Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
هَذَا وَلَيْسَ لَك من الْمُسلمين كَافَّة مساعد إِلَّا بدعوة وَلَا مُجَاهِد مَعَك إِلَّا بِلِسَانِهِ وَلَا خَارج مَعَك إِلَّا بهم وَلَا خَارج بَين يَديك إِلَّا بِالْأُجْرَةِ وَلَا قَانِع مِنْك إِلَّا بِزِيَادَة تشتري مِنْهُم الخطوات شبْرًا بِذِرَاع وذراعا بباع تدعوهم إِلَى الله وكأنما تدعوهم إِلَى نَفسك وتسألهم الْفَرِيضَة وكأنك تكلفهم النَّافِلَة وَتعرض عَلَيْهِم الْجنَّة وكأنك تُرِيدُ أَن تستأثر بهَا دونهم
والآراء تخْتَلف بحضرتك والمشورات تتنوع بمجلسك فَقَائِل لم لَا نتباعد عَن الْمنزلَة وَآخر لم لَا نَمِيل إِلَى الْمُصَالحَة ومتندم على فَائت مَا كَانَ فِيهِ حَظّ ومشير بمستقبل مَا يلوح فِيهِ رشد ومشير بالتخلي عَن عكا حَتَّى كَأَن تَركهَا تغليق الْمُعَامَلَة وَمَا كَأَنَّهَا طَلِيعَة الْجَيْش وَلَا قفل الدَّار وَلَا خرزة السلك إِن وهت تداعى السلك وانبت فِي يَد الْملك فألهمك الله قتل الْكَافِر وَخلاف المخذل والتجلد وَتَحْت قدمك الْجَمْر وأفرشك الطُّمَأْنِينَة وَتَحْت جَنْبك الوعر
(وَلَكِن مَوْلَانَا صفيحة وَجهه ... كضوء شهَاب القابس المتنور)
(قَلِيل التشكي للمهم يُصِيبهُ ... كثير الْهوى شَتَّى النَّوَى والمسالك)
لَا شُبْهَة أَن الْمَمْلُوك قد أَطَالَ وَلَكِن قد اتَّسع المجال وَمَا مُرَاده إِلَّا أَن يشْكر الله على مَا اخْتَارَهُ لَهُ ويسره عَلَيْهِ وحببه إِلَيْهِ فَرب ممتحن بِنِعْمَة وَرب منعم عَلَيْهِ بِمَشَقَّة وَكم مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه ومرحوم من بلوى هِيَ دواؤه
стр. 1507
وَيُرِيد الْمَمْلُوك بِهَذَا أَن لَا يتَغَيَّر لمولانا أبقاه الله وَجه عَن بشاشة وَلَا صدر عَن سَعَة وَلَا لِسَان عَن حَسَنَة وَلَا ترى مِنْهُ ضجرة وَلَا تسمع مِنْهُ نهرة فالشدة تذْهب وَيبقى ذكرهَا والأزمة تنفرج وَيبقى أجرهَا
وكما لم يحدث اسْتِمْرَار النعم لمولانا عز نَصره بطرا فَلَا تحدث لَهُ سَاعَات الامتحان ضجرا والمملوك يستحسن بَيْتِي حَاتِم ومولانا أبقاه الله وخلد سُلْطَانه وَملكه يحفظهما
(شربنا بكأس الْفقر يَوْمًا وبالغنى ... وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا سقانا بِهِ الدَّهْر)
(فَمَا زادنا بغيا على ذِي قرَابَة ... غنانا وَلَا أزرى بأحسابنا الْفقر)
والمملوك بِأَن يسمع أَن مَوْلَانَا عز نَصره على مَا يعهده من سَعَة صَدره أسر مِنْهُ بِمَا يسمعهُ من بشائر نَصره وياليتني كنت مَعَهم وماذا كَانَت تصنع الْأَيَّام إِمَّا شيبا من مُشَاهدَة الحروب فقد شبنا وَالله من سَماع الْأَخْبَار أَو غرما يُمكن خَلفه من الوفر فقد غرمنا فِي بعد مَوْلَانَا مَا لَا خلف لَهُ من الْعُمر أَو مرض جسم فخيره مَا كَانَ الطَّبِيب حاضره وَلَقَد مرضنا أَشد الْمَرَض لفراقه إِلَّا أَن التجلد ساتره
وَمن كتب أخر الْمَمْلُوك يُوصي الْمولى بِالْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَام هُوَ قلب الْمولى فيروحه وَلَا يحملهُ مَا يشْغلهُ ويثقله ويوصي الْمولى بقلوب الْمُسلمين وَقُلُوب الْمُسلمين جسم مَوْلَانَا أبقاه الله
стр. 1508
من علم أَنه لَا توفيه رواتب الْحَيَاة اشْتغل قلبه واستطار لبه وضعفت نَفسه فيحسب الْمولى من جهاده تفقد جِسْمه وإلانة مطعمه وترويح خطراته فقد بلغ الْمَمْلُوك من حمله على نَفسه مَا يخْشَى على مَوْلَانَا الاثم فِيهِ وَإِنَّمَا نتجشم كل مشقة لنسلم مِنْهُ وَنحن فِي ضرّ قد مسنا وَلَا نرجو لكشفه إِلَّا من ابْتُلِيَ بِهِ وَفِي طوفان فتْنَة وَلَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم
وَلنَا ذنُوب قد سدت طَرِيق دعائنا فَنحْن أولى بِأَن نلوم أَنْفُسنَا وَللَّه قدر لَا سلَاح لنا فِي دَفعه إِلَّا أَن نقُول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقد أَشْرَفنَا على أهوال ﴿قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب﴾ وَقد جمع الْعَدو لنا وَقيل لنا اخشوه فَقُلْنَا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل متنجزين بذلك مَوْعُود الانقلاب بِنِعْمَة من الله وَفضل فَمَا نرجو إِلَّا ذَلِك الْفضل الْعَظِيم وَلَيْسَ إِلَّا الِاسْتِعَانَة بِاللَّه فَمَا دلنا الله فِي الشدائد إِلَّا على الدُّعَاء لَهُ وعَلى طروق بَاب كرمه وعَلى التضرع إِلَيْهِ ﴿فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا وَلَكِن قست قُلُوبهم﴾
стр. 1509
ونعوذ بِاللَّه من الْقَسْوَة وَمن الْقنُوط من الرَّحْمَة وَمن الْيَأْس من الْفرج فانه لَا ييأس مِنْهُ إِلَّا مسلوب الرشد مطرود عَن الله مَقْطُوع الْحَظ مِنْهُ
وَلَا حِيلَة إِلَّا بترك الْحِيلَة بل قصد من تمْضِي أقداره بِلَا حِيلَة
إِن علم الله من جند مَوْلَانَا أَنهم قد بذلوا المجهود فقد عذرهمْ فيعذرهم الْمولى وَإِن علم أَنهم قد ذخروا قُوَّة أَو قصروا فِي نصْرَة كلمة الله فيكفيهم مقت الله
الْمَمْلُوك يذكر الْمولى بصبره وبرحب صَدره وبفضل خلقه وبتقواه لرَبه وبمداراة مزاجه وببرء الْقُلُوب الإسلاميه ببرء جِسْمه ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم﴾ الْآيَة إِلَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ وَالْمولى أولى بِهَذَا الْبَيْت
(لَا بطر إِن تَتَابَعَت نعم ... وصابر فِي الْبلَاء محتسب)
قيل للمهلب أَيَسُرُّك ظفر لَيْسَ فِيهِ تَعب فَقَالَ أكره عَادَة الْعَجز
وَلَا بُد أَن تنفذ مَشِيئَة الله فِي خلقه وَلَا راد لحكمه فَلَا يتسخط مَوْلَانَا بِشَيْء من قدره فَلِأَن يجْرِي الْقَضَاء وَهُوَ رَاض مأجور خير من أَن يجْرِي وَهُوَ ساخط موزور فيصطلي نَار الشدَّة أَعَاذَهُ الله مِنْهَا وَلَا يجد رَاحَة الثَّوَاب وفر الله حَظه مِنْهُ
من شكا بثه وحزنه إِلَى الله شكا إِلَى مشتكى واستغاث
стр. 1510
بِقَادِر وَمن دَعَا ربه دُعَاء خفِيا اسْتَجَابَ لَهُ استجابة ظَاهِرَة فلتكن شكوى مَوْلَانَا إِلَى الله خُفْيَة عَنَّا وَلَا يقطع الظُّهُور الَّتِي لَا تشتد إِلَّا بِهِ وَلَا يضيق صدورا لَا تنفرج إِلَّا مِنْهُ وَمَا شرد الْكرَى وَأطَال على الأفكار ليل السرى إِلَّا ضائقة الْقُوت بعكا
لم يبْق إِلَّا ضعف نعم الْمعِين عَلَيْهِ ترويح النَّفس واعفاؤها من الْفِكر فقد علم مَوْلَانَا بِالْمُبَاشرَةِ أَنه لَا يدبر الدَّهْر إِلَّا بِرَبّ الدَّهْر وَلَا ينفذ الْأَمر إِلَّا بِصَاحِب الْأَمر وَأَنه لَا يقل الْهم إِن كثر الْفِكر
(قد قلت للرجل الْمقسم أمره ... فوض إِلَيْهِ تنم قرير الْعين)
كل مقترح يُجَاب إِلَيْهِ إِلَّا ثغرا يصير نَصْرَانِيّا بعد أَن أسلم أَو بَلَدا يخرس فِيهِ الْمِنْبَر بعد أَن تكلم
يَا مَوْلَانَا هَذِه اللَّيَالِي الَّتِي رابطت فِيهَا وَالنَّاس كَارِهُون وسهرت فِيهَا والعيون هاجعة وَهَذِه الْأَيَّام الَّتِي يُنَادى فِيهَا يَا خيل الله ارْكَبِي وَهَذِه السَّاعَات الَّتِي تزرع الشيب فِي الرؤوس وَهَذِه الغمرات الَّتِي تفيض فِيهَا الصُّدُور بِمَائِهَا بل بنارها هِيَ نعْمَة الله عَلَيْك وغراسك فِي الْجنَّة ومجملات محضرك ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ وَهِي مجوزاتك الصِّرَاط وَهِي مثقلات الْمِيزَان وَهِي دَرَجَات الرضْوَان
стр. 1511
فاشكر الله عَلَيْهَا كَمَا تشكره على الفتوحات الجليلة وَاعْلَم أَن مثوبة الصَّبْر فَوق مثوبة الشُّكْر وَمن ربط جأش أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ قَوْله لَو كَانَ الصَّبْر وَالشُّكْر بَعِيرَيْنِ مَا باليت أَيهمَا ركبت
وبهذه العزائم سبقُونَا وتركونا لَا نطمع بالغبار وامتدت خطاهم ونعوذ بِاللَّه من العثار
مَا اسْتعْمل الله فِي الْقيام بِالْحَقِّ إِلَّا خير الْخلق وَقد عرف مَا جرى فِي سير الْأَوَّلين وَفِي أنباء النَّبِيين وَأَن الله تَعَالَى حرض نبيه ﷺ أَن يَهْتَدِي بهداهم وَأَن يسْلك سبيلهم ويقتدي بأولي الْعَزْم مِنْهُم وَمَا تغلو الْجنَّة بِثمن وَمَا ابتلى الله سُبْحَانَهُ من عباده إِلَّا من يعلم أَنه يصبر وَأُمُور الدُّنْيَا ينْسَخ بَعْضهَا بَعْضًا وَكَأن مَا قد كَانَ لم يكن وَيذْهب التَّعَب وَيبقى الْآجر
(وَإِنَّمَا يقظات الْعين كَالْحلمِ ...)
أهم الْوَصَايَا أَن لَا يحمل الْمولى هما يضعف بِهِ جِسْمه ويضر مزاجه وَالْأمة بُنيان وَهُوَ أبقاه الله قَاعِدَته وَالله يثبت تِلْكَ الْقَاعِدَة الْقَائِمَة فِي نصْرَة الْحق
وَمِمَّا يستحسن من وَصَايَا الْفرس إِن نزل بك مَا فِيهِ حِيلَة فَلَا تعجز وَإِن نزل بك مَا لَيْسَ فِيهِ حِيلَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَلَا تجزع
стр. 1512
وَرب وَاقع فِي أَمر لَو اشْتغل عَن حمل الْهم بِهِ بِالتَّدْبِيرِ فِيهِ مَعَ مَقْدُور الله لانصرف همه وكفي خطبه ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾
هَذَا سُلْطَان هُوَ بحول الله أوثق مِنْهُ بسلطانه قَاتَلت الْمُلُوك بطمعها وَقَاتل هَذَا بايمانه وَإِذا نظر الله إِلَى قلب مَوْلَانَا لم يجد فِيهِ ثِقَة بِغَيْرِهِ وَلَا تعويلا على قُوَّة إِلَّا على قوته فهنالك الْفرج ميعاده واللطف مِيقَاته فَلَا يقنط من روح الله وَلَا يقل ﴿مَتى نصر الله﴾ وليصبر فَإِنَّمَا خلق للصبر بل ليشكر فالشكر فِي مَوضِع الصَّبْر أَعلَى دَرَجَات الشُّكْر وَليقل لمن ابتلى أَنْت الْمعَافي وليرض عَن الله سُبْحَانَهُ فَإِن الرضي عِنْد الله هُوَ الْمُسلم الراضي فَأَما أَخْبَار فتْنَة بِلَاد الْعَجم فسبحان من ألحق قُلُوبهم بألسنتهم ﴿قل الله ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلْعَبُونَ﴾
وَكتب السُّلْطَان إِلَى القَاضِي الْفَاضِل كتابا من بِلَاد الفرنج يُخبرهُ عَمَّا لَاحَ لَهُ من أَمَارَات النَّصْر وَيَقُول مَا أَخَاف إِلَّا من ذنوبنا أَن يأخذنا الله بهَا
فَكتب إِلَيْهِ الْفَاضِل فَأَما قَول مَوْلَانَا إننا نَخَاف أَن نؤخذ بذنوبنا فالذنوب كَانَت مثبتة قبل هَذَا الْمقَام وَفِيه محيت والآثام كَانَت مَكْتُوبَة ثمَّ عُفيَ عَنْهَا بِهَذِهِ السَّاعَات وعفيت فَيَكْفِي مُسْتَغْفِرًا لِسَان السَّيْف الْأَحْمَر فِي الْجِهَاد وَيَكْفِي قارعا لأبواب الْجنَّة صَوت
стр. 1513
مقارعة الأضداد وبعين الله موقفك وَفِي سَبِيل الله مقامك ومنصرفك وطوبى لقدم سعت فِي منهاجك وطوبى لوجه تلثم بمثار عجاجك وطوبى لنَفس بَين يَديك قتلت وَقتلت وَأَن الخواطربشكر الله فِيك عَن شكرها لَك قد شغلت
فصل
كَانَ بَلغنِي أَن السُّلْطَان ﵀ لما اشْتَدَّ امْر الفرنج على عكا أرسل إِلَى ملك الْمغرب يستنجد بِهِ عَلَيْهِم ليقطع عَنهُ مادتهم من جِهَة الْبَحْر وَكنت أتطلب حَقِيقَة ذَلِك وأبحث عَن شرح الْحَال فِيهِ فَإِن الْعِمَاد وَالْقَاضِي لم يتعرضا لَهُ فِي كتبهما غير أَن الْعِمَاد ذكر كتابا كتبه القَاضِي الْفَاضِل إِلَى رسولهم بالمغرب يستنجز مِنْهُ مَا كَانَ أرسل لأَجله وَسَيَأْتِي
وغرضي كَانَ الِاطِّلَاع على نفس كتاب الرسَالَة ومضمونها ثمَّ أَرَانِي بعض الشُّيُوخ الصلحاء الثِّقَات بِخَطِّهِ مَا كنت أرومه فنقلته على وَجهه
قَالَ نُسْخَة كتاب كتبه القَاضِي الْفَاضِل ونقلته من خطه لِابْنِ منقذ يَأْمُرهُ فِيهِ بِالسَّفرِ إِلَى الْمغرب بِأَمْر الْملك النَّاصِر صَلَاح
стр. 1514
الدّين ﵀ يستنصر بِملك الْمغرب يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن لما حصر الفرنج خذلهم الله عكا بعد كسرة حطين وَفتح بَيت الْمُقَدّس وَالْكتاب الَّذِي سير إِلَى الْمغرب والهدية الَّتِي حملت يَأْتِي ذكر ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْأَمِير الْأَجَل الاسفهسلار الْأَصِيل الْعَالم الْمُحْتَرَم شمس الدّين عدَّة الْإِسْلَام جمال الْأَنَام تَاج الدولة أَمِين الْملَّة صفوة الْمُلُوك والسلاطين شرف الْأُمَرَاء مقدم الْخَواص أدام الله توفيقه وَيسر طَرِيقه وأنجح مقْصده وأعذب مورده وحرس مغيبه ومشهده وأسعد يَوْمه وغده
تستخير الله سُبْحَانَهُ وتتوجه كَيْفَمَا يسر الله إِلَى الْجِهَة الإسلامية المغربية حرس الله جَانبهَا وَنصر كتائبها ومراكبها وتستقري فِي الطَّرِيق وَفِي الْبِلَاد من أَخْبَار الْقَوْم فِي أَحْوَالهم وآدابهم وأخلاقهم وأفعالهم وَمَا يحبونه من القَوْل نزره أَو جمه وَمن اللِّقَاء منبسطه أَو منقبضه وَمن الْقعُود بمجالسهم مخففه أَو مطوله وَمن التَّحِيَّات المتهاداة بَينهم مَا صيغته وَمَا موقعه وَهل هِيَ السّنَن الدِّينِيَّة أَو العوائد الملوكية
وَلَا تلقه إِلَّا بِمَا يُحِبهُ وَلَا تخاطبه إِلَّا بِمَا يسره وَالْكتاب قد نفذ إِلَيْهِ وَلم يخْتم لتعلم مَا خُوطِبَ بِهِ
وَالْمَقْصُود أَن تقص الْقَصَص عَلَيْهِ من أول وصولنا إِلَى مصر
стр. 1515
وَمَا أزلنا من الْبدع بهَا وعطلنا من الالحاد فِيهَا ووضعنا من الْمَظَالِم عَنْهَا وَإِقَامَة الْجُمُعَة وَعقد الْجَمَاعَة فِيهَا وغزواتنا الَّتِي تواصلت إِلَى بِلَاد الْكفْر من مصر فَكَانَت مُقَدّمَة لملك الشَّام الإسلامي باجتماع الْكَلِمَة علينا ومقدمة لملك الشَّام الفرنجي بانقياد الْمُسلمين لنا وإصفاق الْمُلُوك المجاورين على طاعتنا
وتفصل مَا جرى لنا مَعَ الفرنج من الْغَزَوَات الْمُتَقَدّمَة الَّتِي جسنا فِيهَا خلال دِيَارهمْ وَجعلهَا الله تَعَالَى مُقَدمَات لما سبق فِي علمه من أَسبَاب دمارهم وَمَا أعقبها من كسرتنا لَهُم الكسرة الْكُبْرَى وَفتح الْبَيْت الْمُقَدّس وَتلك على الْإِسْلَام منَّة الله الْعُظْمَى إِلَى غير ذَلِك من أَخذ الثغور وافتتاح الْبِلَاد واثخان الْقَتْل فيهم والأسر لَهُم واستنجاد بَقِيَّتهمْ لفرنج الْمغرب وَخُرُوج نجداتهم وَكَثْرَتهَا وقوتها ومنعتها وَغِنَاهَا وثروتها ومسارعتها ومبادرتها وَأَنه لَا يمْضِي يَوْم إِلَّا عَن قُوَّة تتجدد وميرة تصل وأموال وَاسِعَة تخرج ومعونات كَثِيرَة تحمل
وَأَن ثغرنا حصره الْعَدو وحصرنا نَحن الْعَدو فَمَا تمكن من قتال الثغر وَلَا تمكن من قتالنا وَخَنْدَق على نَفسه عدَّة خنادق فَمَا تمَكنا من قِتَاله وَقدم إِلَى الثغر أبرجة أحرقها أَهله وَخرج مرَّتَيْنِ إِلَى عسكرنا فَكسر الْعَدو الْكثير أَقَله فانه اغتنم أوقاتا لم تكن
стр. 1516
العساكر فِيهَا مَجْمُوعَة وارتاد سَاعَات لم تكن الأهب فِيهَا مَأْخُوذَة وأقدم على غرَّة استيقظت فِيهَا نصْرَة الله لنا وخذلانه لَهُم فَقتل الله الْعَدو الْقَتْل الذريع وأوقع بِهِ الفتك الشنيع وأجلت إِحْدَى الحركتين عَن عشْرين ألف قَتِيل من الْكفَّار خرجت أَنْفسهَا إِلَى مصارعها وهمدت أجسامها فِي مضاجعها
والعدو وَإِن حصر الثغر فَإِنَّهُ مَحْصُور وَلَو أبرز صفحته لَكَانَ بِإِذن الله هُوَ المثبور المكسور
وتذكر مَا دخل الثغر من أساطيلنا ثَلَاث مَرَّات واختراقها مراكبهم وَهِي الْأَكْثَر ودخولها بالميرة بِحكم السَّيْف الأطهر وَأَن أَمر الْعَدو مَعَ ذَلِك قد تطاول وخطبه قد تَمَادى ونجدته تتواصل وَمِنْهَا ملك الألمان فِي جموع جماهيرها مجمهرة وأموال قناطيرها مقنطرة وَأَن عساكرنا لَو أَدْرَكته لما استدرك وَلَوْلَا سبقه لَهَا بِالدُّخُولِ إِلَى أنطاكية لتلف وَهلك
وتذكر أَن الله قَصم طاغية الألمان وَأَخذه أَخْذَة فرعونية بالاغراق فِي نهر الدُّنْيَا الَّذِي هُوَ طَرِيقه إِلَى الاحراق فِي نَار الْآخِرَة
وَأَن هَذَا الْعَدو لَو أرسل الله عَلَيْهِ أسطولا قَوِيا مستعدا يقطع بحره وَيمْنَع ملكه لأخذنا الْعَدو بِالْجُوعِ والحصر أَو برز فأخذناه بيد الله تَعَالَى الَّتِي بهَا النَّصْر فان كَانَت الأساطيل بالجانب المغربي ميسرَة وَالْعدة مِنْهَا متوفرة وَالرِّجَال فِي اللِّقَاء فارهة وللمسير غيركارهة فالبدار البدار وَأَنت أَيهَا الْأَمِير فِيهَا أول من استخار الله وَسَار
стр. 1517
وَإِن كَانَت دون الأسطول مَوَانِع إِمَّا من قلَّة عدَّة وَإِمَّا من شغل هُنَاكَ بمهمة أَو بِمُبَاشَرَة عَدو إِمَّا تحصن مِنْهُ الْعَوْرَة أَو قد لاحت مِنْهُ الفرصة فالمعونة مَا طريقها وَاحِدَة وَلَا سَبِيلهَا مسدودة وَلَا أَنْوَاعهَا محصورة تكون تَارَة بِالرِّجَالِ وَتارَة بِالْمَالِ
وَمَا رَأينَا أَهلا لخطابنا وَلَا كُفؤًا لانجادنا وَلَا محقوقا بدعوتنا وَلَا ملبيا بنصرتنا إِلَّا ذَلِك الجناب فَلم ندعه إِلَّا لواجب عَلَيْهِ وَإِلَى مَا هُوَ مُسْتَقل بِهِ ومطيق لَهُ فقد كَانَت تتَوَقَّع مِنْهُ همة تقد فِي الغرب نارها ويستطير فِي الشرق سناها وتغرس فِي العدوة القصوى شجرتها فينال من فِي الْعَدو الدُّنْيَا جناها فَلَا ترْضى همته أَن يعين الْكفْر الْكفْر وَلَا يعين الْإِسْلَام الْإِسْلَام وَمَا اخْتصَّ بالاستعانة إِلَّا لِأَن الْعَدو جَاره وَالْجَار أقدر على الْجَار وَأهل الْجنَّة أولى بِقِتَال أهل النَّار وَلِأَنَّهُ بَحر والنجدة بحريّة وَلَا غرو أَن تجيش الْبحار
وَإِن سُئِلَ عَن المملوكين يوزبا وقراقوش وَذكر مَا فعلا فِي أَطْرَاف الْمغرب بِمن مَعَهُمَا من نفايات الرِّجَال الَّذين نفتهم مقامات الْقِتَال فيعلمهم أَن المملوكين وَمن مَعَهُمَا لَيْسُوا من وُجُوه المماليك والأمراء وَلَا من الْمَعْدُودين فِي الطواشية والأولياء وَإِنَّمَا كسدت سوقهما وتبعهما ألفاف أمثالهما وَالْعَادَة جَارِيَة أَن العساكر إِذا طَالَتْ ذيولها وَكَثُرت جموعها خرج مِنْهَا وانضاف إِلَيْهَا فَلَا يظْهر مزيدها وَلَا نَقصهَا
стр. 1518
وَلَا كَانَ هَذَانِ المملوكان مِمَّن إِذا غَابَ أحضر وَلَا مِمَّن إِذا فقد افْتقدَ وَلَا يقدر فِي مثلهمَا أَنه مِمَّن يَسْتَطِيع نكاية وَلَا يَأْتِي بِمَا يُوجب شكوى من جِنَايَة ومعاذ الله أَن نأمر مُفْسِدا بِأَن يفْسد فِي الأَرْض ﴿إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت﴾
إِن سُئِلَ عَن النّوبَة المصرية وَمَا فعل بجندها فليعلمهم الْأَمِير أَن الْقَوْم راسلوا الْكفَّار وأطمعوهم فِي تَسْلِيم الديار فأشفى الْإِسْلَام على أَمر شَدِيد وَكَاد يقرب على الْكفْر أَمر بعيد فَلم يُعَاقب الْجَيْش بل أَعْيَان المفسدين فقوبلوا بِمَا يجب وَكَانُوا دعاة كفر وضلال ومحاربين لله بِمَا سعوا فِي الأَرْض من فَسَاد فَأَما بَقِيَّة الْجَيْش وَإِن كَانَ بَينهم من هُوَ تبع للمذكورين فِي الرِّضَا فَإِنَّهُم اقْتصر بهم على أَن لَا يَكُونُوا جندا وَمِنْهُم من أجريت عَلَيْهِ أرزاق تبلغه وشملته أَمَنَة تسكنه
وَأما الْهَدِيَّة المسيرة على يَد الْأَمِير فتفصيلها يرد فِي كتاب الأميرالأجل الاسفهسلار الْعَالم الْكَبِير مجد الدّين سيف الدولة أدام الله علوه مَقْرُونا بالهدية الْمَذْكُورَة وَمَعَ قرب الشتَاء فَلم يبْق إِلَّا الاستخارة وَالتَّسْمِيَة ومبادرة الْوَقْت قبل أَن يغلق الْبَحْر انفتاح الأشتية وَالله سُبْحَانَهُ يوفق الْأَمِير ويسهل سَبيله وَيهْدِي دَلِيله ويكلؤه بِعَيْنِه ويمده بعونه وَيحمل رَحْله ويبلغه أَهله ويشرح لَهُ صَدره وييسر لَهُ أمره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكتب فِي ثامن وَعشْرين شعْبَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
стр. 1519
فصل فِي نُسْخَة الْكتاب إِلَى ملك الْمغرب والهدية
العنوان بَلَاغ إِلَى مَحل التَّقْوَى الطَّاهِر ومستقر حزب الله الظاهرمن الْمغرب أَعلَى الله بِهِ كلمة الايمان وَرفع بِهِ منار الْبر والاحسان
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْفَقِير إِلَى رَحْمَة ربه يُوسُف بن أَيُّوب أما بعد فَالْحَمْد لله الْمَاضِي المشية الممضي الْقَضِيَّة الْبر بالبرية الحفي بالحنيفية الَّذِي اسْتعْمل عَلَيْهَا من استعمر بِهِ الأَرْض وأغنى من أَهلهَا من سَأَلَهُ الْقَرْض وأجزل أجر من أجْرى على يَده النَّافِلَة وَالْفَرْض وزان سَمَاء الْملَّة بدراري الذَّرَارِي الَّتِي بَعْضهَا من بعض
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد الَّذِي أنزل عَلَيْهِ كتابا فِيهِ الشِّفَاء والتبيان وَبنى الْإِسْلَام بأمته الَّتِي شبهها صَاحبهَا بالبنيان وعَلى آله وَصَحبه الَّذين اصطفاهم وطهرهم ونصروه وظاهروا رَسُوله ﷺ فنصرهم وأظهرهم وَيسر بهم السَّبِيل ثمَّ السَّبِيل يسرهم وَإِن الله بهم لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكْثَرهم ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾
وَهَذِه التَّحِيَّة الطّيبَة الْكَرِيمَة الصيبة الْوَاجِبَة الرَّد الْمُوجبَة
стр. 1520
للقصد العذبة الْورْد المتنفسة عَن العنبر الْورْد وقادة على دَار الْملك ومدار النّسك وَجل الْجَلالَة وأصل الْأَصَالَة وَرَأس الرياسة وَنَفس النفاسة وَحكم الحكم وَعلم الْعلم وقائم الدّين وقيمه ومقدم الْإِسْلَام ومقدمه ومقتضي دين الدّين ومثبت الْمُتَّقِينَ على الْيَقِين ومعلي الْمُوَحِّدين على الْمُلْحِدِينَ أدام الله لَهُ النُّصْرَة وجهز بِهِ الْعسرَة ورد لَهُ الكرة وَبسط لَهُ بَاعَ الْقُدْرَة وأوثق بِهِ حَبل الألفة ومهد لَهُ دَرَجَات الغرفة وعرفه فِي كل مَا يعتزمه صنعا جزيلا جميلا ولطفا خفِيا جَلِيلًا وَيسر عَلَيْهِ فِي سَبيله كل مَا هُوَ أَشد وطأ وأقوم قيلا
تَحِيَّة استنير مِنْهَا الْكتاب واستثيب عَنْهَا الْجَواب وحفز لَهَا حافزان أَحدهمَا شوق قديم كَانَ مطل غَرِيمه مُمكنا إِلَى أَن تيَسّر الْأَسْبَاب وَالْآخر مرام عَظِيم مَا كره إِذا استفتحت بِهِ الْأَبْوَاب وَكَانَ وَقت المواصلة وموسم الْمُكَاتبَة هناءة بِفَتْح الْبَيْت الْمُقَدّس وَسُكُون الْإِسْلَام مِنْهُ إِلَى المقيل والمعرس وَمَا فتح الله للاسلام من الثغور وَمَا شرح لأَهله من الصُّدُور وَمَا أنزلهُ عَلَيْهِم من النُّور وَلم يخل الْمُسلمُونَ فِيهِ من دعوات أسرار ذَلِك الصَّدْر وملاحظات أنوار ذَلِك الْبَدْر ومطالعات تِلْكَ الْجِهَة الَّتِي هِيَ وَإِن كَانَت غربية فَإِن الغرب مستودع الْأَنْوَار وكنز دِينَار الشَّمْس
стр. 1521
ومصب أَنهَار النَّهَار وَمن جَانِبه يَأْتِي سُكُون اللَّيْل ومستروح الْأَسْرَار وَعنهُ ﴿يقلب الله اللَّيْل وَالنَّهَار إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار﴾
وَلم تتأخر الْمُكَاتبَة إِلَّا ليتم الله مَا بَدَأَ من فَضله وليفتح بَقِيَّة مَا لم يَنْقَطِع بتقطع يَد الشّرك من حبله والمفتتح بيد الله من الشَّام مدن وأمصار وبلاد كبار وصغار وثغور وقلاع كَانَت للشرك معاقل وللإسلام معاقر ولبني الْكفْر مصانع ولبني الْإِسْلَام مصَارِع وَالْبَاقِي بيد الْكفْر مِنْهَا ثغرا طرابلس وصور ومدينة أنطاكية يسر الله أمرهَا وَفك من يَد الْكفْر أسرها وَإِذا أَمن الْمُؤمن على هَذِه الدعْوَة رُجي ايجابها وَمَا يتَأَخَّر من الله سُبْحَانَهُ جوابها
فالدعاء أحد السلاحين وَمَعَ النِّيَّة يطير إِلَى وَكره من السَّمَاء بجناحين بعد أَن كسر الْعَدو الكسرة الَّتِي لم يجْبر بعْدهَا وألجئ إِلَى حصونه الَّتِي للحصر أعدهَا وَكَانَ يَوْمهَا كَرِيمًا ولطف الله فِيهَا عَظِيما قَضَت كل حَاجَة فِي النَّفس وأغنت الْمُسلمين فَأَما الْعَدو بعد يَوْمهَا فَكَأَن لم يغن بالْأَمْس وَكَانَت على أثر غزوات قبلهَا فَمَا الظَّن بالمجهزة بعد النكس
وَلم يُؤَخر فتح الْبِلَاد بعْدهَا إِلَّا أَن فرع الْكفَّار بِالشَّام استصرخ بِأَصْل الْكفَّار من الغرب فأجابوهم رجَالًا وفرسانا وشيبا وشبانا
стр. 1522
وزرافات ووحدانا وَبرا وبحرا ومركبا وظهرا وركبوا إِلَيْهِم سهلا ووعرا وبذلوا ماعونا وذخرا وَمَا احتاجوا ملوكا ترتادهم وَلَا أرسانا تقتادهم بل خرج كل يُلَبِّي دَعْوَة بطركه وَلَا يحْتَاج إِلَى عَزمَة ملكه
وَخرجت لَهُم عدَّة مُلُوك أقفلت العجمة على أسمائها وَأَتَتْ العزمة بِحَمْد الله على أشخاصها عِنْد لقائها وَمِنْهُم ملك الألمان خرج فِي جموع بَريَّة من الله تَعَالَى بَريَّة مَلَأت الفجاج وازدحمت فَمَا نفذها العجاج وَمِنْهُم من ركب ثبج الْبَحْر فَركب الأجاج العجاج وامتطى من الْبَحْر مَتنه الرجاج لينصر دينا مشبه الزّجاج يقبل الْكسر وَلَا يسْرع إِلَيْهِ الْجَبْر وراكب ذَلِك الدّين كراكب الْبَحْر بِلَا سَاحل سَلامَة وَإِلَى قاع كفر
وجلب الْكفَّار إِلَى المحصورين بِالشَّام كل مجلوب وملؤوا عَلَيْهِم ثغرتهم من كل مَطْلُوب مَا بَين أقوات وأطعمة وآلات وأسلحة وشكة وجنة وحديد مَضْرُوب وزبرة ونقدي ذهب وَفِضة إِلَى أَن شحنوا بِلَادهمْ رجَالًا مقاتلة وذخائر للعاجلة من حربهم والآجلة لَا تشرق شارقة إِلَّا طلعت على الْعَدو من الْبَحْر طالعة تعوض من الرِّجَال من قتل وتخلف من الزَّاد مَا أكل فهم كل يَوْم فِي حُصُول زِيَادَة ووفور مَادَّة وَقد هان عَلَيْهِم موقع
стр. 1523
الْحصْر وَأَعْطَاهُمْ الْبَحْر مَا مَنعهم الْبر وبطروا لما كَثُرُوا ونظروا فِي أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يلْقوا أَو يصحروا ويستطيعون أَن يحصروا على أَن ينحصروا
ونزلوا على عكا بِحَيْثُ يمدهُمْ الْبَحْر بإمداده ويصل إِلَى الْمقَاتل مَا يَحْتَاجهُ من أسلحته وأزواده وبمن تكْثر بِهِ من مقاتلته وأجناده فَانْقَطَعت مَادَّة عكا من الْبَحْر وحصرنا منازليهم من الْعَدو من جِهَة جَانب الْبر فخندقوا على نُفُوسهم وحثوا تُرَاب المصارع على رؤوسهم وعقدت عدتهمْ مئة الف أويزيدون كلما أفناهم الْقَتْل أخلفتهم النجدة فكأنهم بعد الْمَمَات يعودون
فاهتممنا بعمارة بحريّة لَقينَا عمارتهم بهَا فنفذت عمارتنا إِلَى الثغر وأوصلت إِلَيْهِ الأقوات الَّتِي حمل مِنْهَا الْبَحْر مَا لَا يحملهُ الظّهْر والأسلحة الَّتِي أمضاها الله بيد الْإِسْلَام فِي صدورالكفر وَمَا لَقينَا عمَارَة الْعَدو بأوفر مِنْهَا عدَّة فعد مراكبهم كَبِير وَلَكِن بأصدق مِنْهَا عَزمَة والقليل مَعَ الْعَزْم الصَّادِق كثير
وَاسْتمرّ مقَام الْعَدو محاصرا للثغر محصورا منا اشد الحصرلا يَسْتَطِيع قتال الثغر لأَنا من خَلفه وَلَا يَسْتَطِيع الْخُرُوج إِلَيْنَا خوفًا من حتفه وَلَا نستطيع نَحن الدُّخُول إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قد سور وَخَنْدَق وحاجز من وَرَاء الحجرات وأغلق
وَلما خرج ملك الألمان بحشده وسمعته الَّتِي هِيَ مِنْهُ أحشد
стр. 1524
وَعَاد جَيْشه الملعون على رسم قديم إِلَى الشَّام فَكَانَ الْعود لأمة أَحْمد ﷺ أَحْمد قويت فِيهِ نُفُوسهم وجمحت بِهِ رؤوسهم وظنوا أَنه يزعجنا من مجثمنا ويخرجنا من مخيمنا فَبَعَثنَا إِلَيْهِ من يلقاه بعساكرنا الشمالية فسلك ذَات الشمَال متوعرا فِيهَا محتجزا عَن لقائها مظْهرا أَنه صريع دَاء وَمَا بِهِ غير دائها
وَكَانَ أَبوهُ الطاغية ملك الألمان شيبَة اللَّعْن اللعين قَائِد جَيْشه إِلَى سجن سِجِّين قد هلك فِي طَرِيقه غرقا وخاض المَاء فخاضه المَاء شرقا وَبَقِي لَهُ ولد هُوَ الْآن الْمُقدم الْمُؤخر وقائد الْجمع المكسر وَرُبمَا وصلهم إِلَى عكا فِي الْبَحْر تهيبا أَن يسْلك الْبر وَلَو سبق أَصْحَابنَا إِلَى عَسَاكِر الألمان قبل دُخُولهَا إِلَى أنطاكية لأخذوه أخذا سَرِيعا وَسبق مَاء بَحر سيوفهم إِلَى أَن يكون الطاغية فِيهِ لَا فِي النَّهر صَرِيعًا وَلَكِن لله الْمَشِيئَة فِي الْبَريَّة والطاغية إِنَّمَا يمشي إِلَى البلية فانه لَوْلَا احتجاز مقيمهم بالخنادق واجتياز واصلهم بالمضائق لَكَانَ لنا وَلَهُم شان وَكَانَ ليومنا فِي النُّصْرَة الْكُبْرَى بحول الله ثَان لَا يثنيه من الْعَدو ثَان
وَلما كَانَت حَضْرَة سُلْطَان الْإِسْلَام وقائد الْمُجَاهدين إِلَى دَار السَّلَام أولى من توجه إِلَيْهِ الْإِسْلَام بشكواه وبثه واستعان بِهِ على حماية نَسْله وحرثه وَكَانَت مساعيه ومساعي سلفه فِي الْجِهَاد الغر المحجلة المؤمرة المؤملة الكاسفة لكل معضلة الكاشفة لكل مشكلة الْأَخْبَار بذلك سائرة والْآثَار ظَاهِرَة والصحف عَنهُ باسمه وَالسير بِهِ معلمة وعالمة وكل بجهاده قد سكن إِلَّا السيوف فِي أغمادها
стр. 1525
وَقد أَمن إِلَّا كلمة الْكفْر فِي بلادها لَا يزَال فِي سَبِيل الله غاديا ورائحا ومواجها ومكافحا ومماسيا ومصابحا يجوز لجة الْبَحْر بالمجاهدين ملوكا على الأسرة وغزاة تصافح وجوهها السيوف فَلَا تخمد نور الأسرة يذود الْفرق الْكَافِرَة وَلَو ترك سَبِيلهَا لملأ قراره كل وَاد و ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله﴾ ولولاه لأخمدوا شرار كل زناد
كَانَ المتوقع من تِلْكَ الدولة الْعَالِيَة والعزمة الغادية مَعَ الْقُدْرَة الوافية والهمة المهدية الهادية أَن يمد غرب الْإِسْلَام الْمُسلمين بِأَكْثَرَ مِمَّا أمد بِهِ غرب الْكفَّار الْكَافرين فيملأها عَلَيْهِم جواري كالأعلام ومدنا فِي اللجج سوائر كَأَنَّهَا اللَّيَالِي مقلعة بِالْأَيَّامِ تطلع علينا معشر الْإِسْلَام آمالا وتطلع على الْكفَّار آجالا وتردنا إِمَّا جملَة وَإِمَّا أَرْسَالًا مسومة تمدها مَلَائِكَة مسومة ومعلمة تقدم حيازيمها إقدام حيزوم تحث أَصْحَابه الحزمة وَإِنَّمَا هِيَ مِنْهُ عَزمَة كَانَت تعين أَصْحَاب الميمنة على أَصْحَاب المشأمة وَكلمَة كَانَت تنفخ الرّوح فِي الْكَلِمَة وَلما استبطئت ظن أَنَّهَا توقفت على الاستدعاء فصرخنا بِهِ فِي هَذِه التَّحِيَّة فقد تحفل السَّحَاب
стр. 1526
وَلَا تمطر إِلَى أَن تحركها أَيدي الرِّيَاح وَقد ينزل الله النُّصْرَة فَلَا تظهر إِلَى أَن تضرع إِلَيْهَا أَلْسِنَة الصفاح
وسير لحضور مَجْلِسه الأطهر وَمحله الْأَنْوَار الْأَمِير الْأَجَل الْمُجَاهِد الْأمين الْأَصِيل شمس الدّين ثِقَة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين سفير الْمُلُوك والسلاطين أَبُو الحزم عبد الرَّحْمَن ابْن منقذ كتب الله سَلَامَته وَأحسن صحابته وَمَا اختير للوفادة إِلَّا من هُوَ أَهلهَا وَلَا حمل الْوَدِيعَة إِلَّا من هُوَ محلهَا وَلَا بعث لنهج الصِّلَة إِلَّا من هُوَ مفتاحها ولأداء الْأَمَانَة إِلَّا من هُوَ قفلها
وَمهما استوضح مِنْهُ وَسُئِلَ عَنهُ فَإِنَّهُ على نَفسه بَصِيرَة وَمن الْبَيَان ذُو ذخيرة وَفِي الْعَرَبيَّة ذُو بَيت وعشيرة والمشاهدة لَهُ أوصف على أَن تِلْكَ الْجَلالَة رُبمَا ذعرت الْبَيَان فأخلف وَمَا أجدره بِأَن يُصَادف بسطة على بساطه ونظرا يَأْذَن لَهُ فِي القَوْل على اختصاره وتوسطه وإفراطه فَكل هُوَ بِهِ واف وكل هُوَ للفهم الْكَرِيم كَاف وَالله تَعَالَى يَجْعَل هَذِه العزمة منا فِي استنهاض العزمة مِنْهُ بَالِغَة مبلغا يسر أهل دينه ويوزعهم بهَا اقْتِضَاء دُيُونه من الَّذين اتَّخذُوا إِلَهًا من دونه
وَالسَّلَام الصَّادِر عَن الْقلب السَّلِيم والود الصميم والعهد الْكَرِيم على حَضْرَة الْكَرم الْعلية وسدة السِّيَادَة الجلية سَلام مَوَدَّة
стр. 1527
مَا وَفد الْعَرَب قبلهَا ورسالة مَا خطرت إِلَى أَن بعثت وَرَاءَهَا الْمحبَّة رسلها وَليصل السَّلَام ﵀ وَبَرَكَاته ورضوانه وتحياته إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكتب فِي شعْبَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وَالْحَمْد لله وَحده وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد نبيه وَآله وَسَلَامه
الْهَدِيَّة ختمة كَرِيمَة فِي ربعه مخيشة مسك ثَلَاث مئة مِثْقَال عنبر عشر قلائد عَددهَا سِتّ مئة حَبَّة عود فِي سفط عشرَة أُمَنَاء دهان بِلِسَان مئة دِرْهَم وَاحِدَة قسي بأوتارها مئة وقوسان سروج عشرُون نصول سيوف هندية عشرُون نشاب ياسج خَاص مريش كَبِير ومتوسط ضمن صندوقي خشب مجلدة محددة سبع مئة سهم
وَكَانَ إقلاعه من الاسكندرية فِي شيني عِمَارَته مئة وَعِشْرُونَ فِي ثَالِث عشر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وَوصل إِلَى اطرابلس أول الْبِلَاد فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال وَأقَام بهَا إِلَى ثامن ذِي الْقعدَة وَتوجه إِلَى الْبِلَاد وَكَانَ الِاجْتِمَاع بالوزير أبي يحيى أبي بكر أبي مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ أبي حَفْص وَدفع كتاب
стр. 1528
السُّلْطَان إِلَيْهِ يَوْم الْخَمِيس سَابِع ذِي الْحجَّة وَكَانَ الدُّخُول على يَعْقُوب وَالسَّلَام عَلَيْهِ فِي الْعشْرين من ذِي الْحجَّة
وَفِي هَذَا النَّهَار حملت هَدِيَّة السُّلْطَان إِلَى خزانته وَكَانَ انْفِصَاله من مراكش عَاشر الْمحرم سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وَوصل إِلَى الاسكندرية فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ
فصل
لم يحصل من جِهَة سُلْطَان الغرب مَا التمس مِنْهُ النجدة وَبَلغنِي أَنه عز عَلَيْهِم كَونه لم يُخَاطب بأمير الْمُؤمنِينَ على جاري عَادَتهم وَقد كَانَ سُلْطَانا عادلا مظْهرا للشريعة غازيا وَتُوفِّي سنة خمس وَتِسْعين وَفِيه يَقُول شاعره
(أهل لِأَن يسْعَى إِلَيْهِ ويرتجى ... ويزار من أقْصَى الْبِلَاد على الوجا)
(ملك غَدا بالمكرمات مُقَلدًا ... وموشحا ومختما ومتوجا)
(عمرت مقامات الْمُلُوك بِذكرِهِ ... وتعطرت مِنْهُ الرِّيَاح تأرجا)
(وجد الْوُجُود وَقد دجا فأضاءه ... وَرَآهُ فِي الكرب الْعِظَام ففرجا)
وَفِيه يَقُول ابْن عَمه سُلَيْمَان بن عبد الله بن عبد الْمُؤمن أَبُو الرّبيع من قصيدة أَولهَا
(هبت بنصركم الرِّيَاح الْأَرْبَع ... وَجَرت بسعدكم النُّجُوم الطّلع)
стр. 1529
(إِن قيل من خير الخلائف كلهَا ... فاليك يَا يَعْقُوب تومي الاصبع)
(إِن كنت تتلو السَّابِقين فَإِنَّمَا ... أَنْت الْمُقدم وَالْخَلَائِق تبع)
وَقد مدحه أَيْضا شمس الدّين ابْن منقذ هَذَا الْمُرْسل إِلَيْهِ من جِهَة السُّلْطَان بقصيدة مِنْهَا
(سأشكر بحرا ذَا عباب قطعته ... إِلَى بَحر جود مَا لنعماه سَاحل)
(إِلَى مَعْدن التَّقْوَى إِلَى كعبة الْهدى ... إِلَى من سمت بِالذكر مِنْهُ الْأَوَائِل)
(إِلَيْك أَمِير الْمُسلمين وَلم تزل ... إِلَى بابك المأمول تزجي الرَّوَاحِل)
(قطعت إِلَيْك الْبر وَالْبَحْر موقنا ... بِأَن نداك الْغمر بالنجح كافل)
(فَمَا راعني من وجبة الْبر رائع ... وَلَا هالني من زاخر الْبَحْر هائل)
(وَمن كَانَ غايات الْمَعَالِي طلابه ... يهون عَلَيْهِ كل أَمر يحاول)
(رَجَوْت بقصديك الْعلَا فبلغتها ... وَأدنى عطاياك الْعلَا والفضائل)
(فَلَا زلت للعلياء والجود ثَانِيًا ... تبلغك الْأَيَّام مَا أَنْت آمل)
وَابْن منقذ هَذَا من أهل بَيت وأدب وَشعر وَله على مَا وجدت بِخَط بعض الثِّقَات
(تصرم عمري فِي التغرب والنوى ... وأفنى ارتحالي طارفي وتلادي)
(وأخلقت الْأَيَّام برد شبيبتي ... وأصلد من وَقع الخطوب زنادي)
(وأشغلني الْحِرْص الْمُوكل فِي الورى ... عَن الْعَمَل المنجي ليَوْم معادي)
(فَلَا رَاحَة الْأُخْرَى تيقنت نيلها ... وَلَا أَنا فِي الدُّنْيَا بلغت مرادي)
стр. 1530
وَله على لِسَان بعض غلمانه
(وَرب قَمِيص دَعَاني إِلَى احْتِمَال ... الرثاثة مِنْهُ الْعَدَم)
(أقطب وَجْهي لَهُ كلما ... تهلل لي ضَاحِكا وابتسم)
وَمن كتاب فاضلي إِلَى بعض إخوانه وَأما الْأَخْبَار الغربية وإخلال جَانبهَا وَضعف مطلوبها وطالبها فَإِذا انجرت الظلماء إِلَى الغرب فَبِحَق كَمَا أَن الْأَنْوَار الناصرية قد تناصرت فِي الشرق فَالله يسْعد بِلَاد الدُّنْيَا بالانخراط فِي سلك ملكه وَيُمكن من مؤمنها حكم عدله وَمن كافرها سيف فتكه وَالله يجزيها الْخَيْر عَن نِيَّتهَا فِي الْخَيْر وَيكْتب سَلامَة عزمها فِي طرق النَّفْع أتمه السّير
ثمَّ إِنِّي وقفت على كتاب فاضلي للسُّلْطَان يشْعر بِأَن الرسَالَة المغربية لم تكن بِرَأْي الْفَاضِل وَلَا هُوَ مُخْتَار لَهَا صورته
الْمَمْلُوك يقبل الأَرْض بالْمقَام العالي المولوي الملكي الناصري جعل الله لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْمقَام العالي وَأبقى دولته الَّتِي هِيَ الْأَيَّام بِالْحَقِيقَةِ وَالْأَيَّام قبلهَا هِيَ اللَّيَالِي وَيُنْهِي أَن الظَّاهِر بِأَن الْمَمْلُوك عِنْد الْمولى لَيْسَ من أهل الاتهام وَأَن لَهُ وَللَّه الْحَمد آثارا فِي دولته تشهد بهَا الْأَيَّام وآثار السيوف طاحت وَبقيت آثَار الْأَقْدَام
والرسالة المغربية لَيْسَ الْمَمْلُوك مُشِيرا بِتَرْكِهَا وَلَا كَارِهًا لسفر رسولها وَلَا مستبعدا مصلحَة قريبَة الْأَمر مِنْهَا لَكِن على وَجههَا وَقد نجزت الْهَدِيَّة المغربية على مَا أَمر بِهِ وَكتب الْكتاب على مَا مثل وفخم الْخطاب وَالْوَصْف فَوق الْعَادة وَبِمَا لَا يُمكن مُخَاطبَة مَخْلُوق بِأَكْثَرَ مِنْهُ
стр. 1531
وَعند وُصُول الْأَمِير نجم الدّين من المخيم الْمَنْصُور فاوضه الْمَمْلُوك فِي أَنه لَا يُمكن إِلَّا التَّعْرِيض لَا التَّصْرِيح بِمَا وَقع لَهُ أَنه لَا تنجح الْحَاجة إِلَّا بِهِ من لَفْظَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَن الَّذين أفاضوا فِي هَذَا الحَدِيث وأشاروا بِهِ قَالُوهُ نقلا وَلَا أحاطوا بِهِ قِيَاسا وَلَا عرفُوا مُكَاتبَة المصريين قَدِيما وَآخر مَا كتب فِي أَيَّام الصَّالح بن رزيك فخوطب فِيهِ أكبر أَوْلَاد عبد الْمُؤمن وَولي عَهده بالأمير الْأَصِيل النجار الجسيم الفخار وعادت الْأَجْوِبَة إِلَى ابْن رزيك وَهُوَ وَزِير سُلْطَان مصر الَّذِي فِي أَتبَاع مَوْلَانَا الْيَوْم مئة مثله مترجمة بمعظم أمره وملتزم شكره
هَذَا والصالح يتَوَقَّع أَن يَأْخُذ ابْن عبد الْمُؤمن الْبِلَاد من يَدَيْهِ مَا هُوَ أَن يهرب مملوكان طريدان منا فيستوليا على أَطْرَاف بِلَاده ويصل الْمشَار إِلَيْهِ بِالْأَمر من مراكش إِلَى القيروان فِي سِتَّة أشهر قيلقاهم فيكسر مرّة ويتماسك أُخْرَى
وَأعلم الْأَمِير نجم الدّين بذلك فَأمْسك مِقْدَار عشرَة أَيَّام ثمَّ أنفذ الْأَمِير الْمَذْكُور إِلَيْهِ على يَد ابْن الجليس بِأَن الْهَدِيَّة أُشير عَلَيْهِ بِأَن لَا يستصحبها وَإِن استصحبها تكون هَدِيَّة برسم من حواليه وَأَن الْكتاب لَا يَأْخُذهُ إِلَّا بتصريح أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَن السُّلْطَان عز نَصره رسم لَهُ ذَلِك وَالْملك الْعَادِل دَامَت قدرته بِأَن لَا يسير إِلَّا بِهِ وَأَنه إِذا لَقِي الْقَوْم خاطبهم بِهَذِهِ التَّحِيَّة عَن السُّلْطَان أبقاه الله من لِسَانه
فَأَجَابَهُ الْمَمْلُوك بِأَن الْخطاب يَكْفِي وَطَرِيق جحدنا لَهُ مُمكن وَالْكِتَابَة حجَّة تقيد اللِّسَان عَن الانكار وَمَتى قُرِئت على
стр. 1532
مِنْبَر من مَنَابِر الغرب جعلنَا خالعين فِي مَكَان الْإِجْمَاع مبايعين من لَا ينصره الله وَلَا شَوْكَة فِيهِ وَلَا يحل اتِّبَاعه مرخصين الغالي منحطين عَن العالي شاقين عَصا الْمُسلمين مفرقين كلمة الْمُؤمنِينَ مُطِيعِينَ لمن لَا تحل طَاعَته متقلدين لمن لَا تصح ولَايَته فَيفْسد عُقُود الْإِسْلَام وينفتح بَاب تعجز موارده عَن الاصدار بل تمْضِي وتستشف الْأُمُور وَتكشف الْأَحْوَال
فَإِن رَأَيْت للْقَوْم شَوْكَة وَلنَا زبدة فعدهم بِهَذِهِ المخاطبة وَاجعَل كل مَا نَأْخُذهُ ثمنا للوعد بهَا خَاصَّة فَامْتنعَ وَقَالَ أَنا أَقْْضِي أشغالي وأتوجه إِلَى الاسكندرية وأنتظر جَوَاب السُّلْطَان عز نَصره وَمَا يفوت وَقت وَإِلَى أَن أنْجز أَمر المراكب وأرتاد الركاب
فسير الْمَمْلُوك النُّسْخَة فان وَافَقت فينعم الْمولى على الْمَمْلُوك بترجمة يلصقها على مَا كتبه وَيَأْمُر نجم الدّين بتسلم الْكتاب على أَن ابْن الجليس حَدثهُ عَنهُ أَنه مُمْتَنع من السّفر إِلَّا بالمكاتبة بهَا فَأَما الَّذِي يترجم بِهِ الْمولى عز نَصره فَيكون مثل الَّذِي يدعى بِهِ على الْمِنْبَر لمولانا وَهُوَ الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى يُوسُف بن أَيُّوب أدام الله غنى مَوْلَانَا بالفقر إِلَى ربه
وَإِذا كتب الصَّالح بن رز يَك إِلَيْهِم من السَّيِّد الْأَجَل الْملك الصَّالح قبح أَن يكْتب إِلَيْهِ مَوْلَانَا أبقاه الله الْخَادِم وَهَذَا
стр. 1533
مبلغ رَأْي الْمَمْلُوك وَالْمُؤمن لَا يذل نَفسه وقاسم الأرزاق يوصلها وَإِن رغم من جرت على يَده وَإِن كَانَ مَوْلَانَا أعز الله نَصره يَقُول أَنْت غافل وغائب وَمَا تعرف مَا الْإِسْلَام فِيهِ فَلَو حضرت وَعرفت مَا شققت الحَدِيث فجواب مَا نكتب بعد سنتَيْن فَمَا يتخلى الله عَنَّا وَلَا تستمر هَذِه الشدَّة وَلَا نسيء الظَّن بِاللَّه
وَإِذا كَانَت لنا إِن شَاءَ الله أخذت جالية من نطلب الْآن مواساته وَإِذا كَانَ الْمَمْلُوك مستجهلا وَغير مستنصح وللضرورة حكمهَا وَالْأَحْوَال الْمَمْلُوك غَائِب عَنْهَا فالمفهوم من الْأَمر للمملوك أَن يتَوَلَّى من الْمُكَاتبَة تَرْتِيب الْمَقَاصِد وتحرير الْأَلْفَاظ وتنضيد الْخَبَر عَمَّا أجراه الله تَعَالَى على يَد مَوْلَانَا عز نَصره والتأني للمطلوب فقد فعل هَذَا كُله فِي النُّسْخَة وَبقيت اللَّفْظَة الَّتِي لَيست كِتَابَة الْمَمْلُوك لَهَا شرطا فِيهَا والمملوك وعقبه مستجيرون بِاللَّه تَعَالَى ثمَّ بالسلطان عز نَصره من تعريضهم لكدر الْحَيَاة وتوقع الْخَوْف ومعاداة من لَا يخفى عَنهُ خبر وَلَا تقال بِهِ عَثْرَة
وَيَكْفِي أَن الْمولى بِخَطِّهِ فِي كِتَابه إِلَى الْمَمْلُوك وَفِيمَا هُوَ بِخَط حَضْرَة سيدنَا الْأَجَل عماد الدّين الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي حرسه الله لما وَصِيّ بِأَن لَا يناظر فِي الْخطاب مَا صرح باللفظة فَهِيَ إِمَّا تقية فالمملوك أولى بهَا وَإِمَّا استهانة فَنَفْس الْملك لَا تقاس بِنَفس الْمَمْلُوك
стр. 1534
فان كَانَ لَا بُد فالنسخة بَين يَدَيْهِ وَالْمَقْصُود فِيهَا من زِيَادَة هَذِه اللَّفْظَة مَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيم وَالْكتاب الَّذين يستقلون بِكِتَابَة النُّسْخَة معدومون وَقد نَاب الْمَمْلُوك عَنْهُم وَالْكتاب الَّذين يستقلون بالتبييض موجودون فينوبون عَن الْمَمْلُوك فِي التبييض وَإِلَّا فَكيف يسير رَسُول بِكِتَاب من مصر بِلَا خطّ سُلْطَان وَبِغير حَضرته كتب وَلَا بهدية سَار وبمحضر من البغاددة والمغاربة يعلمُونَ أَن الْكتاب كتب بِمصْر وَيشْهدُونَ بِمَا لم يروه وَمَا لم يقرؤوه من الْخطاب
وَإِذا وصل من الْمولى أدام الله أَيَّامه كتاب مختوم وسير وَلم يعلم مَا فِيهِ انْقَطع فضول كثير وخمدت أراجيف شنيعة وَلَا يعْتَقد الْمولى أَن الْمَمْلُوك يعظم الْقَصَص فَمَا للألسنة والأعين شغل إِلَّا السلاطين وأفعالهم وأقوالهم وَلَا لِلْخلقِ خوض إِلَّا فِي أوامرهم وأحوالهم
وَلَو علم الْمَمْلُوك أَن هَذَا الَّذِي استعفى مِنْهُ يضرّهُ بِحَيْثُ ينفع الْمولى أبقاه الله لهان عَلَيْهِ وَلكنه مضرَّة بِغَيْر مَنْفَعَة وَتعرض لما تذم عاقبته أَو يبْقى على الْخَوْف مِنْهُ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ حسن عهد الْمولى وَفضل رأفته فمقصود الْمولى أبقاه الله تَحْصِيل تبييضها بَين يَدَيْهِ وَرُبمَا حصل استتاره وَأمنت المكاره فِيهِ وغمضت الْعُيُون عَنهُ وشحت الْأَيَّام عَلَيْهِ طالع الْمَمْلُوك بذلك
стр. 1535
فصل
وللقاضي الْفَاضِل ﵀ من كتب أخر يشْرَح لنا بعض مَا تقدم وَمَا لم نذكرهُ من السّير
مِنْهَا قَوْله كتاب بَغْدَاد كتاب بَارِد غث جامد مَا فِيهِ مَقْصُود لقاصد وَلَا صلَة لعائد وَنحن نطلب الذَّهَب الْحَار فَتضْرب فِي حَدِيد بَارِد
وَمِنْهَا فِيمَا خرب من الْبِلَاد الفرنجية المغنومة خراب الْبِلَاد فِي هَذَا الْوَقْت الضّيق لَا شُبْهَة فِي تقويته لنَفس الْعَدو وإضعافه لأنفس الْمُسلمين وكل من يسمعهُ يفجؤه من بديهة الْيَأْس مَا يقطع رَجَاءَهُ وَالْمولى يعلم أَن الْعَدو أَخذهَا من المصريين فِي تَمام سِتِّينَ سنة وحفظوها بالانحصار مرّة وبالهدنة أُخْرَى وبالقتال مَرَّات وبولاة سوء لَو كَانَ فيهم خير لما عجزوا عَنْهَا
وَنحن قد حملنَا عَن الْعَدو الْمُؤْنَة بتخريب الْبِلَاد الَّتِي كَانَ الْعَدو يُرِيد أَن يحاصرها وينازها وَينصب المنجنيق والبرج عَلَيْهَا وَيخَاف النجدة أَن تصلها وَقُوَّة الْإِسْلَام أَن تثوب إِلَيْهَا ويتوقع أَن يبدهه المصاف قبل النُّزُول عَلَيْهَا فعرفناه أَنه قادم على من لَا سلَاح لَهُ إِلَّا أَن يلقِي السِّلَاح وَلَا حفظ للبلاد إِلَّا أَن
стр. 1536
نخربها فقد نكلنا عَن اللِّقَاء وفررنا قبل المواجهة وزدنا زِيَادَة عَجِيبَة وَهُوَ أَن المنهزم ينهزم بِالرِّجَالِ وَنحن ننهزم بالبلاد
ثمَّ قَالَ وَثُبُوت مَوْلَانَا على عكا هُوَ حراستها وحفظها وَقُوَّة نفس من بهَا وأهون الْأَعْدَاء ملك الألمان لَا يشك مَوْلَانَا أَن جمعه لَا يَفِي بِعشر قراقر من سِتِّينَ قرقورة وصلت إِلَى الفرنج نجدة من بِلَاد الْمَجُوس فِي السّنة الْمَاضِيَة وَإِنَّمَا الزَّائِد سَمعه ملك وَقد هلك وَرَأس وَقد قطع وقائد جَيش وَقد كبا الْحمار
وَمِنْهَا عِنْد وُرُود كتاب السُّلْطَان إِلَيْهِ يبشر بعافيته من مرض فِي شهر رَمَضَان أسفرت بشارته عَن أَن الْمولى أَتَاهُ الْفرج وغذاه الْفروج واستقل بِحَمْد الله وَصَحَّ وَقَالَت الْعَافِيَة للمرض تَنَح
وَكَانَ مَا فِي كِتَابيه الْأَوَّلين من تَعْرِيف النُّون من الْحَمد لله رب الْعَالمين فِيهِ أثر ضعف ينتقده صيارفة الخطوط
فَأَما هَذَا الْكتاب الْمُبَارك فقد صحت فِيهِ التعريقة وقويت الْيَد وطلعت النُّون أهم إِلَيْنَا من مطلع الْهلَال الفطري الَّذِي يُشبههُ الشُّعَرَاء بالنُّون وَمِنْهُم من قَالَ
(ولاح هِلَال مثل نون أجادها ... بذوب النضار الْكَاتِب ابْن هِلَال)
وَهَذَا من أَنْوَاع الْفَرَاغ الَّذِي مَا أوجبه للمملوك إِلَّا مسرته بعافية الْمولى أدامها الله وأدام المسرة بهَا لَهُ وللخلق فَمَا يشبهها
стр. 1537
الْمَمْلُوك إِلَّا بِنور الشَّمْس الَّذِي لَهُ فِي كل مَكَان أثر وَلكُل عين بِهِ نظر فَلَا أخلى الله الدُّنْيَا من آثاره والعيون من أنواره
وَبعد عَافِيَة الْمولى قد انْتظر الْإِسْلَام عافيته بِهِ من الْمَرَض الَّذِي هُوَ الْعَدو فَيجمع الله تَعَالَى للْمولى وللخلق بَين العافيتين ويستخدم شكرهم للنعمتين فقد جلا الله سُبْحَانَهُ بِهَذَا الْمَرَض سيف الله الَّذِي هُوَ الْمولى وَمَا صقله إِلَّا لتصدأ بِهِ قُلُوب أعدائه
وَمن فَوَائِد هَذَا الْمَرَض أَن الْمولى يسْتَأْنف الْعُمر جَدِيدا والعزم حديدا وَيسْتَقْبل التَّدْبِير بنشاط قد حضر وأعضاء قد فَارقهَا مَا كَانَ سَبَب الضجر
وَمِنْهَا وَأما تبرم مَوْلَانَا بِكَثْرَة المطالبات مِنْهُ فَلَا أخلى الله مَوْلَانَا من الْقُدْرَة عَلَيْهَا وهنيئا لَهُ أَن الله سُبْحَانَهُ يُطَالِبهُ بِحِفْظ دينه وَالنَّبِيّ ﷺ يُطَالِبهُ بِحسن الْخلَافَة فِي أمته وَالسَّلَف الصَّالح من هَذِه الْأمة يطالبونه بِمُبَاشَرَة مَا لَو حَضَرُوهُ لما زادوا على مَا يَفْعَله الْمولى وَأهل الْحَرْب يطالبونه بإزاحة علتهم من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَبَقِيَّة الْأمة تطالبه بالأمن فِي سربهم والاستثامة فِي كسبهم والخفارة فِي سبلهم وَنَفسه الْكَرِيمَة تطالبه بِالْجنَّةِ بلغه الله إِلَيْهَا وبمعالي الْأُمُور أَعَانَهُ الله عَلَيْهَا
وَإِذا عدد مَا يُرَاد مِنْهُ فَلَا بُد أَن يعدد مَا يسر عَلَيْهِ فَهَل عدم
стр. 1538
من الله تَعَالَى قطّ نصْرَة فَهَل استمرت بِهِ قطّ عسرة فَهَل تمت لعدو قطّ عَلَيْهِ كرة هَل بَات قطّ إِلَّا راجيا هَل أصبح إِلَّا رَاضِيا
أَلا يعلم أَن الله تَعَالَى ذخر لَهُ من الصَّالِحَات مَا لم ير كفوءا لَهُ غَيره أَلا يحصي من سبقه من الْمُلُوك إِلَى الدُّنْيَا فعجزوا عَمَّا سبق إِلَيْهِ الْمولى من الْآخِرَة هَل يعرف راية يُقَاتل تحتهَا فِي سيبل الله إِلَّا رايته
هَل يعرف مَالا ينْفق فِي سَبِيل الله إِلَّا مَاله هَل يسمع فِي مَجْلِسه إِلَّا كتاب الله يُتْلَى وَسنة رَسُول الله ﷺ تقْرَأ أَو يرى بِهِ إِلَّا الْخَيل تعرض وَالسِّلَاح يقلب لَا أقداح الشاربين وَلَا أصوات المغنين وَلَا رقائع الْكَذَّابين وَلَا سعايات النمامين
وبحق إِذا خطّ مَوْلَانَا أبقاه الله على تَشْبِيه الْمَمْلُوك مجْلِس ابْن عبد الْمُؤمن بِالْمَسْجِدِ فَإِن مَجْلِسه أولى بِأَن يكون مَسْجِدا من كل مجْلِس وَلَا غرو أَن تعترف المدائح كَمَا تعترف الضوال وَأَن تتبع كَمَا تتبع الطرائد ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾
لَعَلَّ الْمولى عز نَصره قد نفذ إِلَى جَانب الشمَال جمَاعَة فَإِن صَاحب أنطاكية خذله الله عاث وشعث وخلا الجبان بِأَرْض فَطلب الطعْن وَحده
стр. 1539
لَو قرن أهل عكا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِمَشِيئَة الله مَا هم فِيهِ من جِهَاد بنية احتساب لما سبقهمْ إِلَى الْجنَّة سَابق وَلَا لحقهم بعدهمْ لَاحق فليهن مَوْلَانَا توفر ثَوَابه على كل حَال فَلهُ ثَوَاب نَفسه وثواب من جَاهد بِسَبَبِهِ
فَلَا أعدم الله الْخلق وَاحِدًا استقام بِهِ جَمِيعهم ومالكا قَامَ برعاياهم فَأقْعدَ مَا يروعهم وشفيقا يقيهم بِنَفسِهِ وبولده وبإخوته ويتقدم إِلَى الْأَهْوَال أَمَام مماليكه وأمرائه وَعَسْكَره وَحَمَلته كَأَنَّهُ مِنْهُم مَكَان بِسم الله من الْكتاب وَمَكَان الامام من الْمِحْرَاب وَمَكَان النواصي من وُجُوه الصواهل وَمَكَان الأسنة من وُجُوه الذوابل خير مَا كَانَ إِذا لم تظن نفس بِنَفس خيرا وأغير مَا كَانَ على محارم الله إِذا كَانَت أنفس الْمُلُوك غير غيرى
وَقد اطمأنت الْقُلُوب إِلَى أَن الله سُبْحَانَهُ قد كشف الْغُمَّة وأفرجها وأطفأ نَار الْحَرْب الَّتِي كَانَ الْعَدو أججها فَمَا يتَوَقَّع من كتب مَوْلَانَا أبقاه الله إِلَّا أَن الْإِسْلَام قد رَضِي بِمَا يسْخط الْكفْر وَلَا يسمع من قصصه الَّذِي هُوَ أحسن الْقَصَص إِلَّا أَن يَقُول مَا قَالَه سميه على نَبينَا وَعَلِيهِ السَّلَام ﴿قضي الْأَمر﴾
стр. 1540
فَأَما ملك الألمان فقد سلبه الله مَا أضيف إِلَيْهِ كَمَا كَانَ الْمَمْلُوك رأى فِي مَنَامه على كَوْكَب وَأعلم بِهِ مَوْلَانَا رِسَالَة فَقَالَ أبقاه الله قد قبلت الْبُشْرَى
وَصُورَة الرُّؤْيَا أَن رَسُولا جَاءَ من جِهَة السُّلْطَان عز نَصره إِلَى الْمَمْلُوك فَقَالَ اكْتُبْ كتابا بِبِشَارَة ملك الألمان فَقلت حَتَّى أفكر فَقَالَ الرَّسُول اكْتُبْ بِأَن الله قد سلب ملك الألمان مَا اضيف إِلَيْهِ وَالْمَشْهُور أَن ملك الألمان خرج فِي مئتي ألف وَأَنه الْآن فِي دون خَمْسَة آلَاف
وَمِنْهَا ورد كتاب من المهدية إِلَى الاسكندرية ثَانِي رَجَب بعد سِتَّة عشر يَوْمًا من المهدية وَذكر من فِيهِ اخبارا وَقد طولع بهَا وَلما تَكَرَّرت علمت صِحَّتهَا وَهُوَ أَن عَسَاكِر الغرب الإسلامية نازلة على طليطلة وَقد افتتحت عدَّة حصون كَافِرَة وَأَن يوزبا شوهد بالمهدية موثقًا بالحديد وَقد نفذه قراقوش إِلَى صَاحب تونس ليسيره إِلَى بِلَاد الأندلس مَوضِع نزُول ابْن عبد الْمُؤمن بالعساكر
وَأَن أهل صقلية من الْمُسلمين إِلَى الْآن فِي حَرْب قَائِمَة بَينهم وَبَين فرنجها ومعتصمون بالجبال فِي أَعمالهَا وَأَن عَسْكَر الفرنج قد خرج لانجاد أَصْحَابهم بصقلية والمسلمون بهَا على توقع ورقبة وحذار وخيفة نصر الله كلمة التَّوْحِيد وَأهْلك كل جَبَّار عنيد
وَأَن مراكب فِيهَا أزواد للجنويين دخلت المهدية بِأَمَان من
стр. 1541
صَاحبهَا فباعت بهَا وتزودت مِنْهَا وَأَنَّهَا قاصدة الشَّام خيب الله قَصدهَا
وَمِنْهَا وَقد سيرالحمل الْآن من الْمجْلس العزيزي بِحُضُور فلَان وَفُلَان وَكلهمْ مُجْتَهد فِي الْخدمَة وَلما عرف الْمَمْلُوك أَنهم لَا يطرقون الْمَعْنى الَّذِي يطرقه الْمَمْلُوك من تَنْبِيه مَوْلَانَا على أَن يقتصد قي الانفاق وَيقدر الاخراج للْعلم أَن هَذَا الْحجر قد رمينَا بِعَدَمِهِ وَسمع بِخَبَر الْمولى فَانْهَزَمَ قرارا من سطوة كرمه
والبلاد لَيست الْآن كعهدها فِي انْقِطَاع أسفارها ووقوف معايشها وكساد أسواقها وانكسار تجارها وَلَو لم تكن الدَّرَاهِم سلْعَة لَا تخرج من مصر كَمَا يخرج الدِّينَار لما وجدت كَمَا لَا يُوجد الدِّينَار وَإِن تصريف الدَّرَاهِم بعد أَن تصير مستخرجا بِذَهَب شغل شاغل واستخراج ثَان غير الأول وَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أمرمن عِنْده يحدث للاسلام نصرا عَزِيزًا وللكفر خذلانا سَرِيعا وجيزا
مَوْلَانَا خلد الله ملكه من وَرَاء ضَرُورَة لَا تخفى عَن الْمَمْلُوك والمماليك من وَرَاء ضَرُورَة لَا تخفى عَن الْمولى وصدرالمولى بِحَمْد الله وَاسع وَفرج الله مِنْهُ قريب وَهَذِه الضائقة لما يُريدهُ الله تَعَالَى من حسن موقع الْفرج بعْدهَا
стр. 1542
فقد أنْفق الْمولى مَال مصر فِي فتح الشَّام وَأنْفق مَال الشَّام فِي فتح الجزيرة وَأنْفق مَال الْجَمِيع فِي فتح السَّاحِل وَينْفق إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَال الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي فتح رُومِية والملوك كلهم وكلاؤه وأمناؤه على خزائنهم إِلَى أَن يسلموها إِلَيْهِ فيشكره الله على مَا أخرجه فِي سَبِيل الله مِنْهَا ويمقتهم على مَا كنزوه من ذهبها وفضتها فَلَا يكن فِي صدر الْمولى حرج وَلَا فِي خلقه فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَا يضيق رزقا على يَده الْكَرِيمَة لَا سِيمَا وَقد أجْرى عَلَيْهَا أرزاق خلقه
وَمِنْهَا يُنْهِي وُصُول رَسُول ملك الرّوم بِمَا فِي صحبته من هَدِيَّة وَبِمَا على لِسَانه من رِسَالَة وَبِمَا على يَده من كتاب وَحضر بَين يَدي الْملك الْعَادِل وَجرى من الْمُفَاوضَة مَا زبدته امتنان الْملك بِكَوْنِهِ لم يجب رَسُول ملك الألمان وَصَاحب صقلية وَغَيرهم من جيوش الفرنج إِلَى الْمُوَافقَة على حَرْب السُّلْطَان وَإِطْلَاق طريقهم وَامْتنع وسد الدربندات وَحفظ عَلَيْهِم الطّرق ووصى أَرْبَاب الْحُصُون بالتيقظ لَهُم وَالْمَنْع دونهم وَجعل عذره لملتمسي مُوَافَقَته أَن الْبِلَاد فِي هَذِه السّنة غَالِيَة السّعر والمصلحة تَقْتَضِي أَن لَا تكون الْحَرَكَة إِلَّا بِقُوَّة وعَلى تمكن من الْميرَة وتؤخر الْحَرَكَة إِلَى السّنة الْأُخْرَى
стр. 1543
ثمَّ قَالَ وَهَذَا ملك الرّوم خَائِف من الفرنج على بَلَده مدافع عَن نَفسه إِن تمّ لَهُ الدّفع ادّعى أَنه بسببنا وَإِن لم يتم ادّعى أَنه غلب عَن مقْصده ومقصدنا وَقد جعل مَا أوردهُ من أَن تُقَام البطركة فِي قمامة من قبله وَأَن تنقل من ولَايَة الفرنج إِلَى أَن يوليها الطاغية من أهل عمله سَببا يبسط بِهِ عذره بِزَعْمِهِ عِنْد أهل جنسه وَيدْفَع بِهِ عَن نَفسه لَا سِيمَا مَعَ إِقَامَة الْخطْبَة الإسلامية وَنَقله الْمِنْبَر وفسحته فِي الصَّلَاة وإعزاز الْكَلِمَة الإسلامية أرْغم الله بهَا أَنفه وَعجل بسيفها حتفه ومولانا أبقاه الله يثبت فِي الْأَجْوِبَة وَلَا يُجيب إِلَى مَا على الْإِسْلَام فِيهِ غَضَاضَة وَلَا إِلَى مَا للكفر فِيهِ قُوَّة ﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم﴾
وَمن كتاب آخر وصل إِلَى الْمَمْلُوك كتاب يذكر وُصُول رسل الْملك الْعَتِيق من قبرس إِلَيْهِ يُخبرهُ بعصيانه على ملك إنكلتير ومكاشفته بالعداوة وَالْحَرب وَأَنه قد كَاتب السُّلْطَان أعز الله نَصره يبْذل لَهُ من نَفسه الْعُبُودِيَّة وَالطَّاعَة والمظاهرة على ملك إنكلتير وَالْأَخْبَار متواترة بِأَن الْعَتِيق أحرق موانئ قبرس ووعرها وَقطع الْميرَة عَن السَّاحِل
стр. 1544
وَلَا شُبْهَة ان مَوْلَانَا يتَقَبَّل من الْمَذْكُور وَيُقَوِّي نَفسه على هَذِه المباينة فان فِي تخاذلهم نصْرَة الْإِسْلَام وشغل بَعضهم بِبَعْض وافتراق كلمتهم المجتمعة وقطعا لِلْمِيرَةِ عَن الشَّام وَأمنا لجَانب كبيرمن جَوَانِب الْبَحْر
وهذ الْملك الْعَتِيق قد صَار لمولانا صديقا وَمَا سمي الْعَتِيق إِلَّا لِأَنَّهُ صَار لمولانا عتيقا وَلَا اعْتِبَار بحديثنا مَعَ صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي أَنا ننجده على قبرس فانا إِنَّمَا وعدناه بالنجدة عَلَيْهَا لما كَانَت بيد عدونا
وَوَاللَّه مَا أَفْلح ملك الرّوم قطّ ولانفع إِن يكن صديقا وَلَا ضرّ إِن يكن عدوا وَكَذَلِكَ صَاحب الغرب ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾
وقف الْمَمْلُوك على كتاب بَغْدَاد وَالْمَقْصُود الَّذِي ندب لأَجله الرَّسُول مَا ألم بِذكرِهِ فِي الْكتاب وَهِي المعونة على الْجِهَاد وَعرف استدعاء المساعدة على تكريت وَلَو كَانَ لنا فرَاغ لَهَا لما كَانَ النّظر الصَّحِيح يقتضيها لِأَنَّهَا مهما بقيت فِي يَد من هُوَ الْآن بهَا فَهِيَ فِي يَد الْمولى أبقاه الله تَعَالَى وَمهما خرجت عَنهُ خرجت عَنْهَا وَمَا نقُول أَنه لَيْسَ لنا تطلع إِلَى مثلهَا لَا سِيمَا وَهِي طَرِيق إِلَى غَيرهَا وَقد فتح الله للْمولى بِبِلَاد هِيَ مَعَ سعتها ضيقَة عَن زبونها
стр. 1545
فللمولى أَوْلَاد كثر الله مِنْهُم مَا مِنْهُم إِلَّا من هُوَ متطلع إِلَى طرف وَله أهل مَا مِنْهُم إِلَّا من متطلع إِلَى طرف وَله أهل مَا مِنْهُم إِلَّا من متطلع إِلَى مملكة وأمراء مَا مِنْهُم إِلَّا من هُوَ متوقع زِيَادَة ومماليك مَا مِنْهُم إِلَّا من يُرِيد أَن يُوفي الْحق عَلَيْهِ فِي الْخدمَة
وَمن سيره الْمولى لهَذَا الْأَمر عدم من أَصْحَابه مَنْفَعَة فِيمَا هُوَ أهم مِمَّا سَار فِيهِ وَمَا يَلِيق أَن يسير إِلَّا من يُرِيهم مَا يعجزون عَنهُ وَيكون عنوانا لما لَعَلَّهُم فِي شكّ مِنْهُ من قُوَّة الْمولى على مَا يُرِيد وإمساكه مَعَ الْقُدْرَة وَيرى الْمَمْلُوك أَن مطلبهم نقد ومطلبنا مِنْهُم وعد وَإِن كَانَ وَلَا بُد من تسيير فَلَا يسير إِلَّا من يقْضِي الشّغل ويستزيد الْجعل
مَا تضمنه الْكتاب الْبَغْدَادِيّ من عزم الْخَلِيفَة على الْحَج فِي هَذِه السّنة الْمَمْلُوك يستبعده بالاضافة إِلَى الْوَقْت وَإِلَى عَادَة اهله آخِرهم حجا الرشيد ﵀ ويستقربه بالاضافة إِلَى خلقه وَإِن سَار صلح أَن يهتم بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الشهرزوري وَلَا شكّ أَنه قد أنسي الرسَالَة الَّتِي توجه فِيهَا فَإنَّا بَعَثْنَاهُ يلْتَمس لنا نَفَقَة فالتمسها منا
فصل
وَكتب الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان
следующие страницы →