Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
واستبقي مِنْهُم أَرْبَعَة نفر مذكورون
وَفِي ثامن عشر شَوَّال اجْتمع الْعَادِل والانكلتير على طَعَام ومحادثة وانفصلا عَن توادد ومطايبة وَطلب مِنْهُ الِاجْتِمَاع بِخِدْمَة السُّلْطَان فَامْتنعَ ﵀ وَقَالَ الْمُلُوك إِذا اجْتَمعُوا تقبح بَينهم الْمُخَاصمَة بعد ذَلِك وَإِذا انتظم أَمر حسن الِاجْتِمَاع
ورحل الفرنج ثَالِث ذِي الْقعدَة إِلَى الرملة وأظهروا قصد الْقُدس بِتِلْكَ الرحلة ودامت الوقعات بَينهم وَبَين الْمُسلمين ورحل السُّلْطَان إِلَى الْقُدس بنية الْمقَام فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وَكَانَ الشتَاء قد دخل والغيث قد اتَّصل فوصل إِلَى الْقُدس وَقت الْعَصْر وَنزل بدار الأقساء مجاورة كَنِيسَة قمامة
وَفِي ثَالِث ذِي الْحجَّة وصل عَسْكَر من مصر بأموال وَرِجَال مَعَ أبي الهيجاء السمين وتحول الفرنج إِلَى النطرون فقوى السُّلْطَان اليزك فوقعوا على سَرِيَّة للفرنج فغنموها وسيق مِنْهُم إِلَى الْقُدس نَيف وَخَمْسُونَ أَسِيرًا سوى من قتل مِنْهُم وواقعهم سَابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيزر يَوْم عيد الْأَضْحَى فَنحر مِنْهُم وضحى واحتوى على عشرَة من مقدميهم أسرا وقتلا وتسلق بَاقِي الفرنج فِي الْجبَال وَتركُوا خيلهم فغنمها الْمُسلمُونَ
стр. 1612
وَلم يزل الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم مستظهرين مُدَّة مقامهم بالنطرون وَجعل الْمُسلمُونَ يقطعون الطَّرِيق على تجارهم حَتَّى إِنَّهُم أخذُوا قافلة ثَقيلَة بِمَا فِيهَا وَلم يقدروا على تَخْلِيصهَا فرحلوا عائدين إِلَى الرملة فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة
وَفِي ذَلِك الْيَوْم وصل من الْموصل خَمْسُونَ رجل برسم قطع الصخور من الخَنْدَق فَإِن السُّلْطَان شرع فِي تحصين الْقُدس وَعمارَة أبراجه وأسواره وحفر خنادقه وَأرْسل إِلَى الْبِلَاد فِي جمع رجال هَذِه الْأَعْمَال وَتقبل الْأُمَرَاء فِيهِ الْعَمَل وَعمل فِيهِ السُّلْطَان بِنَفسِهِ بِنَقْل الْحِجَارَة هُوَ وَأَوْلَاده وأمراؤه وأجناده وَمَعَهُمْ الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والولاة والأمراء
قلت وَفِي قصد الفرنج للسُّلْطَان بالقدس يَقُول الرشيد ابْن النابلسي من جملَة قصيدة لَهُ
(وَيْح الفرنجة بل ويل امهم أَو مَا ... فيهم لَبِيب على العلات يعْتَبر)
(فكم نثرتهم ضربا إِذا انتظموا ... وَكم نظمتهم طَعنا إِذا انتشروا)
(كم قد سقيتهم ذلا فَلَا عجب ... إِن عربدوا سفها فالقوم قد سَكِرُوا)
стр. 1613
(إِن يمموك فَلَا بدع لجهلهم ... تسْعَى إِلَى الْأسد فِي غاباتها الْحمر)
(زاروا نمورا وَلَا تغني وقاحتهم ... إِذا أسودك فِي أبطالهم زأروا)
(فحام عَن حوطة الْبَيْت الْمُقَدّس لَا ... خوف وحاشاك من خوف وَلَا ضَرَر)
(هُوَ الشريف وَقد ناداك معتصما ... فَمَا على مجده من بعْدهَا حذر)
(وسوف تستغفر الْأَيَّام هفوتها ... وتحصد الفئة الأوغاد مَا بذروا)
فصل فِي بقايا حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد وَفِي ربيع الأول مِنْهَا تولى القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن الزكي قَضَاء دمشق
وفيهَا يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر رَمَضَان كَانَت وَفَاة تَقِيّ الدّين عمر ابْن أخي السُّلْطَان وَهُوَ على محاصرة منازكرد وَكَانَ - كَمَا تقدم - قد توجه إِلَى بِلَاده الَّتِي زَاده إِيَّاهَا السُّلْطَان وَرَاء الْفُرَات فامتدت عينه إِلَى بِلَاد غَيره وَاسْتولى على السويداء وعَلى مَدِينَة حاني وعزم على قصد خلاط وَكسر صَاحبهَا سيف الدّين بكتمر وتملك مُعظم تِلْكَ الْبِلَاد ثمَّ أَنَاخَ على منازكرد يحاصرها وَمَعَهُ عَسَاكِر كَثِيرَة فأناخت بجسده الْمنية بِسَبَب مرض اعتراه وَزَاد إِلَى أَن بلغ مِنْهُ المُرَاد
стр. 1614
وأخفى وَلَده الْملك الْمَنْصُور وَفَاته ورحل عَن الْبَلَد المحصور وَفَاته وَعَاد بِهِ إِلَى الْبِلَاد الَّتِي فِي يَده وَعجب النَّاس من حزمه وعزمه وثباته وَجلده وَجَاءَت رسله إِلَى السُّلْطَان يُخبرهُ بِأَنَّهُ قَامَ مقَام وَالِده فِيمَا كَانَ لَهُ من الْبلدَانِ وَطلب مِنْهُ شُرُوطًا نسبه بِسَبَبِهَا إِلَى الْعِصْيَان وَكَانَ أمره يضطرب وَقَلبه يكتئب وشأنه ينعكس وينقلب حَتَّى احتمى بِالْملكِ الْعَادِل فنصره وأظهره إِلَى الْوُجُود وأظهره
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد كَانَت وَفَاته فِي طَرِيق خلاط عَائِدًا إِلَى ميافارقين فَحمل مَيتا حَتَّى وصل بِهِ إِلَى ميافارقين ثمَّ عملت لَهُ تربة عَلَيْهَا مدرسة مَشْهُورَة بِأَرْض حماة وَحمل إِلَيْهَا فَدفن بهَا
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا توفّي ابْن أُخْت السُّلْطَان حسام الدّين مُحَمَّد بن عمر بن لاجين بِدِمَشْق لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع عشر رَمَضَان ففجع السُّلْطَان بِابْن أَخِيه وَابْن أُخْته فِي تَارِيخ وَاحِد وَكَانَا لَهُ من أعظم الأعوان على مَا يكابده من الشدائد
قلت وَدفن بالتربة الحسامية المنسوبة إِلَيْهِ من بِنَاء والدته سِتّ الشَّام بنت أَيُّوب وَهِي الْمدرسَة الشامية ظَاهر دمشق بالعوينة
стр. 1615
قَالَ وفيهَا فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة توفّي الْأَمِير علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر من أكَابِر أُمَرَاء حلب وَكَانَ فِي خدمَة السُّلْطَان بالقدس وَهُوَ شيخ الدولة وكبيرها وظهيرها ومشيرها وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بتخريب عسقلان لتتوفر الْعِنَايَة والاهتمام بالقدس ثمَّ مرض بالقدس وَطلب الْمسير إِلَى الوطن فَأَدْرَكته الْمنية بقرية غباغب على مرحلة من دمشق
وفيهَا فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَجَب كَانَت وَفَاة الصفي بن الْقَابِض نَائِب السُّلْطَان بِدِمَشْق وَكَانَ قد خدم السُّلْطَان فِي أَيَّام عَدمه وَهُوَ فِي كَفَالَة أَبِيه وَعَمه فَلَمَّا ملك مصر أمرحه فِي أموالها وَحكمه فِي أَعمالهَا حَتَّى نَالَ المنى وَوجد الْغنى وَكتب لمماليكه دوره وأملاكه وَجَمِيع أَمْوَاله
وفيهَا توفّي نسيب الْعِمَاد وَهُوَ جمال الدّين أَبُو الْفَتْح إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبد كويه سَابِع عشر ذِي الْحجَّة بدمش قَالَ الْعِمَاد وَكنت استنبته فِي كِتَابَة الانشاء وخرجته وقلبته فِي مَرَاتِب الْمَعَالِي ودرجته وَاعْتمد السُّلْطَان عَلَيْهِ فِي الترسل إِلَى سلاطين الْعَجم وخواص الْأُمَرَاء مِنْهُم والخدم وَكَانَ نبيلا نبيها كَرِيمًا وجيها
стр. 1616
وفيهَا توفّي الْحَكِيم الْمُوفق أسعد بن المطران فِي شهر ربيع الأول وَكَانَ من أهل النَّظَافَة والظرافة وَمن ذَوي الفصاحة والحصافة وَفقه الله فِي بدايته لهداية الْإِسْلَام ونال أَسبَاب الاحترام وَتقدم عِنْد السُّلْطَان وَمَا شَأْنه كبر وَهُوَ كَبِير الشان
وَفِي أَوَاخِر هَذِه السّنة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه نجم الدّين الخبوشاني بِمصْر وَهُوَ الَّذِي عمر تربة الشَّافِعِي - رضوَان الله عَلَيْهِمَا - وَبنى الْمدرسَة فِي جوارها وَأَحْيَا شعار التَّوْحِيد وَبنى أمره على التسديد وَالتَّشْدِيد وَحفظ شَمل الشَّافِعِيَّة من التبديد وَكَانَ السُّلْطَان مجيبا لَهُ إِلَى كل مَا يستدعيه وَيَقْضِي لَهُ من الْحَوَائِج مَا يَقْتَضِيهِ
стр. 1617
ووقف على الْمدرسَة الَّتِي بناها وقوفا وَأَعْطَاهُ فِي بنائها ألوفا فَلَمَّا توفّي الخبوشاني طلب الْمدرسَة جمَاعَة من الْعلمَاء فَردُّوا وشفع الْعَادِل فِي صدر الدّين أبي الْحسن مُحَمَّد بن حمويه شيخ الشُّيُوخ فَكتب بهَا لَهُ ورتب بوقفها وتدريسها استقلاله وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ ثمَّ صرف بعد السُّلْطَان عَن الْمدرسَة وتبدلت الوحشة بالأنسة
قلت ثمَّ استمرت عَلَيْهَا يَد أَوْلَاده وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى الْآن
قَالَ وفيهَا توفّي الْوَجِيه ابْن النفيس مُسْتَوْفِي ديوَان دمشق بهَا وَكَانَ بهيا مهيبا نزها عَارِفًا مصيبا
وفيهَا توفّي القَاضِي أَمِين الدّين أَبُو الْقَاسِم بحماة فِي حادي عشر رَمَضَان وَكَانَ كَرِيمًا سخيا نابها سريا
وفيهَا نقلت تربة القَاضِي محيي الدّين أبي حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل السَّلَام وَكَانَ قَاضِي الْموصل وَقد بنى رِبَاطًا هُنَاكَ وَكَانَت وَفَاته بالموصل فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَقد تقدم ذَلِك
стр. 1618
وَسَأَلَ ابْن أَخِيه القَاضِي بعده كتابا إِلَى أَمِير الْمَدِينَة فَكتب لَهُ كتاب مِنْهُ سَبَب إصدارها إِلَى الْأَمِير مسير نَائِب القَاضِي كَمَال الدّين بضريح عَمه محيي الدّين من الْموصل إِلَى الْمَدِينَة المقدسة على ساكنها أفضل الصَّلَوَات ليدفن فِي الرِّبَاط الَّذِي أنشأه حَيْثُ يبْعَث مَعَ شَفِيع الْأمة يَوْم الْبَعْث والنشور ويأمن ظلام اللَّحْد المحفور فِي جوَار الضياء والنور ويحشر بِمَا يَنَالهُ من الْبركَة والحبور منشرح الصَّدْر إِذا بعثر مَا فِي الْقُبُور وَحصل مَا فِي الصُّدُور وَلَقَد وفْق فِي اخْتِيَاره أَيَّام حَيَاته نَقله إِلَى ذَلِك الْبَيْت الْمَعْمُور فليعن الْأَمِير على هَذِه المكرمة وليعتن بمواراته فِي التربة الْمُجَاورَة للبقعة المعظمة
قَالَ وَكَانَ هَذَا القَاضِي خرقا جوادا لبذل اللهى مُعْتَادا وَاسع الْمَرْوَة جَامع أشتات الفتوة يحب معالي الْأُمُور وفضائله متجاوزة حد الوفور
قَالَ ابْن القادسي وَوصل الْحَاج فِي صفر بَعْدَمَا اعتاقت أخبارهم وأخبروا أَن دَاوُد أَمِير مكه أَخذ مَا فِي الْكَعْبَة من الْأَمْوَال وَأخذ طوقا كَانَ يلْزم الْحجر الْأسود فَأوجب ذَلِك تشعثه وَكَانَ قد دخل بعض الباطنية بعد سنة أَربع مئة فَضَربهُ بدبوس وَقَالَ إِلَى
стр. 1619
كم حجر وَفِي يَد ذَلِك الرجل سيف فَمَا تجاسر أحد يقرب مِنْهُ فتطوع رجل وبذل نَفسه للْقَتْل وَتقدم إِلَيْهِ فَقتله فَأخذ الْحجر وجمعت شظاياه وألفت وَجعل لَهُ طوق فَأخذ أميرمكة دَاوُد ذَلِك الطوق فَلَمَّا وصل أَمِير الْحَاج عزل دَاوُد وَولى أَخَاهُ مكثرا وَنقض قلعة كَانَ بناها دَاوُد على جبل أبي قبيس وَهُوَ دَاوُد بن عِيسَى بن فليتة بن قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي هَاشم الحسني وَلما صرف عَن مَكَّة أَقَامَ بنخلة وَتُوفِّي بهَا فِي رَجَب سنة تسع وَثَمَانِينَ وَهُوَ أَمِير ابْن أَمِير إِلَى آخر مَا ذكرنَا من آبَائِهِ وهم بِهِ سِتَّة نفر
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي ربيع الأول سنة سبع وَثَمَانِينَ سَار عز الدّين يَعْنِي صَاحب الْموصل إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر فحصرها وَبهَا ابْن أَخِيه معز الدّين سنجر شاه لِأَنَّهُ كَانَ سيئ السِّيرَة مَعَه خَارِجا عَن طَاعَته مساعدا للأعداء عَلَيْهِ فعزم على أَخذهَا مِنْهُ فخضع وَطلب الْعَفو والصفح فَأَجَابَهُ وَصَالَحَهُ على قَاعِدَة اسْتَقَرَّتْ بَينهمَا وَعَاد عَنهُ إِلَى الْموصل فَعَاد سنجر شاه إِلَى حَالَته الأولى فَتَجَاوز عَنهُ واطرحه
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان مُقيم بالقدس وَقد قسم سور الْبَلَد
стр. 1620
على أَوْلَاده وأخيه وأجناده فشرعوا فِي إنْشَاء سور جَدِيد محدق بِهِ مديد وَكَانَ يركب كل يَوْم وينقل الصخر على قربوس سَرْجه فيستن الأكابر والأمراء فِي نقل الْحِجَارَة بنهجه وَلَو رَأَيْت وَهُوَ يحمل حجرا فِي حجره لعَلِمت أَن لَهُ قلبا كم حمل جبلا فِي فكره وَلَقَد جد فِي حماية الصَّخْرَة المقدسة حَتَّى حمل لَهَا الصخور وانشرح صَدره لانضمامها إِلَى صَدره حَتَّى بَاشر صُدُور مماليكه بهَا الصُّدُور وَمَا تغلو دَار يبنيها فِي الْجنَّة بِنَقْل حجارتها ليَكُون ملكا فِي دارها وقمرا فِي دارتها وداوم البكور بالركوب وَعرض وَجهه الْكَرِيم للشحوب
قَالَ وَفِي ثَالِث الْمحرم رَحل الفرنج على سمت عسقلان وأشاعوا أَنهم يعيدون بهَا الْعمرَان وهم نازلون بظاهرها جائلون فِي مواردها ومصادرها فَرَأى الإنكلتير دخانا على بعد فقصده وَكَانَ ثمَّ جمَاعَة من الأَسدِية وَسيف الدّين يازكوج وَعلم الدّين قَيْصر وهم غَارونَ عَمَّا دهمهم فوصل اللعين إِلَيْهِم وَقت الْمغرب فَوَقع عَلَيْهِم وَكَانُوا فريقين نازلين فِي موضِعين فَلَمَّا وَقع على أَحدهمَا ركب الْفَرِيق الثَّانِي ودافعه حَتَّى ركب الْفَرِيق الآخر فدافعوهم وواقعوهم وَسَاقُوا قدامهم أثقالهم وخلصوا ناجين وَسلم الله أنفسهم من أَيدي الملاعين وَلم يفقد من الْمُسلمين إِلَّا أَرْبَعَة وَكَانَت نوبَة عَظِيمَة دفع الله خطرها وهون ضررها
стр. 1621
وَفِي حادي عشر الْمحرم كبس عزالدين جرديك يبْنى على من نزل بهَا من الفرنج فأوقع بهم الْبلَاء وسَاق مِنْهُم اثْنَي عشرأسيرا ومتاعا كثيرا وأغار أَيْضا ثَانِي صفر على ظَاهر عسقلان وَجَاء بِثَلَاثِينَ أَسِيرًا
وَفِي لَيْلَة رَابِع عشر صفر كمنت سَرِيَّة مقدمها فَارس الدّين مَيْمُون القصري عِنْد يبْنى إِلَى أَن عبرت قوافل الفرنج فساقها بأحمالها وأثقالها ونسائها ورجالها
وَفِي مستهل ربيع الآخر وصل سيف الدّين المشطوب وَقد خلص من الْأسر وَقطعت عَلَيْهِ الفرنج خمسين ألف دِينَار عجل مِنْهَا عشْرين ألفا وَأَعْطَاهُمْ بِالْبَاقِي رهائن فَأحْسن السُّلْطَان لقاءه وأقطعه نابلس بأعمالها فَتوفي بهَا فِي آخر شَوَّال
وَفِي ثَالِث عشر ربيع الآخر قتل المركيس لَعنه الله بصور وَذَلِكَ أَن رجلَيْنِ دخلا صور وتنصرا وأظهرا التَّعَبُّد وَالتَّرَهُّب ولزما الْكَنِيسَة وشكرهما الأقساء والرهبان وأحبهما المركيس وَلم يكن يصبر عَنْهُمَا
فَفِي بعض الْأَيَّام وثبا عَلَيْهِ وقتلاه فأخذا وقتلا وَعرف أَنَّهُمَا كَانَا من الحشيشية فَجَلَسَ مَكَانَهُ الكند هري بِأَمْر الإنكلتير وسر الانكلتير بمصاب المركيس فَإِنَّهُ كَانَ يضاده ويراسل السُّلْطَان
стр. 1622
فِي الاعانة عَلَيْهِ فَلَمَّا قتل سكن روعه وَذهب عَنهُ ضره وَتزَوج الكند هري بالملكة زَوْجَة المركيس فِي ليلته وَدخل بهَا وَهِي حَامِل وَمَا الْحمل فِي مِلَّة الفرنج عَن النِّكَاح حَائِل وَيكون الْوَلَد مَنْسُوبا إِلَى الملكة هَذِه قَاعِدَة هَذِه الطَّائِفَة المشركة
وَهَذَا الكند هري ابْن أُخْت ملك إفرنسيس من أَبِيه وَملك إنكلتير من أمه وَدخل الفرنج فِي حكمه وعاش إِلَى آخر سنة أَربع وَتِسْعين وتولاهم دون سبع سِنِين
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الْفَتْح أَضَافَهُ الأسقف بصور فاستوفى رزقه وتعدى وَمَا درى أَنه يتردى وَأكل وَشرب وشبع وطرب وَخرج وَركب فَوَثَبَ عَلَيْهِ رجلَانِ وسكنا حركته بالسكاكين ودكاه عِنْد تِلْكَ الدكاكين وهرب أَحدهمَا وَدخل الْكَنِيسَة وَقد أخرج تِلْكَ النَّفس الخسيسة فَقَالَ المركيس وَهُوَ مَجْرُوح وَفِيه روح احْمِلُونِي إِلَى الْكَنِيسَة فَحَمَلُوهُ
فَلَمَّا أبصره أحد الجارحين وثب عَلَيْهِ وزاده جرحا على جرح وقرحا على قرح فَأخذ الفرنج الرفيقين فألفوهما من الفداوية الاسماعيلية مرتدين فسألوهما من وضعهما على تَدْبِير هَذَا التَّدْبِير فَقَالَا ملك الإنكلتير فقتلا شَرّ قتلة فيالله من كَافِرين سفكا دم كَافِر وفاجرين فتكا بفاجر
قَالَ وَلم يعجبنا قتل المركيس فِي هَذِه الْحَالة وَإِن كَانَ من
стр. 1623
طواغيت الضَّلَالَة لِأَنَّهُ كَانَ عَدو ملك الإنكلتير ومنازعه على الْملك والسرير ومناقشه على الْقَلِيل وَالْكثير
قَالَ وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى استولى الفرنج على قلعة الداروم ثمَّ خربوها ورحلوا عَنْهَا وأسروا من فِيهَا وَكَانَ الإنكلتير الملعون قد استفسد من نوبَة عكا نقابين حلبيين فتمكنوا من نقب الْمَكَان وأحرقوا النقب وَطلب أهل الْحصن مهلة يشاورون فِيهَا السُّلْطَان فَلم يمهلهم
وَفِي رَابِع عشرَة خرجت اليزكية على الفرنج على قلعة تعرف بمجدل جناب - كَذَا قَالَ فِي الْفَتْح وَقَالَ فِي الْبَرْق بمجدل يابا وَكَذَا قَالَ ابْن شَدَّاد - وَقتل كند كَبِير ثمَّ نزلُوا تل الصافية ثمَّ إِلَى النطرون ثمَّ إِلَى بَيت نوبَة وَهِي وَطْأَة بَين جبال بَينهَا وَبَين الْقُدس مرحلة وَقد ألهبهم الْمُسلمُونَ بنهبهم وأضعفوهم بسلبهم يتسلطون عَلَيْهِم من كل نَاحيَة ويكمنون لَهُم تَحت كل رابية وَقد قويت قُلُوبهم بثبات السُّلْطَان بالقدس
وَفِي إنسلاخ الشَّهْر التقى الْجَمْعَانِ وَقد وصل الْعَدو إِلَى قلونية وَهِي من الْقُدس على فرسخين فَلَمَّا رأى الْعَدو مَا لَا يدان
стр. 1624
لَهُ بِهِ رَجَعَ ناكصا على عَقِبَيْهِ والمسلمون فِي إثرهم يكمنون لَهُم وينالون مِنْهُم وَكَانَ بدر الدّين دلدرم فِي اليزك فَبعث من كمن لَهُم عَن طَرِيق يافا فمرت بهم فوارس فاستولى عَلَيْهِم الكمين وَمَا سلم مِنْهُم أحد
وَفِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة كبست الكمناء قافلة فكسبت وسلبت وأسرت
وَفِي تاسعه وصل الْخَبَر أَن الفرنج رحلوا بأسرهم وأدلجوا لَيْلًا وَلم نعلم قصدهم فَعرف السُّلْطَان أَنه إِلَى طَرِيق الْعَسْكَر الْمصْرِيّ فندب الْأَمِير فَخر الدّين الطنبا العادلي وشمس الدّين أسلم الناصري حَتَّى يعلمَا الْعَسْكَر فَالْتَقَيَا بهم بالحسي وأخبراهم الْخَبَر فنزلوا وعرسوا وهم يظنون أَن لَا حس لِلْعَدو بِأَرْض الْحسي فَجَاءَهُمْ وفجأهم فاستولى على بعض الْأَمْوَال وخلص أَكْثَرهَا مَعَ الرِّجَال وَمن جملَة من كَانَ فِي الْعَسْكَر فلك الدّين أَخُو الْعَادِل لأمه فنجا بِمَا قدر عَلَيْهِ من القوافل
قَالَ الْعِمَاد وَجرى هَذَا كُله والملكان الْعَادِل وَالْأَفْضَل غائبان وعساكر الْموصل واسنجار وديار بكر متباطئة فِي الاتيان وَسَببه مَا كَانَ من تَقِيّ الدّين وَمَوته وتشرط وَلَده فِي بَقَاء بِلَاد أَبِيه عَلَيْهِ وَأَن الْملك الْأَفْضَل كَانَ طلب من وَالِده الْبِلَاد قَاطع
стр. 1625
الْفُرَات وَنزل عَن جَمِيع مَا لَهُ من الولايات وَأَنه إِذا عبر إِلَى الرها وحران ملك تِلْكَ الْبلدَانِ ورحل من الْقُدس فِي ثَالِث صفر وَأطلق لَهُ السُّلْطَان عشْرين ألف دِينَار سوى مَا أَصْحَبهُ برسم الْخلْع والتشريفات وَوصل إِلَى حلب فاحتفل أَخُوهُ الظاهرلقدومه وَأقَام لَهُ سنَن المكارم ورسومه ووقف بخدمته ماثلا وهز عطف الابتهاج إِلَيْهِ مائلا وأحضر لَهُ مَفَاتِيح بَلَده وَقدم لَهُ كل مَا فِي يَده
وَسمع نَاصِر الدّين بن تَقِيّ الدّين بِمَا أقلقه وَدفع مِنْهُ إِلَى مَا أرهجه وأرهقه وَوصل رَسُوله إِلَى الْعَادِل وَهُوَ بالقدس لاجئا إِلَى ظله راجيا لفضله لائدا بجنابه عائذا بِبَابِهِ فاحتمى لَهُ واحتمله وقوى فِي تقويته أمله وخاطب السُّلْطَان فِي حَقه واستعطفه
وَقَالَ أَنا أمضي إِلَيْهِ وأحضره وأؤمنه مِمَّا يحذرهُ وتبقي هَذِه السّنة عَلَيْهِ حران والرها وتعطيه فِي السّنة الْأُخْرَى حماة والمعرة ثمَّ قرر السُّلْطَان مَعَ أَخِيه الْعَادِل أَن يَأْخُذ هُوَ تِلْكَ الْبِلَاد وَينزل عَن إقطاعاته بِمصْر وَنصف خاصه فَفعل واستزاد قلعة جعبر فَامْتنعَ الْملك الظَّاهِر من تَسْلِيمهَا حَتَّى استظهر فَسَار الْعَادِل فِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الأولى وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْأَفْضَل بِالْعودِ فجَاء هَذَا رَاجعا وَذهب ذَلِك مسارعا وَوصل إِلَى حران والرها وَعَاد فِي آخر جُمَادَى الْآخِرَة وَمَعَهُ ابْن تَقِيّ الدّين
стр. 1626
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد عَاد الْأَفْضَل منكسرا متعتبا فوصل دمشق وَلم يحضر إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَلَمَّا اشْتَدَّ خبر الفرنج سير إِلَيْهِ وَطَلَبه فَمَا وَسعه التَّأَخُّر فَسَار إِلَيْهِ مَعَ العساكر الْوَاصِلَة إِلَيْهِ من الشرق فَلَقِيَهُ السُّلْطَان وترجل لَهُ جبرا لِقَلْبِهِ وتعظيما لأَمره
قَالَ وَلما بلغ ابْن تَقِيّ الدّين موجدة السُّلْطَان أنفذ إِلَى الْعَادِل يستشفع بِهِ ليطيب قلب السُّلْطَان عَلَيْهِ ويقترح أحد قسمَيْنِ إِمَّا حران والرها وسميساط وَإِمَّا حماة ومنبج وسلمية والمعرة مَعَ كَفَالَة إخْوَته فراجع الْعَادِل السُّلْطَان مرَارًا فَلم يفعل ذَلِك وَلم يجب إِلَى شَيْء مِنْهُ فكثرت الشَّفَاعَة إِلَيْهِ فَحلف لَهُ على حران والرها وسميساط على أَنه إِذا عبر الْفُرَات أعطي الْمَوَاضِع الَّتِي اقترحها وتكفل إخْوَته وتخلى عَن تِلْكَ الْمَوَاضِع الَّتِي فِي يَده ثمَّ التمس الْعَادِل خطّ السُّلْطَان فَأبى وألح عَلَيْهِ فخرق نُسْخَة الْيَمين وَانْقطع الحَدِيث وَأخذ من السُّلْطَان الغيظ كَيفَ يُخَاطب بِمثل ذَلِك من جَانب بعض أَوْلَاد أَوْلَاد أَخِيه ثمَّ أعطَاهُ خطه بِمَا اسْتَقر من الْقَاعِدَة
ثمَّ إِن الْعَادِل التمس من السُّلْطَان الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بيد ابْن تَقِيّ الدّين بعد انْتِقَاله وَجَرت مراجعات كَثِيرَة فِي الْعِوَض عَنْهَا وَكَانَ آخر مَا استقرأنه ينزل عَن كل مَا هُوَ شَامي الْفُرَات مَا خلا الكرك
стр. 1627
والشوبك والصلت والبلقاء وخاصة بِمصْر بعد النُّزُول عَن خبزه وَعَلِيهِ فِي كل سنة سِتَّة آلَاف غرارة غلَّة تحمل للسُّلْطَان من الصَّلْت والبلقاء إِلَى الْقُدس
فصل فِي عزم الفرنج على قصد الْقُدس وَسَببه
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَكَانَ تقدم السُّلْطَان إِلَى عَسْكَر مصر بِالْمَسِيرِ وأوصاهم بالاحتراز عِنْد مقاربة الْعَدو فأقاموا ببلبيس أَيَّامًا حَتَّى اجْتمعت القوافل إِلَيْهِم واتصل خبرهم بالعدو ثمَّ سَارُوا طالبي الْبِلَاد والعدو يترقب أخبارهم ويتوصل إِلَيْهِم بالعرب المفسدين
وَلما تحقق الْعَدو أَمر القفل أَمر عسكره بالانحياز إِلَى سفح الْجَبَل وَركب فِي ألف رَاكب مُردفِينَ ألف راجل فَأتى تل الصافية فَبَاتَ ثمَّ سَار حَتَّى أَتَى مَاء يُقَال لَهُ الْحسي فأنفذ السُّلْطَان إِلَى الْقَافِلَة ينذرهم نهضة الْعَدو وَأمرهمْ أَن يبعدوا فِي الْبَريَّة
وَركب الإنكلتير الملعون مَعَ الْعَرَب بِجمع يسير وَسَار حَتَّى أَتَى القفل وَطَاف حوله فِي صُورَة عَرَبِيّ ورآهم ساكنين قد غشيهم النعاس فَعَاد واستركب عسكره وَكَانَت الكبسة قريبَة الصَّباح
стр. 1628
فبغت النَّاس وَوَقع عَلَيْهِم بخيله وَرجله فَكَانَ الشجاع الأيد الْقوي الَّذِي ركب فرسه وَنَجَا بِنَفسِهِ
وانقسم القفل ثَلَاثَة أَقسَام قسم قصدُوا الكرك مَعَ جمَاعَة من الْعَرَب وَقسم أوغلوا فِي الْبَريَّة مَعَ جمَاعَة من الْعَرَب وَقسم استولى الْعَدو عَلَيْهِم فساقهم بجمالهم وأحمالهم وَجَمِيع مَا مَعَهم وَكَانَت وقْعَة شنعاء لم يصب الْإِسْلَام بِمِثْلِهَا من مُدَّة مديدة وتبدد النَّاس فِي الْبَريَّة ورموا أَمْوَالهم وَكَانَ السعيد مِنْهُم من نجا بِنَفسِهِ وَجمع الْعَدو مَا أمكنه جمعه من الْخَيل وَالْبِغَال وَالْجمال والأقمشة وَسَائِر أَنْوَاع الْأَمْوَال وكلف الجمالين خدمَة الْجمال والخربندية خدمَة البغال والساسة خدمَة الْخَيل وَسَار فِي جحفل من غنيمَة يطْلب عسكره
وَلَقَد حكى من كَانَ أَسِيرًا مَعَهم أَنه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَقع فيهم الصَّوْت أَن الْعَسْكَر السلطاني قد لحقهم فتركوا الْغَنِيمَة وأنهزموا وبعدوا عَنْهَا زَمَانا ثمَّ انْكَشَفَ الْأَمر فعادوا وَقد هرب جمع من الأسرى وَكَانَ الحاكي مِنْهُم وَأخْبر أَن الْأُسَارَى خمس مئة وَالْجمال تناهز ثَلَاثَة آلَاف جمل
وَوصل الْعَدو إِلَى مخيمه سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما عِنْدهم وَصَحَّ عزمهم على الْقُدس وقويت نُفُوسهم بِمَا حصلوا عَلَيْهِ من الْأَمْوَال وَالْجمال الَّتِي تنقل الْميرَة والأزواد ورتبوا
стр. 1629
جمَاعَة على لد يحفظون الطَّرِيق على من ينْقل الْميرَة وأنفذوا الكند هري إِلَى صور وأطرابلس وعكا يستحضر من فِيهَا من الْمُقَاتلَة ليصعدوا إِلَى الْقُدس حرسه الله تَعَالَى
وَلما عرف السُّلْطَان ذَلِك مِنْهُم عمد إِلَى الأسوار فَقَسمهَا على الْأُمَرَاء وَتقدم إِلَيْهِم بتهيئة أَسبَاب الْحصار وَأخذ فِي إِفْسَاد الْمِيَاه ظَاهر الْقُدس فخرب الصهاريج والجباب بِحَيْثُ لم يبْق حول الْقُدس مَاء يشرب أصلا وَأَرْض الْقُدس لَا يطْمع فِي حفر بِئْر فِيهَا مَاء معِين فِي جَمِيعهَا لِأَنَّهَا جبل عَظِيم وَحجر صلب وسير إِلَى العساكر يطْلبهَا من الجوانب والبلاد
قَالَ وَلما كَانَت لَيْلَة الْخَمِيس تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة أحضر السُّلْطَان الْأُمَرَاء عِنْده فَحَضَرَ الْأَمِير أَبُو الهيجاء السمين بِمَشَقَّة عَظِيمَة وَجلسَ على كرْسِي فِي خدمَة السُّلْطَان وَحضر المشطوب والأسدية بأسرهم وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء ثمَّ أَمرنِي أَن أكلمهم وأحثهم على الْجِهَاد
فَذكرت مَا يسر الله من ذَلِك وَكَانَ مِمَّا قلته أَن النَّبِي ﷺ لما اشْتَدَّ بِهِ الْأَمر بَايعه الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - على الْمَوْت فِي لِقَاء الْعَدو وَنحن أولى من تأسى بِهِ ﷺ والمصلحة الِاجْتِمَاع عِنْد الصَّخْرَة والتحالف على الْمَوْت فَلَعَلَّ ببركة هَذِه النِّيَّة ينْدَفع هَذَا الْعَدو فَاسْتحْسن الْجَمَاعَة ذَلِك ووافقوا عَلَيْهِ
стр. 1630
ثمَّ شرع السُّلْطَان بعد أَن سكت زَمَانا فِي صُورَة فكر وَالنَّاس سكُوت كَأَن على رؤوسهم الطير ثمَّ شرع وَقَالَ
الْحَمد لله وَالصَّلَاة على رَسُول الله اعلموا أَنكُمْ جند الْإِسْلَام الْيَوْم ومنعته وَأَنت تعلمُونَ أَن دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ وذراريهم معلقَة فِي ذممكم وَأَن هَذَا الْعَدو لَيْسَ لَهُ من الْمُسلمين من يلقاه إِلَّا أَنْتُم فان لويتم أعنتكم - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - طوى الْبِلَاد كطي السّجل للْكتاب وَكَانَ ذَلِك فِي ذمتكم فَإِنَّكُم أَنْتُم الَّذين تصديتم لهَذَا كُله وأكلتم مَال بَيت مَال الْمُسلمين فالمسلمون فِي سَائِر الْبِلَاد متعلقون بكم وَالسَّلَام
فَانْتدبَ لجوابه سيف الدّين المشطوب وَقَالَ يَا مَوْلَانَا نَحن مماليكك وعبيدك وَأَنت الَّذِي أَنْعَمت علينا وكبرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وأغنيتنا وَلَيْسَ لنا إِلَّا رقابنا وَهِي بَين يَديك وَالله مَا يرجع أحد منا عَن نصرتك إِلَى أَن يَمُوت
فَقَالَ الْجَمَاعَة مثل مَا قَالَ وانبسطت نفس السُّلْطَان بذلك الْمجْلس وطاب قلبه وأطعمهم ثمَّ انصرفوا
ثمَّ انْقَضى يَوْم الْخَمِيس على أَشد حَال فِي التأهب والاهتمام حَتَّى كَانَ الْعشَاء الْآخِرَة اجْتَمَعنَا فِي خدمته على الْعَادة وسمرنا حَتَّى مضى هزيع من اللَّيْل وَهُوَ غير منبسط على عَادَته ثمَّ صلينَا الْعشَاء وَكَانَت الصَّلَاة هِيَ الدستور الْعَام فصلينا وأخذنا فِي
стр. 1631
الِانْصِرَاف فدعاني ﵀ وَقَالَ أعلمت مَا الَّذِي تجدّد قلت لَا قَالَ إِن أَبَا الهيجاء السمين أنفذ إِلَيّ الْيَوْم وَقَالَ إِنَّه اجْتمع عِنْدِي جمَاعَة المماليك الْأُمَرَاء وأنكروا علينا موافقتنا لَك على الْحصار وَالتَّأَهُّب لَهُ وَقَالُوا لَا مصلحَة فِي ذَلِك فانا نَخَاف أَن نحصر وَيجْرِي علينا مَا جرى على أهل عكا وَعند ذَلِك تُؤْخَذ بِلَاد الْإِسْلَام جمعا والرأي أَن نلقى مصَاف فَإِن قدر الله أَن نهزمهم ملكنا بَقِيَّة بِلَادهمْ وَإِن تكن الْأُخْرَى سلم الْعَسْكَر وَمضى الْقُدس وَقد انحفظت بِلَاد الْإِسْلَام بعساكرها مُدَّة بِغَيْر الْقُدس
وَكَانَ ﵀ عِنْده من الْقُدس أَمر عَظِيم لَا تحمله الْجبَال فشق عَلَيْهِ هَذِه الرسَالَة وأقمت تِلْكَ اللَّيْلَة فِي خدمته حَتَّى الصَّباح وَهِي من اللَّيَالِي الَّتِي أَحْيَاهَا فِي سَبِيل الله ﵀ وَكَانَ مِمَّا قَالُوهُ فِي الرسَالَة إِنَّك إِن أردتنا نُقِيم فَتكون مَعنا أَو بعض أهلك حَتَّى نَجْتَمِع عِنْده وَإِلَّا فالأكراد لَا يدينون للأتراك والأتراك لَا يدينون للأكراد
وانفصل الْحَال على أَن يُقيم من أَهله مجد الدّين بن فرخشاه صَاحب بعلبك وَكَانَ ﵀ يحدث نَفسه بالْمقَام ثمَّ مَنعه رَأْيه عَنهُ لما فِيهِ من خطر الْإِسْلَام
стр. 1632
فَلَمَّا قَارب الصُّبْح أشفقت عَلَيْهِ وخاطبته فِي أَن يستريح سَاعَة لَعَلَّ الْعين تَأْخُذ حظها من النّوم وانصرفت عَنهُ إِلَى دَاري فَمَا وصلت إِلَّا والمؤذن قد أذن فَأخذت فِي أَسبَاب الْوضُوء فَمَا فرغت إِلَّا وَالصُّبْح قد طلع وَكنت أُصَلِّي الصُّبْح مَعَه فِي غَالب الْأَحْوَال فعدت إِلَى خدمته وَهُوَ يجدد الْوضُوء فصلينا ثمَّ قلت لَهُ قد وَقع لي وَاقع أعرضه فَأذن لي فِيهِ
فَقلت الْمولى فِي اهتمامه وَمَا قد حمل نَفسه من هَذَا الْأَمر مُجْتَهد فِيمَا هُوَ فِيهِ وَقد عجزت أَسبَابه الأرضية فَيَنْبَغِي أَن ترجع إِلَى الله تَعَالَى وَهَذَا يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ أبرك أَيَّام الْأُسْبُوع وَفِيه دَعْوَة مستجابة فِي صَحِيح الْأَحَادِيث وَنحن فِي أبرك مَوضِع نقدر أَن نَكُون فِيهِ فِي يَوْمنَا هَذَا فالسلطان يغْتَسل للْجُمُعَة وَيتَصَدَّق بِشَيْء خُفْيَة بِحَيْثُ لَا يشعرأنه مِنْك وَتصلي بَين الْأَذَان والاقامة رَكْعَتَيْنِ تناجي فيهمَا رَبك وتفوض مقاليد أمورك إِلَيْهِ وتعترف بعجزك عَمَّا تصديت لَهُ فَلَعَلَّ الله يَرْحَمك ويستجيب دعاءك
стр. 1633
قَالَ وَكَانَ ﵀ حسن العقيدة تَامّ الايمان يتلَقَّى الْأُمُور الشَّرْعِيَّة بأكمل انقياد وَقبُول ثمَّ انفصلنا فَلَمَّا كَانَ وَقت الْجُمُعَة صليت إِلَى جَانِبه فِي الْأَقْصَى وَصلى رَكْعَتَيْنِ ورأيته سَاجِدا وَهُوَ يذكر كَلِمَات ودموعه تتقاطر على مُصَلَّاهُ ﵀
ثمَّ انْقَضتْ الْجُمُعَة بِخَير فَلَمَّا كَانَ عشيتها وَنحن فِي خدمته على الْعَادة وصلت رقْعَة جرديك - وَكَانَ فِي اليزك - يَقُول فِيهَا إِن الْقَوْم ركبُوا بأسرهم ووقفوا فِي الْبر على ظهر ثمَّ عَادوا إِلَى خيامهم وَقد سيرنا جواسيس تكشف أخبارهم
وَلما كَانَ صَبِيحَة السبت وصلت رقْعَة أُخْرَى يخبر فِيهَا أَن الجواسيس رجعُوا واخبروا أَن الْقَوْم اخْتلفُوا فِي الصعُود إِلَى الْقُدس والرحيل إِلَى بِلَادهمْ فَذهب الفرنسيسية إِلَى الصعُود إِلَى الْقُدس وَقَالُوا نَحن إِنَّمَا جِئْنَا من بِلَادنَا بِسَبَب الْقُدس وَلَا نرْجِع دونه وَقَالَ الانكتار إِن هَذَا الْموضع قد أفسدت مياهه وَلم يبْق حوله مَاء أصلا فَمن أَيْن نشرب قَالُوا لَهُ نشرب من نهر نقوع وَبَينه وَبَين الْقُدس مِقْدَار فَرسَخ فَقَالَ كَيفَ نَذْهَب إِلَى السَّقْي فَقَالُوا ننقسم قسمَيْنِ قسم يذهب إِلَى السَّقْي مَعَ الدَّوَابّ وَقسم يبْقى على الْبَلَد مَعَ اليزك وَيكون الشّرْب فِي الْيَوْم مرّة
فَقَالَ الإنكلتير إِذا يُؤْخَذ الْعَسْكَر البراني الَّذِي يذهب مَعَ الدَّوَابّ وَيخرج عَسْكَر الْبَلَد على البَاقِينَ وَيذْهب دين النَّصْرَانِيَّة
стр. 1634
فانفصل الْحَال على أَنهم حكمُوا ثَلَاث مئة من أعيانهم وَحكم الثَّلَاث مئة اثْنَي عشر من أعيانهم وَحكم الاثنا عشر ثَلَاثَة مِنْهُم وَقد باتوا على حكم الثَّلَاثَة فَمَا يأمرونهم بِهِ يفعل فَلَمَّا أَصْبحُوا حكمُوا عَلَيْهِم بالرحيل فَلم يُمكنهُم الْمُخَالفَة وَأَصْبحُوا فِي بكرَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة راحلين إِلَى نَحْو الرملة ناكصين على أَعْقَابهم وَللَّه الْحَمد ٠
ووقف عَسْكَرهمْ إِلَى أَن لم يبْق فِي الْمنزلَة إِلَّا الْآثَار ثمَّ نزلُوا بالرملة وتواتر الْخَبَر بذلك فَركب السُّلْطَان - قدس الله روحه - وَركب النَّاس وَكَانَ سرُور وَفَرح وَلَكِن السُّلْطَان خَافَ على مصر لما حصلوا عَلَيْهِ من الْجمال وَالظّهْر وَكَانَ قد ذكر الإنكلتير مثل هَذَا مرَارًا
فصل فِي تردد رسل الإنكلتير فِي معنى الصُّلْح وَمَا جرى فِي أثْنَاء ذَلِك إِلَى أَن تمّ وَللَّه الْحَمد
وَقد سَاق ذَلِك القَاضِي ابْن شَدَّاد أحسن سِيَاق واستقصى الْأَمر فِيهِ بِخِلَاف الْعِمَاد فَقَالَ إِن الإنكلتير جَاءَ مِنْهُ رَسُول يَقُول قد هلكنا نَحن وَأَنْتُم والأصلح حقن الدِّمَاء وَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَقد أَن
стр. 1635
ذَلِك عَن ضعف مني بل للْمصْلحَة وَلَا يغتر بتأخري عَن منزلي فالكبش يتَأَخَّر لينطح
ثمَّ جَاءَ رَسُوله يَقُول لَا يجوز لَك أَن تهْلك الْمُسلمين كلهم وَلَا يجوز لي أَن أهلك الفرنج كلهم وَهَذَا ابْن أُخْتِي الكندهري قد ملكته هَذِه الديار وسلمته إِلَيْك يكون هُوَ وَعَسْكَره بحكمك وَلَو استدعيتهم إِلَى الشرق سمعُوا وأطاعوا وَأَن جمَاعَة من الرهبان والمنقطعين قد طلبُوا مِنْك كنائس فَمَا بخلت عَلَيْهِم بهَا وَأَنا أطلب مِنْك كَنِيسَة وَتلك الْأُمُور الَّتِي كَانَت تضيق صدرك لما كَانَت تجْرِي المراسلة مَعَ الْملك الْعَادِل قد قلت بِتَرْكِهَا وأعرضت عَنْهَا وَلَو أَعْطَيْتنِي مقرعة أَو قَرْيَة قبلتها وقبلتها
فَاسْتَشَارَ السُّلْطَان الْأُمَرَاء فِي جَوَابه فأشاروا بالمحاسنة وَعقد الصُّلْح لما كَانَ قد أَخذ الْمُسلمين من الضجر والتعب وعلاهم من الدُّيُون وَاسْتقر الْحَال على هَذَا الْجَواب إِنَّك إِذا دخلت مَعنا هَذَا الدُّخُول فَمَا جَزَاء الاحسان إِلَّا الاحسان ابْن أختك يكون عِنْدِي كبعض أَوْلَادِي وسيبلغك مَا أفعل فِي حَقه من الْخَيْر وَأَنا أُعْطِيك أكبر الْكَنَائِس وَهِي الْقِيَامَة وَبَقِيَّة الْبِلَاد نقسمها والساحلية الَّتِي بِيَدِك تكون بِيَدِك وَالَّتِي بِأَيْدِينَا من القلاع الجبلية تكون لنا وَمَا بَين العملين يكون مُنَاصَفَة وعسقلان وَمَا وَرَاءَهَا تكون خرابا لَا لنا وَلَا لكم وَإِن أردتم قراها كَانَت لكم وَالَّذِي كنت أكرهه حَدِيث عسقلان فانفصل الرَّسُول طيب الْقلب
стр. 1636
قَالَ واتصل الْخَبَر أَنهم بعد وُصُول الرَّسُول إِلَيْهِم راحلون إِلَى جِهَة عسقلان طالبون جِهَة مصر
وَوصل رَسُول من جَانب قطب الدّين بن قليج أرسلان يَقُول إِن البابا قد وصل إِلَى قسطنطينية فِي خلق لَا يعلم عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَقَالَ الرَّسُول إِنِّي قتلت فِي الطَّرِيق اثْنَي عشر فَارِسًا وَيَقُول تقدم إِلَى من يتسلم بلادي مني فَانِي قد عجزت عَن حفظهَا فَلم يصدق السُّلْطَان هَذَا الْخَبَر وَلَا اكترث بِهِ
ثمَّ جَاءَ رسوا الإنكلتير يطْلب أَن يكون فِي قلعة الْقُدس عشرُون نَفرا وَأَن من سكن من النَّصَارَى والفرنج فِي الْبَلَد لَا يتَعَرَّض لَهُم وَأما بَقِيَّة الْبِلَاد فلنا مِنْهَا الساحليات والوطاة والبلاد الجبلية لكم وَأخْبر الرَّسُول من عِنْد نَفسه مناصحة أَنهم قد نزلُوا عَن حَدِيث الْقُدس مَا عدا الزِّيَارَة وَإِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا تصنعا وَأَنَّهُمْ راغبون فِي الصُّلْح وَأَن الإنكلتير لَا بُد لَهُ من الرواح إِلَى بَلَده
فَأُجِيب بِأَن الْقُدس لَيْسَ لكم فِيهِ حَدِيث سوى الزِّيَارَة فَقَالَ الرَّسُول وَلَيْسَ على الزوار شَيْء يُؤْخَذ مِنْهُم فَعلم من هَذَا القَوْل الْمُوَافقَة
وَأما الْبِلَاد فعسقلان وَمَا وَرَاءَهَا لَا بُد من خرابه فَقَالَ الرَّسُول قد خسر الْملك على سورها مَالا جزيلا فَسَأَلَ المشطوب
стр. 1637
أَن يَجْعَل مزارعها وقراها فِي مُقَابل خسارته فَأجَاب السُّلْطَان وَأَن الداروم وَغَيره يخرب وَيكون بَلَدهَا مُنَاصَفَة وَأما بَاقِي الْبِلَاد فَيكون لَهُم من يافا إِلَى صور بأعمالها وَمهما اخْتَلَفْنَا فِي قَرْيَة كَانَت مُنَاصَفَة
ثمَّ جَاءَ الرَّسُول يَقُول الْملك يَسْأَلك ويخضع لَك فِي أَن تتْرك لَهُ هَذِه الْأَمَاكِن الثَّلَاثَة عامرة وَأي قدر لَهَا عِنْد ملكك وعظمتك وَمَا سَبَب إصراره عَلَيْهَا إِلَّا أَن الفرنج لم يسمحوا بهَا وَهُوَ قد ترك الْقُدس بِالْكُلِّيَّةِ لَا يطْلب أَن يكون فِيهِ لَا رُهْبَان وَلَا قسوس إِلَّا فِي الْقِيَامَة وَحدهَا فَتتْرك لَهُ أَنْت هَذِه الْبِلَاد وَيكون الصُّلْح عَاما فَيكون لَهُم كل مَا فِي أَيْديهم من الداروم إِلَى أنطاكية وَلكم مَا فِي أَيْدِيكُم وينتظم الْحَال وَيروح وَإِن لم يَنْتَظِم الصُّلْح فالفرنج مَا يمكنونه من الرواح وَلَا يُمكنهُ مخالفتهم
قَالَ القَاضِي فَانْظُر إِلَى هَذِه الصِّنَاعَة فِي استخلاص الفرص باللين تَارَة وبالخشونة أُخْرَى وَكَانَ - لَعنه الله - مُضْطَرّا إِلَى الرواح وَهَذَا عمله مَعَ اضطراره وَالله المسؤؤل فِي أَن يَكْفِي الْمُسلمين مكره فَمَا بلوا بأعظم حِيلَة وَلَا أَشد إقداما مِنْهُ
فَأَجَابَهُ السُّلْطَان بِأَن أنطاكية لنا مَعَهم حَدِيث وَرُسُلنَا
стр. 1638
عِنْدهم فَإِن عَادوا بِمَا نُرِيد أدخلناهم فِي الصُّلْح وَإِلَّا فَلَا وَأما الْبِلَاد الَّتِي سَأَلَهَا فَلَا يُوَافق الْمُسلمُونَ على دَفعهَا إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا قدر لَهَا وَأما سور عسقلان فَيَأْخُذ فِي مُقَابلَة مَا خسر عَلَيْهِ لدا فِي الوطاة
ثمَّ عَاد الرَّسُول وَقَالَ إِن الْملك قَالَ لَا يمكننا أَن نخرب من عسقلان حجرا وَاحِدًا وَلَا يسمع عَنَّا فِي الْبِلَاد مثل ذَلِك وَأما الْبِلَاد فحدودها مَعْرُوفَة لَا مناكرة فِيهَا وَعند ذَلِك تأهب السُّلْطَان لِلْخُرُوجِ إِلَى جِهَة الْعَدو وَإِظْهَار الْقُوَّة وَشدَّة الْعَزْم على اللِّقَاء
وبلغه فِي الْعَاشِر من رَجَب أَن الفرنج - خذلهم الله - قد رحلوا طَالِبين نَحْو بيروت فبرز من الْقُدس إِلَى منزلَة يُقَال لَهَا الجيب وَجَاء الْعَادِل من الشرق وَالظَّاهِر من حلب ورحل من الجيب إِلَى بَيت نوبَة ثمَّ رَحل إِلَى الرملة فَنزل بهَا على تلال بَين الرملة ولد وَركب جَرِيدَة حَتَّى أَتَى يازور وَبَيت دجن وأشرف على يافا ثمَّ نزل عَلَيْهَا من الْغَد ورتب عسكره فِي الميمنة وَلَده الظَّاهِر وَفِي الميسرة أَخُوهُ الْعَادِل وَركب المنجنيقات وزحف عَلَيْهَا فَأرْسل الْعَدو رسولين نَصْرَانِيّا وفرنجيا يطلبان الصُّلْح فَطلب مِنْهُم قَاعِدَة الْقُدس وقطيعته فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك واشترطوا أَن ينْظرُوا إِلَى يَوْم السبت تَاسِع عشر رَجَب فَإِن جَاءَتْهُم نجدة وَإِلَّا تمت الْقَاعِدَة على مَا اسْتَقر
стр. 1639
فَأبى السُّلْطَان الانظار وَأمر بالنقب فخشي وأحرق فَوَقع بعض الْبَدنَة فَوضع الْعَدو أخشابا عَظِيمَة خلف النقب فالتهب فَمنع من الدُّخُول فِي الثلمة وقاتلت خَارج الْأَبْوَاب إِلَى اللَّيْل فَلَمَّا أَصْبحُوا وَقعت الْبَدنَة فعلا غُبَار مَعَ الدُّخان فأظلم الْأُفق وَمَا تجاسر أحد على الولوج خوفًا من اقتحام النَّار فَلَمَّا انكشفت الغبرة ظَهرت أسنة قد نابت مناب الأسوار ورماح قد سدت الثلمة حَتَّى عَن نُفُوذ الْأَبْصَار وَرَأى النَّاس هولا عَظِيما من صَبر الْقَوْم وثباتهم وَلَقَد رَأَيْت رجلَيْنِ على ممشى السُّور يمنعان المتسلق فِيهِ من حهة الثلمة وَقد أَتَى أَحدهمَا حجر المنجنيق فَأَخذه وَنزل إِلَى دَاخل فَقَامَ رَفِيقه فِي مقَامه متصديا لمثل مَا لحقه أسْرع من لمح الْبَصَر بِحَيْثُ لم يفرق بَينهمَا إِلَّا ناقد بَصِير
وَلما رأى الْعَدو مَا قد آل الْأَمر إِلَيْهِ سِيرُوا يطْلبُونَ الْأمان فَقَالَ ﵀ الْفرس بِفَارِس والتركبلي بِمثلِهِ والراجل بالراجل وَالْعَاجِز فعلى قطيعة الْقُدس
فَنظر الرَّسُول وَرَأى الْقِتَال على الثلمة أَشد من إضرام النَّار فَسَأَلَ السُّلْطَان أَن يبطل الْقِتَال إِلَى أَن يعود فَقَالَ مَا أقدر على منع الْمُسلمين من هَذَا الْأَمر وَلَكِن ادخل إِلَى أَصْحَابك فَقل لَهُم ينحازون إِلَى القلعة ويتركون النَّاس يشتغلون بِالْبَلَدِ فَمَا بَقِي دونه
стр. 1640
مَانع فَفَعَلُوا وانحازوا إِلَى قلعة يافا بعد أَن قتل مِنْهُم جمَاعَة وَدخل النَّاس الْبَلَد عنْوَة ونهبوا مِنْهُ أقمشة عَظِيمَة وغلالا كَثِيرَة وأثاثا وبقايا قماش مَا نهب من الْقَافِلَة المصرية واستقرت الْقَاعِدَة على الْوَجْه الَّذِي قَرَّرَهُ السُّلْطَان
وَكَانَ قايماز النجمي فِي طرف الْغَوْر لحمايته من عَسْكَر الْعَدو الَّذِي بعكا فوصل مِنْهُ كتاب يخبر فِيهِ أَن الإنكلتير الملعون لما سمع خبر يافا أعرض عَن قصد بيروت وَعَاد على قصد يافا فَاشْتَدَّ عزم السُّلْطَان على تَتِمَّة الْأَمر وتسلم القلعة وَكنت مِمَّن لم ير الْأمان لانه قد لَاحَ أَخذهم وَكَانَ النَّاس لَهُم مُدَّة لم يظفروا من الْعَدو بمغنم يوثبهم عَلَيْهِ فَكَانَ أَخذهم عنْوَة مِمَّا يبْعَث همم الْعَسْكَر غير أَن الْأمان وَقع وَاتفقَ الصُّلْح فَكنت بعد ذَلِك مِمَّن يحث على إِخْرَاج الْعَدو من القلعة وتسلمها خوفًا من لُحُوق النجدة
وَكَانَ السُّلْطَان يشْتَد حرصه على ذَلِك غير أَن النَّاس قد أقعدهم التَّعَب عَن امْتِثَال الْأَمر وَأخذ مِنْهُم الْحَدِيد وَشدَّة الْحر ودخان النَّار بِحَيْثُ لم يبْق لَهُم استطاعة على الْحَرَكَة
وَسَمعنَا بوق الفرنج فِي السحر فَعلمنَا بوصول النجدة فسير السُّلْطَان معي عز الدّين جرديك وَعلم الدّين قَيْصر ودرباس المهراني وَعدل الخزانة شمس الدّين وَقَالَ امْضِ إِلَى الْملك الظَّاهِر وَقل لَهُ يقف ظَاهر الْبَاب القبلي وَتدْخل أَنْت وَمن ترَاهُ إِلَى القلعة وتخرجون الْقَوْم وتستولون على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والأسلحة وتكتبها بخطك إِلَى الظَّاهِر وَهُوَ ظَاهر الْبَلَد وَهُوَ يسيرها إِلَيْنَا
стр. 1641
فَفَعَلْنَا ودخلنا القلعة وأمرنا الفرنج بِالْخرُوجِ فَأَجَابُوا وتهيؤوا فَقَالَ جرديك لَا يَنْبَغِي أَن يخرج مِنْهُم أحد حَتَّى يخرج النَّاس من الْبَلَد خشيَة أَن يتخطفوهم وَكَانَ النَّاس قد داخلهم الطمع فِي الْبَلَد وَأخذ يشْتَد فِي ضرب النَّاس وإخراجهم وهم غير مضبوطين بعدة وَلَا مَحْصُورين فِي مَكَان فَكيف يُمكن إخراجهم
وَطَالَ الْأَمر إِلَى أَن، علا النَّهَار وَأَنا ألومه وَهُوَ لَا يرجع عَن ذَلِك وَالزَّمَان يمْضِي فَلَمَّا رَأَيْت الْوَقْت يفوت قلت لَهُ إِن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة فِي إخراجهم فَأجَاب وأخرجنا خَمْسَة وَأَرْبَعين نَفرا بخيولهم وَنِسَائِهِمْ وسيرناهم ثمَّ اشتدت أنفس البَاقِينَ وحدثتهم نُفُوسهم بالعصيان وَكَانُوا استقلوا المراكب الَّتِي جَاءَتْهُم وظنوا أَن لَا نجدة لَهُم فِيهَا وَلم يعلمُوا أَن الإنكلتير مَعَ الْقَوْم ورأوهم قد تَأَخَّرُوا عَن النُّزُول إِلَى علو النهارفخافوا أَن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا فَخرج من خرج ثمَّ بعد ذَلِك قويت النجدة حَتَّى صَارُوا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ مركبا فَقَوِيت نفوس البَاقِينَ فِي الْحصن فظهرت مِنْهُم أَمَارَات الْعِصْيَان ودلائله
فَقلت لِأَصْحَابِنَا خُذُوا حذركُمْ فقد تَغَيَّرت عزائم الْقَوْم فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة بِحَيْثُ صرت خَارج الْبَلَد وَقد حمل الْقَوْم من القلعة وأخرجوا من كَانَ فِي الْبَلَد من الأجناد وَلَقَد ازْدحم النَّاس فِي الْبَاب حَتَّى كَاد يتْلف مِنْهُم جمَاعَة وَبَقِي فِي بعض الْكَنَائِس
стр. 1642
جمَاعَة من رعاع الْعَسْكَر مشتغلين بِمَا لَا يجوز فَهَجَمُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا مِنْهُم وأسروا وَعرف السُّلْطَان فَأمر النَّاس فزحفوا وَعَاد الْحصار كَمَا كَانَ وحشروا الْعَدو فِي القلعة واستبطؤوا نزُول النجدة إِلَيْهِم وخافوا خوفًا عَظِيما فأرسلوا بطركهم والقسطلان إِلَى السُّلْطَان يعتذران مِمَّا جرى ويسألانه الْقَاعِدَة الأولى
وَكَانَ سَبَب امْتنَاع نزُول النجدة أَنهم رَأَوْا الْبَلَد مشحونا ببيارق الْمُسلمين ورجالهم فخافوا أَن تكون القلعة قد أخذت وَكَانَ الْبَحْر يمْنَع من سَماع الصَّوْت وَكَثْرَة الضجيج والتهليل وَالتَّكْبِير فَلَمَّا رأى من فِي القلعة شدَّة الزَّحْف عَلَيْهِم وَامْتِنَاع النجدة من النُّزُول مَعَ كثرتها فَإِنَّهَا بلغت نيفا وَخمسين مركبا مِنْهَا خَمْسَة عشر من الشواني علمُوا أَن النجدة قد ظنُّوا أَن الْبَلَد قد أَخذ فوهب رجل مِنْهُم نَفسه للمسيح وقفز من القلعة إِلَى الميناء وَكَانَ رملا فَلم يصبهُ شَيْء وَعدا إِلَى الْبَحْر فَحدث الإنكلتير بِالْحَدِيثِ فَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى نزل كل من فِي الشواني إِلَى الميناء هَذَا كُله وَأَنا أشاهد ذَلِك فحملوا على الْمُسلمين فأخرجوهم من الميناء فَقبض السُّلْطَان على الرُّسُل وَأمر بتأخر الثّقل والأسواق إِلَى يازور فَرَحل النَّاس وَتَأَخر لَهُم ثقل عَظِيم مِمَّا كَانُوا نهبوا من يافا
وَخرج الإنكلتير إِلَى مَوضِع السُّلْطَان الَّذِي كَانَ فِيهِ لمضايقة
стр. 1643
الْبَلَد وَأمر من فِي القلعة أَن يخرجُوا إِلَيْهِ ليعظم سوَاده
ثمَّ اجْتمع بِهِ جمَاعَة من المماليك طَلَبهمْ وَحضر الْحَاجِب أَبُو بكر العادلي وَكَانَ قد صَادِق جمَاعَة من خَواص المماليك وَدخل مَعَهم دُخُولا عَظِيما بِحَيْثُ كَانُوا يَجْتَمعُونَ بِهِ أَوْقَات مُتعَدِّدَة وَكَانَ قد صَادِق من الْأُمَرَاء جمَاعَة كبدر الدّين دلدرم وَغَيره فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْده جد وهزل وَمن جملَة مَا قَالَ
هَذَا السُّلْطَان عَظِيم وَمَا فِي الأَرْض للاسلام ملك أكبر وَلَا أعظم مِنْهُ كَيفَ رَحل عَن الْمَكَان بِمُجَرَّد وصولي وَوَاللَّه مَا لبست لأمة حَرْبِيّ وَلَا تأهبت لأمر وَلَيْسَ فِي رجْلي إِلَّا زربول الْبَحْر فَكيف تَأَخّر
ثمَّ قَالَ وَالله إِنَّه لعَظيم وَالله مَا ظَنَنْت أَنه يَأْخُذ يافا فِي شَهْرَيْن فَكيف أَخذهَا فِي يَوْمَيْنِ ثمَّ قَالَ لأبي بكر الْحَاجِب تسلم على السُّلْطَان وَتقول لَهُ بِاللَّه عَلَيْك أجب سُؤَالِي فِي الصُّلْح فَهَذَا أَمر لَا بُد لَهُ من آخر وَقد هَلَكت بلادي وَرَاء الْبَحْر وَمَا دوَام هَذَا مصلحَة لَا لنا وَلَا لكم
فَأرْسل السُّلْطَان إِلَيْهِ فِي الْجَواب إِنَّك كنت طلبت الصُّلْح أَولا على قَاعِدَة وَكَانَ الحَدِيث فِي يافا وعسقلان والآن فقد خربَتْ هَذِه يافا فَيكون لَك من قيسارية إِلَى صور
стр. 1644
فَأرْسل الإنكلتير يَقُول إِن قَاعِدَة الافرنج أَنه إِذا أعْطى وَاحِد لوَاحِد بَلَدا صَار تبعه وَغُلَامه وَأَنا أطلب مِنْك هذَيْن البلدين يافا وعسقلان وَتَكون عساكرهما فِي خدمتك دَائِما وَإِذا احتجت إِلَيّ وصلت إِلَيْك فِي أسْرع وَقت وخدمتك كَمَا تعلم خدمتي
فَقَالَ السُّلْطَان حَيْثُ دخلت هَذَا الْمدْخل فَأَنا أجيبك على أَن تجْعَل البلدين قسمَيْنِ أَحدهمَا لَك وَهُوَ يافا وَمَا وَرَاءَهَا وَالثَّانِي لي وَهُوَ عسقلان وَمَا وَرَاءَهَا ثمَّ رتب السُّلْطَان اليزك بيازور وَأمر بخرابها وخراب بَيت دجن ورتب النقابين لذَلِك وَسَار إِلَى الرملة فَعَاد رَسُول الإنكلتير يشْكر على إِعْطَائِهِ يافا ويجدد السُّؤَال فِي عسقلان وَيَقُول لَهُ إِن وَقع الصُّلْح فِي هَذِه الْأَيَّام السِّتَّة سَار إِلَى بِلَاده وَإِلَّا احْتَاجَ أَن يشتي هَا هُنَا
فَأَجَابَهُ السُّلْطَان فِي الْحَال وَقَالَ أما النُّزُول عَن عسقلان فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ وَأما تشتيته هَا هُنَا فَلَا بُد مِنْهَا لانه قد استولى على هَذِه الْبِلَاد وَيعلم أَنه مَتى غَابَ عَنْهَا أخذت بِالضَّرُورَةِ وَإِذا أَقَامَ أَيْضا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِذا سهل عَلَيْهِ أَن يشتي هَاهُنَا وَيبعد عَن أَهله ووطنه مسيرَة شَهْرَيْن وهوشاب فِي عنفوان شبابه وَوقت اقتناص لذاته مَا يسهل عَليّ أَن أشتي وأصيف وَأَنا فِي وسط بلادي وَعِنْدِي أَهلِي وأولادي وَيَأْتِي إِلَيّ مَا أريده وَمن أريده وَأَنا شيخ كَبِير قد كرهت لذات الدُّنْيَا وشبعت مِنْهَا ورفضتها عني والعسكر الَّذِي يكون عِنْدِي فِي الشتَاء غير الَّذِي يكون
стр. 1645
عِنْدِي فِي الصَّيف وَأَنا أعتقد أَنِّي فِي أعظم الْعِبَادَات وَلَا أَزَال كَذَلِك حَتَّى يُعْطي الله النَّصْر لمن يَشَاء
ثمَّ جَاءَ رَسُوله يَقُول كم أطرح نَفسِي على السُّلْطَان وَهُوَ لَا يقبلني وَأَنا كنت أحرص حَتَّى أَعُود إِلَى بلادي والآن فقد هجم الشتَاء وتغيرت الأنواء وعزمت على الاقامة وَمَا بَقِي بَيْننَا حَدِيث
ثمَّ بلغ السُّلْطَان أَن عَسْكَر الْعَدو قد رَحل من عكا قَاصِدا يافا فَسَار ﵀ فَنزل على العوجاء وَوصل من أخبرهُ أَن الْعَدو دخل قيسارية وَلم يبْق فِيهِ طمع وبلغه أَن الإنكلتير نَازل خَارج يافا فِي نفر يسير فَوَقع لَهُ أَن يكبسه فَأَتَاهُ فَوجدَ خيمه نَحْو عشر خيم فحملوا عَلَيْهِم فثبتوا وَلم يتحركوا من أماكنهم وكشروا عَن أَنْيَاب الْحَرْب وَكَانُوا على الْمَوْت أَصْبِر فارتاع الْمُسلمُونَ مِنْهُم ووجموا من ثباتهم وداروا حَولهمْ حَلقَة وَكَانَت عدَّة الْخَيل سَبْعَة عشر وَقيل تِسْعَة والرجالة ثَلَاث مئة أَو أَكثر فَوجدَ السُّلْطَان من ذَلِك موجدة عَظِيمَة وَدَار على الأطلاب بِنَفسِهِ يحثهم على الحملة ويعدهم بِالْحُسْنَى على ذَلِك فَلم يجب دعاءه أحد سوى وَلَده الظَّاهِر
стр. 1646
قَالَ وَبَلغنِي أَنه قَالَ لَهُ الْجنَاح أَخُو المشطوب قل لغلمانك الَّذين ضربوا النَّاس يَوْم فتح يافا وَأخذُوا مِنْهُم الْغَنِيمَة يحملون وَكَانَ فِي قُلُوب الْعَسْكَر من صلح السُّلْطَان على يافا حَيْثُ فوتهم الْغَنِيمَة فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك أعرض عَن الْقِتَال وَغَضب وَسَار إِلَى يازور
قَالَ وَلَقَد بَلغنِي أَن الإنكلتير أَخذ رمحه ذَلِك الْيَوْم وَحمل من طرف الميمنة إِلَى طرف الميسرة فَلم يعرض لَهُ أحد
قلت وَوصل من الْفَاضِل كتاب من دمشق يَقُول فِيهِ كثر الارجاف بِهَلَاك ملك الإنكلتير فَإِن كَانَ كَذَلِك فجواب كل من قصر فِي يافا عَن أَخذه عَن السُّلْطَان ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله﴾ وَجَوَاب السُّلْطَان لَهُم عَن ملك الإنكلتير إِلَّا تقتلوه فقد قَتله الله وَلم يزل لطيفا وَلم يزل مَوْلَانَا يحمل الثّقل ثقيلا وخفيفا وَمن كَانَ الله عَلَيْهِ لم يكن قَوِيا وَمن كَانَ الله مَعَه لم يكن ضَعِيفا
قَالَ القَاضِي ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى النطرون ثمَّ إِلَى الْقُدس فَنظر العمائر ورتبها ثمَّ عَاد إِلَى النطرون وتوافت إِلَيْهِ فِيهِ العساكر وَوصل عَلَاء الدّين ابْن صَاحب الْموصل ثمَّ قدم عَسْكَر مصر وَفِيهِمْ سيف الدّين يازكوج وَجَمَاعَة الأَسدِية فِي خدمَة وَلَده الْملك الْمُؤَيد مَسْعُود وَوصل الْمَنْصُور نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن تَقِيّ
стр. 1647
الدّين فَلَقِيَهُ الظَّاهِر إِلَى بَيت نوبَة وَدخل بِهِ على السُّلْطَان فَنَهَضَ واعتنقه وضمه إِلَى صَدره وغشيه الْبكاء فَصَبر نَفسه حَتَّى غَلبه الْأَمر فَبكى النَّاس لبكائه سَاعَة ثمَّ باسطه وَسَأَلَهُ عَن الطَّرِيق وَكَانَ مَعَه عَسْكَر جميل فقرت عين السُّلْطَان بِهِ ثمَّ سَار وَنزل فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر مِمَّا يَلِي الرملة
وَلما رأى السُّلْطَان العساكر قد اجْتمعت جمع أَرْبَاب الرَّأْي وَقَالَ إِن الإنكلتير قد مرض مَرضا شَدِيدا والافرنسيسية قد سَارُوا رَاجِعين ليعبروا الْبَحْر من غير شكّ ونفقاتهم قد قلت وَأرى أَن نسير إِلَى يافا فَإِن وجدنَا فِيهَا طَمَعا وَإِلَّا عدنا إِلَى عسقلان فَمَا تلحقها النجدة إِلَّا وَقد بلغنَا مِنْهَا غَرضا فوافقوه على ذَلِك فَأرْسل عز الدّين جرديك وجمال الدّين فرج سادس شعْبَان حَتَّى يَكُونَا قَرِيبا من يافا
هَذَا ورسل الإنكلتير لَا تَنْقَطِع فِي طلب الْفَاكِهَة والثلج وأوقع الله عَلَيْهِ فِي مَرضه شَهْوَة الكمثرى والخوخ وَكَانَ السُّلْطَان يمده بذلك ويقصد كشف الْأَخْبَار بتواتر الرُّسُل وَالَّذِي انْكَشَفَ لَهُ أَن فِيهَا ثَلَاث مئة فَارس على قَول المكثر ومئتي فَارس على قَول المقلل وَأَن الكندهري تردد بَينه وَبَين الفرنسيسية فِي مقامهم وهم عازمون على عبور الْبَحْر قولا وَاحِدًا
فَسَار السُّلْطَان إِلَى جِهَة الرملة وَجَاء رَسُول الإنكلتير مَعَ
стр. 1648
الْحَاجِب أبي بكر يشْكر السُّلْطَان على اسعافه بالفاكهة والثلج وَذكر أَبُو بكر أَنه انْفَرد بِهِ وَقَالَ لَهُ قل لأخي - يَعْنِي الْملك الْعَادِل - يبصر كَيفَ يتَوَصَّل إِلَى السُّلْطَان فِي معنى الصُّلْح ويستوهب لي مِنْهُ عسقلان وأمضي وَيبقى هُوَ هَا هُنَا مَعَ هَذِه الشرذمة الْيَسِيرَة وَيَأْخُذ الْبِلَاد مِنْهُم فَلَيْسَ غرضي إِلَّا إِقَامَة جاهي بَين الفرنجية وَإِن لم ينزل السُّلْطَان عَن عسقلان فتأخذ لي مِنْهُ عوضا عَن خسارتي على عمَارَة سورها فَأرْسل السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل إِن نزلُوا عَن عسقلان فَصَالحهُمْ فَإِن الْعَسْكَر قد ضجر من مُلَازمَة البيكار والنفقات قد نفدت
ثمَّ إِن الإنكلتير نزل عَن عسقلان وَعَن الْعِوَض عَنْهَا واستوثق مِنْهُ على ذَلِك فأحضر السُّلْطَان الدِّيوَان يَوْم السبت ثامن عشر شعْبَان وَذكر يافا وعملها وَأخرج الرملة مِنْهَا ولد ومجدل يابا ثمَّ ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وعملها وحيفا وعملها وعكا وعملها وَأخرج مِنْهَا الناصرة وصفورية وَأثبت الْجَمِيع فِي ورقة وَقَالَ للرسول هَذِه حُدُود الْبِلَاد الَّتِي تبقى فِي أَيْدِيكُم فَإِن صالحتم على ذَلِك فمبارك وَقد أَعطيتكُم يَدي فَينفذ الْملك من يحلف فِي بكرَة غَد وَإِلَّا فنعلم أَن هَذَا تدفيع ومماطلة
وَكَانَ من الْقَاعِدَة أَن تكون عسقلان خرابا وَأَن يتَّفق أَصْحَابنَا وأصحابهم على خرابها وَاشْترط دُخُول بِلَاد الاسماعيلية واشترطوا هم دُخُول صَاحب أنطاكية وطرابلس فِي الصُّلْح وَشرط أَن تكون الرملة ولد بَين الْمُسلمين وَبينهمْ مُنَاصَفَة
стр. 1649
واستقرت الْقَاعِدَة على أَنهم يحلفُونَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان وَرَضي الاستبارية والداوية وَسَائِر مقدمي الافرنجية بذلك وَلم يحلف الانكلتير بل أخذُوا يَده وَعَاهَدُوهُ وَاعْتذر بِأَن الْمُلُوك لَا يحلفُونَ وقنع من السُّلْطَان بِمثل ذَلِك
ثمَّ حلف الْجَمَاعَة فَحلف الكند هري ابْن أُخْته الْمُسْتَخْلف عَنهُ فِي السَّاحِل وباليان بن بارزان ابْن صَاحِبَة طبرية وَوصل ابْن الهنفري وَابْن بارزان وَجَمَاعَة من مقدميهم إِلَى السُّلْطَان فَأخذُوا يَده على الصُّلْح واقترحوا حلف جمَاعَة الْعَادِل وَالْأَفْضَل وَالظَّاهِر والمنصور وَسيف الدّين المشطوب ودلدرم وَابْن الْمُقدم وَصَاحب شيزر وكل مجاور لبلادهم وَحلف لصَاحب أنطاكية وطرابلس وعلق الْيَمين بِشَرْط حلفهم للْمُسلمين
قَالَ وَوصل رَسُول سيف الدّين بكتمر صَاحب خلاط يُبْدِي الطَّاعَة والموافقة وتسيير الْعَسْكَر وَحضر رَسُول الكرج وَذكر فصلا فِي معنى الديارات الَّتِي لَهُم فِي الْقُدس وعمارتها وَشَكوا من أَنَّهَا أخذت من أَيْديهم وَيسْأل ردهَا إِلَى أَيدي نوابهم وَرَسُول صَاحب أرزن الرّوم يبْذل الطَّاعَة والعبودية
قَالَ الْعِمَاد وعقدت هدنة عَامَّة فِي الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر وَجعل لَهُم من يافا إِلَى قيسارية إِلَى عكا إِلَى صور وأدخلوا فِي الصُّلْح أطرابلس وأنطاكية وَوَقعت الْمُصَالحَة مُدَّة ثَلَاث
стр. 1650
سِنِين وَثَلَاثَة أشهر أَولهَا مُبْتَدأ أيلول الْمُوَافق للحادي وَالْعِشْرين من شعْبَان
قَالَ وَكَانَ الفرنج قد ملؤوا يافا من الرِّجَال والأسلحة والأقوات ليتقووا بهَا على فتح الْقُدس لتَكون لَهُم ظهرا وعونا لقربها من الْبَيْت الْمُقَدّس
قلت وَمن الْأَلْفَاظ الْفَاضِلِيَّةِ وَقد فعلت الأقدار فِي رياضة عرائكهم مَا كَانَ سَببه هَذِه الحركات الْمُبَارَكَة وَكَيف يشنع ملك إنكلتير بالغدر وَهُوَ - لَعنه الله - قد أَتَى بأقبح الْغدر وأفحشه فِي أهل عكا نَهَارا جهارا وَشهد فِيهَا بخزيته وفضيحته الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى وغدر الفرنج مَعْلُوم
(إِذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... وَمن عهدها أَن لَا يَدُوم لَهَا عهد)
الْقَوْم هادنوا لما ضعفوا ويفسخون إِذا قووا وَنحن نَنْتَظِر فِي ملك إنكلتير مَا تفصح عَنهُ الْمَقَادِير فِي أمره إِمَّا الْهَلَاك وشاباش لَهَا فَيلقى الْأَحِبَّة المركيس ودوك وَملك الألمان وَيُؤْنس فِي النَّار غربتهم وَيكثر عدتهمْ وَإِمَّا أَن يعافى وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَهُوَ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يرجع إِلَى لعنة الله وَإِلَى مُرُوءَة الْبَحْر فِي تغريقه وَإِمَّا أَن يُقيم فهنالك قد أبدى الشَّرّ
следующие страницы →