Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
أَبُو الهيجاء السمين وَتَوَلَّى الْقُدس وَوصل الْأَفْضَل إِلَى دمشق غرَّة الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين
ثمَّ إِن الْأَفْضَل لَازم صِيَامه وقيامه وقلل شرابه وَطَعَامه وَحسن شعاره واستوى ليله ونهاره ووزيره الْجَزرِي قد بلي النَّاس مِنْهُ ببلايا وَهُوَ فِي غَفلَة عَن تِلْكَ القضايا وَكَانَ يدْخل إِلَيْهِ ويوهمه من قبل أَقوام أَنهم عَلَيْهِ وَأَنَّهُمْ يميلون إِلَى أَخِيه فيصدقه الْأَفْضَل فِيمَا يَدعِيهِ
فَصَارَ يبلغ الْعَادِل عَنهُ أَحْوَال مَا تعجبه بل تغضبه وَصَارَ يتَّصل بِهِ كل من هَاجر من الشَّام إِلَى مصر وَمَا مِنْهُم إِلَّا من يشكو من الْوَزير الْجَزرِي وَكَانَ قايماز النجمي قد لصق بالعادل وَكَذَلِكَ عز الدّين سامة وصاهر الْعَادِل وَظَاهره وَكَانَ الْعَادِل بِمصْر مستوطنا للقصر فوعد الْجَمَاعَة بازالة يَد الْوَزير الْجَزرِي ورده إِلَى بِلَاده وَقرر مَعَ الْعَزِيز تسيير عسكره مَعَه إِلَى الشَّام ليمهد لَهُ قَاعِدَة الْملك فِي سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام فَأخْرج الْعَادِل العساكر إِلَى بركَة الْجب وَخرج الْعَزِيز لتشييعه وَذَلِكَ مستهل ربيع الأول
وَوصل الْملك الزَّاهِر مجير الدّين دَاوُد من حلب إِلَى أَخِيه الْعَزِيز من جَانب الظَّاهِر لتسكين هَذَا الرهج الثائر وَمَعَهُ سَابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيزر وَالْقَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد
стр. 1752
ثمَّ إِن الْعَادِل أَشَارَ على الْعَزِيز بِأَن يُوَافقهُ على الْمسير ويرافقه فِيهِ فَرَآهُ عين التَّدْبِير فسارا بالعساكر نَحْو الشَّام وَلما انصرفت رسل الظَّاهِر من مصر بِمَا طلبُوا مروا بِدِمَشْق فأعلموا الْملك الْأَفْضَل بِمَا أبرم من الْأَمر فَضَاقَ صَدره وَطَالَ فكره وَاسْتَشَارَ أَصْحَابه فَأَشَارَ عَلَيْهِ شُيُوخ الدولة بِأَن يسْتَقْبل أَخَاهُ وَعَمه وَيسلم لَهما حكمه
وَأَشَارَ الْجَزرِي وَأَصْحَابه بالتصميم على مُخَالفَة وَترك المجاملة والملاطفة ثمَّ دخل عَلَيْهِ أَخُوهُ الْملك الظافر خضر فشجعه وَصَبره وَتَوَلَّى أَسبَاب التحصين وحلفوا الْأُمَرَاء والمقدمين وَقَطعُوا مَا فَوق الْمصلى عِنْد مَسْجِد فلوس بفصيل ورتبوا رجَالًا حوالي الْبَلَد يتناوبون لحفظه فِي البكرة والأصيل وتفرق الْأُمَرَاء على الأسوار والأبراج وَجَاءَت الرُّسُل الظَّاهِرِيَّة لاظهار المظاهرة وَندب الْأَفْضَل فلك الدّين أَخا الْعَادِل إِلَيْهِ مِنْهُ رَسُولا فوصل إِلَى الْعَسْكَر العزيزي بالداروم وغزة وَلَقي عِنْد الْعَزِيز من قبُوله الْعِزَّة فَبَقيَ فلك الدّين هُنَاكَ أَيَّامًا فِي إصْلَاح ذَات الْبَين وَلَا شكّ أَنهم اشترطوا على الْأَفْضَل شُرُوطًا وردوه بهَا وَأَقَامُوا ينتظرون الْجَواب فنفذ من ذكر أَن الْأَفْضَل أَبى ذَلِك فَلَمَّا رأى الأكابر وشيوخ الدولة أَن الْأَفْضَل لَا يسمع من رَأْيهمْ وَأَنه عازم على الْمُحَاربَة وَلَا يعدل عَن رَأْي وزيره مَعَ مَا قد عرفه من شُؤْم
стр. 1753
تَدْبيره شرعوا فِي إصْلَاح أُمُورهم فِي الْبَاطِن فراسلوا الْعَزِيز والعادل وَاسْتظْهر كل لنَفسِهِ
وَأقَام الْعَسْكَر مذ عَاشر رَجَب على الْبَلَد مستظهرا بِالْعدَدِ وَالْعدَد لَا يحدث حَدثا وَلَا يعبث بِالْبَلَدِ إِلَّا عَبَثا فَكتب الْأَوْلِيَاء من الْبَلَد إِلَى الْعَزِيز والعادل بانتهاز الفرصة فَرَكبُوا وتأهبوا يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من رَجَب وَسَاقُوا فَمَا صدهم عَن قصد الْبَلَد أحد وَمَا كَانَ فِي طريقهم إِلَّا الْملك الظافر وَمَعَهُ عَسْكَر حلب فقاتل على ظن قتال الْجَمَاعَة وَمَا عِنْده علم بِمَا دبروه من المخامرة فجاوزا وَلم يكترثوا
وَوصل الْعَزِيز إِلَى الميدان الْأَخْضَر وَوصل الْعَادِل إِلَى بَاب توما وَكَانَ الْأَمِير الْأمين بِهِ قد استنهضه إِلَيْهِ بكتبه ففتحه لَهُ فَدخل الْعَادِل وَأَصْحَابه من بَاب توما وَالْبَاب الشَّرْقِي وَبَات الْعَادِل فِي الدَّار الأَسدِية وَدخل الْعَزِيز من بَاب الْفرج وَبَات فِي دَار عمته الحسامية وَخرج إِلَيْهِ الْأَفْضَل ولقيه وتجرع من هم زَوَال ملكه مَا سقيه
فَلَمَّا ملك الْعَزِيز دمشق أَقَامَ أَيَّامًا بالميدان الْأَخْضَر الْكَبِير إِلَى أَن انْتقل الْأَفْضَل من القلعة بأَهْله وَأَصْحَابه وَأخرج وزيره الْجَزرِي مخفيا فِي صناديقه إشفاقا عَلَيْهِ من قَتله وتحريقه وتحول الْأَفْضَل تِلْكَ الْأَيَّام إِلَى مَسْجِد خاتون وَمَا يجاوره وَمَعَهُ وزيره فهرب لَيْلًا إِلَى بِلَاده وَقد ادخر فِيهَا أَمْوَال دمشق وأعمالها ثَلَاث سِنِين
قَالَ وَكَانَ الْعَزِيز قرر مَعَ الْعَادِل أَن يُقيم الْعَزِيز بِدِمَشْق
стр. 1754
ويستنيب الْعَادِل بِمصْر فَلَمَّا ملك دمشق نَدم على مَا قَرَّرَهُ وَرجع عَمَّا دبره وَنفذ إِلَى أَخِيه الْأَفْضَل فِي السِّرّ يعْتَذر إِلَيْهِ وَيُشِير عَلَيْهِ بِمَا كَانَ اشْترط عَلَيْهِ فأظهر الْأَفْضَل هَذَا السِّرّ لصحبه والمخصوصين بِقُرْبِهِ فَقَالُوا لَا تنخدع بِهَذَا القَوْل فَرُبمَا كَانَت خديعة وأطلع عمك الْعَادِل على هَذَا السِّرّ فَإِنَّهُ يرى ذَلِك عين الْبر
فَأرْسل إِلَى الْعَادِل من أعلمهُ بذلك فعزت عَلَيْهِ مراسلة الْعَزِيز الْأَفْضَل وَاجْتمعَ بالعزيز وعتبه وقرعه بِمَا أنبئ بِهِ وأنبه وَقَالَ أبني وتهدم وأوجد مصالحك وتعدم
فَأنْكر الْحَال وأحالها وانتقض الْأَمر قبل إبرامه وَوجه إِلَى الْأَفْضَل من أزعجه وَإِلَى صرخد أخرجه وسد طَرِيق الاستنصار على أَخِيه الظافر حَتَّى أسلم فِي تَسْلِيم بصرى الظفر بسلامته وبذلها وَلم يتبعهَا بندامته ورحل إِلَى حلب وَأظْهر الظَّاهِر الاحتفال بِهِ
وَأما الْأَفْضَل فَإِنَّهُ سَار إِلَى قلعة صرخد وسكنها وحول أَهله وأخاه قطب الدّين إِلَيْهَا وتوطنها وَعند خُرُوج الْأَفْضَل من قلعة دمشق دخل الْعَزِيز إِلَيْهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع شعْبَان وَجلسَ يَوْم الْجُمُعَة فِي دَار الْعدْل واعتقد النَّاس أَنه يطول مقَامه عِنْدهم فَلم يشعروا بِهِ إِلَّا وَقد برز للرحيل وَتقدم إِلَى الْعَادِل بِأَن يتَوَلَّى الْبِلَاد وَفَارق دمشق عَشِيَّة الِاثْنَيْنِ تَاسِع الشَّهْر وَنزل بالمخيم فَوق
стр. 1755
مَسْجِد الْقدَم ثمَّ تحول إِلَى الْكسْوَة وودعه بهَا يَوْم السبت رَابِع عشر الشَّهْر
فَلَمَّا عَاد الْعَادِل من وداع الْعَزِيز قرئ بالجامع منشورة العزيزي بالبلاد والأعمال وَالنَّظَر فِي جَمِيع الْأَحْوَال وأشاع أَنه نَائِب الْعَزِيز وَهُوَ سُلْطَانه وَأبقى الْخطْبَة باسم الْعَزِيز خَالِيَة من اسْمه حَالية برسمه وَضرب الدِّينَار وَالدِّرْهَم على سكته وَأظْهر أَنه قوي بشوكته وشكته وَجلسَ يومي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس للعدل وَبسط يَده لجمع الْأَمْوَال وخزنها لوقت عُمُوم الْحَاجة إِلَى صرفهَا
فصل
هَذَا آخر مَا انطوت عَلَيْهِ رِسَالَة العتبى من أَخْبَار مَا جرى بعد موت السُّلْطَان ﵀
وللعماد أَيْضا كتاب آخر سَمَّاهُ نحلة الرحلة ذكر فِيهِ أَيْضا نَحوا من ذَلِك وَهُوَ أَن الْأَحْوَال اختلت وتغيرت بعد موت السُّلْطَان وَأَرَادَ الْعِمَاد الرحيل إِلَى مصر فأصحبه الْأَفْضَل رِسَالَة إِلَى أَخِيه الْعَزِيز فَمضى إِلَيْهِ وَعِنْده عَمه الْعَادِل فَلم يتَمَكَّن من الرُّجُوع إِلَّا مَعَهُمَا لما خرجا بالعساكر فَذكر الحَدِيث فِي أَخذ الْبَلَد
стр. 1756
قَالَ وَخرج الْملك الْأَفْضَل وَاجْتمعَ بالعزيز فِي الميدان ودخلا من بَاب الْفرج متصاحبين إِلَى الضريح الناصري وَصعد الْعَزِيز القلعة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَصلى هَذِه الْجُمُعَة عِنْد ضريح وَالِده فِي هَيْئَة الْمُودع وَأظْهر بالبكاء والنحيب عِنْده سر الْقلب الموجع وَدخل دَار الْأَمِير أُسَامَة فِي جوَار تِلْكَ الْقبَّة وَأمر القَاضِي محيي الدّين بن الزكي بِأَن يبنيها مدرسة للتربة
قلت هِيَ الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالعزيزية ووقفها قَرْيَة عَظِيمَة تعرف بمحجة فَهَذَا قدر مَا فِي كتاب النحلة مِمَّا يتَعَلَّق بهما نَحن فِيهِ وَلم يكن ذكر مثل هَذَا من شَرط كتَابنَا هَذَا لانه مَوْضُوع للدولتين النيرتين إِلَّا أَنه لَا بُد من ذكر مَا يتَعَلَّق يهما مِمَّا وَقع فيهمَا وعقبيهما وتبعنا الْعِمَاد فِيمَا ذكر فِي العتبى لكَونه أَشَارَ إِلَيْهَا فِي كتاب الْبَرْق واستوفينا مَا فِي كتاب الْبَرْق وَالْفَتْح الْقُدسِي والتاريخ الأتابكي وَكتاب القَاضِي أبي المحاسن وأتينا على مَا فِيهَا من المحاسن واتصاف إِلَى ذَلِك قِطْعَة كَبِيرَة من مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة كَثِيرَة من عدَّة مصنفات ودواوين ومراسلات
стр. 1757
وَالله تَعَالَى يوفق مُلُوكنَا للاقتداء بسيرة سلفنا فِي إِقَامَة فرض الْجِهَاد وتخليص الْبِلَاد من أَيدي الْكَفَرَة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْعباد
وَمن كتاب فاضلي أما هَذَا الْبَيْت فَإِن الْآبَاء مِنْهُ اتَّفقُوا فملكوا وَإِن الْأَبْنَاء مِنْهُم اخْتلفُوا فهلكوا وَإِذا غرب نجم فَمَا فِي الْحِيلَة تشريقه وَإِذا بَدَأَ خريق ثوب فَمَا يَلِيهِ إِلَّا تمزيقه وهيهات أَن يسد على قدر طَرِيقه وَقد قدر طروقه وَإِذا كَانَ الله مَعَ خصم على خصم فَمن كَانَ الله مَعَه فَمن يطيقه
فصل
بعد انْتِهَاء هَذَا الْكتاب وإسماعه مرّة وقفت على مَا حسن لي إِلْحَاقه بِهَذَا الْكتاب من ذَلِك أَن القَاضِي الْفَاضِل كتب فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين إِلَى القَاضِي محيي الدّين بن الزكي كتابا قَالَ فِيهِ وَمِمَّا جرى فِي هَذِه الْمدَّة من المثلات الْجَارِيَة والمعضلات العادية بَأْس من الله طرق بياتا وَنحن نيام وَظن النَّاس أَن الْيَوْم الْمَوْعُود قد طرق فِي اللَّيْل الْمَمْدُود فَإِذا هم قيام إِن الله تَعَالَى أَتَى بساعة كالساعة كَادَت تكون للدنيا كساعة فِي الثُّلُث الأول من لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع عشري جُمَادَى الْآخِرَة وَذَلِكَ أَنه أَتَى عَارض فِيهِ ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة ورياح عَاصِفَة قوي ألهوبها وَاشْتَدَّ هبوبها وَارْتَفَعت لَهَا صعقات
стр. 1758
وتدافعت لَهَا أَعِنَّة مطلقات فرجفت لَهَا الجدران واصطفقت وتلاقت على بعْدهَا واعتنقت وثار من السَّمَاء وَالْأَرْض عجاج فَقيل لَعَلَّ هَذِه على هَذِه قد انطبقت
وتوالت البروق من جِهَة المقطم على نظام وَتبع الْوَاحِدَة الْأُخْرَى وتقفى الثَّانِيَة على أثر الأولى وَترى البروق واقفة وَهِي تتعاقب وقائمة وَهِي تتجاذب وَلَا تحسب إِلَّا أَن جَهَنَّم قد سَالَ مِنْهَا وَاد وَعدا مِنْهَا عَاد
وَزَاد عصف الرّيح إِلَى أَن انطفأت سرج النُّجُوم ومزقت أَدِيم السَّمَاء ومحت مَا كَانَ فَوْقه من الرقوم وَلَا تزَال هَذِه الرّيح تسكن سكونا خَفِيفا ثمَّ تعاود عودا عنيفا فَكُنَّا كَمَا قَالَ الله تعاى ﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق﴾ وكما قُلْنَا ويردون أَيْديهم على أَعينهم من البوارق لَا عَاصِم من الخطف للأبصار وَلَا ملْجأ من الْخطب إِلَّا معاقل الاسْتِغْفَار
وفر النَّاس رجَالًا وَنسَاء وَأَطْفَالًا ونهضوا من دُورهمْ خفافا وثقالا لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا إِذْ يستغيثون رَبهم ويذكرون ذنبهم لَا يستغربون الْعَذَاب لانهم على موجباته مصرون وَفِي وَقت وُقُوع واقعاته باستحقاقه مقرون معتصمين بالمساجد الجامعة ومتلقين الْآيَة النَّازِلَة من السَّمَاء بالأعناق الخاضعة بِوُجُوه عانية ونفوس عَن الْأَمْوَال والأهل سالية ﴿ينظرُونَ﴾
стр. 1759
من طرف خَفِي) ويتوقعون أَي خطب جلي قد انْقَطَعت من الْحَيَاة علقهم وعميت عَن النجَاة طرقهم وَوَقعت الفكرة فِيمَا هم عَلَيْهِ قادمون وندموا وَنَحْمَد الله أَن نفعهم بِأَنَّهُم نادمون وَقَامُوا إِلَى صلَاتهم وودوا أَن لَو كَانُوا من الَّذين عَلَيْهَا دائمون
وَلم يزل ذَلِك دأبهم كلما سكنت الرِّيَاح تحركت وَكلما قيل اسْتَقَلت بَركت وَكلما أخذت قيل مَا تركت حَتَّى الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة والقلوب إِلَى الْحَنَاجِر بَالِغَة والأبصار عَن سننها زائغة إِلَى أَن أذن الله فِي الركود وأسعف الهاجدين بِالْأَمر لَهَا بالهجود وَأصْبح كل يسلم على رَفِيقه ويهنيه بسلامة طَرِيقه وَيرى أَنه قد بعث بعد النفخة وأفاق بعد الصَّيْحَة والصرخة وَأَن الله قد رد لَهُ الكرة وأدبه بعد أَن كَاد يَأْخُذهُ على الْغرَّة
وَورد من الْخَبَر أَن المراكب كسرهَا مَا كَانَ مُعْتَرضًا مِنْهَا فِي الْبَحْر للعارض وَالْأُصُول العادية من الشّجر عدت عَلَيْهَا الرّيح بحماها النافض وَأَن فِي الطّرق من الْمُسَافِرين من كَانَ نَائِما فدفنته الرِّيَاح حَيا وَركب فَمَا أغْنى عَنهُ الْفِرَار مِمَّا هُوَ أَمَامه شيا
стр. 1760
وَلَا يحْسب الْمجْلس أَنِّي أرْسلت الْقَلَم محرفا وَالْقَوْل مجزفا فَالْأَمْر أعظم وَلَكِن الله سلم والخطب أشق وَمَا بلغت وَلَا قضيت بِهَذَا التكثير بعض الْحق ونرجوا أَن الله سُبْحَانَهُ قد أيقظنا بِمَا وعظنا وَنَبَّهنَا بِمَا ولهنا فَمَا من عبَادَة من رأى الْقِيَامَة عيَانًا وَلم يلْتَمس عَلَيْهَا من بعده برهانا إِلَّا أهل بِلَادنَا فَمَا اقْتصّ الْأَولونَ مثلهَا فِي المثلات وَلَا سبقت لَهَا سَابِقَة فِي المعضلات
وَالْحَمْد لله الَّذِي من فَضله أَن جعلنَا نخبر عَنْهَا وَلَا تخبرعنا ونسأل الله أَن يصرف عَنَّا عَارض الْحِرْص والغرور إِذا عَنَّا
وشغلت خدمته بِهَذَا المهم وَجَعَلته على علم من هَذَا الْعلم فالسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ وَقد كَانَت لنا وَفينَا الموعظة وللذكرى حُدُود ونعوذ بِاللَّه من إِقَامَة حُدُودهَا الْمُغَلَّظَة
وَمن كتاب لَهُ آخر إِلَى الْعَادِل فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين أَيْضا وَقد تجدّد من وصال الْعَدو اللعين وحركته إِلَى جَانب بيروت وخطره الْبِلَاد مَا أذهل كل مرضعه وأوقع فِي ضائقة تنْفق الأفكار فِيهَا من سَعَة وللإسلام الْيَوْم قدم إِن زلت زل وهمة إِن قلت فَإِن النَّصْر مِنْهُ مل وَتلك الْقدَم الْقدَم العادلية وَتلك الهمة الهمة الْمُسَابقَة السيفية فَالله الله ثبتوا ذَلِك الْفُؤَاد ودمثوا ذَلِك المهاد واسهروا فِي الله فَلَيْسَتْ بليلة رقاد
стр. 1761
وَلَا ينظر فِي حَدِيث زيد وَلَا عَمْرو وَلَا أَن فلَانا نفع وَلَا ضرّ وَلَا أَن من الْجَمَاعَة من جَاءَ وَلَا أَن فيهم من مر انْظُرُوا إِلَى أَنكُمْ الْإِسْلَام كُله قد برز إِلَى الشّرك كُله وأنكم ظلّ الله فَإِن صححتم تِلْكَ النِّسْبَة فَإِن الله لَا نَاسخ لظله واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين وَلَا تهنوا وَإِن ذهب النَّاصِر فان الله خير الناصرين فَمَا هِيَ إِلَّا غمرة وتنجلي وهيعة وتنقضي وَلَيْلَة وتصبح وتجارة وتربح
وَمن كتاب لَهُ آخر إِلَى الْملك الْعَادِل أدام الله ذَلِك الِاسْم تاجا على مفارق المنابر والطروس وحياة للدنيا وَمَا فِيهَا من الأجساد والنفوس وَعرف الْمَمْلُوك مَا عرفه بِهِ من الْأَمر الَّذِي اقتضته الْمُشَاهدَة وحرست بِهِ الْعَاقِبَة فِي بيروت وَلَا مزِيد على تَشْبِيه الْحَال بقوله
(ألم تَرَ أَن الْمَرْء تدوى يَمِينه ... فيقطعها عمدا ليسلم سائره)
وَلَو كَانَ فِيهَا تَدْبِير لَكَانَ مَوْلَانَا قد سبق إِلَيْهِ وَمن قلم من الاصبع ظفرا فقد جلب إِلَى الْجَسَد بِفِعْلِهِ نفعا وَدفع عَنهُ ضرا
(وتجشم الْمَكْرُوه لَيْسَ بضائر ... مَا خلته سَببا إِلَى الْمَحْمُود)
стр. 1762
وَآخر كل شتوة أول كل غَزْوَة فَلَا يسأم مَوْلَانَا نِيَّة الرِّبَاط وفعلها وتجشم الكلف وَحملهَا فَهُوَ إِذا صرف وَجهه إِلَى وَجه وَاحِد وَهُوَ وَجه الله صرف الله إِلَيْهِ الْوُجُوه كلهَا ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾
وَمن الْكتاب لَهُ آخر هَذِه الْأَوْقَات الَّتِي أَنْتُم فِيهَا عرائس الْأَعْمَار وَهَذِه النَّفَقَات الَّتِي تجْرِي على أَيْدِيكُم مُهُور الْحور فِي دَار الْقَرار وَمَا أسعد من أودع يَد الله مَا فِي يَدَيْهِ فَتلك نعم الله عَلَيْهِ وتوفيقه الَّذِي مَا كل من طلبه وصل إِلَيْهِ وَسَوَاد العجاج فِي هَذِه المواقف بَيَاض مَا سودته الذُّنُوب من الصحائف فَمَا أسعد تِلْكَ الوقفات وَمَا أَعُود بالطمأنينة تِلْكَ الرجفات
فصل
وللعماد الْكَاتِب ﵀ كتاب آخر سَمَّاهُ خطْفَة البارق وعطفة الشارق ذكر فِيهِ أَشْيَاء من حوادث سنة ثَلَاث وَتِسْعين إِلَى أَن توفّي هُوَ ﵀ فِي سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مئة واشتمل ذَلِك على فَوَائِد تتَعَلَّق بِمَا تقدم فَأَحْبَبْت إلحاقها بِهِ من ذَلِك وَفَاة سيف الْإِسْلَام طغتكين بن أَيُّوب بِالْيمن فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتَوَلَّى ابْنه شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل
стр. 1763
هَذَا وَالْملك الْعَادِل بِدِمَشْق وَقد انْتقل الْملك الظافر إِلَى حلب بعد أَخذ عَمه مِنْهُ بصرى وعزم على قصد بَغْدَاد فَصَرفهُ أَخُوهُ الظَّاهِر عَن ذَلِك
وَذهب الْأَمِير أَبُو الهيجاء السمين إِلَى بَغْدَاد بِأَصْحَابِهِ فَأكْرم ثمَّ سير فِي جَيش إِلَى همذان ثمَّ بعد رُجُوعه مَاتَ بدقوقا
وَانْقَضَت مُدَّة هدنة الفرنج الَّتِي عقدوها مَعَ الْملك النَّاصِر ﵀ فَخَرجُوا والتقوا مَعَ الْملك الْعَادِل بِرَأْس الْعين بمرج عكا فكسرهم وَفتح يافا عنْوَة
وَكَانُوا كاتبوا ملك الألمان وَكَانَ قد ملك صقلية فأنهوا إِلَيْهِ تِلْكَ البلية وَقَالُوا إِن عِظَام أَبِيه إِلَى الْآن فِي صور فِي تَابُوت مكلل بالديباج وَكَأَنَّهُ فِي الْأسر منتظر الافراج فَإِنَّهُ لَا يقبر إِلَّا بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس إِذا استخلص والآن مَا كَانَ غلا مِنْهُ استرخص فَإِن الْمُسلمين قد اشْتغل بَعضهم بِبَعْض ولهوا عَن كل سنة وَفرض
فتدافعت إِلَى عكا سفنهم وتدفق مزنهم وامتلأت بهم فِي السَّاحِل مدنهم وقصدوا بيروت وَبهَا الْأَمِير عز الدّين سامة فَلَمَّا سمع بوصولهم إِلَى صيدا خرج بجماعته مِنْهَا وَسَار بأَهْله وَمَال عَن وعر الْأَمر إِلَى سهله ودخلها الفرنج بعد يَوْم من غير مطاولة سوم وَلَا مماطلة روم وَكثر فِيهِ الحَدِيث وَذكر الطّيب والخبيث فَمن قَائِل تجبن وتجنب وَمن قبل أَن ينكب تنكب وَمن قَائِل
стр. 1764
رِجَاله هابوا فغابوا وَلَو أَنه دعاهم لما أجابوا واتسع القَوْل وَوَقع الهول حَتَّى نظم بَعضهم والفرنج على تبنين
(سلم الْحصن مَا عَلَيْك ملامة ... مَا يلام الَّذِي يروم السَّلامَة)
(فعطاء الْحُصُون من غير حَرْب ... سنة سنّهَا ببيروت سامة)
وتصرفت الفرنج فِي بيروت وأعمالها الساحلية وَبَقِي لسامة جَمِيع الْولَايَة الجبلية ثمَّ توجه إِلَى مصر
وَدخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَخمْس مئة
فَنزل الفرنج سادس عشر الْمحرم على تبنين وَأرْسل الْعَادِل القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْقرشِي إِلَى الْملك الْعَزِيز بِمصْر فَخرج بجيوشه وَوصل فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الأول فجفلت الفرنج بعد أَن كَانُوا ضايقوا الْحصن ورحلوا
وجاءهم الْخَبَر بِهَلَاك ملك الألمان ثمَّ انْتقل عَسْكَر الْمُسلمين إِلَى جَانب الطّور وَمَعَ الْعَزِيز إخْوَته الظافر والمعز والمؤيد
وَكَانَ الْأَفْضَل قد جَاءَ إِلَى عَمه قبلهم وَكَانَ مَعَهم على تبنين الْمُجَاهِد صَاحب حمص والأمجد صَاحب بعلبك وَعز الدّين بن الْمُقدم وَبدر الدّين دلدرم وَغَيرهم من الْأَعْيَان ثمَّ تراجعوا إِلَى بِلَادهمْ بعد عقد الْهُدْنَة وَرجع الْعَزِيز إِلَى مصر بعد أَن خلع على
стр. 1765
ابْن عَمه الْملك الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل وَخَصه بالسنجق واللواء المنشور لطي اللأواء
وَعَاد الْمُعظم إِلَى دمشق وَقد قرت بِهِ الْعُيُون وَحسنت فِيهِ الظنون وَكَانَ أعز أَوْلَاد الْعَادِل عِنْده وأعلقهم بِقَلْبِه وأخصهم بحبه قد ولاه سلطنة دمشق وأطاب فِيهَا بنشر كرمه النشق وَأقَام الْعَادِل حَتَّى اسْتَقَرَّتْ الْهُدْنَة وَظَهَرت فِي عمَارَة تبنين المكنة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَأقَام قَلِيلا ثمَّ شَرق ورقع بهَا من الْأَمر مَا تخرق ورتق مَا تفتق
ورد بِلَاد أَوْلَاد عماد الدّين زنكي إِلَيْهِم لانه توفّي فِي هَذِه السّنة وَاسْتولى عَلَيْهَا ابْن عمهم صَاحب الْموصل فأنجدهم عَلَيْهِ السُّلْطَان الْملك الْعَادِل
وَتُوفِّي جمَاعَة من أُمَرَاء الْموصل مِنْهُم الْأَمِير الْكَبِير عز الدّين جرديك وَكَانَ فَارس الْإِسْلَام ومقدامه وشجاعه وهمامه وَمَا برح من أَيَّام نور الدّين إِلَى آخر أَيَّام صَلَاح الدّين رحمهمَا الله لَيْث العرين أَشمّ الْعرنِين وَهُوَ الَّذِي أعَان صَلَاح الدّين على الْقَبْض على شاور وولاه صَلَاح الدّين الْقُدس فِي آخر عَهده فَقَامَ بمصالحه من بعده ثمَّ تسلمه مِنْهُ الْملك الْأَفْضَل وَسلمهُ إِلَى أبي الهيجاء السمين فَلَمَّا خرج الْأَفْضَل من دمشق وصل إِلَى الْموصل وانتقل من حَوْض الْكَوْثَر إِلَى أعذب منهل
стр. 1766
قَالَ وَنزل السُّلْطَان الْعَادِل على قلعة ماردين فِي شهر رَمَضَان وَملك ربضها ومدنها وولاياتها وصاف عَلَيْهَا وشتى وصبر وصابر وَلم يقل كَيفَ وَمَتى وَمَا شكّ أحد أَن ماردين فِي ملكه مُضَافَة إِلَى ملكه وَقد هنأه بهَا الشُّعَرَاء مِنْهُم إِبْرَاهِيم بن مَرْوَان من أهل رَأس عين وَله من قصيدة
(فَإِن تَكُ مصر أم ملك فمارد ... إِذا نسب الْبلدَانِ فَحل المماليك)
(تقاعس عَنْهَا سنجر وَابْن عَمه ... وَقصر عَنْهَا عزم زنكي الأتابك)
(فَإِن تَكُ قد شوركت فِي فتح غَيرهَا ... فَمَا لَك فِي أَمْثَالهَا من مشارك)
وَدخلت سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مئة
وَالْملك الْعَادِل نَازل على ماردين وَقد وصل إِلَيْهِ أَصْحَاب الْأَطْرَاف مساعدين وَقد أصلح بَين صَاحب الْموصل وَبني عَمه عماد الدّين وردهم إِلَى سنجار والخابور ونصيبين وَقد أذعن لَهُ الْجَمَاعَة بِالطَّاعَةِ ونائبه فِي تِلْكَ الْبِلَاد وديار بكر وَلَده الْملك الْكَامِل مُحَمَّد
قَالَ وفيهَا لَيْلَة الْأَحَد الْعشْرين من الْمحرم توفّي الْملك الْعَزِيز بداره بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ على عزم الصَّيْد فِي أَعمال الفيوم فخيم تِلْكَ اللَّيْلَة عِنْد الأهرام فَقيل إِنَّه أصبح وركض خلف صيد فكبا بِهِ
стр. 1767
الْفرس مرّة بعد أُخْرَى فتمت لَهُ سقطة عَمت بهَا على الزَّمَان سخطه فتفاقم ألمه وَأقَام يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة لَا يَسْتَطِيع لَهُ مَخْلُوق إِعَانَة وَلَا إغاثة ثمَّ حم حمامه وأظلمت بفجيعته أَيَّامه وقبر فِي دَاره لينقل مِنْهَا إِلَى دَار قراره ثمَّ حول مِنْهَا فِي الْأَيَّام الْأَفْضَلِيَّة إِلَى التربة المقدسة الشَّافِعِيَّة
وَورد كتاب القَاضِي الْفَاضِل تَعْزِيَة بِهِ للْملك الْعَادِل أدام الله سُلْطَان مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل وَبَارك فِي عمره وَأَعْلَى أمره بأَمْره وأعز نَصره الْإِسْلَام بنصره وفدت الْأَنْفس نَفسه الْكَرِيمَة وأصغر الله العظائم بنعمته فِيهِ الْعَظِيمَة وأحياه الله حَيَاة طيبَة يقف هُوَ فِيهَا وَالْإِسْلَام فِي مَوَاقِف الْفتُوح الجسيمة وينقلب عَنْهَا بالأمور الْمسلمَة والعواقب السليمة وَلَا نقص لَهُ رجَالًا وَلَا عددا وَلَا أعدمه نفسا وَلَا ولدا وَلَا قصر لَهُ ذيلا وَلَا يدا وَلَا أسخن لَهُ قلبا وَلَا كبدا وَلَا كدر لَهُ خاطرا وَلَا موردا
وَلما قدر الله ماقدر فِي الْملك الْعَزِيز رَحْمَة الله عَلَيْهِ وتحياته مكررة إِلَيْهِ من انْقِضَاء مهله وَحُضُور أَجله كَانَت بديهة الْمُصَاب عَظِيمَة وطالعة الْمَكْرُوه أليمة فرحم الله ذَلِك الْوَجْه ونضره ثمَّ إِلَى السَّبِيل إِلَى الْجنَّة يسره
(وَإِذا محَاسِن أوجه بليت ... فَعَفَا الثرى عَن وَجهه الْحسن)
стр. 1768
فأعزز على الْمَمْلُوك وعَلى الْأَوْلِيَاء بل على قلب مَوْلَانَا لَا سلبه الله ثوب العزاء بِسُرْعَة مصرعه وانقلابه إِلَى مضجعه ولباسه ثوب البلى قبل أَن يبْلى ثوب الشَّبَاب وزفه إِلَى التُّرَاب وسريره محفوف باللذات والأتراب
وَكَانَت مُدَّة الْمَرَض بعد الْعود من الفيوم أسبوعين وَكَانَت فِي السَّاعَة السَّابِعَة من لَيْلَة الْأَحَد الْعشْرين من الْمحرم والمملوك فِي حَال تسطيرها مَجْمُوع لَهُ بَين مرض قلب وجسد ووجع أَطْرَاف وغليل كبد وَقد فجع بِهَذَا الْمولى والعهد بوالده ﵀ غير بعيد والأسى عَلَيْهِ فِي كل يَوْم جَدِيد
وَوصل قبل هَذَا إِلَى الْعِمَاد كتاب من الْفَاضِل فِيهِ وَأَنا على مَا يُعلمهُ من الْعُزْلَة إِلَّا أَنَّهَا بِلَا سُكُون وَفِي الزاوية المسنونة لأهل الْعَافِيَة إِلَّا أَنِّي على مثل حد الْمنون وَكَيف يعِيش الْعَاقِل فِي الزَّمَان الْمَجْنُون وَنحن على انْتِظَار الْبَرْق الشَّامي أَن يمطر وحاشى ذمَّة الْوَعْد بِهِ أَن تحفر واشتغال سيدنَا فِي هَذَا الْوَقْت بالدرس والتدريس والتصوير والتكييف والتصانيف الَّتِي تصرف فِيهَا البلاغة أحسن التصاريف نعْمَة عين شكرها على الْعلمَاء وَيخْتَص باللذة بهَا سادتهم من الْفُقَهَاء
قَالَ الْعِمَاد وَلما توفّي الْملك الْعَزِيز خلف بَنِينَ صغَارًا يزِيدُونَ على الْعشْرَة وَولده الْأَكْبَر نَاصِر الدّين مُحَمَّد قد أنافت سنوه على عشر وَكَانَ إِلَى أَبِيه أحب أَوْلَاده يشيم من شِيمَة مخيله سداده وَقد اخْتصَّ لَدَيْهِ وَنَصّ عَلَيْهِ فَاجْتمع الْأُمَرَاء الصلاحية
стр. 1769
وَكَبِيرهمْ ومقدمهم فَخر الدّين أياز سركس وَمِنْهُم أَسد الدّين سراسنقر وزين الدّين قراجه
وعقدوا الْأَمر لوَلَده نَاصِر الدّين ونعتوه بِالْملكِ الْمَنْصُور وَأخذُوا لَهُ أَيْمَان الْجُمْهُور
قَالَ وَكَانَت الأَسدِية فِي الْأَيَّام العزيزية بالناصرية مغمورين وبالاستيلاء عَلَيْهِم مقهورين وَكَبِيرهمْ سيف الدّين يازكوج وَكَانَ عِنْد وَفَاة الْعَزِيز غَائِبا بأسوان فَلَمَّا بلغه ذَلِك حضر وَجمع الأَسدِية واجتمعوا هم والصلاحية فِي ظَاهر الْقَاهِرَة فَقَالَ لَهُم نعم مَا رَأَيْتُمُوهُ من حفظ عهد الْعَزِيز فِي وَلَده لكنه صَغِير السن لَا يحْتَمل ثقل هَذَا الْفَنّ وَلَا بُد من كَبِير من أهل الْبَيْت يربيه ويدير الدَّوَاوِين ويرتب القوانين وَمَا هَا هُنَا إِلَّا الْملك الْعَادِل وَهُوَ الْآن فِي بِلَاد الشرق مَشْغُول وَهَا هُنَا من هُوَ أقرب مِنْهُ وَهُوَ الْملك الْأَفْضَل
فَقَالَ الأَسدِية هَذَا هُوَ الرَّأْي الرَّاجِح وَلم يسع الصلاحية مُخَالفَته فاتفقوا على استدعاء الْأَفْضَل من صرخد فَخرج مِنْهَا لَيْلَة الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من صفر وسلك الْبَريَّة فوصل إِلَى الْقُدس يَوْم الْخَمِيس وَخرج إِلَيْهِ عسكره وَسَارُوا مَعَه إِلَى بَيت جِبْرِيل ثمَّ أغذ السّير فَلَمَّا قرب مِنْهُم فِي تَاسِع ربيع الأول تلقوهُ وَإِلَى أَعلَى مراقي الْعَلَاء رقوه وسروا بقدومه وجروا لمرسومه
قَالَ وَكَانَ الناصرية كتبُوا إِلَى رفقائهم بِالشَّام إِنَّا أحوجنا إِلَى
стр. 1770
الْوِفَاق وتأكيد الْمِيثَاق وَقد كتب إِلَى نور الدّين بالحضور وَضبط الْأُمُور وهوعندكم فِي صرخد وَإِن وصل إِلَيْنَا انتظم أمره وتمهد فاجتهدوا فِي حصره وَهُوَ فِي حصنه وَلَا تسمحوا بفك رَهنه وَوصل إِلَى دمشق بعض الْكتب يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر فَخرج عسكرها إِلَى صرخد فوصلوا إِلَى بصرى يَوْم الْأَرْبَعَاء فَقيل لَهُم إِن الْأَفْضَل أدْلج لَيْلًا واستصحب نجبا وخيلا فَرَجَعُوا إِلَى دمشق
وَقيل لما عبر الْأَفْضَل بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس وجد فِي طَرِيقه نجابا مسرعا فَاسْتَحْضرهُ واستكشف ورده وصدره فَقَالَ أَنا نجاب فَخر الدّين أياز سركس وَمَعِي كتبه إِلَى من يأنس بِهِ وَيُحِبهُ فتسلم مِنْهُ الْكتب وَعَاد النجاب فِي خدمته فَلَمَّا وصل إِلَى الْقَاهِرَة احتفل سركس لَهُ وأضاف وَقدم وَغرم أَمْوَالًا ثمَّ أبْصر نجابه وَاقِفًا بِبَابِهِ فَأخْبرهُ الْخَبَر فاستشعر من ذَلِك وتضور فَمضى وَتَبعهُ عسكره وزين الدّين قراجه فوصلا إِلَى الْقُدس وسكنا بِهِ وَعرف الناصرية جلية الْحَال فَأخذُوا فِي الِانْتِقَال وتوهم الْأَفْضَل من البَاقِينَ فقبضهم وحوى جوهرهم وعرضهم فتفرقت الْكَلِمَة المجتمعة وتوقفت الهمم المسرعة وَأمر الْأَفْضَل بِالْخطْبَةِ لِابْنِ الْعَزِيز على جَمِيع المنابر ثمَّ الدُّعَاء لَهُ فِي الآخر ونقشت السِّكَّة أَيْضا باسم الْوَلَد فِي الْبَلَد وَغير الْبَلَد
стр. 1771
قَالَ وَلما اسْتَقر الْأَفْضَل بِمصْر حملوه على قصد دمشق وحصرها وَقَالُوا لَهُ اطلب بلدك الَّذِي مِنْهُ أخرجت وَعَن الْمقَام فِيهِ أزعجت وَمَالك فِي مصر مَا يَكْفِيك ودمشق لَك بِوَصِيَّة أَبِيك وجاءته رسل أَخِيه الظَّاهِر من حلب وهداياه وَقَالَ لَهُ انتهز الفرصة فعمنا عَنَّا مَشْغُول وَإِلَى أَن يتم من ماردين مُرَاده وينضم إِلَى بياضه سوَاده تخرج دمشق عَن يَده وتعجله الْيَوْم فِيهَا عَن غده وَأَنا أصل إِلَيْك وأقدم عَلَيْك بالبنود والجنود والأساود وَالْأسود فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى خرج بالعسكر واستناب سيف الدّين يازكوج مَكَانَهُ
قَالَ وَوصل إِلَى الْملك الْعَادِل الْأَمِير سراسنقر أحد الْأُمَرَاء الناصرية المفارقين فاستحثه على مُفَارقَة ماردين وتواصل من الناصرية جمَاعَة بعده وَعِنْدهم من الاستحثاث مَا عِنْده فحركه القَوْل وتجرد عَن الْعَسْكَر واستصحب مَعَه الأميرين عز الدّين بن الْمُقدم وَبدر الدّين دلدرم وسرى لَيْلًا لخمس بَقينَ من رَجَب وَأوصى وَلَده الْكَامِل أَن يسير فِي مضايقة حصن ماردين بسيرته ويقتدي بعزمته
وَوصل إِلَى دمشق يَوْم الِاثْنَيْنِ حادي عشر شعْبَان وَأخذ فِي تحصين الْبِلَاد ووصلت العساكر المصرية يَوْم الْخَمِيس وأحاطت بِدِمَشْق ودخلها جمَاعَة مِنْهُم من بَاب السَّلامَة بلغُوا إِلَى السُّوق الْكَبِير وأعلنوا الْفَتْح بِالتَّكْبِيرِ وَلم يتبعهُم أحد على هَذَا التَّدْبِير فَخَرجُوا من بَاب الفراديس وكروا على أَعْقَابهم لمن وقف لَهُم من الكراديس
стр. 1772
وَأما الْأَفْضَل فَإِنَّهُ وصل إِلَى الميدان الْأَخْضَر وَضرب فِيهِ دهليز سرادقه وأقدم برواعده وبوارقه فَأَشَارَ عَلَيْهِ أمراؤه بالتأخر عَن تِلْكَ الْمنزلَة وَكَانَت مِنْهُم زلَّة فنزلوا عِنْد ميدان الْحَصَى ثمَّ تَأَخَّرُوا إِلَى مَسْجِد الْقدَم وامتلأ ذَلِك الفضاء بمضارب الخيم ففترت الصدمة الأولى وَقصرت الصدعة الطُّولى وخمد الْجَمْر فَصَارَ رَمَادا واستحالت تِلْكَ الأمواج المتلاطمة ثمادا ولزموا مَنَازِلهمْ أَكثر من سِتَّة أشهر هُنَاكَ وتمت فوارط عدمت الِاسْتِدْرَاك وامتدت خيامهم من أقْصَى داريا إِلَى الغوطة وظنوا أَنهم آخذون بمخنق دمشق المضغوطة
وَكَاتب الْملك الْعَادِل جمَاعَة من أُمَرَاء الْعَسْكَر الْمصْرِيّ ففارقوه ودخلوا دمشق فأكرمهم واحترمهم مِنْهُم طغرل المهراني وأياز البانياسي وَابْن كهدان ومثقال الْخَادِم وَابْن أُخْت السُّلْطَان ابْن سعد الدّين كمشبه وَكثر الواصلون القاطعون لمن وَرَاءَهُمْ وَأحسن الْعَادِل جزاءهم فتكاثرت الأطماع وَتَتَابَعَتْ الرؤوس والأتباع
وَوصل الْملك الظَّاهِر وَمَعَهُ أَخَوَاهُ الظافر والمعز وجاءهم الْملك الْمُجَاهِد صَاحب حمص وعسكر حماة دون سلطانها وحسام الدّين بِشَارَة صَاحب بانياس وَهُوَ شيخ الدولة وكبيرها
стр. 1773
وأمينها وأميرها وَفِي حمايته حصنا تبنين وهونين وَمَا يزَال أسرى من كبراء أهل الْكفْر بدين الله عِنْده مرهونين فرغبهم فِي السَّلامَة وَالسّلم وَالِاحْتِمَال والحلم وَأَشَارَ على كل من الْجَانِبَيْنِ بتجنب المجانبة والتقرب بالمقاربة والمراقبة وجاءهم أَيْضا سعد الدّين مَسْعُود صَاحب صفد وَأَخُوهُ نور الدّين مودود
قَالَ وَلما جبنوا عَن مضايقة الْحصار واصلوا قطع الْأَشْجَار وَكسر الْأَنْهَار وَمنع كل مَا يدْخل إِلَى الْبَلَد من نعْمَة وَنعم وغنيمة وغنم حَتَّى ردوا القوافل وصدوا الْفُرُوض والنوافل
قَالَ وَكَانَ الناصرية المقيمون بالقدس قد استولوا عَلَيْهِ ونظفوا مِمَّن ارْتَابُوا بِهِ حواليه وأخرجوا مِنْهُ المغاربة وَرِجَاله وأجناده الرَّاتِبَة وَمَعَهُمْ الْأَمِير فَارس الدّين مَيْمُون صَاحب نابلس وَعز الدّين سامة صَاحب كَوْكَب وبيسان
ثمَّ وصل الْخَبَر بِأَن سركس وَمن مَعَه واصلون إِلَى دمشق فتجرد من المحاصرين عَسْكَر إِلَى طريقهم وَكَانُوا قد وصلوا إِلَى طبرية وعبروا مِنْهَا إِلَى الْبِقَاع وتكمنوا خلال تِلْكَ الضّيَاع وسيروا إِلَى بعلبك مَا صحبهم من الأثقال والأحمال وَكَانَ صَاحبهَا الأمجد فِي جَانب الْملك الْعَادِل وتجردوا خيلا وقطعوها لَيْلًا وتوقلوا الْجبَال حَتَّى أشرفوا على دمشق من عقبَة دمر وَقد فاتوا الْعَسْكَر فتقوى عَسْكَر الْبَلَد فصاروا يبكرون ويركبون
стр. 1774
ويقربون من الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وَلَا يرقبون وحفر المحاصرون حَولهمْ خَنْدَقًا عميقا فَصَارَ لَهُم بِهِ عَن الْحصار شغل شاغل
قَالَ وعَلى الْجُمْلَة فَمَا ظهر مِنْهُم صنع إِلَّا فِي قطع المَاء وَمنع الْميرَة والمضايقة الْكَثِيرَة وإحراق الْبَسَاتِين وتخريب الطواحين حَتَّى إِذا انحسمت الْموَاد وفنيت فِي الْبَلَد الأزواد اضطروا إِلَى التَّسْلِيم واضطربوا على التَّأْخِير والتقديم فتسلط الرّعية على الْملك الْعَادِل وَحَمَلُوهُ على التَّسْلِيم والاستسلام
فتباينت آراء الْمُلُوك المحاصرين بِمَا دبره الْملك الْعَادِل سيف الدّين وَلَا بُد للكبار من الاحتيال إِذا صمم الصغار على الاغتيال وَلَيْسَ فِي ذَلِك بِدعَة لَان الْحَرْب خدعة
فنفذ إِلَى الظَّاهِر فِي الْبَاطِن وَقَالَ لَهُ أَنْت السُّلْطَان وحكمك على جَمِيع الْأَمَاكِن والمواطن وَأَنا أسلم إِلَيْك دمشق على أَنَّهَا تكون لَك لَا لغيرك فَقَالَ الظَّاهِر لِأَخِيهِ الْأَفْضَل قلدني فِي الانعام بِدِمَشْق منَّة المتفضل فَقَالَ لَهُ هَذِه لَا تَخْلُو من أَقسَام جالبات لأسقام أَجلك أَن تتولاها تَوْلِيَة النَّائِب وَإِن أَخَذتهَا دوني فَمن النوائب وَإِن أَعْطَيْتنِي عوضا مِمَّا أعرف لَك فِيهِ غَرضا فَمَا لَك مَا يصلح أَن تقايض بِهِ دمشق وَأَنت لَا تَدعِي لَهَا الْعِشْق فَتغير بِهَذَا رَأْي الظَّاهِر وَالله المطلع على الضمائر
стр. 1775
وَقيل أرسل الْعَادِل وَقَالَ أسلم إِلَيْكُم دمشق بعد سَبْعَة أشهر وتربص وتصبر فَخُذُوا يَمِيني وكلوني إِلَى ديني وَظن أَنهم لَا يوافقون وَفِي الْحصْر يضايقون فَلَمَّا أجابوه إِلَى هَذَا الملتمس وقعقعوا فِي الاستضاءة بِهَذَا القبس عرف أَنهم نادمون فِيمَا هم عَلَيْهِ من الْحصْر قادمون فَعَاد عَن هَذَا الْبَذْل وردهم إِلَى سنَن الْعدْل
وَقيل كَانَ يكْتب إِلَى الْأَفْضَل إِن الْأَمر انْفَصل مَعَ الظَّاهِر وانه يعاملك مُعَاملَة المسر لَا المجاهر فَخذ لنَفسك وأبدل معي وحشتك بأنسك وَيكْتب أَيْضا إِلَى الظَّاهِر إِن الْأَفْضَل قد صالحني وعَلى الرِّضَا صَافَحَنِي وَإنَّك تحصل على المضاغنة وستفضي بك المباينة إِلَى المعاينة
وَقيل إِنَّه كَانَ يكْتب فِي كل يَوْم أجوبة كتب قوم لم يكاتبوه ويجيبهم عَمَّا فِيهِ لم يخاطبوه وخبزت تِلْكَ الملطفات فِي عجين ثمَّ تفرق على من يقْصد الْعَسْكَر من الْمَسَاكِين فَإِذا فتشوا عثر على تِلْكَ الملطفات فبغت من كتب إِلَيْهِ وَلَا علم لَهُ بالآفات وعدوا من المخامرين فَصَارَ أَكثر الْعَسْكَر من المتهمين
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَخمْس مئة
وهم على ذَلِك والشتاء قد هجم وكل بأَمْره مهتم
стр. 1776
ودهمهم أَيْضا خبر وُصُول الْملك الْكَامِل من الشرق وَخرج من دمشق جمَاعَة يظهرون أَنهم من الناصحين وترددوا إِلَيْهِم وَمِنْهُم غادين ورائحين وأبرقوا وأرعدوا وَقَالُوا غَدا يكون قدوم الْملك الْكَامِل فِي الجحفل الحافل وَمَعَهُ من المَال الصَّامِت إِلَى أَبِيه الْعَادِل فيستظهر بولده وَالْمَال وَالرِّجَال فَلَا يقْعد عَن النهوض إِلَى الْقِتَال وَالصَّوَاب أَن نتأخر قَلِيلا
فرحلوا إِلَى سفح جبل الْعقبَة وَبقيت أسواقهم مَمْلُوءَة وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة وهم لكل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ عادمون وعَلى مَا فرط مِنْهُم نادمون وَفقدُوا حَتَّى المَاء للشُّرْب وَكَانَت تِلْكَ الْحَالة كسرة قبل الْحَرْب فاضطربوا للمحل الْمُحِيل واضطروا إِلَى رَاحَة الرحيل
وَوصل الْكَامِل تَاسِع عشر صفر وَقد جمع التركمان واستصحب جند الرها وحران وَنزل فِي جوسق أَبِيه فَاسْتَبْشَرَ السُّلْطَان برحيلهم وقدوم ابْنه وقضت خشيَة الله بأمنه وَأقَام الْكَامِل حَتَّى توجه أَبوهُ إِلَى مصر فَخرج مَعَه أَيَّامًا ثمَّ عَاد وَلم يُؤثر مقَاما وانتقل إِلَى حران والرها واستقام بِهِ أمرهَا وَذَلِكَ حادي عشر ربيع الأول
وَأما المحاصرون فَإِنَّهُم انتقلوا من الْكسْوَة إِلَى مرج الصفر وسير الْملكَانِ الظَّاهِر والمجاهد بعض الأثقال إِلَى بانياس وأصحبا
стр. 1777
بَقِيَّة أحمال الْملك الْأَفْضَل إِلَى مصر وودعاه وَكِلَاهُمَا سَار جَرِيدَة إِلَى مقره وَاسْتمرّ بعد ذَلِك على إمرار أمره
وَكلما رَحل الْقَوْم عَن منزل أحرقوا مَا لم يظفروا لَهُ بمحمل واستقلوا من مرج الصفر وَلم يلووا على أحد وَلم يعرجوا على بلد
وَأخذُوا فِي السّير والسرى وَذَهَبت آسادهم تروم معاودة الشرى وتبعهم الصلاحية ينزلون بعدهمْ فِي مَنَازِلهمْ ويخلفونهم فِي مناهلهم وَكَانَ الْقَوْم ظنُّوا أَنهم يقدرُونَ بمرج الصفر على الْإِقَامَة فَلَقوا من الْبرد مَا حضهم على النجَاة والسلامة وَهَذَا المرج بِقرب جبل الثَّلج فِي تموز لايقيم بِهِ إِلَّا لابس فَرْوَة فَكيف فِي كانون وَقد عرفُوا أَنهم الجانون حَيْثُ لم يلزموا القانون
وَأرْسلت الصلاحية إِلَى الْملك الْعَادِل يستعجلونه ويحثونه وَلَا يمهلونه فَخرج يَوْم الْخَمِيس تَاسِع ربيع الأول وودع أَعْيَان الْبَلَد وَسَار وتلا من تقدمه إِلَى تل العجول وَأقَام حَتَّى اجْتمع أَتْبَاعه وَأرْسل إِلَى الْأَفْضَل الْعدْل النجيب أَبَا مُحَمَّد وَكَانَ صَلَاح الدّين ﵀ يعْتَقد فِي صَلَاح دينه ويمكنه من خَواص حاجاته ويرسله فِي مهام الرسائل وَكَانَ مَدْلُول الرسَالَة ارْفُقْ فِي السّير وَوَافَقَ على الْخَيْر فَمَا عنْدك الْيَوْم من يصدقك وَأَنا لَك كالوالد وأبلغك مقصودك وأحالفك وَلَا أخالفك وأوافقك وَلَا أُفَارِقك
فَأَشَارَ على الْأَفْضَل جماعته بِأَن يرد جَوَاب الرسَالَة إِن
стр. 1778
مقاربتي لَك بمباعدتك للصلاحية منوطة وموافقتي بمخالفتهم مَشْرُوطَة
فَلَمَّا سمع ذَلِك الصلاحية استشاطوا ونفروا وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على أَنهم ظفروا وجد جدهم واحتد حَدهمْ فطووا المراحل إِلَى السانح وَكَانَ الْأَفْضَل على بلبيس وَقد تفرق مُعظم أَصْحَابه إِلَى أخبارهم وَجَمَاعَة مِنْهُم مَعَ الْعَادِل فِي الْبَاطِن كاتبوه وعَلى الابطاء عاتبوه
فَسَار الْجَمْعَانِ بَعضهم إِلَى بعض والتقوا فانكسر أَصْحَاب الْأَفْضَل وانهزموا فَدَخَلُوا الْقَاهِرَة وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب للمحاصرة وانْتهى الى الْأَفْضَل ان جمَاعَة مِنْهُم أرْسلُوا إِلَى الْعَادِل فِي اصلاح أَحْوَالهم وإنجاح آمالهم فَقَالَ سيف الدّين يازكوج للأفضل لكل زمَان عمل وَلكُل أَوَان أمل فَأصْلح الْأَمر كَيفَ تهيا فَلَا ملام على اللبيب بِأَيّ زِيّ تزيا فشرع الْأَفْضَل فِي إصْلَاح الْأَمر مَعَ عَمه وراسله على أَن يكون بِحكمِهِ ثمَّ سلم الْأَمر وَمر سالما وَحصل لَهُ من التجربة مَا عَاد بِهِ للعواقب عَالما
قَالَ وخيم الْعَادِل بِالْبركَةِ واستبد بِملك مصر آمنا من الشّركَة وَنفذ المقطعين إِلَى إقطاعهم وَنظر للصلاحية فِي صَلَاح ضياعهم وَأرْسل إِلَى الْأَفْضَل إِن وافقتني على مَا أُعْطِيك وَقبلت سعدت فَهَؤُلَاءِ الَّذين عنْدك مَا مِنْهُم إِلَّا من كتب إِلَيّ وتقرب وانتظر يومي وترقب وَهَذِه إضبارة كتبهمْ فتأملها وَإِن لم تصدقني فسلها وَاعْلَم أَنهم غروك وضروك وساؤوك بِمَا سروك
стр. 1779
وَقيل لم يبْق من الْأُمَرَاء من لم يكْتب إِلَيْهِ وَلم يخَامر إِلَّا أَرْبَعَة أخلصهم سيف الدّين يازكوج فَلَمَّا عرف الْأَفْضَل صدق عَمه سلم الْمَسْأَلَة وَسَأَلَ المعدلة فقرر للأفضل فِي ديار بكر ميافارقين وأعمالها وجبل جور وحاني وجملين والمعاقل والحصون المحسوبة من ميافارقين فَرضِي بهَا مكْرها وَخرج إِلَى الشَّام مُتَوَجها لَيْلَة السبت سَابِع عشر ربيع الآخر فِي اللَّيْلَة الَّتِي دخل الْعَادِل فِي بكرتها الْقَاهِرَة فاستقر بدار السلطنة وَقدم سيف الدّين يازكوج وَحكمه واستبقى رضَا الناصرية بابقاء الْخطْبَة لِابْنِ الْعَزِيز وَلم ينافسهم مَعَ حُصُول الْمَعْنى لَهُ فِي التَّفْضِيل والتمييز وَأقَام وَهُوَ كل يَوْم فِي ارْتِفَاع وسيادة وقوته فِي نمو وَزِيَادَة
قَالَ ورد الْقَضَاء إِلَى القَاضِي صدر الدّين عبد الْملك بن درباس الْكرْدِي وَلم يزل قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية من الْأَيَّام الناصرية وَكَانَ نَائِبه القَاضِي زين الدّين عَليّ بن يُوسُف الدِّمَشْقِي وتعصب الْأُمَرَاء المتغلبون على الْملك الْعَزِيز فِي مراتبه بِصَرْف صدر الدّين وتوليه نَائِبه
وَلم يزل صدر الدّين مصروفا تاره بمحيي الدّين بن أبي عصرون وَتارَة بزين الدّين حَتَّى تعصب الْعَادِل لَهُ وَبعث الْعَزِيز على رده فَلَمَّا انْقَضتْ أَيَّام الْعَزِيز وَجَاء الْأَفْضَل كَانَ أول ماحمل عَلَيْهِ أَن صدر الدّين يعْزل وتولي زين الدّين للْقَضَاء
стр. 1780
فَلَمَّا جَاءَت نوبَة الْعَادِل فِي هَذِه السّنة رد صدر الدّين إِلَى منصبه ورد التدريس بِالْمَدْرَسَةِ الشَّافِعِيَّة فِي التربة المقدسة وبالمشهد الشريف الْحُسَيْنِي الَّذِي أجري عَلَيْهِ حكم الْمدرسَة إِلَى شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين ابْن حمويه وَكتب إِلَيْهِ وَهُوَ بِدِمَشْق فاستدعاه وَقد كَانَ قبل ذَلِك ولاه فِي ممالكه الجزريه أُمُور المناصب الشَّرْعِيَّة والأمور الدِّينِيَّة ومدارس الشَّافِعِيَّة وربط الصُّوفِيَّة وَهُوَ قَاضِي قضاتها ووالي هداتها وهادي ولاتها وَله فِي مناصبه نواب وَفِي مراتبه أَصْحَاب
قَالَ وَلما دخل الْعَادِل الْقَاهِرَة استشعر أَصْحَاب الدَّوَاوِين مهابة الْوَزير صفي الدّين بن شكر الظَّاهِرَة وَنزل فِي الدَّار السُّلْطَانِيَّة فِي الْحُجْرَة الْفَاضِلِيَّةِ وتصدر فِي مَكَان مكانته وَشهر من قلمه عضب شهامته وَسيف صرامته وقمع المتجبرين وَوضع المتكبرين وَأخذ قَوس الوزارة باريها وأجرى الله الْأُمُور بِهِ أحسن مجاريها
قَالَ وَندب الْعَادِل من الأَسدِية والصلاحية أميرين كبيرين إِلَى الشَّام لاصلاح ذَات الْبَين بحمص وحماة وحلب وَغَيرهمَا وهما سراسنقر وكرجي
стр. 1781
قَالَ وَلما ودع الْأَفْضَل عَمه بِالْبركَةِ سَار إِلَى صرخد وَأقَام بهَا وَندب إِلَى الْبِلَاد الَّتِي بديار بكر من يتسلمها وَوصل إِلَى ميافارقين وَلما انْ فَصل عَن مصر وجد المواصلين لَهُ لصحبته مفارقين وَكَذَا الدُّنْيَا مَا تقبل على أحد وَلَا تمده بمدد إِلَّا تواردت على حياضة الجموع وتزاحم فِي رياضة الربوع فَإِذا صرفت عَنهُ وجوهها صرف أَهلهَا عَنهُ الْوُجُوه وَأَحلُّوا بِهِ فِيهَا مَكْرُوه الْمَكْرُوه
قَالَ وَأما الظافر فان عَمه أحسن إِلَيْهِ ووعده بعطاء جزيل وودعه بثناء جميل وأقطعه بأعمال دمشق حزرما وضياع السوَاد وشق عَلَيْهِ أَنه لَا يجد مَا يجود بِهِ وَهُوَ من الأجواد وَوصل إِلَى دمشق رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة وَسكن فِي جوسق بستانه بالنيرب وسلك طَريقَة الِاحْتِرَاز والاحتراس وَاخْتَارَ الْبعد عَن مقاربة النَّاس وَلزِمَ السكينَة وَلم يدْخل الْمَدِينَة وَطلب من القَاضِي بِجَامِع النيرب خَطِيبًا شافعيا ليَكُون بِالصَّلَاةِ فِيهِ عَن حُضُور الْجَامِع بِالْبَلَدِ غَنِيا واحتاط غَايَة الِاحْتِيَاط وطوى بِسَاط النشاط
فصل
قَالَ الْعِمَاد واستدعى الْعَادِل ابْنه الْكَامِل إِلَى مصر ليستنيبه فِيهَا وَكَانَ بحران وَهُوَ فِي تِلْكَ الْبِلَاد نَائِب السُّلْطَان فَسلم تِلْكَ الْولَايَة إِلَى أَخِيه الفائز وَوصل إِلَى دمشق سادس عشر شعْبَان
стр. 1782
وَنزل بجوسق أَبِيه فِي بستانه وَمَعَهُ شمس الدّين الْمَعْرُوف بقاضي دَارا وَهُوَ وزيره ومستحثه على المكارم ومشيره
قَالَ وخدمته بِكَلِمَة أَولهَا
(أَنْتُم تحبون بالاعراض تعذيبي ... وتقصدون بِخلق الصد تهذيبي)
(سَارُوا فيا صحتي من مهجتي ارتحلي ... غَابُوا فيا سنتي عَن مقلتي غيبي)
(قد كَاد يهضمني دهري فأدركني ... مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب)
(الْكَامِل الْمَالِك الْأَمْلَاك حَيْثُ لَهُ ... رق الْأَعَاجِم مِنْهُم والأعاريب)
(معطر عرفه عرفا ومكرمه ... مخمر طينه بِالطُّهْرِ وَالطّيب)
(لَا يَدعِي جوده الْبَحْر الخضم وَلَا ... يلفى تأبيه فِي الشم الشناخيب)
(دعتك مصر إِلَى سلطانها فأجب ... دعاءها فَهُوَ حق غير مَكْذُوب)
قَالَ وعزمت على صحبته فِي هَذِه السفرة إِلَى مصر فَخرج فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان إِلَى الْكسْوَة وَخرج سُلْطَان دمشق الْملك الْمُعظم ليودع سُلْطَان مصر أَخَاهُ الْكَامِل وَصَحبه إِلَى رَأس المَاء مَعَ عدَّة من الْأُمَرَاء ثمَّ ودعه وَانْصَرف وتشوش مزاج الْكَامِل بعده وانحرف
وَوصل إِلَى العباسة فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان والتقاه وَالِده الْعَادِل وأنزله بِالْقصرِ ثمَّ ركب إِلَيْهِ بعد يَوْمَيْنِ واستصحبه
стр. 1783
إِلَى الدَّار ورتب أَحْوَاله على الايثار وَكَانَ قد عقد لَهُ على ابْنة عَمه الْملك النَّاصِر ﵀ فَأدْخلهُ عَلَيْهَا ليبني بهَا
قَالَ وَأصْبح الْعَادِل يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر شَوَّال وَركب بالسنجق السلطاني والمركب الخسرواني وَالسُّيُوف المسلولة والعقود المحلولة وَأمر الخطيبين بجامعي مصر والقاهرة بِالْخطْبَةِ لَهُ ولولده الْكَامِل من بعده وَلَيْسَ بعد دُعَاء الْخَلِيفَة إِلَّا الدُّعَاء لَهما وانقطعت الْخطْبَة لِابْنِ الْعَزِيز
وَكَانَ أحضر جمَاعَة من الْفُقَهَاء والقضاة والكبراء والولاة وَقَالَ لَهُم قَول المستفتي المستشير هَل تصح ولَايَة الصَّغِير فَقَالُوا هَذَا مولى عَلَيْهِ فَلَا يَلِي وغيابات الْحَوَادِث بنظره لَا تنجاب وَلَا تنجلي
فَقَالَ فَهَل يجوز للْمولى الْكَبِير أَن يَنُوب عَنهُ إِلَى أَن يكبر ويرتب الْأُمُور بِحكم النِّيَابَة وَيُدبر فَقَالُوا إِذا كَانَت الْولَايَة غير صَحِيحَة فَلَا تصح النِّيَابَة وَمن رَآهُ صَوَابا أَخطَأ بِهِ الاصابة لَا سِيمَا فِي السلطنة الَّتِي هِيَ خلَافَة الْخَلِيفَة فَلَا حق فِيهِ إِلَّا للكبير الَّذِي يعين على الْحَقِيقَة
стр. 1784
وَجرى مِنْهُم فِي هَذَا الْمَعْنى الامعان فَلَمَّا عرف الشَّرْع أحضر الْأُمَرَاء وَالْتمس مِنْهُم الطَّاعَة والسمع وخاطبهم فِي الْيَمين لَهُ والميثاق وألزمهم لَهُ بِالْوَفَاءِ والوفاق فَأَبَوا فخاطبهم بِمَا راعهم وملأ بالتقريع أسماعهم ثمَّ قَالَ قد علمْتُم مَا هُوَ الْوَاجِب من التظافر على حفظ ثغور الْإِسْلَام وتدبير المماليك بِمصْر وَالشَّام وَمَا هَذَا أَمر يناط بِهِ بالصبيان أَو يحاط بِغَيْر ذِي الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان فأذعنوا وأطاعوا وَحصل الائتلاف وَرفع الْخلاف
قَالَ وَلما أَصْبَحْنَا يَوْم السبت شاهدنا الْملك الْكَامِل قد ركب مثل وَالِده معقودا سنجقه بمعاقده والمناصل مجذوبة والصواهل مجنوبة والأعين ناظرة والألسن ذاكرة وَمَشى فِي ركابه من إِلَيْهِ تحبب وَإِلَى السُّلْطَان تقرب
قَالَ وَركب يَوْم الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال إِلَى برج الْمقسم والمقسم مَوضِع على شاطئ النّيل يزار وَهُنَاكَ مَسْجِد يتبرك بِهِ الْأَبْرَار وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي قسمت فِيهِ الْغَنِيمَة عِنْد اسْتِيلَاء الصَّحَابَة ﵃ على مصر
وَلما أَمر صَلَاح الدّين ﵀ بادارة السُّور على مصر والقاهرة وتولاه الْأَمِير قراقوش جعل نهايته الَّتِي تلِي الْقَاهِرَة عِنْد الْمقسم وَبنى فِيهِ برجا هُوَ مشرف على النّيل ذُو شرفات وَمَعْقِل ذُو طَبَقَات وثيق الْبناء رفيع الفناء وَبنى مَسْجده جَامعا واتصلت
стр. 1785
الْعِمَارَة مِنْهُ إِلَى الْبَلَد متتابعة المدد وَهُوَ متنزه عَن الأكدار والأقذار منزه وبالجنات مشبه وَإِلَى الْبَحْر وَالْبر بمناظرة الشبابيك موجه فَاخْتَارَ الْكَامِل أَن يجلس فِيهِ يَوْمًا للتفرج فَجَلَسَ فِي الطَّبَقَة الْعليا وَاجْتمعَ الْأُمَرَاء والأعيان فِي الطَّبَقَة الدُّنْيَا ثمَّ مد السماط فِي الْجَامِع ثمَّ ذكر الْعِمَاد أَنه مدحه بِكَلِمَة أَولهَا
(مغرم الْقلب مدنف ... وجده لَيْسَ يُوصف)
(وعدونا وأخلفوا ... ووفينا وَلم يفوا)
قَالَ وَفِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال قدم فلك الدّين أَخُو الْعَادِل من دمشق
قلت هُوَ أَخُوهُ لأمه واسْمه أَبُو مَنْصُور سُلَيْمَان بن شروه بن جِلْدك وَإِلَيْهِ تنْسب الْمدرسَة الفلكية بنواحي بَاب الفراديس بِدِمَشْق وَبهَا قَبره
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذَا الْيَوْم خطب للعادل ولابنه الْكَامِل والعادل فِي مهامه يستشيره ويستدعيه والمرء كثير بأَخيه ثمَّ عَاد إِلَى دمشق بعد شهور
قَالَ وَفِي الْعشْرين من الشَّهْر خرج حَاج مصر إِلَى الْبركَة وَأمر عَلَيْهِم نصير الدّين الخضير بن بهْرَام وَكَانَ وَالِي الْمحلة وَهُوَ
стр. 1786
مُسْتَمر الْولَايَة من الْأَيَّام الصلاحية وَحج مَعَه من معروفي الأجناد وأمرائها عدَّة وَكَذَلِكَ حج فِي هَذِه السّنة حَاج دمشق وصحبهم الْأَمِير عز الدّين سامة وَكَانَت السّنة مباركة وَالنعَم متداركة وَالْخَيْر عَام وَالْخصب تَامّ
قَالَ وَانْتَظرْنَا زِيَادَة بَحر النّيل فِي أَوْقَاتهَا فَبلغ إِلَى إِحْدَى وَعشْرين أصبعا من ثَلَاث عشرَة ذِرَاعا فَعَاد بذلك كل قلب مرتاعا ثمَّ أَخذ فِي النَّقْص وَهُوَ مرجو الزِّيَادَة مأمول الْوَفَاء على الْعَادة فقنط النَّاس وَوَقع الياس وَاشْتَدَّ الْمحل وغلا السّعر ويئس الفلاحون من الْفَلاح فأجفلوا من الْبِلَاد للانتزاح وطاروا بأجنحة النَّجَاء فِي طلب النجاح
وَقيل إِن هَذَا النَّقْص لم يعْهَد من عهد الصَّحَابَة وشرعنا فِي الاسْتِغْفَار والإنابة وَصَامَ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام قبل يَوْم التَّرويَة وكأنما أَصَابَتْهُم مُصِيبَة فهم فِي التَّعْزِيَة ثمَّ استسقوا ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى الْعِيد وأفاض الْخَطِيب فِي ذكر الْوَعيد وغصت بالخلائق الْأَمْكِنَة وضجت بالأدعية والضراعات الْأَلْسِنَة
قَالَ وَفِي السّنة الَّتِي قبلهَا وَهِي سنة خمس وَتِسْعين استدعي القَاضِي ضِيَاء الدّين أَبُو الْفَضَائِل الْقَاسِم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري إِلَى بَغْدَاد وَولي قَضَاء الْقُضَاة وَكَانَ يتَوَلَّى
стр. 1787
الْقَضَاء بالموصل فَخرج فِي أَوَاخِر شعْبَان فَلَمَّا وصل بَغْدَاد بجل وَعظم وَكَانَ قد تردد إِلَى بَغْدَاد دفعات فِي الْأَيَّام الصلاحية بِسَبَب الرسَالَة فَهُوَ كَانَ الْمعِين لَهَا كَمَا تقدم ذكره
فصل فِي وَفَاة جمَاعَة من الْأَعْيَان فِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة سِتّ وَتِسْعين
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى توفّي فِي دَاره بِدِمَشْق الْأَمِير صارم الدّين قايماز النجمي وَكَانَ مُتَوَلِّي أَسبَاب صَلَاح الدّين ﵀ فِي مخيمه وبيوته يعْمل عمل أستاذ الدَّار وَإِذا فتح بَلَدا سلمه إِلَيْهِ واستأمنه عَلَيْهِ فَيكون أول من افتض عذرته وشام ديمته وَحصل لَهُ من بلد آمد عِنْد فَتحه وَمن ديار مصر عِنْد موت عاضدها أَمْوَال عَظِيمَة وَتصدق فِي يَوْم وَاحِد بسبعة آلَاف دِينَار مصرية عينا وَأظْهر أَنه قضى من حُقُوق الله فِي ذمَّته دينا
وَهُوَ بِالْعرْفِ مَعْرُوف وبالخير مَوْصُوف يحب اقتناء المفاخر بِبِنَاء الرَّبْط والقناطر وَمن جُمْلَتهَا رِبَاط خسفين ورباط نوى وَله مدرسة مجاورة دَاره وَلما كفى الله دمشق الْحصْر نَهَضَ وَرَاء
стр. 1788
الْعَادِل إِلَى مصر فَرده إِلَى دمشق ليلازم خدمَة الْملك الْمُعظم وَلَده وَيكون من أقوى عدده وأوفى عدده وَكَانَ فِي خلقه زعارة وَكَأن حصافته مستعارة
قَالَ وَلما دفن نبشت أَمْوَاله وفتشت رحاله وَحضر أُمَنَاء القَاضِي وضمناء الْوَالِي وأخرجوا خبايا الزوايا وسموط النُّقُود وخطوط النسايا وغيروا رسوم الْمنزل ومعالمه واستنبطوا دنانيره ودراهمه وحفروا أَمَاكِن فِي الدَّار وبركة الْحمام فِي الْجوَار فحملوا أوقارا من النضار وظهروا على الْكُنُوز المخفية والدفائن الألفية فَقيل زَادَت على مئة ألف دِينَار وَهُوَ قَلِيل فِي جنب مَا يحرز بِهِ من كَذَا وَكَذَا قِنْطَار
واستقل مَا طواه الخزن وأخفاه الدّفن وَقيل كَانَ يكنز فِي صحارى ضيَاعه ومغارات إقطاعه
قلت واتهم بعده جمَاعَة بِأَن لَهُ عِنْدهم ودائع وتأذى بذلك المتأبي مِنْهُم والطائع وداره بِدِمَشْق هِيَ الَّتِي بناها الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى بن الْعَادِل دَارا للْحَدِيث فِي سنة ثَلَاثِينَ وست مئة وأخرب الْحمام الَّذِي كَانَ مجاورا لَهَا وَأدْخلهُ فِي ربعهَا وَذَلِكَ فِي جوَار قلعة دمشق بَينهمَا الخَنْدَق وَالطَّرِيق وَثمّ مدرسته الْمَعْرُوفَة بالقيمازية
стр. 1789
قَالَ الْعِمَاد وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة توفّي يَعْنِي بِمصْر الْحَاجِب لُؤْلُؤ وَكَانَ فِي الْأَيَّام الصلاحية أَشْجَع الشجعان وأفرس الفرسان وَله مقامات فِي الْغُزَاة ومواقف مَعَ العداة وَهُوَ الَّذِي نَهَضَ وَرَاء مراكب الفرنج الناهضة فِي بَحر أَيْلَة إِلَى بر الْحجاز وأتى فِي كسرهم وأسرهم بالاعجاب والاعجاز وَكَانُوا قطعُوا الطَّرِيق فِي بَحر عيذاب على التُّجَّار وحصلت أَمْوَالهم تَحت الِاسْتِيلَاء بعد حصولهم تَحت الاسار فأنقذ واستنقذ وَمَا نزل حَتَّى أَخذ وسَاق إِلَى الْقَاهِرَة أُولَئِكَ الْكفَّار مقهورين واعتقلهم بهَا مأسورين
قلت وَفِيه يَقُول الرضي بن أبي حَصِينَة الْمصْرِيّ يُخَاطب الفرنج
(عَدوكُمْ لُؤْلُؤ وَالْبَحْر مَسْكَنه ... والدر فِي الْبَحْر لَا يخْشَى من الْغَيْر)
(فَأمر حسامك أَن يحظى بنحرهم ... فالدر مذ كَانَ مَنْسُوب إِلَى النَّحْر)
وَقد قيل فِيهِ أشعار كَثِيرَة تقدم بَعْضهَا فِي أَخْبَار سنة ثَمَان
стр. 1790
وَسبعين
قَالَ الْعِمَاد وَمن دَلَائِل سماحه مَا شاهدته بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين من مبراته الظَّاهِرَة أَنه لما حط الْقَحْط رَحْله وَوصل الْمحل مَحَله وَتمّ الغلاء وَعم الْبلَاء ابتكر هَذَا الْحَاجِب الْكَبِير مكرمَة لم يسْبق إِلَيْهَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ يخبز كل لَيْلَة اثْنَي عشر ألف رغيف فَإِذا أصبح جلس على بَاب الْموضع الَّذِي فِيهِ حشر الْفُقَرَاء ثمَّ يفتح من الْبَاب مِقْدَار مَا يخرج مِنْهُ وَاحِد بعد وَاحِد وَيعلم أَنه غير عَائِد فَيتَنَاوَل كل مِنْهُم قرصة وَيرى ذَلِك من خيراته فرْصَة فَمَا يزَال قَاعِدا حَتَّى يفرق الألوف على الألوف
وَكَانَ هَذَا دأبه فِي هَذَا الغلاء حَتَّى هَب رخاء الرخَاء فَحِينَئِذٍ تنوعت صدقاته واستغرقت بالصلات أوقاته
وَكَانَ بهي الشيب نقي الجيب قد جعل الله الْبركَة فِي عمره وَخَصه مُدَّة حَيَاته بامرار أمره فأنجده فِي أَوَان ضعفه بِتَضْعِيف بره وَلَا شكّ أَنه من الْأَوْلِيَاء الأبدال وَالصَّالِحِينَ الصَّالِحِي الْأَعْمَال
قَالَ وَفِي يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وَأَنا بالديار المصرية توفّي الْفَقِيه الْكَبِير شهَاب الدّين الطوسي وَهُوَ
следующие страницы →