← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قَالَ وَبَلغنِي أَنه قَالَ لَهُ الْجنَاح أَخُو المشطوب قل لغلمانك الَّذين ضربوا النَّاس يَوْم فتح يافا وَأخذُوا مِنْهُم الْغَنِيمَة يحملون وَكَانَ فِي قُلُوب الْعَسْكَر من صلح السُّلْطَان على يافا حَيْثُ فوتهم الْغَنِيمَة فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك أعرض عَن الْقِتَال وَغَضب وَسَار إِلَى يازور قَالَ وَلَقَد بَلغنِي أَن الإنكلتير أَخذ رمحه ذَلِك الْيَوْم وَحمل من طرف الميمنة إِلَى طرف الميسرة فَلم يعرض لَهُ أحد قلت وَوصل من الْفَاضِل كتاب من دمشق يَقُول فِيهِ كثر الارجاف بِهَلَاك ملك الإنكلتير فَإِن كَانَ كَذَلِك فجواب كل من قصر فِي يافا عَن أَخذه عَن السُّلْطَان ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله﴾ وَجَوَاب السُّلْطَان لَهُم عَن ملك الإنكلتير إِلَّا تقتلوه فقد قَتله الله وَلم يزل لطيفا وَلم يزل مَوْلَانَا يحمل الثّقل ثقيلا وخفيفا وَمن كَانَ الله عَلَيْهِ لم يكن قَوِيا وَمن كَانَ الله مَعَه لم يكن ضَعِيفا قَالَ القَاضِي ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى النطرون ثمَّ إِلَى الْقُدس فَنظر العمائر ورتبها ثمَّ عَاد إِلَى النطرون وتوافت إِلَيْهِ فِيهِ العساكر وَوصل عَلَاء الدّين ابْن صَاحب الْموصل ثمَّ قدم عَسْكَر مصر وَفِيهِمْ سيف الدّين يازكوج وَجَمَاعَة الأَسدِية فِي خدمَة وَلَده الْملك الْمُؤَيد مَسْعُود وَوصل الْمَنْصُور نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن تَقِيّ

стр. 1647

الدّين فَلَقِيَهُ الظَّاهِر إِلَى بَيت نوبَة وَدخل بِهِ على السُّلْطَان فَنَهَضَ واعتنقه وضمه إِلَى صَدره وغشيه الْبكاء فَصَبر نَفسه حَتَّى غَلبه الْأَمر فَبكى النَّاس لبكائه سَاعَة ثمَّ باسطه وَسَأَلَهُ عَن الطَّرِيق وَكَانَ مَعَه عَسْكَر جميل فقرت عين السُّلْطَان بِهِ ثمَّ سَار وَنزل فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر مِمَّا يَلِي الرملة وَلما رأى السُّلْطَان العساكر قد اجْتمعت جمع أَرْبَاب الرَّأْي وَقَالَ إِن الإنكلتير قد مرض مَرضا شَدِيدا والافرنسيسية قد سَارُوا رَاجِعين ليعبروا الْبَحْر من غير شكّ ونفقاتهم قد قلت وَأرى أَن نسير إِلَى يافا فَإِن وجدنَا فِيهَا طَمَعا وَإِلَّا عدنا إِلَى عسقلان فَمَا تلحقها النجدة إِلَّا وَقد بلغنَا مِنْهَا غَرضا فوافقوه على ذَلِك فَأرْسل عز الدّين جرديك وجمال الدّين فرج سادس شعْبَان حَتَّى يَكُونَا قَرِيبا من يافا هَذَا ورسل الإنكلتير لَا تَنْقَطِع فِي طلب الْفَاكِهَة والثلج وأوقع الله عَلَيْهِ فِي مَرضه شَهْوَة الكمثرى والخوخ وَكَانَ السُّلْطَان يمده بذلك ويقصد كشف الْأَخْبَار بتواتر الرُّسُل وَالَّذِي انْكَشَفَ لَهُ أَن فِيهَا ثَلَاث مئة فَارس على قَول المكثر ومئتي فَارس على قَول المقلل وَأَن الكندهري تردد بَينه وَبَين الفرنسيسية فِي مقامهم وهم عازمون على عبور الْبَحْر قولا وَاحِدًا فَسَار السُّلْطَان إِلَى جِهَة الرملة وَجَاء رَسُول الإنكلتير مَعَ

стр. 1648

الْحَاجِب أبي بكر يشْكر السُّلْطَان على اسعافه بالفاكهة والثلج وَذكر أَبُو بكر أَنه انْفَرد بِهِ وَقَالَ لَهُ قل لأخي - يَعْنِي الْملك الْعَادِل - يبصر كَيفَ يتَوَصَّل إِلَى السُّلْطَان فِي معنى الصُّلْح ويستوهب لي مِنْهُ عسقلان وأمضي وَيبقى هُوَ هَا هُنَا مَعَ هَذِه الشرذمة الْيَسِيرَة وَيَأْخُذ الْبِلَاد مِنْهُم فَلَيْسَ غرضي إِلَّا إِقَامَة جاهي بَين الفرنجية وَإِن لم ينزل السُّلْطَان عَن عسقلان فتأخذ لي مِنْهُ عوضا عَن خسارتي على عمَارَة سورها فَأرْسل السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل إِن نزلُوا عَن عسقلان فَصَالحهُمْ فَإِن الْعَسْكَر قد ضجر من مُلَازمَة البيكار والنفقات قد نفدت ثمَّ إِن الإنكلتير نزل عَن عسقلان وَعَن الْعِوَض عَنْهَا واستوثق مِنْهُ على ذَلِك فأحضر السُّلْطَان الدِّيوَان يَوْم السبت ثامن عشر شعْبَان وَذكر يافا وعملها وَأخرج الرملة مِنْهَا ولد ومجدل يابا ثمَّ ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وعملها وحيفا وعملها وعكا وعملها وَأخرج مِنْهَا الناصرة وصفورية وَأثبت الْجَمِيع فِي ورقة وَقَالَ للرسول هَذِه حُدُود الْبِلَاد الَّتِي تبقى فِي أَيْدِيكُم فَإِن صالحتم على ذَلِك فمبارك وَقد أَعطيتكُم يَدي فَينفذ الْملك من يحلف فِي بكرَة غَد وَإِلَّا فنعلم أَن هَذَا تدفيع ومماطلة وَكَانَ من الْقَاعِدَة أَن تكون عسقلان خرابا وَأَن يتَّفق أَصْحَابنَا وأصحابهم على خرابها وَاشْترط دُخُول بِلَاد الاسماعيلية واشترطوا هم دُخُول صَاحب أنطاكية وطرابلس فِي الصُّلْح وَشرط أَن تكون الرملة ولد بَين الْمُسلمين وَبينهمْ مُنَاصَفَة

стр. 1649

واستقرت الْقَاعِدَة على أَنهم يحلفُونَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان وَرَضي الاستبارية والداوية وَسَائِر مقدمي الافرنجية بذلك وَلم يحلف الانكلتير بل أخذُوا يَده وَعَاهَدُوهُ وَاعْتذر بِأَن الْمُلُوك لَا يحلفُونَ وقنع من السُّلْطَان بِمثل ذَلِك ثمَّ حلف الْجَمَاعَة فَحلف الكند هري ابْن أُخْته الْمُسْتَخْلف عَنهُ فِي السَّاحِل وباليان بن بارزان ابْن صَاحِبَة طبرية وَوصل ابْن الهنفري وَابْن بارزان وَجَمَاعَة من مقدميهم إِلَى السُّلْطَان فَأخذُوا يَده على الصُّلْح واقترحوا حلف جمَاعَة الْعَادِل وَالْأَفْضَل وَالظَّاهِر والمنصور وَسيف الدّين المشطوب ودلدرم وَابْن الْمُقدم وَصَاحب شيزر وكل مجاور لبلادهم وَحلف لصَاحب أنطاكية وطرابلس وعلق الْيَمين بِشَرْط حلفهم للْمُسلمين قَالَ وَوصل رَسُول سيف الدّين بكتمر صَاحب خلاط يُبْدِي الطَّاعَة والموافقة وتسيير الْعَسْكَر وَحضر رَسُول الكرج وَذكر فصلا فِي معنى الديارات الَّتِي لَهُم فِي الْقُدس وعمارتها وَشَكوا من أَنَّهَا أخذت من أَيْديهم وَيسْأل ردهَا إِلَى أَيدي نوابهم وَرَسُول صَاحب أرزن الرّوم يبْذل الطَّاعَة والعبودية قَالَ الْعِمَاد وعقدت هدنة عَامَّة فِي الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر وَجعل لَهُم من يافا إِلَى قيسارية إِلَى عكا إِلَى صور وأدخلوا فِي الصُّلْح أطرابلس وأنطاكية وَوَقعت الْمُصَالحَة مُدَّة ثَلَاث

стр. 1650

سِنِين وَثَلَاثَة أشهر أَولهَا مُبْتَدأ أيلول الْمُوَافق للحادي وَالْعِشْرين من شعْبَان قَالَ وَكَانَ الفرنج قد ملؤوا يافا من الرِّجَال والأسلحة والأقوات ليتقووا بهَا على فتح الْقُدس لتَكون لَهُم ظهرا وعونا لقربها من الْبَيْت الْمُقَدّس قلت وَمن الْأَلْفَاظ الْفَاضِلِيَّةِ وَقد فعلت الأقدار فِي رياضة عرائكهم مَا كَانَ سَببه هَذِه الحركات الْمُبَارَكَة وَكَيف يشنع ملك إنكلتير بالغدر وَهُوَ - لَعنه الله - قد أَتَى بأقبح الْغدر وأفحشه فِي أهل عكا نَهَارا جهارا وَشهد فِيهَا بخزيته وفضيحته الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى وغدر الفرنج مَعْلُوم (إِذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... وَمن عهدها أَن لَا يَدُوم لَهَا عهد) الْقَوْم هادنوا لما ضعفوا ويفسخون إِذا قووا وَنحن نَنْتَظِر فِي ملك إنكلتير مَا تفصح عَنهُ الْمَقَادِير فِي أمره إِمَّا الْهَلَاك وشاباش لَهَا فَيلقى الْأَحِبَّة المركيس ودوك وَملك الألمان وَيُؤْنس فِي النَّار غربتهم وَيكثر عدتهمْ وَإِمَّا أَن يعافى وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَهُوَ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يرجع إِلَى لعنة الله وَإِلَى مُرُوءَة الْبَحْر فِي تغريقه وَإِمَّا أَن يُقيم فهنالك قد أبدى الشَّرّ

стр. 1651

ناجذيه ونكص الملعون من الْوَفَاء على عَقِبَيْهِ وانتظر الفرصة لتنتهز والعورة ليثب وَمِمَّا قيل فِي هَذِه الْهُدْنَة أَبْيَات من قصيدة نجم الدّين يُوسُف بن الْحُسَيْن ابْن المجاور الَّتِي تقدّمت فِي فتح الْبَيْت الْمُقَدّس وَهِي (يَا صَاح قل للانكلتير الْكَلْب دع ... عَنْك الْجُنُون وَخذ مقَالَة منصف) (الْقُدس مَا فِيهِ لسرجك مطمع ... كلا وَلَا نور الاله بمنطفي) (وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى فَعَنْهُ تقص من ... وَقع الدبابيس الأليمة تعرف) (واستفت نَفسك فَهِيَ أَخبث نَاصح ... واترك مُتَابعَة اللجاج الْمُتْلف) (واعجب لرمح بالرؤوس معمم ... واطرب لسيف بالدماء مغلف) (قد قلت لما قيل صلح قد جرى ... هَذَا حَدِيث مجزف ومحرف) (سلف تولى السَّيْف عقد شُرُوطه ... أحبب بِهِ من مُسلم ومسلف) (ظنوه سلما وَهُوَ فِي أَرْوَاحهم ... سلم إِلَى أجل لَهُم متخلف) وَذكر أَبُو الْحسن ابْن الساعاتي الإنكلتير هَذَا فِي شعره فِي قصيدة مدح بهَا السُّلْطَان - رحمهمَا الله - يَقُول فِيهَا (منعت ظباء المنحنى بأسوده ... وَأَشد مَا أشكوه فتك ظبائه) (فعلت بِنَا وَهِي الصّديق لحاظها ... كضبي صَلَاح الدّين فِي أعدائه)

стр. 1652

(سل عَنهُ قلب الانكتار فَإِن فِي ... خفقانه مَا شِئْت من أنبائه) (لولاك أم الْبَيْت غير مدافع ... ولسال سيل نداك فِي بطحائه) (وبكت جفون الْقُدس ثَانِيَة دَمًا ... لترنم الناقوس فِي أفنائه) فصل فِيمَا جرى بعد الْهُدْنَة قَالَ القَاضِي أَمر السُّلْطَان أَن يُنَادى فِي الوطاقات والأسواق أَلا إِن الصُّلْح قد انتظم فَمن شَاءَ من بِلَادهمْ يدْخل بِلَادنَا فَلْيفْعَل وَمن شَاءَ من بِلَادنَا يدْخل إِلَى بِلَادهمْ فَلْيفْعَل وأشاع ﵀ أَن طَرِيق الْحَج قد فتح من الشَّام وَوَقع لَهُ عزم الْحَج فِي ذَلِك الْمجْلس وَكنت حَاضرا ذَلِك جَمِيعه وَأمر أَن يسير مئة نقاب لتخريب سور عسقلان مَعَهم أَمِير كَبِير ولاخراج الفرنج مِنْهَا وَيكون مَعَهم جمَاعَة من الفرنج إِلَى حِين وُقُوع الخراب فِي السُّور خشيَة من استبقائه عَامِرًا فَفعل ذَلِك وَخَربَتْ وَكَانَ يَوْم الصُّلْح يَوْمًا مشهودا غشي النَّاس من الطَّائِفَتَيْنِ من الْفَرح وَالسُّرُور مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَالله الْعَلِيم أَن الصُّلْح لم يكن من إيثاره فَإِنَّهُ قَالَ لي فِي عض محاوراته فِي الصُّلْح أَخَاف أَن أصالح وَمَا أَدْرِي أيش يكون مني فيقوى هَذَا الْعَدو وَقد بَقِي

стр. 1653

لَهُم هَذِه الْبِلَاد فَيخْرجُونَ لاستعادة بَقِيَّة بِلَادهمْ وَترى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة قد قعد فِي رَأس تله - يَعْنِي حصنه - وَقَالَ لَا أنزل وَيهْلك الْمُسلمُونَ فَهَذَا كَلَامه وَكَانَ كَمَا قَالَ ﵀ لكنه رأى الْمصلحَة فِي الصُّلْح لسأم الْعَسْكَر ومظاهرتهم بالمخالفة وَكَانَ مصلحَة فِي علم الله تَعَالَى فَإِنَّهُ اتّفقت وَفَاته بعيد الصُّلْح وَلَو كَانَ اتّفق ذَلِك فِي أثْنَاء الوقعات لَكَانَ الْإِسْلَام على خطر فَمَا كَانَ الصُّلْح إِلَّا تَوْفِيقًا وسعادة من الله رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورحل السُّلْطَان إِلَى النطرون وَاخْتَلَطَ العسكران وَذهب جمَاعَة من الْمُسلمين إِلَى يافا فِي طلب التِّجَارَة وَوصل خلق عَظِيم من الْعَدو إِلَى الْقُدس لِلْحَجِّ وَفتح السُّلْطَان لَهُم الْبَاب فِي ذَلِك وَنفذ مَعَهم الخفراء يحفظونهم حَتَّى يردوهم إِلَى يافا وَكَانَ غَرَض السُّلْطَان بذلك أَن يقضوا وطرهم من الزِّيَارَة ويرجعوا إِلَى بِلَادهمْ فَيَأْمَن الْمُسلمُونَ شرهم وَلما علم الْملك كَثْرَة من يزور مِنْهُم صَعب عَلَيْهِ ذَلِك وسير إِلَى السُّلْطَان يسْأَله منع الزوار واقترح أَن لَا يَأْذَن لأحد إِلَّا بعد حُضُور عَلامَة من جَانِبه أَو بكتابه وَعلمت الفرنجيه ذَلِك فَعظم عَلَيْهَا واهتموا فِي الْحَج فَكَانَ يرد فِي كل يَوْم مِنْهُم جموع كَثِيرَة مقدمون وأوساط وملوك متنكرون وَشرع السُّلْطَان فِي إكرام من يرد

стр. 1654

وَمد الطَّعَام لَهُم ومباسطتهم ومحادثتهم وعرفهم إِنْكَار الْملك ذَلِك وَأذن لَهُم السُّلْطَان فِي الْحَج وعرفهم أَنه لم يلْتَفت إِلَى منع الْملك من ذَلِك وَاعْتذر إِلَى الْملك بِأَن قوما قد وصلوا من ذَلِك الْبعد وَيسر لَهُم زِيَارَة هَذَا الْمَكَان الشريف لَا اسْتحلَّ مَنعهم ثمَّ اشْتَدَّ الْمَرَض بِالْملكِ فَرَحل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من شعْبَان وَقيل إِنَّه مَاتَ وَسَار هُوَ والكند هري وَسَائِر المقدمين إِلَى جَانب عكا وَلم يبْق فِي يافا إِلَّا مَرِيض أَو عَاجز وَنَفر يسير ثمَّ أعْطى السُّلْطَان للنَّاس دستورا فَسَار عَسْكَر إربل والموصل وسنجار والحصن وأشاع ﵀ أَمر الْحَج وَقَوي عزمه على بَرَاءَة الذِّمَّة مِنْهُ قَالَ القَاضِي وَكَانَ هَذَا مِمَّا وَقع لي وبدأت بالاشارة بِهِ فِي يَوْم تَتِمَّة الصُّلْح وَوَقع مِنْهُ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - موقعا عَظِيما وَأمر الدِّيوَان أَن كل من عزم على الْحَج من الْعَسْكَر يثبت اسْمه حَتَّى نحصي عدَّة من يدْخل مَعنا الطَّرِيق وَكتب جرائد بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الطَّرِيق من الْخلْع والأزواد وَغير ذَلِك وسيرها إِلَى الْبِلَاد ليعدوها ورحل من النطرون رَابِع شهر رَمَضَان وَسَار حَتَّى أَتَى مار صمويل يفتقد أَخَاهُ الْعَادِل وَكَانَ مَرِيضا بهَا فَوَجَدَهُ قد سَار إِلَى الْقُدس وَكَانَ قد انْقَطع عَن أَخِيه مُدَّة بِسَبَب الْمَرَض وَكَانَ قد تماثل فَعرف بمجيء السُّلْطَان إِلَى مار صمويل لعيادته فَحمل على

стр. 1655

نَفسه وَسَار حَتَّى لقِيه بذلك الْمَكَان وهوأول وُصُوله وَلم ينزل بعد وَنزل وَقبل الأَرْض وَعَاد ركب فاستدناه وَسَأَلَهُ عَن مزاجه وسارا جَمِيعًا حَتَّى أَتَيَا الْقُدس بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَقَالَ الْعِمَاد عَاد السُّلْطَان بعد السّلم إِلَى الْقُدس لتفقد أَحْوَاله وَعرض رِجَاله واشتغل بتشييد أسواره وتحصينها وتخليد آثاره وتحسينها وتعميق خنادقه وتوثيق طرائقه وَزَاد فِي وقف الْمدرسَة سوقا بدكاكينها وأرضا ببساتينها وَكَذَلِكَ رتب أَحْوَال الصُّوفِيَّة فِي رعايتها وَالْوَقْف الكافل بكفايتها وَعين الْكَنِيسَة الَّتِي فِي شَارِع قمامة للبيمارستان وَنقل إِلَيْهِ العقاقير والأدوية من جَمِيع الْأَنْوَاع والألوان وأدار سور الْقُدس على قبَّة صهيون وأضافها إِلَى الْمَدِينَة وَأمر بإدارة الْخَنَادِق على الْجَمِيع وصمم الْعَزْم على الْحَج فَلم يُوَافقهُ الْقدر وتأسف على فَوَاته بعد أَن قدم مقدماته وَأقَام شهر رَمَضَان وأفاض الاحسان وفوض ولَايَة الْقُدس وأعمالها إِلَى عز الدّين جرديك حِين استعفى مِنْهَا حسام الدّين سياروخ وَولى مَمْلُوكه علم الدّين قَيْصر مَا دون الْقُدس كعمل الْخَلِيل وغزة والداروم وعسقلان قلت وَلما بلغ القَاضِي الْفَاضِل من قبل السُّلْطَان أَنه عازم

стр. 1656

على الْحَج كتب إِلَيْهِ مُشِيرا بتبطيله إِن الفرنج لم يخرجُوا بعد من الشَّام وَلَا سلوا عَن الْقُدس وَلَا وثق بعهدهم فِي الصُّلْح فَلَا يُؤمن مَعَ بَقَاء الفرنج على حَالهم وافتراق عسكرنا وسفر سلطاننا سفرا مُقَدرا مَعْلُوما مُدَّة الْغَيْبَة فِيهِ أَن يسروا لَيْلَة فيصبحوا الْقُدس على غَفلَة فيدخلوا إِلَيْهِ - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - ويفرط من يَد الْإِسْلَام وَيصير الْحَج كَبِيرَة من الْكَبَائِر الَّتِي لَا تغْفر وَمن العثرات الَّتِي لَا تقال ثمَّ قَالَ وحاج الْعرَاق وخراسان أَلَيْسَ هم مئتي ألف أَو ثَلَاث مئة ألف أَو أَكثر هَل يُؤمن أَن يُقَال قد سَار السُّلْطَان لطلب ثار وَسَفك دم وتشويش موسم فاقعدوا فَيكون تَارِيخ سوء أعوذ بِاللَّه مِنْهُ مَا هَذِه الشناعة ممتنعة الْوُقُوع وَلَا مستبعدة من الْعُقُول السخيفة فينعم الْمولى بتأمل مَا أنهاه الْمَمْلُوك مَسْتُورا فانه يسْأَل مَوْلَانَا أَن لَا يُشَارك أحدا فِيمَا يَكْتُبهُ لَا من مُهِمّ وَلَا من غير مُهِمّ يَا مَوْلَانَا مظالم الْخلق كشفها أهم من كل مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله وَمَا هِيَ بِوَاحِدَة فِي أَعمال دمشق من مظالم من الفلاحين مَا يستغرب مَعَه وُقُوع الْقطر وَمن تسلط المقطعين على المنقطعين مَا

стр. 1657

لَا يُنَادى وليده وَفِي وَادي بردى والزبداني من الفتنه الْقَائِمَة وَالسيف الَّذِي يقطر دَمًا مَا لَا زاجر عَنهُ وللمسلمين ثغور تُرِيدُ التحصين والذخيرة وَمن الْمُهِمَّات إِقَامَة وُجُوه الدخل وَتَقْدِير الخرج بحسبها فَمن المستحيل نَفَقَة من غير حَاصِل وَفرع من غير أصل وَهَذَا أَمر قد تقدم فِيهِ حَدِيث كثير وَعرضت للْمولى شواغل دونه ومشت الْأَحْوَال مشيا على ظلع فَلَمَّا خلت النوب - أعاذ الله من عودهَا - كَانَ خلو بَيت المَال أَشد مَا فِي الشدَّة وَلَيْسَ الْمَمْلُوك مطالبا بذخيرة تحصل إِنَّمَا يطْلب تمشية من حَيْثُ تَسْتَقِر قلت وَلم يزل الْبَيْت الْمُقَدّس - شرفه الله تَعَالَى - ملحوظا بالعمارة والتحصين من عهد السُّلْطَان ﵀ إِلَى سنة سِتَّة عشرَة وست مئة فَإِنَّهُ خرب فِي الْمحرم مِنْهَا بِسَبَب خُرُوج الفرنج - لعنهم الله - وانتشارهم فِي الْبِلَاد فخيف من استيلائهم عَلَيْهِ وَفِي السّنة الَّتِي قبلهَا توفّي الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب أَخُو السُّلْطَان وتشتت النَّاس بعد خرابه وَرَغبُوا عَن السُّكْنَى بِهِ

стр. 1658

ورثاه الرئيس الْفَاضِل شهَاب الدّين أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن مُحَمَّد المجاور بقصيدة حَسَنَة مِنْهَا (أعيني لَا ترقى من العبرات ... صلي فِي البكا الأصال بالبكرات) (لَعَلَّ سيول الدمع يطفئ فيضها ... توقد مَا فِي الْقلب من جمرات) (وَيَا قلب أَسعر نَار وَجدك كلما ... خبت بادكار يبْعَث الحسرات) (وَيَا فَم بح بالشجو مِنْك لَعَلَّه ... يروح مَا ألْقى من الكربات) (على الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي جلّ قدره ... على موطن الاخبات والصلوات) (على منزل الْأَمْلَاك وَالْوَحي وَالْهدى ... على مشْهد الأبدال والبدلات) (على سلم الْمِعْرَاج والصخرة الَّتِي ... أنافت بِمَا فِي الأَرْض من صخرات) (على الْقبْلَة الأولى الَّتِي اتجهت لَهَا ... صَلَاة البرايا فِي اخْتِلَاف جِهَات) (على خير معمور وَأكْرم عَامر ... وأشرف مَبْنِيّ لخير بناة) (وَمَا زَالَ فِيهِ لِلنَّبِيِّينَ معبد ... يوالون فِي أرجائه السجدات) (عَفا الْمَسْجِد الْأَقْصَى الْمُبَارك حوله الرفيع ... الْعِمَاد العالي الشرفات) (عَفا بَعْدَمَا قد كَانَ للخير موسما ... وللبر والاحسان والقربات) (يوافي إِلَيْهِ كل أَشْعَث قَانِت ... لمَوْلَاهُ بر دَائِم الخلوات) (خلا من صَلَاة لَا يمل مقيمها ... توشح بِالْآيَاتِ والسورات)

стр. 1659

(خلا من حنين التائبين وحزنهم ... فَمن بَين نواح وَبَين بكاة) (لتبك على الْقُدس الْبِلَاد بأسرها ... وتعلن بالأحزان والترحات) (لتبك عَلَيْهَا مَكَّة فَهِيَ أُخْتهَا ... وتشكو الَّذِي لاقت إِلَى عَرَفَات) (لتبك على ماحل بالقدس طيبَة ... وتشرحه فِي أكْرم الحجرات) (لقد أشمتوا عكا وصور بهدمها ... وَيَا طالما غادتهما بشمات) (لقد شتتوا عَنْهَا جمَاعَة أَهلهَا ... وكل اجْتِمَاع مُؤذن بشتات) (وَقد هدموا مجد الصّلاح بهدمها ... وَقد كَانَ مجدا باذخ الغرفات) (وَقد أخمدوا صَوتا وصيتا أثاره ... لَهُم عظم مَا والوا من الْغَزَوَات) (أما علمت أَبنَاء أَيُّوب أَنهم ... بمسعاته عدوا من السروات) (وَأَن افْتِتَاح الْقُدس زهرَة ملكهم ... وَهل ثَمَر إِلَّا من الزهرات) (فَمن لي بنواح يَنحن على الَّذِي ... شجاني بِأَصْوَات لَهُنَّ شجاة) (يرددن بَيْتا للخزاعي قَالَه ... يؤبن فِيهِ خيرة الْخيرَات) (مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة ... ومنزل وَحي مقفر العرصات) قلت هَذَا الْبَيْت الْأَخير لدعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ فِي أول قصيدة يرثي بهَا أهل بَيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1660

وَهَذِه السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا الْعَادِل قبل الَّتِي خرب فِيهَا الْقُدس هِيَ السّنة الَّتِي نزل فِيهَا الفرنج - خذلهم الله - على ثغر دمياط حرسه الله تَعَالَى وَهِي الْمرة الأولى فِي زَمَاننَا وَأَقَامُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن استولوا عَلَيْهِ بعد أَن جرى لَهُم عَلَيْهِ نَحْو مِمَّا جرى لَهُم على عكا ثمَّ أَخذه الْمُسلمُونَ مِنْهُم وَقتلُوا وأسروا ثمَّ إِن الفرنج استولوا عَلَيْهِ صلحا فِي سنة خمس وَعشْرين وست مئة وشرعوا فِي بِنَاء طَائِفَة مِنْهُ ثمَّ أخرجُوا مِنْهُ عنْوَة مرَّتَيْنِ أخرجهم فِي إِحْدَى الْمَرَّتَيْنِ مِنْهُ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد بن الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَقَالَ فِيهِ حِينَئِذٍ بعض شعراء الْعَصْر هَذَا الشَّاعِر هوالصاحب جمال الدّين يحيى بن

стр. 1661

عِيسَى بن مطروح - رَحمَه الله تَعَالَى (الْمَسْجِد الْأَقْصَى لَهُ عَادَة ... سَارَتْ فَصَارَت مثلا سائرا) (إِذا غَدا للكفر مستوطنا ... أَن يبْعَث الله لَهُ ناصرا) (فناصر طهره أَولا ... وناصر طهره آخرا) ثمَّ استولى الفرنج أَيْضا على طبرية وعسقلان ثمَّ أخذتا مِنْهُم عنْوَة فِي شهور سنة خمس وَأَرْبَعين وست مئة فِي دولة الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَقد استولوا أَيْضا على الشقيف وصفد وَالله يسهل عودهما إِلَى أهل الْإِسْلَام وَيُؤَيّد الدّين الحنيفي على ممر الْأَيَّام فصل فِي مسير السُّلْطَان ﵀ من الْقُدس إِلَى دمشق قَالَ الْعِمَاد وَلما استتم السُّلْطَان النّظر فِي أَحْوَال الْقُدس وعمارته وفوض الْقَضَاء وَالنَّظَر فِي الْوُقُوف إِلَى القَاضِي بهاء الدّين يُوسُف بن رَافع بن تَمِيم وعول مِنْهُ على أَمِين كريم آثر أَن يعود إِلَى دمشق على الثغور عابرا وَفِي أحوالها نَاظرا

стр. 1662

وَكَانَ عزم على الْحَج وصمم وَكتب إِلَى مصر واليمن بِمَا عَلَيْهِ عزم وَأمر أَن يحمل لَهُ فِي المراكب كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الأزواد والنفقات وَالثيَاب والكسوات فَقيل لَهُ لَو كتبت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعلمته بحجك وعرفته بنهجك حَتَّى لَا يظنّ بك أَمر أَنْت مِنْهُ بَرِيء وَيعلم أَن قصدك فِي الْمُضِيّ مضيء وَالْوَقْت قد ضَاقَ ويبلغ الْخَبَر الْآفَاق ثمَّ هَذِه الْبِلَاد إِذا سَافَرت تركتهَا على مَا بهَا من الشعث وَهَذِه المعاقل الَّتِي فِي الثغور حفظهَا من أهم الْأُمُور وَلَا تغتر بِعقد الْهُدْنَة فَإِن الْقَوْم على ترقب المكنة والغدر دأبهم فَمَا زَالَ بِهِ الْجَمَاعَة حَتَّى حلوا عقد عزمه على الْحَج فشرع فِي تَرْتِيب قَاعِدَة الْقُدس فِي ولَايَته وعمارته ثمَّ خرج من الْقُدس يَوْم الْخَمِيس خَامِس شَوَّال وَجَاوَزَ نَاحيَة البيرة وَبَات على بركَة الداوية وَنزل يَوْم الْجُمُعَة بِظَاهِر نابلس وَأقَام بهَا إِلَى ظهر يَوْم السبت حَتَّى كشف مظالم ووظف مَكَارِم وَكَانَ بهَا سيف الدّين المشطوب وشكا أَهلهَا نَوَائِب من جِهَته تنوب فأزال الشكوى وأزاح الْبلوى ورحل بعد ظهر السبت وَبَات عِنْد عقبَة ظهر حمَار بِموضع يعرف بالفريديسة ورتعنا فِي مروجها الأنيسة وأصبحنا راحلين ونزلنا ضحوة على جينين وَهُنَاكَ وَدعنَا المشطوب وداع الْأَبَد فَإِنَّهُ انْتقل بعد أَيَّام إِلَى رَحْمَة الْوَاحِد الصَّمد

стр. 1663

وَجِئْنَا ضحوة الِاثْنَيْنِ إِلَى بيسان وَصعد إِلَى قلعتها المهجورة الخالية فأبصر قللها الْعَالِيَة وَقَالَ الصَّوَاب بِنَاء هَذِه وتخريب كَوْكَب ثمَّ رَحل ظهرا وَبَات بقلعة كَوْكَب وَصعد نظر رَأْيه فِيهَا وَصوب ورحل ضحوة الثُّلَاثَاء وَنزل بطبرية وَقت الْعشَاء وَهُنَاكَ لَقينَا بهاء الدّين قراقوش وَقد خرج من الْأسر فتلقيناه بالبشر وَالْبر وَوصل مَعَ السُّلْطَان إِلَى دمشق وَأقَام إِلَى أَن خلص أَصْحَابه من الْأسر وَتوجه إِلَى مصر وَقد صان نَفسه ببذل مَاله وَأخرج ثروته وَدخل فِي إقلاله قَالَ وتوالت تِلْكَ اللَّيْلَة الأمطار وواصلها النَّهَار فَأَقَمْنَا يَوْم الْأَرْبَعَاء وسرنا بكرَة الْخَمِيس ونزلنا بسفح الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ قلعة صفد وَصعد إِلَيْهَا وكمل فِيهَا الرِّجَال وَالْعدَد ثمَّ سَار يَوْم الْجُمُعَة على طَرِيق جبل عاملة إِلَى قلعة تبنين وَجَاز يَوْم الْأَحَد على هونين وخيمنا على عين الذَّهَب عِنْد نزولنا من الْجَبَل واجتمعنا تِلْكَ اللَّيْلَة بالثقل ثمَّ سرنا إِلَى مرج عُيُون مرحلة وَإِلَى جسر كامد منزلَة وطريقنا بَين عمل صيدا ووادي التيم وطلعنا من تِلْكَ الأودية والشعاب طُلُوع الْأَنْوَار من الْغَيْم

стр. 1664

وَقَالَ فِي الْفَتْح عبرنا عمل صيدا يسرة وَعمل وَادي التيم يمنة وعرسنا على مرج تلفياثا مُقَابل مرج القنعبة ودفعنا إِلَى سلوك المسالك الصعبة ورحلنا يَوْم الثُّلَاثَاء إِلَى الْبِقَاع فخيمنا على جسر كامد وَيَوْم الْأَرْبَعَاء بِنَاحِيَة قب إلْيَاس وَدخل يَوْم الْخَمِيس بيروت وَبهَا وإليها عز الدّين سامة فاهتم لَهُ بالكرامة وَلما أَرَادَ عَن بيروت الِانْفِصَال فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال قيل لَهُ إِن الابرنس الْأَنْطَاكِي بيمند مَعَ عِصَابَة من الْوَفْد وصل إِلَى الْخدمَة مستمسكا بِحَبل الْعِصْمَة فَثنى عنانه وَنزل وَأقَام وَمَا ارتحل وَأذن للابرنس فِي الدُّخُول وشرفه فِي حَضرته بالمثول وقربه وآنسه وَرفع مَجْلِسه وَكَانَ مَعَه من مقدمي فرسانه أَرْبَعَة عشر بارونيا فوهب كلا مِنْهُم تَشْرِيفًا سريا وأجزل لَهُ وَلَهُم الْعَطاء وَأبْدى بهم الاعتناء وَكتب لَهُ من مناصفات أنطاكية معيشة بمبلغ عشْرين ألف دِينَار وَخص أَصْحَابه بمبار وَأَعْجَبهُ استرساله إِلَيْهِ ودخوله بِغَيْر أَمَان عَلَيْهِ فَلَا جرم تَلقاهُ بالاحسان وَوَافَقَهُ وودعه يَوْم الْأَحَد وفارقه وَكَانَت الأثقال قد انْتَقَلت من قب إلْيَاس إِلَى مرج فلميطية من الْبِقَاع فَبَاتَ بمخيمه وَعبر يَوْم الِاثْنَيْنِ عين الْجَرّ إِلَى مرج يبوس وَقد زَالَ البوس وَهُنَاكَ توافد أَعْيَان دمشق وأماثلها وأفاضلها وفواضلها

стр. 1665

ونزلنا يَوْم الثُّلَاثَاء بالعرادة وَجرى الملتقون بالطرف والتحف على الْعَادة وأصبحنا يَوْم الْأَرْبَعَاء إِلَى جنَّة دمشق داخلين بِسَلام آمِنين لَوْلَا أننا غير خَالِدين وَكَانَت غيبَة السُّلْطَان عَنْهَا طَالَتْ أَربع سِنِين فأخرجت دمشق أثقالها وأبرزت نساءها ورجالها فَكَانَ يَوْم الزِّينَة وَخرج كل من فِي الْمَدِينَة وَحشر النَّاس ضحى وأشاعوا استبشارا وفرحا وَكَانَت غيبَة السُّلْطَان فِي الْجِهَاد طَالَتْ فاهتزت بقدومه واختالت وقرت بفضائله الْأَعْين وأقرت بفواضله الألسن وأبدوا وُجُوه الاستبشار وألسن الاسْتِغْفَار وأعين الاستعبار وَرفعُوا أَيدي الابتهال بِصَالح الدُّعَاء عَن خَالص الْوَلَاء وَجَاء ربيع الْفضل فِي فصل الخريف واتصل تليد الْجد بالطريف واتسع فضاء الْفَضَائِل وارتدع جاه الْجَاهِل وَحل فِي القلعة حُلُول الشَّمْس فِي برجها وَأخذت بحار سماحه فِي موجها وَجلسَ فِي دَار الْعدْل فَأجَاب وأجار وأنال وأنار وَخرجت السّنة وَالسُّلْطَان فِي أَسْنَى سنائه وأبهى جَلَاله وَأجلى بهائه وَالنَّاس راتعون فِي رياض نعمائه ورسل المماليك الغربية والشرقية يخطبونه ويطلبونه وينتظرون عزمه ويرقبونه وَهُوَ يعدهم بانحسار الشتَاء وانكساره وابتسام ثغر الرّبيع وافتراره وأقمنا على هَذَا الْعَزْم إِلَى آخر السّنة وَالسُّلْطَان مشتغل بالصيد والقنص منتهز من الْعُمر للفرص وَقرب الْعلمَاء وَأكْرم

стр. 1666

الْفُضَلَاء وَفضل الكرماء وَمَا كَانَ أحسن إِلَى الْحق إصغاءه وأسرع للباطل إلغاءه وَقَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن أَقَامَ السُّلْطَان بالقدس يقطع النَّاس ويعطيهم دستورا ويتأهب للمسير إِلَى الديار المصرية وَانْقطع تشوفه إِلَى الْحَج وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى صَحَّ عِنْده إقلاع مركب الإنكلتير المخذول مُتَوَجها إِلَى بِلَاده فِي مستهل شَوَّال فَعِنْدَ ذَلِك حرر السُّلْطَان عزمه على أَن يدْخل السَّاحِل جَرِيدَة ويتفقد القلاع البحرية إِلَى بانياس وَيدخل دمشق يُقيم بهَا أَيَّامًا قَلَائِل وَيعود إِلَى الْقُدس الشريف سائرا إِلَى الديار المصرية لتفقد أحوالها وَتَقْرِير قواعدها وَالنَّظَر فِي مصالحها قَالَ وَأَمرَنِي بالْمقَام بالقدس إِلَى حِين عوده لعمارة بيمارستان أنشأه فِيهِ وإدارة الْمدرسَة الَّتِي أَنْشَأَهَا فِيهِ إِلَى حِين عوده وَخرج من الْقُدس وودعته إِلَى البيرة وَنزل بهَا ثمَّ ذكر إِزَالَته للمظالم عَن بلد نابلس ثمَّ رَحل وَنزل بسبسطية فتفقد أحوالها ثمَّ أَتَى فِي طَرِيقه إِلَى كَوْكَب فِي عَاشر شَوَّال وانفك بهاء الدّين قراقوش من الْأسر حادي عشر شَوَّال وَمثل بِالْخدمَةِ السُّلْطَانِيَّة ففرح بِهِ فَرحا شَدِيدا وَكَانَ لَهُ حُقُوق

стр. 1667

كَثِيرَة على السُّلْطَان وَالْإِسْلَام وَاسْتَأْذَنَ السُّلْطَان ﵀ فِي الْمسير إِلَى دمشق لتَحْصِيل القطيعة فَأذن لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَت القطيعة على مَا بَلغنِي ثَمَانِينَ ألفا قَالَ وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى بيروت وصل إِلَى خدمته الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية مسترفدا فَبَالغ فِي إكرامه وإحترامه ومباسطته وأنعم عَلَيْهِ بالعمق وأرزغان ومزارع تعْمل خَمْسَة عشر ألف دِينَار ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى دمشق بعد الْفَرَاغ من تصفح أَحْوَال القلاع الساحلية بأسرها والتقدم بسد خللها وَإِصْلَاح أُمُور أجنادها وإشحانها بِالرِّجَالِ فَدخل دمشق بكرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس عشري شَوَّال وفيهَا أَوْلَاده الْأَفْضَل والظافر وَالظَّاهِر وَأَوْلَاده الصغار وَكَانَ يحب الْبَلَد ويؤثر فِيهِ الاقامة على سَائِر الْبِلَاد وَجلسَ للنَّاس فِي بكرَة الْخَمِيس وَحضر النَّاس عِنْده وبلوا شوقهم من رُؤْيَته وأنشده الشُّعَرَاء وَعم ذَلِك الْمجْلس الْخَاص وَالْعَام وَأقَام ينشر جنَاح عدله ويهطل سَحَاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا فِي الْأَوْقَات الْمُعْتَادَة

стр. 1668

وَاتخذ الْأَفْضَل يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل ذِي الْقعدَة دَعْوَة لِأَخِيهِ الظَّاهِر وَكَانَ الظَّاهِر لما وصل دمشق بلغه حَرَكَة السُّلْطَان إِلَيْهَا فَأَقَامَ بهَا حَتَّى يتملى بِالنّظرِ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَكَأن نَفسه الشَّرِيفَة كَانَت قد أحست بدنو أجل السُّلْطَان فودعه فِي تِلْكَ الدفعة مرَارًا مُتعَدِّدَة وَهُوَ يعود إِلَيْهِ وَلما اتخذ الْأَفْضَل لَهُ الدعْوَة أظهر فِيهَا من بديع التجمل وغريبه مَا يَلِيق بهمته وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مجازاته عَمَّا خدمه بِهِ حِين وصل إِلَى حلب المحروسة وحضرها أَرْبَاب الدُّنْيَا وَأَبْنَاء الْآخِرَة وَسَأَلَ السُّلْطَان ﵀ الْحُضُور فَحَضَرَ جبرا لِقَلْبِهِ قَالَ وَكَانَ الْعَادِل قد اسْتَأْذن السُّلْطَان فِي أَوَاخِر رَمَضَان فِي الْقُدس بالمضي إِلَى الكرك لتفقدها فَمضى وَأمر باصلاح مَا قصد إِصْلَاحه وَعَاد طَالبا الْمُضِيّ إِلَى الْبِلَاد الفراتية الَّتِي أعطَاهُ السُّلْطَان إِيَّاهَا فوصل دمشق سَابِع عشر ذِي الْقعدَة وَخرج السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه وَأقَام يتصيد حول غباغب إِلَى الْكسْوَة حَتَّى لقِيه وسارا جَمِيعًا يتصيدان وَكَانَ دخولهما إِلَى دمشق فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين مِنْهُ وَأقَام السُّلْطَان بِدِمَشْق يتصيد هُوَ وَأَخُوهُ وَأَوْلَاده ويتفرجون فِي أَرَاضِي دمشق ومواطن الصِّبَا وَكَأَنَّهُ وجد بِهِ رَاحَة مِمَّا كَانَ فِيهِ من مُلَازمَة التَّعَب وَالنّصب وسهر اللَّيْل وَنصب النَّهَار وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا كالوداع لأولاده ومرابع نزهه وَهُوَ لَا يشْعر - رَحْمَة الله

стр. 1669

عَلَيْهِ وَنسي عزمه الْمصْرِيّ وَعرض لَهُ أُمُور أخر وعزمات غير تِلْكَ ووصلني كِتَابه إِلَى الْقُدس يستدعيني إِلَى خدمته وَكَانَ شتاء شَدِيدا ووحلا عَظِيما قلت وَفِي عيد الْأَضْحَى من هَذِه السّنة أنْشدهُ الرشيد النابلسي قصيدة حَسَنَة على وزن قصيدة التهامي (حازك الْبَين حِين أَصبَحت بَدْرًا ...) يَقُول فِيهَا يَعْنِي قصيدته (وأبيها لَوْلَا تغزل عينيها ... لما قلت فِي التغزل شعرًا) (ولكانت مدائح الْملك النَّاصِر ... أولى مَا فِيهِ أعمل فكرا)

стр. 1670

(ملك طبق الممالك عدلا ... مثل مَا أوسع الْبَريَّة برا) ثمَّ قَالَ فِي آخرهَا (فتمل الأعياد صوما وفطرا ... وتلق الهناء عشرا ونحرا) (يامسر الطَّاعَات لله إِن أضحى ... مليك على الهناة مصرا) (نلْت مَا تبتغي من الدّين وَالدُّنْيَا ... فتيها على الْمُلُوك وفخرا) (قد جمعت المجدين أصلا وفرعا ... وملكت الدَّاريْنِ دنيا وَأُخْرَى) فصل فِي ذكر أُمُور جرت فِي هَذِه السّنة من وفيات وَغَيرهَا قَالَ الْعِمَاد فِي شهر ربيع الآخر توفّي القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمَعْرُوف بِابْن الْفراش من أهل دمشق قَاضِي الْعَسْكَر وَكَانَت وَفَاته بملطية وَهُوَ عَائِد من الرسَالَة إِلَى أَوْلَاد قليج أرسلان بالروم وَكَانَ هَذَا القَاضِي من أصدق الأصدقاء وَأكْرم الكرماء وَمَا فارقني من أَيَّام الْملك الْعَادِل نور الدّين ﵀ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَكنت بأحواله شَدِيد الاعتناء وتوصلت لَهُ عِنْد السُّلْطَان فِي تَخْصِيصه بالمواصلة الموصلية والمراسلة فِي المهام الْخفية والجلية ثمَّ تولى نِيَابَة عَن السُّلْطَان فِي الْولَايَة الشهرزورية وَالْحكم

стр. 1671

على المقطعين بهَا وإنصاف الرّعية فَلَمَّا فوضت إِلَى مظفر الدّين صَاحب إربل رَجَعَ شمس الدّين ودامت غيبته عَن الحضرة مُدَّة سبع سِنِين وَكَانَ تولى قَضَاء الْعَسْكَر مَوْضِعه بهاء الدّين بن شَدَّاد وَكَانَ خطب أَوْلَاد السُّلْطَان قليج أرسلان مهما عِنْد السُّلْطَان فاعتمد على القَاضِي شمس الدّين فِي الْوُصُول إِلَيْهِم وَالْحكم بتأليف ذَات بَينهم عَلَيْهِم فَمضى وَعَاد وأدركته الْمنية بِمَدِينَة ملطية قَالَ وَفِي يَوْم الْخَمِيس السَّادِس وَالْعِشْرين من شَوَّال توفّي الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد الهكاري الْمَعْرُوف بالمشطوب بنابلس وَقد سبق ذكر هَذَا الْأَمِير وبأسه وبسالته وإصابته وأصالته وإقدامه فِي الحروب وتقدمه فِي الخطوب وَقد حضر مَعَ أَسد الدّين شيركوه النوب الثَّلَاث الَّتِي فتح فِي آخرهَا مصر ولازم صَلَاح الدّين إِلَى مُنْتَهى الْعُمر وَلما احْتِيجَ إِلَى الْبَدَل فِي عكا لما ضجر من أَقَامَ بِهِ وتشكى أجَاب إِلَى دُخُوله وقابل الْأَمر بقبوله وَحصل بِقَضَاء الله فِي الْأسر واحتوت عَلَيْهِ قَبْضَة الْكفْر وفدى نَفسه بِخَمْسِينَ ألف دِينَار وَنَجَا وآتاه الله من نعمه خلاصه مَا رجا وأنعم السُّلْطَان عَلَيْهِ بنابلس وأعمالها وَخص بأموالها وغلالها وَحين جزنا بِهِ وَدعنَا عِنْد جينين وداع الْأَبَد إِلَى جنَّة عليين

стр. 1672

وَإِنَّمَا سمي مشطوبا لشطبة فِي وَجهه من أثر طعنة فِي غزَاة حضرها وَله مَوَاقِف فِي الْجِهَاد كَثِيرَة موفورة ومقامات مَشْهُودَة مَشْهُورَة ووقف السُّلْطَان بعده ثلث نابلس وأعمالها على مصَالح الْقُدس وأقطع وَلَده وأميرين مَعَه الثُّلثَيْنِ مُحَافظَة على حَقه الَّذِي الْتَزمهُ الْتِزَام الدّين وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَكَانَ السُّلْطَان خلف المشطوب بالقدس من جملَة الْعَسْكَر المقيمين بِهِ وَلم يكن واليه وَإِنَّمَا كَانَ واليه عز الدّين جرديك وَتُوفِّي المشطوب ﵀ بالقدس يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال وَدفن فِي دَاره بعد أَن صلي عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى قَالَ الْعِمَاد وَفِي منتصف شعْبَان توفّي سُلْطَان بِلَاد الرّوم عز الدّين قليج أرسلان بن مَسْعُود بن قليج أرسلان بقونية وَكَانَ أَوْلَاده لما كبروا تجبروا وَتفرد كل مِنْهُم باقليم فضعف بقوتهم وَعجز بقدرتهم وانخفض برفعتهم فانه فرق بِلَاده على جَمَاعَتهمْ طَمَعا فِي طاعتهم وَاخْتَارَ لتدبير ملكه اخْتِيَار الدّين حسن بن

стр. 1673

غفراس فحالفه عَلَيْهِ من أَوْلَاده قطب الدّين ملكشاه صَاحب سيواس فجَاء وَغلب على وَالِده وَأخذ عَلَيْهِ الأنفاس وَقَالَ لَهُ أَنا بَين يَديك عوض الأختيار ثمَّ أخلى مِنْهُ الديار ثمَّ أبعد عَن خدمَة وَالِده خواصه وأولياءه وأفنى بِالْقَتْلِ والاغتيال أمراءه وكبراءه واستخلصه لنَفسِهِ وَأَجْلسهُ على سَرِير ملكه وَهُوَ فِي حَبسه ثمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى قيصرية ليأخذها من أَخِيه وَأظْهر أَنه بِأَمْر أَبِيه فَوجدَ قليج أرسلان فرْصَة فِي خلاصه فساق وَحده وَدخل الْبَلَد وَنَجَا من الْوَلَد إِلَى الْوَلَد فَعَاد ملكشاه إِلَى قونية وأقصرا دَاري ملك أَبِيه فتملكهما وَلم يزل قليج أرسلان يتَحَوَّل من ولد إِلَى ولد وَمن بلد إِلَى بلد يتَرَدَّد فِي بِلَاده فِي ضِيَافَة أَوْلَاده وَكلهمْ يضجر مِنْهُ ويعرض عَنهُ حَتَّى حصل عِنْد وَلَده غياث الدّين كيخسرو صَاحب برغلو فَلَمَّا حَضَره وأبصره آواه وَنَصره وَجَاء بِهِ إِلَى قونية فَدَخلَهَا وحلى عطلها وَمَات بهَا فَجَلَسَ مَكَان وَالِده وَقَوي على أَخِيه قَالَ وَجَاء الرّبيع فِي شهر ربيع الأول فَكتب إِلَيّ نشو الدولة أَحْمد بن نفاذة أبياتا يدعوني إِلَى دمشق فِي خَامِس جُمَادَى الأولى وَقد دخل أَوَان المشمش وَهُوَ موسم دمشق الْمَشْهُود أَولهَا

стр. 1674

(دَعَا النَّاس للذات مشمش جلق ... فقد أَسْرعُوا من كل غرب ومشرق) (فَقُمْ يَا عماد الدّين تحظ بِأَكْلِهِ ... وَلَا تثن عَنهُ عَزمَة السّير تسبق) (وَقل حِين يَبْدُو أصفر اللَّوْن مشرقا ... وَيَا حسنه من أصفر اللَّوْن مشرق) (لأكلك مَا يلقى الْفُؤَاد وَمَا لَقِي ... وللتوت مَا لم يبْق مني وَمَا بَقِي) (فَلَيْسَ سوى الْحَلْوَاء فِي الْقُدس مأكل ... وَمَا جلبوه من زبيب وفستق) قَالَ فعرضت أبياته على السُّلْطَان فَتَبَسَّمَ وَقَالَ مَا قلت فِي جَوَابه فَأَنْشَدته (هلموا نسابق نَحْو مشمش جلق ... وَثمّ كَمَا نهوى على الْأكل نَلْتَقِي) (تصفر شوقا لانتظار قدومنا ... وَمن يتعشق ذَا الْفَضَائِل يشتق) (إِذا حضرت أطباقه غَابَ رشدنا ... لما يتلاقى من مشوق وشيق) (حكى جمرات بالأضا قد تعلّقت ... فيا عجبي من جمره الْمُتَعَلّق) (كَأَن نُجُوم الأَرْض فَوق غصونه ... فيا حيرتي من نجمه المتألق) (وحباتها محمرة وجناتها ... فَمن يرهَا مثلي يحب ويعشق) (بَدَت بَين أوراق الغصون كَأَنَّهَا ... كرات نضار فِي لجين مطرق)

стр. 1675

قَالَ فَلَمَّا أنشدت السُّلْطَان هَذَا الْبَيْت قَالَ تَشْبِيه الْوَرق باللجين غير مُوَافق فَإِن الْوَرق أَخْضَر فَقلت (كرات نضار بالزمرد محدق ...) (تساقطها أشجارها فَكَأَنَّهَا ... دَنَانِير فِي أَيدي الصيارف ترتقي) (ومشمش بُسْتَان الزكي بشهده ... شَهَادَته تقضي فزك وَصدق) (يَقُول رفيقي فِي دمشق تَعَجبا ... أما لَك بُسْتَان مقَالَة مُشفق) (فَقلت إِلَى بَاب الْبَرِيد وسوقه ... لأمثالنا تجبى بساتين جلق) (وَلَو كَانَ لي بِالسَّهْمِ سهم وجدت لي ... منالي بأيام الثِّمَار ومرفقي) (إِذا كنت مبتاعا من السُّوق مشمشي ... فَمَا لي إِلَّا لَذَّة المتسوق) (وَمَا لي بأرباب الْبَسَاتِين خلْطَة ... فَيُصْبِح فِي حيطانها متسلقي) (كرام وثوقي فِي الشتَاء بودهم ... وَلَكنهُمْ فِي الصَّيف ينسون موثقي) (وَمَا ثمَّ من يقري ويجدي ويقتني ... ثنائي سوى المحيي الْكَرِيم الْمُوفق) (وَذَلِكَ يَوْم وَاحِد لَيْسَ غَيره ... أَمن أجل يَوْم وَاحِد قلت لي اسبق) (على أنني لَو قيل بالصين دَعْوَة ... أثرت إِلَيْهَا لوعة المتحرق) (فَإِن جِئْت قبلي جلقا فارم منعما ... حَدِيثي بنادي المنعمين وَحلق) (لَعَلَّ كَرِيمًا ينتخي لضيافتي ... بمشمشة عِنْد الْقدوم وينتقي) (فَلَا تنس نشو الدّين نشوة خاطري ... وَقل عَن صبوحي كَيفَ شِئْت ورقق)

стр. 1676

(وهات وساعدني وَخذ من قريحتي ... لطيمة دَاري من الْحَمد واعبق) قَالَ فَقَالَ لي السُّلْطَان عَن صبوح ترقق كَأَنَّك تُرِيدُ تمْضِي إِلَى دمشق وتسبق فَقلت الْأَهْل وَالْولد وَقد عيل عَنْهُم الْجلد وَلَكِن مغيبي عَن الْخدمَة لَا يَدُور بِهِ الْخلد فظلك هُوَ السكن والبلد قَالَ وكتبت أَيْضا فِي جَوَابه وَصفَة المشمش وَذكرت تشبيهاته وَقد أذن لي السُّلْطَان لمهم لَهُ أَيْضا اتّفق (قد صَحَّ عزمي على الْمسير فَلَا ... أبغي مقَامي وَالْقلب قد رحلا) (أمضي إِلَى دمية مقبلها ... أرشف مِنْهُ المدام والعسلا) (مُصَور بل مدور عجب ... ترى بِهِ وَهُوَ جامد شعلا) (فَفِي قُلُوب الْأَشْجَار مِنْهُ جذى ... وَفِي ظُهُور الغصون مِنْهُ كلا) (طلوا بِمَاء النضار ظَاهره ... لباطن فِي حشاه نَار طلا) (يخفى إِذا مَا بدا لعينك فِي ... فِيك وَفِيه النَّوَى إِذا وصلا) (حلي تبر على عرائس أَغْصَان ... تشكت من قبلهَا عطلا) (حمر حسان الْوُجُوه قد لبست ... من خضر أوراقها لَهَا حللا)

стр. 1677

(عرائس من خدورها برزت ... تحسب أشجارها لَهَا كللا) (حلاوة لَا يمل آكلها ... إِذا الحلاوات أحدثت مللا) (زهر كشهب السَّمَاء راجمة ... جن جناة بقطفها كفلا) (عيونها الرمد فِي ترقبنا ... جاحظة أبرزت لنا مقلا) (مَاذَا التواني وَذَا التَّأَخُّر والابطاء ... قدم مسيرنا عجلا) (نغدو خفافا إِلَى مواسمها ... من قبل نبلى بِصُحْبَة الثقلا) (قد انتظرنا من الخزانة مَا ... نعطى فأكدى نوابها البخلا) (فَإِن عدمنا من عِنْدهم ذَهَبا ... فَمَا عدمنا عَنهُ بِهِ بَدَلا) (وكلنَا فِي عوارف الْملك النَّاصِر ... نرعى ونسلك السبلا) قَالَ وَقلت فِيهِ ربَاعِية (المشمش لانتظارنا مصفر ... وَالرَّوْض إِلَى لقائنا مفتر) (قُم نغتنم الْوَقْت فَهَذَا الْعُمر ... لَا لبث لَهُ فَمن بِهِ يغتر) قَالَ وَفِي هَذِه السّنة نصرت الأساطيل فِي الْبَحْر مرَارًا وأنفذ السُّلْطَان فِي استدعائها استظهارا قَالَ مُحَمَّد بن القادسي وَفِي مستهل رَجَب وكل بأميرالحاج طاشتكين يَعْنِي الَّذِي قتل أَمِير حَاج الشَّام شمس الدّين ابْن الْمُقدم بِعَرَفَات سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَسَببه أَنه اتهمَ بمكاتبة السُّلْطَان صَلَاح الدّين ﵀ فِيمَا يتَعَلَّق بقلب الدولة وَأظْهر عَلَيْهِ أستاذ الدَّار أَبُو الظفر بن يُونُس كتابا قيل إِنَّه خطه وَفِيه الْمصلحَة مهادنة الفرنج والمجيء إِلَى الْبِلَاد فَمَا يقف بَين أَيْدِيكُم والبلاد لكم إِذا ملكتم الْعرَاق وَهَذَا وقتكم إِن كَانَ لكم نِيَّة وَأَنا مشدود الْوسط فِي الْخدمَة ثمَّ ذكر ابْن القادسي أَن ذَلِك مستبعد فِي حق طاشتكين وزور وبهتان وَنسب ذَلِك إِلَى افتعال ابْن يُونُس عَلَيْهِ وَكَانَ طاشتكين أَمِير الْحَاج عشْرين سنة يخْطب لَهُ بِمَكَّة بعد الْخطْبَة لأمير الْمُؤمنِينَ وَله إقطاع بمئة ألف دِينَار قَالَ وفيهَا فِي ربيع الآخر توفّي أَبُو المرهف نصر بن مَنْصُور النميري الشَّاعِر الأديب الزَّاهِد سمع قَاضِي البيمارستان

стр. 1678

اتهمَ بمكاتبة السُّلْطَان صَلَاح الدّين ﵀ فِيمَا يتَعَلَّق بقلب الدولة وَأظْهر عَلَيْهِ أستاذ الدَّار أَبُو المظفر بن يُونُس كتابا قيل إِنَّه خطه وَفِيه الْمصلحَة مهادنة الفرنج والمجيء إِلَى الْبِلَاد فَمَا يقف بَين أَيْدِيكُم والبلاد لكم إِذا ملكتم الْعرَاق وَهَذَا وقتكم إِن كَانَ لكم نِيَّة وَأَنا مشدود الْوسط فِي الْخدمَة ثمَّ ذكر ابْن القادسي أَن ذَلِك مستبعد فِي حق طاشتكين وزور وبهتان وَنسب ذَلِك إِلَى افتعال ابْن يُونُس عَلَيْهِ وَكَانَ طاشتكين أَمِير الْحَاج عشْرين سنة يخْطب لَهُ بِمَكَّة بعد الْخطْبَة لأمير الْمُؤمنِينَ وَله إقطاع بمئة ألف دِينَار قَالَ وفيهَا فِي ربيع الآخر توفّي أَبُو المرهف نصر بن مَنْصُور النميري الشَّاعِر الأديب الزَّاهِد سمع قَاضِي البيمارستان

стр. 1679

وروى عَن ابْن نَبهَان وَكَانَ قد رَبِّي بِالشَّام وخالط أهل الْأَدَب وأضر بالجدري وَله أَربع عشرَة سنة وَكَانَ يبصر الْأَشْيَاء الْقَرِيبَة مِنْهُ وَلَا يحْتَاج إِلَى قَائِد إِذا مَشى ثمَّ قدم الْعرَاق لمداواة عينه فآيسه الْأَطِبَّاء من ذَلِك فاشتغل بِالْقُرْآنِ وَحفظه وَصَاحب المتدينين والزهاد من أهل الْفِقْه والْحَدِيث واللغة وَله ديوَان شعر كَبِير وَسُئِلَ عَن مذْهبه فأملى (أحب عليا والبتول وَوَلدهَا ... وَلَا أجحد الشَّيْخَيْنِ فضل التَّقَدُّم) (وَأَبْرَأ مِمَّن نَالَ عُثْمَان بالأذى ... كَمَا أتبرا من وَلَاء ابْن ملجم) (ويعجبني أهل الحَدِيث لصدقهم ... فلست إِلَى قوم سواهُم بمنتمي) وَله أَيْضا فِي غير ذَلِك (وزهدني فِي جَمِيع الْأَنَام ... قلَّة إنصاف من تصْحَب) (هم النَّاس مَا لم تجربهم ... وطلس الذئاب إِذا جربوا) (وليتك تسلم عِنْد البعاد ... مِنْهُم فَكيف إِذا تقرب) قَالَ وَدفن بمقابر الشُّهَدَاء بِبَاب حَرْب ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان مُقيم بِدِمَشْق فِي دَاره وممالك الْآفَاق فِي انْتِظَاره والأنام مشرقة بمطالع أنواره ورسل الْأَمْصَار مجتمعون على بَابه منتظرون لجوابه والضيوف فِي فيوض إنعامه عائمون والفقراء فِي رياض صدقاته راتعون وَيجْلس فِي كل يَوْم وَلَيْلَة

стр. 1680

لاسداء الْجُود وإبداء السُّعُود وَبث المكارم وكشف الْمَظَالِم وبرز إِلَى الصَّيْد شَرْقي دمشق بزاد خَمْسَة عشر يَوْمًا واستصحب مَعَه أَخَاهُ الْعَادِل وَأبْعد فِي الْبَريَّة وَظهر عَن ضمير ضمير إِلَى الْجِهَة الشرقية وَطَابَتْ لَهُ الفرص وَوَافَقَ مُرَاده القنص ثمَّ عَاد يَوْم الِاثْنَيْنِ حادي عشر صفر وَوَافَقَ ذَلِك عود الْحَاج الشَّامي فَخرج للتلقي وسعاداته فِي الترقي وَلما لَقِي الْحجَّاج استعبرت عَيناهُ كَيفَ فَاتَهُ من الْحَج مَا تمناه وسألهم عَن أَحْوَال مَكَّة وأميرها وَأَهْلهَا وخصبها ومحلها وَكم وصلهم من غلات مصر وصدقاتها والفقراء والمجاورين ورواتبها وإدراراتها وسر بسلامة الْحَاج ووضوح ذَلِك الْمِنْهَاج وَوصل من الْيمن ولد أَخِيه سيف الْإِسْلَام فَتَلقاهُ بالاكرام قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَخرجت من الْقُدس الشريف يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم وَكَانَ الْوُصُول إِلَى دمشق ثَانِي عشر صفر وَكَانَ الْأَفْضَل حَاضرا فِي الإيوان الشمالي وَفِي خدمته خلق من الْأُمَرَاء وأرباب المناصب ينتظرون جُلُوس السُّلْطَان فَلَمَّا شعر بحضوري واستحضرني وَهُوَ وَحده قبل أَن يدْخل إِلَيْهِ أحد فَدخلت عَلَيْهِ ﵀ فَقَامَ ولقيني ملقى مَا رَأَيْت أَشد من بشره فِيهِ وَلَقَد ضمني إِلَيْهِ ودمعت عينه

стр. 1681

وَفِي ثَالِث عشر صفر طلبني فَحَضَرت فَسَأَلَنِي عَمَّن فِي الإيوان فَأَخْبَرته أَن الْملك الْأَفْضَل جَالس فِي الْخدمَة والأمراء وَالنَّاس فِي خدمته فَاعْتَذر إِلَيْهِم على لِسَان جمال الدولة إقبال ثمَّ استحضرني بكرَة الْخَمِيس رَابِع عشر صفر وَهُوَ فِي صفة الْبُسْتَان وَعِنْده أَوْلَاده الصغار فَسَأَلَ عَن الْحَاضِرين فَقيل رسل الفرنج وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء والأكابر فَاسْتَحْضر رسل الفرنج إِلَى ذَلِك الْمَكَان فَحَضَرُوا وَكَانَ لَهُ ولد صَغِير وَكَانَ كثير الْميل إِلَيْهِ يُسمى الْأَمِير أَبَا بكر وَكَانَ حَاضرا وَكَانَ ﵀ عَلَيْهِ يداعبه فَلَمَّا وَقع بَصَره على الفرنج وَرَأى أشكالهم خَافَ مِنْهُم وَبكى فَاعْتَذر إِلَيْهِم وصرفهم بعد أَن حَضَرُوا وَلم يسمع كَلَامهم وَقَالَ لي أكلت الْيَوْم شَيْئا وَكَانَت عَادَته ﵀ هَذِه المباسطة ثمَّ قَالَ أحضروا لنا مَا تيَسّر فأحضروا أرزا بِلَبن وَمَا يشبه ذَلِك من الْأَطْعِمَة الْخَفِيفَة فَأكل ﵀ وَكنت أَظن أَن مَا عِنْده شَهْوَة وَكَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام يعْتَذر إِلَى النَّاس لثقل الْحَرَكَة عَلَيْهِ وَكَانَ بدنه ممتلئا وَعِنْده تكسل فَلَمَّا فَرغْنَا من الطَّعَام قَالَ مَا الَّذِي عنْدك من خبر الْحَاج فَقلت قد اجْتمعت بِجَمَاعَة مِنْهُم فِي الطَّرِيق وَلَوْلَا كَثْرَة الوحل لدخلوا الْيَوْم وَلَكنهُمْ فِي غَد يدْخلُونَ فَقَالَ نخرج إِن شَاءَ الله إِلَى لقائهم وَتقدم بتنظيف طرقاتهم من الْمِيَاه فَإِنَّهَا كَانَت سنة كَثِيرَة الأنداء وَقد سَالَتْ الْمِيَاه فِي الطّرق كالأنهار وانفصلت عَن خدمته وَلم أجد عِنْده من النشاط مَا أعهده مِنْهُ

стр. 1682

ثمَّ بكر فِي يَوْم الْجُمُعَة فَركب ثمَّ لحقته وَقد لَقِي الْحَاج وَلم أجد عَلَيْهِ كزاغنده وَمَا كَانَ لَهُ عَادَة يركب بِدُونِهِ وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما قد اجْتمع فِيهِ للقاء الْحَاج والتفرج على السُّلْطَان مُعظم من فِي الْبَلَد فأذكرته ذَلِك فَكَأَنَّهُ اسْتَيْقَظَ فَطلب الكزاغند فَلم يُوجد وأوقع الله فِي قلبِي تطيرا بذلك ثمَّ سَار ﵀ بَين الْبَسَاتِين يطْلب جِهَة المنيبع حَتَّى أَتَى القلعة فَعبر على الجسر إِلَيْهَا وَهُوَ طَرِيقه الْمُعْتَاد وَكَانَت آخر ركباته ﵀ فصل فِي مرض السُّلْطَان ووفاته أحله الله بحبوحة جناته قَالَ القَاضِي لما كَانَت لَيْلَة السبت وجد كسلا عَظِيما فَمَا انتصف اللَّيْل حَتَّى غَشيته حمى صفراوية كَانَت فِي بَاطِنه أَكثر مِنْهَا فِي ظَاهره وَأصْبح يَوْم السبت سادس عشر صفر عَلَيْهِ أثر الْحمى وَلم يظْهر ذَلِك للنَّاس لَكِن حضرت عِنْده أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل وَدخل وَلَده الْأَفْضَل وَطَالَ جلوسنا عِنْده وَأخذ يشكو من قلقه بِاللَّيْلِ وطاب لَهُ الحَدِيث إِلَى قريب الظّهْر ثمَّ انصرفنا والقلوب عِنْده فَتقدم إِلَيْنَا بالحضور على الطَّعَام فِي خدمَة وَلَده الْأَفْضَل وَلم يكن للْقَاضِي عَادَة بذلك فَانْصَرف

стр. 1683

وَدخلت إِلَى الايوان القبلي وَقد مد الطَّعَام وَولده الْأَفْضَل قد جلس فِي مَوْضِعه فَانْصَرَفت وَمَا كَانَ لي قُوَّة للجلوس استيحاشا وَبكى فِي ذَلِك الْيَوْم جمَاعَة تفاؤلا بجلوس وَلَده فِي مَوْضِعه ثمَّ أَخذ الْمَرَض فِي تزايد من حِينَئِذٍ وَنحن نلازم التَّرَدُّد فِي طرفِي النَّهَار وَأدْخل إِلَيْهِ أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل فِي النَّهَار مرَارًا وَيُعْطى الطَّرِيق فِي بعض الْأَيَّام الَّتِي يجد فِيهَا خفَّة وَكَانَ مَرضه فِي رَأسه وَكَانَ من أَمَارَات انْتِهَاء الْعُمر غيبَة طبيبه الَّذِي كَانَ قد ألف مزاجه سفرا وحضرا وَرَأى الْأَطِبَّاء فصده ففصدوه فِي الرَّابِع فَاشْتَدَّ مَرضه وَقلت رطوبات بدنه وَكَانَ يغلبه النَّفس غَلَبَة عَظِيمَة وَلم يزل الْمَرَض فِي تزايد حَتَّى انْتهى إِلَى غَايَة الضعْف وَلَقَد أجلسناه فِي السَّادِس من مَرضه وأسندنا ظَهره إِلَى مخدة وأحضر مَاء فاتر يشربه عقيب شراب يلين الطَّبْع فشربه فَوَجَدَهُ شَدِيد الْحَرَارَة فَشَكا من شدَّة حره فَغير وَعرض عَلَيْهِ ثَانِيًا فَشَكا من برده وَلم يغْضب وَلم يصخب ﵀ وَلم يقل سوى هَذِه الْكَلِمَات سُبْحَانَ الله لَا يُمكن أحدا تَعْدِيل المَاء فَخرجت أَنا وَالْقَاضِي من عِنْده وَقد اشْتَدَّ منا الْبكاء وَالْقَاضِي الْفَاضِل يَقُول لي أبْصر هَذِه الْأَخْلَاق الَّتِي قد أشرف الْمُسلمُونَ على مفارقتها وَالله لَو أَن هَذَا بعض النَّاس كَانَ قد ضرب بالقدح رَأس من أحضرهُ

стр. 1684

وَاشْتَدَّ مَرضه فِي السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن وَلم يزل متزايدا وتغيب ذهنه وَلما كَانَ التَّاسِع حدثت ربه رعشة وَامْتنع من تنَاول المشروب وَاشْتَدَّ الارجاف فِي الْبَلَد وَخَافَ النَّاس ونقلوا الأقمشة من الْأَسْوَاق وَغشيَ النَّاس من الكآبة والحزن مَا لَا يُمكن حكايته وَلَقَد كنت أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل نقعد كل لَيْلَة إِلَى أَن يمْضِي من اللَّيْل ثلثه اَوْ قريب مِنْهُ ثمَّ نحضر فِي بَاب الدَّار فَإِن وجدنَا طَرِيقا دَخَلنَا وشاهدناه وانصرفنا وَإِلَّا تعرفنا أَحْوَاله وانصرفنا وَكُنَّا نجد النَّاس يرتقبون خروجنا إِلَى بُيُوتنَا حَتَّى يقرؤوا أَحْوَاله من صفحات وُجُوهنَا وَلما كَانَ الْعَاشِر من يَوْم مَرضه حقن دفعتين وَحصل من الحقنة رَاحَة وَحصل بعض الْخُف وَتَنَاول من مَاء الشّعير مِقْدَارًا صَالحا وَفَرح النَّاس فَرحا شَدِيدا فَأَقَمْنَا على الْعَادة إِلَى أَن مضى من اللَّيْل هزيع ثمَّ أَتَيْنَا بَاب الدَّار فَوَجَدنَا جمال الدولة إقبالا فالتمسنا مِنْهُ تَعْرِيف الْحَال المتجدد فَدخل ثمَّ أنفذ إِلَيْنَا مَعَ الْملك الْمُعظم تورانشاه يَقُول إِن الْعرق قد أَخذ فِي سَاقيه فشكرنا الله تَعَالَى على ذَلِك وانصرفنا طيبَة قُلُوبنَا ثمَّ أَصْبَحْنَا فَأخْبرنَا أَن الْعرق أفرط حَتَّى نفذ فِي الْفرش وتأثرت بِهِ الأَرْض وَأَن اليبس قد تزايد بِهِ تزايدا عَظِيما وخارت الْقُوَّة واستشعر الْأَطِبَّاء

стр. 1685

وَلما رأى الْملك الْأَفْضَل مَا حل بوالده وَتحقّق الْيَأْس مِنْهُ شرع فِي تَحْلِيف النَّاس وَجلسَ فِي دَار رضوَان الْمَعْرُوفَة بسكنه واستحضر الْقُضَاة وَعمل لَهُ نُسْخَة يَمِين مختصرة محصلة للمقاصد تَتَضَمَّن الْحلف للسُّلْطَان مُدَّة حَيَاته وَله من بعد وَفَاته وَاعْتذر إِلَى النَّاس بِأَن الْمَرَض قد اشْتَدَّ وَمَا نعلم مَا يكون وَمَا نَفْعل هَذَا إِلَّا احْتِيَاطًا على جاري عَادَة الْمُلُوك ثمَّ سمى القَاضِي مِمَّن حلف لَهُ جمَاعَة مِنْهُم سعد الدّين مَسْعُود أَخُو بدر الدّين مودود الشّحْنَة وناصر الدّين صَاحب صهيون وسابق الدّين صَاحب شيزر وخشترين الهكاري ونوشروان الزرزاري وعلكان ومنكلان ثمَّ مد الخوان وأكلوا وَلما كَانَ الْعَصْر أُعِيد مجْلِس التَّحْلِيف وأحضر مَيْمُون القصري وشمس الدّين سنقر الْكَبِير وسامة وسنقر المشطوب واليكي الْفَارِس وأيبك الْأَفْطَس وأخو الْأَمِير سياروخ وحسام الدّين بِشَارَة وَبَعْضهمْ اشْترط فِي يَمِينه وَبَعْضهمْ لم يشْتَرط وَلم يحضر أحد من الْأُمَرَاء المصريين وَلم يتَعَرَّض لَهُم وَلما كَانَت لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر وَهِي لَيْلَة الثَّانِي عشر من مَرضه اشْتَدَّ مَرضه وضعفت قوته وَوَقع فِي أَوَائِل
следующие страницы →