← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية]ـ المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥ هـ) المحقق: إبراهيم الزيبق الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م عدد الأجزاء: ٥ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه رب الْعَالمين الْحَمد لله الَّذِي بِلُطْفِهِ تصلح الْأَعْمَال وبكرمه وجوده تدْرك الآمال وعَلى وفْق مَشِيئَته تتصرف الْأَفْعَال وبإرادته تَتَغَيَّر الْأَحْوَال وَإِلَيْهِ الْمصير والمرجع والمآل سُبْحَانَهُ هُوَ الْبَاقِي بِلَا زَوَال المنزه عَن الْحُلُول والانتقال عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْكَبِير المتعال ذُو الْعَرْش والمعارج والطول وَالْإِكْرَام والجلال نحمده على مَا أَسْبغ من الإنعام والإفضال وَمن بِهِ من الْإِحْسَان والنوال حمدا لَا توازنه الْجبَال ملْء السَّمَوَات وَالْأَرْض وعَلى كل حَال وَنُصَلِّي على رَسُوله وَنبيه وَخيرته من خلقه وَصفيه وخليله ووليه وحبيبه المفضال سيدنَا أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله ذِي الشّرف الباذخ وَالْعلم الراسخ وَالْفضل الشامخ وَالْجمال والكمال صلى الله عَلَيْهِ وعَلى الْمَلَائِكَة المقربين والأنبياء وَالْمُرْسلِينَ وعترتهم الطيبين مَا أفل كَوْكَب وطلع هِلَال وعَلى آل مُحَمَّد وَصَحبه خير صحب وَأكْرم آل وعَلى تابعيهم بِإِحْسَان وَجَمِيع الْأَوْلِيَاء والأبدال وَعَفا عَن الْمُقَصِّرِينَ من أمته أولي الكسل والملال وحشرنا فِي زمرته مُتَمَسِّكِينَ بشرعته مقتدين بسنته متعظين بِمَا ضرب من الْأَمْثَال مزدحمين تَحت لوائه فِي جملَة أوليائه يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال

стр. 3

أما بعد فَإِنَّهُ بعد أَن صرفت جلّ عمري ومعظم فكري فِي اقتباس الْفَوَائِد الشَّرْعِيَّة واقتناص الفرائد الأدبية عَن لى أَن أصرف إِلَى علم التَّارِيخ بعضه فأحوز بذلك سنة الْعلم وفرضه اقْتِدَاء بسيرة من مضى من كل عَالم مرتضى فَقل إِمَام من الْأَئِمَّة إِلَّا ويحكى عَنهُ من أَخْبَار من سلف فَوَائِد جمة مِنْهُم إمامنا أَبُو عبد الله الشَّافِعِي رضى الله عَنهُ قَالَ مُصعب الزبيرِي مَا رَأَيْت أحدا أعلم بأيام النَّاس من الشَّافِعِي ويروى عَنهُ أَنه قَامَ على تعلم أَيَّام النَّاس وَالْأَدب عشْرين سنة وَقَالَ مَا أردْت بذلك إِلَّا الِاسْتِعَانَة على الْفِقْه قلت وَذَلِكَ عَظِيم الْفَائِدَة جليل العائدة وَفِي كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ من أَخْبَار الْأُمَم السالفة وأنباء الْقُرُون الخالفة مَا فِيهِ عبر لذوى البصائر واستعداد ليَوْم تبلى السرائر قَالَ الله وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنباء الرسُل مَا نُثَبِّت بِهِ فُؤَادَك وَجَاءَكَ فِي هَذِه الْحق وموعظة وذكرى للْمُؤْمِنين﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَقَدْ جَاءَهم من الأنْبَاء مَاِ فِيهِ مزدجر حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغن النّذر﴾ وَحدث النَّبِي ﷺ بِحَدِيث أم زرع وَغَيره مِمَّا جرى فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْأَيَّام الإسرائيلية وَحكى عجائب مَا رَآهُ لَيْلَة أسرِي بِهِ وعرج وَقَالَ (حدثوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج) وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سماك بن

стр. 4

حَرْب قَالَ قلت لجَابِر بن سمُره أَكنت تجَالس رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم كثيرا كَانَ لَا يقوم من مُصَلَّاهُ الَّذِي صلى فِيهِ الصُّبْح أَو الْغَدَاة حَتَّى تطلع الشَّمْس فَإِذا طلعت قَامَ وَكَانُوا يتحدثون فَيَأْخُذُونَ فِي أَمر الْجَاهِلِيَّة فيضحكون ويبتسم ﷺ وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن عبد الله بن عَمْرو رضى الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ نَبِي الله ﷺ يحدثنا عَن بني إِسْرَائِيل حَتَّى يصبح مَا يقوم إِلَّا إِلَى عُظم صَلَاة قلت وَلم يزل الصَّحَابَة والتابعون فَمن بعدهمْ يتفاوضون فِي حَدِيث من مضى ويتذاكرون مَا سبقهمْ من الْأَخْبَار وانقضى ويستنشدون الْأَشْعَار ويتطلبون الْآثَار وَالْأَخْبَار وَذَلِكَ بَين من أفعالهم لمن اطلع على أَحْوَالهم وهم السَّادة الْقدْوَة فلنا بهم أُسْوَة فاعتنيت بذلك وتصفحته وبحثت عَنهُ مُدَّة وتطلبته فوقفت وَالْحَمْد لله على جملَة كَبِيرَة من أَحْوَال الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْخُلَفَاء والسلاطين وَالْفُقَهَاء والمحدثين والأولياء وَالصَّالِحِينَ وَالشعرَاء والنحويين وأصناف الْخلق البَاقِينَ وَرَأَيْت أَن المطلع على أَخْبَار الْمُتَقَدِّمين كَأَنَّهُ قد عاصرهم أَجْمَعِينَ وَأَنه عِنْدَمَا يفكر فِي أَحْوَالهم أَو يذكرهم كَأَنَّهُ مُشاهدهم ومحاضرهم فَهُوَ قَائِم لَهُ مقَام طول الْحَيَاة وَإِن كَانَ متعجل الْوَفَاة قَالَ

стр. 5

نعيم بن حَمَّاد كَانَ عبد الله بن الْمُبَارك يكثر الْجُلُوس فِي بَيته فَقيل لَهُ أَلا تستوحش قَالَ كَيفَ استوحش وَأَنا مَعَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَفِي رِوَايَة قَالَ قيل لِابْنِ الْمُبَارك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن تكْثر الْقعُود فِي الْبَيْت وَحدك فَقَالَ أَنا وحدي أَنا مَعَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يَعْنِي النّظر فِي الحَدِيث وَفِي رِوَايَة أُخْرَى وَأَنا مَعَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان قلت وَقد أنشدت لبَعض الْفُضَلَاء (كتاب أطالعه مؤنس ... أحب إِلَيّ من الآنسه) (وأدرسه فيريني الْقُرُون ... حضورا وأعظمهم دارسه) وَقد اخْتَار الله سُبْحَانَهُ لنا أَن نَكُون آخر الْأُمَم وأطلعنا على أنباء من تقدم لنَّتعظ بِمَا جرى على الْقُرُون الخلية ﴿وتَعِيَها أذنٌ واعِيَة﴾ ﴿فَهَل تَرَى لَهُمْ من بَاقِيَة﴾ ولنقتدي بِمن تقدمنا من الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة الصلحاء وَنَرْجُو بِتَوْفِيق الله أَن نَجْتَمِع بِمن يدْخل الْجنَّة مِنْهُم ونذاكرهم بِمَا نقل إِلَيْنَا عَنْهُم وَذَلِكَ على رغم أنف من عدم الْأَدَب وَلم يكن لَهُ فِي هَذَا الْعلم أرب بل أَقَامَ على غية وأكب والمرء مَعَ من أحب هَذَا وَإِن الْجَاهِل بِعلم التَّارِيخ راكبُ عمياء خابط خبط عشواء ينْسب إِلَى من تقدم أَخْبَار من تَأَخّر ويعكس ذَلِك وَلَا يتدبر وَإِن رد عَلَيْهِ وهمه لَا يتأثر وَإِن ذكر فلجهله لَا يتَذَكَّر لَا يفرق بَين صَحَابِيّ وتابعي وحنفي ومالكي وشافعي وَلَا بَين خَليفَة وأمير وسلطان ووزير وَلَا يعرف من سيرة نبيه ﷺ أَكثر من أَنه نَبِي مُرْسل فَكيف لَهُ بِمَعْرِِفَة أَصْحَابه وَذَلِكَ الصَّدْر

стр. 6

الأول الَّذين بذكرهم ترتاح النُّفُوس وَيذْهب البوس وَلَقَد رَأَيْت مَجْلِسا جمع ثَلَاثَة عشر مدرسا وَفِيهِمْ قَاضِي الْقُضَاة لذَلِك الزَّمَان وَغَيره من الْأَعْيَان فَجرى بَينهم وَأَنا أسمع ذكر من تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة وهم ذَوُو الْقُرْبَى المذكورون فِي الْقُرْآن فَقَالَ جَمِيعهم بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب وَعدلُوا بأجمعهم فِي ذَلِك عَمَّا يجب فتعجبت من جهلهم حَيْثُ لم يفرقُوا بَين عبد الْمطلب وَالْمطلب وَلم يهتدوا إِلَى أَن الْمطلب هُوَ عَم عبد الْمطلب وَأَن عبد الْمطلب هُوَ ابْن هَاشم فَمَا أحقهم بلوم كل لائم إِذْ هَذَا أصل من أصُول الشَّرِيعَة قد أهملوه وَبَاب من أَبْوَاب الْعلم جهلوه وَلزِمَ من قَوْلهم إِخْرَاج بني الْمطلب من هَذِه الفضيله فابتغيت إِلَى الله تَعَالَى الْوَسِيلَة وأنفت لنَفْسي من ذَلِك الْمقَام فأخذتها بِعلم أَخْبَار الْأَنَام وَتَصْحِيح نسبتها وإيضاح محجتها فَإِن كثيرا مِمَّن يحفظ شَيْئا من الوقائع يفوتهُ معرفَة نسبتها إِلَى أَرْبَابهَا وَإِن نَسَبهَا خلط فِيهَا وصرفها عَن أَصْحَابهَا وَهُوَ بَاب وَاسع غزير الْفَوَائِد صَعب المصادر والموارد زلت فِيهِ قدم كثير من نقلة الْأَخْبَار ورواة الْآثَار ثمَّ أردْت أَن أجمع من هَذَا الْعلم كتابا يكون حاويا لما حصلته وأتقن فِيهِ مَا خبرته فعمدت إِلَى أكبر كتاب وضع فِي هَذَا الْفَنّ على طَريقَة الْمُحدثين وَهُوَ تَارِيخ مَدِينَة دمشق حماها الله الَّذِي صنفه الْحَافِظ الثِّقَة أَبُو الْقَاسِم على بن الْحسن العساكري ﵀ وَهُوَ ثَمَانِي

стр. 7

مئة جُزْء فِي ثَمَانِينَ مجلدا فاختصرته وهذبته وزدته فَوَائِد من كتب أُخْرَى جليلة وأتقنته ووقف عَلَيْهِ الْعلمَاء وسَمعه الشُّيُوخ والفضلاء وَمر بِي فِيهِ من الْمُلُوك المتاخرين تَرْجَمَة الْملك الْعَادِل نور الدّين فأطربني مَا رَأَيْت من آثاره وَسمعت من أخباره مَعَ تَأَخّر زَمَانه وَتغَير خلانه ثمَّ وقفت بعد ذَلِك فِي غير هَذَا الْكتاب على سيرة سيد الْمُلُوك بعده الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فوجدتهما فِي المتاخرين كالعمرين ﵄ فِي الْمُتَقَدِّمين فَإِن كل ثَان من الْفَرِيقَيْنِ حذا حَذْو من تقدمه فِي الْعدْل وَالْجهَاد واجتهد فِي إعزاز دين الله أَي اجْتِهَاد وهما ملكا بَلْدَتنَا وسلطانا خطتنا الله تَعَالَى بهما فَوَجَبَ علينا القايم بِذكر فضلهما فعزمت على إِفْرَاد ذكر دولتيهما بتصنيف يتَضَمَّن التقريظ لَهما والتعريف فَلَعَلَّهُ يقف عَلَيْهِ من الْمُلُوك من يسْلك فِي ولَايَته ذَلِك السلوك فَلَا أبعد أَنَّهُمَا حجَّة من الله على الْمُلُوك الْمُتَأَخِّرين وذكرى مِنْهُ سُبْحَانَهُ فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُم قد يستبعدون من أنفسهم طَريقَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن حذا حذوهم من الْأَئِمَّة السَّابِقين وَيَقُولُونَ نَحن فِي الزَّمن الْأَخير وَمَا لأولئك من نَظِير فَكَانَ فِيمَا قدر الله سُبْحَانَهُ من سيرة هذَيْن الْملكَيْنِ إِلْزَام الْحجَّة عَلَيْهِم بِمن هُوَ فِي عصرهم من بعض مُلُوك دهرهم فَلَنْ يعجز عَن التَّشَبُّه بهما أحد إِن وفْق الله تَعَالَى الْكَرِيم وسدد وَأخذت ذَلِك من قَول أبي صَالح شُعَيْب بن حَرْب الْمَدَائِنِي ﵀ وَكَانَ أحد السَّادة الأكابر فِي الْحِفْظ وَالدّين قَالَ إِنِّي لأحسب يجاء بسفيان الثَّوْريّ يَوْم الْقِيَامَة حجَّة من الله تَعَالَى على هَذَا الْخلق يُقَال لَهُم إِن لم تدركوا نَبِيكُم فقد أدركتم سُفْيَان أَلا اقْتَدَيْتُمْ بِهِ وَهَكَذَا أَقُول هَذَانِ حجَّة على الْمُتَأَخِّرين من الْمُلُوك والسلاطين فَلِله درهما من ملكَيْنِ تعاقبا على حسن السِّيرَة وَجَمِيل السريرة وهما حَنَفِيّ وشافعي شفى الله بهما كل عي وَظَهَرت بهما من خالقهما الْعِنَايَة فتقاربا حَتَّى فِي

стр. 8

الْعُمر وَمُدَّة الْولَايَة وَهَذِه نُكْتَة قل من فطن لَهَا وَنبهَ عَلَيْهَا ولطيفة هَدَانِي الله بتوفيقه إِلَيْهَا وَذَلِكَ أَن نور الدّين ﵀ ولد سنة إِحْدَى عشرَة وَخمْس مئة وَتُوفِّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَولد صَلَاح الدّين ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة وَتُوفِّي سنة تسع وَثَمَانِينَ فَكَانَ نور الدّين أسن من صَلَاح الدّين بِسنة وَاحِدَة وَبَعض أُخْرَى وَكِلَاهُمَا لم يستكمل سِتِّينَ سنة فَانْظُر كَيفَ اتّفق أَن بَين وفاتيهما عشْرين سنة وَبَين مولديهما إِحْدَى وَعشْرين سنة وَملك نور الدّين دمشق سنة تسع وَأَرْبَعين وملكها صَلَاح الدّين سنة سبعين فَبَقيت دمشق فِي المملكة النورية عشْرين سنة وَفِي المملكة الصلاحية تسع عشرَة سنة تمحى فِيهَا السَّيئَة وتكتب الْحَسَنَة وَهَذَا من عَجِيب مَا اتّفق فِي الْعُمر وَمُدَّة الْولَايَة ببلدة مُعينَة لملكين متعاقبين مَعَ قرب الشّبَه بَينهمَا فِي سيرتيهما وَالْفضل للمتقدم فَكَأَن زِيَادَة مُدَّة نور الدّين كالتنبيه على زِيَادَة فَضله والإرشاد إِلَى عظم مَحَله فَإِنَّهُ أصل ذَلِك الْخَيْر كُله مهد الْأُمُور بعدله وجهاده وهيبته فِي جَمِيع بِلَاده مَعَ شدَّة الفتق واتساع الْخرق وَفتح من الْبِلَاد مَا استعين بِهِ على مداومة الْجِهَاد فهان على من بعده على الْحَقِيقَة سلوك تِلْكَ الطَّرِيقَة لَكِن صَلَاح الدّين أَكثر جهادا وأعم بلادا صَبر وصابر ورابط وثابر

стр. 9

وَذخر الله لَهُ من الْفتُوح أنفسه وَهُوَ فتح الأَرْض المقدسة فرضى الله عَنْهُمَا فَمَا أحقهما بقول الشَّاعِر (كم ترك الأول للْآخر) (وألبس الله هاتيك الْعِظَام وَإِن ... بلين تَحت الثرى عفوا وغفرانا) (سقى ثرى أودعوه رَحْمَة مَلَأت ... مثوى قُبُورهم روحا وريحانا) وَقد سبقني إِلَى تدوين مآثرهما جمَاعَة من الْعلمَاء والأكابر الْفُضَلَاء فَذكر الْحَافِظ الثِّقَة أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن الدِّمَشْقِي فِي تَارِيخه تَرْجَمَة حَسَنَة لنُور الدّين مَحْمُود بن زنكي رَحْمَة الله ولأجله تمم ذَلِك الْكتاب وَذكر اسْمه فِي خطبَته وَذكر الرئيس أَبُو يعلى حَمْزَة بن أَسد التَّمِيمِي فِي مذيل التَّارِيخ الدِّمَشْقِي قِطْعَة صَالِحَة من أَوَائِل الدولة النورية إِلَى سنة خمس وَخمسين

стр. 10

وَخمْس مئة وصنف الشَّيْخ الْفَاضِل عز الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي عرف بِابْن الْأَثِير مجلدة فِي الْأَيَّام الأتابكية كلهَا وَمَا جرى فِيهَا وَفِيه شئ من أَخْبَار الدولة الصلاحية لتَعلق إِحْدَى الدولتين بِالْأُخْرَى لكَونهَا متفرعة عَنْهَا وصنف القَاضِي بهاء الدّين أَبُو المحاسن يُوسُف بن رَافع بن تمبم الْموصِلِي عرف بِابْن شَدَّاد قَاضِي حلب مجلدة فِي الْأَيَّام الصلاحية وسَاق مَا تيَسّر فِيهَا من الْفتُوح واستفتح كِتَابه بشرح مَنَاقِب صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وصنف الإِمَام الْعَالم عماد الدّين الْكَاتِب أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الْأَصْفَهَانِي كتابين كِلَاهُمَا مسجوع متقن بالألفاظ الفصيحة والمعاني الصَّحِيحَة أَحدهمَا الْفَتْح الْقُدسِي اقْتصر فِيهِ على فتوح صَلَاح الدّين

стр. 11

وَسيرَته فاستفتحه بِسنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وَالثَّانِي الْبَرْق الشَّامي ذكر فِيهِ الوقائع والحوادث من الْغَزَوَات والفتوحات وَغَيرهمَا مِمَّا وَقع من سنة وُرُوده دمشق وَهِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخمْس مئة إِلَى سنة وَفَاة صَلَاح الدّين وَهِي سنة تسع وَثَمَانِينَ فَاشْتَمَلَ على قِطْعَة كَبِيرَة من أَخْبَار أَوَاخِر الدولة النورية إِلَّا أَن الْعِمَاد فِي كِتَابيه طَوِيل النَّفس فِي السجع وَالْوَصْف يمل النَّاظر فِيهِ وَيذْهل طَالب معرفَة الوقائع عَمَّا سبق من القَوْل وينسيه فحذفت تِلْكَ الأسجاع إِلَّا قَلِيلا مِنْهَا استحسنتها فِي موَاضعهَا وَلم تَكُ خَارِجَة عَن الْغَرَض الْمَقْصُود من التَّعْرِيف بالحوادث والوقائع نَحْو مَا ستراه فِي أَخْبَار فتح بَيت الْمُقَدّس شرفه الله تَعَالَى وانتزعت الْمَقْصُود من الْأَخْبَار من بَين تِلْكَ الرسائل الطوَال والأسجاع المفضية إِلَى الملال وَأَرَدْت أَن يفهم الْكَلَام الْخَاص وَالْعَام واخترت من

стр. 12

تِلْكَ الْأَشْعَار الْكَثِيرَة قَلِيلا مِمَّا يتَعَلَّق بالقصص وَشرح الْحَال وَمَا فِيهِ نُكْتَة غَرِيبَة وَفَائِدَة لَطِيفَة ووقفت على مجلدات من الرسائل الْفَاضِلِيَّةِ وعَلى جملَة من الْأَشْعَار الْعمادِيَّة مِمَّا ذكره فِي ديوانه دون برقه وعَلى كتب أخر من دواوين وَغَيرهَا فالتقطت مِنْهَا أَشْيَاء مِمَّا يتَعَلَّق بالدولتين أَو بِإِحْدَاهُمَا وَبَعضه سمعته من أَفْوَاه الرِّجَال الثِّقَات وَمن المدركين لتِلْك الْأَوْقَات فاختصرت جَمِيع مَا فِي ذَلِك من أَخْبَار الدولتين وَمَا حدث فِي مدتهما من وَفَاة خَليفَة أَو وَزِير أَو أَمِير كَبِير أَو ذى قدر خطير وَغير ذَلِك فجَاء مجموعا لطيفا وكتابا ظريفا يصلح لمطالعة الْمُلُوك والأكابر من ذَوي المآثر والمفاخر وسميته ((كتاب الروضتين فِي أَخْبَار الدولتين)) وَللَّه در حبيب بن أَوْس حَيْثُ يَقُول (ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام) فصل أما الدولة النورية فسلطانها الْملك الْعَادِل نور الدّين أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن عماد الدّين أتابك وَهُوَ أَبُو سعيد زنكى بن قسيم الدولة آق سنقر

стр. 13

التركي ويلقب زنكي أَيْضا بلقب وَالِده قسيم الدولة وَيُقَال لنُور الدّين ابْن القسيم وسنتكلم على أَخْبَار أسلافه عِنْد بسط أَوْصَافه وقدمت من إِجْمَال أَحْوَاله مَا يسْتَدلّ بِهِ على أَفعاله ذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه أَنه ولد سنة إِحْدَى عشرَة وَخمْس مئة وَأَن جده آق سنقر ولي حلب وَغَيرهَا من بِلَاد الشَّام وَنَشَأ أَبوهُ زنكي بالعراق ثمَّ ولي ديار الْموصل والبلاد الشامية وَظَهَرت كِفَايَته فِي مُقَابلَة الْعَدو عِنْد نُزُوله على شيزر حَتَّى رَجَعَ خائبا وَفتح الرها والمعرة وكفرطاب وَغَيرهَا من الْحُصُون الشامية واستنقذها من أيدى الْكفَّار فَلَمَّا انْقَضى أَجله قَامَ ابْنه نور الدّين مقَامه وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخمْس ومئة ثمَّ قصد نور الدّين حلب فملكها وَخرج غازيا فِي أَعمال تل بَاشر فَافْتتحَ حصونا كَثِيرَة من جُمْلَتهَا قلعة عزاز ومرعش وتل خَالِد وَكسر إبرنس أنطاكية وَقَتله وَثَلَاثَة آلَاف فرنجي مَعَه وَأظْهر بحلب السّنة وَغير الْبِدْعَة الَّتِي كَانَت لَهُم فِي التأذين وقمع بهَا الرافضة وَبنى بهَا الْمدَارِس ووقف الْأَوْقَاف وَأظْهر الْعدْل وحاصر دمشق مرَّتَيْنِ وَفتحهَا فِي الثَّالِثَة فضبط أمورها وحصن سورها وَبنى بهَا الْمدَارِس والمساجد وَأصْلح طرقها ووسع أسواقها وَمنع من أَخذ مَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم من المغارم المغارم بدار الْبِطِّيخ وسوق الْغنم والكيالة وَغَيرهَا وعاقب على شرب الْخمر واستنقذ من الْعَدو ثغر بانياس والمنيطرة وَغَيرهمَا وَكَانَ فِي الْحَرْب ثَابت الْقدَم حسن الرمى صَلِيب الضَّرْب يقدم أَصْحَابه ويتعرض للشَّهَادَة وَكَانَ يسال الله تَعَالَى أَن يحشره من بطُون السبَاع وحواصل الطير ووقف رَحمَه الله تَعَالَى وقوفا على المرضى ومعلمي الْخط وَالْقُرْآن وساكني الْحَرَمَيْنِ وأقطع

стр. 14

أُمَرَاء الْعَرَب لِئَلَّا يتَعَرَّضُوا للحجاج وَأمر بأكمال سور الْمَدِينَة واستخراج الْعين الَّتِي بِأحد وَبنى الرَّبْط والجسور والخانات وجدد كثيرا من قني السَّبِيل وَكَذَا صنع فِي غير دمشق من الْبِلَاد الَّتِي ملكهَا ووقف كتبا كَثِيرَة وَحصل فِي أسره جمَاعَة من أُمَرَاء الفرنج وَكسر الرّوم والأرمن والفرنج على حارم وَكَانَ عدتهمْ ثَلَاثِينَ ألفا ثمَّ فتح حارم وَأخذ أَكثر قرى أنطاكية ثمَّ فتح الديار المصرية وَكَانَ الْعَدو قد اشرف على أَخذهَا ثمَّ أظهر بهَا السّنة وانقمعت الْبِدْعَة وَكَانَ حسن الْخط كثير المطالعة للكتب الدِّينِيَّة مُتبعا للآثار النَّبَوِيَّة مواظبا على الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات عاكفاً على تِلَاوَة الْقُرْآن حَرِيصًا على فعل الْخَيْر عفيف الْبَطن والفرج مقتصدا فِي الْإِنْفَاق متحريا فِي المطاعم والملابس لم تسمع مِنْهُ كلمة فحش فِي رِضَاهُ وَلَا فِي ضجره وأشهى مَا إِلَيْهِ كلمة حق يسْمعهَا أَو إرشاد إِلَى سنة يتبعهَا وَقَالَ أَبُو الْحسن ابْن الْأَثِير قد طالعت تواريخ الْمُلُوك الْمُتَقَدِّمين قبل الْإِسْلَام وَفِيه إِلَى يَوْمنَا هَذَا فَلم أر فِيهَا بعد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَعمر بن عبد الْعَزِيز ملكا أحسن سيرة من الْملك الْعَادِل نور الدّين وَلَا أَكثر تحريا للعدل والإنصاف مِنْهُ قد قصر ليله ونهاره على عدل ينشره وَجِهَاد يتجهز لَهُ ومظلمة يزيلها وَعبادَة يقوم بهَا وإحسان يوليه وإنعام يسديه وَنحن نذْكر مَا نعلم بِهِ مَحَله فِي أَمر دُنْيَاهُ وأخراه فَلَو كَانَ فِي أمة لافتخرت بِهِ فَكيف بَيت وَاحِد أما زهده وعبادته وَعلمه فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ سَعَة ملكه وَكَثْرَة ذخائر بِلَاده وأموالها لَا يَأْكُل وَلَا يلبس وَلَا يتَصَرَّف فِيمَا يَخُصُّهُ إِلَّا من ملك كَانَ لَهُ قد اشْتَرَاهُ

стр. 15

من سَهْمه من الْغَنِيمَة وَمن الْأَمْوَال المرصدة لمصَالح الْمُسلمين أحضر الْفُقَهَاء واستفتاهم فِي أَخذ مَا يحل لَهُ من ذَلِك فَأخذ مَا أفتوه بحله وَلم يتعده إِلَى غَيره الْبَتَّةَ وَلم يلبس قطّ مَا حرمه الشَّرْع من حَرِير أَو ذهب أَو فضَّة وَمنع من شرب الْخمر وَبَيْعهَا فِي جَمِيع بِلَاده وَمن إدخالها إِلَى بلد مَا وَكَانَ يحد شاربها الْحَد الشَّرْعِيّ كل النَّاس عِنْده فِيهِ سَوَاء حَدثنِي صديق لنا بِدِمَشْق كَانَ رَضِيع الخاتون ابْنة معِين الدّين زَوْجَة نور الدّين ووزيرها قَالَ كَانَ نور الدّين إِذا جَاءَ إِلَيْهَا يجلس فِي الْمَكَان الْمُخْتَص بِهِ وَتقوم فِي خدمته لَا تتقدم إِلَيْهِ إِلَّا أَن يَأْذَن فِي أَخذ ثِيَابه عَنهُ ثمَّ تَعْتَزِل عَنهُ إِلَى الْمَكَان الَّذِي يخْتَص بهَا ويتفرد هُوَ تَارَة يطالع رقاع أَصْحَاب الأشغال أَو فِي مطالعة كتاب أَتَاهُ ويجيب عَنْهُمَا وَكَانَ يُصَلِّي فيطيل الصَّلَاة وَله أوراد فِي النَّهَار فَإِذا جَاءَ اللَّيْل وَصلى الْعشَاء ونام يَسْتَيْقِظ نصف اللَّيْل وَيقوم إِلَى الْوضُوء وَالصَّلَاة إِلَى بكرَة فَيظْهر للرُّكُوب ويشتغل بمهام الدولة قَالَ وَإِنَّهَا قلت عَلَيْهَا النَّفَقَة وَلم يكفها مَا كَانَ قَرَّرَهُ لَهَا فأرسلتني إِلَيْهِ أطلب مِنْهُ زِيَادَة فِي وظيفتها فَلَمَّا قلت لَهُ ذَلِك تنكر وأحمر وَجهه ثمَّ قَالَ من ايْنَ أعطيها أما يكفيها مَالهَا وَالله لَا أخوض نَار جَهَنَّم فِي هَواهَا إِن كَانَت تظن أَن الَّذِي بيدى من الْأَمْوَال هِيَ لي فبئس الظَّن إِنَّمَا هِيَ أَمْوَال الْمُسلمين مرصدة لمصالحهم ومعدة لفتق إِن كَانَ

стр. 16

من عَدو الْإِسْلَام وَأَنا خازنهم عَلَيْهَا فَلَا أخونهم فِيهَا ثمَّ قَالَ لي بِمَدِينَة حمص ثَلَاثَة دكاكين ملكا وَقد وهبتها إِيَّاهَا فلتأخذها قَالَ وَكَانَ يحصل مِنْهَا قدر قَلِيل قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ ﵀ لَا يفعل فعلا إِلَّا بنية حَسَنَة كَانَ بالجزيرة رجل من الصَّالِحين كثير الْعِبَادَة والورع شَدِيد الِانْقِطَاع عَن النَّاس وَكَانَ نور الدّين يكاتبه ويراسله وَيرجع إِلَى قَوْله ويعتقد فِيهِ اعتقادا حسنا فَبَلغهُ أَن نور الدّين يدمن اللّعب بالكرة فَكتب إِلَيْهِ يَقُول مَا كنت أَظُنك تلهو وتلعب وتعذب الْخَيل لغير فَائِدَة دينية فَكتب إِلَيْهِ نور الدّين بِخَط يَده يَقُول وَالله مَا يحملني على اللّعب بالكرة اللَّهْو والبطر إِنَّمَا نَحن فِي ثغر الْعَدو قريب منا وبينما نَحن جُلُوس إِذْ يَقع صَوت فنركب فِي الطّلب وَلَا يمكننا أَيْضا مُلَازمَة الْجِهَاد لَيْلًا وَنَهَارًا شتاء وصيفا إِذْ لابد من الرَّاحَة للجند وَمَتى تركنَا الْخَيل على مرابطها صَارَت جماما لَا قدرَة لَهَا على إدمان السّير فِي الطّلب وَلَا معرفَة لَهَا أَيْضا بِسُرْعَة الانعطاف فِي الْكر والفر فِي المعركة فَنحْن نركبها ونروضها بِهَذَا اللّعب فَيذْهب جمامها وتتعود سرعَة الانعطاف وَالطَّاعَة لراكبها فِي الْحَرْب فَهَذَا وَالله الَّذِي بَعَثَنِي على اللّعب بالكرة

стр. 17

قَالَ ابْن الْأَثِير فَانْظُر إِلَى هَذَا الْملك الْمَعْدُوم النظير الَّذِي يقل فِي أَصْحَاب الزوايا المنقطعين إِلَى الْعِبَادَة مثله فَإِن من يجئ إِلَى اللّعب يَفْعَله بنية صَالِحَة حَتَّى يصير من أعظم الْعِبَادَات وأكبر القربات يقل فِي الْعَالم مثله وَفِيه دَلِيل على أَنه كَانَ لَا يفعل شَيْئا إِلَّا بنية صَالِحَة وَهَذِه أَفعَال الْعلمَاء الصَّالِحين العاملين قَالَ وَحكي لي عَنهُ أَنه حمل إِلَيْهِ من مصر عِمَامَة من الْقصب الرفيع مذهبَة فَلم يحضرها عِنْده فوصفت لَهُ فَلم يلْتَفت إِلَيْهَا وَبينا هم مَعَه فِي حَدِيثهَا وَإِذا قد جَاءَهُ رجل صوفي فامر بهَا لَهُ فَقيل لَهُ إِنَّهَا لَا تصلح لهَذَا الرجل وَلَو أعطي غَيرهَا كَانَ أَنْفَع لَهُ فَقَالَ أعطوها لَهُ فَإِنِّي أَرْجُو أَن أعوض عَنْهَا فِي الْآخِرَة فَسلمت إِلَيْهِ فَسَار بهَا إِلَى بَغْدَاد فَبَاعَهَا بست مئة دِينَار أَمِيري أَو سبع مئة دِينَار قلت قَرَأت فِي حَاشِيَة هَذَا الْمَكَان من = كتاب ابْن الْأَثِير = بِخَط ابْن الْمُعْطِي إِيَّاهَا قَالَ أَعْطَاهَا لشيخ الصُّوفِيَّة عماد الدّين أَبى الْفَتْح بن حمويه بِغَيْر طلب وَلَا رَغْبَة فبعثها إِلَى همذان فبيعت بِأَلف دِينَار قَالَ ابْن الْأَثِير وَحكى لنا الْأَمِير بهاء الدّين على بن السكرى وَكَانَ خصيصا بِخِدْمَة نور الدّين قد صَحبه من الصِّبَا وَأنس بِهِ وَله مَعَه انبساط

стр. 18

قَالَ كنت مَعَه يَوْمًا فِي الميدان بالرها وَالشَّمْس فِي ظُهُورنَا فَكلما سرنا تقدمنا الظل فَلَمَّا عدنا صَار الظل وَرَاء ظُهُورنَا فاجرى فرسه وَهُوَ يلْتَفت وَرَاءه وَقَالَ لي أَتَدْرِي لأي شَيْء أجري فرسي وألتفت ورائي قلت لَا قَالَ قد شبهت مَا نَحن فِيهِ بالدنيا تهرب مِمَّن يطْلبهَا وتطلب من يهرب مِنْهَا قلت رضى الله عَن ملك يفكر فِي مثل هَذَا وَقد أنشدت بَيْتَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنى (مثل الرزق الَّذِي تطلبه ... مثل الظل الَّذِي يمشي مَعَك) (أَنْت لَا تُدْرِكهُ متَّبِعاً ... فَإِذا ولّيت عَنهُ تبعك) قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ يعْنى نور الدّين ﵀ يصلى كثيرا من اللَّيْل وَيَدْعُو ويستغفر وَيقْرَأ وَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن يركب (جمع الشجَاعَة والخشوع لرَبه ... مَا أحسن الْمِحْرَاب فِي الْمِحْرَاب) قَالَ وَكَانَ عَارِفًا بالفقه على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ لَيْسَ عِنْده تعصب بل الْإِنْصَاف سجيته فِي كل شَيْء وَسمع الحَدِيث وأسمعه طلبا لِلْأجرِ وعَلى الْحَقِيقَة فَهُوَ الَّذِي جدد للملوك اتِّبَاع سنة الْعدْل والإنصاف وَترك الْمُحرمَات من المأكل وَالْمشْرَب والملبس وَغير ذَلِك فَإِنَّهُم كَانُوا قبله كالجاهلية هم أحدهم بَطْنه وفرجه لَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا حَتَّى جَاءَ الله بدولته فَوقف مَعَ أوَامِر الشَّرْع ونواهيه وألزم بذلك أَتْبَاعه وَذَوِيهِ فاقتدى بِهِ غَيره مِنْهُم واستحيوا أَن يظْهر عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ (وَمن سنّ سنة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة)

стр. 19

قَالَ فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ يُوصف بالزهد من لَهُ الممالك الفسيحة وتجبى إِلَيْهِ الْأَمْوَال الْكَثِيرَة فليذكر نَبِي الله سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ مَعَ ملكه وَهُوَ سد الزاهدين فِي زَمَانه وَنَبِينَا ﷺ قد حكم على حَضرمَوْت واليمن والحجاز وَجَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب من حُدُود الشَّام إِلَى الْعرَاق وَهُوَ على الْحَقِيقَة سيد الزاهدين قَالَ وَإِنَّمَا الزّهْد خلو الْقلب من محبَّة الدُّنْيَا لَا خلو الْيَد عَنْهَا قَالَ وَأما عدله فَإِنَّهُ كَانَ أحسن الْمُلُوك سيرة وأعدلهم حكما فَمن عدله أَنه لم يتْرك فِي بلد من بِلَاده ضريبة وَلَا مكسا وَلَا عشرا بل أطلقها رَحْمَة الله جَمِيعهَا فِي بِلَاد الشَّام والجزيرة جَمِيعهَا والموصل وأعمالها وديار مصر وَغَيرهَا مِمَّا حكم عَلَيْهِ وَكَانَ المكس فِي مصر يُؤْخَذ من كل مئة دِينَار خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ دِينَارا فأطلقها وَهَذَا لم تتسع لَهُ نفس غَيره وَكَانَ يتحَرَّى الْعدْل وينصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم كَائِنا من كَانَ القوى والضعيف عِنْده فِي الْحق سَوَاء وَكَانَ يسمع شكوى الْمَظْلُوم ويتولى كشف حَاله بِنَفسِهِ وَلَا يكل ذَلِك إِلَى حَاجِب وَلَا أَمِير فَلَا جَرَمَ سَار ذكره فِي شَرق الأَرْض وغربها قَالَ وَمن عدله أَنه كَانَ يعظم الشَّرِيعَة المطهرة وَيقف عِنْد أَحْكَامهَا وَيَقُول نَحن شحن لما نُمضي أوامرها فَمن اتِّبَاعه أَحْكَامهَا أَنه كَانَ يلْعَب بِدِمَشْق بالكرة فَرَأى إنْسَانا يحدث آخر ويومئ بِيَدِهِ إِلَيْهِ فارسل إِلَيْهِ يساله عَن حَاله فَقَالَ لي مَعَ الْملك الْعَادِل حُكُومَة وَهَذَا غُلَام القَاضِي

стр. 20

ليحضره إِلَى مجْلِس الحكم يحاكمني على الْملك الْفُلَانِيّ فَعَاد إِلَيْهِ وَلم يتجاسر يعرفهُ مَا قَالَ ذَلِك الرجل وَعَاد يَكْتُمهُ فَلم يقبل مِنْهُ غير الْحق فَذكر لَهُ قَوْله فَألْقى الجوكان من يَده وَخرج من الميدان وَسَار إِلَى القَاضِي وَهُوَ حِينَئِذٍ كَمَال الدّين بن الشهرزوري وَأرْسل إِلَى القَاضِي يَقُول لَهُ إِنَّنِي قد جِئْت محاكما فاسلك معي مثل مَا تسلكه مَعَ غَيْرِي فَلَمَّا حضر سَاوَى خَصمه وخاصمه وحاكمه فَلم يثبت عَلَيْهِ حق وَثَبت الْملك لنُور الدّين فَقَالَ نور الدّين حِينَئِذٍ للْقَاضِي وَلمن حضر هَل ثبَت لَهُ عِنْدِي حق قَالُوا لَا فَقَالَ اشْهَدُوا أنني قد وهبت لَهُ هَذَا الْملك الَّذِي قد حاكمني عَلَيْهِ وهُوَ لَهُ دوني وَقد كنت أعلم أَن لَا حق لَهُ عِنْدِي وَإِنَّمَا حضرت مَعَه لِئَلَّا يظنّ بِي أَنِّي ظلمته فَحَيْثُ ظهر أَن الْحق لي وهبته لَهُ قَالَ ابْن الْأَثِير وَهَذَا غَايَة الْعدْل والإنصاف بل غَايَة الْإِحْسَان وَهِي دَرَجَة وَرَاء الْعدْل فرحم الله هَذِه النَّفس الزكية الطاهرة المنقادة إِلَى الْحق الواقفة مَعَه قلت وَهَذَا مستكثر من ملك مُتَأَخّر بعد فَسَاد الْأَزْمِنَة وتفرق الْكَلِمَة وَإِلَّا فقد انْقَادَ إِلَى الْمُضِيّ إِلَى مجْلِس الحكم جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين مثل عمر وَعلي وَمُعَاوِيَة ﵃ ثمَّ حكى نَحْو ذَلِك عَن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَقد نقلنا ذَلِك كُله فِي التَّارِيخ الْكَبِير وَفِيه عَن عبد الله بن

стр. 21

طَاهِر قريب من هَذَا لكنه أحضر الْحَاكِم عِنْده وَلم يمض إِلَيْهِ وَقد بَلغنِي أَن نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى استُدعى مرّة أُخْرَى بحلب إِلَى مجْلِس الحكم بِنَفسِهِ أَو نَائِبه فَدخل حَاجِبه عَلَيْهِ مُتَعَجِّبا وأعلمه أَن رَسُول الْحَاكِم بِالْبَابِ فَأنْكر عَلَيْهِ تعجبه وَقَامَ ﵀ مسرعا وَوجد فِي أثْنَاء طَرِيقه مَا مَنعه من العبور من حفر جب بعض الحشوش واستخراج مَا فِيهِ فَوكل من ثمَّ وَكيلا واشهد عَلَيْهِ شَاهِدين بِالتَّوْكِيلِ وَرجع قَالَ ابْن الْأَثِير وَمن عدله انه لم يكن يُعَاقب الْعقُوبَة الَّتِي يُعَاقب بهَا الْمُلُوك فِي هَذِه الْأَعْصَار على الظنة والتهمة بل يطْلب الشُّهُود على الْمُتَّهم فَإِن قَامَت الْبَيِّنَة الشَّرْعِيَّة عاقبه الْعقُوبَة الشَّرْعِيَّة من غير تعد فَدفع الله بِهَذَا الْفِعْل عَن النَّاس من الشَّرّ مَا يُوجد فِي غير ولَايَته مَعَ شدَّة السياسة وَالْمُبَالغَة فِي الْعقُوبَة وَالْأَخْذ بالظنة وَأمنت بِلَاده مَعَ سعتها وَقل المفسدون ببركة الْعدْل وَاتِّبَاع الشَّرْع المطهر قَالَ وَحكى لي من أَثِق بِهِ أَنه دخل يَوْمًا إِلَى خزانَة المَال فَرَأى فِيهَا مَالا أنكرهُ فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِن القَاضِي كَمَال الدّين أرْسلهُ وَهُوَ من جِهَة كَذَا فَقَالَ إِن هَذَا المَال لَيْسَ لنا وَلَا لبيت المَال فِي هَذِه الْجِهَة شَيْء وَأمر برده وإعادته إِلَى كَمَال الدّين ليَرُدهُ على صَاحبه فَأرْسلهُ مُتَوَلِّي الخزانة إِلَى كَمَال الدّين فَرده إِلَى الخزانة وَقَالَ إِذا سَالَ الْملك الْعَادِل عَنهُ فَقولُوا لَهُ

стр. 22

عني إِنَّه لَهُ فَدخل نور الدّين الخزانة مرّة أُخْرَى فَرَآهُ فَأنْكر على النواب وَقَالَ ألم أقل لكم يُعَاد هَذَا المَال على أَصْحَابه فَذكرُوا لَهُ قَول كَمَال الدّين فَرده إِلَيْهِ وَقَالَ للرسول قل لكَمَال الدّين أَنْت تقدر على حمل هَذَا وَأما أَنا فرقبتي دقيقة لَا أُطِيق حمله والمخاصمة عَلَيْهِ بَين يَدي الله تَعَالَى يُعاد قولا وَاحِدًا قَالَ وَمن عدله أَيْضا بعد مَوته وَهُوَ من أعجب مَا يحْكى أَن إنْسَانا كَانَ بِدِمَشْق غَرِيبا استوطنها وَأقَام بهَا لما رأى من عدل نور الدّين ﵀ فَلَمَّا توفى تعدى بعض الأجناد على هَذَا الرجل فَشَكَاهُ فَلم ينصف فَنزل من القلعة وَهُوَ يستغيث ويبكي وَقد شقّ ثَوْبه وَيَقُول يَا نور الدّين لَو رَأَيْتنَا وَمَا نَحن فِيهِ من الظُّلم لرحمتنا أَيْن عدلك وَقصد تربة نور الدّين وَمَعَهُ من الْخلق مَا لَا يُحْصى وَكلهمْ يبكي ويصيح فوصل الْخَبَر إِلَى صَلَاح الدّين وَقيل لَهُ احفظ الْبَلَد والرعية وَإِلَّا خرج عَن يدك فَأرْسل إِلَى ذَلِك الرجل وَهُوَ عِنْد تربة نور الدّين يبكي وَالنَّاس مَعَه فطيب قلبه ووهبه شَيْئا وأنصفه فَبكى أَشد من الأول فَقَالَ لَهُ صَلَاح الدّين لم تبْكي قَالَ أبكى على سُلْطَان عدل فِينَا بعد مَوته فَقَالَ صَلَاح الدّين هَذَا هُوَ الْحق وكل مَا ترى فِينَا من عدل فَمِنْهُ تعلمناه قلت وَمن عدله أَن بنى دَار الْعدْل قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ نور الدّين ﵀ أول من بنى دَارا للكشف وسماها دَار الْعدْل وَكَانَ سَبَب بنائها أَنه لما طَال مقَامه بِدِمَشْق وَأقَام بهَا أمراؤه وَفِيهِمْ أَسد الدّين شيركوه وَهُوَ أكبر أَمِير مَعَه وَقد عظم شَأْنه وَعلا مَكَانَهُ حَتَّى صَار كَأَنَّهُ شريك فِي

стр. 23

الْملك واقتنوا الْأَمْلَاك وَأَكْثرُوا وتعدى كل وَاحِد مِنْهُم على من يجاوره فِي قَرْيَة أَو غَيرهَا فكثرت الشكاوى إِلَى كَمَال الدّين فأنصف بَعضهم من بعض وَلم يقدم على الْإِنْصَاف من أَسد الدّين شيركوه فأنهى الْحَال إِلَى نور الدّين فَأمر حِينَئِذٍ ببَناء دَار الْعدْل فَلَمَّا سمع أَسد الدّين بذلك أحضر نوابه جَمِيعهم وَقَالَ لَهُم اعلموا أَن نور الدّين مَا أَمر بِبِنَاء هَذِه الدَّار إِلَّا بسببي وحدي وَإِلَّا فَمن هُوَ الَّذِي يتمنع على كَمَال الدّين وَوَاللَّه لَئِن أحضرت إِلَى دَار الْعدْل بِسَبَب أحدكُم لأصلبنه فامضوا إِلَى كل من بَيْنكُم وَبَينه مُنَازعَة فِي ملك فَافْصِلُوا الْحَال مَعَه وأرضوه بِأَيّ طَرِيق أمكن وَلَو أَتَى ذَلِك على جَمِيع مَا بيَدي فَقَالُوا لَهُ إِن النَّاس إِذا علمُوا هَذَا اشتطوا فِي الطّلب فَقَالَ خُرُوج أملاكي عَن يَدي أسهل على من أَن يراني نور الدّين بِعَين أَنِّي ظَالِم أَو يساوى بيني وَبَين آحَاد الْعَامَّة فِي الْحُكُومَة فَخرج أَصْحَابه من عِنْده وفعلوا مَا أَمرهم وأرضوا خصماءهم وَأشْهدُوا عَلَيْهِم فَلَمَّا فرغت دَار الْعدْل جلس نور الدّين فِيهَا لفصل الحكومات وَكَانَ يجلس فِي الْأُسْبُوع يَوْمَيْنِ وَعِنْده القَاضِي وَالْفُقَهَاء وبقى كَذَلِك مُدَّة فَلم يحضر عِنْده أحد يشكو من أَسد الدّين فَقَالَ نور الدّين لكَمَال الدّين مَا أرى أحدا يشكو من شيركوه فَعرفهُ الْحَال فَسجدَ شكرا لله تَعَالَى وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أَصْحَابنَا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنَا قَالَ ابْن الْأَثِير فَانْظُر إِلَى هَذِه المعدلة مَا أحْسنهَا وَإِلَى هَذِه الهيبة مَا أعظمها وَإِلَى هَذِه السياسة مَا أسدها هَذَا مَعَ أَنه كَانَ لَا يريق دَمًا وَلَا يُبَالغ فِي عُقُوبَة وَإِنَّمَا كَانَ يفعل هَذَا صدقه فِي عدله وَحسن نِيَّته قَالَ وَأما شجاعته وَحسن رَأْيه فقد كَانَت النِّهَايَة إِلَيْهِ فيهمَا فَإِنَّهُ أَصْبِر

стр. 24

النَّاس فِي الْحَرْب وَأَحْسَنهمْ مكيدة ورأيا وأجودهم معرفَة بِأُمُور الأجناد وأحوالهم وَبِه كَانَ يضْرب الْمثل فِي ذَلِك سَمِعت جمعا كثيرا من النَّاس لَا أحصيهم أَنهم لم يرَوا على ظهر الْفرس أحسن مِنْهُ كَأَنَّهُ خلق عَلَيْهِ لَا يَتَحَرَّك وَلَا يتزلزل وَكَانَ من أحسن النَّاس لعبا بالكرة وأقدرهم عَلَيْهَا لم ير جوكانه يَعْلُو على رَأسه وَكَانَ رُبمَا ضرب الكرة وَيجْرِي الْفرس ويتناولها بِيَدِهِ من الْهَوَاء ويرميها إِلَى آخر الميدان وَكَانَت يَده لَا ترى والجوكان فِيهَا بل تكون فِي كم قبائه استهانة باللعب وَكَانَ إِذا حضر الْحَرْب أَخذ قوسين وتركشين وباشر الْقِتَال بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول طالما تعرضت للشَّهَادَة فَلم أدْركهَا سَمعه يَوْمًا الإِمَام قطب الدّين النيسابورى الْفَقِيه الشَّافِعِي وَهُوَ يَقُول ذَلِك فَقَالَ لَهُ بِاللَّه لَا تخاطر بِنَفْسِك وَبِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين فَإنَّك عمادهم وَلَئِن أصبت وَالْعِيَاذ بِاللَّه فِي معركة لَا يبْقى من الْمُسلمين أحد إِلَّا أَخذه السَّيْف وَأخذت الْبِلَاد فَقَالَ يَا قطب الدّين وَمن مَحْمُود حَتَّى يُقَال لَهُ هَذَا قبلى من حفظ الْبِلَاد وَالْإِسْلَام ذَلِك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ قَالَ وَكَانَ ﵀ يكثر إِعْمَال الْحِيَل وَالْمَكْر وَالْخداع مَعَ الفرنج خذلهم الله تَعَالَى وَأكْثر مَا ملكه من بِلَادهمْ بِهِ وَمن جيد الرَّأْي مَا سلكه مَعَ مليح بن ليون ملك الأرمن صَاحب الدروب فَإِنَّهُ مَا زَالَ يخدعه ويستميله حَتَّى جعله فِي خدمته سفرا وحضرا وَكَانَ يُقَاتل بِهِ الإفرنج وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا حَملَنِي على استمالته أَن بِلَاده حَصِينَة وعسرة المسلك

стр. 25

وقلاعه منيعة وَلَيْسَ لنا إِلَيْهَا طَرِيق وَهُوَ يخرج مِنْهَا إِذا أَرَادَ فينال من بِلَاد الْإِسْلَام فَإِذا طلب انحجر فِيهَا فَلَا يقدر عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَيْت الْحَال هَكَذَا بذلت لَهُ شَيْئا من الإقطاع على سَبِيل التَّالِف حَتَّى أجَاب إِلَى طاعتنا وخدمتنا وساعدنا على الفرنج قَالَ وَحَيْثُ توفّي نور الدّين ﵀ وسلك غَيره غير هَذَا الطَّرِيق ملك الْمُتَوَلِي الأرمن بعد مليح كثيرا من بِلَاد الْإِسْلَام وحصونهم وَصَارَ مِنْهُ ضَرَر عَظِيم وخرق وَاسع لَا يُمكن رقعه قَالَ وَمن أحسن الآراء مَا كَانَ يَفْعَله مَعَ أجناده فَإِنَّهُ كَانَ إِذا توفّي أحدهم وَخلف ولدا أقرّ الإقطاع عَلَيْهِ فَإِن كَانَ الْوَلَد كَبِيرا استبد بِنَفسِهِ وَإِن كَانَ صَغِيرا رتب مَعَه رجلا عَاقِلا يَثِق إِلَيْهِ فيتولى أمره إِلَى أَن يكبر فَكَانَ الأجناد يَقُولُونَ هَذِه أملاكناً يَرِثهَا الْوَلَد عَن الْوَالِد فَنحْن نُقَاتِل عَلَيْهَا وَكَانَ ذَلِك سبَباً عَظِيما من الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للصبر فِي الْمشَاهد والحروب وَكَانَ أَيْضا يثبت أَسمَاء أجناد كل أَمِير فِي ديوانه وسلاحهم خوفًا من حرص بعض الْأُمَرَاء وشحه أَن يحملهُ على أَن يقْتَصر على بعض مَا هُوَ مُقَرر عَلَيْهِ من الْعدَد وَيَقُول نَحن كل وَقت فِي النفير فَإِذا لم يكن أجناد كَافَّة الْأُمَرَاء كاملي الْعدَد وَالْعدَد دخل الوهن على الْإِسْلَام قَالَ وَلَقَد صدق ﵁ فِيمَا قَالَ وَأصَاب فِيمَا فعل فَلَقَد رَأينَا مَا خافه عيَانًا قَالَ وَأما مَا فعله فِي بِلَاد الْإِسْلَام من الْمصَالح مِمَّا يعود إِلَى حفظهَا وَحفظ الْمُسلمين فكثير عَظِيم من ذَلِك أَنه بنى أسوار مدن الشَّام جَمِيعهَا

стр. 26

وقلاعها فَمِنْهَا حلب وحماة وحمص ودمشق وبارين وشيزر ومنبج وَغَيرهَا من القلاع والحصون وحصنها وَأحكم بناءها وَأخرج عَلَيْهَا من الْأَمْوَال مَا لَا تسمح بِهِ النُّفُوس وَبنى أَيْضا الْمدَارِس بحلب وحماة ودمشق وَغَيرهَا للشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَبنى الْجَوَامِع فِي جَمِيع الْبِلَاد فجامعه فِي الْموصل إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الْحسن والإتقان وَمن أحسن مَا عمل فِيهِ أَنه فوض أَمر عِمَارَته والخرج عَلَيْهِ إِلَى الشَّيْخ عمر الملاء ﵀ وَهُوَ رجل من الصَّالِحين فَقيل لَهُ إِن هَذَا لَا يصلح لمثل هَذَا الْعَمَل فَقَالَ إِذا وليت الْعَمَل بعض أَصْحَابِي من الأجناد وَالْكتاب أعلم أَنه يظلم فِي بعض الْأَوْقَات وَلَا يَفِي الْجَامِع بظُلْم رجل مُسلم وَإِذا وليت هَذَا الشَّيْخ غلب على ظَنِّي أَنه لَا يظلم فَإِذا ظلم كَانَ الْإِثْم عَلَيْهِ لَا على قَالَ وَهَذَا هُوَ الْفِقْه فِي الْخَلَاص من الظُّلم وَبنى أَيْضا بِمَدِينَة حماة جَامعا على نهر العَاصِي من أحسن الْجَوَامِع وأنزهها وجدد فِي غَيرهَا من عمَارَة الْجَوَامِع مَا كَانَ قد تهدم إِمَّا بزلزلة أَو غَيرهَا وَبنى البيمارستانات فِي الْبِلَاد وَمن أعظمها البيمارستان الَّذِي بناه بِدِمَشْق فَإِنَّهُ عَظِيم كثير الخرج جدا بَلغنِي أَنه لم يَجعله وَقفا على الْفُقَرَاء حسب بل على كَافَّة الْمُسلمين من غَنِي وفقير قلت وَقد وقفت على كتاب وَقفه فَلم أره مشعرا بذلك وَإِنَّمَا هَذَا كَلَام شاع على أَلْسِنَة الْعَامَّة ليَقَع مَا قدره الله تَعَالَى من مزاحمة الْأَغْنِيَاء للْفُقَرَاء فِيهِ وَالله الْمُسْتَعَان وَإِنَّمَا صرح بِأَن مَا يعز وجوده من الْأَدْوِيَة الْكِبَار

стр. 27

وَغَيرهَا لَا يمْنَع مِنْهُ من احْتَاجَ إِلَيْهِ من الْأَغْنِيَاء والفقراء فَخص ذَلِك بذلك فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَعَدَّى إِلَى غَيره لَا سِيمَا وَقد صرح قبل ذَلِك بِأَنَّهُ وقف على الْفُقَرَاء والمنقطعين وَقَالَ بعد ذَلِك من جَاءَ إِلَيْهِ مستوصفا لمرضه أعطي وَرُوِيَ أَن نور الدّين ﵀ شرب من شراب البيمارستان فِيهِ وَذَلِكَ مُوَافق لقَوْله فِي كتاب الْوَقْف من جَاءَ إِلَيْهِ مستوصفا لمرضه أعطي وَالله أعلم وَبَلغنِي فِي أصل بنائِهِ نادرة وَهِي أَن نور الدّين ﵀ وَقع فِي أسره بعض أكَابِر الْمُلُوك من الفرنج خذلهم الله تَعَالَى فَقطع على نَفسه فِي فدائه مَالا عَظِيما فَشَاور نور الدّين أمراءه فَكل أَشَارَ بِعَدَمِ إِطْلَاقه لما كَانَ فِيهِ من الضَّرَر على الْمُسلمين وَمَال نور الدّين إِلَى الْفِدَاء بَعْدَمَا استخار الله تَعَالَى فَأَطْلقهُ لَيْلًا لِئَلَّا يعلم أَصْحَابه وتسلم المَال فَلَمَّا بلغ الفرنجي مأمنه مَاتَ وَبلغ نور الدّين خَبره فَأعْلم أَصْحَابه فتعجبوا من لطف الله تَعَالَى بِالْمُسْلِمين حَيْثُ جمع لَهُم الحُسْنَيَين وهما الْفِدَاء وَمَوْت ذَلِك اللعين فَبنى نور الدّين ﵀ بذلك المَال هَذَا البيمارستان وَمنع المَال الْأُمَرَاء لِأَنَّهُ لم يكن عَن إرادتهم كَانَ وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَبنى أَيْضا الْخَانَات فِي الطّرق فأمن النَّاس وحفظت أَمْوَالهم وَبَاتُوا فِي الشتَاء فِي كن من الْبرد والمطر وَبنى أَيْضا الأبراج على الطّرق بَين الْمُسلمين والفرنج وَجعل فِيهَا من يحفظها وَمَعَهُمْ الطُّيُور الهوادى فَإِذا رَأَوْا من الْعَدو أحدا أرْسلُوا الطُّيُور فَأخذ النَّاس حذرهم واحتاطوا لأَنْفُسِهِمْ فَلم يبلغ الْعَدو مِنْهُم غَرضا وَكَانَ هَذَا من ألطف الْفِكر وأكثرها نفعا

стр. 28

قَالَ وَبنى الرَّبْط والخانقاهات فِي جَمِيع الْبِلَاد للصوفية ووقف عَلَيْهَا الْوُقُوف الْكَثِيرَة وأدر عَلَيْهِم الإدرارات الصَّالِحَة وَكَانَ يحضر مشايخهم عِنْده ويقربهم ويدنيهم ويبسطهم ويتواضع لَهُم وَإِذا أقبل أحدهم إِلَيْهِ يقوم لَهُ مذ تقع عينه عَلَيْهِ ويعتنقه ويجلسه مَعَه على سجادته وَيقبل عَلَيْهِ بحَديثه وَكَذَلِكَ كَانَ أَيْضا يفعل بالعلماء من التَّعْظِيم والتوقير والاحترام ويجمعهم عِنْد الْبَحْث وَالنَّظَر فقصدوه من الْبِلَاد الشاسعة من خُرَاسَان وَغَيرهَا وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ أهل الدّين عِنْده فِي أَعلَى مَحل وأعظمه وَكَانَ أمراؤه يحسدونهم على ذَلِك وَكَانُوا يقعون عِنْده فيهم فينهاهم وَإِذا نقلوا عَن إِنْسَان عَيْبا يَقُول وَمن الْمَعْصُوم وَإِنَّمَا الْكَامِل من تعد ذنُوبه قَالَ وَبَلغنِي أَن بعض أكَابِر الْأُمَرَاء حسد قطب الدّين النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه الشَّافِعِي وَكَانَ قد استقدمه من خُرَاسَان وَبَالغ فِي إكرامه وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ فحسده ذَلِك الْأَمِير فنال مِنْهُ يَوْمًا عِنْد نور الدّين فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِن صَحَّ مَا تَقول فَلهُ حَسَنَة تغْفر كل زلَّة تذكرها وَهِي الْعلم وَالدّين وَأما أَنْت وَأَصْحَابك ففيكم أَضْعَاف مَا ذكرت وَلَيْسَت لكم حَسَنَة تغفرها وَلَو عقلت لشغلك عيبك عَن غَيْرك وَأَنا أحتمل سَيِّئَاتكُمْ مَعَ عدم حسناتكم أَفلا أحمل سَيِّئَة هَذَا إِن صحت مَعَ وجود حسنته على أنني وَالله لَا أصدقك فِيمَا تَقول وَإِن عدت ذكرته أَو غَيره بِسوء لأؤدبنك فَكف عَنهُ قَالَ ابْن الْأَثِير هَذَا وَالله هُوَ الْإِحْسَان وَالْفِعْل الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكْتب على الْعُيُون بِمَاء الذَّهَب وَبنى بِدِمَشْق أَيْضا دَار الحَدِيث ووقف عَلَيْهَا وعَلى من بهَا من المشتغلين بِعلم الحَدِيث وقوفا كَثِيرَة وَهُوَ أول من بنى دَارا للْحَدِيث فِيمَا

стр. 29

علمنَا وَبنى أَيْضا فِي كثير من بِلَاده مكَاتب للأيتام وأجرى عَلَيْهِم وعَلى معلميهم الجرايات الوافرة وَبنى أَيْضا مَسَاجِد كَثِيرَة ووقف عَلَيْهَا وعَلى من يقْرَأ بهَا الْقُرْآن قَالَ وَهَذَا فعل لم يسْبق إِلَيْهِ بَلغنِي من عَارِف بإعمال الشَّام أَن وقُوف نور الدّين فِي وقتنا هَذَا وَهُوَ سنة ثَمَان وست مئة كل شهر تِسْعَة آلَاف دِينَار صوريه لَيْسَ فِيهَا ملك غير صَحِيح شَرْعِي ظَاهرا وَبَاطنا فَإِنَّهُ وقف مَا انْتقل إِلَيْهِ وَوزن ثمنه أَو مَا غلب عَلَيْهِ من بِلَاد الفرنج وَصَارَ سَهْمه قَالَ وَأما هيبته ووقاره فإليه النِّهَايَة فيهمَا وَلَقَد كَانَ كَمَا قيل شَدِيد فِي غير عنف رَقِيق فِي غير ضعف وَاجْتمعَ لَهُ مَا لم يجْتَمع لغيره فَإِنَّهُ ضبط ناموس الْملك مَعَ أجناده وَأَصْحَابه إِلَى غَايَة لَا مزِيد عَلَيْهَا وَكَانَ يلْزمهُم بوظائف الْخدمَة الصَّغِير مِنْهُم وَالْكَبِير وَلم يجلس عِنْده أَمِير من غير أَن يَأْمُرهُ بِالْجُلُوسِ إِلَّا نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين يُوسُف وَأما من عداهُ كأسد الدّين شيركوه ومجد الدّين بن الداية وَغَيرهمَا فَإِنَّهُم كَانُوا إِذا حَضَرُوا عِنْده يقفون قيَاما إِلَى أَن يَأْمُرهُم بالقعود وَكَانَ مَعَ هَذِه العظمة وَهَذَا الناموس الْقَائِم إِذا دخل عَلَيْهِ الْفَقِيه أَو الصُّوفِي أَو الْفَقِير يقوم لَهُ وَيَمْشي بَين يَدَيْهِ ويجلسه إِلَى جَانِبه كَأَنَّهُ اقْربْ النَّاس إِلَيْهِ وَكَانَ إِذا أعْطى أحدهم شَيْئا يَقُول إِن هَؤُلَاءِ لَهُم فِي بَيت المَال حق فَإِذا قنعوا منا بِبَعْضِه فَلهم الْمِنَّة علينا وَكَانَ مَجْلِسه كَمَا روى فِي صفة مجْلِس رَسُول الله ﷺ مجْلِس حلم وحياء لَا تؤبن فِيهِ الْحرم وَهَكَذَا كَانَ مَجْلِسه لَا يذكر فِيهِ إِلَّا

стр. 30

الْعلم وَالدّين وأحوال الصَّالِحين والمشاورة فِي أَمر الْجِهَاد وَقصد بِلَاد الْعَدو وَلَا يتَعَدَّى هَذَا بَلغنِي أَن الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر الدِّمَشْقِي ﵁ حضر مجْلِس صَلَاح الدّين يُوسُف لما ملك دمشق فَرَأى فِيهِ من اللَّغط وَسُوء الْأَدَب من الْجُلُوس فِيهِ مَا لَا حد عَلَيْهِ فشرع يحدث صَلَاح الدّين كَمَا كَانَ يحدث نور الدّين فَلم يتَمَكَّن من القَوْل لِكَثْرَة الِاخْتِلَاف من المتحدثين وَقلة استماعهم فَقَامَ وبقى مُدَّة لَا يحضر الْمجْلس الصلاحي وتكرر من صَلَاح الدّين الطّلب لَهُ فَحَضَرَ فَعَاتَبَهُ صَلَاح الدّين يُوسُف على انْقِطَاعه فَقَالَ نزهت نَفسِي عَن مجلسك فإنني رَأَيْته كبعض مجَالِس السُّوقة لَا يستمع إِلَى قَائِل وَلَا يرد جَوَاب مُتَكَلم وَقد كُنَّا بالْأَمْس نحضر مجْلِس نور الدّين فَكُنَّا كَمَا قيل كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير تعلونا الهيبة وَالْوَقار فَإِذا تكلم أنصتنا وَإِذا تكلمنا اسْتمع لنا فَتقدم صَلَاح الدّين إِلَى أَصْحَابه أَنه لَا يكون مِنْهُم مَا جرت بِهِ عَادَتهم إِذا حضر الْحَافِظ قَالَ ابْن الْأَثِير فَهَكَذَا كَانَت أَحْوَاله جَمِيعهَا ﵀ مضبوطة مَحْفُوظَة وَأما حفظ أصُول الديانَات فَإِنَّهُ كَانَ مراعياً لَهَا لَا يهملها وَلَا يُمكن أحدا من النَّاس من إِظْهَار مَا يُخَالف الْحق وَمَتى أقدم مقدم على ذَلِك أدبه بِمَا يُنَاسب بدعته وَكَانَ يُبَالغ فِي ذَلِك وَيَقُول نَحن نَحْفَظ الطّرق من لص وقاطع طَرِيق والأذى الْحَاصِل مِنْهُمَا قريب أَفلا نَحْفَظ الدّين ونمنع عَنهُ مَا يناقضه وَهُوَ الأَصْل قَالَ وَحكي أَن إنْسَانا بِدِمَشْق يعرف بِيُوسُف بن آدم كَانَ يظْهر

стр. 31

الزّهْد والنسك وَقد كثر أَتْبَاعه أظهر شَيْئا من التَّشْبِيه فَبلغ خَبره نور الدّين فَأحْضرهُ وأركبه حمارا وَأمر بصفعه فطيف بِهِ فِي الْبِلَاد جَمِيعه وَنُودِيَ عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من أظهر فِي الدّين الْبدع ثمَّ نَفَاهُ من دمشق فقصد حران وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ قَالَ ويسوق الله الْقصار الْأَعْمَار إِلَى الْبِلَاد الوخمة قلت وَذكر الْعِمَاد الْكَاتِب فِي أَوله كِتَابه الْبَرْق الشَّامي أَنه قدم دمشق فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخمسين مئة فِي دولة الْملك نور الدّين مَحْمُود بن زنكي وَأخذ فِي وَصفه بِكَلَامِهِ المسجوع فَقَالَ كَانَ ملك بِلَاد الشَّام ومالكها وَالَّذِي بِيَدِهِ ممالكها الْملك الْعَادِل نور الدّين أعف الْمُلُوك وأتقاهم وأثقبهم رَأيا وأنقاهم وأعدلهم وأعبدهم وأزهدهم وأجهدهم وأظهرهم وأطهرهم وَأَقْوَاهُمْ وأقدرهم وأصلحهم عملا وأنجحهم أملا وأرجحهم رَأيا وأوضحهم آيا وأصدقهم قولا وأقصدهم طولا وَكَانَ عصره فَاضلا وَنَصره واصلا وَحكمه عادلا وفضله شَامِلًا وزمانه طيبا وإحسانه صيبا والقلوب بمهابته ومحبته ممتلية والنفوس بعاطفته وعارفته متملية وأموره مقتبلة وأوامره ممتثلة وجده منزه عَن الْهزْل ونوابه فِي أَمن من الْعَزْل ودولته مأمولة مَأْمُونَة وروضته مصوبة مصونة والرياسة كَامِلَة والسياسة شَامِلَة وَالزِّيَادَة زَائِدَة والسعادة مساعدة والعيشة ناضرة والشيعة ناصرة والإنصاف صَاف والإسعاف عاف وأزر الدّين قوي وظمأ الْإِسْلَام رُوِيَ وزند النجح وري وَالشَّرْع مَشْرُوع وَالْحكم مسموع وَالْعدْل مولى وَالظُّلم مَعْزُول والتوحيد مَنْصُور والشرك مخذول وللتقى شروق وَمَا للفسوق سوق وَهُوَ الَّذِي أعَاد رونق الْإِسْلَام إِلَى بِلَاد الشَّام وَقد غلب

стр. 32

الْكفْر وَبلغ الضّر فَاسْتَفْتَحَ معاقلها واستخلص عقائلها وأشاع بهَا شعار الشَّرْع فِي جَمِيع الْحل وَالْعقد والإبرام والنقض والبسط وَالْقَبْض والوضع وَالرَّفْع وَكَانَت للفرنج فِي أَيَّام غَيره على بِلَاد الْإِسْلَام بِالشَّام قطائع فقطعها وَعفى رسومها ومنعها وَنَصره الله عَلَيْهِم مرَارًا حَتَّى أسر مُلُوكهمْ وبدد سلوكهم وصان الثغور مِنْهُم وحماها عَنْهُم وَأَحْيَا معالم الدّين الدوارس وَبنى للأئمة الْمدَارِس وَأَنْشَأَ الخانقاهات للصوفية وكثرها فِي كل بلد وَكثر وقوفها وَقرر معروفها وَأدنى للوافدين من جنان جنابه قطوفها وَأَجد الأسوار والخنادق وأنمى الْمرَافِق وَحمى الْحَقَائِق وَأمر فِي الطرقات بِبِنَاء الرَّبْط والخانات وضافت ضيوف الْفَضَائِل وفاضت فيوض الْفَاضِل وَهُوَ الَّذِي فتح مصر وأعمالها وَأَنْشَأَ دولتها ورجالها ثمَّ ذكر الْعِمَاد فِي أثْنَاء حوادث سنة تسع وَسِتِّينَ وَهِي السّنة الَّتِي توفى فِيهَا نور الدّين قَالَ وَفِي هَذِه السّنة أَكثر نور الدّين من الْأَوْقَاف وَالصَّدقَات وَعمارَة الْمَسَاجِد المهجورة وتعفيه آثَار الآثام وَإِسْقَاط كل مَا يدْخل فِي شُبْهَة الْحَرَام فَمَا أبقى سوى الْجِزْيَة وَالْخَرَاج وَمَا تحصل من قسْمَة الغلات على قويم الْمِنْهَاج قَالَ وَأَمرَنِي بكتبة مناشير لجَمِيع أهل الْبِلَاد فَكتبت أَكثر من ألف منشور وحسبنا مَا تصدق بِهِ على الْفُقَرَاء فِي تِلْكَ الْأَشْهر فَزَاد على ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَكَانَت عَادَته فِي الصَّدَقَة أَن يحضر جمَاعَة من أماثل الْبَلَد من كل مَحَله ويسألهم عَمَّن يعْرفُونَ فِي جوارهم

стр. 33

من أهل الْحَاجة ثمَّ يصرف إِلَيْهِم صَدَقَاتهمْ وَكَانَ برسم نَفَقَة الْخَاص فِي كل شهر من جِزْيَة أهل الذِّمَّة مبلغ ألفي قرطيس يصرفهُ فِي كسوته وَنَفَقَته وحوائجه المهمة حَتَّى أُجْرَة خياطه وجامكية طباخة ويستفضل مِنْهُ مَا يتَصَدَّق بِهِ فِي آخر الشَّهْر وَأما مَا كَانَ يهدي إِلَيْهِ من هَدَايَا الْمُلُوك وَغَيرهم فَإِنَّهُ كَانَ لَا يتَصَرَّف فِي شَيْء مِنْهُ لَا قَلِيل وَلَا كثير بل إِذا اجْتمع يُخرجهُ إِلَى مجْلِس القَاضِي يحصل ثمنه وَيصرف فِي عمَارَة الْمَسَاجِد المهجورة وَتقدم بإحصاء مَا فِي محَال دمشق فاناف على مئة مَسْجِد فَأمر بعمارة ذَلِك كُله وَعين لَهُ وقوفاً قَالَ وَلَو اشتغلت بِذكر وُقُوفه وصدقاته فِي كل بلد لطال الْكتاب وَلم يبلغ إِلَى أمد ومشاهدة أبنيته الدَّالَّة على خلوص نِيَّته تغنى عَن خَبَرهَا بالعيان وَيَكْفِي أسوار الْبلدَانِ فضلا عَن الرَّبْط والمدارس على اخْتِلَاف الْمذَاهب وَاخْتِلَاف الْمَوَاهِب وَفِي شرح طوله طول وَعَمله لله ذَلِك مبرور مَقْبُول وواظب على عقد مجَالِس الوعاظ وَنصب الْكُرْسِيّ لَهُم فِي القلعة فلإنذار والاتعاظ وأكبرهم الْفَقِيه قطب الدّين النَّيْسَابُورِي وَهُوَ مشغوف ببركة أنفاسه واغتنام كَلَامه واقتباسه ووفد من بَغْدَاد ابْن الشَّيْخ أبي النجيب الْأَكْبَر وَبسط لَهُ فِي كل أُسْبُوع الْمِنْبَر وشاقه وعظه وراقه مَعْنَاهُ وَلَفظه وَكَذَلِكَ وَفد إِلَيْهِ من أَصْبَهَان الْفَقِيه شرف الدّين عبد الْمُؤمن بن

стр. 34

شوروه وَمَا أَيمن تِلْكَ الْأَيَّام وأبرك تِلْكَ الشتوة قَالَ وَلما أسقط نور الدّين الْجِهَات المحظورة والشبه المحذورة عزل الشحن وَصرف عَن الرّعية بصرفهم المحن وَقَالَ للْقَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري انْظُر أَنْت فِي ذَلِك واحمل أُمُور النَّاس على الشَّرِيعَة قَالَ وَلم يكن لمَال الْمَوَارِيث الحشرية حَاصِل وَلَا لديوانه طائل فَجعل نور الدّين ثلث مَا يحصل فِيهِ لكَمَال لكَمَال الدّين الْحَاكِم فوفره نوابه

стр. 35

وكثروه وَمَا كَانَ نور الدّين يُحَاسب القَاضِي على شَيْء من الْوُقُوف وَيَقُول انا قلدته على أَن يتَصَرَّف بِالْمَعْرُوفِ وَمَا فضل من مصارفها وشروط واقفها يَأْمُرهُ بصرفه فِي بِنَاء الأسوار وَحفظ الثغور وَكَانَت دولته نَافِذَة الْأَوَامِر منتظمة الْأُمُور قلت وَحكى الشَّيْخ أَبُو البركات الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن هبة الله أَنه حضر مَعَ عَمه الْحَافِظ أبي الْقَاسِم ﵀ مجْلِس نور الدّين لسَمَاع شَيْء من الحَدِيث فَمر فِي أثْنَاء الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ خرج مُتَقَلِّدًا سَيْفا فاستفاد نور الدّين أمرا لم يكن يعرفهُ وَقَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يتقلد السَّيْف يُشِير إِلَى التَّعَجُّب من عَادَة الْجند إِذْ هم على خلاف ذَلِك يربطونه بأوساطهم قَالَ فَلَمَّا كَانَ من الْغَد مَرَرْنَا تَحت القلعة وَالنَّاس مجتمعون ينتظرون ركُوب السُّلْطَان فوقفنا نَنْظُر إِلَيْهِ مَعَهم فَخرج نور الدّين ﵀ من القلعة وَهُوَ متقلد السَّيْف وَجَمِيع عسكره كَذَلِك فرحمة الله على هَذَا الْملك الَّذِي لم يفرط فِي الِاقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ بِمثل هَذِه الْحَالة بل لما بلغته رَجَعَ بِنَفسِهِ ورد جنده عَن عوائدهم اتبَاعا لما بلغه عَن نبيه ﷺ فَمَا الظَّن بِغَيْر ذَلِك من السّنَن وَلَقَد بَلغنِي أَنه أَمر بِإِسْقَاط ألقابه فِي الدُّعَاء على المنابر وَرَأى لَهُ وزيره موفق الدّين خَالِد بن القيسراني الشَّاعِر فِي مَنَامه أَنه يغسل ثِيَابه وقص ذَلِك عَلَيْهِ ففكر سَاعَة ثمَّ أمره بكتابه إِسْقَاط المكوس وَقَالَ هَذَا تَفْسِير مَنَامك وَكَانَ فِي تَهَجُّده يَقُول ارْحَمْ العشار المكاس وَبعد أَن أبطل ذَلِك استعجل من النَّاس فِي حل وَقَالَ وَالله مَا أخرجناها إِلَّا فِي جِهَاد عَدو الْإِسْلَام يعْتَذر بذلك إِلَيْهِم عَن أَخذهَا مِنْهُم

стр. 36

وعَلى الْجُمْلَة كَانَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فَردا فِي زَمَانه من بَين سَائِر الْمُلُوك وَلَو لم يكن إِلَّا استماعه للموعظة وانقياده لَهَا وَإِن اشْتَمَلت على أَلْفَاظ قد أغْلظ لَهُ فِيهَا قَرَأت فِي تَارِيخ إربل لشرف الدّين بن المستوفي ﵀ قَالَ المنتجب الْوَاعِظ هُوَ أَبُو عُثْمَان المنتجب بن أبي مُحَمَّد البحتري الوَاسِطِيّ ورد إربل وَوعظ بهَا وَكَانَ لَهُ قبُول عَظِيم وسافر إِلَى نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بن آق سنقر إِلَى الشَّام بِسَبَب الْغُزَاة وأنفذ لَهُ نور الدّين جملَة من مَال فَلم يقبلهَا وردهَا عَلَيْهِ أَنْشدني لَهُ يحيى بن مُحَمَّد بن صَدَقَة قصيدة عَملهَا فِي نور الدّين وَحلف أَنه سَمعهَا من لَفظه (مثل وقوفك أَيهَا الْمَغْرُور ... يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاء تمور) (إِن قيل نور الدّين رحت مُسلما ... فاحذر بِأَن تبقى وَمَالك نور) (أنهيت عَن شرب الْخُمُور وَأَنت من ... كأس الْمَظَالِم طافح مخمور) (عطلت كاسات المدام تعففا ... وَعَلَيْك كاسات الْحَرَام تَدور) (مَاذَا تَقول إِذا نقلت إِلَى البلى ... فَردا وجاءك مُنكر وَنَكِير) (وتعلقت فِيك الْخُصُوم وَأَنت فِي ... يَوْم الْحساب مسحب مجرور) (وَتَفَرَّقَتْ عَنْك الْجنُود وَأَنت فِي ... ضيق اللَّحود مُوَسَّدٌ مقبور)

стр. 37

(ووددت أَنَّك مَا وليت ولَايَة ... يَوْمًا وَلَا قَالَ الْأَنَام أَمِير) (وَبقيت بعد العزّ رَهْن حُفيرة ... فِي عَالم الْمَوْتَى وَأَنت حقير) (وحشرت عُريَانا حَزينًا باكيا ... قلقا وَمَالك فِي الْأَنَام مجير) (أرضيت أَن تحيا وقلبك دارس ... عافي الخراب وجسمك الْمَعْمُور) (أرضيت أَن يحظى سواك بِقُرْبِهِ ... أبدا وَأَنت مبعد مهجور) (مهد لنَفسك حجَّة تنجو بهَا ... يَوْم الْمعَاد لَعَلَّك الْمَعْذُور) قلت وَلَعَلَّ هَذِه الأبيات كَانَت من أقوى الْأَسْبَاب المحركة إِلَى إبِْطَال تِلْكَ الْمَظَالِم والخلاص من تِلْكَ المآثم رَضِي الله عَن الْوَاعِظ والمتعظ بِسَبَبِهِ ووفق من رام الِاقْتِدَاء بِهِ ونقلت من خطّ الصاحب الْعَالم كَمَال الدّين أبي الْقَاسِم عمر بن أَحْمد بن هبة الله ابْن أبي جَرَادَة فِي = كتاب تَارِيخ حلب = الَّذِي صنفه

стр. 38

وَسمعت من لَفظه أَن نور الدّين ﵀ كَانَ مَعَ أَبِيه بحلب فَلَمَّا حاصر أَبوهُ قلعة جعبر وَقتل عَلَيْهَا قصد حلب وَصعد قلعتها وملكها فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَأحسن إِلَى الرّعية وَبث الْعدْل وَرفع الْجور وأبطل الْبدع واشتغل بالغزو وَفتح قلاعا كَثِيرَة من عمل حلب كَانَت بيد الفرنج وَحدث بحلب ودمشق عَن جمَاعَة من الْعلمَاء أَجَازُوا لَهُ مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن رِفَاعَة بن غَدِير السَّعْدِيّ الْمصْرِيّ روى عَنهُ جمَاعَة من شُيُوخنَا مثل أبي الْفضل أَحْمد وَأبي البركات الْحسن وَأبي مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن هبه الله الشَّافِعِي قَالَ ووقفت على رقْعَة بِخَط الْوَزير خَالِد بن مُحَمَّد بن نصر بن القيسراني كتبهَا إِلَى نور الدّين وجوابها من نور الدّين على رَأس الورقة وَبَين السطور فنقلت جَمِيع مَا فِيهَا من خطيهما قَالَ وَكَانَ ﵀ كتب رقْعَة يطْلب من ابْن القيسراني أَن يكْتب لَهُ صُورَة مَا يدعى لَهُ بِهِ على المنابر حَتَّى لَا يَقُول الْخَطِيب مَا لَيْسَ فِيهِ ويصونه عَن الْكَذِب وَعَما هُوَ مُخَالف لحاله ونسخة الورقة بِخَط خَالِد أَعلَى الله قدر الْمولى فِي الدَّاريْنِ وبلغه آماله فِي نَفسه وَذريته وَختم لَهُ بِخَير فِي العاجلة والآجلة بمنه وجوده وفضله وحمده وقف الْمَمْلُوك على الرقعة وتضاعف دعاؤه

стр. 39

وابتهاله إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يرضى عَنهُ وَعَن وَالِديهِ وَأَن يسهل لَهُ السلوك إِلَى رِضَاهُ والقرب مِنْهُ والفوز عِنْده إِنَّه على كل شَيْء قدير وَقد رأى الْمَمْلُوك مَا يعرضه على الْعلم الْأَشْرَف زَاده الله شرفا وَهُوَ أَن يذكر الْخَطِيب على الْمِنْبَر إِذا أَرَادَ الدُّعَاء للْمولى اللَّهُمَّ أصلح عَبدك الْفَقِير إِلَى رحمتك الخاضع لهيبتك المعتصم بقوتك الْمُجَاهِد فِي سَبِيلك المرابط لأعداء دينك أَبَا الْقَاسِم مَحْمُود بن زنكي بن آق سنقر نَاصِر أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن هَذَا جَمِيعه لَا يدْخلهُ كذب وَلَا تزيد والرأي أَعلَى وأسمى إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَكتب نور الدّين على رَأس الرقعة بِخَطِّهِ مَا هَذَا صورته مقصودى أَلا يكذب على الْمِنْبَر أَنا بِخِلَاف كل مَا يُقَال أفرح بِمَا لَا أعمل قله عقل عَظِيم الَّذِي كتبت جيد هُوَ اكْتُبْ بِهِ نسخ حَتَّى نسيره إِلَى جَمِيع الْبِلَاد وَكتب فِي آخر الرقعة ثمَّ يبدؤوا بِالدُّعَاءِ اللَّهُمَّ أره الْحق حَقًا اللَّهُمَّ أسعده اللَّهُمَّ انصره اللَّهُمَّ وَفقه من هَذَا الْجِنْس قَالَ وحَدثني وَالِدي قَالَ استدعانا نور الدّين أَنا وعمك أَبُو غَانِم وَشرف الدّين بن أبي عصرون إِلَى الميدان الْأَخْضَر وأشهدنا عَلَيْهِ بوقف حوانيت على سور حمص فَلَمَّا شَهِدنَا عَلَيْهِ الْتفت إِلَيْنَا وَقَالَ بِاللَّه انْظُرُوا أَي شَيْء علمتموه من أَبْوَاب الْبر وَالْخَيْر دلونا عَلَيْهِ وأشركونا فِي الثَّوَاب فَقَالَ

стр. 40

شرف الدّين بن أبي عصرون وَالله مَا ترك الْمولى شَيْئا من أَبْوَاب الْبر إِلَّا وَقد فعله وَلم يتْرك لأحد بعده فعل خير إِلَّا وَقد سبقه إِلَيْهِ وَقَالَ قَالَ لي وَالِدي دخل فِي أَيَّام نور الدّين إِلَى حلب تَاجر مُوسر فَمَاتَ بهَا وَخلف بهَا ولدا صَغِيرا ومالا كثيرا فَكتب بعض من بحلب إِلَى نور الدّين يذكر لَهُ أَن قد مَاتَ هَا هُنَا رجل تَاجر مُوسر وَخلف عشْرين ألف دِينَار أَو فَوْقهَا وَله ولد عمره عشر سِنِين وَحسن لَهُ أَن يرفع المَال إِلَى الخزانة إِلَى أَن يكبر الصَّغِير ويرضى مِنْهُ بِشَيْء ويمسك الْبَاقِي للخزانة فَكتب على رقعته أما الْمَيِّت فرحمه الله وَأما الْوَلَد فأنشأه الله وَأما المَال فثمره الله وَأما السَّاعِي فلعنه الله وبلغتني هَذِه الْحِكَايَة عَن غير نور الدّين أَيْضا وحَدثني الْحَاج عمر بن سنقر عَتيق شاذبجت النوري قَالَ سَمِعت الطواشي شاذبخت الْخَادِم يحْكى لنا قَالَ كنت يَوْمًا أَنا وسنقرجا واقفين على رَأس نور الدّين وَقد صلى الْمغرب وَجلسَ وَهُوَ مفكر فكرا عَظِيما وَجعل ينْكث بِأُصْبُعِهِ فِي الأَرْض فتعجبنا من فكره وَقُلْنَا ترى فِي أَي شَيْء يفكر فِي عائلته أَو فِي وَفَاء دينه فَكَأَنَّهُ فطن بِنَا فَرفع رَأسه فَقَالَ مَا تقولان فَقُلْنَا مَا قُلْنَا شَيْئا فَقَالَ بحياتي قولا لي فَقُلْنَا عجبنا من إفراط مَوْلَانَا فِي الْفِكر وَقُلْنَا يفكر فِي عائلته أَو فِي نَفسه فَقَالَ وَالله إِنَّنِي أفكر فِي وَال وليته أمرا من أُمُور الْمُسلمين فَلم يعدل فيهم أَو فِيمَن يظلم الْمُسلمين من أَصْحَابِي وأعواني وأخاف الْمُطَالبَة بذلك فبالله عَلَيْكُم وَإِلَّا فخبزي عَلَيْكُم حرَام لَا تريان قصَّة ترفع إِلَى أَو تعلمان مظْلمَة إِلَّا وأعلماني بهَا وارفعاها إِلَيّ وَسمعت قَاضِي الْقُضَاة بهاء الدّين أَبَا المحاسن يُوسُف بن رَافع بن
следующие страницы →