Полный текст (1 810 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وعَلى الْجُمْلَة كَانَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فَردا فِي زَمَانه من بَين سَائِر الْمُلُوك وَلَو لم يكن إِلَّا استماعه للموعظة وانقياده لَهَا وَإِن اشْتَمَلت على أَلْفَاظ قد أغْلظ لَهُ فِيهَا
قَرَأت فِي تَارِيخ إربل لشرف الدّين بن المستوفي ﵀ قَالَ المنتجب الْوَاعِظ هُوَ أَبُو عُثْمَان المنتجب بن أبي مُحَمَّد البحتري الوَاسِطِيّ ورد إربل وَوعظ بهَا وَكَانَ لَهُ قبُول عَظِيم وسافر إِلَى نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بن آق سنقر إِلَى الشَّام بِسَبَب الْغُزَاة وأنفذ لَهُ نور الدّين جملَة من مَال فَلم يقبلهَا وردهَا عَلَيْهِ
أَنْشدني لَهُ يحيى بن مُحَمَّد بن صَدَقَة قصيدة عَملهَا فِي نور الدّين وَحلف أَنه سَمعهَا من لَفظه
(مثل وقوفك أَيهَا الْمَغْرُور ... يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاء تمور)
(إِن قيل نور الدّين رحت مُسلما ... فاحذر بِأَن تبقى وَمَالك نور)
(أنهيت عَن شرب الْخُمُور وَأَنت من ... كأس الْمَظَالِم طافح مخمور)
(عطلت كاسات المدام تعففا ... وَعَلَيْك كاسات الْحَرَام تَدور)
(مَاذَا تَقول إِذا نقلت إِلَى البلى ... فَردا وجاءك مُنكر وَنَكِير)
(وتعلقت فِيك الْخُصُوم وَأَنت فِي ... يَوْم الْحساب مسحب مجرور)
(وَتَفَرَّقَتْ عَنْك الْجنُود وَأَنت فِي ... ضيق اللَّحود مُوَسَّدٌ مقبور)
стр. 37
(ووددت أَنَّك مَا وليت ولَايَة ... يَوْمًا وَلَا قَالَ الْأَنَام أَمِير)
(وَبقيت بعد العزّ رَهْن حُفيرة ... فِي عَالم الْمَوْتَى وَأَنت حقير)
(وحشرت عُريَانا حَزينًا باكيا ... قلقا وَمَالك فِي الْأَنَام مجير)
(أرضيت أَن تحيا وقلبك دارس ... عافي الخراب وجسمك الْمَعْمُور)
(أرضيت أَن يحظى سواك بِقُرْبِهِ ... أبدا وَأَنت مبعد مهجور)
(مهد لنَفسك حجَّة تنجو بهَا ... يَوْم الْمعَاد لَعَلَّك الْمَعْذُور)
قلت وَلَعَلَّ هَذِه الأبيات كَانَت من أقوى الْأَسْبَاب المحركة إِلَى إبِْطَال تِلْكَ الْمَظَالِم والخلاص من تِلْكَ المآثم رَضِي الله عَن الْوَاعِظ والمتعظ بِسَبَبِهِ ووفق من رام الِاقْتِدَاء بِهِ
ونقلت من خطّ الصاحب الْعَالم كَمَال الدّين أبي الْقَاسِم عمر بن أَحْمد بن هبة الله ابْن أبي جَرَادَة فِي = كتاب تَارِيخ حلب = الَّذِي صنفه
стр. 38
وَسمعت من لَفظه أَن نور الدّين ﵀ كَانَ مَعَ أَبِيه بحلب فَلَمَّا حاصر أَبوهُ قلعة جعبر وَقتل عَلَيْهَا قصد حلب وَصعد قلعتها وملكها فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَأحسن إِلَى الرّعية وَبث الْعدْل وَرفع الْجور وأبطل الْبدع واشتغل بالغزو وَفتح قلاعا كَثِيرَة من عمل حلب كَانَت بيد الفرنج وَحدث بحلب ودمشق عَن جمَاعَة من الْعلمَاء أَجَازُوا لَهُ مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن رِفَاعَة بن غَدِير السَّعْدِيّ الْمصْرِيّ
روى عَنهُ جمَاعَة من شُيُوخنَا مثل أبي الْفضل أَحْمد وَأبي البركات الْحسن وَأبي مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن هبه الله الشَّافِعِي
قَالَ ووقفت على رقْعَة بِخَط الْوَزير خَالِد بن مُحَمَّد بن نصر بن القيسراني كتبهَا إِلَى نور الدّين وجوابها من نور الدّين على رَأس الورقة وَبَين السطور فنقلت جَمِيع مَا فِيهَا من خطيهما
قَالَ وَكَانَ ﵀ كتب رقْعَة يطْلب من ابْن القيسراني أَن يكْتب لَهُ صُورَة مَا يدعى لَهُ بِهِ على المنابر حَتَّى لَا يَقُول الْخَطِيب مَا لَيْسَ فِيهِ ويصونه عَن الْكَذِب وَعَما هُوَ مُخَالف لحاله
ونسخة الورقة بِخَط خَالِد أَعلَى الله قدر الْمولى فِي الدَّاريْنِ وبلغه آماله فِي نَفسه وَذريته وَختم لَهُ بِخَير فِي العاجلة والآجلة بمنه وجوده وفضله وحمده
وقف الْمَمْلُوك على الرقعة وتضاعف دعاؤه
стр. 39
وابتهاله إِلَى الله تَعَالَى بِأَن يرضى عَنهُ وَعَن وَالِديهِ وَأَن يسهل لَهُ السلوك إِلَى رِضَاهُ والقرب مِنْهُ والفوز عِنْده إِنَّه على كل شَيْء قدير
وَقد رأى الْمَمْلُوك مَا يعرضه على الْعلم الْأَشْرَف زَاده الله شرفا وَهُوَ أَن يذكر الْخَطِيب على الْمِنْبَر إِذا أَرَادَ الدُّعَاء للْمولى اللَّهُمَّ أصلح عَبدك الْفَقِير إِلَى رحمتك الخاضع لهيبتك المعتصم بقوتك الْمُجَاهِد فِي سَبِيلك المرابط لأعداء دينك أَبَا الْقَاسِم مَحْمُود بن زنكي بن آق سنقر نَاصِر أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَإِن هَذَا جَمِيعه لَا يدْخلهُ كذب وَلَا تزيد والرأي أَعلَى وأسمى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَكتب نور الدّين على رَأس الرقعة بِخَطِّهِ مَا هَذَا صورته مقصودى أَلا يكذب على الْمِنْبَر أَنا بِخِلَاف كل مَا يُقَال أفرح بِمَا لَا أعمل قله عقل عَظِيم الَّذِي كتبت جيد هُوَ اكْتُبْ بِهِ نسخ حَتَّى نسيره إِلَى جَمِيع الْبِلَاد
وَكتب فِي آخر الرقعة ثمَّ يبدؤوا بِالدُّعَاءِ اللَّهُمَّ أره الْحق حَقًا اللَّهُمَّ أسعده اللَّهُمَّ انصره اللَّهُمَّ وَفقه من هَذَا الْجِنْس
قَالَ وحَدثني وَالِدي قَالَ استدعانا نور الدّين أَنا وعمك أَبُو غَانِم وَشرف الدّين بن أبي عصرون إِلَى الميدان الْأَخْضَر وأشهدنا عَلَيْهِ بوقف حوانيت على سور حمص
فَلَمَّا شَهِدنَا عَلَيْهِ الْتفت إِلَيْنَا وَقَالَ بِاللَّه انْظُرُوا أَي شَيْء علمتموه من أَبْوَاب الْبر وَالْخَيْر دلونا عَلَيْهِ وأشركونا فِي الثَّوَاب فَقَالَ
стр. 40
شرف الدّين بن أبي عصرون وَالله مَا ترك الْمولى شَيْئا من أَبْوَاب الْبر إِلَّا وَقد فعله وَلم يتْرك لأحد بعده فعل خير إِلَّا وَقد سبقه إِلَيْهِ
وَقَالَ قَالَ لي وَالِدي دخل فِي أَيَّام نور الدّين إِلَى حلب تَاجر مُوسر فَمَاتَ بهَا وَخلف بهَا ولدا صَغِيرا ومالا كثيرا فَكتب بعض من بحلب إِلَى نور الدّين يذكر لَهُ أَن قد مَاتَ هَا هُنَا رجل تَاجر مُوسر وَخلف عشْرين ألف دِينَار أَو فَوْقهَا وَله ولد عمره عشر سِنِين
وَحسن لَهُ أَن يرفع المَال إِلَى الخزانة إِلَى أَن يكبر الصَّغِير ويرضى مِنْهُ بِشَيْء ويمسك الْبَاقِي للخزانة
فَكتب على رقعته أما الْمَيِّت فرحمه الله وَأما الْوَلَد فأنشأه الله وَأما المَال فثمره الله وَأما السَّاعِي فلعنه الله
وبلغتني هَذِه الْحِكَايَة عَن غير نور الدّين أَيْضا
وحَدثني الْحَاج عمر بن سنقر عَتيق شاذبجت النوري قَالَ سَمِعت الطواشي شاذبخت الْخَادِم يحْكى لنا قَالَ كنت يَوْمًا أَنا وسنقرجا واقفين على رَأس نور الدّين وَقد صلى الْمغرب وَجلسَ وَهُوَ مفكر فكرا عَظِيما وَجعل ينْكث بِأُصْبُعِهِ فِي الأَرْض
فتعجبنا من فكره وَقُلْنَا ترى فِي أَي شَيْء يفكر فِي عائلته أَو فِي وَفَاء دينه فَكَأَنَّهُ فطن بِنَا فَرفع رَأسه فَقَالَ مَا تقولان فَقُلْنَا مَا قُلْنَا شَيْئا فَقَالَ بحياتي قولا لي
فَقُلْنَا عجبنا من إفراط مَوْلَانَا فِي الْفِكر وَقُلْنَا يفكر فِي عائلته أَو فِي نَفسه
فَقَالَ وَالله إِنَّنِي أفكر فِي وَال وليته أمرا من أُمُور الْمُسلمين فَلم يعدل فيهم أَو فِيمَن يظلم الْمُسلمين من أَصْحَابِي وأعواني وأخاف الْمُطَالبَة بذلك فبالله عَلَيْكُم وَإِلَّا فخبزي عَلَيْكُم حرَام لَا تريان قصَّة ترفع إِلَى أَو تعلمان مظْلمَة إِلَّا وأعلماني بهَا وارفعاها إِلَيّ
وَسمعت قَاضِي الْقُضَاة بهاء الدّين أَبَا المحاسن يُوسُف بن رَافع بن
стр. 41
تَمِيم قَالَ كَانَ نور الدّين ينفذ كل سنة فِي شهر رَمَضَان يطْلب من الشَّيْخ عمر الملاء شَيْئا يفْطر عَلَيْهِ فَكَانَ ينفذ إِلَيْهِ الأكياس فِيهَا الفتيت والرقاق وَغير ذَلِك فَكَانَ نور الدّين يفْطر عَلَيْهِ
وَكَانَ إِذا قدم الْموصل لَا يَأْكُل إِلَّا من طَعَام الشَّيْخ عمر الملاء
قَالَ وَكَانَ نور الدّين لما صَارَت لَهُ الْموصل قد أَمر كمشتكين شحنة الْموصل أَلا يعْمل شَيْئا إِلَّا بِالشَّرْعِ إِذا أمره القَاضِي بِهِ وَألا يعْمل القَاضِي والنواب كلهم شَيْئا إِلَّا بِأَمْر الشَّيْخ عمر الملاء
قَالَ فَكَانَ لَا يعْمل بالسياسة وَبَطلَت الشحنكية
فجَاء أكَابِر الدولة وَقَالُوا لكمشتكين قد كثر الدعار وأرباب الْفساد وَلَا يَجِيء من هَذَا شَيْء إِلَّا بِالْقَتْلِ والصلب فَلَو كتبت إِلَى نور الدّين وَقلت لَهُ فِي ذَلِك
فَقَالَ لَهُم أَنا لَا أكتب إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنى وَلَا أجسر على ذَلِك فَقولُوا للشَّيْخ عمر يكْتب إِلَيْهِ
فحضورا عِنْده وَذكروا لَهُ ذَلِك فَكتب إِلَى نور الدّين وَقَالَ لَهُ إِن الدعار والمفسدين وقطاع الطَّرِيق قد كَثُرُوا وَيحْتَاج إِلَى نوع سياسة فَمثل هَذَا لَا يَجِيء إِلَّا بقتل وصلب وَضرب وَإِذا أَخذ مَال إِنْسَان فِي الْبَريَّة من يشْهد لَهُ قَالَ فَقلب نور الدّين كِتَابه وَكتب على ظَهره إِن الله تَعَالَى خلق الْخلق وَهُوَ أعلم بمصلحتهم وَشرع لَهُم شَرِيعَة وَهُوَ أعلم بِمَا يصلحهم وَإِن مصلحتهم تحصل فِيمَا شَرعه على وَجه الْكَمَال فِيهَا وَلَو علم أَن على الشَّرِيعَة زِيَادَة فِي الْمصلحَة لشرعه فَمَا لنا حَاجَة إِلَى زِيَادَة على مَا شَرعه الله تَعَالَى قَالَ فَجمع الشَّيْخ عمر الملاء أهل الْموصل وأقرأهم الْكتاب وَقَالَ انْظُرُوا فِي كتاب الزَّاهِد إِلَى الْملك وَكتاب الْملك إِلَى الزَّاهِد
стр. 42
وَسمعت صقر الْمعدل يَقُول سَمِعت مُقَلدًا يَعْنِي الدولعي يَقُول لما مَاتَ الْحَافِظ الْمرَادِي وَكُنَّا جمَاعَة الْفُقَهَاء قسمَيْنِ الْعَرَب والأكراد فمنا من مَال إِلَى الْمَذْهَب وأردنا أَن نستدعي الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون وَكَانَ بالموصل وَمنا من مَال إِلَى علم النّظر وَالْخلاف وَأَرَادَ أَن نستدعي القطب النَّيْسَابُورِي وَكَانَ قد جَاءَ وزار الْبَيْت الْمُقَدّس ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الْعَجم فَوَقع بَيْننَا كَلَام بِسَبَب ذَلِك وَوَقعت فتْنَة بَين الْفُقَهَاء
فَسمع نور الدّين بذلك فاستدعى جمَاعَة الْفُقَهَاء إِلَى القلعة بحلب وَخرج إِلَيْهِم مجد الدّين يَعْنِي ابْن الداية عَن لِسَانه وَقَالَ نَحن مَا أردنَا بِبِنَاء الْمدَارِس إِلَّا نشر الْعلم ودحض الْبدع من هَذِه الْبَلدة وَإِظْهَار الدّين وَهَذَا الَّذِي جرى بَيْنكُم لَا يحسن وَلَا يَلِيق وَقد قَالَ الْمولى نور الدّين نَحن نرضى الطَّائِفَتَيْنِ ونستدعي شرف الدّين بن أبي عصرون وقطب الدّين النَّيْسَابُورِي فاستدعاهما جَمِيعًا وَولى مدرسة ابْن أبي عصرون لشرف الدّين ومدرسة النفري لقطب الدّين
قَالَ وعلقت أَيْضا من خطّ فَقِيه كَانَ معيدا بالنظامية يُقَال
стр. 43
لَهُ أَبُو الْفَتْح بنجير بن أبي الْحسن بن بنجير الأشتري وَكَانَ ورد دمشق وَجمع لنُور الدّين سيرة مختصرة قَالَ كَانَ نور الدّين يقْعد فِي الْأُسْبُوع أَرْبَعَة أَيَّام أَو خَمْسَة أَيَّام فِي دَار الْعدْل للنَّظَر فِي أُمُور الرّعية وكشف الظلامة لَا يطْلب بذلك درهما وَلَا دِينَارا وَلَا زِيَادَة ترجع إِلَى خزانته وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضاة الله وطلبا للثَّواب والزلفى فِي الْآخِرَة وَيَأْمُر بِحُضُور الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَيَأْمُر بِإِزَالَة الْحَاجِب والبواب حَتَّى يصل إِلَيْهِ الضَّعِيف وَالْفَقِير وَالْقَوِي والغني ويكلمهم بِأَحْسَن الْكَلَام ويستفهم مِنْهُم بأبلغ النظام حَتَّى لَا يطْمع الْغَنِيّ فِي دفع الْفَقِير بِالْمَالِ وَلَا الْقوي فِي دفع الضَّعِيف بالقال
ويحضر فِي مَجْلِسه الْعَجُوز الضعيفة الَّتِي لَا تقدر على الْوُصُول إِلَى خصمها وَلَا المكالمة مَعَه فيأمر بمساواته لَهَا فتغلب خصمها طَمَعا فِي عدله ويعجز الْخصم عَن دَفعهَا خوفًا من عدله فَيظْهر الْحق عِنْده فيجرى الله على لِسَانه مَا هُوَ مُوَافق للشريعة وَيسْأل الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء عَمَّا يشكل عَلَيْهِ من الْأُمُور الغامضة فَلَا يجرى فِي مَجْلِسه إِلَّا مَحْض الشَّرِيعَة
قَالَ وَأما زَمَانه فَهُوَ مَصْرُوف إِلَى مصَالح النَّاس وَالنَّظَر فِي أُمُور الرّعية والشفقة عَلَيْهِم وَأما فكره فَفِي إِظْهَار شعار الْإِسْلَام وتأسيس قَاعِدَة الدّين من بِنَاء الرَّبْط والمدارس والمساجد حَتَّى إِن بِلَاد الشَّام كَانَت خَالِيَة من الْعلم وَأَهله وَفِي زَمَانه صَارَت مقرا للْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والصوفية لصرف همته إِلَى بِنَاء الْمدَارِس والربط وترتيب أُمُورهم وَالنَّاس آمنون على أَمْوَالهم
стр. 44
وأنفسهم وَلَو لم يكن من هَذِه الْخِصَال إِلَّا مَا علم مِنْهُ وشاع أَنه إِذا وعد وَفِي وَإِذا أوعد عَفا وَإِذا تحدث بِشَيْء يقف عَلَيْهِ وَلَا يُخَالف قَوْله وَلَا يرجع عَن لَفظه ومنطقه لكفى
وَلَا يجْرِي فِي مَجْلِسه الْفسق والفجور والشتم والغيبة والقدح فِي النَّاس وَالْكَلَام فِي أعراضهم كَمَا يجرى فِي مجَالِس سَائِر الْمُلُوك وَلَا يطْمع فِي أَخذ أَمْوَال النَّاس وَلَا يرضى بِأَن يَأْخُذ أحد من أَمْوَال الشَّرِيعَة شَيْئا بِغَيْر حق
قَالَ وبلغنا بأخبار التَّوَاتُر عَن جمَاعَة يعْتَمد على قَوْلهم أَنه أَكثر اللَّيَالِي يُصَلِّي ويناجي ربه مُقبلا بِوَجْهِهِ عَلَيْهِ وَيُؤَدِّي الصَّلَوَات الْخمس فِي أَوْقَاتهَا بِتمَام شرائطها وأركانها وركوعها وسجودها
قَالَ وبلغنا عَن جمَاعَة من الصُّوفِيَّة الَّذين يعْتَمد على أَقْوَالهم مِمَّن دخلُوا ديار الْقُدس للزيارة حِكَايَة عَن الْكفَّار أَنهم يَقُولُونَ ابْن القسيم لَهُ مَعَ الله سر فَإِنَّهُ مَا يظفر علينا بِكَثْرَة جنده وَعَسْكَره وَإِنَّمَا يظفر علينا بِالدُّعَاءِ وَصَلَاة اللَّيْل فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَيرْفَع يَده إِلَى الله وَيَدْعُو وَالله يستجيب دعاءه وَيُعْطِيه سؤله وَمَا يرد يَده خائبة فيظفر علينا قَالَ فَهَذَا كَلَام الْكفَّار فِي حَقه
قَالَ وَحدثنَا الشَّيْخ دَاوُد الْمَقْدِسِي خَادِم قبر شُعَيْب على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ حضرت فِي دَار الْعدْل فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَخمسين فَقَامَ رجل وَادّعى على نور الدّين الْملك الْعَادِل أَن أَبَاهُ أَخذ من مَاله شَيْئا بِغَيْر حق قَالَ وَأَنا مطَالب لَك بذلك فَقَالَ نور الدّين أَنا مَا أعلم ذَلِك فَإِن كَانَ لَك بَيِّنَة تشهد بذلك فهاتها وَأَنا أرد إِلَيْك مَا يخصني فَإِنِّي مَا ورثت جَمِيع مَاله كَانَ هُنَاكَ وَارِث غَيْرِي فَمضى الرجل ليحضر الْبَيِّنَة فَقلت فِي نَفسِي هَذَا هُوَ الْعدْل قَالَ وَحضر رجل زاهد فِيهِ سمة الْخَيْر مَعْرُوف بالسداد وَالصَّلَاح فَسَأَلت عَنهُ فَقَالُوا أَخُو
стр. 45
الشَّيْخ أبي الْبَيَان وَكَانَ قد أودع عِنْد أَخِيه أبي الْبَيَان وَدِيعَة وَقد توفّي فَادّعى الْمُودع على هَذَا الشَّيْخ أَنه يعلم بالوديعة وطالبه بِالرَّدِّ عَلَيْهِ فَأنْكر هَذَا الرجل علمه بالوديعة فَأوجب عَلَيْهِ القَاضِي كَمَال الدّين حكم الشَّرْع أَن يحلف أَنه لَا علم لَهُ بِهَذِهِ الْوَدِيعَة فَحلف على ذَلِك فَجعل الْمُودع يشنع عَلَيْهِ وَيَقُول إِنَّه حلف كَاذِبًا وَيتَكَلَّم فِي عرضه وَيَقُول فِي حَقه من التنمس وَغَيره فَحَضَرَ عِنْد الْملك الْعَادِل شاكياً مِنْهُ وذاكرا سيرته وطريقته وَمن الَّذِي يقدر أَن يَقُول فِي حَقي هَذَا
ويتعرض بالتماسه من الْملك الْعَادِل التَّقَدُّم بإحضاره وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ فِيمَا يَقُول فِي حَقه
فَلَمَّا فرغ من الْكَلَام وَرمى مَا كَانَ فِي جعبته من دَعْوَى الْحَقِيقَة والطريقة وَكَانَ حَاصله التمَاس الْإِنْكَار عَلَيْهِ فَقَالَ الْملك الْعَادِل أَلَيْسَ أَن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُم الَجْاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً﴾ فَإِذا كَانَ هُوَ يجهل عَلَيْك وَيَقُول فِي حَقك بِالْجَهْلِ مَا لَا يجوز فَيجب عَلَيْك أَلا تعْمل مَعَه مثل مُعَامَلَته فَتكون مثله فكأنك قابلت الْإِسَاءَة بالإساءة وَمن حَقك أَن تقَابل الْإِسَاءَة بِالْإِحْسَانِ
فَقلت فِي نَفسِي الْحق مَا قَالَ الْملك الْعَادِل إِمَّا قَرَأَ هَذَا فِي كتب التفاسير فَثَبت فِي قلبه أَو أجراه الله على لِسَانه وأنطقه بِهِ
قَالَ وَحضر جمَاعَة من التُّجَّار وَشَكوا أَن الْقَرَاطِيس كَانَ سِتُّونَ مِنْهَا بِدِينَار فَصَارَ سَبْعَة وَسِتُّونَ بِدِينَار وتزيد وتنقص فيخسرون
فَسَأَلَ الْملك الْعَادِل عَن كَيْفيَّة الْحَال فَذكرُوا أَن عقد الْمُعَامَلَة على اسْم الدِّينَار وَلَا يرى الدِّينَار فِي الْوسط وَإِنَّمَا يعدون الْقَرَاطِيس بالسعر تَارَة سِتِّينَ بِدِينَار وَتارَة
стр. 46
سَبْعَة وَسِتِّينَ بِدِينَار وَأَشَارَ كل وَاحِد من الْحَاضِرين على نور الدّين أَن يضْرب الدِّينَار باسمه وَتَكون الْمُعَامَلَة بِالدَّنَانِيرِ الملكية وَتبطل الْقَرَاطِيس بِالْكُلِّيَّةِ
فَسكت سَاعَة وَقَالَ إِذا ضربت الدِّينَار وأبطلت الْمُعَامَلَة بالقراطيس فَكَأَنِّي خربَتْ بيُوت الرّعية فان كل وَاحِد من السوقة عِنْده عشرَة آلَاف وَعِشْرُونَ ألف قرطاس أيش يعْمل بِهِ فَيكون سَببا لخراب بَيته قَالَ فَأَي شَفَقَة تكون أعظم من هَذَا على الرّعية
قَالَ وَحضر صبي وَبكى عِنْد الْملك الْعَادِل وَذكر أَن أَبَاهُ مَحْبُوس على أُجْرَة حجرَة من حجر الْوَقْف
فَسَأَلَ عَن حَاله قَالُوا هَذَا الصَّبِي ابْن الشَّيْخ أَبى سعد الصُّوفِي وَهُوَ رجل زاهد قَاعد فِي حجرَة الْوَقْف وَلَيْسَ لَهُ قدرَة على الْأُجْرَة وَقد حَبسه وَكيل الْوَقْف لِأَنَّهُ اجْتمع عَلَيْهِ أُجْرَة سنة
قَالَ الْملك الْعَادِل كم أُجْرَة السّنة فَقَالُوا مئة وَخَمْسُونَ قرطاسا وَذكروا سيرته وطريقته وَفَقره
فرق لَهُ وأنعم عَلَيْهِ وَقَالَ نَحن نُعْطِيه كل سنة هَذَا الْقدر ليصرفه إِلَى الْأُجْرَة وَيقْعد فِيهَا
وَتقدم بذلك وبإخراجه من الْحَبْس فوصل إِلَى قلب كل وَاحِد من الْحَاضِرين الْفَرح حَتَّى كَأَن الإنعام كَانَ فِي حَقه
أخبرنَا افتخار الدّين عبد الْمطلب بن الْفضل بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي قَالَ كَانَ عِنْد القَاضِي تَاج الدّين عبد الغفور بن لُقْمَان الكردري قَاضِي حلب غُلَام قد جعله لمجلس الحكم يَدعِي سويداً يحضر
стр. 47
الْخُصُوم إِلَى مجْلِس الحكم
فَحَضَرَ بعض التُّجَّار وَادّعى أَن لَهُ على نور الدّين دَعْوَى
فَقَالَ الكردري لسويد الْمَذْكُور امْضِ إِلَى نور الدّين وادعه إِلَى مجْلِس الحكم وعرفه أَنه حضر شخص يطْلب حُضُوره وَكَانَ نور الدّين فِي الميدان فجَاء سُوَيْد إِلَى بَاب الميدان فَخرج إِسْمَاعِيل الخزندار فَوَجَدَهُ فَتقدم سُوَيْد إِلَيْهِ وَقَالَ قد سيرني تَاج الدّين القَاضِي وَذكر أَنه حضر تَاجر وَذكر أَن لَهُ دَعْوَى على الْمولى نور الدّين وَقد أنفذني تَاج الدّين وَقَالَ لي كَذَا وَكَذَا فَضَحِك إِسْمَاعِيل الخزندار وَدخل على نور الدّين ضَاحِكا وَقَالَ لَهُ مستهزئا يقوم الْمولى فَقَالَ إِلَى أَيْن فَقَالَ قد حضر سُوَيْد غُلَام تَاج الدّين الكردري وَقَالَ إِن تَاج الدّين أرْسلهُ يطْلب الْمولى إِلَى مجْلِس الحكم فَأنْكر نور الدّين على إِسْمَاعِيل استهزاءه وَقَالَ تستهزئ بطلبي إِلَى مجْلِس الحكم وَقَالَ نور الدّين يحضر فرسي حَتَّى نركب إِلَيْهِ السّمع وَالطَّاعَة
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إنّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنينَ إِذا دُعُوا إلىَ الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا﴾ ثمَّ نَهَضَ وَركب حَتَّى دخل بَاب الْمَدِينَة فاستدعى سويدا وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى القَاضِي تَاج الدّين وَسلم عَلَيْهِ وَقل لَهُ إِنِّي جِئْت إِلَى هَا هُنَا امتثالا لأمر الشَّرْع وأحتاج فِي الْحُضُور الى مَجْلِسه إِلَى سلوك هَذِه الْأَزِقَّة وفيهَا الأطيان وَهَذَا وَكيلِي يسمع الدَّعْوَى وَإِن تَوَجَّهت على يَمِين أحضر إِن شَاءَ الله
قَالَ فَحَضَرَ الْوَكِيل وَسمع الدَّعْوَى وتوجهت الْيَمين فَقَالَ الْكرْدِي قد تَوَجَّهت الْيَمين فليحضر
فَلَمَّا بلغ نور الدّين ذَلِك وَعلم أَنه لَا مندوحة عَن حُضُور مَجْلِسه للْيَمِين استدعى ذَلِك التَّاجِر وَأصْلح الْأَمر فِيمَا بَينه وَبَينه وأرضاه
стр. 48
سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة بهاء الدّين يَقُول حكى لي السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين قَالَ أَرْسلنِي الْملك الْعَادِل نور الدّين إِلَى عمي أَسد الدّين شيركوه وَكَانَ لَا يفعل شَيْئا إِلَّا بمشورته فَقَالَ امْضِ وَقل لأسد الدّين قد خطر فِي بالي أَن أبطل هَذِه الضمانات بأسرها والمؤن والمكوس
وَخذ رَأْيه فِي ذَلِك
قَالَ فَجئْت إِلَيْهِ وأنهيت إِلَيْهِ مَا قَالَ لي فَقَالَ امْضِ وَقل لَهُ يَا مَوْلَانَا إِذا فعلت ذَلِك فالأجناد الَّذين أَرْزَاقهم على هَذِه الْجِهَات من أَيْن تعطيهم وتحتاج إِلَيْهِم للغزاة وَخُرُوج العساكر فَقَالَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين فَقلت لِعَمِّي هَذَا أَمر قد ألهمه الله إِيَّاه فساعده عَلَيْهِ
فصاح فِي وَقَالَ امْضِ إِلَيْهِ وَقل لَهُ مَا أَقُول لَك قَالَ فعدت إِلَى نور الدّين فأنهيت إِلَيْهِ مَا قَالَ لي عمي فَقَالَ امْضِ إِلَيْهِ وَقل لَهُ إِذا كُنَّا نغزو من هَذِه الْجِهَات نتركها ونقعد وَلَا نخرج قَالَ فعدت إِلَى عمي وَقلت لَهُ مَا قَالَ فَقَالَ قل لَهُ إِن تركوك تقعد فجيد هُوَ فراجعته فِي أَلا يثبطه عَن ذَلِك فصاح فِي وَقَالَ امْضِ إِلَيْهِ وَقل لَهُ مَا أَقُول لَك قَالَ فَجئْت إِلَيْهِ وَقلت لَهُ ذَلِك فَترك ذَلِك مُدَّة ثمَّ أمضى مَا كَانَ عزم عَلَيْهِ
قَالَ لي صقر بن يحيى بَلغنِي أَن موفق الدّين خَالِدا رأى فِي النّوم كَأَن نور الدّين دفع إِلَيْهِ ثِيَابه ليغسلها فَقص مَنَامه على نور الدّين فتمعر وَجه نور الدّين فَخَجِلَ موفق الدّين وَبَقِي أَيَّامًا على غَايَة من الخجل فاستدعاه يَوْمًا نور الدّين وَقَالَ تعال قد آن لَك أَن تغسل ثِيَابِي اقعد واكتب بِإِطْلَاق الْمُؤَن والمكوس والأعشار واكتب للْمُسلمين إِنَّنِي قد رفعت
стр. 49
عَنْكُم مَا رَفعه الله عَنْكُم وَأثبت عَلَيْكُم مَا أثْبته الله تَعَالَى عَلَيْكُم قَالَ فَكتب موفق الدّين توقيعا
سَمِعت خَليفَة بن سُلَيْمَان بن خَليفَة الْفَقِيه يَقُول سَمِعت أبي يَقُول لما كسر نور الدّين يَعْنِي كسرة كسرة البقيعة تكلم الْبُرْهَان الْبَلْخِي فَقَالَ أتريدون أَن تنصرُوا وَفِي عسكركم الْخُمُور والطبول والزمور كلا
وكلاما مَعَ هَذَا فَلَمَّا سَمعه نور الدّين قَامَ وَنزع عَنهُ ثِيَابه تِلْكَ وَعَاهد الله تَعَالَى على التَّوْبَة وَشرع فِي إبِْطَال المكوس إِلَى أَن خرج فِي نوبَة حارم وَكسر الإفرنج
وَسمعت صديقنا شمس الدّين إِسْمَاعِيل بن سودكين بن عبد الله النوري وَكَانَ أَبوهُ أحد مماليك نور الدّين وعتيقه يَقُول سَمِعت وَالِدي يَقُول كَانَ نور الدّين مَحْمُود ﵀ يلبس فِي اللَّيْل مسحا وَيقوم يُصَلِّي فِيهِ قِطْعَة من اللَّيْل قَالَ وَكَانَ يرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء ويبكي ويتضرع وَيَقُول ارْحَمْ العشار المكاس
стр. 50
قَالَ لي قَاضِي الْقُضَاة بهاء الدّين سير نور الدّين إِلَى بَغْدَاد كتابا يعلم الْخَلِيفَة بِمَا أطلق وبمقدار مَا أطلق ويسأله أَن يتَقَدَّم إِلَى الوعاظ بِأَن يستجعلوا من التُّجَّار وَمن جَمِيع الْمُسلمين لَهُ فِي حل مِمَّا كَانَ قد وصل إِلَيْهِ يعْنى من أَمْوَالهم فَتقدم بذلك وَجعل الوعاظ على المنابر ينادون بذلك
حَدثنِي رضى الدّين أَبُو سَالم عبد الْمُنعم بن الْمُنْذر أَن نور الدّين حِين خرج لأخذ شيزر خرج أَبُو غَانِم بن الْمُنْذر صحبته فَأمره نور الدّين ﵀ بِكِتَابَة منشور بِإِطْلَاق الْمَظَالِم بحلب ودمشق وحمص وحران وسنجار والرحبة وعزاز وتل بَاشر وعداد الْعَرَب فَكتب عَنهُ توقيعا نسخته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
هَذَا مَا تقرب بِهِ إِلَى الله صافحا وَأطْلقهُ مسامحاً لمن علم ضعفه من الرعايا رعاهم الله لضعفهم عَن عمَارَة مَا أخربته أَيدي الْكفَّار أبادهم الله تَعَالَى عِنْد استيلائهم على الْبِلَاد وَظُهُور كلمتهم فِي الْعباد رأفة بِالْمُسْلِمين المثاغرين ولطفا بالضعفاء المرابطين الَّذين خصهم الله سُبْحَانَهُ بفضيلة الْجِهَاد واستمحنهم بمجاورة أهل العناد اختبارا لصبرهم وإعظاما لأجرهم فصبروا احتسابا وأجزل الله لَهُم أجرا وثوابا ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ وَأعَاد عَلَيْهِم مَا اغتصبوا عَلَيْهِ من أملاكهم الَّتِي أَفَاء الله عَلَيْهِم بهَا من الْفتُوح العمرية واقرها فِي الدولة الإسلامية بَعْدَمَا طَرَأَ عَلَيْهَا من الظلمَة الْمُتَقَدِّمين واسترجعه بِسَيْفِهِ من الْكَفَرَة الملاعين فطمس عَنْهُم بذلك معالم الْجور
стр. 51
وَهدم أَرْكَان التَّعَدِّي واقر الْحق مقره لقَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثاَلهاَ﴾ ﴿واللهُ يُضاَعِفُ لُمِنَ يَشَاءُ﴾ ثمَّ لما أَعَانَهُ الله بعونه وأيده بنصره وقمع بِهِ عَادِية الْكفْر وَأظْهر بهمته شَعَائِر الْإِسْلَام وأظفره بالفئة الطاغية وَأمكنهُ من مُلُوكهَا الباغية فجعلهم بَين قَتِيل غير مقاد وهارب مَمْنُوع الرقاد ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِين فِي الأصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنن أَو أَمْسِكْ بغَيْرِ حِسَاب وَإن لَهُ عِنْدَنا لَزُلفى وَحُسْن مآب﴾ علم أَن الدُّنْيَا فانية فاستخدمها للآخرة الْبَاقِيَة واستبقى ملكه الزائل بَان قدمه أَمَامه وَجعله ذخْرا للمعاد فالتقوى مَادَّة دارة إِذا انْقَطَعت الْموَاد وجاًدة وَاضِحَة حِين تَلْتَبِس الْجواد ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله﴾ فصفح لكافة الْمُسَافِرين وَجَمِيع الْمُسلمين بالضرائب والمكوس وأسقطها من دواوينه وحرمها على كل متطاول إِلَيْهَا ومتهافت عَلَيْهَا تجنبا لإثمها واكتسابا لثوابها فَكَانَ مبلغ مَا سامح بِهِ وَأطْلقهُ وأنفذ الْأَمر فِيهِ اتبَاعا لكتاب الله وَسنة نبيه مُحَمَّد ﷺ فِي كل سنة من الْعين مئة ألف وَسِتَّة وَخمسين ألف دِينَار جِهَة ذَلِك حلب خَمْسُونَ ألف دِينَار عزاز عَن مكس جددته الفرنج خذلهم الله على الْمُسَافِرين عشرَة آلَاف دِينَار تل بَاشر أحد وَعِشْرُونَ ألف دِينَار المعرة ثَلَاثَة آلَاف دِينَار دمشق المحروسة لما استنجد بِهِ أَهلهَا واستصرخ من فِيهَا خوفًا على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ من اسْتِيلَاء الْعَدو وضعفهم عَن مقاومة مَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم فِي كل
стр. 52
سنة وَهُوَ رسم يسمونه الفسة عشرُون ألف دِينَار حمص سِتَّة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار حران خَمْسَة آلَاف دِينَار سنجار ألف دِينَار الرحبة عشرَة آلَاف دِينَار عداد الْعَرَب عشرَة آلَاف دِينَار وَمَا وَقفه وَتصدق بِهِ وأجراه فِي سبل الْخيرَات ووجوه الْبر وَالصَّدقَات تَقْدِير ثمنه مئتا ألف دِينَار وَتَقْدِير الْحَاصِل من ارتفاعه فِي كل سنة ثَلَاثُونَ ألف دِينَار من ذَلِك مَا وَقفه على الْمدَارِس الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة والملكية والحنبلية وأئمتها ومدرسيها وفقهائها وَمَا وَقفه على آدر الصُّوفِيَّة والربط والجسور والبيمارستانات والجوامع والمساجد والأسوار وَمَا وَقفه على السَّبِيل فِي طَرِيق الْحجاز وَمَا وَقفه على فكاك الأسرى وَتَعْلِيم الْأَيْتَام ومقر الغرباء وفقراء الْمُسلمين وَمَا وَقفه على الْأَشْرَاف العلويين والعباسيين وَمَا ملكه لجَماعَة من الْأَوْلِيَاء والغزاة والمجاهدين
هَذَا جَمِيعه سوى مَا أنعم بِهِ على أهل الثغور حرسها الله تَعَالَى من أملاكهم الَّتِي تقدم ذكرهَا فَإِنَّهُ يضاهي هَذَا الْمبلغ وَزِيَادَة عَلَيْهِ جعل ذَلِك ذَرِيعَة عِنْد الله تَعَالَى وتقربا إِلَيْهِ مُضَافا إِلَى مَا أنفقهُ فِي الْغُزَاة وَالْجهَاد واستئصال شأفة الْكفْر والعناد من خزانته المعمورة وأمواله الموروثة المذخورة طلبا لما عِنْد الله ﴿وَالله عِنْده حسن الثَّوَاب﴾ فَالْوَاجِب على كل إِمَام عَادل وسلطان قَادر أَن يمده ويوده ويشد عضده وَيُقَوِّي عزمه وَينفذ حكمه وعَلى كل مُسلم أَن يواصله بِالدُّعَاءِ آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَكتب خَادِم دولته وغذي نعْمَته عبد الرَّحْمَن بن عبد الْمُنعم بن رضوَان بن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد بن الْمُنْذر الْحلَبِي غفر الله لَهُ ورحمه وَرَضي عَنهُ إِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من أَئِمَّة الدّين وفقهاء الْمُسلمين وَأَصْحَاب الزوايا
стр. 53
المتعبدين وكافة التُّجَّار والمسافرين أحسن الله توفيقهم وسدد إِلَى أغراض الْخَيْر تفويقهم ليشعروا بذلك من حضرهم من التُّجَّار والمترددين إِلَيْهِم من الْأَسْفَار ليعرفوا قدر مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ ويمدوه بأدعيتهم ويبرؤوا ذمَّته مِمَّا سبق من أَخذ مؤنتهم فَإِنَّهُ لم يصرف ذَلِك إِلَّا فِي وَجه بر وتجهيز جَيش ومعونة مُجَاهِد وردع كَافِر ومعاند فهم شركاؤه فِي الثَّوَاب
قَالَ لي رضى الدّين أَبُو سَالم بن الْمُنْذر فَلَمَّا وقف نور الدّين على قَوْله ويبرؤوا ذمَّته مِمَّا سبق
اسْتحْسنَ ذَلِك كثيرا ووعده بإقطاع حسن وَاتفقَ مَوته بعد ذَلِك
قلت ونقلت من خطّ الشَّيْخ الْأمين أَبى الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْخضر بن الْحُسَيْن بن عَبْدَانِ الأزدى الدِّمَشْقِي وقف الْمولى نور الدّين بُسْتَان الميدان سوى الغيضة الَّتِي من قبليه بعد عِمَارَته وَإِصْلَاح مَا يحْتَاج إِلَيْهِ على تطييب الْمَسَاجِد الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا وَهِي جَامع دمشق المحروسة جَامع قلعة دمشق مدرسة الْحَنَفِيَّة الَّتِي جددها نور الدّين مَسْجِد ابْن عَطِيَّة دَاخل بَاب الْجَابِيَة مَسْجِد ابْن لبيد بالفسقار مَسْجِد سوق الرماحين الْمَسْجِد الْمُعَلق بسوق الصاغة مَسْجِد دَار الْبِطِّيخ الْمُعَلق مَسْجِد العباسي بسوق الْأَحَد مَسْجِد جدده نور الدّين جوَار بيعَة
стр. 54
الْيَهُود جَامع الصَّالِحين بجبل قاسيون يبْتَاع بذلك طيب وعود وَيفرق على هَذِه الْأَمَاكِن النّصْف للجامع بِدِمَشْق وَالنّصف الثَّانِي يَنْقَسِم على أحد عشر جُزْءا جزءان للمدرسة وَتِسْعَة أَجزَاء لتسعة الْمَسَاجِد الْبَاقِيَة لكل مَسْجِد جُزْء وَاحِد تطيب هَذِه الْأَمَاكِن فِي الْأَوْقَات الشَّرِيفَة ومواسم الاجتماعات وليالي شهر رَمَضَان والأعياد وَأَيَّام الْجمع وَقت عقد الْجُمُعَة فِي الْجَوَامِع وليالي الْجُمُعَة وَالْخَمِيس والاثنين
ونقلت من خطه أَيْضا أَن نور الدّين ﵀ الله تَعَالَى حضر عِنْده بقلعة دمشق يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر صفر سنة أَربع وَخمسين وَخمْس مئة القَاضِي زكي الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن يحيى الْقرشِي وَالْفُقَهَاء الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون والخطيب عز الدّين أَبُو البركات بن عبد وَالْإِمَام عز الدّين أَبُو الْقَاسِم على بن الْحسن بن
стр. 55
الماسح الشافعيون وَشرف الدّين أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى الْمَالِكِي وَشرف الْإِسْلَام نجم بن عبد الْوَهَّاب الْحَنْبَلِيّ وَرَضي الدّين أَبُو غَالب عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد بن أَسد التَّمِيمِي رَئِيس دمشق ونظام الدّين أَبُو الْكِرَام المحسن بن أبي المضاء مُتَوَلِّي الوزارة بِدِمَشْق والأعيان من شُهُود الْعَدَالَة بِدِمَشْق وهم عبد الصَّمد بن تَمِيم وَعبد الْوَاحِد بن هِلَال والصائن أَبُو الْحُسَيْن وَغَيرهم
فَسَأَلَهُمْ نور الدّين عَن الْمُضَاف إِلَى أوقاف الْمَسْجِد الْجَامِع بِدِمَشْق من الْمصَالح الَّتِي لَيست وَقفا عَلَيْهِ وَأَن يظْهر كل وَاحِد مِنْهُم مَا يُعلمهُ من ذَلِك ليعْمَل بِهِ وَيَقَع الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُم لَيْسَ يجوز لأحد مِنْكُم أَن يعلم من ذَلِك شَيْئا إِلَّا ويذكره
стр. 56
وَلَا يُنكر شَيْئا مِمَّا يَقُوله غَيره إِلَّا وينكره والساكت مِنْكُم مُصدق للناطق ومصوب لقَوْله وَلَيْسَ الْعَمَل إِلَّا على مَا تتفقون عَلَيْهِ وتشهدون بِهِ وعَلى هَذَا كَانَ الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم يَجْتَمعُونَ ويتشاورون فِي مصَالح الْمُسلمين
فَكل من الْحَاضِرين شكره على مَا قَصده وَأثْنى عَلَيْهِ ودعا لَهُ بِالْبَقَاءِ ثمَّ أَمر نور الدّين مُتَوَلِّي أوقاف الْجَامِع والمساجد والبيمارستان وقني السَّبِيل وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك أَن يقْرَأ عَلَيْهِ بِمحضر من الْمَذْكُورين ضريبة الْأَوْقَاف موضعا موضعا ليفرد مَا يعلمُونَ أَنه للْمصَالح دون الْوَقْف فَافْتتحَ بِالسوقِ المستجد تَحت المئذنة الغربية جوَار البيمارستان فَقَالَ الصائن وَابْن تَمِيم وَابْن هِلَال هَذَا السُّوق بِكَمَالِهِ لمصَالح الْمُسلمين وَلَيْسَ من وقف الْجَامِع لِأَنَّهُ احدث فِي طَرِيق الْمُسلمين وَقد صرف فِي الْجَامِع من أجوره أوفى مِمَّا غرم على عِمَارَته من وَقفه
فَصَدَّقَهُمْ الْحَاضِرُونَ على مَا شهدُوا بِهِ ومبلغ ذَلِك خمس وَعِشْرُونَ عضادة ثمَّ عين للْمصَالح أَيْضا مَا فِي زِيَادَة الْجَامِع الْقبلية وَزِيَادَة بَاب الْبَرِيد فِي الصَّفّ القبلي والشامي من العضائد والحوانيت وَالْحجر الَّتِي طباقها وطباق الطَّرِيق بحضرتها وَجَمِيع بيُوت الخضراء من قبْلَة الْجَامِع والفرن المستجد بهَا وَدَار الْخَيل والمساكن والحوانيت الْمُجَاورَة لدار الْخَيل وحانوت فِي الخواصين فِي الصَّفّ الغربي وَاثنا عشر حانوتا متلاصقات فِي الصَّفّ الشَّرْقِي تعرف بالمعتصميات وَنصف حَانُوت والفرجة المستجدة بِحَضْرَة دَار الْوكَالَة إِلَى سوق على وعدتها ثَلَاثَة عشر حانوتا ومصطبة وَثَلَاثَة حوانيت فِي الصَّفّ
стр. 57
الشَّامي من سوق على بلصق الفرجة من شرقها وحانوت بالفسقار فِي الصَّفّ القبلي يعرف بسكنى ثَعْلَب الفقاعي وحوانيت اللبادين وَالَّتِي بحضره الفوارة وَتَحْت اللبادين وقيسارية العقيقي بسوق الْأَحَد وتعرف بدار الشَّجَرَة وحانوتان فِي الصَّفّ الشَّرْقِي بِحَضْرَة فندق الزَّيْت من غرب درب التمارين وحانوت بقنطرة الشماعين فِي الصَّفّ الشَّامي بِحَضْرَة البياطرة وَقطعَة جوَار المأمونية من غربها والعضائد الَّتِي فِي الصَّفّ الشَّامي من سوق الْأَحَد وَهِي خَمْسَة عشر عضادة وَسِتَّة أسْهم من طاحونة السَّقِيفَة
وَذَلِكَ كُله بعضه مِيرَاث عَن بني أُميَّة كالخضراء وَدَار الْخَيل وَبَعضه اشْترِي بِمَال الْوَقْف والمصالح وَبَعضه أَخذ مِمَّن باد أَهله الْمَوْقُوف عَلَيْهِم وَلم يكن لَهُ مَال وَبَعضه أحدث فِي الطَّرِيق قَالَ فَلَمَّا شهدُوا بِصِحَّة جَمِيع مَا ذكر وَأَن مَنَافِع ذَلِك وأجوره جَارِيَة فِي الْمصَالح قَالَ نور الدّين إِن أهم الْمصَالح سد ثغور الْمُسلمين وَبِنَاء السُّور الْمُحِيط بِدِمَشْق والقل وَالْخَنْدَق لصيانة الْمُسلمين وحريمهم وَأَمْوَالهمْ فصوبوا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ وشكروه
ثمَّ سَأَلَهُمْ عَن فواضل الْأَوْقَاف هَل يجوز صرفهَا فِي عمَارَة الأسوار وَعمل الخَنْدَق للْمصْلحَة المتوجهة للْمُسلمين فَأفْتى شرف الدّين عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي بِجَوَاز ذَلِك وَمِنْهُم من روى فِي مهلة النّظر وَقَالَ الشَّيْخ شرف الدّين بن أَبى عصرون الشَّافِعِي لَا يجوز أَن يصرف وقف مَسْجِد إِلَى غَيره وَلَا وقف معِين إِلَى جِهَة غير تِلْكَ الْجِهَة وَإِذا لم يكن بُد من ذَلِك فَلَيْسَ طَرِيقه إِلَّا أَن يقترضه من إِلَيْهِ الْأَمر فِي بَيت مَال الْمُسلمين فيصرفه فِي
стр. 58
الْمصَالح وَيكون الْقَضَاء وَاجِبا من بَيت المَال
فوافقه الْأَئِمَّة الْحَاضِرُونَ مَعَه على ذَلِك
ثمَّ سَالَ ابْن أَبى عصرون نور الدّين هَل أنْفق شَيْء قبل الْيَوْم على سور دمشق وعَلى بِنَاء الكلاسة من شام الْجَامِع وعَلى إنْشَاء السّقف المقرنص تَحت النسْر بالجامع وعَلى الرصاص الْمَعْمُول على سطح الرواق الشَّامي من الْجَامِع وَسَائِر العمارات الْمُتَعَلّقَة بالجامع الْمَعْمُور بِغَيْر إِذن مَوْلَانَا وَهل كَانَ إِلَّا مبلغا لِلْأَمْرِ العالي فِي عمل ذَلِك فَقَالَ نور الدّين لم تنْفق ذَلِك وَلَا شَيْء مِنْهُ إِلَّا بإذني وَأَنا أمرت بِهِ وبفتح المشهدين من غربي الْجَامِع الْمَعْمُور اللَّذين كَانَا مخزنين وَكنت مبلغا عني ومؤديا أَمْرِي
قلت هَذَا مُخْتَصر الْمحْضر الَّذِي كتب فِيهِ صُورَة مَا جرى فِي ذَلِك الْمجْلس وَهُوَ مُشْتَمل على فَوَائِد حَسَنَة وتأكيد لما نقل من سيرة هَذَا الْملك فِي وُقُوفه مَعَ أوَامِر الشَّرِيعَة
وَفِي ذَلِك الْمحْضر خطوط الْجَمَاعَة الْحَاضِرين
وَصُورَة مَا كتبه الْمَالِكِي الْمُفْتِي حضرت الْمجْلس الْمَذْكُور عمره الله وزينه بِالْعَدْلِ أبدا مَا عَاشَ صَاحبه وَشهِدت على مَا تضمنه من المشورة الْمُبَارَكَة وَمَا نسب إِلَى الْجَمَاعَة الشَّهَادَة بِهِ من الْمَوَاضِع الْمَشْهُورَة كَمَا نسب إِلَيْهِم وَقد أخل بِذكر دَار الْحِجَارَة وَقد ذكروها فِي الْمصَالح وَمَا نسب إِلَى من الْفَتْوَى فقد كنت قيدته بِالْحَاجةِ وفراغ بَيت المَال أَو ضعفه عَن الْقيام بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ ومهماتهم الدِّينِيَّة كتبه عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى بن مُحَمَّد الْمَالِكِي
стр. 59
فصل
وَقد مدح نور الدّين ﵀ باشعار كَثِيرَة وأوصافه فَوق مَا مدح بِهِ
وَكَانَ فِي أول دولته شَاعِرًا زمانهما أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نصر بن صَغِير وَأَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُنِير وَلَهُمَا فِيهِ أشعار فائقة ستأتي جملَة مِنْهَا فِي موَاضعهَا وَقد رَأَيْت أَن أقدم مِنْهَا شَيْئا هُنَا
قَرَأت فِي ديوَان مُحَمَّد بن نصر القيسراني كتب إِلَى نور الدّين سَلام الله وحنانه ورأفته وامتنانه وروحه وريحانه على من عصم ثغر العواصم وخصم بحجته الدَّهْر المخاصم وألجم بهيبته العائب والواصم الَّذِي انتضى فِي سَبِيل الله سيوف الْجِهَاد وارتضى بعز سُلْطَانه شعار الْعباد والزهاد واهتدى إِلَى طَاعَة الله وَلَيْسَ غير الله من هاد وَمن أَصبَحت أَطْرَاف الْبِلَاد أوساطا لمملكته ومعاقل الْكفَّار فِي عقال ملكته ومركز الشُّكْر مراكز أَعْلَامه وألويته وَمن عَادَتْ بِهِ ثغور الشَّام ضاحكة عَن ثغور النَّصْر وممالك الْإِسْلَام متوجة بتيجان الْفَخر وصعاب الْأُمُور منقادة إِلَيْهِ بأزمة الْقَهْر وَمن رأى الحكم دارسة فَبنى مدارسها والهمم يابسة فسقى منابتها ومغارسها والمنابر شامسة فَأمكن من صهواتها فوارسها وَمن عمر ربع السّنَن بَعْدَمَا عَفا وأنقذ من الْفِتَن من كَانَ مِنْهَا على شفى وَمن نشر أَعْلَام الْفضل وأنشر بعد الْوَفَاة أَيَّام الْعدْل وَمن أنار بِوَجْهِهِ الْإِيمَان وَأخذ النَّاس بِهِ من الزَّمَان توقيع الْأمان
стр. 60
(ذُو الجهادين من عَدو وَنَفس ... فَهُوَ طول الْحَيَاة فِي هيجاء)
(أَيهَا الْمَالِك الَّذِي ألزم النَّاس ... سلوك المحجة الْبَيْضَاء)
(قد فضحت الْمُلُوك بِالْعَدْلِ لما ... سرت فِي النَّاس سيرة الْخُلَفَاء)
(قاسماً مَا ملكت فِي النَّاس حَتَّى ... لقسمت التقى على الأتقياء)
(شيم الصَّالِحين فِي جنن التّرْك ... وَكم من سكينَة فِي قبَاء)
(أَنْت حينا تقاس بالأسد الْورْد ... وحينا تعد فِي الْأَوْلِيَاء)
(صاغك الله من صميم الْمَعَالِي ... حَيْثُ لَا نِسْبَة سوى الآلاء)
(وَكَأن القباء مِنْك لما ضم ... من الطُّهْر مَسْجِد بقباء)
(أَنْت إِلَّا تكن نَبيا فَمَا فاتك ... إِلَّا خلائق الْأَنْبِيَاء)
(رأفة فِي شهامة وعفاف ... فِي اقتدار وسطوة فِي حَيَاء)
(وجمال ممنطق بِجلَال ... وَكَمَال متوج ببهاء)
(وَإِذا مَا الْمُلُوك خَافت سِهَام الذَّم
(م) زرت عَلَيْك درع الثَّنَاء)
(عجب النَّاس مِنْك أَنَّك فِي الْحَرْب ... شهَاب الكتيبة الشَّهْبَاء)
(وَكَأن السيوف من عزمك الْمَاضِي ... أفادت مَا عِنْدهَا من مضاء)
(ولعمري لَو اسْتَطَاعَ فدَاك الْقَوْم ... بالأمهات والآباء) وَله فِيهِ
(لله عزمك أَي سيف وغى ... طبعت مضاربه على الْقَهْر)
(مَا زفت الْحَرْب الْعوَان بِهِ ... إِلَّا انجلت عَن معقل بكر)
стр. 61
(هَل وَجه نور الدّين غير سنى ... صدع الدجى عَن خجله الْبَدْر)
(ملك مهابته طليعته ... أبدا أَمَام جيوشه تسرى)
(كم فل كيدهم بصاعقة ... شغلت قُلُوبهم عَن الْفِكر)
(تركت حصونهم سجونهم ... فالقوم قبل الْأسر فِي أسر)
(عصم العواصم فَهِيَ ضاحكة ... تجلو الظبي ثغرا على الثغر)
(وَإِذا سَرَايَا خيله قفلت ... نهضت سَرَايَا الْخَوْف والذعر)
(وَرمى القلاع بِمثل جندلها ... حَتَّى استكان الصخر بالصخر)
(يَا سائلي عَن نهج سيرته ... هَل غيرُ مفرق هَامِه الْفجْر)
(عدل حقيقُ من تَأمله ... أَن يُحْيِىَ العُمَريْن بِالذكر)
(وشهامة فِي الله خَالِصَة ... عقدت عَلَيْهِ تمائم الْأجر)
(وندى يَد مَا ضرّ واردها ... أَلا يبيت مجاور الْبَحْر)
(هَذَا المخيم فِي ذرا حلب ... وثناؤه أبدا على ظهر)
وَله فِيهِ وَقد وصف دَاره
(دَار تغار الشَّمْس فِي أفقها ... من حسنها وَالشَّمْس مغيار)
(يزأر فِيهَا ضيغم مَا لَهُ ... غير سيوف الْهِنْد أظفار)
(تمسي وتضحي وَهُوَ جَار لَهَا ... وَالله ذُو الْعَرْش لَهُ جَار)
(لسيفه الباتر من دهره الجائر ... مَا يهوى ويختار)
(قد مَلأ الْأَسْفَار من ذكره ... نشر لَهُ فِي الرَّوْض إسفار)
(حمد يضوع الجوُّ من طيبه ... كَأَنَّمَا رَاوِيه عطار)
(إِن خطرت فِي قلبه خطرة ... أجابها مَاض وخطار)
стр. 62
(وَإِن دَعَا داعيه يَوْم الوغى ... سيوفه لبَّتْه أقدار)
(كَأَنَّمَا صارمه مرسلُ ... لَهُ من التأييد أنصار)
(يَا مَالك الدُّنْيَا وَلكنهَا ... دنيا لَهَا فِي الدّين آثَار)
(وَيَا جوادا مَا لآلائه ... غير فضاء الْحَمد مضمار)
وَله فِيهِ
(تدارك مِلَّة الْعَرَبِيّ ذبا ... إِلَى أَن عده مِنْهُ معد)
(وَحل ذرى العواصم وَهِي نُهْبى ... فَأجلى الشّرك حَتَّى لَيْسَ ضِدٌّ)
(ثنى يَده عَن الدُّنْيَا عفافا ... وَمَال بهَا عَن الْأَمْوَال زهد)
(رأى حط المكوس عَن الرعايا ... فأهدر قبل مَا أنشاه بعد)
(وَمد لَهَا رواق الْعدْل شرعا ... وَقد طوي الرواق وَمن يمد)
(وَبَات وَعند بَاب الْعَرْش مِنْهَا ... لدولته دُعَاء لَا يرد)
وَله فِيهِ
(ملك أشبه الملائك فضلا ... وشبيه بِمَالك الْأَمر جندُه)
(عَم إحسانه فَأصْبح يُتْلى ... شكره فِي الورى ويدرس حَمده)
(فسقى الله ذكره أَيْنَمَا حل ... وَلَا فَاتَهُ من النَّصْر رفده)
وَله
(ضحِكت تباشير الصَّباح كَأَنَّهَا ... قَسَماتُ نور الدّين خير النَّاس)
(المُشْتَرِي العقبى بأنفس قيمَة ... وَالْبَائِع الدُّنْيَا بِغَيْر مكاس)
(وسرى دُعَاء الْخلق يحرس نَفسه ... إِن الدُّعَاء يعد فِي الحراس)
(رَاض الخطوب الصُّم بعد جماحها ... وألان من قلب الزَّمَان القاسي)
(وَأعَاد نور الْحق فِي مشكاته ... وَأقَام وزن الْعدْل بالقسطاس)
(وَاخْتَارَ مجد الدّين سائس ملكه ... فحمى الرياسة مِنْهُ طود راسي)
стр. 63
(فَهُوَ الْخَبِير بِكُل دَاء معضل ... يأسو جراح زَمَاننَا ويواسي)
(وأذل سُلْطَان النِّفَاق بعزة ... خضعت لَهَا الآساد فِي الآخياس)
(وعرته أَقْرَان الخطوب فصدها ... ألوى يمارسها أَشد مراس)
(وَلَو أَن فيض النّيل فائض نيله ... لم تفْتَقر مصر إِلَى مقياس)
(سكنت شغب الدَّهْر بعد تخمط ... والنت من عطفيه بعد شماس)
(وَفتحت بَاب الْحَظ بعد رتاجه ... وأذنت للأطماع بعد الياس)
(حَتَّى منحت الْخلق كل مَسَرَّة ... فَالنَّاس فِي عرس من الأعراس)
وَله
(سَام الشَّام وَيَا لَهَا من صَفْقَة ... لولاه مَا عنت على يَد سائم)
(ولشمرت عَنْهَا الثغور وأصبحت ... فِيهَا العواصم وَهِي غير عواصم)
(تِلْكَ الَّتِي جمحت على من راضها ... ودعوت فانقادت بِغَيْر شكائم)
(وَإِذا سعادتك احتبت فِي دولة ... قَامَ الزَّمَان لَهَا مقَام الْخَادِم)
(حصِّن بلادك هَيْبَة لَا رهبة ... فالدرع من عدد الشجاع الحازم)
(هَيْهَات يطْمع فِي محلك طامع ... طَال الْبناء على يَمِين الهادم)
(كلفت همتك السُّمُوَّ فحَّلَقت ... فَكَأَنَّمَا هِيَ دَعْوَة فِي ظَالِم)
(وأظن أَن النَّاس لما لم يرَوا ... عدلا كعدلك أرجفوا بالقائم)
стр. 64
وَله
(قلت بقول الله لَا خَائفًا ... مَعَ حكم الْقُرْآن حكم القِران)
(لَا رَاقِب النَّجْم وَلَا سَائِلًا ... مَا فعل السعدان والنيران)
(بل غِرْت لِلْإِسْلَامِ حَتَّى لقد ... دَان لَهُ من بِالطَّوَاغِيتِ دَان)
(رعت نواميس نواقيسها ... بجلبة الآذان وَقت الْأَذَان)
(تمحو تصاوير الدُّمى عَن يَد ... تبني المحاريب خلال المجان)
(هَذَا وَكم أنشأت من مِنْبَر ... فارسه فَارس سحر الْبَيَان)
(من نَالَ بالإخلاص مَا نلته ... كَانَ من الله مكين الْمَكَان)
(يَا شائماً بِالشَّام صوب الحيا ... ودانيا من كل قاص ودان)
(هذى سجوف الْملك مَرْفُوعَة ... عَن ملك أخباره كالعيان)
(أوضح سُبْلَ الْعدْل مفتنة ... فللبرايا بِالدُّعَاءِ افتنان)
(ألغى حقوقا كلهَا بَاطِل ... إِلَى ضَمَان حط مَال الضَّمَان)
(عطفا ورفقا بالرعايا وَإِن ... أصبح تَأْدِيب مُلُوك الزَّمَان)
(كم بَين من نَام على نشوة ... وساهد فِي صهوة من حصان)
(فِي كل يَوْم يبتني سَيْفه ... ببلدة بكر وَأُخْرَى عوان)
وقرأت فِي ديوَان أَحْمد بن مُنِير الطرابلسي من قصائد يمدح بهَا نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 65
يَا محيي الْعدْل وَيَا منشره ... من بَين أطباق البلى وَقد همد)
(وركن الْإِسْلَام الَّذِي وطده ... طَال وأرسى الْعِزّ فِيهِ ووطد)
(وشارع الْمَعْرُوف إِذْ لَا شفة ... تجنح لِلْقَوْلِ وَلَا تشمخ يَد)
(محوت مَا أثْبته الْجور مضى ... عَلَيْهِ إخلاد اللَّيَالِي فخلد)
(من كل مكاس يظل قَاعِدا ... لما يسوء الْمُسلمين بالرصد)
(كَانَت لأرجاس الْيَهُود دولة ... أزالها مِنْك الهصور ذُو اللبد)
(الْملك الْعَادِل لفظ طابق الْمَعْنى ... وَفِي الْوَصْف معار مسترد)
(خير النعوت مَا جرى الْوَصْف على ... صفحته جرى النسيم فِي الومد)
(عدل جنيت الْيَوْم حُلْو ريعه ... وسوف يجنى لَك أحلى مِنْهُ غَد)
(لَا زَالَ لِلْإِسْلَامِ مِنْك عدَّة ... تقيم مِنْهُ كل زيغ وأود)
(النَّاس أَنْت والملوك شَرط ... تعد ليثا ويعدون نقد)
٠ - مثلك لَا يسخو بِهِ زَمَانه ... وَمثل مَا أُوتيت لم يُؤْت أحد)
وَله
(أيا نور دين خبا نوره ... ومذ شاع عدلك فِيهِ اتقد)
(رآك الصَّلِيب صَلِيب الْقَنَاة ... أَمِين العثار متين الْعمد)
(تهم فتسلبه مَا اقتنى ... وتأذي فتثكله مَا احتشد)
(زبنتهم أمس عَن صرخد ... ففضوا كَأَن نعاما شرد)
стр. 66
(وَيَوْم العريمة أقبلتهم ... عراما تثعلب مِنْهُ الْأسد)
(جنبت مليكهم فِي الصفاد ... وعفوك عَنهُ أَعم الصفد)
(وَقبل أزرتهم فِي الرها ... موازق مزقن جُرد الجرد)
(بقيت ترقع خرق الزَّمَان ... قيَاما لأبنائه إِن قعد)
(تثقف من زيغه مَا التوى ... وَتصْلح من طبعه مَا فسد)
وَله
(أيا ملك الدُّنْيَا الحلاحل وَالَّذِي ... لَهُ الأَرْض دَار والبرية أعبد)
(وَلَيْسَت بِدَعْوَى لَا يقوم دليلها ... وَلكنه الْحق الَّذِي لَيْسَ يُجحد)
(أَخُو غزوات كالعقود تناسقت ... تحل بأجياد الْجِيَاد وتعقد)
(لِسَان بِذكر الله يكسو نَهَاره ... بهاء وجفن فِي الدجى لَيْسَ يرقد)
(وبذل وَعدل أغرقا وتألقا ... فَلَا الْورْد مثمود وَلَا الْبَاب موصد)
(مرام سمائي وحزم مُسَدّد ... ورأي شهابي وعزم مؤيد)
وَله
(أبدا تنكب عَن ضلال سادرا ... بثقوب زندك أَو تدل على هدى)
(سُدت الكهول من الْمُلُوك مراهقا ... وشأوت شِيبَهم البوازل أمردا)
стр. 67
(إِن شيدوا صرحا أناف مناره ... أَو أسجدوا للكأس جدد مَسْجِدا)
(وَإِذا استهزتهم قلائد معبد ... هزته موعظة فَعرف معبدًا)
(قسما لشام الشَّام مِنْك مهندا ... أرضاه مَشْهُورا وراع مُقَلدًا)
(وَتمسك الْإِسْلَام مِنْك بِعُرْوَة ... الله أبرم حبلها فاستحصدا)
(أشفى فَكنت شفاءه من حَادث ... غاداه عَارضه مردى بالردى)
(كنت الصَّباح لليله لما دجا ... والغيث كف لظاه حِين توقدوا)
(لله يَوْم أطلعتك بِهِ النَّوَى ... تجتاب من مهج الأصافر مجسدا)
(نشوان غنتك الظبى مفلولة ... وأمال عطفيك الوشاح مقصدا)
(فِي معرك مَا قَامَ بأسك دونه ... إِلَّا أَقَامَ الْمُشْركين وأقعدا)
(وَلكم مكر قُمْت فِيهِ معلما ... أرْضى إلهك والمسيح وأحمدا)
(يَوْم العريمة والخطيم وحارم ... وشعاب باسوطا وهاب وصرخدا)
(لَا يعْدم الأشراك حدك إِنَّه ... ماسل فيهم حَاكما إِلَّا اعْتدى)
стр. 68
(أهمدتهم من بعد مَا ملؤوا الملا ... زجلا فَهَل كَانَت سيوفك مرقدا)
(طلعت نُجُوم الْحق من آفاقها ... وأعادها كرّ العصور كَمَا بدا)
(وَهوى الصَّلِيب وَحزبه وتبختر الْإِسْلَام ... من بعد التسافف أغيدا)
(سبق المجلي للخطي فرفعه ... نسق بثم وَقد رفعت بالابتدا)
وَله
(مَحْمُود المربى على أسلافه ... إِن زَاد فِي حسب الحسيب نجار)
(ملك إِذا تليت مآثر قومه ... كسد اللطيم وهجن النوار)
(مَلأ الفرنجة جور سَيْفك فيهم ... فَلهم على سيف الْمُحِيط جؤار)
(يَوْمًا يزيرك جون عرقة معلما ... جون لَهُ خلف الدروب أوار)
(ويجر فِي الْأُرْدُن فضلَة ذيله ... نقع باكناف الأرنط مثار)
(إِمَّا يُبِيح حَرِيم أنطاكية ... أَو يفجأ الداروم مِنْك دمار)
(عفى جهادك رسم كل مخوفة ... وعفت بصفوة عدلك الأكدار)
(ومحا الْمَظَالِم مِنْك نظرة رَاحِم ... لله فِي خطراته أسرار)
(غَضْبَان لِلْإِسْلَامِ مَال عموده ... فلنوره مِمَّا عراه نوار)
стр. 69
(وجذمت كل يَد تسور على يَد ... فأحلت ذَاك السُّور وَهُوَ سوار)
(لم يبْق ماكس مُسلم سلعا وَلَا ... ساع لمظلمة وَلَا عشار)
(همدوا كَمَا همدت ثَمُود وقادهم ... لخسارهم مِمَّا أَتَوْهُ قدار)
(الْعَار فِي الدُّنْيَا شَقوا بلباسه ... ولباسهم يَوْم الْحساب النَّار)
(كم سيرة أحييتها عمرية ... رفعت لَهَا فِي الْخَافِقين منار)
(ونوافل صيرتهن لوازما ... بِأَقَلِّهَا تستعبد الْأَحْرَار)
(لَا زلت تقفو الصَّالِحين مسابقا ... لَهُم وتطلع خَلفك الْأَبْرَار)
(نفس السِّيَادَة زهد مثلك فِي الَّذِي ... فِيهِ تفانت يعرب ونزار)
(وَمَتى أدعى مَا تدعيه مُحكم ... أَوْهَى مَعاقِد دِينِه دِينَار)
(لله مَا ظَفرت بِهِ مِنْك المنى ... وتكنفت من ركنك الأستار)
(وَسَقَى الْغَمَام ثرى ابيك فَإِنَّهُ ... أزكى ثرى قطرت عَلَيْهِ قطار)
(شهِدت نضارة عودك الغض الجنى ... أَن الَّذِي استخلصت مِنْهُ نضار)
(أما نهارك فَهُوَ ليل مُجَاهِد ... وَاللَّيْل من طول الْقيام نَهَار)
(فَلذَلِك النَّصْر الْعَزِيز أَدِلَّة ... أَنى اتجهت وللفتوح أمار)
стр. 70
وَله أَيْضا فِيهِ رَحمَه الله تَعَالَى
(رَأينَا الْمُلُوك وَقد ساجلوك ... تمنوا منونا ووغروا غرُورًا)
(أَبى لَك أَن يدركوها أَب ... يزير فينسى الْأسود الزئيرا)
(وجد إِذا جد يَوْم الرِّهَان ... أبقى لتاليه جدا عثورا)
(تصب عصاك على من عصاك ... يَوْمًا عبوسا بهَا قمطريرا)
(لقد ألبس الشَّام هَذَا الإباء ... لبوسا من الْأَمْن لينًا وثيرا)
(تداركت أرماقه والقلوب ... نوافر أَن تستجن الصدورا)
(أَقمت جثاثا وَكَانَت جثى ... وشدت قصورا وَكَانَت قبورا)
(وَكم لَك من غضبة للهدى ... تميت الْهوى وَتجب الذكورا)
(إِذا قطب الْبَأْس كَانَت ردى ... وَإِن ضحك الْعَفو عَادَتْ نشورا)
(كملت فوْفيت عين الْكَمَال ... تبيد السنين وتفني العصورا)
(وجاد لنا بك رب براك ... للكفر نَارا وللدين نورا)
(إِذا مَا خدمت فمولى كَرِيمًا ... وَإِمَّا عبدت فعبدا شكُورًا)
(أَمَام المحاريب برا حصورا ... وَتَحْت الحروب هزبرا هصورا)
(تبَارك من شاد هذي الْخلال ... فِي ظلة الْملك طودا وقورا)
(وَألف فِي معقد التَّاج مِنْك ... سطوا سعيرا وعفوا نميرا)
стр. 71
وَله
(عقل الْحق ألسن المدعينا ... أَنْت خير الْمُلُوك دنيا ودينا)
(وَأسد الْأَنَام قولا وأفعالا ... ونفسا وَنِيَّة ويقينا)
(أَنْت أسناهم إباء ... أمرأ وأمرأ حَيا وأمرع حينا)
(بسط الرزق فِي البسيطة كَفاك ... فكلتا يَديك تُلفى يَمِينا)
(فيد تحسم النوائب عَنَّا ... وَيَد تقسم الرغائب فِينَا)
(أَيهَا الْبَحْر لَو تساحلك الأبحر ... عامت فِي ساحليك سفينا)
(ولكان الْمُحِيط مِنْهَا محاطا ... مثل نون الهجاء أَو خيل نونا)
(مشرعا مترعا وَمنا مهنا ... ورباعا فيحا وكفا لبونا)
(ومحيا طلقا ومالا طليقا ... وانتهاجا قصدا وحبلا متينا)
(بَين ذب يُمِيت عَادِية الشّرك ... وهب يحيا بِهِ المسلمونا)
(تتبدى من الْفتُوح ألوفا ... أَنْت أَعلَى من أَن تعد المئينا)
(كلما اجتبت ثوب نصر عَزِيز ... من مرام أَقبلت فتحا مُبينًا)
(صرف الله عَنْك صرف زمَان ... أَنْت علمت صرفه أَن يهونا)
(يَا ابْن من طبق البسيطة آثارا ... وعل المنابذيه الأجونا)
(وغدت حصنه على سرج هَذَا الدّين ... من شكة الأعادى حصونا)
(كم تَعَالَى صهيلها فِي رَبًّا الشَّام ... فأعلى خلف الخليج الرنينا)
стр. 72
(كَانَ صنو الرشيد أبقاك للحكمة ... والبأس بعده المأمونا)
(سمع الله فِيك دَعْوَة سكن ... أوطنوا من حماك حصنا حصينا)
(عَرَقتهم مدى الخطوب فأحييت ... رفاتا من التُّرَاب دَفِينا)
(لبسوا عدلك المدبج فاختالوا ... بَنَات فِي وشيه وبنينا)
(سهرت عَيْنك الكلوء وناموا ... تَحت أكناف رعيها آمنينا)
قلت فَهَذَا أنموذج من أشعار هذَيْن الفحلين فِيهِ مَعَ أَنَّهُمَا مَاتَا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخمْس مئة قبل أَن يفتح نور الدّين دمشق وَبَقِي نور الدّين حَيا بعدهمَا إِحْدَى وَعشْرين سنة يترقى كل عَام فِي ازدياد من جِهَاد واجتهاد وَلَو كَانَا أدْركَا ذَلِك لأتيا فِي وَصفه بعجائب المدائح مَعَ أَنه قد تولى ذَلِك غَيرهمَا مِمَّن لم يبلغ شأوهما
وَلأبي الْمجد الْمُسلم بن الْخضر بن الْمُسلم بن قسيم الْحَمَوِيّ من قصيدة فِيهِ
(تبدو الشجَاعَة من طلاقة وَجهه ... كالرمح دلّ على القساوة لينه)
стр. 73
(ووراء يقظته أَنَاة مجرب ... لله سطوة بأسه وسكونه)
(هَذَا الَّذِي فِي الله صَحَّ جهاده ... هَذَا الَّذِي بِاللَّه صَحَّ يقينه)
(هَذَا الَّذِي بخل الزَّمَان بِمثلِهِ ... والمشمخر إِلَى الْعلَا عرنينه)
(ملك الورى ملكٌ أغَرُّ متوج ... لَا غدره يُخشى وَلَا تلوينه)
(إِن حل فالشرف التليد أنيسه ... أَو سَار فالظفر الطريف قرينه)
(فالدهر خاذل من اراد عناده ... أبدا وجبار السَّمَاء معينه)
(وَالدّين يشْهد إِنَّه لمعزه ... والشرك يعلم أَنه لمهينه)
(مَا زَالَ يقسم أَن يبدد شَمله ... وَالله يكره أَن تمين يَمِينه)
(فتح الرها بالْأَمْس فانفتحت لَهُ ... أَبْوَاب ملك لَا يذال مصونه)
وممادح نور الدّين ﵀ كَثِيرَة
وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم أَنه كَانَ قَلِيل الابتهاج بالشعر بالشعر
وَمَات حادي عشر شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَدفن بقلعة دمشق ثمَّ نقل إِلَى قُبَّته بمدرسته جوَار الخواصين
قلت وَقد جرب استجابة الدُّعَاء عِنْد قَبره
وَهَذَا ذكر طرف من مناقبه جملَة وَنحن بعد ذَلِك نأتي بأخباره وأخبار سلفه مفصلة مرتبَة وَمَا جرى فِي زمانهم على سَبِيل الِاخْتِصَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 74
فصل
أصل الْبَيْت الأتابكي هُوَ قسيم الدولة آق سنقر جد نور الدّين ﵀ فنذكره وَمَا تمّ فِي أَيَّامه ثمَّ نذْكر وَلَده زنكي وَمَا تمّ فِي أَيَّامه ثمَّ نذْكر وَلَده مَحْمُود بن زنكي ثمَّ نذْكر مَا بعده وَهِي الدولة الصلاحية الأيوبية وَمَا تمّ فِي أَيَّامهَا فَنَقُول
كَانَ آق سنقر تركيا من أَصْحَاب السُّلْطَان ركن الدّين ملكشاه بن ألب أرسلان وَهُوَ عَم دقاق بن تتش بن ألب أرسلان الَّذِي كَانَ سُلْطَان دمشق وقبره بقبة الطواويس بهَا بنتهَا والمشهد والدته وَكَانَ السُّلْطَان ملكشاه من جملَة الْمُلُوك السلجوقية المتغلبين على الْبِلَاد بعد نَبِي بويه بالعراق فَكَانَ قسيم الدولة من أَصْحَابه وأترابه وَمِمَّنْ رَبِّي مَعَه فِي صغره وَاسْتمرّ فِي صحبته إِلَى حِين كبره
فَلَمَّا أفضت السلطنة إِلَيْهِ بعد أَبِيه جعله من أَعْيَان أمرائه وَمن أخص أوليائه وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي مهماته وَزَاد قدره علوا إِلَى أَن صَار يتقيه مثل نظام الْملك الْوَزير مَعَ تحكمه على السُّلْطَان وتمكنه من المملكة
فَأَشَارَ نظام الْملك على السُّلْطَان أَن يولي آق سنقر مَدِينَة حلب
стр. 75
وأعمالها وَأَرَادَ بذلك أَن يبعده عَن خدمَة السُّلْطَان ويتخذ عِنْده بذلك يدا
قَالَ ابْن الْأَثِير وَمن الدَّلِيل على علو مرتبته تلقبه قسيم الدولة وَكَانَت الألقاب حِينَئِذٍ مصونة لَا تُعْطى إِلَّا لمستحقيها
وَفِي سنة سبع وَسبعين وَأَرْبع مئة سير السُّلْطَان ملكشاه الْوَزير فَخر الدولة بن جهير وَزِير الْخَلِيفَة إِلَى ديار بكر ليتملكها وسير عميد الدولة بن فَخر الدولة بن جهير وَكَانَ زوج ابْنة نظام الْملك إِلَى الْموصل وسير مَعَه جَيْشًا عَظِيما وَجعل الْمُقدم على الْجَيْش قسيم الدولة آق سنقر
فَسَارُوا نَحْو الْموصل ولقيهم فِي الطَّرِيق الْأَمِير أرتق التركماني جد مُلُوك الْحصن وماردين فاستصحبوه مَعَهم فحصروا الْموصل وصالحوا من بهَا وتسلموها وَسَار صَاحبهَا إِلَى السُّلْطَان فَردهَا عَلَيْهِ وَكَانَت يَوْمئِذٍ لأحد أُمَرَاء بني عقيل وَهُوَ شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش بن بدران الْعقيلِيّ وَكَانَ ملكة من السندية بالعراق على نهر عِيسَى إِلَى منبج وَمَا بَينهمَا من الْبِلَاد الفراتية كهيت والأنبار وَغَيرهَا وَملك الْموصل وديار بكر والجزيرة بأسرها وَملك مَدِينَة حلب وَكَانَ عادلا حسن السِّيرَة عَظِيم السياسة وَاتفقَ أَن وَقع بَينه وَبَين صَاحب أنطاكية وَذَلِكَ أَن أنطاكية كَانَ الرّوم قد استولوا عَلَيْهَا سنة ثَمَان وَخمسين وَثَلَاث مئة وَلم يزَالُوا بهَا إِلَى هَذِه السّنة فَفَتحهَا
следующие страницы →