Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1786–1810 · переход к 1791.
стр. 1786
مُسْتَمر الْولَايَة من الْأَيَّام الصلاحية وَحج مَعَه من معروفي الأجناد وأمرائها عدَّة وَكَذَلِكَ حج فِي هَذِه السّنة حَاج دمشق وصحبهم الْأَمِير عز الدّين سامة وَكَانَت السّنة مباركة وَالنعَم متداركة وَالْخَيْر عَام وَالْخصب تَامّ
قَالَ وَانْتَظرْنَا زِيَادَة بَحر النّيل فِي أَوْقَاتهَا فَبلغ إِلَى إِحْدَى وَعشْرين أصبعا من ثَلَاث عشرَة ذِرَاعا فَعَاد بذلك كل قلب مرتاعا ثمَّ أَخذ فِي النَّقْص وَهُوَ مرجو الزِّيَادَة مأمول الْوَفَاء على الْعَادة فقنط النَّاس وَوَقع الياس وَاشْتَدَّ الْمحل وغلا السّعر ويئس الفلاحون من الْفَلاح فأجفلوا من الْبِلَاد للانتزاح وطاروا بأجنحة النَّجَاء فِي طلب النجاح
وَقيل إِن هَذَا النَّقْص لم يعْهَد من عهد الصَّحَابَة وشرعنا فِي الاسْتِغْفَار والإنابة وَصَامَ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام قبل يَوْم التَّرويَة وكأنما أَصَابَتْهُم مُصِيبَة فهم فِي التَّعْزِيَة ثمَّ استسقوا ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى الْعِيد وأفاض الْخَطِيب فِي ذكر الْوَعيد وغصت بالخلائق الْأَمْكِنَة وضجت بالأدعية والضراعات الْأَلْسِنَة
قَالَ وَفِي السّنة الَّتِي قبلهَا وَهِي سنة خمس وَتِسْعين استدعي القَاضِي ضِيَاء الدّين أَبُو الْفَضَائِل الْقَاسِم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري إِلَى بَغْدَاد وَولي قَضَاء الْقُضَاة وَكَانَ يتَوَلَّى
стр. 1787
الْقَضَاء بالموصل فَخرج فِي أَوَاخِر شعْبَان فَلَمَّا وصل بَغْدَاد بجل وَعظم وَكَانَ قد تردد إِلَى بَغْدَاد دفعات فِي الْأَيَّام الصلاحية بِسَبَب الرسَالَة فَهُوَ كَانَ الْمعِين لَهَا كَمَا تقدم ذكره
فصل فِي وَفَاة جمَاعَة من الْأَعْيَان فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى توفّي فِي دَاره بِدِمَشْق الْأَمِير صارم الدّين قايماز النجمي وَكَانَ مُتَوَلِّي أَسبَاب صَلَاح الدّين ﵀ فِي مخيمه وبيوته يعْمل عمل أستاذ الدَّار وَإِذا فتح بَلَدا سلمه إِلَيْهِ واستأمنه عَلَيْهِ فَيكون أول من افتض عذرته وشام ديمته وَحصل لَهُ من بلد آمد عِنْد فَتحه وَمن ديار مصر عِنْد موت عاضدها أَمْوَال عَظِيمَة وَتصدق فِي يَوْم وَاحِد بسبعة آلَاف دِينَار مصرية عينا وَأظْهر أَنه قضى من حُقُوق الله فِي ذمَّته دينا
وَهُوَ بِالْعرْفِ مَعْرُوف وبالخير مَوْصُوف يحب اقتناء المفاخر بِبِنَاء الرَّبْط والقناطر وَمن جُمْلَتهَا رِبَاط خسفين ورباط نوى وَله مدرسة مجاورة دَاره وَلما كفى الله دمشق الْحصْر نَهَضَ وَرَاء
стр. 1788
الْعَادِل إِلَى مصر فَرده إِلَى دمشق ليلازم خدمَة الْملك الْمُعظم وَلَده وَيكون من أقوى عدده وأوفى عدده وَكَانَ فِي خلقه زعارة وَكَأن حصافته مستعارة
قَالَ وَلما دفن نبشت أَمْوَاله وفتشت رحاله وَحضر أُمَنَاء القَاضِي وضمناء الْوَالِي وأخرجوا خبايا الزوايا وسموط النُّقُود وخطوط النسايا وغيروا رسوم الْمنزل ومعالمه واستنبطوا دنانيره ودراهمه وحفروا أَمَاكِن فِي الدَّار وبركة الْحمام فِي الْجوَار فحملوا أوقارا من النضار وظهروا على الْكُنُوز المخفية والدفائن الألفية فَقيل زَادَت على مئة ألف دِينَار وَهُوَ قَلِيل فِي جنب مَا يحرز بِهِ من كَذَا وَكَذَا قِنْطَار
واستقل مَا طواه الخزن وأخفاه الدّفن وَقيل كَانَ يكنز فِي صحارى ضيَاعه ومغارات إقطاعه
قلت واتهم بعده جمَاعَة بِأَن لَهُ عِنْدهم ودائع وتأذى بذلك المتأبي مِنْهُم والطائع وداره بِدِمَشْق هِيَ الَّتِي بناها الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى بن الْعَادِل دَارا للْحَدِيث فِي سنة ثَلَاثِينَ وست مئة وأخرب الْحمام الَّذِي كَانَ مجاورا لَهَا وَأدْخلهُ فِي ربعهَا وَذَلِكَ فِي جوَار قلعة دمشق بَينهمَا الخَنْدَق وَالطَّرِيق وَثمّ مدرسته الْمَعْرُوفَة بالقيمازية
стр. 1789
قَالَ الْعِمَاد وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة توفّي يَعْنِي بِمصْر الْحَاجِب لُؤْلُؤ وَكَانَ فِي الْأَيَّام الصلاحية أَشْجَع الشجعان وأفرس الفرسان وَله مقامات فِي الْغُزَاة ومواقف مَعَ العداة وَهُوَ الَّذِي نَهَضَ وَرَاء مراكب الفرنج الناهضة فِي بَحر أَيْلَة إِلَى بر الْحجاز وأتى فِي كسرهم وأسرهم بالاعجاب والاعجاز وَكَانُوا قطعُوا الطَّرِيق فِي بَحر عيذاب على التُّجَّار وحصلت أَمْوَالهم تَحت الِاسْتِيلَاء بعد حصولهم تَحت الاسار فأنقذ واستنقذ وَمَا نزل حَتَّى أَخذ وسَاق إِلَى الْقَاهِرَة أُولَئِكَ الْكفَّار مقهورين واعتقلهم بهَا مأسورين
قلت وَفِيه يَقُول الرضي بن أبي حَصِينَة الْمصْرِيّ يُخَاطب الفرنج
(عَدوكُمْ لُؤْلُؤ وَالْبَحْر مَسْكَنه ... والدر فِي الْبَحْر لَا يخْشَى من الْغَيْر)
(فَأمر حسامك أَن يحظى بنحرهم ... فالدر مذ كَانَ مَنْسُوب إِلَى النَّحْر)
وَقد قيل فِيهِ أشعار كَثِيرَة تقدم بَعْضهَا فِي أَخْبَار سنة ثَمَان
стр. 1790
وَسبعين
قَالَ الْعِمَاد وَمن دَلَائِل سماحه مَا شاهدته بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين من مبراته الظَّاهِرَة أَنه لما حط الْقَحْط رَحْله وَوصل الْمحل مَحَله وَتمّ الغلاء وَعم الْبلَاء ابتكر هَذَا الْحَاجِب الْكَبِير مكرمَة لم يسْبق إِلَيْهَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ يخبز كل لَيْلَة اثْنَي عشر ألف رغيف فَإِذا أصبح جلس على بَاب الْموضع الَّذِي فِيهِ حشر الْفُقَرَاء ثمَّ يفتح من الْبَاب مِقْدَار مَا يخرج مِنْهُ وَاحِد بعد وَاحِد وَيعلم أَنه غير عَائِد فَيتَنَاوَل كل مِنْهُم قرصة وَيرى ذَلِك من خيراته فرْصَة فَمَا يزَال قَاعِدا حَتَّى يفرق الألوف على الألوف
وَكَانَ هَذَا دأبه فِي هَذَا الغلاء حَتَّى هَب رخاء الرخَاء فَحِينَئِذٍ تنوعت صدقاته واستغرقت بالصلات أوقاته
وَكَانَ بهي الشيب نقي الجيب قد جعل الله الْبركَة فِي عمره وَخَصه مُدَّة حَيَاته بامرار أمره فأنجده فِي أَوَان ضعفه بِتَضْعِيف بره وَلَا شكّ أَنه من الْأَوْلِيَاء الأبدال وَالصَّالِحِينَ الصَّالِحِي الْأَعْمَال
قَالَ وَفِي يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وَأَنا بالديار المصرية توفّي الْفَقِيه الْكَبِير شهَاب الدّين الطوسي وَهُوَ
стр. 1791
أكبر الْأَئِمَّة الشَّافِعِيَّة ورئيسها وَإِلَيْهِ فتياها وتدريسها وَهُوَ من أَصْحَاب مُحَمَّد بن يحيى وَكم واجه الْمُلُوك بِالْحَقِّ المر وَأنكر عَلَيْهِم مَا ينكرونه من الْعرف ويعرفونه من النكر وَلما وصل إِلَى مصر كَانَ تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب متوليها فأعجبه سمت الْمَذْكُور فولاه مدرسته بِمصْر وَهِي الْمَعْرُوفَة بمنازل الْعِزّ فوليها وَأقَام فِيهَا مُفِيدا حَتَّى فَازَ فِي جنَّة النَّعيم بفوزه وخلت منَازِل الْعِزّ من منَازِل عزه وَأصْبح النَّاس حول سَرِيره مزدحمين وَعَلِيهِ متوجعين فوصلوا بِهِ إِلَى القرافة مَكَان الرَّحْمَة والرافة وَهُنَاكَ الأصاغر والأكابر من الْمُلُوك والأمراء مشَاة وجنازته بِمَا فِيهِ من لِبَاس التَّقْوَى مغشاة وَلما نفضوا أَيْديهم من ترابه انْفَضُّوا من أيادي بركته متربين وبنار اللهف والتلهب عَلَيْهِ مضطرمين مضطربين
ونمى الْخَبَر إِلَى حماة وَعرف ابْن تَقِيّ الدّين فولى قَاضِي دمشق محيي الدّين بن الزكي بِمصْر وقُوف أَبِيه وسير نَائِبه لتسلم ذَلِك وتوليه وَكَانَ اتّفق حُضُوره عِنْده فِي الرسَالَة فاهتدى برشده إِلَى الضَّلَالَة
стр. 1792
قَالَ وَفِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الْفَقِيه الْعَالم بدر الدّين عَسْكَر رَئِيس الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق
قلت وَقيل كَانَت وَفَاته فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى وَيعرف بِابْن العقادة
قَالَ وَفِي سَابِع عشر شعْبَان توفّي بحلب الْفَقِيه الْكَبِير ظهير الدّين عبد السَّلَام الْفَارِسِي وَكَانَ أبرع فَقِيه وأفقه بارع ورد إِلَى أصفهان سنة تسع وَأَرْبَعين وَلَقي بهَا الْعلمَاء المبرزين وخالط صدورها بني الخجندي وَكَانَ تفقه بكرمان وَقَرَأَ على فَخر الدّين الرَّازِيّ من أكبر تلامذة مُحَمَّد بن يحيى وتنقل فِي بِلَاد خُرَاسَان وَالْعراق ولقيته بِمصْر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين فِي الْعَهْد الصلاحي وسامة السُّلْطَان الْمقَام بهَا ليفوض إِلَيْهِ التدريس بِقَبْر الشَّافِعِي ﵁ فَعبر وَمَا صَبر وَعَاد إِلَى الْبِلَاد ثمَّ وَفد إِلَى دمشق فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَتِسْعين ثمَّ سَار إِلَى حلب فِي ثَانِي شعْبَان فَكَانَ من وَفَاته بهَا مَا كَانَ
стр. 1793
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة توفّي بنيسابور الْفَقِيه الْكَبِير محيي الدّين بن محيي الدّين مُحَمَّد بن يحيى
وفيهَا توفّي أَيْضا صَاحب آمد قطب الدّين سكمان ابْن نور الدّين بن قرا أرسلان
وفيهَا مَاتَ بِدِمَشْق فِي الْعشْر الْأَوْسَط من شعْبَان الْهمام الْعَبْدي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن نصر بن عقيل بن أَحْمد بن عَليّ بن عبد الْقَيْس من ربيعَة وَقدم دمشق سنة خمس وَتِسْعين وَهُوَ أشعر من رَأَيْته فِي هَذَا الزَّمَان وسمعته ينشد الْملك الْعَادِل ودمشق محصورة كلمة شاعرة وصادفته ذَا سمت حسن وفصاحه وحصافه ولسن وَمَعَهُ ديوَان شعره يحوي قلائد دره وفرائد سحره وتوفر على مدح الأمجد صَاحب بعلبك وَمن شعره
(وَمَا النَّاس إِلَّا كَامِل الْحَظ نَاقص ... وَآخر مِنْهُم نَاقص الْحَظ كَامِل)
(وَإِنِّي لمثر من حَيَاء وعفة ... وَإِن لم يكن عِنْدِي من المَال طائل)
стр. 1794
قَالَ وَتُوفِّي فِي هَذِه السّنة قبل الْفَاضِل بِثَلَاثَة أَيَّام الْأَثِير بن بنان وَكَانَ مشمولا فِي الدولتين بِكُل قبُول واحترام وإحسان
وَكَانَ السُّلْطَان لما تصرف فِي الْقصر ولاه بيع موجوده وبذل فِي تصريفه غَايَة مجهوده وَلما فرغ من شغله أبقاه على رسم أنعامه كُله وَاسْتمرّ إمراره وَاسْتقر قراره وَجلسَ فِي بَيته يسمع عَلَيْهِ رواياته الْعَالِيَة حَتَّى أدْرك أَيَّام الْملك الْعَزِيز وَلم يدْرك فِي الْعِزّ أملا وَلم يملك عملا حَتَّى تغير خلقه وتقلل رزقه وَتبطل حَقه وَآل أمره إِلَى اعتقاله بالديوان واحتباسه فِي الرهون
وَمِمَّنْ غاظه وَزِير الْعَزِيز وَكَانَ مؤدبه فِي الصغر واستوزره فِي الْكبر فتجهمه وأسمعه مَا كرهه وَقَالَ لَهُ مَا أحسن مَا أدبت
стр. 1795
مخدومك وخرجته وعَلى مَرَاتِب أخلاقك دَرَجَته وَقَالَ للفاضل أَنا خلصتك فِي أَيَّام شاور مرَّتَيْنِ ودافعت عَنْك دفعتين وَهَذِه قصائدك فِي مدحي ومقاصدك لمنحي وَكَانَ يعرف لتقادم عَهده وانتقاله فِي الْحَالَات مبادئ أَرْبَاب المناصب فِي الغايات فكرهه النواب ودحضوه ولمعارض النوائب عرضوه
وَكَانَ بِالْقَاهِرَةِ جاري وَبَاب دَاره مُقَابل بَاب دَاري وَأَنا أعينه فِي الْأَيَّام الصلاحية بأصلح إِعَانَة وأصونه بأرجح صِيَانة
فصل فِي وَفَاة القَاضِي الْفَاضِل ﵀
قَالَ الْعِمَاد وتمت فِي هَذِه السّنة الرزية الْكُبْرَى والبلية الْعُظْمَى وفجيعة أهل الْفضل بِالدّينِ وَالدُّنْيَا وَذَلِكَ بانتقال القَاضِي الْفَاضِل من دَار الفناء إِلَى دَار الْبَقَاء فِي دَاره بالقاهره سادس ربيع الآخر يَوْم الثُّلَاثَاء وَكَانَ يَعْنِي ذَلِك الْيَوْم بمصاف الْأَفْضَل يَوْم الكسرة وبمصاب الْفَاضِل يَوْم الْحَسْرَة
وَذكر أَنه لَيْلَة الثُّلَاثَاء فِي مدرسته صلى الْعشَاء وَجلسَ مَعَ
стр. 1796
الْفَقِيه ابْن سَلامَة مدرسها وتحدث مَعَه مَا شَاءَ وشوهد من كل لَيْلَة أبش وأبسم وأهش وَقد طابت المحاضرة وطالت المسامرة
فانفصل إِلَى منزله صَحِيح الْبدن فصيح اللسن وَقَالَ لغلامه رتب حوائج الْحمام وعرفني حِين أَقْْضِي منى الْمَنَام فوافاه سحرًا للإعلام فَمَا اكترث بِصَوْت الْغُلَام وَلم يدر أَن كلم الْحمام حمى من الْكَلَام وَأَن وثوقه بِطَهَارَتِهِ من الْكَوْثَر أغناه عَن الْحمام
فبادر إِلَيْهِ وَلَده فألفاه وَهُوَ سَاكِت باهت فَعرف أَن الْقدر لَهُ باغت فَلبث يَوْمه لَا يسمع لَهُ إِلَّا أَنِين خَفِي علم مِنْهُ أَنه بِعَهْد الله وَفِي
ثمَّ قضى سعيدا وَمضى شَهِيدا حميدا فوقاه الله تَعَالَى الْوَصِيَّة فَكَانَت لَهُ بِسَيِّد الْأَوَّلين والآخرين أُسْوَة وَإِن يعرى عَن رِدَاء الْعُمر فَلهُ من حلل الْبَقَاء فِي عليين كسْوَة ولانه لم يبْق فِي مُدَّة حَيَاته عملا صَالحا إِلَّا وَقدمه وَلَا عهدا فِي الْجنَّة إِلَّا أحكمه وَلَا عقدا فِي الْبر إِلَّا أبرمه فَإِن صنائعه فِي الرّقاب وأوقافه على سَبِيل الْخيرَات متجاوزة عَن الْحساب لَا سِيمَا أوقافه لفكاك أُسَارَى الْمُسلمين إِلَى يَوْم الْحساب
وأعان طلبة الْعلم الشَّافِعِيَّة والمالكية عِنْد دَاره بِالْمَدْرَسَةِ والأيتام بِالْكتاب والخيرات الدارة على الْأَيَّام فَكَانَت حَيَاة لَهُ ثَانِيَة إِلَى يَوْم الْبَعْث وإعادة حَيَاة الْأَنَام
وَكَانَ ﵀ للحقوق قَاضِيا وَفِي الْحَقَائِق مَاضِيا سُلْطَانه مُطَاع وَالسُّلْطَان لَهُ مُطِيع وفضله جَامع وَشَمل الْفضل بِهِ جَمِيع وَهُوَ وَاحِد الزَّمَان وَصَاحب الْقُرْآن قد خصّه الله بالمكانة ولامكان وَالسُّلْطَان ﵀ من مفتتحات فتوحه ومختتماتها ومبادي أُمُور دولته وغاياتها مَا افْتتح الأقاليم إِلَّا بأقاليد آرابه وآرائه ومقاليد غناهُ وغنائه
وَكنت من حَسَنَاته محسوبا وَإِلَى مُنَاسِب آلائه مَنْسُوبا أعرف صناعته وَيعرف صناعتي وأعارض بضاعته الثمينة بمزجاة بضاعتي وَلم يزل يجذب بضبعي ويجلب نفعي وَمَا أوسع ذرعه للخطاب فِي شغلي إِذا ضَاقَ بالخطب الشاغل ذرعي
وَكَانَت كِتَابَته النَّصْر ويراعته رائعه الدَّهْر وبراعته بَارِية للبر وَعبارَته فِي عقد السحر وَكَانَت بلاغته للدولة مجملة وللمملكة مكملة وللعصر الصلاحي على سَائِر الْأَعْصَار مفضلة ومفتتحاته فِي الفتوحات البديعة بديعة ومخترعاته فِي الصَّنَائِع المخترعة صَنِيعَة وَإِنَّمَا نسجت على منواله ومزجت من جرياله وَرويت بزلاله
وَهُوَ الَّذِي نسخ أساليب القدماء بِمَا أقدمه من الأساليب وأغربه من الابداع وأبدعه من الْغَرِيب وَمَا ألفيته كرر ذكره فِي مُكَاتبَة وَلَا ردد لفظا فِي مُخَاطبَة بل تَأتي فصوله مبتكرة مبتدهة مبتدهة لَا مفتكرة بِالْعرْفِ والعرفان معرفَة لَا نكرَة
стр. 1797
وَكَانَ ﵀ للحقوق قَاضِيا وَفِي الْحَقَائِق مَاضِيا سُلْطَانه مُطَاع وَالسُّلْطَان لَهُ مُطِيع وفضله جَامع وَشَمل الْفضل بِهِ جَمِيع وَهُوَ وَاحِد الزَّمَان وَصَاحب الْقُرْآن قد خصّه الله بالمكانة والامكان وَالسُّلْطَان ﵀ من مفتتحات فتوحه ومختتماتها ومبادي أُمُور دولته وغاياتها مَا افْتتح الأقاليم إِلَّا بأقاليد آرابه وآرائه ومقاليد غناهُ وغنائه
وَكنت من حَسَنَاته محسوبا وَإِلَى مُنَاسِب آلائه مَنْسُوبا أعرف صناعته وَيعرف صناعتي وأعارض بضاعته الثمينة بمزجاة بضاعتي وَلم يزل يجذب بضبعي ويجلب نفعي وَمَا أوسع ذرعه للخطاب فِي شغلي إِذا ضَاقَ بالخطب الشاغل ذرعي
وَكَانَت كِتَابَته كتائب النَّصْر ويراعته رائعة الدَّهْر وبراعته بَارِية للبر وَعبارَته فِي نافثة عقد السحر وَكَانَت بلاغته للدولة مجملة وللمملكة مكملة وللعصر الصلاحي على سَائِر الْأَعْصَار مفضلة ومفتتحاته فِي الفتوحات البديعة بديعة ومخترعاته فِي الصَّنَائِع المخترعة صَنِيعَة وَإِنَّمَا نسجت على منواله ومزجت من جرياله وَرويت بزلاله
وَهُوَ الَّذِي نسخ أساليب القدماء بِمَا أقدمه من الأساليب وأغربه من الابداع وأبدعه من الْغَرِيب وَمَا ألفيته كرر دُعَاء ذكره فِي مُكَاتبَة وَلَا ردد لفظا فِي مُخَاطبَة بل تَأتي فصوله مبتكرة مبتدعة مبتدهة لَا مفتكرة بِالْعرْفِ والعرفان معرفَة لَا نكرَة
стр. 1798
وَكَانَت الدولة بادالته تدال والزلة بازالته تزَال والكرام فِي ظله يقيلون وَمن عثرات النوائب بفضله يستقيلون وبعز حمى حمايته يعزون ولهز عطف عطفه يهتزون فالى من الْوِفَادَة بعده وَمِمَّنْ الافادة وفيمن السِّيَادَة وَلمن السَّعَادَة وَالْحَمْد لله الَّذِي لَهُ الْغَيْب وَالشَّهَادَة و ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ ولأمره منقادون
وَقد وَصفه الْعِمَاد أَيْضا فِي كتاب الخريدة فِي الْقسم الرَّابِع فِي ذكر محَاسِن فضلاء مصر وأعمالها فَقَالَ وَقبل شروعي فِي ذكر أَعْيَان مصر وأحاسنها ومزايا فضلائها ومزاينها أقدم ذكر من جَمِيع أفاضل الدَّهْر وأماثل الْعَصْر كالقطرة فِي تيار بحره بل كالذرة فِي أنوار فجره وَهُوَ الْمولى القَاضِي الْأَجَل الْفَاضِل الأسعد أَبُو عَليّ عبد الرَّحِيم بن القَاضِي الْأَشْرَف أَبى الْمجد عَليّ بن الْحسن البيساني صَاحب الْقُرْآن العديم الأقران وَوَاحِد الزَّمَان الْعَظِيم الشان رب الْقَلَم وَالْبَيَان واللسن وَاللِّسَان والقريحة الوقادة والبصيرة النقادة والبديهة المعجزة والبديعة المطرزة وَالْفضل الَّذِي مَا سمع فِي الْأَوَائِل مِمَّن لَو عَاشَ فِي زَمَانه لتَعلق بغباره أَو جرى فِي مضماره فَهُوَ كالشريعة المحمدية الَّتِي نسخت الشَّرَائِع ورسخت بهَا الصَّنَائِع يخترع الأفكار ويفترع الْأَبْكَار ويطلع الْأَنْوَار ويبدع الأزهار
وَهُوَ ضَابِط الْملك بآرائه ورابط السلك بآلائه إِن شَاءَ أنشأ
стр. 1799
فِي يَوْم وَاحِد بل فِي سَاعَة مَا لَو دون لَكَانَ لأهل الصِّنَاعَة خير بضَاعَة أَيْن قس عِنْد فَصَاحَته وَأَيْنَ قيس فِي مقَام حصافته وَمن حَاتِم وَعَمْرو فِي سماحته ومماسته
فَضله بالافضال حَال وَنجم قبُوله فِي أفق الاقبال عَال لَا من فِي فعله وَلَا مين فِي قَوْله وَلَا خلف فِي وعده وَلَا بطء فِي رفده
الصَّادِق الشيم السَّابِق بِالْكَرمِ ذُو الْوَفَاء والمروة والصفاء والفتوة والتقى وَالصَّلَاح والندى والسماح
منشر رفات الْعلم وناشر راياته وجالي غيابات الْفضل وتالي آيَاته وَهُوَ من أَوْلِيَاء الله الَّذين خصوا بكرامته وَأَخْلصُوا لولايته وَقد وَفقه الله للخير كُله وَفضل هَذَا الْعَصْر على الْأَعْصَار السالفة بفضله ونبله فَهُوَ مَعَ مَا يَتَوَلَّاهُ من أشغال المملكة الشاغلة ومهماته المستغرقة فِي العاجلة لَا يغْفل عَن الآجلة وَلَا يفتر عَن الْمُوَاظبَة على نوافل صلَاته ونوافل صلَاته وَحفظ أوراده ووظائفه وَبث أصفاده وعوارفه وَيخْتم كل يَوْم من الْقُرْآن الْمجِيد ويضيف إِلَيْهِ مَا شَاءَ الله من الْمَزِيد
وَأَنا أوثر أَن أفرد لنظمه ونثره كتابا فانني أغار من ذكره مَعَ الَّذين هم كالسها فِي فلك شمسه وذكائه وكالثرى عِنْد ثريا علمه
стр. 1800
وذكائه فَإِنَّمَا تبدو النُّجُوم إِذا لم تبرز الشَّمْس حاجبها ويحجب نور الغزالة عِنْد إشراقها كواكبها ولانه لَا يُؤثر أَيْضا إِثْبَات ذَلِك فَأَنا ممتثل لأَمره المطاع مُلْتَزم لَهُ قانون الِاتِّبَاع وَاضع أُذُنِي لإذنه قَابض يَمِيني على يمنه راكن بأملي إِلَى رُكْنه قاطن برجائي فِي ظلّ أَمنه أفترض رِضَاهُ وَلَا أعترض على مَا يحكم بِهِ وَيَرَاهُ وَلَا أقوم إِلَّا حَيْثُ يقيمني وَلَا أسوم إِلَّا مَا يسومني ولاأعرف يدا ملكتني غير يَده وَلَا أتصدى إِلَّا لما جعلني بصدده وأسأل الله التَّوْفِيق للثبات على هَذِه السّنَن وانتهاج جدده
وَهُوَ أَحَق ممدوحي بمدحي وأقضاهم لحقه وأسماهم فِي أفقه وأولاهم بصدقه وأهداهم إِلَى طرقه ولي فِيهِ مدائح منظومة ومنثورة ومقاصد معاهدها بفضله معمورة وقصائد قلائدها على مجده موفورة
стр. 1801
ثمَّ ذكر مِنْهَا بعض مَا تقدم ذكره فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب وَله فِيهِ من قصيدة أَولهَا
(بحياتكم مَا عنْدكُمْ بعدِي ... فسوى الأسى مَا بعدكم عِنْدِي)
(مَا للأحبة لَا عدمتهم ... رَغِبُوا عَن الاسعاد فِي الزّهْد)
(إِن لم يفوا فَلَقَد وفى كرما ... عبد الرَّحِيم بِذِمَّة الْمجد)
(ذُو الرُّتْبَة الشماء والشرف العالي ... السنا والسؤدد الْعد)
(النَّاس كلهم لَهُ تبع ... فِي فَضله والدهر كَالْعَبْدِ)
(كم غاص بَحر بنانه فغدا ... در الْبَيَان يساق فِي العقد)
(إِن سود الْبَيْضَاء بيض من ... ثوب اللَّيَالِي كل مسود)
(قلم أقاليم الْبِلَاد بِهِ ... وثغورها للضبط والسد)
(ملك كتيبته كِتَابَته ... فَرد بِجَيْش النَّصْر فِي جند)
(الأسمر الخطي تَابعه ... فِي حكمه والأبيض الْهِنْدِيّ)
(والنائبات بحده أبدا ... مثلومة مفلولة الْحَد)
وَهِي طَوِيلَة
ثمَّ قَالَ وَلَو أوردت من كَلَامه طرفا لظهر عجز الأفاضل
стр. 1802
وَاعْتَرَفت بالقصور ذَوُو الْفَضَائِل فَلَا يحسن ذكر الْبَحْر فِي الجداول وَلَا الْعَرْش فِي الْمنَازل فَأَنا أوثر أَن أفرده بقسم لَا يمتزج بسواه وَلَا يتبهرج بِهِ من فِي جملَته أوردناه وَلَعَلَّه يَأْذَن لي فِي ذَلِك فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا نَفاذ للتَّصَرُّف إِلَّا بعد الفكاك من رَهنه
قلت وَقد قَالَت الشُّعَرَاء فِيهِ فَأَكْثرُوا وَقد تقدم لأبي الْحسن بن الذروي فِيهِ أَبْيَات حَسَنَة عَامي حجه
وللتاج أبي الْفَتْح البلطي فِيهِ
(لله عبد رَحِيم ... يدعى بِعَبْد الرَّحِيم)
(على صِرَاط سوي ... من الْهدى مُسْتَقِيم)
(ينمى إِلَى شرف فِي ... ذرى الْمَعَالِي صميم)
стр. 1803
(مهذب حَاز مَا شِئْت ... من تقى وعلوم)
(نسك ابْن مَرْيَم عِيسَى ... وهدي مُوسَى الكليم)
(يرى التَّهَجُّد أنسا ... فِي جنح ليل بهيم)
(مسهد الطّرف يَتْلُو ... آي الْقُرْآن الْعَظِيم)
وللقاضي السعيد هبة الله بن سناء الْملك فِيهِ من قصيدة
(عبد الرَّحِيم على الْبَريَّة رَحْمَة ... أمنت بصحبتها حُلُول عقابها)
(يَا سَائِلًا عَنهُ وَعَن أَسبَابه ... نَالَ السَّمَاء فسله عَن أَسبَابهَا)
(والدهر يعلم أَن فيصل خطبه ... بخطى يراعته وَفصل خطابها)
(وَلَقَد علت رتب الْأَجَل على الورى ... بسمو منصبها وَطيب نصابها)
(واتته خاطبة إِلَيْهِ وزارة ... ولطالما أعيت على خطابها)
(مَا لقبوه بهَا لَان يَعْلُو بهَا ... أسماؤه أغنته عَن ألقابها)
(قَالَ الزَّمَان لغيره إِذْ رامها ... تربت يَمِينك لست من أترابها)
(اذْهَبْ طريقك لست من أَرْبَابهَا ... وارجع وَرَاءَك لست من أَصْحَابهَا)
(وبعز سيدنَا وَسيد عزنا ... ذلت من الْأَيَّام شمس صعابها)
(وَأَتَتْ سعادته إِلَى أبوابه ... لَا كَالَّذي يسْعَى إِلَى أَبْوَابهَا)
(تعنو الْمُلُوك لوجهه بوجوهها ... لَا بل تساق لبابه برقابها)
стр. 1804
(شغل الْمُلُوك بِمَا يَقُول وَنَفسه ... مَشْغُولَة بِالذكر فِي مِحْرَابهَا)
(فِي الصَّوْم والصلوات أتعب نَفسه ... وَضَمان رَاحَته على إتعابها)
(وتعجل الاقلاع عَن لذاته ... ثِقَة بِحسن مآلها ومآبها)
(فلتفخر الدُّنْيَا بسائس ملكهَا ... مِنْهُ ودارس علمهَا وكتابها)
(صوامها قوامها علامها ... عمالها بذالها وهابها)
وَله فِيهِ أَيْضا من أُخْرَى
(وَسَأَلت من أَي الْمَعَادِن ثغرها ... فَوجدت من عبد الرَّحِيم المعدنا)
(أَبْصرت جَوْهَر ثغرها وَكَلَامه ... فَعلمت حَقًا أَن هَذَا من هُنَا)
(ذَاك الْكَلَام من الْكَمَال بمنزل ... لَا يدْرك السَّاعِي إِلَيْهِ سوى العنا)
(يدنو من الأفهام إِلَّا أَنه ... يلقاه أبعد مَا يكون إِذا دنا)
قلت كَانَ وَالِده تولى الْقَضَاء بعسقلان وأنفذ وَلَده الْفَاضِل إِلَى مصر فاتصل بِكِتَاب الدولة المصرية أبي الْفَتْح ابْن قادوس وَغَيره وَفتح الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الصِّنَاعَة ففاق فِيهَا أهل عصره مُضَافا إِلَى مَا منحه الله تَعَالَى من علو قدره
وَقد سبق من ترسلاته مَا يشْهد لعَظيم أمره وقرأت من نظمه
стр. 1805
(وَسيف عَتيق للعلاء فَإِن يقل ... رَأَيْت أَبَا بكر فَقل وعتيق)
(فزر بَابه فَهُوَ الطَّرِيق إِلَى الندى ... ودع كل بَاب مَا إِلَيْهِ طَرِيق)
وَله أَيْضا
(سبقتم بإسداء الْجَمِيل تكرما ... وَمَا مثلكُمْ فِيمَن تحدث أَو حكى)
(وَقد كَانَ ظَنِّي أَن أسابقكم بِهِ ... وَلَكِن بَكت قبلي فهيج إِلَى البكا)
وَدفن ﵀ بمقبرته بالقرافة
وقرأت فِي تَارِيخ أبي عَليّ حسن بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل القليوبي الَّذِي ذيله على تَارِيخ أبي الْقَاسِم السمناني قَالَ حَدثنِي الْملك المحسن أَحْمد ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَن يَوْم مَاتَ الْفَاضِل اتّفق دُخُول السُّلْطَان الْملك الْعَادِل إِلَى مصر وَأَخذهَا من ابْن أَخِيه الْأَفْضَل قَالَ دخل الْعَادِل من بَاب وَخَرجْنَا نسرع بالجنازة من بَاب آخر
قَالَ وَأكْثر أهل مصر يذكرُونَ أَن كتبه الَّتِي جمعهَا مِقْدَار مئة ألف مُجَلد وَكَانَ يجمعها من سَائِر الْبِلَاد
قَالَ وَسمعت قَاضِي الْقُضَاة ضِيَاء الدّين الْقَاسِم بن يحيى الشهرزوري بِبَغْدَاد أَيَّام ولَايَته يحدث أَن القَاضِي الْفَاضِل لما سمع
стр. 1806
أَن الْعَادِل أَخذ الديار المصرية دَعَا على نَفسه بِالْمَوْتِ خشيَة أَن يستدعيه وزيره صفي الدّين بن شكر إِلَيْهِ أَو يجْرِي فِي حَقه إهانة وَكَانَ بَينهمَا مقارصة فَأصْبح مَيتا وَكَانَت لَهُ مُعَاملَة حَسَنَة مَعَ الله تَعَالَى وَصَلَاة بِاللَّيْلِ كَمَا ذكرُوا عَنهُ ﵀
قلت وَأَخْبرنِي القَاضِي الشَّهِيد ضِيَاء الدّين ابْن أبي الْحجَّاج صَاحب ديوَان الْجَيْش ﵀ أَن القَاضِي الْفَاضِل بعد صَلَاح الدّين لم يخْدم أحدا من أَوْلَاده وَكَانَت الدولة بأسرها تَأتي إِلَى خدمته إِلَى أَن توفّي
قَالَ وَلما قدم الْعَادِل إِلَى مصر وملكها بَات لَيْلَة ثمَّ أصبح فزار قبر الشَّافِعِي ﵁ وَجَاء إِلَى قبر الْفَاضِل فزاره قَالَ ابْن أبي الْحجَّاج وَأَنا حَاضر ذَلِك
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا توفّي الْأَمِير عز الدّين إِبْرَاهِيم بن
стр. 1807
شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُقدم فِي حصن أفامية
وفيهَا أَو فِي سنة سِتّ قبلهَا توفّي السُّلْطَان خوارزم شاه بن تكش بن أيل أرسلان بن أتسز بن مُحَمَّد وَهُوَ الَّذِي زَالَت دولة السلجقية بِملكه وَاجْتمعَ لَهُ مَعَ خوارزم خُرَاسَان وَالْعراق وَلما مَاتَ قَامَ وَلَده عَلَاء الدّين مُحَمَّد مقَامه
قَالَ وفيهَا كتب السُّلْطَان الْعَادِل للأمير فَخر الدّين أياز سركس بأعمال تبنين وهونين وبانياس والحولة وَمَا يجْرِي مَعهَا وَكَانَت مَعَ الْأَمِير حسام الدّين بِشَارَة فحاصره وأنجده الْملك الْمُعظم عِيسَى ابْن السُّلْطَان من دمشق فَسلم الْبِلَاد وَخرج
قَالَ وفيهَا توفّي الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش وَهُوَ من القدماء الكرماء وشيوخ الدولة الكبراء أَمِير الأَسدِية ومقدمها وكريمها ومكرمها وَلم أر غَيره خَصيا لم تقاومه الفحول وَلم تُؤثر فِي محَال مأثراته المحول وَله فِي الْغَزَوَات والفتوحات مَوَاقِف مَعْرُوفَة ومقامات مَوْصُوفَة وَهُوَ الَّذِي احتاط على الْقصر حِين استتبت على متوليه أَسبَاب النَّصْر وَذَلِكَ قبل موت العاضد بِمدَّة
وَلما خطب لبني الْعَبَّاس بالديار المصرية تسلم الْقصر بِمَا فِيهِ وَاسْتظْهر على أقَارِب العاضد وبنيه وَتَوَلَّى عمَارَة الأسوار المحيطة بِمصْر والقاهرة وأتى فِيهَا بالعجائب الظَّاهِرَة
стр. 1808
وَكَانَ معَاذ الالتجاء وملاذ الإرتجاء غير أَنه نسب إِلَى اللجاج لشدَّة ثباته وفرط جموده وَلَا يكَاد يعجم لصلابة عوده وَلما توفّي تسلم السُّلْطَان دَاره بِمَا حوته من الذَّخَائِر وَصَارَت إقطاعاته للْملك الْكَامِل
قَالَ وفيهَا نقل إِلَى السُّلْطَان عَن غُلَام الْأَمِير أيبك الفطيس أَن جمَاعَة قد عزموا على الفتك بالسلطان حَال ركُوبه وَأسْندَ أصل ذَلِك إِلَى الْملكَيْنِ الْمعز إِسْحَاق والمؤيد مَسْعُود وَلَدي صَلَاح الدّين ﵀ فأحضر الْغُلَام وعصره فَمَاتَ وَلم يقر واعتقل الْمعز والمؤيد وَنزع من اتهمه فِي ذَلِك من الْأُمَرَاء الصلاحية وَتكلم النَّاس بِأَحَادِيث فِي هَذِه الْقَضِيَّة
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة اشْتَدَّ الغلاء وامتد الْبلَاء وتحققت المجاعة وَتَفَرَّقَتْ الْجَمَاعَة وَهلك الْقوي فَكيف الضَّعِيف ونهك السمين فَكيف العجيف وَخرج النَّاس حذر الْمَوْت من الديار وتفرق فرق بِمصْر فِي الْأَمْصَار وَرَأَيْت الأرامل على تِلْكَ الرمال وَالْجمال باركة تَحت الْأَحْمَال ومراكب الفرنج على سَاحل الْبَحْر على اللقم تسْتَرق الجياع باللقم فَقل من إِلَى الشَّام خلص إِلَّا بعد أَن قل عدد أَهله وَنقص
قلت ثمَّ زَالَت تِلْكَ الشدَّة بعد مُدَّة
وَتُوفِّي الْعِمَاد الْكَاتِب ﵀ مُصَنف هَذِه الْكتب الْفَتْح والبرق وَهَذِه الرسائل الثَّلَاث العتبى والنحلة
стр. 1809
والخطفة بِدِمَشْق فِي أول شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة وَهِي سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مئة وَدفن بمقابر الصُّوفِيَّة بالشرف القبلي
وَفِي هَذِه السّنة توفى الشَّيْخ أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن الْجَوْزِيّ الْوَاعِظ رَحمَه الله تَعَالَى وَغَيره
وَتُوفِّي الْملك الْأَفْضَل بسميساط فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وست مئة وَحمل إِلَى حلب فَدفن بهَا
وَتُوفِّي الْملك الظَّاهِر بحلب فِي سنة ثَلَاث عشرَة وست مئة
وفيهَا توفّي بِدِمَشْق الشَّيْخ تَاج الدّين أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الْكِنْدِيّ وَغَيره وَدفن بِالْجَبَلِ
وَتُوفِّي الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب بِدِمَشْق فِي سنة خمس عشرَة وست مئة
وَابْنه الْملك الْمُعظم فِي أَوَاخِر سنة أَربع وَعشْرين وست مئة
وابناه الْأَشْرَف والكامل فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وست مئة رَحِمهم الله تَعَالَى ووفق من بَقِي من أهل بَيتهمْ وَأصْلح ذَات بَينهم آمين
стр. 1810
آخر الْكتاب وَالْحَمْد لله الْملك الْوَهَّاب
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَأَصْحَابه خير آل وَأَصْحَاب
وعَلى التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الْحساب وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم