرطبة أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم فأستنشدني شعر الْأَمِير الحكم فِي الهيج فَأَنْشَدته إِيَّاه فَلَمَّا بلغت إِلَى قَوْله (وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهم ... فلاقوا منايا قدرت ومصارعا) قَالَ عَبَّاس لَو أَن الحكم يخْشَى للخصومة بَينه وَبَين أهل الربض لقام بِعُذْرِهِ فيهم هَذَا الْبَيْت وَفِي رِوَايَة إِذا كَانَت الْخُصُومَة بَينه وَبَين أهل الربض أجبرته فَإِن هَذَا الْبَيْت ليحاجج عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة

стр. 47

وَله أَيْضا فِي ذَلِك (غناء صليل الْبيض أشهى إِلَى الْأذن ... من اللّحن فِي الأوتار وَاللَّهْو والردن) (إِذا أختلفت زرق الأسنة والقنا ... أرتك نجوماً يطلعن من الطعْن) (بهَا يهتدى السارى وتنكشف الدجى ... وتستشعر الدُّنْيَا لباساً من الْأَمْن) (شققت غمار الْمَوْت تخطي مهجتي ... سِهَام ردى قبلي أَصَابَت ذَوي الْجُبْن) (إذاا لفحت ريح الظهائر لم يكن ... لفاعى فِيهَا غير فَيْء القنا اللدن) (وَإِن لم يجد حصناً سوى الفر مقدم ... فَمَالِي غير السَّيْف وَالرمْح من حصن) (قذفت بهم من فَوق بهماء فاتروت ... لَهُ الأَرْض وأستولى على السهل والحزن) (فَسَار يرْوى كل صديان حائم ... وسح كَمَا سحت عزال من المزن) (وَإِن عَن للتيار من سيلانه ... ذرى شَاهِق أضحى كمنتفش العهن) (هنأت بِهِ حرباتقشع بحرها ... بِحمْل هناء لَيْسَ يصلح للبدن) وَله فِي النسيب (ظلّ من فرط حبه مَمْلُوكا ... وَلَقَد كَانَ قبلذاك مليكا) (إِن بَكَى أَو شكا الْهوى زيد ظلما ... وبعاداً يدنى حَماما وشيكا) (تركته جآذر الْقصر صبا ... مستهاماً على الصَّعِيد تريكا) (يَجْعَل الخد وَاضِعا فَوق ترب ... للَّذي يَجْعَل الْحَرِير أريكا) (هَكَذَا يحسن التذلل فِي الْحبّ ... إِذا كَانَ فِي الْهوى مَمْلُوكا)

стр. 48

وَله فِي خمس جوَار من حظاياه كن مصطحبات فتغاضبن عَلَيْهِ وقتا فِي طَرِيق الْغيرَة وهجرته (قضب من البان ماست فَوق كُثْبَان ... ولين عني وَقد أزمعن هجراني) (ناشدتهن بحقي فأعتزمن على الْعِصْيَان ... حَتَّى حلا مِنْهُنَّ عصياني) (ملكتني ملك من ذلت عَزَائِمه ... للحب ذل أَسِير موثق عان) (من لي بمغتصبات الرّوح من بدني ... يغصبنني فِي الْهوى عذي وسلطاني) ١١ - إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب ولد لعبد الله بن حسن وَكَانَ شيخ بني هَاشم فِي وقته إِدْرِيس الْأَكْبَر وَأمه هِنْد بنت أبي عُبَيْدَة المطلبية وَإِدْرِيس الْأَصْغَر هَذَا أمه عَاتِكَة بنت عبد الْملك بن الْحَارِث المخزومية وأخواه مِنْهَا عِيسَى وَسليمَان حكى ذَلِك أَبُو عَليّ حُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي كِتَابه المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب وأختصرته مِنْهُ وَذكر أَن إِسْحَاق

стр. 49

ابْن عِيسَى كَانَ على الْمَدِينَة فَلَمَّا مَاتَ الْمهْدي وَولى مُوسَى الهادى شخص وافداً عَلَيْهِ وأستخلف على الْمَدِينَة عمر بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَخرج عَلَيْهِ بهَا الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحسن الْعلوِي وأستخفى الْعمريّ حَتَّى خرج الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَكَانَ قد حج فِي تِلْكَ السّنة رجال من بني الْعَبَّاس مِنْهُم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن عَليّ وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد ومُوسَى بن عِيسَى وعَلى الْمَوْسِم سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر فَكتب الْهَادِي إِلَى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان يوليه الْحَرْب فَالْتَقوا بفخ وخلعوا عبيد الله ابْن قثم بِمَكَّة للْقِيَام بأمرها وَكَانَت الْوَقْعَة يَوْم السبت يَوْم التَّرويَة فَقتل الْحُسَيْن الْقَائِم وَسليمَان بن عبد الله وأنهزم النَّاس فنودى فيهم بالأمان وَلم يتبع هارب وحزت الرؤوس فَكَانَت مائَة ونيفاً وَكَانَ فِيمَن هرب يحيى وَإِدْرِيس ابْنا عبد الله بن حسن فَأَما إِدْرِيس فلحق بالمغرب ولجأ إِلَى أَهله فأعظموه وَلم يزل عِنْدهم إِلَى أَن أحتيل عَلَيْهِ وَخلف ابْنه إِدْرِيس بن إِدْرِيس فملكوا تِلْكَ النَّاحِيَة وأنقطعت عَنْهُم الْبعُوث وَأما يحيى فَصَارَ إِلَى جبل الديلم فَأَقَامَ عِنْد صَاحبه إِلَى أَن شخص إِلَيْهِ الْفضل بن يحيى بن خَالِد فِي أَيَّام الرشيد فَأَمنهُ وَحمله إِلَيْهِ وَقد قيل إِن إِدْرِيس هرب إِلَى الْمغرب فِي أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عِنْد قتل أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم القائمين عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة وَأَن أَبَا جَعْفَر بعث إِلَيْهِ من سمه وَالصَّحِيح أَن ذَلِك كَانَ فِي خلَافَة الهادى بالعراق وَبعد عشرَة أشهر وَأَيَّام مِنْهَا وَفِي آخر خلَافَة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بالأندلس وَقبل وَفَاته بعامين وَأشهر وَأَن إِدْرِيس وَقع إِلَى مصر وعَلى بريدها وَاضح مولى صَالح بن الْمَنْصُور

стр. 50

وَكَانَ رَافِضِيًّا فَحَمله على الْبَرِيد إِلَى أَرض الْمغرب حَتَّى انْتهى إِلَى مَدِينَة وليلى من أَرض طنجة فأستجاب لَهُ من بهَا وبأعراضها من البربر فَلَمَّا ولى الرشيد علم بذلك فَضرب عنق وَاضح وصلبه ودس إِلَى إِدْرِيس من أنس بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَكتب لَهُ كتابا إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عَامله على إفريقية فاحتال حَتَّى سمه وأختلف فِيمَن سم إِدْرِيس وَمَا سم فِيهِ فَقيل الشماخ المشماسي مولى الْمهْدي سمه فِي سنُون سَقَطت مِنْهُ أَسْنَانه لما أستعمله وَمَات من وقته وَسَيَأْتِي خَبره بعد إِن شَاءَ الله وَقيل بل سُلَيْمَان بن جرير الرقى كَانَ سَبَب سمه وَكَانَ إِدْرِيس بِهِ واثقاً فَأتى من قبله وهرب مَعَ الرُّسُل الَّذين أَتَوا فِي ذَلِك وَطلب ففات وَيُقَال إِن سُلَيْمَان هَذَا وَكَانَ يَقُول بإمامة زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن نَاظر إِدْرِيس يَوْمًا فِي شَيْء فخالفه ثمَّ دخل الْحمام فَلَمَّا خرج بعث إِلَيْهِ سُلَيْمَان بِسَمَكَةٍ مشوية أنكر نَفسه عِنْد أكله مِنْهَا فَشَكا بَطْنه وَقَالَ أدركوا

стр. 51

سُلَيْمَان فَأدْرك وَقيل لَهُ أجب فأمتنع فَضرب على وَجهه بِسيف وَضرب أُخْرَى على يَده فأنقطعت أُصْبُعه وأفلت وَقيل سم فِي طيب تطيب بِهِ وَولده وَأهل بَيته يَقُولُونَ إِنَّمَا سم فِي بطيخة وهم وَإِن أختلفوا فِي الشَّيْء الَّذِي سم بِهِ فهم مجمعون على أَنه مَاتَ مسموما وَمن شعره (أَلَيْسَ أَبونَا هَاشم شدّ أزره ... وَأوصى بنيه بالطعان وبالضرب) (فلسنا نمل الْحَرْب حَتَّى تملنا ... وَلَا نتشكى مَا يهول من النكب) ١٢ - ابْنه إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله أَبُو دَاوُود قَالَ أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد النَّوْفَلِي توفّي إِدْرِيس بن عبد الله وَجَارِيَة من جواريه حُبْلَى أسمها كنزة فَقَامَ رَاشد مَوْلَاهُ وَيُقَال إِنَّه مولى أَخِيه عِيسَى بن عبد الله وَهُوَ الَّذِي خرج بِهِ حَتَّى أقدمه الْمغرب بِأَمْر البربر إِلَى أَن ولدت الْجَارِيَة غُلَاما فَسَماهُ باسم أَبِيه إِدْرِيس وَقَامَ بأَمْره حَتَّى بلغ الْغُلَام وأدبه وَكَانَ مولده فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وَتُوفِّي رَاشد سنة سِتّ وَثَمَانِينَ فَقَامَ يَأْمر الْغُلَام أَبُو خَالِد يزِيد بن إلْيَاس وَأخذ بيعَة البربر لَهُ يَوْم الْجُمُعَة فِي شهر ربيع الآخر سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة وَأسسَ مَدِينَة الْقرَوِيين سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخرج إِلَى

стр. 52

نَفِيس فِي الْمحرم سنة سبع وَتِسْعين ثمَّ غزا نفزة وتلمسان وَتُوفِّي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة سم فِي حَبَّة عِنَب فَلم يزل مَفْتُوح الْفَم سَائل اللعاب حَتَّى مَاتَ وَعَن غير النَّوْفَلِي أَن زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب هُوَ الَّذِي أحتال عَلَيْهِ حَتَّى أغتاله وَعَامة من فِي الْمغرب من الحسنيين من ولد إِدْرِيس هَذَا وَمِنْهُم بَنو حمود الْخُلَفَاء فِي قرطبة بعد الأربعمائة وَذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ أَن إِدْرِيس بن عبد الله دخل الْمغرب سنة اثْنَتَيْنِ

стр. 53

وَسبعين فِي شهر رَمَضَان هَارِبا بِنَفسِهِ من أبي جَعْفَر فَنزل موضعا يُقَال لَهُ وليلى بوادي الزَّيْتُون فأجتمعت إِلَيْهِ قبائل من البربر فقدموه على أنفسهم وبنوا مَدِينَة فاس وَكَانَت أجمة شعراء وَلما احتفرت أساساتها ألفى فِي بَعْضهَا فأس فسميت بِمَدِينَة فاس وسكنها البربر فَلم تطل أَيَّامه وَهلك سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَترك جَارِيَة حَامِلا مِنْهُ فَولدت بعده ابْنا سمى بِإِدْرِيس ابْن إِدْرِيس ملك بعد أَبِيه مَدِينَة فاس وطالت مدَّته وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ ومولده فِي شهر ربيع الآخر سنه خمس وَسبعين كَذَا قَالَ الرَّازِيّ وَقد تقدم التَّنْبِيه على غلط الْقَائِل بِدُخُول إِدْرِيس الْمغرب فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَمن شعر إِدْرِيس بن إِدْرِيس يُخَاطب البهلول بن عبد الْوَاحِد المدغرى ذَاهِبًا إِلَى مُرَاجعَة طَاعَته ومحذراً مكر إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَهُوَ الَّذِي كَانَ أفْسدهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَاتله البهلول (كَأَنَّك لم تسمع بمكر ابْن أغلب ... وَمَا قد رمى بالكيد كل بِلَاد) (وَمن دون مَا منتك نَفسك خَالِيا ... ومناك إِبْرَاهِيم خرط قتاد) وَكتب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب يَدعُوهُ إِلَى طَاعَته أَو الْكَفّ عَن ناحيته ويذكره قرَابَته من رَسُول الله ﷺ وَفِي أَسْفَل كِتَابه (أذكر إِبْرَاهِيم حق مُحَمَّد ... وعترته وَالْحق خير مقول) (وأدعوه لِلْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ رشده ... وَمَا هُوَ لَوْلَا رَأْيه بجهول) (فَإِن آثر الدُّنْيَا فَإِن أَمَامه ... زلازل يَوْم للعقاب طَوِيل) وَله يتشوق أهل بَيته (لَو مَال صبري بصبر النَّاس كلهم ... لضل فِي روعتي أَو ضل فِي جزعي)

стр. 54

(وَمَا أريع إِلَى يأس ليسليني ... إِلَّا يأس إِلَى طمع) (وَكَيف يصبر مطوى هضائمه ... على وساوس هم غير مُنْقَطع) (إِذا الهموم توافت بعد هجعته ... كرت عَلَيْهِ بكأس مرّة الجرع) (بَان الْأَحِبَّة وأستبدلت بعدهمْ ... هما مُقيما وشملاً غير مُجْتَمع) (كأنني حِين يجرى الْهم ذكرهم ... على ضميري مخبول من الْفَزع) (تأوى همومي إِذا حركت ذكرهم ... إِلَى جوانح جسم دَائِم الولع) ١٣ - عبد الْملك بن عمر بن مَرْوَان بن الحكم أَبُو مَرْوَان وَقيل أَبُو الْوَلِيد قعيد جمَاعَة آل مَرْوَان فِي وقته وفارسهم وشهابهم قدم من مصر على عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فِي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة أول ولَايَته بالأندلس وَهُوَ فِي عشرَة رجال من بنيه فرسَان فولاه إشبيلية وَولى ابْنه عبد الله مورور وأغنى فِي حَرْب يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري عِنْد نكثه وفراره من قرطبة حَتَّى قتل وَقيل كَانَ والياً على ماردة وَابْنه على لقنت وَلما زحف أهل حمص إِلَى عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة يطلبونه بثأر أبي الصَّباح الْيحصبِي وَكَانَ قد طاح على يَدَيْهِ أبلى عبد الْملك هَذَا بلَاء حسنا وَقتل وَلَده أُميَّة صبرا لما أنحاز إِلَيْهِ مُنْهَزِمًا قدمه فَضرب عُنُقه فهابه الْجند وشدوا مَعَه وَمَعَ سَائِر بنيه فَكَانَت

стр. 55

الدبرة على أهل حمص وَمن مَعَهم وَفتح الله على يَدَيْهِ فتحا لاكفاء لَهُ وأجلت الْحَرْب عَنهُ جريحاً فأحظاه عبد الرَّحْمَن وَقيل بل قتل ابْنه الْمَذْكُور فِي حَرْب يُوسُف الفِهري حِين أنهزم وَقتل من أَصْحَابه نَحْو عشرَة آلَاف وَلم تقم لَهُ بعد قَائِمَة فأحظاه عبد الرَّحْمَن وَقدمه وأستوزر بنيه عبد الله وَإِبْرَاهِيم وَحكما وَزوج ابْنَته كنزة من ابْنه هِشَام ولى عَهده فَقَالَ عبد الْملك فِي ذَلِك من قصيدة طَوِيلَة (فيا زَمنا أودى بأهلى ومعشري ... لقد صرت فِي أحشائنا لاذعاً جمرا) (ويزداد دهر السوء غشا وظلمة ... كَأَن على شمس الضُّحَى دُوننَا سترا) (إِلَى أَن بدا من آل مَرْوَان مقمر ... أَضَاء لنا من بعد ظلمته الدهرا) (هجان أصيل الرأى ندب مهذب ... أَقَامَ لنا ملكا وَشد لنا أزرا) (وَأنْبت آمالاً وَأثبت نعْمَة ... وَجِئْنَا فألفينا الْكَرَامَة والبرا) (أنال وأغنى منعماً متفضلاً ... وأصفى لنا مأمول أبنائه صهرا) (فَنحْن حواليه النُّجُوم تجمعت ... إِلَى الْبَدْر حَتَّى صرن من حوله حجرا) وَمِنْهَا يذكر زفاف ابْنَته كنزة هَذِه (لعمري لقد أهديت بَيْضَاء حرَّة ... إِلَى خير من أغْلى بأثمانها المهرا) (لَهَا حسب يَأْبَى على كل مقرف ... ويرضى لَهَا تِلْكَ الخضارمة الزهرا) (وَآل أبي العَاصِي هم نظراؤها ... فَأكْرم بشمس أنكحت قمراً بَدْرًا)

стр. 56

١٤ - عبد الْملك بن بشر بن عبد الْملك بن بشر ابْن مَرْوَان بن الحكم كَانَ أَبوهُ بشر من أُمَرَاء الأموية فَقتله أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مَعَ يزِيد بن عمر ابْن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ آخر عُمَّال بني أُميَّة على الْعرَاق وَنَجَا ابْنه عبد الْملك هَذَا فِي فل الْقَوْم إِلَى الْمغرب فقصد الأندلس ودخلها فِي صدر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة مَعَ ابْن عَمه جزى بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان أخي عمر بن عبد الْعَزِيز وَسكن جواره بقرطبة وَيعرف بالبشرى وَهُوَ الْقَائِل فِي مقتل أَبِيه (لست أنسى مصرعاً من وَالِد ... سيد ضخم وَعم مفتقد) (غادرته الْخَيل فِي معترك ... بَين عَم وَأب زاك وجد) (تسهك الرّيح عَلَيْهِ بالضحى ... وتعفيه أعاصير الْأَبَد) (لم يرد الْمَوْت عَنهُ إِذْ سما ... نَحوه كَثْرَة مَال وَعدد) (أموي حكمي عرفت ... سُورَة الْمجد لَهُ عليا معد) (عَاشَ فِي ملك عَزِيزًا دونه ... حجب الْملك وأبواب الرصد) (فأنتحته بالمنايا فثوى ... لعوافي الطير مسلوب الْجَسَد) وَله يَا معشرا شغف الطَّعَام قُلُوبهم ... فهم طماح نَحْو كل دُخان) (يهدى لواءهم وَيحمل بندهم ... فِي كل معترك أَبُو سَعْدَان)

стр. 57

(يمشى كمشي اللَّيْث رَاح عَشِيَّة ... من غابه وأمامه شبلان) (لَو يعرض الخطى دون وَلِيمَة ... مَشْرُوعَة فِي صَدره لطعان) (لمضى بصادق نِيَّة وبصيرة ... فِيهَا وقلب مشيع شيحان) (حَتَّى يغيب فِي الثَّرِيد ذراعه ... ويجوسها بأشاجع وبنان) وَله (وبنفسي من عِنْدهَا الْيَوْم قلبِي ... علق فِي حبالها معمود) (كلما قلت قد تناهيت عَنْهَا ... عادني من غرامها مَا يعود) (فبقلبي من لاعج الْحبّ مِنْهَا ... كل يَوْم سقم وحزن جَدِيد) ١٥ - حبيب بن عبد الْملك بن عمر بن الْوَلِيد بن عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَبُو سُلَيْمَان كَانَ بالأندلس فِي سُلْطَان عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَكَانَت لَهُ مِنْهُ خَاصَّة لم تكن لأحد من أهل بَيته وولاه طليطلة وأعمالها وَهُوَ الْقَائِل يخاطبه مغرياً بِأبي الصَّباح عَلَيْهِ (يَا ابْن الخلائف إِنِّي نَاصح لكم ... فِي قتل ذِي إحن يرتاد للنقم)

стр. 58

(لَا يفلتنك فَيَأْتِينَا ببائقة ... وأشدد يَديك بِهِ تَبرأ من السقم) (جلله عضباً من الْهِنْدِيّ ذَا شطب ... إِن الصرامة فِيهِ فعلة الْكَرم) ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان وَقيل إِن هَذَا الشّعْر لعبد الْملك بن عمر بن مَرْوَان ابْن الحكم وَتُوفِّي حبيب هَذَا فِي أَيَّامه فَشهد جنَازَته وَمَعَهُ سِتَّة من وَلَده فَلَمَّا صلى عَلَيْهِ قعد وَهُوَ يواري فألتفت عبد الرَّحْمَن فَرَأى وَلَده هشاماً قَاعِدا نَاحيَة قد فِي قعوده فَقَالَ مَا هَذَا يَا أَبَا الْوَلِيد أيدفن عمك وَخير أهل بَيْتك وَأَنت قَاعد قُم وأشدد نطاق الْحزن عَلَيْك فَلَنْ ترى فِي قَوْمك مثل أبي سُلَيْمَان فَقَامَ وَكَانَ حبيب من الَّذين يشاورهم فِي رَأْيه وإدارته عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ويدنى مجَالِسهمْ مِنْهُ ويضمه إِلَى خاصته من نقباء دولته وَسَائِر أَصْحَابه ومواليه نرْجِع إِلَى ذكر الْأُمَرَاء من غير الهاشمية والأموية على التَّرْتِيب كَمَا شرطنا فِي صدر الْكتاب

стр. 59

١٦ - الحسام بن ضرار بن سلامان الْكَلْبِيّ أَبُو الخطار بالراء ولي إِمَارَة الأندلس فِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة من قبل حَنْظَلَة بن صَفْوَان بن نَوْفَل الْكَلْبِيّ وَالِي إفريقية لهشام بن عبد الْملك ثمَّ للوليد بن يزِيد بن عبد الْملك وَكَانَ قد ولى بإفريقية ولايات فِي إمرة بشر بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ أخي حَنْظَلَة وَيُقَال إِن أهل الأندلس الشاميين والبلديين كتبُوا إِلَى حَنْظَلَة بن صَفْوَان وَالِي إفريقية وَالْمغْرب يسألونه أَن يبْعَث إِلَيْهِم عِنْد أختلافهم والياً يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ فَبعث أَبَا الخطار هَذَا فَأقبل إِلَيْهِم حَتَّى قدم عَلَيْهِم فأطاعه أَهلهَا وأجتمعوا عَلَيْهِ ودانت لَهُ الأندلس جَمْعَاء إِلَى ولَايَة مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان آخر خلفاء بني أُميَّة وَلم يقدم فِي ولَايَته الأندلس شَيْئا على تَفْرِيق جَمِيع الْعَرَب الشاميين الغالبين على الْبَلَد عَن دَار الْإِمَارَة قرطبة إِذْ كَانَت لَا تحملهم وأنزلهم مَعَ الْعَرَب البلديين على شبه مَنَازِلهمْ فِي كور شامهم وَتوسع لَهُم فِي الْبِلَاد فَأنْزل فِي كورتي أكشونبة وباجة جند مصر مَعَ البلدين الأول وَأنزل باقيهم فِي كورة تدمير وَأنزل فِي كورتي لبلة وإشبيلية جند حمص مَعَ البلديين الأول أَيْضا وَأنزل فِي كورة شذوتة والجزيرة جند فلسطين وَأنزل فِي كورة ربة جند الْأُرْدُن

стр. 60

وَأنزل فِي كورة إلبيرة جند دمشق وَأنزل فِي كورة جيان جند فنسرين

стр. 61

وَجعل لَهُم ثلث أَمْوَال أهل الذِّمَّة من الْعَجم طعمة وَبَقِي الْعَرَب البلديون من الْجند الأول على مَا بِأَيْدِيهِم من أَمْوَالهم لم يعرض لَهُم فِي شَيْء مِنْهَا فَلَمَّا رَأَوْا بلادا شبه بِلَادهمْ خصباً وتوسعة سكنوا وأغتبطوا وتمولوا

стр. 62

وطالعتا مُوسَى بن نصير وبلج بن بشر هما اللَّتَان تعرفان بالأندلس بالجندين ثمَّ لم يلبث أَبُو الخطار مَعَ مَكَانَهُ من السداد أَن تعصب لليمانية وفضلهم على المضرية فآل بِهِ الْأَمر إِلَى الْخلْع والفرار إِلَى جِهَة باجة فِي غرب الأندلس فِي قصَص طَوِيلَة وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة بعد أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر من ولَايَته وَقيل كَانَت ولَايَته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمن شعره (أفأتم بني مَرْوَان قيسا دماءنا ... وَفِي الله إِن لم تنصفوا حكم عدل) ويروي أفاءت بَنو مَرْوَان وَالْأول أولى (كأنكم لم تشهدوا مرج راهط ... وَلم تعلمُوا من كَانَ ثمَّ لَهُ الْفضل) (وقيناكم حر القنا بنحورنا ... وَلَيْسَ لكم خيل سوانا وَلَا رجل) (فَلَمَّا بَلغْتُمْ نيل مَا قد أردتم ... وطاب لكم منا المشارب وَالْأكل) (تعاميتم عَنَّا بِعَين جلية ... وَأَنْتُم كَذَا مَا قد علمنَا لَهَا فعل) (فَلَا تأمنوا إِن دارت الْحَرْب دورة ... وزلت عَن الْمرقاة بالقدم النَّعْل) (فينتقض الْحَبل الَّذِي قد فتلتم ... أَلا رُبمَا يلوى فينتقض الْحَبل) قَالَ أَبُو الخطار هَذَا الشّعْر لِأَن هِشَام بن عبد الْملك ولى عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن ابْن أخي أبي الْأَعْوَر السلمى صَاحب خيل مُعَاوِيَة بصفين إفريقية وَصرف بشر بن حَنْظَلَة الْكَلْبِيّ فَوجدت لذَلِك اليمانية وَيُقَال إِنَّه قدم القيروان وَلم يكن عَلَيْهَا إِذْ ذَاك سور فألفى بشر بن صَفْوَان قد تهَيَّأ

стр. 63

لشهود الْجُمُعَة وَلبس ثِيَابه فَقيل لَهُ هَذَا الْأَمِير قد قدم فَقَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه هَكَذَا تقوم السَّاعَة فَمَا حَملته رِجْلَاهُ وَدخل عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن فَجمع بِالنَّاسِ وَقيل إِنَّه لما تتَابع وُلَاة إفريقية والأندلس من قيس قَالَ أَبُو الخطار هَذَا الشّعْر يعرض فِيهِ بِيَوْم مرج راهط وَمَا كَانَ من بلَاء كلب فِيهِ مَعَ مَرْوَان ابْن الحكم وَقيام القيسية مَعَ الضَّحَّاك بن قيس الفِهري أَمِير عبد الله بن الزبير فَلَمَّا بلغ الشّعْر هِشَام بن عبد الْملك سَأَلَ عَن قَائِله فَأعْلم أَنه رجل من كلب وَكَانَ هِشَام قد ولى إفريقية حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ أَخا بشر الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ أَن يُولى أَبَا الخطار الأندلس وَهُوَ الرَّابِع عشر من ولاتها ثمَّ ولى بعده ثوابة بن سَلامَة الجذامى ثمَّ يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري وَكَانَ خلعه بِعَبْد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَأنْشد الْحميدِي فِي تَارِيخه الشّعْر وَقَالَ فِيهِ أفادت بَنو مَرْوَان وَقَالَ إِن لم تعدلوا وَقَالَ وقيناكم حد القنا بسيوفنا وَقَالَ فِي الْبَيْت الرَّابِع وَمَا بعده (فَلَمَّا رَأَيْتُمْ وَاقد الْحَرْب قد خبا ... وطاب لكم فِيهَا المشارب وَالْأكل) (تغافلتم عَنَّا كَأَن لم نَكُنْ لكم ... صديقا وَأَنْتُم مَا علمت لَهَا فعل) (فَلَا تعجلوا إِن دارت الْحَرْب دورة ... وزلت عَن المهواة بالقدم النَّعْل وَلم ينشد الْبَيْت الْأَخير وَقَالَ أَبُو الخطار أَيْضا يُخَاطب الصميل بن حَاتِم الْكلابِي رَئِيس المضرية وَرَأس المتعصبين مَعهَا على اليمانية فِي ولَايَة يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري

стр. 64

(إِن ابْن بكر كفاني كل معضلة ... وَحط عَن غاربي مَا كَانَ يُؤْذِينِي) (إِذا أتخذت صديقا أَو هَمَمْت بِهِ ... فأعمد لذِي حسب إِن شِئْت أَو دين) (مَا يقدر الله فِي مَالِي وَفِي وَلَدي ... لَا بُد يدركني لَو كنت بالصين) وَأنْشد لَهُ الْحميدِي (فليت ابْن حواس يخبر أنني ... سعيت بِهِ سعى امْرِئ غير غافل) (قتلت بِهِ تسعين تحسب أَنهم ... جُذُوع نخيل صرعت بالمسايل) (وَلَو كَانَت الْمَوْتَى تبَاع أشتريته ... بكفي وَمَا أستثنيت مِنْهَا أناملي) وَحكى أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب من تأليفه أَن عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن لما قدم القيروان أَخذ عُمَّال بشر بن صَفْوَان وَأَصْحَابه فحبسهم وأغرمهم وتحامل عَلَيْهِم وَكَانَ فيهم أَبُو الخطار فَصنعَ هَذِه الأبيات وَبعث بهَا إِلَى الأبرش الْكَلْبِيّ فَدخل بهَا على هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان فأنشدها فَغَضب هِشَام وَكَانَ ذَلِك سَبَب عزل عُبَيْدَة عَن إفريقية قَالَ أَبُو عَليّ وَهَذَا الشّعْر مَشْهُور بالمشرق كشهرته بالمغرب ذكره صَاحب كتاب الْخِصَال وَجَاء بِهِ بعض المؤلفين فِي أختياره وأتى بِهِ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي وَقَالَ لما أنْشدهُ سعيد بن الْوَلِيد الأبرش الْكَلْبِيّ هِشَام بن عبد الْملك غضب وَشتم عُبَيْدَة وَقَالَ قبح الله ابْن النَّصْرَانِيَّة وعزله

стр. 65

١٧ - الصميل بن حَاتِم بن شمر بن ذِي الجوشن الْكلابِي الضبابِي أَبُو جوشن كَانَ جده شمر من أَشْرَاف عرب الْكُوفَة وَهُوَ أحد قتلة الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ وَالَّذِي قدم بِرَأْسِهِ على يزِيد بن مُعَاوِيَة وَقتل الْمُخْتَار بعد ذَلِك حِين قَامَ ثائراً بقتلة الْحُسَيْن جمَاعَة مِنْهُم فهرب شمر بولده وَعِيَاله وَلحق بِالشَّام فَأَقَامَ بهَا فِي عز ومنعة وَقد قيل إِن الْمُخْتَار قتل شمراً وفر وَلَده إِلَى أَن خرج كُلْثُوم بن عِيَاض الْقشيرِي غازياً إِلَى الْمغرب فَكَانَ الصميل مِمَّن ضرب عَلَيْهِ الْبَعْث فِي أَشْرَاف أهل الشَّام وَدخل الأندلس فِي طَاعَة بلج بن بشر فل أَصْحَاب كُلْثُوم

стр. 66

وَكَانَ شجاعاً نجداً جواداً كَرِيمًا وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِأَمْر المضرية فِي الأندلس عِنْدَمَا أظهر أَبُو الخطار الحسام بن ضرار الْكَلْبِيّ العصبية لليمانية إِلَّا أَنه كَانَ رجلا أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَكَانَت لَهُ فِي قلب الدول وتدبير الحروب أَخْبَار مَشْهُورَة وَحكى أَبُو بكر بن الْقُوطِيَّة فِي تَارِيخه أَنه مر بمعلم يَتْلُو ﴿وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾ فَوقف يتفهم وَكَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ ونادى الْمعلم يَا هَناه كَذَا نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ نعم قَالَ فَأرى وَالله أَن سيشركنا فِي هَذَا الْأَمر العبيد والأراذل والسفلة وَغلب على أَمر يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري فِي ولَايَته وَكَانَ مَعَه فِي حربه لعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بعد أَن ولاه مَدِينَة سرفسطة ثمَّ طليطلة وَهُوَ الْقَائِل عِنْدَمَا أغار الطائيون على دَاره بشقندة يَوْم المصارة عِنْد أنهزام الفِهري وأستخلاف عبد الرَّحْمَن (أَلا إِن مَالِي عِنْد طي وَدِيعَة ... وَلَا بُد يَوْمًا أَن ترد الودائع) (سلوا يمناً عَن فعل رُمْحِي ومنصلي ... فَإِن سكتوا أثنت على الوقائع) أنشدهما أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي تَارِيخه وَتُوفِّي الصميل فِي سجن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة سنة أثنتين وَأَرْبَعين وَمِائَة ١٨ - الْأَغْلَب بن سَالم بن عقال بن خفاجة التَّمِيمِي أَبُو جَعْفَر كَانَ مِمَّن سعى فِي الْقيام بدعوة بني الْعَبَّاس مَعَ أبي مُسلم وَحَارب مَعَه عبد الله بن عَليّ وَكَانَ مَعَ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فِي حِصَار ابْن هُبَيْرَة

стр. 67

وَفِي قتل أبي مُسلم وَيُقَال إِنَّه الَّذِي ضربه فأطار يَده ثمَّ تولى حز رَأسه وَوَجهه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مَعَ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بن عقبَة الْخُزَاعِيّ إِلَى قتال البربر وَهُوَ أول قدومه إِلَى إفريقية وَكَانَ عَامل مصر وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة فَخرج فِي أَرْبَعِينَ ألفا عَلَيْهِم مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ قائدا من تَحت يَد ابْن الْأَشْعَث مِنْهُم ثَلَاثُونَ ألفا من خُرَاسَان وَعشرَة آلَاف من الشَّام وَقيل أَلفَانِ فَقَط من الشَّام وَقَالَ الْمَنْصُور إِن حدث بِهِ حدث كَانَ الْأَغْلَب أَمِيرهمْ بعده فولى طبنة إِلَى أَن خرج ابْن الْأَشْعَث من القيروان فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَكَانَ قد بنى سور القيروان فَبعث أَبُو جَعْفَر إِلَى الْأَغْلَب عَهده بِولَايَة القيروان فأستقامت لَهُ الْأُمُور ثمَّ أضطربت بعقب ذَلِك لخُرُوج أبي قُرَّة الْبَرْبَرِي عَلَيْهِ وأشتغاله بحربه وَخرج الْحسن

стр. 68

ابْن حَرْب الْكِنْدِيّ عَلَيْهِ وخاطب القواد مضرياً فلحق بِهِ مِنْهُم جمَاعَة وَهُوَ بتونس فَأقبل إِلَى القيروان فَدَخلَهَا وَبلغ الْخَبَر الْأَغْلَب فَأقبل فِي عدَّة يسيرَة مِمَّن أطاعه وَكتب إِلَى الْحسن (أَلا من مبلغ عني مقَالا ... يسير بِهِ إِلَى الْحسن بن حَرْب) (فَإِن الْبَغي أبعده وبال ... عَلَيْك وقربه لَك شَرّ قرب) (فَإِن لم تدعني لتنال سلما ... وعفوي فأدن من طعني وضربي) فقصد الْحسن الْأَغْلَب فأقتتلوا قتالا شَدِيدا أنهزم الْحسن عَنهُ وكر رَاجعا إِلَى تونس وَدخل الْأَغْلَب القيروان ثمَّ زحف الْحسن إِلَيْهِ ثَانِيَة وَخرج الْأَغْلَب من بَاب أَصْرَم فتواقف الْفَرِيقَانِ فبرز الْأَغْلَب وَقَالَ

стр. 69

(أغدو إِلَى الله بِأَمْر يرضاه ... لَا خير فِي) (إِن يهوني الْمَوْت فَإِنِّي أهواه ... كل مرئ يلقى يَوْمًا) ثمَّ شدّ على الميمنة فِي أَصْحَابه فكشفها وأنصرف إِلَى موقفه وَهُوَ يَقُول (أضْرب فِي الْقَوْم ومثلي يضْرب ... فَإِن يكن حَربًا فَإِنِّي الْأَغْلَب) (لَا أجزع الْيَوْم وَلَا أكذب ... ) ثمَّ شدّ على الميسرة فَفعل مثل فعله فِي الميمنة وأنصرف وَهُوَ يَقُول (لم يبْق إِلَّا الْقلب أَو أَمُوت ... إِن تحم لي الْحَرْب فقد حميت) (وَإِن توليت فَمَا بقيت) ثمَّ حمل على الْقلب فَلم يثن حَده حَتَّى قتل بِسَهْم رمى بِهِ وَذَلِكَ فِي شعْبَان سنة خمس وَمِائَة وَبلغ الْمَنْصُور مَوته فَقَالَ إِن سَيفي بالمغرب قد أنقطع فَإِن دفع الله عَن الْمغرب برِيح دولتنا وَإِلَّا فَلَا مغرب وَقَالَ الحكم بن ثَابت السَّعْدِيّ من ولد سَلامَة بن جندل يرثى الْأَغْلَب (لقد أفسد الْمَوْت الْحَيَاة بأغلب ... غَدَاة غَدا للْمَوْت فِي الْحَرْب معلما) (تبدت لَهُ أم المنايا فأقصدت ... فَتى حِين يلقى الْمَوْت فِي الْحَرْب صمما) (أَخا غزوات مَا تزَال جياده ... تصبح عَنهُ غَارة حَيْثُ يمما) (أَتَتْهُ المنايا فِي القنا فاختر مِنْهُ ... وغادرنه فِي ملتقى الْخَيل مُسلما) (كَأَن على أثوابه من دمائه ... عبيطاً وبالخدين والنحر عِنْدَمَا) (فَبَاتَ شَهِيدا نَالَ أكْرم ميتَة ... وَلم يبغ عمرا أَن يطول ويسقما)

стр. 70

١٩ - الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ كَانَ بتونس فَقَامَ على الْأَغْلَب بن سَالم حَسْبَمَا تقدم خَبره وَخَالفهُ وَسَار إِلَى القيروان فَلم يَدْفَعهُ أحد عَنْهَا حَتَّى دَخلهَا وَبلغ أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور تنازعهما فَكتب إِلَى الْحسن بن حَرْب يحضه على الطَّاعَة وَكَانَ من كبار القواد وأبطال الفرسان بإفريقية وَهُوَ الْقَائِل يُجيب الْأَغْلَب عَن أبياته الْمَذْكُورَة قبل (أَلا قولا لأغلب غير سر ... مغلغلة عَن الْحسن بن حَرْب) (بِأَن الْمَوْت بَيْنكُم وبيني ... وكأس الْمَوْت أكره كل شرب) (رويدكم فيومكم ويومي ... وَإِن بعدا مصيرهما لقرب) ثمَّ تقالا بعد ذَلِك فَقتل الْأَغْلَب وَصَاح صائح مَاتَ الْأَمِير وَكَانَ سَالم بن سوَادَة التَّمِيمِي فِي الميمنة وَهُوَ ابْن عَم االأغلب فَقَالَ لَا أنظر إِلَى الدُّنْيَا بعد الْيَوْم وَوَقع فِي عَسْكَر الْحسن الصياح مَاتَ الْأَمِير فَظن أَن الْحسن هُوَ الْمَقْتُول فَوَلوا منهزمين وركبهم سَالم بن سوَادَة والمخارق بن غفار الطَّائِي بِالسَّيْفِ فَقتل من أَصْحَاب الْحسن مقتلة عَظِيمَة وأتبع هُوَ فَقتل بتونس وَيُقَال إِنَّه أَتَوا بِهِ مقتولا إِلَى القيروان فصلبه الْمخَارِق يَوْم السبت آخر يَوْم من شعْبَان سنة خمسين وَمِائَة ٢٠ - يزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة الْأَزْدِيّ الْعَتكِي أَبُو خَالِد ولي إفريقية فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فأصلحها ورتب أَمر القيروان

стр. 71

وجدد أَمر الْمَسْجِد الْجَامِع وَكَانَ غَايَة فِي الْجُود ممدحاً كثير الشّبَه بجده الْمُهلب فِي حروبه ودهائه وَكَرمه وسخائه خَاصّا يأبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَكَانَ لاي يحجب عَنهُ وَولي ولايات كَثِيرَة قبل قدومه إِلَى الْمغرب مِنْهَا أرمينية والسند ومصر وأذربيجان وَغير ذَلِك وَقدم إفريقية من مصر وَكَانَ والياً عَلَيْهَا فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة إِلَى سنة أثنتين وَخمسين وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ لما ولاني أَبُو جَعْفَر دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي يَا أَبَا خَالِد بَادر النّيل قبل خُرُوج الرَّايَات الصفر وَأَصْحَاب الدَّوَابّ البتر

стр. 72

ثمَّ استقدمه بعد أَن قتل عمر بن حَفْص المهلبي فولاه إفريقية وَالْمغْرب وشيعه إِلَى فلسطين فحسده الْأُمَرَاء والرؤساء وَكَانَ الْمَنْصُور يَقُول مَا أَخْطَأت فِي شَيْء من تدبيري إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء تشييع يزِيد بن حَاتِم أَرَأَيْت لَو نكث أَكَانَ يحسن بِي أَن أرجع أَو كَانَ يحسن بِي أَن ألقِي الْجَيْش بنفسي وَيَوْم الراوندية وُقُوفِي على بَاب الذَّهَب أَرَأَيْت لَو أَن رجلا رماني بِسَهْم أَلَيْسَ دمى كَانَ يذهب ضيَاعًا وقتلى أَبَا مُسلم وَأَنا فِي الْخرق وَمَعَهُ أهل خُرَاسَان ثَلَاثُونَ ألفا يعبدونه من دون الله وَفِي يزِيد هَذَا يَقُول ربيعَة بن ثَابت الرقى من بني أَسد وَقد وَفد عَلَيْهِ أبياته السائرة فِي النَّاس إِلَى الْيَوْم (لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليم والأغر بن حَاتِم) (يزِيد سليم سَالم المَال والفتى ... أَخُو الأزد للأموال غير مسالم) (فهم الْفَتى الْأَزْدِيّ إِتْلَاف مَا لَهُ ... وهم الْفَتى الْقَيْسِي جمع الدَّرَاهِم) (فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم) يُرِيد بالتمتام وَهُوَ المتردد فِي التَّاء يزِيد بن أسيد السلمى سَمَّاهُ الْمبرد وَهِي من قصيدة حَسَنَة يَقُول فِيهَا (أَبَا خَالِد أَنْت المنوه باسمه ... إِذا نزلت بِالنَّاسِ إِحْدَى العظائم) (كفيت بني الْعَبَّاس كل عَظِيمَة ... وَكنت عَن الْإِسْلَام خير مُزَاحم)

стр. 73

وَيُقَال إِن ربيعَة لما مدحه بِهَذِهِ القصيدة استبطأ بره وصلته فَقَالَ أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعا لَا بخفى حنين من يزِيد بن حَاتِم فَبلغ ذَلِك يزِيد فَدَعَا بِهِ وَقَالَ أنزعوا خفيه فَنَزَعَا وَهُوَ خَائِف من عُقُوبَته على ذكره خَفِي حنين فملأهما لَهُ دَرَاهِم ودنانير وَكَانَا كبيرين كأخفاف الْجند ثمَّ وَصله بعد ذَلِك بصلات جزيلة وَهَذِه الْقِصَّة شَبيهَة بِقصَّة أبي الْعَتَاهِيَة مَعَ عمر بن الْعَلَاء حِين أمتدحه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا (إِنِّي أمنت من الزَّمَان وريبه ... لما علقت من الْأَمِير حِبَالًا) (لَو يَسْتَطِيع النَّاس من إجلاله ... لحذوا لَهُ حر الخدود نعالا) (مَا كَانَ هَذَا الْجُود حَتَّى كنت يَا ... عمر وَلَو يَوْمًا تَزُول لزالا) (إِن المطايا تشتكيك لِأَنَّهَا ... قطعت إِلَيْك سباسباً ورمالا) (فَإِذا وردن بِنَا وردن مخفة ... وَإِذا صدرن بِنَا صدرن ثقالا) فَتَأَخر عَنهُ بره قَلِيلا فَكتب إِلَيْهِ يستبطئه (أَصَابَت علينا جودك الْعين يَا عمر ... وَعز لما نبغي التمائم والنشر) (سنرقيك بالأشعار حَتَّى تملها ... فَإِن لم تفق مِنْهَا رقيناك بالسور) وَقَالَ أَيْضا (يَا ابْن الْعَلَاء وَيَا ابْن القرم مرداس ... إِنِّي لأطريك فِي صحبي وجلاسي) (أثني عَلَيْك ولي حَال تكذبني ... فِيمَا أَقُول فأستحيي من النَّاس) (حَتَّى إِذا قيل مَا أَعْطَاك من صفد ... طأطأت من سوء حَالي عِنْدهَا رَأْسِي) فَأمر حَاجِبه أَن يدْفع إِلَيْهِ المَال وَقَالَ لَا تدخله على فَإِنِّي أستحي مِنْهُ وروى أَنه وَصله عَلَيْهَا بسبعين ألف دِرْهَم فحسدته الشُّعَرَاء وَقَالُوا لنا بِبَاب

стр. 74

الْأَمِير أَعْوَام نخدم الآمال مَا وصلنا إِلَى بعض هَذَا فأتصل ذَلِك بِهِ فَأمر بإحضارهم وَقَالَ قد بَلغنِي الَّذِي قُلْتُمْ وَإِن أحدكُم يأتى فيمدحني بالقصيدة يشبب فِيهَا فَلَا يصل إِلَى الْمَدْح حَتَّى تذْهب لَذَّة حلاوته ورائق طلاوته وَإِن أَبَا الْعَتَاهِيَة أَتَى فشبب بِأَبْيَات يسيرَة ثمَّ قَالَ إِن المطايا تشتكيك وَأنْشد الأبيات وَمن شعر يزِيد بن حَاتِم (مَا يألف الدِّرْهَم الْمَضْرُوب خرقتنا ... إِلَّا لماماً قَلِيلا ثمَّ ينْطَلق) (يمر مرا عَلَيْهَا وَهِي تلفظه ... إِنِّي امْرُؤ لم يحالف خرقتي الْوَرق) وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة ٢١ - الْفضل بن روح بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب ولاه الرشيد إفريقية فَقدم على القيروان فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَيُقَال إِنَّه لم يل إفريقية أجمل مِنْهُ وَمن أبي الْعَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب

стр. 75

وأستعمل على تونس الْمُغيرَة بن بشر بن روح ابْن أَخِيه وَكَانَت تونس نظيرة القيروان حَتَّى إِن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور كَانَ يَقُول مَا فعلت إِحْدَى القيروانين يعْنى تونس وَكَانَ الْمُغيرَة غراً لَا تجربة لَهُ بالأمور وَلَا معرفَة بتصاريفها فأستخف بالجند وَسَار فيهم بِمَا أنكروه فَكَتَبُوا إِلَى الْفضل بذلك فَلم يعزله عَنْهُم فقدموا فِي قصَّة طَوِيلَة عبد الله بن الْجَارُود الْعَبْدي وأخرجوا الْمُغيرَة وَكتب ابْن الْجَارُود إِلَى الْفضل إِلَى الْأَمِير الْفضل بن روح من عبد الله ابْن الْجَارُود أما بعد فَإنَّا لم نخرج الْمُغيرَة إِخْرَاج خلاف عَن الطَّاعَة وَلَكِن لأحداث فِيهَا فَسَاد الدولة فول علينا من نرضاه وَإِلَّا نَظرنَا لأنفسنا وواسنا بالأسلاف كَمَا كَانَت الْوُلَاة تصنع بِنَا قبلك وَإِلَّا فَلَا طَاعَة لَك علينا وَكتب فِي أَسْفَل الْكتاب
следующие страницы →