Полный текст (687 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وجدد أَمر الْمَسْجِد الْجَامِع وَكَانَ غَايَة فِي الْجُود ممدحاً كثير الشّبَه بجده الْمُهلب فِي حروبه ودهائه وَكَرمه وسخائه خَاصّا يأبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَكَانَ لاي يحجب عَنهُ وَولي ولايات كَثِيرَة قبل قدومه إِلَى الْمغرب مِنْهَا أرمينية والسند ومصر وأذربيجان وَغير ذَلِك
وَقدم إفريقية من مصر وَكَانَ والياً عَلَيْهَا فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة إِلَى سنة أثنتين وَخمسين وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ لما ولاني أَبُو جَعْفَر دخلت عَلَيْهِ فَقَالَ لي يَا أَبَا خَالِد بَادر النّيل قبل خُرُوج الرَّايَات الصفر وَأَصْحَاب الدَّوَابّ البتر
стр. 72
ثمَّ استقدمه بعد أَن قتل عمر بن حَفْص المهلبي فولاه إفريقية وَالْمغْرب وشيعه إِلَى فلسطين فحسده الْأُمَرَاء والرؤساء وَكَانَ الْمَنْصُور يَقُول مَا أَخْطَأت فِي شَيْء من تدبيري إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء تشييع يزِيد بن حَاتِم أَرَأَيْت لَو نكث أَكَانَ يحسن بِي أَن أرجع أَو كَانَ يحسن بِي أَن ألقِي الْجَيْش بنفسي وَيَوْم الراوندية وُقُوفِي على بَاب الذَّهَب أَرَأَيْت لَو أَن رجلا رماني بِسَهْم أَلَيْسَ دمى كَانَ يذهب ضيَاعًا وقتلى أَبَا مُسلم وَأَنا فِي الْخرق وَمَعَهُ أهل خُرَاسَان ثَلَاثُونَ ألفا يعبدونه من دون الله
وَفِي يزِيد هَذَا يَقُول ربيعَة بن ثَابت الرقى من بني أَسد وَقد وَفد عَلَيْهِ أبياته السائرة فِي النَّاس إِلَى الْيَوْم
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... يزِيد سليم والأغر بن حَاتِم)
(يزِيد سليم سَالم المَال والفتى ... أَخُو الأزد للأموال غير مسالم)
(فهم الْفَتى الْأَزْدِيّ إِتْلَاف مَا لَهُ ... وهم الْفَتى الْقَيْسِي جمع الدَّرَاهِم)
(فَلَا يحْسب التمتام أَنِّي هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم)
يُرِيد بالتمتام وَهُوَ المتردد فِي التَّاء يزِيد بن أسيد السلمى سَمَّاهُ الْمبرد وَهِي من قصيدة حَسَنَة يَقُول فِيهَا
(أَبَا خَالِد أَنْت المنوه باسمه ... إِذا نزلت بِالنَّاسِ إِحْدَى العظائم)
(كفيت بني الْعَبَّاس كل عَظِيمَة ... وَكنت عَن الْإِسْلَام خير مُزَاحم)
стр. 73
وَيُقَال إِن ربيعَة لما مدحه بِهَذِهِ القصيدة استبطأ بره وصلته فَقَالَ
أَرَانِي وَلَا كفران لله رَاجعا لَا بخفى حنين من يزِيد بن حَاتِم
فَبلغ ذَلِك يزِيد فَدَعَا بِهِ وَقَالَ أنزعوا خفيه فَنَزَعَا وَهُوَ خَائِف من عُقُوبَته على ذكره خَفِي حنين فملأهما لَهُ دَرَاهِم ودنانير وَكَانَا كبيرين كأخفاف الْجند ثمَّ وَصله بعد ذَلِك بصلات جزيلة وَهَذِه الْقِصَّة شَبيهَة بِقصَّة أبي الْعَتَاهِيَة مَعَ عمر بن الْعَلَاء حِين أمتدحه بقصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا
(إِنِّي أمنت من الزَّمَان وريبه ... لما علقت من الْأَمِير حِبَالًا)
(لَو يَسْتَطِيع النَّاس من إجلاله ... لحذوا لَهُ حر الخدود نعالا)
(مَا كَانَ هَذَا الْجُود حَتَّى كنت يَا ... عمر وَلَو يَوْمًا تَزُول لزالا)
(إِن المطايا تشتكيك لِأَنَّهَا ... قطعت إِلَيْك سباسباً ورمالا)
(فَإِذا وردن بِنَا وردن مخفة ... وَإِذا صدرن بِنَا صدرن ثقالا)
فَتَأَخر عَنهُ بره قَلِيلا فَكتب إِلَيْهِ يستبطئه
(أَصَابَت علينا جودك الْعين يَا عمر ... وَعز لما نبغي التمائم والنشر)
(سنرقيك بالأشعار حَتَّى تملها ... فَإِن لم تفق مِنْهَا رقيناك بالسور)
وَقَالَ أَيْضا
(يَا ابْن الْعَلَاء وَيَا ابْن القرم مرداس ... إِنِّي لأطريك فِي صحبي وجلاسي)
(أثني عَلَيْك ولي حَال تكذبني ... فِيمَا أَقُول فأستحيي من النَّاس)
(حَتَّى إِذا قيل مَا أَعْطَاك من صفد ... طأطأت من سوء حَالي عِنْدهَا رَأْسِي)
فَأمر حَاجِبه أَن يدْفع إِلَيْهِ المَال وَقَالَ لَا تدخله على فَإِنِّي أستحي مِنْهُ وروى أَنه وَصله عَلَيْهَا بسبعين ألف دِرْهَم فحسدته الشُّعَرَاء وَقَالُوا لنا بِبَاب
стр. 74
الْأَمِير أَعْوَام نخدم الآمال مَا وصلنا إِلَى بعض هَذَا فأتصل ذَلِك بِهِ فَأمر بإحضارهم وَقَالَ قد بَلغنِي الَّذِي قُلْتُمْ وَإِن أحدكُم يأتى فيمدحني بالقصيدة يشبب فِيهَا فَلَا يصل إِلَى الْمَدْح حَتَّى تذْهب لَذَّة حلاوته ورائق طلاوته وَإِن أَبَا الْعَتَاهِيَة أَتَى فشبب بِأَبْيَات يسيرَة ثمَّ قَالَ إِن المطايا تشتكيك وَأنْشد الأبيات
وَمن شعر يزِيد بن حَاتِم
(مَا يألف الدِّرْهَم الْمَضْرُوب خرقتنا ... إِلَّا لماماً قَلِيلا ثمَّ ينْطَلق)
(يمر مرا عَلَيْهَا وَهِي تلفظه ... إِنِّي امْرُؤ لم يحالف خرقتي الْوَرق)
وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة
٢١ - الْفضل بن روح بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب
ولاه الرشيد إفريقية فَقدم على القيروان فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَيُقَال إِنَّه لم يل إفريقية أجمل مِنْهُ وَمن أبي الْعَبَّاس عبد الله بن إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب
стр. 75
وأستعمل على تونس الْمُغيرَة بن بشر بن روح ابْن أَخِيه وَكَانَت تونس نظيرة القيروان حَتَّى إِن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور كَانَ يَقُول مَا فعلت إِحْدَى القيروانين يعْنى تونس
وَكَانَ الْمُغيرَة غراً لَا تجربة لَهُ بالأمور وَلَا معرفَة بتصاريفها فأستخف بالجند وَسَار فيهم بِمَا أنكروه فَكَتَبُوا إِلَى الْفضل بذلك فَلم يعزله عَنْهُم فقدموا فِي قصَّة طَوِيلَة عبد الله بن الْجَارُود الْعَبْدي وأخرجوا الْمُغيرَة
وَكتب ابْن الْجَارُود إِلَى الْفضل إِلَى الْأَمِير الْفضل بن روح من عبد الله ابْن الْجَارُود أما بعد فَإنَّا لم نخرج الْمُغيرَة إِخْرَاج خلاف عَن الطَّاعَة وَلَكِن لأحداث فِيهَا فَسَاد الدولة فول علينا من نرضاه وَإِلَّا نَظرنَا لأنفسنا وواسنا بالأسلاف كَمَا كَانَت الْوُلَاة تصنع بِنَا قبلك وَإِلَّا فَلَا طَاعَة لَك علينا وَكتب فِي أَسْفَل الْكتاب
стр. 76
(أَلا من مبلغ الْفضل بن روح ... وَصدق القَوْل زين للرِّجَال)
(بأنك حِين وليت ابْن بشر ... علينا غير مَحْمُود الفعال)
(فول سواهُ أَو كن رهن حَرْب ... تغص بهَا على المَاء الزلَال)
(وَإِن لم تُعْطِنَا الأسلاف طَوْعًا ... أجبْت لَهَا بكره بالعوالي)
فَأجَاب الْفضل عَن ذَلِك يرميهم بِالْخِلَافِ ويوئسهم من الأسلاف وَكتب فِي آخر كِتَابه
(أَتَانِي عَنْك مَا ستنال مِنْهُ ... وبالاً إِن عصيت على العقال)
(فَإِن ترجع تنَلْ سلما وَأمنا ... وَإِن تجمح فلست بمستقال)
(وَإِن لمن أطَاع عَلَيْك فضلا ... كفضل يَد الْيَمين على الشمَال)
(وَلست بمدرك الأسلاف حَتَّى ... تناولهن قسراً بالعوالي)
ثمَّ بعث عبد الله بن يزِيد المهلبي والياً وَضم إِلَيْهِ كثيرا من أَصْحَابه فَأخْرج ابْن الْجَارُود جمَاعَة يختبرون مَا قدمُوا لَهُ ونهاهم عَن الْحَرْب فلقوهم بسبخة تونس فَقتل عبد الله فِي خبر يطول ذكره وَأسر القواد الَّذين مَعَه وَأدّى ذَلِك إِلَى محاربة الْفضل بالقيروان فغلب عَلَيْهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَسبعين
стр. 77
وَمِائَة وسير فِي أهل بَيته ثمَّ أسترجع من طَرِيقه وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى قابس فحبس مَعَ رجلَيْنِ من أَصْحَابه ثمَّ دخل عَلَيْهِ الْجند فَقَتَلُوهُ فِي محبسه وَمن شعر الْفضل
(ومارست هَذَا الدَّهْر خمسين حجَّة ... وَنصفا أَرْجَى قَابلا بعد قَابل)
(فَلَا أَنا فِي الدُّنْيَا بلغت جسيمها ... وَلَا فِي الَّذِي أَهْوى كدحت بطائل)
(وَقد أشرعت فِينَا المنايا أكفها ... وأيقنت أَنِّي رهن موت معاجل)
٢٢ - سعيد بن يزِيد بن حَاتِم المهلبي
لما عظم على الْفضل بن روح أَمر ابْن الْجَارُود وَخُرُوجه عَلَيْهِ بتونس وزحفه إِلَيْهِ جمع أهل بَيته وَقَالَ مَا ترَوْنَ فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي لَا يخصني دونكم فكثرت الآراء فَقَالَ ابْن عَمه سعيد أطعنى الْيَوْم وأعصني فِيمَا يسْتَأْنف سد أَبْوَاب الْمَدِينَة كلهَا إِلَّا بَابا وَاحِدًا وندخل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْحصار سنة فوَاللَّه لكَأَنِّي أنظر إِن لم تفعل ذَلِك قد دخل عَلَيْك من آمنها عنْدك وَقَالَ فِي ذَلِك يُخَاطب الْفضل
(أرى الْحَرْب قد مدت إِلَيْنَا بساقها ... وقلبك يقظان شَبيه بنائم)
(فَخذ لنهود الْحَرْب أهبة يَوْمهَا ... وشمر لَهَا الأذيال قبل التنادم)
(فَإِن كنت تحمى الغرب فأشدد لَهَا القوى ... تنَلْ ظفراً أَو تلق موت الأكارم)
(فَلَيْسَ يُرِيد الْقَوْم إِلَّا نفوسنا ... أَو النَّفْي عَنْهَا يَا ابْن روح بن حَاتِم)
стр. 78
وَقَالَ أَيْضا
(أَلا قل لفضل إِنَّنِي لَك نَاصح ... فَلَا تسمعن مِمَّا يُشِير ابْن وَاقد)
(فَإنَّك إِن تسمع لأقواله تعد ... إِلَى أَسد فِي كبة الْخَيل لَا بُد)
(ستذكر قولي حِين لَيْسَ بِنَافِع ... إِذا شقَّتْ الأرماح نحر القلائد)
فخالفه الْفضل فَكَانَ مَا تقدم من أمره
٢٣ - أَخُوهُ عبد الله بن يزِيد بن حَاتِم
كَانَ مَعَ ابْن عَمه الْفضل بن روح بن حَاتِم فِي حروبه بإفريقية ثمَّ قرف عِنْده بممالأة عدوه الْخَارِج عَلَيْهِ ابْن الْجَارُود الْمَعْرُوف بعبدوية فنغل صدر الْفضل عَلَيْهِ حَتَّى كتب إِلَيْهِ
(أرى ألسن الحساد فِيك كَأَنَّهَا ... سِهَام تهاوى من قسي نصال)
стр. 79
(يَقُولُونَ قد كاتبت عبدوي فِي الَّتِي ... إِذا نالها أولتك شَرّ وبال)
(وَقَالُوا وعدت الْقَوْم عِنْد لقائهم ... رُجُوعا عَن الهيجا بِغَيْر قتال)
(وَلَيْسَ الَّذِي مناك عبدوي كَائِنا ... فَدَعْهُ وَلَا تركن لقَوْل ضلال)
(أَلا إِنَّنِي لم أمس فِيك مُصدقا ... لأقوالهم والصدق خير مقَال)
فَلَمَّا وَردت الأبيات على عبد الله علم أَنه أَتَّهِمهُ فَأَجَابَهُ بقوله
(لعمرك لَوْلَا مَا أتهمت لما أَتَت ... قوارض أبداهن شَرّ مقَال)
(أَظن ابْن روح أنني كنت قَاطعا ... يمينى الَّتِي أسطو بهَا بشمالي)
(وهبني تناولت الَّتِي كنت خفتها ... فَكيف أعتذاري فِيك بعد فعالي)
(فَلَا تحسبني مُسلما إِن لقيتهم ... لأسيافهم ظَهْري بِغَيْر قتال (
فَقَالَ الْفضل عِنْد قِرَاءَة جَوَابه لَو كَانَ حسادنا يتركون الْبَغي على حَال لتركوه على مثل حَالنَا هَذِه ثمَّ أخرجه إِلَى قتال عبدويه بن الْجَارُود فَهَزَمَهُ عبد الله بن يزِيد ثمَّ عاوده الحدب فَهَزَمَهُ عبدويه وأنصرف عبد الله إِلَى
стр. 80
القيروان مفلولاً فَكَانَ مَعَ ابْن عَمه الْفضل إِلَى أَن تكلب عَلَيْهِ ابْن الْجَارُود ثمَّ قَتله بعد أَن أسترجعه من طَرِيقه وَأطلق عبد الله بن يزِيد وَأمره وأخاه الْمُهلب بن يزِيد وَنصر بن حبيب وجماعتهم بالتجهز وَالْخُرُوج من إفريقية فَخَرجُوا إِلَى الْمشرق
٢٤ - سُلَيْمَان بن حميد الغافقي أَبُو دَاوُود
فَارس الْعَرَب قاطبة بالمغرب فِي عصره وَأحسن النَّاس لِسَانا وأبلغهم إِلَى معرفَة بأيام الْعَرَب وأخبارها وَرِوَايَة لوقائعها وَأَشْعَارهَا مَعَ دعابة كَانَت فِيهِ وعبث لَا يَدعه حملت عَنهُ فِي ذَلِك نَوَادِر مستطرفة وحكايات مستملحة
وخافه عبد الرَّحْمَن بن حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري فسجنه وأخاه مُحَمَّدًا وَلم يكن بِدُونِهِ وَكَانَ مُحَمَّد وَهُوَ أكبر من سُلَيْمَان والياً على الأربس فثار على عبد الرَّحْمَن بن حبيب وسرحهما إلْيَاس بن حبيب حِين قتل أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن وَولي إفريقية بعده وأستعان بهما فِي ذَلِك وعاش
стр. 81
سُلَيْمَان يزِيد بن حَاتِم المهلبي فقصدوا قسطيلية وَهُوَ الْقَائِل فِي يَوْم أبي زرجونة
(وَمَا إِن صُدِدْنَا عَنْهُم خوف بأسهم ... وحاشا لنا أَن نتقي بَأْس بربرا)
(وَإِنَّا إِذا مَا الْحَرْب أَسعر نارها ... لنلقى المنايا دارعين وحسرا)
(ونغدو بصبر حِين تشتجر القنا ... فلست ترى منا على الْمَوْت أصبرا)
(وَلَكِن أردنَا ذل قوم تطاولوا ... علينا وأبدوا نخوة وتكبرا)
стр. 82
٢٥ - عبد الله بن الْجَارُود الْعَبْدي وَيُقَال لَهُ عبدويه
لما غلب على القيروان وَأخرج الْفضل بن روح ثمَّ رده وأرداه بعد صيته وأستغلظ أمره وزحف إِلَيْهِ مَالك بن الْمُنْذر الْكَلْبِيّ من مَيْلَة فِي جند حمص ثائرين بِالْفَضْلِ فصرع مَالك بِسَهْم فِي تقاتلهما وَنَجَا ابْن الْجَارُود ثمَّ زحف إِلَيْهِ الْعَلَاء بن سعيد المهلبي من الزاب وَلم تكن لِابْنِ الْجَارُود بِهِ طَاقَة فصادفه قد خرج من القيروان ليلقى خَليفَة هرثمة بن أعين وَقد قدمه بَين يَدَيْهِ وَذَلِكَ مستهل صفر سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَكَانَ الرشيد لما بلغه خبر ابْن الْجَارُود قد وَجه إِلَيْهِ من تلطف بِهِ حَتَّى أقدمه عَلَيْهِ وَكَانَت أَيَّامه سَبْعَة أشهر وَقدم هرثمة بن أعين والياً على إفريقية
وَمن شعره عِنْد فتكه بِمُحَمد بن الْفَارِسِي وَكَانَ من أَصْحَابه ثمَّ خرج عَلَيْهِ فِي أهل خُرَاسَان وَمن أطاعه وتناهضا للحرب فمكر ابْن الْجَارُود بِهِ وَدعَاهُ إِلَى الْكَلَام وَأمر شجاعاً من فرسانه إِذا رَآهُ مَعَه أَن يفتك بِهِ فتم ذَلِك وأنهزم أَصْحَابه وَقَالَ ابْن الْجَارُود فِي ذَلِك
стр. 83
(لقد رامني ابْن الْفَارِسِي بكيده ... فَوَافَقَ أمضى مِنْهُ عزماً وأكيدا)
(عَشِيَّة أَدْعُوهُ ليسمع منطقي ... فأعجزه إصدار مَا كَانَ أوردا)
(فداريته حَتَّى اطْمَأَن جنانه ... وَكنت امْرأ مثلي أغار وأنجدا)
(أَشرت إِلَى ذِي نجدة فأنكفا لَهُ ... بأسمر خطى إِذا مَال أقصدا)
(فَمَا زَالَ قاب الْقوس إِلَّا وعامل ... من الرمْح دَامَ بَين خضنيه قد بدا)
(فَقل للعلاء قد أَصَابَت مُحَمَّدًا ... منية يَوْم فَارْتَقِبْ مثلهَا غَدا)
стр. 84
وَهُوَ الْقَائِل أَيْضا فِي مصرع مَالك بن الْمُنْذر يُخَاطب الْعَلَاء بن سعيد عِنْدَمَا زحف إِلَيْهِ
(أَفِي كل يَوْم ثَائِر قتلته ... بِفضل وَمَا يَنْفَكّ للفضل ثَائِر)
(قضيت لنَفْسي النّذر فِي قتل مَالك ... وَإِنِّي لَهَا قتل الْعَلَاء لناذر)
(فَمَا للعلاء خيرة فِي لقائنا ... وَلَيْسَ لَهُ فِي النَّاس إِن فر عاذر)
٢٦ - مَالك بن الْمُنْذر الْكَلْبِيّ أَبُو عبد الله
كَانَ والياً على مَيْلَة فَدَعَاهُ جند حمص وَغَيرهم من الْعَرَب فأمروه لطلب ثأر الْفضل بن روح وأجتمع إِلَيْهِ النَّاس وألتقى هُوَ وَابْن الْجَارُود فأنهزم أَصْحَاب مَالك فترجل عَن فرسه وَشد فِي نفر من أَصْحَابه وَهُوَ يَقُول
(يَا موت إِنِّي مَالك بن الْمُنْذر ... أهتك حَشْو الْبيض والسنور)
(أقتل من صابر أَو لم يصبر ... كأنني أفعل مَا لم يقدر)
стр. 85
فَخرج إِلَيْهِ بن الْجَارُود وَهُوَ يَقُول
(إِلَى فادن مَالك بن مُنْذر ... أَنا الَّذِي قتلت رب الْمِنْبَر)
(جرعته كأس الْحمام الْأَحْمَر ... فأصبر ستلقاه وَإِن لم يصبر)
فَقتل مَالك بِسَهْم وأنهزم أَصْحَابه
٢٧ - الْعَلَاء بن سعيد بن مَرْوَان المهلبي
كَانَ والياً على الزاب فَأقبل مِنْهَا لمحاربة ابْن الْجَارُود وَلما وصل إِلَى الأربس اجْتمع مَعَ أهل الشَّام وَبلغ ذَلِك ابْن الْجَارُود فَقَالَ أَفِي كل يَوْم ثَائِر قد قتلته الأبيات الرائية الْمُتَقَدّمَة وَكتب إِلَيْهِ كتابا مَعَه فجاوبه الْعَلَاء عَنهُ وَقَالَ يخاطبه
(لعمرك يَا عبدوي مَا كنت تَارِكًا ... دم الْفضل أَو يكسوني الترب ثَائِر)
(نذرت دمي فَأنْظر إِذا مَا لقيتني ... على من بكأسيها تَدور الدَّوَائِر)
(ستعلم إِن أنشبت فِيك مخالبي ... إِلَى أَي قرن أسلمتك المقادر)
ثمَّ أقبل الْعَلَاء فصادف ابْن الْجَارُود قد خرج إِلَى يحيى بن مُوسَى خَليفَة هرثمة بن أعين فَكَانَ الْعَلَاء يدعى أَنه الَّذِي أخرج ابْن الْجَارُود من إفريقية
стр. 86
٢٨ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مزين الأودي
أصل سلفه من أكشونبة وَصَارَت بهَا لعقبه رئاسة بعد افْتِرَاق الْجَمَاعَة بقرطبة إِلَى أَن غلب على آخِرهم المعتضد عباد بن مُحَمَّد صَاحب إشبيلية
وَسكن إِبْرَاهِيم هَذَا وَهُوَ وَالِد يحيى بن إِبْرَاهِيم بن مزين الْفَقِيه صَاحب تَفْسِير الْمُوَطَّأ قرطبة وَكَانَ يتعاقب مَعَ الْحجاب وَجلة الوزراء والقواد فِي أَيَّام الحكم بن هِشَام ثمَّ ولاه إِمَارَة طليطلة أعواماً مُتَّصِلَة وَكَانَ قد وَليهَا قبله جده إِبْرَاهِيم بن مزين الْكَاتِب وَابْن الفرضي يَجْعَل بني مزين موالى رَملَة بنت عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ الْقَائِل
(يأبي أَنْت من غزال مليح ... لَيْسَ فِيهِ لمن تَأمل لَوْلَا)
(رَوْضَة الْحسن فِيك تزهى وَلَكِن ... كل حول يبْقى ربيعك حولا)
٢٩ - مُحَمَّد بن مقَاتل بن حَكِيم العكى
ولاه الرشيد إفريقية بعد هرثمة بن أعين وَكَانَ فِيمَا يُقَال رَضِيع
стр. 87
الرشيد وَكَانَ جَعْفَر بن يحيى شَدِيد الْعِنَايَة بِهِ فَقدم القيروان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة فِي رَمَضَان وَكَانَ أَبوهُ مقَاتل بن حَكِيم من كبار القائمين بالدعوة العباسية وَحضر مَعَ قَحْطَبَةَ بن شبيب حروب المروانية ثمَّ قَتله عبد الله بن عَليّ لما خلع وَادّعى الْأَمر
وَلم يلبث مُحَمَّد بن مقَاتل أَن أَضْطَرِب أمره وأختلف عَلَيْهِ جنده وَخرج عَلَيْهِ بتونس تَمام بن تَمِيم التَّمِيمِي وَكَانَ عَامله عَلَيْهَا وَهُوَ جد أبي الْعَرَب مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمِيم بن تَمام صَاحب طَبَقَات إفريقية فزحف إِلَى القيروان فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ فَخرج إِلَيْهِ ابْن العكي فأنهزم وَدخل تَمام القيروان فِي آخر رَمَضَان الْمَذْكُور فَأَمنهُ على دَمه وَمَاله على أَن يخرج عَنْهُم
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب والياً على الزاب فَنَهَضَ مِنْهَا فِي نصْرَة مُحَمَّد بن مقَاتل وَعلم تَمام أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِهِ فتخلى عَن القيروان وَرجع إِلَى تونس
وَدخل إِبْرَاهِيم القيروان فَبَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَخَطب النَّاس وأعلمهم أَن أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن مقَاتل وَكتب إِلَيْهِ فَأقبل رَاجعا
وَأَرَادَ تَمام أَن يُحَرِّش بَينهمَا فَكتب إِلَى مُحَمَّد بن مقَاتل كتابا فِي آخِره
(وَمَا كَانَ إِبْرَاهِيم من فضل طَاعَة ... يرد عَلَيْك الثغر لَكِن لتقتلا)
(فَلَو كنت ذَا علم وعقل بكيده ... لما كنت مِنْهُ يَا ابْن عك لتقبلا)
(فمهما تشأ يمنعك مِنْهُ ابْن غَالب ... وَمهما يَشَأْ فِيك ابْن أغلب يفعلا)
стр. 88
فجاوبه العكي بنقيض ذَلِك وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه
(وَإِنِّي لأرجو إِن لقِيت ابْن أغلب ... غَدا فِي المنايا أَن تفل وتقتلا)
(تلاقى فَتى يستصحب الْمَوْت فِي الوغى ... ويحمى بصدر الرمْح عزا مؤثلاً)
(كَأَنَّك قد صافحت فِي بطن كَفه ... من الْبيض مَحْمُود المهزة مقصلا)
وَأَقْبل تَمام ثَانِيَة فِي عَسْكَر ضخم فَخرج إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَابْن العكى وَرَاءه فأنهزم تَمام عِنْد التقائهما وَعَاد ابْن العكى إِلَى القيروان وَاتبعهُ إِبْرَاهِيم إِلَى تونس فَطلب مِنْهُ الْأمان فَأَمنهُ ورحل بِهِ إِلَى القيروان وبعقب هَذَا ورد كتاب الرشيد بعزل ابْن العكى وتولية إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
٣٠ - الخصيب مولى ابْن العكى
قدمه مُحَمَّد بن مقَاتل مَوْلَاهُ لِحَرْب مخلد بن مرّة الْخَارِج عَلَيْهِ قبل تَمام بن تَمِيم وَأمره على الْجَيْش الناهد صحبته فَصبح الْقَوْم آمن مَا كَانُوا
стр. 89
وهم خَمْسمِائَة من أهل خُرَاسَان وَالشَّام وَكَانَ الَّذِي هاج ذَلِك فلاح بن عبد الرَّحْمَن الكلَاعِي فَقتل مخلد بن مرّة أَمِيرهمْ وعدة مِمَّن كَانَ مَعَه وأنهزم أَصْحَابه إِلَى تونس وَمر الخصيب بمنزل فلاح فأحرقه وَأخذ امْرَأَته فأنطلق بهَا وَقَالَ فِي ذَلِك
(لَو كنت حرا يَا فلاح صبرت لي ... وحميت عرسك والفتى يحمى)
(لَكِن هربت من القراع وَأسْلمت ... كَفاك حرمتهَا على الرغم)
(مَا النَّجْم أبعد مِنْك لَو طالبته ... لتناله بيديك من سلمى)
٣١ - تَمام بن تَمِيم الدَّارمِيّ التَّمِيمِي أَبُو الجهم الْقَائِم على ابْن العكي الْمَذْكُور آنِفا
وَهُوَ ابْن عَم إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب قد تقدم من خَبره وشعره مَا أغْنى عَن إِعَادَته هُنَا وَفِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب تأليف أبي على الْحسن بن أبي سعيد القيرواني أَن تَمامًا هَذَا لما سمع بحركة إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَيْهِ من الزاب فِي محاربته وَنصر ابْن العكي كتب إِلَيْهِ كتابا يستدعيه ويستعطفه وَكتب فِي أَسْفَله
стр. 90
(أقدم إِبْرَاهِيم علما بفضله ... وَحقّ لَهُ فِي الْأَمر أَن يتقدما)
(وَقلت لَهُ فأحكم فحكمك جَائِز ... علينا فقد أَصبَحت فِينَا مقدما)
(ورد فِي بِلَاد الزاب مَا شِئْت قَادِرًا ... وَإِن شِئْت ملك الغرب خُذْهُ مُسلما)
فجاوبه ابْن الْأَغْلَب بِخِلَاف ذَلِك وَكتب إِلَيْهِ فِي أَسْفَل كِتَابه
(دَعَوْت إِلَى مَا لَو رضيت بِمثلِهِ ... لما كنت يَا تَمام فِيهِ مقدما)
(سأجعل حكمي فِيك ضَرْبَة صارم ... إِذا مَا علا مِنْك المفارق صمما)
(ستعلم لَو قد صافحتك رماحنا ... بكف المنايا أَيّنَا كَانَ أظلما)
فَذكر عَن فلاح الكلَاعِي أَنه قَالَ كنت عِنْد تَمام يَوْم قَرَأَ كتاب إِبْرَاهِيم فَذهب لَونه ثمَّ أرتعد حَتَّى سقط الْكتاب من يَده وَكَانَ صَارِمًا شجاعاً ممدحاً وَفِيه يَقُول الْفضل بن النَّهْشَلِي يمدحه من قصيدة
(أضحت ومنزلها مصر ومنزلنا ... بالقيروان وَيَا تشواق مغترب)
(أَخا بني نهشل دعها فقد نزحت ... وأمدح قريع معد وَاحِد الْعَرَب)
(تَمام كَبْش بني عدنان قاطبة ... الدارمى الْكَرِيم الْبَيْت وَالنّسب)
(الْفَارِس البطل الحامي حَقِيقَته ... والناعش الرائش الفراج للكرب)
(تأوى إِلَيْهِ نزار حِين يدهمها ... ريب الزَّمَان وتخشى سطوة النوب)
(أعطف بَنو دارم فِي الْمجد رايتها ... بني المجاشع يَوْم الْفَخر والحسب)
قَالَ أَبُو الْعَرَب وَذكر ولَايَة جده تَمام هَذَا إفريقية بعد مُحَمَّد بن مقَاتل العكي تَمام بن تَمِيم هَذَا هُوَ جدنا هُوَ ابْن القادم من الْمشرق قَالَ وَتُوفِّي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة بِبَغْدَاد
وَفِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب أَن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب لما صَار الْأَمر إِلَيْهِ بعث بِهِ وبجماعة مَعَه من وُجُوه الْجند الَّذين كَانَ شَأْنهمْ الْوُثُوب
стр. 91
على الْأُمَرَاء إِلَى الرشيد فَأَما تَمام فَإِنَّهُ حبس إِلَى أَن مَاتَ فِي حَبسه
وَحكى أَن الرشيد وعد أَخَاهُ سَلمَة بن تَمِيم إِطْلَاقه وَبلغ ذَلِك إِبْرَاهِيم ابْن الْأَغْلَب فَكتب إِلَى عمته وَهِي بِبَغْدَاد فِي سمه فأشتهى تَمام حوتاً فَسَمتْهُ لَهُ فَمَاتَ من أكله بعد أَن ذهب بَصَره فِي المطبق قبل مَوته بِشَهْر وَعلم الرشيد بذلك فترحم عَلَيْهِ وتوجع لَهُ وَأحسن إِلَى سَلمَة أَخِيه وَصَرفه إِلَى إفريقية
٣٢ - إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب بن سَالم بن عقال أَبُو إِسْحَق
ولاه الرشيد إفريقية بعد مُحَمَّد بن مقَاتل العكى فأستقل بملكها وأورث سلطنها بنيه نيفاً على مائَة سنة وَكَانَ فَقِيها عَالما أديباً شَاعِرًا خَطِيبًا ذَا رأى وبأس وحزم وَمَعْرِفَة بِالْحَرْبِ ومكائدها جرىء الْجنان طَوِيل اللِّسَان حسن السِّيرَة لم يل إفريقية أحد قبله من الْأُمَرَاء أعدل فِي سيرة وَلَا أحسن لسياسة وَلَا أرْفق برعية وَلَا أضبط لأمر مِنْهُ
وَكَانَ فِي أول حَالَته كثير الطّلب للْعلم والأختلاف إِلَى اللَّيْث بن سعد الْفَقِيه وَاللَّيْث وهب لَهُ جلاجل أم ابْنه زِيَادَة الله فَخرج بهَا حَتَّى وصل الزاب وعَلى إفريقية يَوْمئِذٍ الْفضل بن روح بن حَاتِم فلقى من تعصبه وَسُوء مجاورته عَظِيما وَأقَام أَخُوهُ عبد الله بن الْأَغْلَب بِمصْر وَكَانَ ذَا نعْمَة عَظِيمَة فَلَمَّا توفّي أرتحل بنوه إِلَى إفريقية
وَولى الزاب من قبل هَارُون الرشيد وَابْن العكى على إفريقية وَقد تقدم ذكر نصرته لِابْنِ العكى إِلَى أَن صرف بإبراهيم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة
стр. 92
وَتوجه إِلَى الْمشرق فَلَمَّا بلغ طرابلس دلّس لَهُ كَاتبه دَاوُود القيرواني على لِسَان الرشيد كتابا بِإِقْرَارِهِ على إفريقية وأنصرافه إِلَى عمله فتمشى ذَلِك زَمَانا وَبلغ الرشيد فَغَاظَهُ وأسجل لإِبْرَاهِيم بِولَايَة إفريقية ثَانِيَة فأشتد عِنْد ذَلِك سُلْطَانه وَعظم دون الْمُلُوك الَّذين تقدموه شَأْنه وَخرج ابْن العكى من إفريقية وأعمالها وعَلى هَذِه الْحَال لم يكاف إِبْرَاهِيم على حسن مَا أسلفه فِي جَانِبه إِلَّا بأقبح الْأَفْعَال
وَمن فَضَائِل إِبْرَاهِيم المأثورة وجلائل أنبائه المسطورة أَنه عَفا عَن دَاوُود كَاتب ابْن العكى وَأسْقط التثريب عَلَيْهِ وَقبل متابه فَأَمنهُ وأستعمله وَقد ذكرت ذَلِك فِي تأليفي المترجم ب إعتاب الْكتاب وَهُوَ الْقَائِل وَقد خلف أَهله بِمصْر فِي قَصده الزاب
(مَا سرت ميلًا وَلَا جَاوَزت مرحلة ... إِلَّا وذكرك يثنى دائباً عنقِي)
(وَلَا ذكرتك إِلَّا بت مرتفقاً ... أرعى النُّجُوم كَأَن الْمَوْت معتنقى)
الْبَيْت الأول نَظِير قَول يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فِي زوجه
(إِذا سرت ميلًا أَو تغنت حمامة ... دعتني دواعي الشوق من أم خَالِد)
وَكَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يَقُول هُوَ أشوق بَيت قالته الْعَرَب
وَقَالَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ بالزاب فِي قتل ابْن الْجَارُود للفضل بن روح بن حَاتِم وَقد بلغه أَن نصر بن حبيب المهلبي أَشَارَ برد الْفضل من طَرِيقه لِأَنَّهُ خَافَ
стр. 93
أَن يحدث حَدثا فيقتله ابْن الْجَارُود بِسَبَبِهِ
(يَا نصر قد أَصبَحت ألأم من مضى ... مِنْكُم وألام حَاضر مَعْلُوم)
(لما أَشرت برد فضل بَعْدَمَا ... قطع الْبِلَاد على أقب رسوم)
(لم ترض بالخذلان حَتَّى كدته ... لَا زلت مخذولا بِغَيْر حميم)
(مَا كنت حِين غَدَوْت تنشر لحية ... فِيهَا لقَوْمك غدرة بكريم)
(لَو كَانَ ناداني أجبْت دعاءه ... بِالْخَيْلِ أقحمها بِسَعْد تَمِيم)
(خيل بهَا أهْدى المنايا للعدى ... وَبهَا أفرج كربَة المكظوم)
стр. 94
وَقَالَ أَيْضا فِي دُخُوله القيروان قَائِما بنصرة ابْن العكى وهرب تَمام بن تَمِيم أَمَامه
(لَو كنت لاقيت تَمامًا لصال بِهِ ... ضرب يفرق بَين الرّوح والجسد)
(لكنه حِين شام الْمَوْت يقدمني ... ولي فِرَارًا وخلى لي عَن الْبَلَد)
(إِن يستقم نعف عَمَّا كَانَ قدمه ... وَإِن يعد بعْدهَا فِي غدرة نعد)
ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن مقَاتل يستعيده إِلَى عمله وَقَالَ فِي ذَلِك
(أتشكر عَنَّا مَا صنعت بربها ... وردى عَلَيْهَا الثغر أم هِيَ تكفر)
(نفيت لَهَا التَّمام بِالسَّيْفِ عنْوَة ... وَلم يغنه فِي الله مَا يتمضر)
(فَأقبل إِلَيّ مَا كنت خلفت كَارِهًا ... فقد ذاد سَيفي عَنْك مَا كنت تحذر)
وَقَالَ أَيْضا فِي ذَلِك
(ألم ترني رددت طريد عك ... وَقد نزحت بِهِ أَيدي الركاب)
(أخذت الثغر فِي سبعين منا ... وَقد أوفى على شرف الذّهاب)
(هزمت لَهُم بِعدَّتِهِمْ ألوفاً ... كَأَن رعيلهم قزع السَّحَاب)
قَالَ إِبْرَاهِيم هَذَا لِأَنَّهُ قصد لنصرة ابْن العكى فِي سبعين فَارِسًا من أهل بَيته وخاصته إقداماً ونجدة فَقَالَ بعض شعراء إفريقية فِي ذَلِك
(مَا مر يَوْم لإِبْرَاهِيم نعلمهُ ... إِلَّا وشيمته للجود والباس)
стр. 95
وَلما حَارب تَمامًا وَابْن العكى بالقيروان حمل على الميمنة وَهُوَ يَقُول
(أطعنهم وَلَا أرى لي كفوا ... حَتَّى أنال مَا أُرِيد عفوا)
(أَو أحسون كأس المنايا حسوا ... )
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الميسرة بعد أَن كسر الميمنة وَهُوَ يَقُول
(قد علمت سعد وأبناه مُضر ... أَنِّي منعت عزها أَن يعتصر)
(وأنني فخارها لمن فَخر ... )
ففضها ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقلب فَشد عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول
(يَا قلب قد أَبْصرت صاحبيكا ... مَا لقيا مني فَخذ إليكا)
(ضربا يمور وقعه عليكا ... كَيفَ ترى دفعي بجانبيكا)
وَحمل أَصْحَابه فَكَانَت الْهَزِيمَة على تَمام
وَله حِين وَجه بِمن كَانَ يخَاف أَمرهم من وُجُوه الْجند إِلَى الرشيد
(مَا سَار كيدي إِلَى قوم وَإِن كَثُرُوا ... إِلَّا رمى شِعْبهمْ بالحزم فأنصدعا)
(وَلَا أَقُول إِذا مَا الْأَمر نازلني ... يَا ليته كَانَ مصروفاً وَقد وَقعا)
(حَتَّى أجليه قهرا بمعتزم ... كَمَا يجلى الدجى بدر إِذا طلعا)
(قوما قتلت وقوماً قد نفيتهم ... ساموا الْخلاف بِأَرْض الغرب والبدعا)
(كلا جزيتهم صدعاً بصدعهم ... وكل ذِي عمل يجزى بِمَا صنعا)
стр. 96
وَله أَيْضا وَهُوَ من جيد شعره
(ألم ترني أوديت بالكيد راشداً ... وأتى بِأُخْرَى لِابْنِ إِدْرِيس راصد)
(تنَاوله عزمي على بِأَيّ دَاره ... بمختومة فِي طيهن المكائد)
(وَقد كَانَ يَرْجُو أَن يفوت مكائدي ... كَمَا كَانَ يخشاني على الْبعد رَاشد)
(ثَلَاثُونَ ألفا سقتهن لقَتله ... لأصلح بالغرب الَّذِي هُوَ فَاسد)
(فأضحى لدينا رَاشد ينتبذنه ... بَنَات المنايا والحسان الخرائد)
(فتاه أَخُو عك بمهلك رَاشد ... وَقد كنت فِيهِ ساهراً وَهُوَ رَاقِد)
رَاشد هَذَا هُوَ مولى عِيسَى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ عَاقِلا شجاعاً أيداً خرج بِإِدْرِيس بن عبد الله أخى مَوْلَاهُ عِنْد انهزامه فِي وقْعَة فخ وَقد تقدم ذكرهَا وأنغمس بِهِ فِي حَاج أهل مصر وَغير زيه وَألبسهُ مدرعة وعمامة غَلِيظَة وصيره كالغلام يَخْدمه وَإِن أمره وَنَهَاهُ أسْرع فِي ذَلِك وتخلص إِلَى إفريقية فِي خبر طَوِيل فَترك دُخُولهَا ثمَّ سَار بِهِ فِي بِلَاد البربر حَتَّى أنْتَهى إِلَى فاس وطنجة فأظهر إِدْرِيس هُنَالك أمره وَأخْبر بنسبه ودعا للبربر إِلَيْهِ فَأَجَابُوهُ وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَولى ابْنه هِشَام الرِّضَا وَفِي السّنة الثَّانِيَة من خلَافَة هَارُون الرشيد أَقَامَ بَين أظهر البربر ملكا مُطَاعًا وَبلغ الرشيد خَبره فشق عَلَيْهِ وشكا ذَلِك إِلَى يحيى بن خَالِد فَدس إِلَيْهِ من
стр. 97
سمه فِي غَالِيَة وَقيل فِي ذرور أستن بِهِ وَقيل فِي دلاعة قطعهَا بسكين نصفهَا مَسْمُوم وَالثَّانِي غير مَسْمُوم وَقيل فِي بطيخة وهرب هُوَ وَصَاحب لَهُ فَيُقَال إِن راشداً اتبعهما وَقد بعدا فأدركهما وَهُوَ وَحده على فرسه فَشد عَلَيْهِمَا بِسَيْفِهِ فَضرب أَحدهمَا وَفَاتَ الآخر وأنصرف رَاشد وَهلك إِدْرِيس
وَيُقَال إِن الَّذِي دس الرشيد إِلَيْهِ ليسمه هُوَ الشماخ اليمامي وَكتب لَهُ إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فوصل إِلَى إِدْرِيس وعرفه أَنه متطبب وَأَنه من أَوْلِيَائِهِمْ فأطمأن إِلَيْهِ وَأنس بِهِ وشكا إِلَيْهِ عِلّة فِي أَسْنَانه فَأعْطَاهُ سنوناً مسموماً وَأمره أَن يستن بِهِ عِنْد طُلُوع الْفجْر وهرب تَحت اللَّيْل فَلَمَّا طلع الْفجْر أستن إِدْرِيس بذلك السنون فَقتله وَطلب الشماخ فَلم يقدر عَلَيْهِ وَقدم
стр. 98
على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأخْبرهُ فَكتب إِبْرَاهِيم إِلَى الرشيد بذلك فولى الشماخ بريد مصر وَأَجَازَهُ وَقد تقدم عِنْد ذكره أَن الَّذِي سمه سُلَيْمَان بن جرير فِي سَمَكَة مشوية وَقَالَ فِي ذَلِك أَشْجَع السلمى من شعراء الرشيد
(أتظن يَا إِدْرِيس أَنَّك مفلت ... كيد الْخَلِيفَة أَو يقيك حذار)
(إِن السيوف إِذا انتضاها عزمه ... طَالَتْ وتقصر دونهَا الْأَعْمَار)
(هَيْهَات إِلَّا أَن تكون ببلدة ... لَا يَهْتَدِي فِيهَا إِلَيْك نَهَار)
وَكَانَت مُدَّة سُلْطَان إِدْرِيس بالمغرب إِلَى أَن مَاتَ بوليلى سنة خمس وَقيل سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة ثَلَاثَة أَعْوَام وَسِتَّة أشهر
وَكَانَ قد خرج إِلَى سبتة فِي شَيبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَإِلَى تازا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسبعين وَترك حملا من إِحْدَى جواريه فَقَامَ رَاشد بِأَمْر البربر حَتَّى ولدت غلاماا فَسَماهُ باسم أَبِيه إِدْرِيس وكفله إِلَى أَن بلغ الْغُلَام
وَعلا أَمر رَاشد وأستفحل وهم بغزو إفريقية لما كَانَ فِيهِ من الْقُوَّة وَكَثْرَة الْجنُود فكاده إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب من الزاب مَوضِع ولَايَته ودس إِلَى أَصْحَابه وبذل لَهُم الْأَمْوَال إِلَى أَن أغتالوه وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ فَبعث بِهِ إِلَى ابْن مقَاتل العكى وَأخْبرهُ بكيده إِيَّاه وتدبيره فِي قَتله فَبعث بِهِ العكى إِلَى هَارُون الرشيد وَنسب ذَلِك إِلَى نَفسه دون إِبْرَاهِيم فَكتب صَاحب بريد الْمغرب إِلَى هَارُون بصنيع إِبْرَاهِيم فِي رَاشد فعلى إِثْر ذَلِك ولي الرشيد إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إفريقية وَصرف عَنْهَا العكى
وَقد قيل إِن الرشيد إِنَّمَا دس إِلَى إِدْرِيس من أغتاله وخاطب إِبْرَاهِيم بِهِ وَهُوَ عَامل لَهُ على إفريقية وَالْأول أصح وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم
стр. 99
فِي شَوَّال لثمان لَيَال بَقينَ مِنْهُ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة فَكَانَت ولَايَته اثنتى عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام
٣٣ - يحيى بن الْفضل بن النُّعْمَان التَّمِيمِي أَبُو الْعَبَّاس
كَانَ صَاحب بريد الْمغرب أَيَّام ابْن العكى وَهُوَ الْقَائِل لتَمام بن تَمِيم حِين بلغه إقبال إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَيْهِ
(أتمام لَا تقعد فَإِنِّي نَاصح ... وَخذ مهلة إِن كنت لَا بُد هَارِبا)
(وَإِلَّا فعذ من سخطه بأمانه ... فلست بلاق لِابْنِ أغلب غَالِبا)
(وَلَا تُحِسُّونَ كأساً فَلَيْسَ بِنَافِع ... تحسيك مَا فِيهَا إِذا كنت شارباً)
٣٤ - خريش بن عبد الرَّحْمَن بن خريش الْكِنْدِيّ
ثار بتونس وَكَانَ صهر الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ الْمُخَالف على الْأَغْلَب ابْن سَالم وَلم يكن من الْجند وَلكنه من أَبنَاء الْعَرَب الَّذين كَانُوا بإفريقية
стр. 100
قبل المسودة فَخلع المسودة وَأَتَاهُ الْعَرَب والبربر من كل نَاحيَة فَلَمَّا كثر جمعه كتب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
من خريش الْقَائِم بِالْعَدْلِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
أما بعد فَإِنِّي أَقمت عَن الْخُرُوج قبل يومي هَذَا لِأَنِّي كنت أنْتَظر أَن تفنيكم الْحَرْب فلعمري لقد أرانا الله فِيكُم مَا قوى بِهِ أهل دَعْوَة الْحق عَلَيْكُم فَلَمَّا وليت أَنْت وَعلمت أَنهم مقسومون بَين خوف مِنْك ورجاء لَك عرفت قلَّة طمعهم فِيك وَلَو كَانَ أحد مِمَّن ولي هَذَا الثغر مِمَّن لَا نرى طَاعَته يسْتَحق أَن نرضى بولايته لَكُنْت أَنْت ذَلِك وَقد كَانَ عَليّ بن أبي طَالب رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول إِذا ولى عَنْكُم عَدوكُمْ من أهل الْملَّة فَلَا تتبعوهم وَلست أطلبك إِن خرجت عَن الثغر فَلَا ترد أَن تصلى بحربي وَليكن رَأْيك طلب سلمى وَالسَّلَام
وَكتب فِي آخر كِتَابه
(قل جهرة لأبي إِسْحَاق تنصحه ... هَذَا فراقكم للغرب قد حانا)
(فَلَا يعود إِلَيْهِ مِنْكُم أحد ... حَتَّى يعود من الإجداث مَوتَانا)
(فأرجع عَن الغرب أَو ألق السوَاد بِهِ ... لَا تخترمك المنايا حِين تلقانا)
стр. 101
(وسوف تعلم أَن الْمَوْت يسمع لي ... إِذا ألتقت بنواحي الفحص خيلانا)
فَلَمَّا قَرَأَ إِبْرَاهِيم كِتَابه كتب إِلَيْهِ
من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَى خريش رَأس الضلال
سَلام على من أتبع الْهدى أما بعد
(فَإِن مثلك مثل الْبَعُوضَة الَّتِي قَالَت للنخلة إِذْ سَقَطت عَلَيْهَا أستمسكي فَإِنِّي أُرِيد الطيران فَقَالَت النَّخْلَة مَا شَعرت بسقوطك فيكربني طيرانك فَأَما انتظارك فِي الْحَرْب فنَاء فَلَو لم يبْق فِي الْمغرب من أهل الطَّاعَة غَيْرِي مَا وصلت أَنْت فِي من مَعَك بخلافكم إِلَيْهِ ولرجوت أَن أظفر بكم بطاعتي وَنَصره دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَكيف وَعِنْدِي من شيعته وَأَبْنَاء أنصاره من يعلم الله أَنِّي أرجوه أَن ينْتَقم مِنْك على يَدي وَأما مَا ذكرت عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ فَذَاك أَمر غَابَ عَنْك وَإِن كَانَ كَمَا ذكرت فلست مِنْهُم لِأَن أهل الْملَّة خلافهم خلاف هدى فِي نقمة على جور وخلافكم خلاف فرقة دين وشق غصا الْمُسلمين ونقمتهم مَا هُوَ لله رضَا وستعلم أَنْت وَأَصْحَابك إِن لقيناكم غَدا أَنا سنتبعكم وَإِن صَبَرْتُمْ أَنا سنفنيكم
стр. 102
وَأما ذكرك الفحص فَإِن تركتك حَتَّى تصير إِلَيْهِ فَأَنا فِي مثل جِلْدك وَكتب إِلَيْهِ
(بلغ خريشا بِأَنِّي سَوف أصيحه ... كأساً سيقرع مِنْهَا سنّ حيرانا)
(تهدى الطعان لَهُ سمر مثقفة ... تفرى أسنتها فِي الْحَرْب أعدانا)
(من كل أَزْرَق يغتال النُّفُوس بِهِ ... يضحى بِهِ من دم الأجواف ملآنا)
(وسوف تعلم هَل ألقِي السوَاد إِذا ... أرست إِلَيْك المنايا حِين تلقانا)
(إِنِّي سأهدي إِلَيْك الْمَوْت فِي عطب ... فأشرب منيته من كف عمرانا)
ثمَّ بعث إِلَى عمرَان بن مجَالد يحضه على قِتَاله ولقائه قبل خُرُوجه من تونس وأوصاه بِمَا يعْمل فَلَقِيَهُ عمرَان بسبخة تونس فأنكشف خريش وَأَصْحَابه وَقتل وَدخل عمرَان تونس يتتبعهم ويقتلهم حَتَّى أفناهم وَكَانَ خُرُوجه سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة
٣٥ - عمرَان بن مجَالد بن يزِيد الربعِي
ثار على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ قبل ذَلِك فِي طَاعَته ومناصحته وَحضر مَعَه قتال تَمام بن تَمِيم وَخرج نَائِبا عَنهُ لقِتَال خريش بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور آنِفا وَلما قوى أمره أَتَى بعسكره حَتَّى نزل بَين القيروان وَبَين قصر إِبْرَاهِيم
стр. 103
وَصَارَت القيروان فِي يَده وَبعث إِلَى أَسد بن الْفُرَات ليخرج مَعَه فَأبى أَسد وتمارض فَبعث إِلَيْهِ إِمَّا أَن تخرج وَإِلَّا بعثت من يجر برجلك فَقَالَ أَسد وَالله لَئِن أخرجتني لأنادين فِي النَّاس الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار فَتَركه عِنْد ذَلِك
وَخَنْدَق إِبْرَاهِيم حول مدينته ودامت الْحَرْب بَينهمَا سنة ثمَّ ضعف عمرَان فهرب إِلَى نَاحيَة الزاب وَسَأَلَ الْأمان هُوَ وَعَمْرو بن مُعَاوِيَة وعامر ابْن المعمر من إِبْرَاهِيم فأجابهم إِلَى ذَلِك
وَبَقِي عمرَان بالزاب إِلَى وَفَاة إِبْرَاهِيم ومصير الْأَمر إِلَى ابْنه أبي الْعَبَّاس عبد الله فَكتب إِلَيْهِ عمرَان يسْأَله تَجْدِيد الْأمان فَأَمنهُ وَأَسْكَنَهُ الْقصر مَعَه وَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيروح إِلَى أَن سعى بِهِ وَقيل لعبد الله هَذَا ثار على أَبِيك وحاله حَاله فَبعث إِلَيْهِ فِي الظهيرة فَلم يشك فِي الشَّرّ وَكَانَ عبد الله قد قَالَ لمولى لَهُ إِذا ورد على وَهُوَ مشتغل بِالنّظرِ فَلَا يشْعر إِلَّا وَقد رميت بِرَأْسِهِ فَكَانَ ذَلِك على مَا حَده وَكَانَ يحيى بن سَلام الْفَقِيه صَاحب التَّفْسِير قد سفر بَينهمَا فِي الْأمان على مَاله وَنَفسه وَولده فَلَمَّا قَتله وجد لذَلِك وَقَالَ لَا أسكن بَلَدا أَخْفَر فِيهِ الْعَهْد على يَدي فَخرج إِلَى مصر ثمَّ مضى إِلَى مَكَّة فحج وَرجع فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى أعتل وَمَات وَدفن بِمصْر سنة مِائَتَيْنِ وَمن شعر عمرَان فِي حَرْب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ تَمام بن تَمِيم وَقد برز من الصَّفّ
стр. 104
(يَا رسل الْمَوْت أَنا عمرَان ... أَنا الَّذِي أَنْتُم لَهُ أعوان)
(تصعق من خيفتي الفرسان ... يضْحك عَن أيامنا الزَّمَان)
(نَحن ضربنا النَّاس حَتَّى دانوا ... نقْتل أهل النكث حَيْثُ كَانُوا)
فَخرج إِلَيْهِ رجل من أَصْحَاب تَمام وَهُوَ يَقُول
(أرجع على ظلعك يَا عمرَان ... قد جَاءَك الْمَوْت لَهُ تهتان)
(يسقيكه من راحتي سِنَان ... وَالظَّن يجلو شكه العيان)
فَشد عَلَيْهِ عمرَان فطعنه فِي ثندؤته فَبَدَا عَامل الرمْح من خَلفه
٣٦ - عَامر بن المعمر بن سِنَان التَّيْمِيّ تيم الربَاب
كَانَ على شرطة إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب ثمَّ ثار عَلَيْهِ مَعَ عمرَان بن مجَالد وَعَمْرو بن مُعَاوِيَة والرئاسة مِنْهُم فِي تِلْكَ الثورة لعمران إِلَى أَن أستأمنوا جَمِيعًا إِلَى إِبْرَاهِيم فَأَمنَهُمْ وَكَانَ عَامر على قسطيلية والياً وَهُوَ الْقَائِل فِيمَا وَقع بَين مُحَمَّد بن مقَاتل وَتَمام بن تَمِيم من الْحَرْب وَقيام إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب بنصرته
(إِذا كربَة شدت خناق مُحَمَّد ... فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا ابْن أغلب فارج)
(أَتَاهُ بِتمَام على بأسه بِهِ ... يُقَاد وَقد ضَاقَتْ عَلَيْهِ المخارج)
(وَقد كَانَ بالإسراف ألقِي سوَاده ... وَلم تختلجه فِي الْخلاف الخوالج)
стр. 105
(فعاجله بالكيد حَتَّى استفاده ... وأدركه من بعد مَا قيل خَارج)
(وَلَو أَنه يستودع الشَّمْس نَفسه ... إِذا ولجت مِنْهُ عَلَيْهِ الولائج)
وَله فِي خُرُوج خريش بن عبد الرَّحْمَن بتونس
(لَوْلَا دفاعك يَا ابْن أغلب أَصبَحت ... أَرض الْغُرُوب رهينة لفساد)
(ولعمنا ذَاك الْخلاف بفتنة ... تعدو كتائبها بِغَيْر سَواد)
(قَالُوا غَدَاة لقائهم لَا ننثنى ... حَتَّى نحل الْخلد من بَغْدَاد)
(فمنوا بأشوس مَا تزَال جياده ... تَشْكُو الْوَحْي من غَارة وطراد)
(فخرت بِهِ سعد فَأصْبح بَيتهَا ... فَوق الفراقد ثَابت الْأَوْتَاد)
وَمن ولد عَامر هَذَا حَمْزَة بن أَحْمد بن عَامر بن المعمر كَانَ أديبا ظريفاً
وَأما أَبوهُ المعمر بن سِنَان فَقدم مَعَ يزِيد بن حَاتِم المهلبي فِي ولَايَته إفريقية وَكَانَ زميله فِي طَرِيقه إِذا ركب فِي عماربته لأنسه بِهِ وأستماعه من حَدِيثه وَكَانَ أعلم النَّاس بأيام الْعَرَب وأخبارها ووقائعها وَأَشْعَارهَا وَعنهُ أَخذ أهل إفريقية حَرْب غطفان وَغَيرهَا من وقائع الْعَرَب
٣٧ - حَمْزَة بن السبال الْمَعْرُوف بالحرون
أحد رُؤَسَاء القواد وشجعان الأجناد وَكَانَ لَهُ من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب آثر مَكَان وألطف مَحل لقدم صحبته إِيَّاه وتصرفه مَعَه حَيْثُ تصرفت حَاله فَكَانَ لَا يدانيه عِنْده أَخ وَلَا ولد وَلَا أحد من عشيرته وَكَانَ والياً على طبنة
стр. 106
وَوَجهه إِلَى الرشيد فِي القواد المتوثبين على الْوُلَاة بالقيروان وَلَده ولد إِبْرَاهِيم يتولون لَهُم إِلَى قيادة إِلَى عمالة حَتَّى أنفرضت دولة بني الْأَغْلَب وَمن شعره فِي إِيقَاعه بالمذكورين فِيهِ
(سَائل بأبرانس عَنَّا ووقعتنا ... لما صببنا القنا نَحْو ابْن مرداس)
(ولي وخلى سعيداً رهن نَافِذَة ... من طعن أروع للأرواح خلاس)
(فَإِن يتوبوا فقد ذاقوا وقائعنا ... وَإِن يعودوا نعد أُخْرَى من الراس)
وَله فِي حَرْب خريش الْخَارِج على ابْن الْأَغْلَب
(إِن غَابَ إِبْرَاهِيم عَنَّا أَو حضر ... فإنني أنصره فِيمَن نصر)
(وَالله لَا أرجع إِلَّا بظفر ... لَيْسَ يَمُوت الْمَرْء إِلَّا بِقدر)
(وكل من خَالَفنَا فقد كفر ... )
فَجعل مَا يشد على نَاحيَة إِلَّا هدها وبرز فَارس من عَسْكَر تَمام بن تَمِيم فِي خِلَافه وَهُوَ يَقُول
(إِن ظَفرت كفي بإبراهيم ... هددت رَأس الْعِزّ من تَمِيم)
стр. 107
فَلَمَّا سَمعه إِبْرَاهِيم نَادَى حَمْزَة يَا حَمْزَة أخرج إِلَى هَذَا الْكَلْب فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول
(أَحْلف بالركن وبالحطيم ... مَا فِيكُم كفو لإِبْرَاهِيم)
(ليصبحن الْيَوْم كالصريم ... )
ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فَقتله
٣٨ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشيعي
من أَبنَاء أهل خُرَاسَان ووجوه أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي الداعية أهل خُرَاسَان ثمَّ أهل الشَّام ثمَّ أهل الْبَلَد وأنفذه رَسُولا إِلَى الرشيد وَبعث صحبته برسل بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث من قدومهم بَغْدَاد وأستأذن الشيعي هَذَا فِي الْكَلَام بعد أَن قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَسُول سَيْفك دولتك إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأذن لَهُ على إِثْر هَذَا فَخَطب وَكَانَ
стр. 108
بليغاً مدْركا وَهُوَ الْقَائِل فِي مجْلِس ابْن الْأَغْلَب بالقيروان وبدار الْإِمَارَة مِنْهَا عِنْد قدومه لمحاربة تَمام بن تَمِيم بعد محاورة حَسَنَة
(لَوْلَا ابْن الْأَغْلَب أضحى الغرب لَيْسَ بِهِ ... عدل وَلَا لبنى الْعَبَّاس سُلْطَان)
(عَم الْخلاف قُلُوب الْقَوْم فأبتدعوا ... إِلَّا خَصَائِص أدتها خُرَاسَان)
(جلا ابْن أغلب عَنَّا كل مظْلمَة ... فِيمَا الْمُطِيع بسكر الْخَوْف حيران)
(كَادَت شياطين تَمام تردن بِنَا ... بَحر الضَّلَالَة والتمام شَيْطَان)
٣٩ - عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْقَيْسِي
هُوَ من ولد عُمَيْر بن الْحباب السلمى أحد فرسَان قيس وساداتها الْأَرْبَعَة فِي الْإِسْلَام وهم عبد الله بن حَازِم والجحاف بن حَكِيم وَعُمَيْر بن الْحباب الْمَذْكُور وَزفر بن الْحَرْث وَكَانَ عَمْرو بن مُعَاوِيَة يتَوَلَّى نَاحيَة القصرين من إفريقية وَخرج على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ عمرَان بن مجَالد وَكَانَ وزيره الْغَالِب عَلَيْهِ فِي أُمُوره ثمَّ خرج ثَانِيَة على وَلَده زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد ولاه القصرين وَمَا إِلَيْهِمَا فتغلب على تِلْكَ النَّاحِيَة وَأظْهر الْخلاف فَلَمَّا ظفر بِهِ زِيَادَة الله قَتله وولديه الْحباب وسكتان ودعا أهل بَيته فَشرب مَعَهم ورؤوسهم بَين يَدَيْهِ فَغَضب لَهُم مَنْصُور بن نصر الْجُشَمِي الْمَعْرُوف بالطنبذي وَكَانَ عَاملا على طرابلس وَتَابعه الْجند فأضطربت إفريقية
стр. 109
على زِيَادَة الله وَحصر فِي قصره وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا السَّاحِل وَقَابِس إِلَى أَن قتل مَنْصُور وأستأنس إِلَى زِيَادَة الله وصفت لَهُ إفريقية وأستقامت بعد حروب طَوِيلَة وخطوب جليلة
وَمن شعر عَمْرو بن مُعَاوِيَة مَا حكى أَن بعض أَصْحَاب تَمام بن تَمِيم يَوْم التقى هُوَ وَإِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد خُرُوج تَمام على ابْن العكى برز من الصَّفّ وَهُوَ يَقُول
(الْيَوْم نسقيكم سوى المدام ... بالبيض يهوى حَدهَا بالهام)
(حَتَّى تخلوا الغرب للتمام ... )
وبرز إِلَيْهِ عَمْرو وَهُوَ يَقُول
(من مبلغ قولي إِلَى التَّمام ... حلفا بِرَبّ الْحل وَالْحرَام)
(إِنَّك مَحْمُول على الصمصام ... وَقد تلاقت حلق الحزام)
ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فأرداه عَن فرسه
٤٠ - بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري
كَانَ رَئِيسا فِي قومه وَهُوَ قَامَ بِأَمْر إِدْرِيس بن إِدْرِيس الْحسنى صَاحب الْمغرب ثمَّ تغير عَلَيْهِ وفارقه وَرجع إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد ظُهُوره على إفريقية وَذَلِكَ بتلطف إِبْرَاهِيم فِي إِفْسَاد مَا بَينه وَبَين إِدْرِيس فجرت بَينهمَا مكاتبات كَانَ فِي بَعْضهَا مِمَّا كتبه البهلول إِلَى إِبْرَاهِيم
стр. 110
(لَئِن كنت تَدعُونِي إِلَى الْحق ناصحاً ... لتكشف عَن قلبِي ضمير خلاف)
(لقدماً أَتَانَا عَنْك أَنَّك نَاصح ... لمن قَالَ بِالصُّلْحِ الْخلَافَة كَاف)
(وَأَنَّك مَحْمُود النقائب عِنْدهم ... تزين مَا تَأتي لَهُم بعفاف)
(فَعجل على رد رَأْيِي فإنني ... أرد الْهوى للحق حِين يوافي)
فجاوبه إِبْرَاهِيم بقوله
(عرضت على البهلول مَا إِن أَصَابَهُ ... تعوض مِنْهُ طَاعَة بِخِلَاف)
(ليركب نهج الْحق وَالْحق وَاضح ... ونهج الْعَمى وعر المسالك عاف)
(فَلَا تتركن رشد الْهدى لضلالة ... كمستبدل رنق الشَّرَاب بطاف)
(وَبَايع لهارون الإِمَام بِطَاعَة ... تَجدهُ على الْإِسْلَام خير مكاف)
следующие страницы →