Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
صَاحبهَا فباعت بهَا وتزودت مِنْهَا وَأَنَّهَا قاصدة الشَّام خيب الله قَصدهَا
وَمِنْهَا وَقد سيرالحمل الْآن من الْمجْلس العزيزي بِحُضُور فلَان وَفُلَان وَكلهمْ مُجْتَهد فِي الْخدمَة وَلما عرف الْمَمْلُوك أَنهم لَا يطرقون الْمَعْنى الَّذِي يطرقه الْمَمْلُوك من تَنْبِيه مَوْلَانَا على أَن يقتصد قي الانفاق وَيقدر الاخراج للْعلم أَن هَذَا الْحجر قد رمينَا بِعَدَمِهِ وَسمع بِخَبَر الْمولى فَانْهَزَمَ قرارا من سطوة كرمه
والبلاد لَيست الْآن كعهدها فِي انْقِطَاع أسفارها ووقوف معايشها وكساد أسواقها وانكسار تجارها وَلَو لم تكن الدَّرَاهِم سلْعَة لَا تخرج من مصر كَمَا يخرج الدِّينَار لما وجدت كَمَا لَا يُوجد الدِّينَار وَإِن تصريف الدَّرَاهِم بعد أَن تصير مستخرجا بِذَهَب شغل شاغل واستخراج ثَان غير الأول وَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أمرمن عِنْده يحدث للاسلام نصرا عَزِيزًا وللكفر خذلانا سَرِيعا وجيزا
مَوْلَانَا خلد الله ملكه من وَرَاء ضَرُورَة لَا تخفى عَن الْمَمْلُوك والمماليك من وَرَاء ضَرُورَة لَا تخفى عَن الْمولى وصدرالمولى بِحَمْد الله وَاسع وَفرج الله مِنْهُ قريب وَهَذِه الضائقة لما يُريدهُ الله تَعَالَى من حسن موقع الْفرج بعْدهَا
стр. 1542
فقد أنْفق الْمولى مَال مصر فِي فتح الشَّام وَأنْفق مَال الشَّام فِي فتح الجزيرة وَأنْفق مَال الْجَمِيع فِي فتح السَّاحِل وَينْفق إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَال الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي فتح رُومِية والملوك كلهم وكلاؤه وأمناؤه على خزائنهم إِلَى أَن يسلموها إِلَيْهِ فيشكره الله على مَا أخرجه فِي سَبِيل الله مِنْهَا ويمقتهم على مَا كنزوه من ذهبها وفضتها فَلَا يكن فِي صدر الْمولى حرج وَلَا فِي خلقه فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَا يضيق رزقا على يَده الْكَرِيمَة لَا سِيمَا وَقد أجْرى عَلَيْهَا أرزاق خلقه
وَمِنْهَا يُنْهِي وُصُول رَسُول ملك الرّوم بِمَا فِي صحبته من هَدِيَّة وَبِمَا على لِسَانه من رِسَالَة وَبِمَا على يَده من كتاب وَحضر بَين يَدي الْملك الْعَادِل وَجرى من الْمُفَاوضَة مَا زبدته امتنان الْملك بِكَوْنِهِ لم يجب رَسُول ملك الألمان وَصَاحب صقلية وَغَيرهم من جيوش الفرنج إِلَى الْمُوَافقَة على حَرْب السُّلْطَان وَإِطْلَاق طريقهم وَامْتنع وسد الدربندات وَحفظ عَلَيْهِم الطّرق ووصى أَرْبَاب الْحُصُون بالتيقظ لَهُم وَالْمَنْع دونهم وَجعل عذره لملتمسي مُوَافَقَته أَن الْبِلَاد فِي هَذِه السّنة غَالِيَة السّعر والمصلحة تَقْتَضِي أَن لَا تكون الْحَرَكَة إِلَّا بِقُوَّة وعَلى تمكن من الْميرَة وتؤخر الْحَرَكَة إِلَى السّنة الْأُخْرَى
стр. 1543
ثمَّ قَالَ وَهَذَا ملك الرّوم خَائِف من الفرنج على بَلَده مدافع عَن نَفسه إِن تمّ لَهُ الدّفع ادّعى أَنه بسببنا وَإِن لم يتم ادّعى أَنه غلب عَن مقْصده ومقصدنا وَقد جعل مَا أوردهُ من أَن تُقَام البطركة فِي قمامة من قبله وَأَن تنقل من ولَايَة الفرنج إِلَى أَن يوليها الطاغية من أهل عمله سَببا يبسط بِهِ عذره بِزَعْمِهِ عِنْد أهل جنسه وَيدْفَع بِهِ عَن نَفسه لَا سِيمَا مَعَ إِقَامَة الْخطْبَة الإسلامية وَنَقله الْمِنْبَر وفسحته فِي الصَّلَاة وإعزاز الْكَلِمَة الإسلامية أرْغم الله بهَا أَنفه وَعجل بسيفها حتفه ومولانا أبقاه الله يثبت فِي الْأَجْوِبَة وَلَا يُجيب إِلَى مَا على الْإِسْلَام فِيهِ غَضَاضَة وَلَا إِلَى مَا للكفر فِيهِ قُوَّة ﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم﴾
وَمن كتاب آخر وصل إِلَى الْمَمْلُوك كتاب يذكر وُصُول رسل الْملك الْعَتِيق من قبرس إِلَيْهِ يُخبرهُ بعصيانه على ملك إنكلتير ومكاشفته بالعداوة وَالْحَرب وَأَنه قد كَاتب السُّلْطَان أعز الله نَصره يبْذل لَهُ من نَفسه الْعُبُودِيَّة وَالطَّاعَة والمظاهرة على ملك إنكلتير وَالْأَخْبَار متواترة بِأَن الْعَتِيق أحرق موانئ قبرس ووعرها وَقطع الْميرَة عَن السَّاحِل
стр. 1544
وَلَا شُبْهَة ان مَوْلَانَا يتَقَبَّل من الْمَذْكُور وَيُقَوِّي نَفسه على هَذِه المباينة فان فِي تخاذلهم نصْرَة الْإِسْلَام وشغل بَعضهم بِبَعْض وافتراق كلمتهم المجتمعة وقطعا لِلْمِيرَةِ عَن الشَّام وَأمنا لجَانب كبيرمن جَوَانِب الْبَحْر
وهذ الْملك الْعَتِيق قد صَار لمولانا صديقا وَمَا سمي الْعَتِيق إِلَّا لِأَنَّهُ صَار لمولانا عتيقا وَلَا اعْتِبَار بحديثنا مَعَ صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي أَنا ننجده على قبرس فانا إِنَّمَا وعدناه بالنجدة عَلَيْهَا لما كَانَت بيد عدونا
وَوَاللَّه مَا أَفْلح ملك الرّوم قطّ ولانفع إِن يكن صديقا وَلَا ضرّ إِن يكن عدوا وَكَذَلِكَ صَاحب الغرب ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾
وقف الْمَمْلُوك على كتاب بَغْدَاد وَالْمَقْصُود الَّذِي ندب لأَجله الرَّسُول مَا ألم بِذكرِهِ فِي الْكتاب وَهِي المعونة على الْجِهَاد وَعرف استدعاء المساعدة على تكريت وَلَو كَانَ لنا فرَاغ لَهَا لما كَانَ النّظر الصَّحِيح يقتضيها لِأَنَّهَا مهما بقيت فِي يَد من هُوَ الْآن بهَا فَهِيَ فِي يَد الْمولى أبقاه الله تَعَالَى وَمهما خرجت عَنهُ خرجت عَنْهَا وَمَا نقُول أَنه لَيْسَ لنا تطلع إِلَى مثلهَا لَا سِيمَا وَهِي طَرِيق إِلَى غَيرهَا وَقد فتح الله للْمولى بِبِلَاد هِيَ مَعَ سعتها ضيقَة عَن زبونها
стр. 1545
فللمولى أَوْلَاد كثر الله مِنْهُم مَا مِنْهُم إِلَّا من هُوَ متطلع إِلَى طرف وَله أهل مَا مِنْهُم إِلَّا من متطلع إِلَى طرف وَله أهل مَا مِنْهُم إِلَّا من متطلع إِلَى مملكة وأمراء مَا مِنْهُم إِلَّا من هُوَ متوقع زِيَادَة ومماليك مَا مِنْهُم إِلَّا من يُرِيد أَن يُوفي الْحق عَلَيْهِ فِي الْخدمَة
وَمن سيره الْمولى لهَذَا الْأَمر عدم من أَصْحَابه مَنْفَعَة فِيمَا هُوَ أهم مِمَّا سَار فِيهِ وَمَا يَلِيق أَن يسير إِلَّا من يُرِيهم مَا يعجزون عَنهُ وَيكون عنوانا لما لَعَلَّهُم فِي شكّ مِنْهُ من قُوَّة الْمولى على مَا يُرِيد وإمساكه مَعَ الْقُدْرَة وَيرى الْمَمْلُوك أَن مطلبهم نقد ومطلبنا مِنْهُم وعد وَإِن كَانَ وَلَا بُد من تسيير فَلَا يسير إِلَّا من يقْضِي الشّغل ويستزيد الْجعل
مَا تضمنه الْكتاب الْبَغْدَادِيّ من عزم الْخَلِيفَة على الْحَج فِي هَذِه السّنة الْمَمْلُوك يستبعده بالاضافة إِلَى الْوَقْت وَإِلَى عَادَة اهله آخِرهم حجا الرشيد ﵀ ويستقربه بالاضافة إِلَى خلقه وَإِن سَار صلح أَن يهتم بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الشهرزوري وَلَا شكّ أَنه قد أنسي الرسَالَة الَّتِي توجه فِيهَا فَإنَّا بَعَثْنَاهُ يلْتَمس لنا نَفَقَة فالتمسها منا
فصل
وَكتب الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان
стр. 1546
يُنْهِي أَنه عرف تسحب رجل وَصبي من الْقصر الغربي وَأَن الْمُؤَيد يَعْنِي ابْن السُّلْطَان وَكَانَ يَنُوب عَن أَخِيه الْعَزِيز بِمصْر أحضر نَائِب الطواشي بهاء الدّين واستعلم أَمرهمَا فَذكر أَن هربهما صَحِيح وَأَن أَحدهمَا وَهُوَ الصَّبِي من جملَة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ولدا كَانُوا اطفالا وَقت الحوطة عَلَيْهِم بِالْقصرِ الغربي وَقد بلغ هَذَا وَكبر وزاحم عشْرين سنة وَالْآخر كَانَ معتقلا فِي الايوان فَحدثت لَهُ خنازير فِي حلقه وأشفى على الْهَلَاك فَأمر الطواشي بنقله إِلَى الْقصر الغربي من الايوان وَفك حديده وَحمل ليتداوى فِي اوائل سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَاسْتمرّ مَرضه وَاشْتَدَّ ضعفه وَبَقِي فِي الْقصر الغربي إِلَى أَن علم أَنه تسحب
فَسَأَلَهُ الْمَمْلُوك عَن المستحفظ للقصر الغربي فَذكر أستاذين كَانَ الواشي أقامهما وَرَضي أمانتهما وأنهما يذكران أَن هَذَا الْقصر الغربي قد خرب ودثر وَكَثُرت التسليقات عَلَيْهِ ويجاوره إصطبلان فيهمَا جمَاعَة من الخربندية والمفسدين والتطرق مستمرمن هَذِه الاصطبلات إِلَى من فِي الْقصر من النِّسَاء وأنهما كَانَا أنهيا مرّة بعد أُخْرَى أَن الْمَكَان غير حريز والاعتقال فِيهِ غير وثيق
قَالَ وجمعت أَصْحَاب الأرباع وجيرة الْقصر ورجوت بترك الشناعة الظفر بهما والبحث وَاقع عَنْهُمَا
وَكتب الْفَاضِل عَن السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل وَهُوَ بِمصْر
стр. 1547
انْتهى إِلَيْنَا أَن بالديار المصرية وبالحضرة الْعلية جمَاعَة من الْفُقَهَاء قد اعتضدوا بِجَمَاعَة من أَرْبَاب السيوف وبسطوا ألسنتهم بالْقَوْل غير الْمَعْرُوف وأنشؤوا من العصبية مَا أطاعوا بِهِ القوى الغضبية وأحيوا بهَا مَا أَمَاتَهُ الله من اهل حمية الْجَاهِلِيَّة وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول وَكفى بقوله حجَّة على من كَانَ سميعا مُطيعًا ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾
وَلم يزل التعصب للمذاهب يمْلَأ الْقُلُوب بالشحناء ويشحنها وَقد نهى الله عَن المجادلة لأهل الْخلاف فَكيف لأهل الْوِفَاق إِلَّا أَن يُقَال أحْسنهَا وَمَا علمنَا ان فِي ذَلِك نِيَّة تنجد وَلَا مصلحَة تُوجد وَلَا هِدَايَة تعتقد بدراسة تعقد ونارعداوة توقد وقلما أثمرت المشاجرة إِلَّا خلافًا فالمجلس أعزه الله يوعز بكف الْأَلْسِنَة الخائضة وعقل الأعنة الراكضة فَإِن أقنع بِلُطْفِهِ المرضى وَإِلَّا كَانَت همته الرائضة وَمن عَاد بعد الزّجر أبعد عَن مستقره وأزعج وليسع الْخلف مَا وسع السّلف من الْأَدَب وليعلم العَبْد أَنه يكْتب كتابا إِلَى ربه فليفكر فِيمَا كتب وَإِلَى من كتب
فصل فِي ذكر خُرُوج الفرنج - خذلهم الله - على عزم اللِّقَاء ووصولهم إِلَى رَأس المَاء
قَالَ الْعِمَاد وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ حادي عشر شَوَّال بعد أَن
стр. 1548
رتبوا على الْبَلَد من لَازم الْقِتَال مَعَ ملك الألمان وَخرج مَعَهم المركيس والكند هري وَأخذُوا مَعَهم عليق أَرْبَعَة أَيَّام وزادها واستصحبوا أنجاب الكريهة وأنجادها
وَكَانَ مخيم اليزك على تل العياضية فَرَكبُوا وأشعلوا الْقَوْم بنيران النصال وألهبوا فَنزل الْعَدو تِلْكَ اللَّيْلَة على آبار حفرناها عِنْد نزولنا هُنَاكَ وَبَاتُوا ترميهم وتشويهم وتصميهم الأنزاك وَأَصْبحُوا يَوْم الثُّلَاثَاء سائرين إِلَى اللِّقَاء وَرفع السُّلْطَان تِلْكَ اللَّيْلَة الثّقل إِلَى نَاحيَة القيمون وَقد امتدت ميمنته إِلَى الْجَبَل صفا وميسرته إِلَى الْبَحْر زحفا وَعِنْده فِي يَمِين قلبه أَوْلَاده الْأَفْضَل وَالظَّاهِر والظافر وَأَخُوهُ الْعَادِل فِي أول الميمنة ويليه حسام الدّين بن لاجين ثمَّ صارم الدّين قايماز النجمي ثمَّ حسام الدّين بِشَارَة وَمَعَهُ بدر الدّين دلدرم الياروقي فَهَؤُلَاءِ عُظَمَاء دولته وكبراء مَمْلَكَته وَمَعَهُمْ أُمَرَاء ومقدمون جريئون مقدمون
وَكَانَ فِي الميمنة أَيْضا ابْن صَاحب الْموصل وَعز الدّين جرديك النوري وعَلى ميسرته صَاحب سنجار وَصَاحب الجزيرة وتقي الدّين والمشطوب سيف الدّين وخشترين والأمراء الهكارية والحميدية والزرزارية والمهرانية وأمراء الْقَبَائِل من الأكراد
стр. 1549
وَرِجَال الْحلقَة المنصورة واقفون فِي الْقلب وَضرب للسُّلْطَان خيمة لَطِيفَة بِقرب الخروبة على تل مشرف
وَفِي مرج عكا عين غزيرة المَاء يجْرِي مِنْهُ نهر كَبِير إِلَى الْبَحْر فَسَار الفرنج ذَلِك الْيَوْم شَرْقي النَّهر حَتَّى وصلوا إِلَى رَأس المَاء وشاهدوا مَوَاقِف الهائجين إِلَى الهيجاء فانحرفوا إِلَى غربي النَّهر ونزلوا واعتزوا بالاحتراز واعتزلوا فأنهض السُّلْطَان إِلَيْهِم الجالشية وانتظر من الله فِي كسرهم المشية فاستداروا بمركزهم وأثخنوا باللتوت رضَا وبالدبابيس فضا وبالنصال قرضا وبالأسنة وخزا وخضا وقضوا فيهم من حق الْجِهَاد سنة وفرضا
وَكَانَ المُرَاد أَن يحتموا فيثوروا حَتَّى يلقاهم ويبوروا فَمَا راموا مكانهم
وَأَصْبحُوا يَوْم الْأَرْبَعَاء راكبين وَعَن سَبِيل اللِّقَاء ناكبين ووقفوا على صهوات الْخَيل إِلَى ضحوة النَّهَار والراجل محدق بهم كالاسوار وأصحابنا قد قربوا مِنْهُم حَتَّى كَادُوا يخالطونهم وَأَرَادُوا أَن يباسطونهم وَالسُّلْطَان يمد الرُّمَاة بالرماة والكماة بالكماة وهم ثابتون نابتون ساكنون ساكتون وَنحن نقُول لَعَلَّهُم يحملون ويغضبون فيجهلون فنتمكن من تَفْصِيل جُمْلَتهمْ بحملتهم وتفريق جَمَاعَتهمْ
وأحس الْعَدو بالضعف وَأَنه متورط فِي الحتف فألجئوا لعجزهم عَن الدفاع إِلَى الاندفاع وَسَارُوا عائدين على هَيْئَة الِاجْتِمَاع وَالنّهر عَن يمينهم وَالْبَحْر عَن يسارهم وَقد أيقنوا إِن صَحَّ مِنْهُم الثَّبَات بانكسارهم وأصحابنا حواليهم وَمن ورائهم
стр. 1550
يغرقونهم فِي دِمَائِهِمْ ويشلونهم ويغلونهم وينهلونهم من مَاء الْحَدِيد ويعلونهم وهم يتحركون فِي سُكُون ويتظاهرون فِي كمون ويتذوبون فِي جمود ويتلهبون فِي خمود وَكلما صرع مِنْهُم قَتِيل حملوه وستروه وطموا مدفنه وطمروه حَتَّى يخفى أَمرهم وَلَا يَصح لدينا كسرهم
ونزلوا لَيْلَة الْخَمِيس على جسر دعوق وَقَطعُوا الجسر حَتَّى يمنعوا عبورنا إِلَيْهِم ويعوق وأبلى الْمُسلمُونَ فِي ذَلِك الْيَوْم فِي الْجِهَاد بلَاء حسنا وَأتوا كل مَا كَانَ فِيهِ مستطاعا مُمكنا وبذل أياز الطَّوِيل هَذَا الْيَوْم جهده وفل فِي فل حَدهمْ حَده وَكَذَلِكَ سيف الدّين يازكوج عَام فِي بحرهم وَقَامَ بأمرهم فَأَصْبحُوا يَوْم الْخَمِيس إِلَى نَار الْوَطِيس ووصلوا إِلَى مربضهم وَلم يحصلوا على غرضهم وَنقص مِنْهُم خلق وعدنا إِلَى الْخيام ظافرين ظفر الْكِرَام فرحين بذل الْكفْر وَعز الْإِسْلَام وَعرف الفرنج مساق خزيهم وإخفاق سَعْيهمْ فاحترزوا من الهلكة وَمَا عَادوا إِلَى مثل هَذِه الْحَرَكَة
قَالَ القَاضِي وَكَانُوا قد جعلُوا راجلهم سورا لَهُم يضْرب
стр. 1551
النَّاس بالزنبورك والنشاب حَتَّى لَا يتْرك أحدا يصل إِلَيْهِم إِلَّا بالنشاب فَإِنَّهُ كَانَ يطير عَلَيْهِم كالجراد وخيالتهم يَسِيرُونَ فِي وَسطهمْ بِحَيْثُ لم يظْهر مِنْهُم أحد فِي ذَلِك الْيَوْم أصلا وَعلم الْعَدو مُرْتَفع على عجلة وَهُوَ مغروس فِيهَا وَهِي تسحب بالبغال وهم يَذبُّونَ عَن الْعلم وَهُوَ عَال جدا كالمنارة خرقته بَيَاض ملمع بحمرة على شكل الصلبان
وَلم يزَالُوا سائرين على هَذَا الْوَجْه حَتَّى وصلوا وَقت الظهيرة إِلَى قبالة جسر دعوق وَقد ألجمهم الْعَطش من شدَّة الْحر وَأخذ مِنْهُم التَّعَب وأثخنتهم الْجراح وَكَانَ الْفِعْل معظمه للحلقة المنصورة فِي ذَلِك الْيَوْم فَإِنَّهُم أذاقوهم طعم الْمَوْت وجرح مِنْهُم جمَاعَة كأياز الطَّوِيل فَإِنَّهُ قَامَ فِي ذَلِك الْيَوْم أعظم مقَام يحْكى عَن الْأَوَائِل وجرح جراحات مُتعَدِّدَة وَهُوَ مُسْتَمر على الْقِتَال وجرح سيف الدّين يازكوج جراحات مُتعَدِّدَة وَهُوَ من فرسَان الْإِسْلَام وشجعانه وَله مقامات مُتعَدِّدَة وجرح خلق كثير فِي ذَلِك الْيَوْم
وعزم السُّلْطَان فِي تِلْكَ اللَّيْلَة على كبس بَقِيَّتهمْ فِي الخيم وَكتب إِلَى الْبَلَد يعرفهُمْ ذَلِك حَتَّى يخرجُوا هم من ذَلِك الْجَانِب وَنحن من هَذَا الْجَانِب فَلم يصل من أهل الْبَلَد كتاب فَرجع عَن ذَلِك الْعَزْم بِسَبَب تَأَخّر الْكتاب فَلَمَّا أَصْبحُوا كف السُّلْطَان النَّاس عَن الْقِتَال خشيَة أَن يغتالوا فَإِن الْعَدو كَانَ قد قرب من خيمه ووقف الأطلاب فِي الْجَانِب الشَّرْقِي من النَّهر تسير قبالة
стр. 1552
الْعَدو حَتَّى وصل إِلَى مخيمه وَكَانَ لَهُم فِيهَا أطلاب مستريحة فَخرجت على اليزك الإسلامي وحملت عَلَيْهِم وانتشب الْقِتَال بَينهم فَقتل من الْعَدو وجرح خلق كثير مِنْهُم شخص كَبِير فيهم مقدم عِنْدهم وَكَانَ على حصان عَظِيم ملبس بالزرد إِلَى حَافره وَكَانَ عَلَيْهِ لبس لم ير مثله وطلبوه من السُّلْطَان بعد انْفِصَال الْحَرْب فَدفع لَهُم جثته وَطلب رَأسه فَلم يُوجد
وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مخيمه وأعيد الثّقل إِلَى مَكَانَهُ وَعَاد كل قوم إِلَى مَنْزِلَتهمْ
وَكَانَ عماد الدّين زنكي غَائِبا بِنَفسِهِ مَعَ الثّقل لمَرض كَانَ بِهِ وَبَقِي عسكره فَعَاد وَقد أقلعت حماه وَبَقِي التياث مزاج السُّلْطَان وَهُوَ كَانَ سَبَب سَلامَة هَذِه الطَّائِفَة الْخَارِجَة كَونه لَا يقدر على مُبَاشرَة الْأَمر بِنَفسِهِ
وَلَقَد رَأَيْته ﵀ وَهُوَ يبكي فِي حَال الْحَرْب كَيفَ لم يقدر على مُخَالطَة الْقَوْم ورأيته وَهُوَ يَأْمر أَوْلَاده وَاحِدًا بعد وَاحِد بمصافحة الْأَمر ومخالطة الْحَرْب وَلَقَد سَمِعت مِنْهُ وَقَائِل يَقُول إِن الوخم قد عظم فِي مرج عكا بِحَيْثُ إِن الْمَوْت قد كثر فِي الطَّائِفَتَيْنِ فَأَنْشد متمثلا
(اقتلاني ومالكا ... واقتلا مَالِكًا معي)
стр. 1553
يُرِيد بذلك أنني قد رضيت بِأَن أتلف أَنا إِذا تلف أَعدَاء الله وَحدث بذلك قُوَّة عَظِيمَة فِي نفوس العساكر الإسلامية
وَكَانَ مرض السُّلْطَان هُوَ أحد الْأَسْبَاب الحاملة للفرنج على هَذِه الْحَرَكَة مُنْضَمًّا إِلَى كثرتهم وَشدَّة الغلاء والجدب عَلَيْهِم
فصل فِي وقْعَة الكمين وَغَيرهَا وَدخُول الْبَدَل إِلَى عكا
قَالَ الْعِمَاد لما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من شَوَّال انتخب السُّلْطَان من أجناده عدَّة وَكثر لَهُم الْعدة وَأمرهمْ أَن يكمنوا فِي سفح تل هُوَ شمَالي عكا بعيد من عَسْكَر الْعَدو بِقرب الْمنزلَة العادلية الْقَدِيمَة عِنْد السَّاحِل فكمنوا تِلْكَ اللَّيْلَة فَلَمَّا أصبح الصَّباح ركب مِنْهُم عدَّة يسيرَة وَسَارُوا نَحْو الفرنج وصالوا عَلَيْهِم وأغاروا فَاسْتَقْبَلَهُمْ الفرنج فَخرج إِلَيْهِم زهاء أَربع مئة فَارس هَكَذَا قَالَ الْعِمَاد فِي الْبَرْق وَقَالَ فِي الْفَتْح مئتا قنطاري وَكَذَا قَالَ ابْن شَدَّاد مئتا فَارس وطمعوا فِي الْمُسلمين فتأخروا قدامهم قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى أوصلوهم إِلَى الكمين فَخرج عَلَيْهِم أَسد العرين وَقتلُوا وأسروا واستولوا عَلَيْهِم بأسرهم فَلم ينج مِنْهُم نَاجٍ
стр. 1554
وَوَقع فِي الْأسر مقدمون أكَابِر مِنْهُم خَازِن الْملك وَجَمَاعَة من الإفرنسيسية وَركب السُّلْطَان فَرحا بِهَذِهِ الْبشَارَة ووقف على تل كيسَان وَقد توافت إِلَيْهِ الأسرى والأسلاب فَترك الأسلاب والخيول لآخذيها وَكَانَت بأموال عَظِيمَة فَمَا أعارها طرفا وَلَا تردد أمره فِيهَا وَجلسَ وأحضر الأسرى وباسطهم وأطعمهم وكساهم وَأذن لَهُم فِي أَن يَسِيرُوا غلمانهم لاحضار مَا يُرِيدُونَ احضاره ثمَّ نقلهم إِلَى دمشق للاعتقال وحفظهم بالقيود الثقال
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلما هجم الشتَاء وهاج الْبَحْر وَأمن الْعَدو من أَن يضْرب مصَاف وَأَن يُبَالغ فِي طلب الْبَلَد وحصاره من شدَّة الأمطار وتواترها أذن السُّلْطَان للعساكر فِي الْعود إِلَى بلادها ليأخذوا نَصِيبا من الرَّاحَة فَسَار عماد الدّين صَاحب سنجار خَامِس عشري شَوَّال وعقيبه ابْن أَخِيه صَاحب الجزيرة بعد أَن أفيض عَلَيْهِمَا من التشريف والانعام والتحف مَا لم ينعم بِهِ على غَيرهمَا
وَسَار عَلَاء الدّين ابْن صَاحب الْموصل فِي أول ذِي الْقعدَة مشرفا مكرما وَسَار الظَّاهِر فِي الْمحرم من سنة سبع وتقي الدّين فِي صفر مِنْهَا وَلم يبْق عِنْد السُّلْطَان إِلَّا نفر يسير من الْأُمَرَاء وَالْحَلقَة الْخَاص
قَالَ واشتغل السُّلْطَان بِإِدْخَال الْبَدَل إِلَى عكا وَحمل المير
стр. 1555
والذخائر واخراج من كَانَ بهَا من الْأُمَرَاء لعظم شكايتهم من طول الْمقَام بهَا ومعاناة التَّعَب والسهر وملازمة الْقِتَال لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَانَ مقدم الْبَدَل الدَّاخِل من الْأُمَرَاء سيف الدّين المشطوب دخل فِي سادس عشر الْمحرم سنة سبع وَفِي ذَلِك الْيَوْم خرج الْمُقدم الَّذِي كَانَ بهَا وَهُوَ الْأَمِير حسام الدّين أبوالهيجاء وَأَصْحَابه وَمن كَانَ بهَا من الْأُمَرَاء وَدخل مَعَ المشطوب خلق من الْأُمَرَاء وأعيان من الْخلق وَتقدم إِلَى كل من دخل أَن يصحب مَعَه ميرة سنة كَامِلَة
وانتقل الْعَادِل بعسكره إِلَى حيفا على شاطئ النَّهر وَهُوَ الْموضع الَّذِي تحمل مِنْهُ المراكب وَتدْخل إِلَى الْبَلَد وَإِذا خرجت تخرج إِلَيْهِ فَأَقَامَ ثمَّ يحث النَّاس على الدُّخُول ويحرس المير والذخائر لِئَلَّا يتَطَرَّق إِلَيْهَا من الْعَدو من يتعرضها
وَكَانَ مِمَّا دخل إِلَيْهَا سبع بطس مَمْلُوءَة ميرة وذخائر ونفقات كَانَت وصلت من مصر وَكَانَ دُخُولهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي ذِي الْحجَّة فانكسر مِنْهَا مركب على الصخر الَّذِي هُوَ قريب الميناء فَانْقَلَبَ كل من فِي الْبَلَد من الْمُقَاتلَة إِلَى جَانب الْبَحْر لتلقي البطس وَأخذ مَا فِيهَا
وَلما علم الْعَدو انقلاب الْمُقَاتلَة إِلَى جَانب الْبَحْر اجْتَمعُوا فِي خلق عَظِيم وزحفوا على الْبَلَد من جَانب الْبر زحفة عَظِيمَة
стр. 1556
وقاربوا الأسوار وصعدوا فِي سلم وَاحِد فاندق بهم السّلم كَمَا شَاءَ الله تَعَالَى وأدركهم أهل الْبَلَد فَقتلُوا مِنْهُم خلقا عَظِيما وعادوا خائبين خاسرين
وَأما البطس فَإِن الْبَحْر هاج هيجانا عَظِيما وَضرب بَعْضهَا بِبَعْض على الصخر فَهَلَكت وَهلك جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا وَهلك فِيهَا خلق عَظِيم قيل كَانَ عَددهمْ سِتِّينَ نَفرا وَكَانَ فِيهَا ميرة عَظِيمَة لَو سلمت لكفت الْبَلَد سنة كَامِلَة وَدخل على الْمُسلمين من ذَلِك وَهن عَظِيم وحرج السُّلْطَان لذَلِك حرجا شَدِيدا وَكَانَ ذَلِك أول علائم أَخذ الْبَلَد
وَقَالَ الْعِمَاد لما دخل الشتَاء وعصفت الْأَهْوَاء وهاج الْبَحْر وَوَقع فِي سفن الفرنج الْكسر أنفذوها إِلَى الجزائر للِاحْتِيَاط وخافوا عَلَيْهَا من اختباط الْبَحْر
وَقَالَ فِي الْفَتْح نقل الفرنج سفنهم خوفًا عَلَيْهَا إِلَى صور فربطوها بهَا فَخَلا وَجه الْبَحْر من مراكبهم وَحصل الْأَمْن فِيهِ من جانبهم
وَكَانَ أَصْحَابنَا فِي الْبَلَد قد ملوا فشكوا ضررهم وضجرهم وَكَانُوا زهاء عشْرين ألف رجل من أَمِير ومقدم وجندي وأسطولي وبحري ومتعيش وتاجر وبطال وغلمان ونواب
стр. 1557
وعمال وَقد تعذر عَلَيْهِم الْخُرُوج فَرَأى السُّلْطَان أَن يفسح لَهُم فِيهِ رفقا بهم ورأفة وَمَا أفكر أَن فِي ذَلِك مَخَافَة وَآفَة
وأشير على السُّلْطَان بترتيب الْبَدَل وكفل الْعَادِل بذلك وانتقل بمخيمه إِلَى سفح جبل حيفا قَاطع النَّهر وَتقدم بِجمع السفن للنَّقْل وَاجْتمعَ المنتقلون بالسَّاحل على الرمل فَمن نجز أمره انْتقل
وَكَانَ الرَّأْي إزاحة عِلّة المقيمين فَإِنَّهُم قد جربوا وصبروا وخبروا وهم كَنَفس وَاحِدَة وَكَانُوا فِي ثروة وكرم ونخوة وَفِيهِمْ أَبُو الهيجاء السمين وَله أَتبَاع وأشياع وَله فِي شرع السماحة اقْتِدَاء بالسلطان أوضاع وَلَعَلَّه أنْفق من مَاله فِي تِلْكَ السّنة خمسين ألف دِينَار فَلَمَّا فسح لَهُم فِي الِانْتِقَال لأجل الِاسْتِبْدَال انْتَشَر ذَلِك الضَّم وانتثر ذَلِك النّظم وَدخل إِلَى عكا من لم يجرب حصارها وَلم يخبر مَنَافِعهَا ومضارها وَمَا ثَبت مِمَّن كَانَ مُقيما بهَا إِلَّا الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش
وَدخل عشرُون مقدما وأميرا شبه المكرهين عوض سِتِّينَ واستخدمت الرِّجَال وأنفقت الْأَمْوَال وتفاوت الداخلون والخارجون فَلَا جرم وَقع الوهن وَقضي الْأَمر وتكفل بالداخلين المشطوب وطاب الزَّمَان وَتعذر الامكان بِعُود مراكب الْعَدو فَلم يستتم الْبَلَد مَا كَانَ يحْتَاج إِلَيْهِ من الرِّجَال وَالْأَمْوَال فَإِن كل من
стр. 1558
عين للدخول كرهه وَصَارَ يتوسل فِي أَن يُعْفَى ويبذل فِي نَفسه الْفِدَاء ثمَّ لما حقت كلمة الدُّخُول على من تعين لَهُ اسْتمْهلُوا زَمَانا يتهيؤون فِيهِ للدخول ولانفاذ قَضَاء الله تَعَالَى أَسبَاب لَا بُد من وُقُوعهَا
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد وَفِي لَيْلَة سَابِع ذِي الْحجَّة وَقعت قِطْعَة عَظِيمَة من سور عكا فانثلم الثغر وبادر الفرنج إِلَيْهَا فجَاء أهل الْبَلَد وسدوها بصدورهم وقاتلوا عَنْهَا إِلَى أَن بنوها وعادت أقوى مِمَّا كَانَت
وَفِي ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة هلك ابْن ملك الألمان وكند كَبِير يُقَال لَهُ كند بنياط وَمرض الكندهري وَصَارَ يَمُوت من الفرنج كل يَوْم مئة والمئتان وحزن الفرنج على ابْن ملك الألمان حزنا عَظِيما وأشعلوا نيرانا هائلة بِحَيْثُ لم تبْق خيمة إِلَّا اشتعل فِيهَا الناران وَالثَّلَاثَة بِحَيْثُ بَقِي عَسْكَرهمْ كُله نَارا تقد وَحصل للْمُسلمين غَنَائِم أخر كَثِيرَة فِي سَرَايَا سَرِيَّة وأساطيل مرضية وَمن
стр. 1559
جملَة ذَلِك ملوطة مكللة بِاللُّؤْلُؤِ منوطة وبأزرار الْجَوْهَر مربوطة قيل إِنَّهَا من ثِيَاب ملك الألمان
وَكَانَ قد استأمن من الفرنج خلق عَظِيم أخرجهم الْجُوع إِلَيْنَا وَقَالُوا للسُّلْطَان نَحن نَخُوض الْبَحْر فِي براكس ونكسب من الْعَدو وَيكون الْكسْب بَيْننَا وَبَين الْمُسلمين
فَأذن لَهُم وَأَعْطَاهُمْ بركوسا وَهُوَ الْمركب الصَّغِير فَرَكبُوا فِيهِ وظفروا بمراكب لتجار الْعَدو بضائعهم معظمها فضَّة مصوغة وَغير مصوغة فأسروهم وكسبوهم وأحضروهم بَين يَدي السُّلْطَان فَأَعْطَاهُمْ السُّلْطَان جَمِيع مَا غنموه
قَالَ الْعِمَاد فَلَمَّا أكْرمُوا بِهَذِهِ المكرمة أثنوا على الْيَد المنعمة وَأسلم مِنْهُم شطرهم وأحضروا مائدة فضَّة عَظِيمَة وَعَلَيْهَا مكبة عالية وَمَعَهَا طبق يماثلها فِي الْوَزْن وَلَو وزنت تِلْكَ الفضيات قاربت قِنْطَارًا فَمَا أعارها السُّلْطَان طرفه احتقارا
قَالَ وَاسْتشْهدَ فِي عكا سَبْعَة من الْأُمَرَاء مِنْهُم الْأَمِير سوار
стр. 1560
والتقى فِي هَذِه السّنة شواني الْمُسلمين بشواني الفرنج فِي الْبَحْر فأحرقت للكفر شواني برجالها وَكَانَ عِنْد الْعود تَأَخّر لنا شيني مقدمه الْأَمِير جمال الدّين مُحَمَّد بن أرككز فأحاطت بِهِ مراكب الْعَدو فتواقع ملاحوه إِلَى المَاء وسلموه إِلَى الْبلَاء فقاتل وصبر فعرضوا عَلَيْهِ الْأمان فَقَالَ مَا أَضَع يَدي إِلَّا فِي يَد مقدمكم الْكَبِير فَلَا يخاطر الخطير إِلَّا مَعَ الخطير
فجَاء إِلَيْهِ الْمُقدم الْكَبِير وَظن أَنه قد حصل لَهُ الْأَسير فعاقره وعانقه وقوى عَلَيْهِ وَمَا فَارقه ووقعا فِي الْبَحْر وغرقا وترافقا فِي الْحمام واتفقا وعَلى طريقي الْجنَّة وَالنَّار افْتَرقَا
وَاسْتشْهدَ أَيْضا الْأَمِير نصير الْحميدِي
قَالَ وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى قتل القَاضِي المرتضى بن قُرَيْش الْكَاتِب فِي خيمته قَتله شريك لَهُ فِي دَار بنابلس أَرَادَهُ على بيعهَا وَخرج من خيمته فَوجدَ قَاضِي نابلس فَقتله وضربه وَمَا أمهله وَمر لينجو فَأدْرك وَضرب بعمود خيمة فَأهْلك واستكتب السُّلْطَان أَخا المستشهد مَكَانَهُ فَلم يبلغ فِي الاحسان ميدانه
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة ورد كتاب سيف الْإِسْلَام أخي السُّلْطَان من الْيمن يذكر استيلاءه على صنعاء واستنابة وَلَده شمس الْمُلُوك فِيهَا
стр. 1561
قَالَ وَوصل القَاضِي الْفَاضِل من مصر إِلَى المعسكر الْمَنْصُور فِي ذِي الْحجَّة وَكَانَ السُّلْطَان متشوقا إِلَى قدومه وطالت مُدَّة الْبَين لغيبته عَنهُ سنتَيْن على أَن أُمُور الممالك بِمصْر كَانَت بِحُضُورِهِ مستتبة وَقد جمع للْملك الْعَزِيز بمقامه هَيْبَة ومحبة
وَكَانَ السُّلْطَان شَدِيد الوثوق بمكانه دَائِم الِاعْتِمَاد والاستناد على إحسانه وَإِلَى أَرْكَانه فان استقدمه خَافَ على مَا وَرَاءه من المهام وَإِن تَركه نَالَ وَحْشَة التفرد بالقضايا وَالْأَحْكَام
وَكَانَ يكاتبه بشرح الْأَحْوَال ويستشيره والنجابون مترددون بالمكاتبات والمخاطبات والاستشارة فِي الْمُهِمَّات فوصل إِلَى الْقُدس واعتاق بتوالي الأمطار ثمَّ وصل فِي ذِي الْحجَّة وَرجع الْفضل وَاجْتمعَ الشمل واستأنس الْملك بِصَاحِب تَدْبيره وتأسس رُكْنه بِرَأْي مشيره
قلت وَفِي جُمَادَى الأولى من هَذِه السّنة توفّي بالموصل قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين بن الشهرزوري وَقد أثنى الْعِمَاد الْكَاتِب عَلَيْهِ فِي الخريدة
стр. 1562
ثَنَاء كثيرا وَأنْشد لَهُ أشعارا حَسَنَة مِنْهَا فِي التَّوْحِيد
(قَامَت بِإِثْبَات الصِّفَات أَدِلَّة ... قصمت ظُهُور أَئِمَّة التعطيل)
(وطلائع التَّنْزِيه لما أَقبلت ... هزمت ذَوي التَّشْبِيه والتمثيل)
(فَالْحق مَا صرنا إِلَيْهِ جميعنا ... بأدلة الْأَخْبَار والتنزيل)
(من لم يكن بِالشَّرْعِ مقتديا فقد ... أَلْقَاهُ فرط الْجَهْل فِي التضليل)
وَله فِي مدح الصَّحَابَة ﵃
(لائمي فِي هوى الصَّحَابَة ... إرجع إِلَى سقر)
(لَا بلغت المنى وَلَا ... نلْت من رفضك الوطر)
(كَيفَ تنْهى عَن حب قوم ... هم السّمع وَالْبَصَر)
(وهم سادة الورى ... وهم صفوة الْبشر)
(فَأَبُو بكر الْمُقدم ... م من بعده عمر)
(ثمَّ عُثْمَان بعده ... وَعلي على الْأَثر)
(أَيهَا الرافضي حِسَابك ... فَالْحق قد ظهر)
стр. 1563
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
وفيهَا وصل إِلَى الفرنج ملك إفرنسيس وَملك إنكلتير وَغَيرهمَا وَأخذت عكا يسر الله فتحهَا
قَالَ الْعِمَاد والغيم فِي هطلانه وَالْبَحْر فِي هيجانه وَالسُّلْطَان مُقيم بمخيمه على شفرعم ولطف الله بِهِ قد خص وَعم والعادل مخيم قَاطع نهر حيفا على الرمل وسفن الْبَدَل إِلَى عكا مُتَّصِلَة السبل والفرنج مستمرون على الْحصار متحرزون من الاصحار ونوب اليزك راتبة ووظائف الْجِهَاد مواظبة
وَوصل من الدِّيوَان الْعَزِيز مِثَال وَمَعَهُ مُكَاتبَة للْملك الْأَفْضَل وفيهَا إكرام وإجلال وَفضل وإفضال
وَفِي ثَالِث صفر رَحل تَقِيّ الدّين لتسلم الْبِلَاد الَّتِي أضيفت إِلَيْهِ شَرْقي الْفُرَات وَكَانَ لَهُ بِالشَّام المعرة وحماة وسلمية وجبلة واللاذقية وبالجزيرة وديار بكر حران والرها والموزر وسميساط وضياعها وميافارقين وحصونها وأعمالها وقلاعها
وَسَار على أَنه يرجع عَن قريب فَأَبْطَأَ وتشوف إِلَى افْتِتَاح مَا يجاوره من الْبِلَاد وَسَار إِلَى ميافارقين فَكَانَ السُّلْطَان ينْسب مَا جرى من اسْتِيلَاء الْكفَّار على عكا بعد قَضَاء الله تَعَالَى إِلَى غيبته فَإِنَّهُ تَأَخَّرت عَسَاكِر تِلْكَ الْبِلَاد الشرقية لخوف مضرته وجور مجاورته وَسَيَأْتِي ذكر وَفَاته فِي آخر السّنة
стр. 1564
وَوصل كتاب الْمُجَاهِد أَسد الدّين شيركوه أَنه أغار على جشير للفرنج بطرابلس فاستاقه وَلم يطق الْكفَّار لحاقه واقتطع لخاصته مِنْهُ أَربع مئة رَأس تلف فِي الطَّرِيق مِنْهَا أَرْبَعُونَ وغنم أبقارا وَغنما وأنفذ للعماد مِنْهَا بغلة وَذَلِكَ رَابِع صفر
وَفِي لَيْلَة هَذَا الْيَوْم أَلْقَت الرّيح مركبا لِلْعَدو على الزيب فَكَسرته وَكَانَ فِيهِ خلق عَظِيم مِنْهُم فغرق بَعضهم وَأسر بعض وَفِيهِمْ امْرَأَتَانِ سبيتا
وَفِي لَيْلَة أول ربيع الأول خرج أَصْحَابنَا من الْبَلَد وهجموا على الْعَدو وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَأخذُوا مِنْهُم من خيمهم جمعا عَظِيما مِنْهُم اثْنَتَا عشرَة امْرَأَة
وَفِي ثَالِث ربيع الأول كَانَ اليزك للحلقة السُّلْطَانِيَّة وَخرج إِلَيْهِم من الْعَدو خلق عَظِيم وَجرى بَينهم وقْعَة شنيعة وَقتل فِيهَا لِلْعَدو جمَاعَة مِنْهُم مقدم كَبِير وَلم يفقد من الْمُسلمين إِلَّا خَادِم رومي صَغِير عثر بِهِ فِي الحملة فرسه يُسمى قراقوش وَكَانَ شجاعا لَهُ وقعات
وَفِي تَاسِع ربيع الأول بلغ السُّلْطَان أَن الْعَدو يخرج مِنْهُ طَائِفَة للآحتشاش فَأمر الْعَادِل أَن يكمن بالعسكر خلف التل الَّذِي كَانَت فِيهِ الْوَقْعَة الْمَعْرُوفَة بِهِ وَسَار هُوَ فكمن وَرَاء تل العياضية وَمَعَهُ من أَوْلَاده الصغار وَالْقَاضِي الْفَاضِل وَنذر الفرنج فَلم يخرج مِنْهُم أحد
стр. 1565
وَوصل فِي أثْنَاء ذَلِك الْيَوْم خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ أَسِيرًا من الفرنج أخذُوا فِي بيروت فيهم شيخ كَبِير هرم لم يبْق فِي فَمه ضرس وَلم يبْق فِيهِ قُوَّة إِلَّا مِقْدَار مَا يَتَحَرَّك فَسَأَلَهُ عَن مَجِيئه فَقَالَ لِلْحَجِّ إِلَى قمامة وبيني وَبَين بلادي مسيرَة أشهر فرق لَهُ وَأطْلقهُ وَأَعَادَهُ إِلَى الْعَدو رَاكِبًا على فرس وَطلب أَوْلَاده الصغار أَن يَأْذَن لَهُم فِي قتل أَسِير فَلم يَأْذَن وَسُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ لِئَلَّا يعتادوا من الصغر سفك الدَّم ويهون عَلَيْهِم وهم الْآن لَا يفرقون بَين الْمُسلم وَالْكَافِر
ثمَّ لما أقبل الرّبيع توافت العساكر وَفَاء بموعدها فوصلت فِي شهر ربيع الأول فَأول من قدم الْأَمِير علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر صَاحب قلعتي عزاز وبغراس وَهُوَ شيخ لَهُ رَأْي وتجربة ومنزلة كَبِيرَة ومرتبة وَالْملك الأمجد صَاحب بعلبك وَبدر الدّين مودود وَالِي دمشق فِي رِجَالهمْ وأبطالهم وَفِي كل يَوْم يقدم أَمِير بعد أَمِير وَالله يتَوَلَّى التَّدْبِير
وَكَانَ قد شاع الْخَبَر بِأَن مُلُوك الفرنج واصلون وهم حاشدون حافلون فوصل ملك إفرنسيس فيليب فِي عدَّة من عَبدة الصَّلِيب ثَانِي عشر ربيع الأول فِي سِتّ بطس عِظَام مَمْلُوءَة بفوارس ذَوي إقدام فَقُلْنَا مَا أحمل المَاء لأهل النَّار وَمَا أجلبه للدوائر إِلَى الديار وَكَانَ عَظِيما عِنْدهم من كبار مُلُوكهمْ ينقادون لَهُ بِحَيْثُ إِذا حضر حكم على الْجَمِيع وَمَا زَالُوا يتواعدونا بِهِ حَتَّى قدم وَصَحبه من بِلَاده باز عَظِيم عِنْده هائل الْخلق أَبيض اللَّوْن نَادِر
стр. 1566
الْجِنْس وَكَانَ يعزه وَيُحِبهُ حبا عَظِيما فطار من يَده حَتَّى سقط على سور عكا فاصطاده أَصْحَابنَا وأنفذوه إِلَى السُّلْطَان وبذل الفرنج فِيهِ ألف دِينَار فَلم يجابوا
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلَقَد رَأَيْته وَهُوَ يضْرب إِلَى الْبيَاض مشرق اللَّوْن مَا رَأَيْت بازيا أحسن مِنْهُ
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ مَعَ هَذَا الْملك بازي أَشهب كَأَنَّهُ عِنْد إرْسَاله نَار تتلهب ففارقه يَوْم وُصُوله بِحَيْثُ عجز عَن حُصُوله وَكَانَ فِي ظن الفرنج أَنه يقدم فِي جمع جم فَلَمَّا رَأَوْا جمعه قليلاسقط فِي أَيْديهم فَوَعَدَهُمْ بالمدد خَلفه
قَالَ القَاضِي وَقدم بعده كند فرير وَكَانَ مقدما عَظِيما عِنْدهم مَذْكُورا كَانَ حاصر حماة وحارم عَام الرملة
وَفِي ثَانِي عشر ربيع الآخر وصل كتاب من اللاذقية أَن جمَاعَة من المستأمنين نزلُوا نَاحيَة من جَزِيرَة قبرس فِي عيد لَهُم وَقد اجْتمع جمع كثير فِي بيعَة قريبَة من الْبَحْر وَأَنَّهُمْ صلوا مَعَهم صَلَاة الْعِيد فَلَمَّا فرغوا من الصَّلَاة ضربوا على كل مَا كَانَ فِي الْبيعَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء عَن آخِرهم حَتَّى القسيس وحملوهم إِلَى مراكبهم وَسَارُوا بهم إِلَى اللاذقية وَكَانَ فيهم سبع وَعِشْرُونَ امْرَأَة وَكَانُوا أغلقوا بَاب الْكَنِيسَة عَلَيْهِم ليأمنوا إفلاتهم وَأسرُوهُمْ بأسرهم
стр. 1567
وكسبوا جَمِيع مَا فِي الْكَنِيسَة من الْأَمْتِعَة والأعلاق النفيسة واقتسموها فوصل إِلَى كل واحدعلى مَا قيل أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم من الْفضة النقرة كَذَا فِي كتاب القَاضِي
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الْفَتْح وَقيل حصل لكل وَاحِد مِنْهُم على كثرتهم أَربع مئة دِرْهَم وهجم جمَاعَة من العسكرية على غنم لِلْعَدو فَأَخَذُوهَا وَكَانَ عَددهَا مئة وَعشْرين رَأْسا وركبوا فِي طلبَهَا بأسرهم بخيلهم ورجلهم فِي إثرهم فَلم يظفروا بطائل وَلم يرجِعوا بحاصل
قَالَ الْعِمَاد كَانَ عز الدّين سامة مُتَوَلِّي بيروت وَلم يكن لمراكب الْعَدو بُد من الْجَوَاز بهَا أَو بقربها وَإِذا عبرت أخذت وَإِن كَانَت مستعدة لحربها فغنم هُوَ وَرِجَاله مَغَانِم خلدت لَهُ ادخار الْغنى وَكَثُرت فِي الْبَحْر غَزَوَاته وَوصل ملك الإنكلتير إِلَى قبرس فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ربيع الآخر واشتغل بهَا عَن الْوُصُول إِلَى عكا حَتَّى أَخذهَا عنْوَة من صَاحبهَا وَكَانَت مُقَدمَات سفنه قد وصلت فاستولى سامة على خمس مِنْهَا مَمْلُوءَة رجَالًا وَنسَاء وأموالا وخيلا وَكَانَ فِي الزيب وَهُوَ شمَالي عكا طَائِفَة من الْمُسلمين يجهزون السفن الدَّاخِلَة إِلَى عكا ويقطعون الطَّرِيق على الفرنج
قَالَ القَاضِي وَكَانَ للْمُسلمين لصوص يدْخلُونَ إِلَى خيام الْعَدو فيسرقون مِنْهُم حَتَّى الرِّجَال وَيخرجُونَ فَأخذُوا ذَات لَيْلَة طفْلا رضيعا لَهُ ثَلَاثَة أشهر فَلَمَّا فقدته أمه باتت مستغيثة بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور فِي طول تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى وصل خَبَرهَا إِلَى مُلُوكهمْ فَقَالُوا لَهَا إِنَّه رَحِيم الْقلب وَقد أذنا لَك فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ فاخرجي واطلبيه مِنْهُ فانه يردهُ عَلَيْك
فَخرجت تستغيث لليزك الإسلامي وَأَخْبَرتهمْ بواقعتها فأطلقوها وأنفذوها إِلَى السُّلْطَان فَأَتَتْهُ وَهُوَ رَاكب على تل الخروبة وَأَنا فِي خدمته وَفِي خدمته خلق عَظِيم فَبَكَتْ بكاء شَدِيدا ومرغت وَجههَا فِي التُّرَاب فَسَأَلَ عَن قصَّتهَا فأخبروه فرق لَهَا ودمعت عينه وَأمر باحضار الرَّضِيع فَمَضَوْا فوجدوه قد بيع فِي السُّوق فَأمر بِدفع ثمنه إِلَى المُشْتَرِي وَأَخذه مِنْهُ وَلم يزل وَاقِفًا ﵀ حَتَّى أحضر الطِّفْل وَسلم إِلَيْهَا فَأَخَذته وبكت بكاء شَدِيدا وضمته إِلَى صدرها وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهَا ويبكون وَأَنا وَاقِف فِي جُمْلَتهمْ فأرضعته سَاعَة ثمَّ أَمر بهَا فَحملت على فرس وألحقت بمعسكرهم مَعَ طفلها
قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الرَّحْمَة الشاملة لجنس الانس اللَّهُمَّ إِنَّك خلقته رحِيما فارحمه رَحْمَة وَاسِعَة آمين
قَالَ وَفِي ذَلِك الْيَوْم وصل ظهير الدّين بن البلكنكري وَكَانَ مقدما من أُمَرَاء الْموصل وصل مفارقا لَهُم طَالبا خدمَة السُّلْطَان
стр. 1568
قَالَ القَاضِي وَكَانَ للْمُسلمين لصوص يدْخلُونَ إِلَى خيام الْعَدو فيسرقون مِنْهُم حَتَّى الرِّجَال وَيخرجُونَ فَأخذُوا ذَات لَيْلَة طفْلا رضيعا لَهُ ثَلَاثَة أشهر فَلَمَّا فقدته أمه باتت مستغيثة بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور فِي طول تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى وصل خَبَرهَا إِلَى مُلُوكهمْ فَقَالُوا لَهَا إِنَّه رَحِيم الْقلب وَقد أذنا لَك فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ فاخرجي واطلبيه مِنْهُ فانه يردهُ عَلَيْك
فَخرجت تستغيث لليزك الإسلامي وَأَخْبَرتهمْ بواقعتها فأطلقوها وأنفذوها إِلَى السُّلْطَان فَأَتَتْهُ وَهُوَ رَاكب على تل الخروبة وَأَنا فِي خدمته وَفِي خدمته خلق عَظِيم فَبَكَتْ بكاء شَدِيدا ومرغت وَجههَا فِي التُّرَاب فَسَأَلَ عَن قصَّتهَا فأخبروه فرق لَهَا ودمعت عينه وَأمر باحضار الرَّضِيع فَمَضَوْا فوجدوه قد بيع فِي السُّوق فَأمر بِدفع ثمنه إِلَى المُشْتَرِي وَأَخذه مِنْهُ وَلم يزل وَاقِفًا ﵀ حَتَّى أحضر الطِّفْل وَسلم إِلَيْهَا فَأَخَذته وبكت بكاء شَدِيدا وضمته إِلَى صدرها وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهَا ويبكون وَأَنا وَاقِف فِي جُمْلَتهمْ فأرضعته سَاعَة ثمَّ أَمر بهَا فَحملت على فرس وألحقت بمعسكرهم مَعَ طفلها
قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الرَّحْمَة الشاملة لجنس الانس اللَّهُمَّ إِنَّك خلقته رحِيما فارحمه رَحْمَة وَاسِعَة آمين
قَالَ وَفِي ذَلِك الْيَوْم وصل ظهير الدّين بن البلنكري وَكَانَ مقدما من أُمَرَاء الْموصل وصل مفارقا لَهُم طَالبا خدمَة السُّلْطَان
стр. 1569
فصل فِي مضايقة الْعَدو - خذله الله - لعكا - يسر الله فتحهَا - واستيلائهم عَلَيْهَا
قَالَ الْعِمَاد لما كَانَ يَوْم الْخَمِيس رَابِع جُمَادَى الأولى زحف الفرنج إِلَى عكا ونصبوا عَلَيْهَا سَبْعَة مجانيق ووصلت كتب من عكا إِلَى السُّلْطَان بالاستنفار الْعَظِيم والتماس شغل الْعَدو عَنْهُم فَركب السُّلْطَان بعسكره وَكَانَ هَذَا دأبه مَعَهم كلما نابوا الْبَلَد نابهم فَإِذا زحف إِلَيْهِم رجعُوا عَن الْحصْر وَإِذا رَجَعَ عَنْهُم عَادوا وَكَانَ عَلامَة مَا بَين السُّلْطَان وَأهل الْبَلَد أَنه مَتى زحف الفرنج عَلَيْهِم دقوا كوسهم فَيدق كوس السُّلْطَان إِجَابَة لَهُم واستبعد السُّلْطَان مَنْزِلَته فتحول إِلَى تل العياضية تَاسِع جماد الأولى
وَوصل ملك الإنكلتير ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى من قبرس وَمَعَهُ خمس وَعِشْرُونَ قِطْعَة وَهُوَ فِي جمع شَاك وجمر ذَاك فبلي الثغر مِنْهُ بِغَيْر الْبلَاء الأول هَذَا ومجانيق الْكفْر على الغي مُقِيمَة وللرمي مديمة وَتمكن الفرنج بهَا من الخَنْدَق فدنوا مِنْهُ دنو المحنق وشرعوا فِي هجمه وأسرعوا إِلَى طمه وداموا يرْمونَ فِيهِ جثث الْأَمْوَات وجيف الْخَنَازِير وَالدَّوَاب النافقات حَتَّى صَارُوا يلقون فِيهِ قتلاهم ويحملون إِلَيْهِ موتاهم وأصحابنا فِي مُقَاتلَتهمْ ومقابلتهم قد انقسموا فريقين وافترقوا قسمَيْنِ ففريق يلقِي من
стр. 1570
الخَنْدَق مَا ألقِي فِيهِ وفريق يقارع الْعَدو ويلاقيه
قَالَ القَاضِي وَقد بلغ من مضايقتهم الْبَلَد ومبالغتهم فِي طم خندقه أَنهم كَانُوا يلقون فِيهِ موتى دوابهم وَكَانُوا إِذا جرح مِنْهُم وَاحِد جراحه مثخنة موئسة ألقوه فِيهِ وانقسم أهل الْبَلَد أقساما قسم ينزلون إِلَى الخَنْدَق ويقطعون الْمَوْتَى وَالدَّوَاب الَّتِي يلقونها فِيهِ قطعا ليسهل نقلهَا وَقسم ينقلون مَا يقطعهُ ذَلِك الْقسم ويلقونه فِي الْبَحْر وَقسم يَذبُّونَ عَنْهُم ويدافعون حَتَّى يتمكنوا من ذَلِك وَقسم فِي المنجنيقات وحراسة الأسوار وَأخذ مِنْهُم التَّعَب وَالنّصب وتواترت شكايتهم من ذَلِك
قَالَ وَهَذَا ابتلاء لم يبتل بِمثلِهِ أحد وَلَا يصبر عَلَيْهِ جلد
هَذَا وَالسُّلْطَان ﵀ لَا يقطع الزَّحْف عَنْهُم والمضايقة على خنادقهم بِنَفسِهِ وخواصه وَأَوْلَاده لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يشغلهم عَن الْبَلَد وصوبوا منجنيقاتهم إِلَى برج عين الْبَقر وتواترت عَلَيْهِ أَحْجَار المنجنيقات لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى أثرت فِيهِ الْأَثر الْبَين
وَكلما ازدادوا فِي قتال الْبَلَد ازْدَادَ السُّلْطَان فِي قِتَالهمْ وكبس خنادقهم والهجوم عَلَيْهِم ودام ذَلِك حَتَّى وصل ملك الإنكلتير
قَالَ وَفِي سادس عشر جُمَادَى وصلت بطسة من بيروت
стр. 1571
عَظِيمَة هائلة مشحونة بالآلات والأسلحة والمير وَالرِّجَال الْأَبْطَال الْمُقَاتلَة وَكَانَ السُّلْطَان قد أَمر بتعبئتها فِي بيروت وتسييرها وَوضع فِيهَا من الْمُقَاتلَة خلقا عَظِيما حَتَّى تدخل مراغمة لِلْعَدو
وَكَانَ عدَّة رجالها الْمُقَاتلَة سِتّ مئة وَخمسين رجلا فاعترضها الإنكلتير الملعون فِي عدَّة شواني قيل إِنَّه كَانَ فِي أَرْبَعِينَ قلعا فاحتاطوا بهَا من جَمِيع جوانبها واشتدوا فِي قتالها وَجرى الْقَضَاء بِأَن وقف الْهَوَاء فقاتلوها قتالا شَدِيدا وَقتل من الْعَدو عَلَيْهَا خلق عَظِيم وأحرقوا على الْعَدو شانيا كَبِيرا فِيهِ خلق فهلكوا عَن آخِرهم وتكاثروا على أهل البطسة وَكَانَ مقدمهم رجلا جيدا شجاعا مجربا فِي الْحَرْب اسْمه يَعْقُوب من أهل حلب فَلَمَّا رأى أَمَارَات الْغَلَبَة عَلَيْهِم قَالَ وَالله لَا نقْتل إِلَّا عَن عز وَلَا نسلم إِلَيْهِم من هَذِه البطسة شَيْئا فوقعوا فِي البطسة من جوانبها بالمعاول يهدمونها حَتَّى فتحوها من كل جَانب أبوابا فامتلأت مَاء وغرق جَمِيع من فِيهَا وَمَا فِيهَا من الْآلَات والمير وَلم يظفر الْعَدو مِنْهَا بِشَيْء أصلا وتلقف الْعَدو بعض من كَانَ فِيهَا وأخذوه إِلَى الشواني من الْبَحْر وخلصوه من الْغَرق ومثلوا بِهِ وأنفذوه إِلَى الْبَلَد ليخبرهم بالواقعة
стр. 1572
وحزن النَّاس لذَلِك حزنا شَدِيدا وَالسُّلْطَان يتلَقَّى ذَلِك بيد الاحتساب فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَالصَّبْر على بلائه
قَالَ وَكَانَ الْعَدو المخذول قد صنع دبابة عَظِيمَة هائلة أَربع طَبَقَات الأولى من الْخشب وَالثَّانيَِة من الرصاص وَالثَّالِثَة من الْحَدِيد وَالرَّابِعَة من النّحاس وَكَانَت تعلو على السُّور وتركب فِيهَا الْمُقَاتلَة وَخَافَ أهل الْبَلَد مِنْهَا خوفًا عَظِيما وحدثتهم نُفُوسهم بِطَلَب الْأمان من الْعَدو وَكَانُوا قد قربوها من السُّور بِحَيْثُ لم يبْق بَينهَا وَبَين السُّور إِلَّا مِقْدَار خمس أَذْرع على مَا نشاهد وَأخذ أهل الْبَلَد فِي تَوَاتر ضربهَا بالنفط لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى قدر الله تَعَالَى حريقها واشتعال النَّار فِيهَا وَظهر لَهَا ذؤابة نَار نَحْو السَّمَاء
واشتدت الْأَصْوَات بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وَرَأى النَّاس ذَلِك جبرا لذَلِك الوهن ومحوا لذَلِك الْأَثر ونعمة بعد نقمة وإيناسا بعد يأس وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم غرق البطسة
قَالَ الْعِمَاد فَكَانَ ذَلِك تسميتا لتِلْك العطسة
стр. 1573
ثمَّ جرى بعد ذَلِك عدَّة وقعات فِي هَذَا الشَّهْر وَهُوَ جُمَادَى الأولى وهجم الْمُسلمُونَ خيام الْعَدو ونهبوها وَوصل رجل كَبِير من أهل مازندان يُرِيد الْغُزَاة فوصل وَالْحَرب قَائِمَة فَحمل حَملَة اسْتشْهد فِيهَا فِي تِلْكَ السَّاعَة
وَلم تزل الْأَخْبَار تتواصل من أهل الْبَلَد باستفحال أَمر الْعَدو والشكوى من ملازمتهم قِتَالهمْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَذكر مَا ينالهم من التَّعَب الْعَظِيم من تَوَاتر الْأَعْمَال الْمُخْتَلفَة عَلَيْهِم من حِين قدوم الإنكلتير الملعون ثمَّ مرض مَرضا شَدِيدا أشفى فِيهِ على الْهَلَاك وجرح الافرنسيس وَلَا يزيدهم ذَلِك إِلَّا اصرارا وعتوا
وهرب إِلَى السُّلْطَان خادمان ذكرا أَنَّهُمَا لأخت ملك الإنكلتير وأنهما كَانَا يكتمان إيمانهما فقبلهما السُّلْطَان وأكرمهما
وهرب أَيْضا المركيس مِنْهُم إِلَى صور وَكَانَ قد استشعر مِنْهُم أَن يخرجُوا ملكهَا عَن يَده
قَالَ الْعِمَاد فِي الْبَرْق وَلما أعوزت الفرنج الْحِيَل وأعجزتهم تفاصيل تدابيرهم والجمل وَذَلِكَ أَن أبرجتهم الخشبية أحرقت وستائرهم ودباباتهم وكباشهم وزعت ومزعت
стр. 1574
ومزقت أَقَامُوا قُدَّام خيامهم صوب عكا تَلا من التُّرَاب مستطيلا ورفعوه كثيبا مهيلا ثمَّ نقلوه وحولوه وَكَانُوا يقفون وَرَاءه ويحولون إِلَى قدامه ترابه ويرفعون إِلَى قرب الْبَلَد رقابه فهم من خَلفه من النكايات محجوبون يشبون ويذبون ويدبرون الْحَرْب الزبون والتل المتحول إِلَى الْبَلَد قد أعيا على أهل الْجلد لَا تعْمل فِيهِ النَّار وَلَا يصل إِلَى دَفعه الاقتدار حَتَّى صَار من الْمَدِينَة على نصف غلوة سهم وَرمي بِكُل جمر ورجم فَمَا يزِيد فِي كل يَوْم إِلَّا قربا وَمَا يجر فِي كل وَقت إِلَّا خطبا وحربا وَكَانَ الْأَصْحَاب يخرجُون من الْبَلَد إِلَيْهِ ويقاتلون عَلَيْهِ ويطيفون بحول الله حواليه
وَمن كتاب فاضلي إِلَى الدِّيوَان مَا قطع الْخَادِم الخدم إِلَّا أَنه قد أضجر وأسأم من المطالعة بِخَبَر هَذَا الْعَدو الَّذِي قد استفحل أمره واستشرى شَره فَإِن النَّاس مَا سمعُوا وَلَا رَأَوْا عدوا حاصرا محصورا غامرا مغمورا قد تحصن بخنادق تمنع الْجَائِز من الْجَوَاز وتعوق الفرص عَن الانتهاز وَلَا تقصر عدتهمْ عَن خَمْسَة آلَاف فَارس ومئة ألف راجل وَقد أفناهم الْقَتْل والأسر وأكلتهم الْحَرْب وَلَفْظهمْ النَّصْر وَقد أمدهم الْبَحْر بالبحار وأعان أهل النَّار أهل النَّار وَاجْتمعَ فِي هَذِه الجموع من الجيوش الغربية والألسنة الأعجمية من لَا يحصر معدوده وَلَا يصور فِي الدُّنْيَا وجوده فَمَا أحقهم بقول أبي الطّيب
(تجمع فِيهِ كل لسن وَأمة ... فَمَا تفهم الحداث إِلَّا التراجم)
стр. 1575
حَتَّى إِنَّه أسر الْأَسير وَاسْتَأْمَنَ الْمُسْتَأْمن احْتِيجَ فِي فهم لغته إِلَى عدَّة تراجم ينْقل وَاحِد عَن الآخر وَيَقُول ثَان مَا يَقُول أول وثالث مَا يَقُول ثَان وَالْأَصْحَاب كلوا وملوا وصبروا إِلَى أَن ضجروا وتجلدوا إِلَى أَن تبلدوا والعساكر الَّتِي تصل من الْمَكَان الْبعيد لَا تصل إِلَّا وَقد كل ظهرهَا وَقل وفرها وضاق بالبيكار صدرها وَلَا تستفتح إِلَّا بِطَلَب الدستور وَيصير ضجرها مضرا بالسمعة عِنْد الْعَدو المخذول وَلَهُم قَاتلهم الله تنوع فِي المكايد فَإِنَّهُم قَاتلُوا مرّة بالأبرجة وَأُخْرَى بالمنجنيقات ورادفة بالدبابات وتابعة بالكباش وآونة باللوالب وَيَوْما بالنقب وليلا بالسرابات وطورا بطم الْخَنَادِق وآنا بِنصب السلالم ودفعة بالزحوف فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَحَالَة فِي الْبَحْر بالمراكب
ثمَّ شرعوا فأقاموا فِي وسط خيامهم حَائِطا مستطيلا يشبه السُّور من التُّرَاب وتلالا تشبه الأبرجة مُدَوَّرَة ورفعوها بالأخشاب وعالوها بِالْحِجَارَةِ فَلَمَّا كملت أخذُوا التُّرَاب من وَرَائِهَا ورموه قدامها وهم يتقدمون أول أول وترتفع حَالا بعد حَال حَتَّى صَارَت مِنْهُ كَنِصْف غلوة سهم وَقد كَانَ الْحجر وَالنَّار تؤثران فِي أبرجة الْخشب وَهَذِه أبراج وستائر للرِّجَال والمنجنيقات من العطب لَا تُؤثر فِيهَا الْحِجَارَة الرامية وَلَا تعْمل فِيهَا النَّار الحامية
قَالَ وَوصل فِي آخر جُمَادَى الأولى من العساكر الإسلامية مُجَاهِد الدّين يرنقش وَمَعَهُ عَسْكَر سنجار
стр. 1576
وَفِي ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة ابْن صَاحب الْموصل وَجَمَاعَة من أُمَرَاء مصر والقاهرة كعلم الدّين كرجي وَسيف الدّين سنقر الدووي وَغَيرهمَا من الأَسدِية والناصرية
وَأما عَسَاكِر دياربكر فَإِنَّهُم تَأَخَّرُوا وَاعْتَذَرُوا بالخوف من جوَار تَقِيّ الدّين وَكَانَ قد تعرض للسويداء وَغَيرهَا وصعب ذَلِك على السُّلْطَان وَقَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان وَفِي مثل هَذَا الْوَقْت يتَعَرَّض لهَذَا المقت وَإِنِّي أَخَاف عَلَيْهِ فِي هَذِه السّنة حَيْثُ أَسَاءَ عِنْد إِمْكَان الْحَسَنَة
وَاشْتَدَّ مرض الإنكلتير بِحَيْثُ شغل الفرنج مَرضه عَن الزَّحْف وَكَانَ ذَلِك خيرة من الله عَظِيمَة فَإِن الْبَلَد كَانَ قد ضعف من فِيهِ ضعفا عَظِيما وهدمت المنجنيقات من السُّور مِقْدَار قامة الرجل فَكَانَ فِي هَذِه الفترة للبلد بَقَاء رَمق وَزَوَال فرق وانتعاش عَثْرَة وانجبار كسرة
قَالَ القَاضِي واللصوص يدْخلُونَ عَلَيْهِم إِلَى خيامهم وَيَسْرِقُونَ أقمشتهم ونفوسهم وَيَأْخُذُونَ الرِّجَال فِي عَافِيَة بِأَن يجيئوا إِلَى الْوَاحِد وَهُوَ نَائِم فيضعوا على حلقه السكين ويوقظونه وَيَقُولُونَ لَهُ بالاشارة إِن تَكَلَّمت ذبحناك ويحملونه وَيخرجُونَ بِهِ إِلَى عَسْكَر الْمُسلمين وَجرى ذَلِك مرَارًا كَثِيرَة
стр. 1577
ثمَّ تَكَرَّرت الرسائل من الفرنج إِلَى السُّلْطَان شغلا للْوَقْت بِمَا لَا طائل تَحْتَهُ مِنْهَا أَن ملك الإنكلتير طلب الِاجْتِمَاع بِهِ ثمَّ فتر بعده أَيَّامًا ثمَّ جَاءَ رَسُوله يطْلب الاسْتِئْذَان فِي إهداء جوارح جَاءَت من الْبَحْر وَيذكر أَنَّهَا قد ضعفت وتغيرت وَطلب أَن يحمل لَهَا دَجَاج وطير تَأْكُله لتقوى ثمَّ تهدى
ففهم أَنه مُحْتَاج إِلَى ذَلِك لنَفسِهِ لِأَنَّهُ حَدِيث عهد بِمَرَض ثمَّ نفذ أَسِيرًا مغربيا عِنْده فَأَطْلقهُ السُّلْطَان ثمَّ أرسل فِي طلب فَاكِهَة وثلج فَأرْسل إِلَيْهِ ذَلِك
وَكَانَ غرضهم من ذَلِك تفتير العزمات وتضييع الْأَوْقَات على الْمُسلمين وهم مشتغلون بالحصر وموالاة الرَّمْي وَالْجد بالزحف حَتَّى تبدلت قُوَّة الْبَلَد بالضعف وتخلخل السُّور وأنهك التَّعَب والسهر أهل الْبَلَد لقلَّة عَددهمْ وَكَثْرَة الْأَعْمَال عَلَيْهِم حَتَّى إِن جمَاعَة مِنْهُم بقوا ليَالِي عدَّة لَا ينامون أصلا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارا والعدو عدد كثير يتناوبون على قِتَالهمْ وَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِم سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة فَركب السُّلْطَان بالعسكر الإسلامي ورغبهم ونخاهم وزحف على خنادق الْعَدو حَتَّى دخل فِيهَا الْعَسْكَر
стр. 1578
وَجرى قتال عَظِيم وَهُوَ كالوالدة الثكلى يُحَرك فرسه من طلب إِلَى طلب ويحث النَّاس على الْجِهَاد وينادي بِنَفسِهِ ياللاسلاماه وَعَيناهُ قد فارت بالدمع
وَكلما نظر إِلَى عكا وَمَا حل بهَا من الْبلَاء وَمَا يجْرِي على من بهَا من الْمُصَاب الْعَظِيم اشْتَدَّ فِي الزَّحْف والحث على الْقِتَال وَلم يطعم فِي ذَلِك الْيَوْم طَعَاما الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا شرب شَيْئا أَشَارَ بِهِ الطَّبِيب
وَلما هجم اللَّيْل عَاد إِلَى الخيم وَقد أَخذ مِنْهُ التَّعَب والكآبة والحزن ثمَّ ركب سحرًا وصبحوا على مَا أَمْسوا عَلَيْهِ
وَفِي ذَلِك الْيَوْم وصلت مطالعة من الْبَلَد يَقُولُونَ فِيهَا إِنَّا قد بلغ بِنَا الْعَجز إِلَى غَايَة مَا بعْدهَا إِلَّا التَّسْلِيم وَنحن فِي الْغَد إِن لم تعملوا مَعنا شَيْئا نطلب الْأمان ونسلم الْبَلَد ونشتري مُجَرّد رقابنا وَكَانَ هَذَا أعظم خبر ورد على الْمُسلمين وأنكاه فِي قُلُوبهم فان عكا كَانَت قد احتوت على جَمِيع سلَاح السَّاحِل والقدس ودمشق وحلب ومصر أَيْضا فَرَأى السُّلْطَان مهاجمة الْعَدو فَلم يساعده الْعَسْكَر فَإِن الرجالة من الفرنج وقفُوا كالسور الْمُحكم الْبناء بِالسِّلَاحِ والزنبورك والنشاب من وَرَاء أسوارهم وهجم عَلَيْهِم بعض النَّاس من بعض أَطْرَافهم فثبتوا وذبوا غَايَة الذب
стр. 1579
وَحكى بعض من دخل عَلَيْهِم أسوارهم أَنه كَانَ هُنَاكَ وَاحِد من الفرنج صعد سور خندقهم وَجَمَاعَة يناولونه الْحِجَارَة وَهُوَ يرميها على الْمُسلمين وَوَقع فِيهِ زهاء خمسين سَهْما وحجرا وَهُوَ يتلقاها وَلم يمنعهُ ذَلِك عَمَّا هُوَ بصدده من الذب حَتَّى ضربه زراق بنفط فأحرقه ورؤيت امْرَأَة عَلَيْهَا ملوطة خضراءفما زَالَت ترمي بقوس من خشب حَتَّى جرحت جمَاعَة ثمَّ قتلت وحملت إِلَى السُّلْطَان فَعجب من ذَلِك
وَلم تزل الْحَرْب إِلَى اللَّيْل وضعفت نفوس أهل الْبَلَد وَتمكن الْعَدو من الْخَنَادِق فملؤوها ونقبوا سور الْبَلَد وحشوه وأحرقوه فَوَقَعت بَدَنَة من الباشورة وَدخل الْعَدو إِلَيْهَا وَقتل مِنْهُم فِيهَا زهاء مئة وَخمسين نفسا وَكَانَ مِنْهُم سِتَّة أنفس من كبارهم فَقَالَ لَهُم وَاحِد مِنْهُم لَا تقتلوني حَتَّى أرحل الفرنج عَنْكُم بِالْكُلِّيَّةِ فبادر رجل من الأكراد وَقَتله وَقتل الْخَمْسَة الْبَاقِيَة
وَفِي الْغَد ناداهم الفرنج احْفَظُوا السِّتَّة فَإنَّا نطلقكم كلكُمْ بهم فَقَالُوا إِنَّا قد قتلناهم فَحزن الفرنج وبطلوا عَن الزَّحْف ثَلَاثَة أَيَّام
وَخرج سيف الدّين المشطوب بِنَفسِهِ بِأَمَان إِلَى ملك الافرنسيس وَهُوَ كَانَ مقدم الْجَمَاعَة فِي الرُّتْبَة وَقَالَ لَهُ إِنَّا قد أَخذنَا مِنْكُم بلادا عدَّة وَكُنَّا نهدم الْبَلَد وندخل فِيهِ وَمَعَ هَذَا إِذا
стр. 1580
سألونا الْأمان أعطيناهم وحملناهم إِلَى مأمنهم وأكرمناهم وَنحن نسلم الْبَلَد وتعطينا الْأمان على أَنْفُسنَا فَقَالَ أرى فِيكُم رَأْيِي فَأَغْلَظ لَهُ المشطوب القَوْل وَانْصَرف عَنهُ
وَلما دخل المشطوب بِهَذَا الْخَبَر خَافَ جمَاعَة مِمَّن كَانُوا فِي الْبَلَد فَأخذُوا لَهُم بركوسا وَهُوَ مركب صَغِير وركبوا فِيهِ لَيْلًا خَارِجين إِلَى الْعَسْكَر الإسلامي مِنْهُم عز الدّين أرسل وحسام الدّين تمرتاش ابْن الجاولي وسنقر الوشاقي وَهُوَ من الأَسدِية الأكابر وَذَلِكَ فِي لَيْلَة الْخَمِيس تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة
فَأَما أرسل وسنقر فتغيبا خوفًا من السُّلْطَان وَأما ابْن الجاولي فظفر بِهِ وَرمي فِي الزردخاناه وَكَانَ سَابًّا أول مَا توفّي وَالِده فَقطع السُّلْطَان إقطاعاتهم وأقطعها وَحبس عَنْهُم عِنْد الرِّضَا بعد مُدَّة مديدة بشاشة وَجهه ومنعها وَكَانَ من جملَة الهاربين عبد القاهر الْحلَبِي نقيب الجاندارية الناصرية فشفع فِيهِ على أَنه يضمن على نَفسه العودة فَعَاد من ليلته وَوَقع بعد ذَلِك فِي الاسار واستفكه السُّلْطَان بعد سنة بثماني مئة دِينَار
وَمن كتاب إِلَى صَاحب إربل مظفر الدّين لما عاين أَصْحَابنَا بِالْبَلَدِ مَا عَلَيْهِ من الْخطر وَأَنَّهُمْ قد أشفوا على الْغرَر فر من
следующие страницы →