← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَله (عقل الْحق ألسن المدعينا ... أَنْت خير الْمُلُوك دنيا ودينا) (وَأسد الْأَنَام قولا وأفعالا ... ونفسا وَنِيَّة ويقينا) (أَنْت أسناهم إباء ... أمرأ وأمرأ حَيا وأمرع حينا) (بسط الرزق فِي البسيطة كَفاك ... فكلتا يَديك تُلفى يَمِينا) (فيد تحسم النوائب عَنَّا ... وَيَد تقسم الرغائب فِينَا) (أَيهَا الْبَحْر لَو تساحلك الأبحر ... عامت فِي ساحليك سفينا) (ولكان الْمُحِيط مِنْهَا محاطا ... مثل نون الهجاء أَو خيل نونا) (مشرعا مترعا وَمنا مهنا ... ورباعا فيحا وكفا لبونا) (ومحيا طلقا ومالا طليقا ... وانتهاجا قصدا وحبلا متينا) (بَين ذب يُمِيت عَادِية الشّرك ... وهب يحيا بِهِ المسلمونا) (تتبدى من الْفتُوح ألوفا ... أَنْت أَعلَى من أَن تعد المئينا) (كلما اجتبت ثوب نصر عَزِيز ... من مرام أَقبلت فتحا مُبينًا) (صرف الله عَنْك صرف زمَان ... أَنْت علمت صرفه أَن يهونا) (يَا ابْن من طبق البسيطة آثارا ... وعل المنابذيه الأجونا) (وغدت حصنه على سرج هَذَا الدّين ... من شكة الأعادى حصونا) (كم تَعَالَى صهيلها فِي رَبًّا الشَّام ... فأعلى خلف الخليج الرنينا)

стр. 72

(كَانَ صنو الرشيد أبقاك للحكمة ... والبأس بعده المأمونا) (سمع الله فِيك دَعْوَة سكن ... أوطنوا من حماك حصنا حصينا) (عَرَقتهم مدى الخطوب فأحييت ... رفاتا من التُّرَاب دَفِينا) (لبسوا عدلك المدبج فاختالوا ... بَنَات فِي وشيه وبنينا) (سهرت عَيْنك الكلوء وناموا ... تَحت أكناف رعيها آمنينا) قلت فَهَذَا أنموذج من أشعار هذَيْن الفحلين فِيهِ مَعَ أَنَّهُمَا مَاتَا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخمْس مئة قبل أَن يفتح نور الدّين دمشق وَبَقِي نور الدّين حَيا بعدهمَا إِحْدَى وَعشْرين سنة يترقى كل عَام فِي ازدياد من جِهَاد واجتهاد وَلَو كَانَا أدْركَا ذَلِك لأتيا فِي وَصفه بعجائب المدائح مَعَ أَنه قد تولى ذَلِك غَيرهمَا مِمَّن لم يبلغ شأوهما وَلأبي الْمجد الْمُسلم بن الْخضر بن الْمُسلم بن قسيم الْحَمَوِيّ من قصيدة فِيهِ (تبدو الشجَاعَة من طلاقة وَجهه ... كالرمح دلّ على القساوة لينه)

стр. 73

(ووراء يقظته أَنَاة مجرب ... لله سطوة بأسه وسكونه) (هَذَا الَّذِي فِي الله صَحَّ جهاده ... هَذَا الَّذِي بِاللَّه صَحَّ يقينه) (هَذَا الَّذِي بخل الزَّمَان بِمثلِهِ ... والمشمخر إِلَى الْعلَا عرنينه) (ملك الورى ملكٌ أغَرُّ متوج ... لَا غدره يُخشى وَلَا تلوينه) (إِن حل فالشرف التليد أنيسه ... أَو سَار فالظفر الطريف قرينه) (فالدهر خاذل من اراد عناده ... أبدا وجبار السَّمَاء معينه) (وَالدّين يشْهد إِنَّه لمعزه ... والشرك يعلم أَنه لمهينه) (مَا زَالَ يقسم أَن يبدد شَمله ... وَالله يكره أَن تمين يَمِينه) (فتح الرها بالْأَمْس فانفتحت لَهُ ... أَبْوَاب ملك لَا يذال مصونه) وممادح نور الدّين ﵀ كَثِيرَة وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم أَنه كَانَ قَلِيل الابتهاج بالشعر بالشعر وَمَات حادي عشر شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَدفن بقلعة دمشق ثمَّ نقل إِلَى قُبَّته بمدرسته جوَار الخواصين قلت وَقد جرب استجابة الدُّعَاء عِنْد قَبره وَهَذَا ذكر طرف من مناقبه جملَة وَنحن بعد ذَلِك نأتي بأخباره وأخبار سلفه مفصلة مرتبَة وَمَا جرى فِي زمانهم على سَبِيل الِاخْتِصَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 74

فصل أصل الْبَيْت الأتابكي هُوَ قسيم الدولة آق سنقر جد نور الدّين ﵀ فنذكره وَمَا تمّ فِي أَيَّامه ثمَّ نذْكر وَلَده زنكي وَمَا تمّ فِي أَيَّامه ثمَّ نذْكر وَلَده مَحْمُود بن زنكي ثمَّ نذْكر مَا بعده وَهِي الدولة الصلاحية الأيوبية وَمَا تمّ فِي أَيَّامهَا فَنَقُول كَانَ آق سنقر تركيا من أَصْحَاب السُّلْطَان ركن الدّين ملكشاه بن ألب أرسلان وَهُوَ عَم دقاق بن تتش بن ألب أرسلان الَّذِي كَانَ سُلْطَان دمشق وقبره بقبة الطواويس بهَا بنتهَا والمشهد والدته وَكَانَ السُّلْطَان ملكشاه من جملَة الْمُلُوك السلجوقية المتغلبين على الْبِلَاد بعد نَبِي بويه بالعراق فَكَانَ قسيم الدولة من أَصْحَابه وأترابه وَمِمَّنْ رَبِّي مَعَه فِي صغره وَاسْتمرّ فِي صحبته إِلَى حِين كبره فَلَمَّا أفضت السلطنة إِلَيْهِ بعد أَبِيه جعله من أَعْيَان أمرائه وَمن أخص أوليائه وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي مهماته وَزَاد قدره علوا إِلَى أَن صَار يتقيه مثل نظام الْملك الْوَزير مَعَ تحكمه على السُّلْطَان وتمكنه من المملكة فَأَشَارَ نظام الْملك على السُّلْطَان أَن يولي آق سنقر مَدِينَة حلب

стр. 75

وأعمالها وَأَرَادَ بذلك أَن يبعده عَن خدمَة السُّلْطَان ويتخذ عِنْده بذلك يدا قَالَ ابْن الْأَثِير وَمن الدَّلِيل على علو مرتبته تلقبه قسيم الدولة وَكَانَت الألقاب حِينَئِذٍ مصونة لَا تُعْطى إِلَّا لمستحقيها وَفِي سنة سبع وَسبعين وَأَرْبع مئة سير السُّلْطَان ملكشاه الْوَزير فَخر الدولة بن جهير وَزِير الْخَلِيفَة إِلَى ديار بكر ليتملكها وسير عميد الدولة بن فَخر الدولة بن جهير وَكَانَ زوج ابْنة نظام الْملك إِلَى الْموصل وسير مَعَه جَيْشًا عَظِيما وَجعل الْمُقدم على الْجَيْش قسيم الدولة آق سنقر فَسَارُوا نَحْو الْموصل ولقيهم فِي الطَّرِيق الْأَمِير أرتق التركماني جد مُلُوك الْحصن وماردين فاستصحبوه مَعَهم فحصروا الْموصل وصالحوا من بهَا وتسلموها وَسَار صَاحبهَا إِلَى السُّلْطَان فَردهَا عَلَيْهِ وَكَانَت يَوْمئِذٍ لأحد أُمَرَاء بني عقيل وَهُوَ شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش بن بدران الْعقيلِيّ وَكَانَ ملكة من السندية بالعراق على نهر عِيسَى إِلَى منبج وَمَا بَينهمَا من الْبِلَاد الفراتية كهيت والأنبار وَغَيرهَا وَملك الْموصل وديار بكر والجزيرة بأسرها وَملك مَدِينَة حلب وَكَانَ عادلا حسن السِّيرَة عَظِيم السياسة وَاتفقَ أَن وَقع بَينه وَبَين صَاحب أنطاكية وَذَلِكَ أَن أنطاكية كَانَ الرّوم قد استولوا عَلَيْهَا سنة ثَمَان وَخمسين وَثَلَاث مئة وَلم يزَالُوا بهَا إِلَى هَذِه السّنة فَفَتحهَا

стр. 76

سُلَيْمَان بن قتلمش وَهُوَ جد الْملك غياث الدّين كيخسرو صَاحب قونية وَغَيرهَا وَكَانَ لشرف الدولة صَاحب حلب على صَاحب أنطاكية الرُّومِي جِزْيَة يَأْخُذهَا كل سنة فَانْقَطَعت عَنهُ بِسَبَب أَخذ سُلَيْمَان الْبَلَد فَأرْسل شرف الدولة يطْلب مِنْهُ مَا كَانَ يَأْخُذهُ من الرّوم ويهدده فَقَالَ أَنا فِي طَاعَتك وَهَذَا الْفَتْح بسعادتك وَالْخطْبَة وَالسِّكَّة لَك وَلست بِكَافِر حَتَّى أُعْطِيك مَا كنت تَأْخُذهُ من الرّوم فلج شرف الدولة فى طلب المَال فَالْتَقَيَا فَقتل شرف الدولة وَانْهَزَمَ عسكره وَسَار سُلَيْمَان إِلَى حلب فحصرها وَسَار إِلَيْهَا من دمشق تَاج الدولة تتشن بن ألب أرسلان أَخُو السُّلْطَان ملكشاه فَالتقى عَسْكَر تتش وَسليمَان فَقتل سُلَيْمَان وَانْهَزَمَ عسكره وَملك تتش مَدِينَة حلب دون القلعة فَأرْسل أهل القلعة إِلَى ملكشاه ليسلموها إِلَيْهِ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بالرها وَكَانَ سَبَب مسيره إِلَيْهَا أَن ابْن عطير النميري كَانَ قد بَاعهَا من الرّوم بِعشْرين ألف دِينَار وَسلمهَا إِلَيْهِم فَدَخَلُوهَا وأخربوا الْمَسَاجِد وأجلوا الْمُسلمين عَنْهَا فَسَار ملكشاه إِلَيْهَا فِي هَذِه السّنة فحصرها وَفتحهَا واقطعها للأمير بزان فَلَمَّا أَتَاهُ رسل أهل قلعة حلب بِالتَّسْلِيمِ سَار إِلَيْهِم فَلَمَّا بلغ

стр. 77

مسيره إِلَى أَخِيه تَاج الدولة رَحل عَن حلب إِلَى دمشق وَوصل السُّلْطَان إِلَى حلب وبالقلعة سَالم بن مَالك بن بدران الْعقيلِيّ وَهُوَ ابْن عَم شرف الدولة فسلمها إِلَى السُّلْطَان بعد قتال وَأَعْطَاهُ السُّلْطَان عوضا عَنْهَا قلعة جعبر وَكَانَ قد ملكهَا فِي هَذِه السفرة من صَاحبهَا جعبر النميري وَكَانَ شَيخا كَبِيرا أعمى فَبَقيت بيد سَالم وَأَوْلَاده إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُم الْملك الْعَادِل نور الدّين كَمَا سَيَأْتِي فَلَمَّا ملك السُّلْطَان حلب أرسل إِلَيْهِ الْأَمِير نصر بن عَليّ بن الْمُقَلّد بن منقذ الْكِنَانِي صَاحب شيزر وَدخل فِي طَاعَته وَسلم إِلَيْهِ اللاذقية وفامية وكفرطاب ثمَّ إِن نظام الْملك أَشَارَ على السُّلْطَان بِتَسْلِيم حلب وأعمالها وحماة ومنبج واللاذقية وَمَا مَعهَا إِلَى قسيم الدولة آق سنقر فأقطعه الْجَمِيع وَبقيت فِي يَده إِلَى أَن قتل سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة كَمَا سَيَأْتِي وأقطع السُّلْطَان مَدِينَة أنطاكية للأمير ياغي سغان وَلما اسْتَقر قسيم الدولة فِي الشَّام ظَهرت كِفَايَته وحمايته وهيبته فِي جَمِيع بِلَاده ثمَّ إِن السُّلْطَان استدعاه إِلَى الْعرَاق فَقدم إِلَيْهِ فِي تجمل عَظِيم لم يكن فِي عَسْكَر السُّلْطَان من يُقَارِبه فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ وَعظم مَحَله عِنْده ثمَّ أمره بِالْعودِ إِلَى حلب فَعَاد إِلَيْهَا

стр. 78

فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان ملكشاه سير قسيم الدولة جَيْشًا إِلَى تكريت فملكها وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ قصد قسيم الدولة شيزر فنهبها وَعَاد إِلَى حلب وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ اجْتمع قسيم الدولة وبزان وحصروا مَدِينَة حمص فملكوها وَمضى ابْن ملاعب إِلَى مصر وَفِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ ملك قسيم الدولة حصن فامية من الشَّام وَملك الرحبة فصل وَفِي عَاشر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ قتل الْوَزير نظام الْملك أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن إِسْحَاق قَتله صبي ديلمي بعد الْإِفْطَار وَقد تفرق عَن طَعَامه الْفُقَهَاء والأمراء والفقراء وَغَيرهم من أَصْنَاف النَّاس وَحمل فِي محفة لنقرس كَانَ بِهِ إِلَى خيمة الْحرم فَلَقِيَهُ صبي ديلمي مستغيثا بِهِ فقربه مِنْهُ ليسمع شكواه فَقتله وَقتل الصَّبِي أَيْضا فعدمت الدُّنْيَا وَاحِدهَا الَّذِي لم تَرَ مثله وَكَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة قد حكى لَهُ بعض الصَّالِحين أَنه رأى

стр. 79

النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ أَتَاهُ وَأَخذه من محفته فَتَبِعَهُ فَاسْتَبْشَرَ نظام الْملك بذلك وَأظْهر السرُور بِهِ وَقَالَ هَذَا أبغي وإياه أطلب وَبلغ من الدُّنْيَا مبلغا عَظِيما لم ينله غَيره وَكَانَ عَالما فَقِيها دينا خيرا متواضعا عادلا يحب أهل الدّين ويكرمهم ويجزل صلَاتهم وَكَانَ أقرب النَّاس مِنْهُ وأحبهم إِلَيْهِ الْعلمَاء وَكَانَ يناظرهم فِي المحافل ويبحث عَن غوامض الْمسَائِل لِأَنَّهُ اشْتغل بالفقه فِي حَال حداثته مُدَّة وَأما صدقاته ووقوفه فَلَا حد عَلَيْهَا ومدارسه فِي الْعَالم مَشْهُورَة لم يخل بلد من شَيْء مِنْهَا حَتَّى جَزِيرَة ابْن عمر الَّتِي هِيَ فِي زَاوِيَة من الأَرْض لَا يؤبه لَهَا بنى فِيهَا مدرسة كَبِيرَة حَسَنَة وَهِي الَّتِي تعرف الْآن الْآن بمدرسة رَضِي الدّين وأعماله الْحَسَنَة وصنائعه الجميلة مَذْكُورَة فِي التواريخ لم يسْبقهُ من كَانَ قبله وَلَا أدْركهُ من كَانَ بعده وَكَانَ من جملَة عباداته أَنه لم يحدث إِلَّا تَوَضَّأ وَلَا تَوَضَّأ إِلَّا صلى وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن حفظا ويحافظ على أَوْقَات الصَّلَوَات مُحَافظَة لَا يتقدمه فِيهَا المتفرغون لِلْعِبَادَةِ حَتَّى إِنَّه كَانَ إِذا غفل الْمُؤَذّن أمره بِالْأَذَانِ وَإِذا سمع الْأَذَان أمسك عَن كل مَا هُوَ فِيهِ واشتغل بإجابته ثمَّ بِالصَّلَاةِ وَكَانَ قد وزر للسُّلْطَان عضد الدولة ألب أرسلان وَالِد ملكشاه قبل أَن يَلِي السلطنة فِي حَيَاة عَمه السُّلْطَان طغرلبك أول الْمُلُوك السلجوقية بِبَغْدَاد فَلَمَّا توفى طغرلبك سعى نظام الْملك فِي أَخذ السلطنة لصَاحبه ألب أرسلان وَقَامَ الْمقَام الَّذِي تعجز عَنهُ الجيوش الْكَثِيرَة واستقرت السلطنة لَهُ وبقى مَعَه إِلَى أَن توفى ثمَّ وزر بعده لوَلَده السُّلْطَان ملكشاه إِلَى أَن قتل وَكَانَ قد تحكم عَلَيْهِ إِلَى حد لَا يقدر السُّلْطَان على خِلَافه لِكَثْرَة مماليكه

стр. 80

ومحبة العساكر لَهُ والأمراء وميل الْعَامَّة والخاصة إِلَيْهِ لحسن سيرته وعدله هَذَا كَلَام أبي الْحسن بن الْأَثِير وقرأت فِي = كتاب المعارف الْمُتَأَخِّرَة = وَيُسمى عنوان السّير لمُحَمد بن عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم الهمذاني قَالَ وزر نظام الْملك أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن إِسْحَاق الطوسي للسُّلْطَان ألب أرسلان ولولده السُّلْطَان ملكشاه أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَقتل بِالْقربِ من نهاوند وعمره سِتّ وَسَبْعُونَ سنة وَعشرَة أشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا اغتاله أحد الباطنية وَقد فرغ من فطوره قَالَ وَقيل إِن السُّلْطَان ملكشاه ولف عَلَيْهِ من قَتله لانه سئم طول عمره وَمَات بعده بِشَهْر وَخَمْسَة أَيَّام وَقد تقدم نظام الْملك فِي الدُّنْيَا التَّقَدُّم الْعَظِيم وَأفضل على الْخلق الإفضال الْكثير وَعم النَّاس بمعروفه وَبنى الْمدَارِس لأَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ ووقف عَلَيْهِم الْوُقُوف وَزَاد فِي الْحلم وَالدّين على من تقدمه من الوزراء وَلم يبلغ أحد مِنْهُم مَنْزِلَته فِي جَمِيع أُمُوره وَعبر جيحون فَوَقع على الْعَامِل بأنطاكية بِمَا يصرف إِلَى الملاحين وَملك من الغلمان الأتراك ألوفا وَكَانَ جُمْهُور العساكر وشجعانهم وفتاكه من مماليكه

стр. 81

قلت وَأنْشد أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي = ذيل تَارِيخ بَغْدَاد = قَالَ أَنْشدني عمي الإِمَام أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ غير مرّة من لَفظه للأمير شبْل الدولة يَعْنِي مقَاتل بن عَطِيَّة بن مقَاتل الْبكْرِيّ (كَانَ الْوَزير نظام الْملك لؤلؤة ... ثمينة صاغها الرَّحْمَن من شرف) (عزت وَلم تعرف الْأَيَّام قيمتهَا ... فردّها غيرَة مِنْهُ إِلَى الصدف) فصل عَاشَ السُّلْطَان ملكشاه بعد نظام الْملك خَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَمَات فِي منتصف شَوَّال سنة خمس وَثَمَانِينَ وعمره ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ عَاما وَنصف عَام وَكَانَت مَمْلَكَته قد اتسعت اتساعا عَظِيما وخطب لَهُ من حُدُود الصين إِلَى الداروم من أَرض الشَّام وأطاعه الْيمن والحجاز وَكَانَ يَأْخُذ الْخراج من ملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة وأطاعه صَاحب طراز وأسبيجاب وكاشغر وبلاسغون وَغَيرهَا من الممالك الْبَعِيدَة وَملك سَمَرْقَنْد وَجَمِيع مَا وَرَاء النَّهر ثمَّ ان صَاحب كاشغر عصى عَلَيْهِ فَسَار السُّلْطَان إِلَيْهِ فَلَمَّا قَارب كاشغر هرب صَاحبهَا مِنْهُ فَسَار فِي طلبه وَلم يزل حَتَّى ظفر بِهِ وَأحسن

стр. 82

إِلَيْهِ واستصحبه مَعَه إِلَى أصفهان وَعمل السُّلْطَان من الْخيرَات وأبواب الْبر كثيرا مِنْهَا مَا اصلحه وَعَمله من المصانع بطرِيق مَكَّة وحفر من الابار وَبنى مدرسة عِنْد قبر الإِمَام أبي حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَبنى الْجَامِع الَّذِي بِظَاهِر بَغْدَاد عِنْد دَار السلطنة وَهُوَ الَّذِي بنى مَنَارَة الْقُرُون فِي طرف الْبر مِمَّا يَلِي الْكُوفَة بمَكَان يعرف بالسبعي وَبنى مثلهَا بسمرقند أَيْضا قيل إِنَّه خرج سنة من الْكُوفَة لتوديع الحجيج فجاوز العذيب وَبلغ السبعية بِقرب الواقصة وَبنى هُنَاكَ مَنَارَة نزل فِي أَثْنَائِهَا قُرُون الظبي وحوافر الْحمر الوحشية الَّتِي اصطادها فِي طَرِيقه وَبعد مَوته تنَازع ابناه بكيارق وَمُحَمّد ودامت الحروب بَينهمَا نَحْو ثِنْتَيْ عشرَة سنة إِلَى أَن توفّي بكيارق واستقرت السلطنة لمُحَمد وَفِي مُدَّة تِلْكَ الحروب ظَهرت الفرنج بالسَّاحل وملكوا أنطاكية أَولا ثمَّ غَيرهَا من الْبِلَاد وَكَانَ السُّلْطَان قد أقطع أَخَاهُ تتش تَاج الدولة مَدِينَة دمشق وأعمالها وَمَا جاورها كطبرية وَالْبَيْت الْمُقَدّس فَلَمَّا توفى ملكشاه طمع تَاج الدولة فِي السلطنة فَسَار إِلَى حلب وَبهَا قسيم الدولة فَصَالحه وراسل بوزان صَاحب حران وياغي سغان صَاحب أنطاكية فسارا مَعَه نَحْو الرحبة ونصيبين فَأَخذهُمَا وراسل صَاحب الْموصل إِبْرَاهِيم بن قُرَيْش بن

стр. 83

بدران يَأْمُرهُ بِالْخطْبَةِ لَهُ وَأَن يُعْطِيهِ طَرِيقا إِلَى بَغْدَاد فَامْتنعَ فَالْتَقَيَا فَهزمَ صَاحب الْموصل وَقتل وَأخذت بِلَاده وَسَار إِلَى ميافارقين فملكها وَسَائِر ديار بكر ثمَّ سَار إِلَى أذربيجان فَالتقى هُوَ وَابْن أَخِيه بكيارق بن ملكشاه فانتقل قسيم الدولة وبوزان إِلَى بكيارق فَرجع تَاج الدولة إِلَى الشَّام ورجعا إِلَى بلادهما بِأَمْر بكيارق ليمنعا تَاج الدولة عَن الْبِلَاد إِن قَصدهَا فَجمع تَاج الدولة العساكر وَسَار عَن دمشق نَحْو حلب فَاجْتمع قسيم الدولة وبوزان وأمدهما السُّلْطَان ركن الدّين بكيارق بالأمير كربوقا وَهُوَ الَّذِي صَار فِيمَا بعد صَاحب الْموصل فَالْتَقوا بِالْقربِ من تل السُّلْطَان وَبَينه وَبَين حلب نَحْو من سِتَّة فراسخ فَانْهَزَمَ جَيش قسيم الدولة وَأخذ أَسِيرًا فَقتله تَاج الدولة صبرا وَدخل بوزان وكربوقا حلب فحصرهما تَاج الدولة حَتَّى فتحهَا وَأَخذهمَا أسيرين وَأرْسل إِلَى حران والرها وكانتا لبوزان فَامْتنعَ من بهما من التَّسْلِيم فَقتل بوزان وأنفذ رَأسه وتسلم البلدين وَأما كربوقا فَإِنَّهُ سجنه بحمص فَلم يزل إِلَى أَن أخرجه الْملك رضوَان بعد قتل أَبِيه تَاج الدولة قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ قسيم الدولة أحسن النَّاس سياسة لرعيته وحفظا لَهُم وَكَانَت بِلَاده بَين عدل عَام وَرخّص شَامِل وَأمن وَاسع وَكَانَ قد شَرط على أهل كل قَرْيَة فِي بِلَاده مَتى أَخذ عِنْد أحدهم قفل أَو أحد من النَّاس غرم أَهلهَا جَمِيع مَا يُؤْخَذ من الْأَمْوَال من قَلِيل وَكثير فَكَانَت السيارة إِذا بلغت قَرْيَة من بِلَاده ألقوا رحالهم وناموا آمِنين وَقَامَ أهل الْقرْيَة يَحْرُسُونَهُمْ إِلَى أَن يرحلوا فأمنت الطّرق وتحدث الركْبَان بِحسن سيرته وَفِي الْمحرم من سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة توفّي الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي

стр. 84

بِأَمْر الله فَجْأَة وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله ابْن الْأَمِير مُحَمَّد بن الْقَائِم بِأَمْر الله وعمره تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَسَبْعَة أَيَّام وَكَانَت خِلَافَته تسع عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وَأمه تركية وبويع من بعده وَلَده المستظهر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ويلقب مُحَمَّد بن الْقَائِم وَالِد الْمُقْتَدِي بِاللَّه الذَّخِيرَة مَاتَ فِي حَيَاة أَبِيه فَلم يل الْخلَافَة ذكر أَخْبَار زنكي وَالِد نور الدّين رحمهمَا الله تَعَالَى على طَرِيق الِاخْتِصَار فِي فُصُول إِلَى حِين وَفَاته ثمَّ نذْكر أَخْبَار نور الدّين على تَرْتِيب السنين لما قتل قسيم الدولة آق سنقر لم يخلف من الْأَوْلَاد غير وَاحِد وَهُوَ عماد الدّين زنكي وَالِد نور الدّين وَكَانَ حِينَئِذٍ صَبيا لَهُ من الْعُمر نَحْو عشر سِنِين فَاجْتمع عَلَيْهِ مماليك وَالِده وَأَصْحَابه وَفِيهِمْ زين الدّين عَليّ وَهُوَ صبي أَيْضا ثمَّ إِن الْأَمِير كربوقا خلص من السجْن بعد قتل تَاج الدولة سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة وَتوجه إِلَى حران وَقد اجْتمع مَعَه عَسْكَر صَالح فملكها ثمَّ سَار إِلَى نَصِيبين فملكها ثمَّ إِلَى الْموصل فملكها وأزال عَنْهَا عَليّ بن شرف الدولة الْعقيلِيّ وَسَار نَحْو ماردين فملكها وَعظم شَأْنه وَهُوَ فِي طَاعَة ركن الدولة بكيارق فَلَمَّا ملك الْبِلَاد أحضر مماليك قسيم الدولة آق سنقر وَأمرهمْ بإحضار

стр. 85

عماد الدّين زنكي وَقَالَ هُوَ ابْن أخي وَأَنا أولى النَّاس بتربيته فأحضروه عِنْده فأقطعهم الإقطاعات السّنيَّة وجمعهم على عماد الدّين زنكي واستعان بهم فِي حروبه وَكَانُوا من الشجَاعَة فِي أَعلَى درجاتها فَلم يزَالُوا مَعَه فَتوجه بهم إِلَى آمد وصاحبها من أُمَرَاء التركمان فاستنجد بِمعين الدّين سقمان بن أرتق جد صَاحب الْحصن فكسرهم قوام الدولة كربوقا وَهُوَ أول مصَاف حَضَره زنكي بعد قتل وَالِده وَلم يزل مَعَ كربوقا إِلَى أَن توفّي سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبع مئة وَملك بعده مُوسَى التركماني فَلم تطل مدَّته وَقتل وَملك الْموصل شمس الدولة جكرمش وَهُوَ أَيْضا من مماليك السُّلْطَان ملكشاه فَأخذ زنكي فقربه وأحبه واتخذه ولدا لمعرفته بمكانة وَالِده فبقى مَعَه إِلَى أَن قتل سنة خمس مئة فَلَا جرم أَن زنكي رعى هَذَا لجكرمش لما ملك الْموصل وَغَيرهَا من الْبِلَاد فَإِنَّهُ أَخذ وَلَده نَاصِر الدّين كوري فَأكْرمه وَقدمه واقطعه إقطاعا كثيرا وَجعل مَنْزِلَته أَعلَى الْمنَازل عِنْده واتخذه صهراً ثمَّ ملك الْموصل بعد جكرمش جاولى سقاوه فاتصل بِهِ عماد الدّين زنكي وَقد كبر وَظَهَرت عَلَيْهِ أَمَارَات السَّعَادَة والشهامة وَلم يزل مَعَه حَتَّى عصى على السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَ جاولي قد عبر إِلَى الشَّام ليملكه من الْملك فَخر الْملك رضوَان فَأرْسل السُّلْطَان إِلَى

стр. 86

الْموصل الْأَمِير مودودا واقطعه إِيَّاهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمْس مئة فَلَمَّا اتَّصل الْخَبَر بجاولي فَارقه زنكي وَغَيره من الْأُمَرَاء فَلَمَّا اسْتَقر مودود بالموصل واتصل بِهِ زنكي أكْرمه وَشهد مَعَه حروبه فَسَار مودود إِلَى الْغُزَاة بِالشَّام فَفتح فِي طَرِيقه قلاعا لَهُم من شبختان كَانَت للفرنج وَقتل من كَانَ بهَا مِنْهُم ثمَّ سَار إِلَى الرها فحصرها وَلم يفتحها فَرَحل وَعبر الْفُرَات فحصر تل بَاشر خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا ثمَّ سَار إِلَى معرة النُّعْمَان فحصرها ثمَّ حضر عِنْده أتابك طغتكين صَاحب دمشق فَسَار إِلَى طبرية وحاصروها وقاتلوها قتالا شَدِيدا وَظهر من أتابك زنكي شجاعة لم يسمع بِمِثْلِهَا مِنْهَا أَنه كَانَ فِي نفر وَقد خرج الفرنج من الْبَلَد فَحمل عَلَيْهِم هُوَ وَمن مَعَه وَهُوَ يظنّ أَنهم يتبعونه فَتَخَلَّفُوا عَنهُ وَتقدم وَحده وَقد انهزم من بِظَاهِر الْبَلَد من الفرنج فَدَخَلُوا الْبَلَد وَوصل رمحه إِلَى الْبَاب فأثر فِيهِ وَقَاتلهمْ عَلَيْهِ وبقى ينْتَظر وُصُول من كَانَ مَعَه فَحَيْثُ لم ير أحدا حمى نَفسه وَعَاد سالما فَعجب النَّاس من إقدامه أَولا وَمن سَلَامَته آخرا ثمَّ التقى الْجَمْعَانِ فَهزمَ الفرنج لعنهم الله ووصلوا إِلَى مضيق دون طبرية فاحتموا بِهِ وجاءتهم نجدة فَأذن الْأَمِير مودود للعسكر فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ والاجتماع إِلَيْهِ فِي الرّبيع فَلَمَّا تفَرقُوا دخل دمشق وَأقَام بهَا فَخرج يَوْمًا يُصَلِّي الْجُمُعَة فَلَمَّا صلاهَا وَخرج إِلَى صحن الْجَامِع وَيَده بيد طغتكين وثب عَلَيْهِ إِنْسَان فَضَربهُ بسكين مَعَه فجرحه أَربع جراحات وَكَانَ صَائِما فَحمل إِلَى دَار طغتكين واجتهد بِهِ ليفطر فَلم يفعل وَقَالَ

стр. 87

لَا لقِيت الله إِلَّا صَائِما فإننى ميت لَا محَالة سَوَاء أفطرت أَو صمت وَتُوفِّي فِي بَقِيَّة يَوْمه ﵀ فَقيل إِن الباطنية بِالشَّام خافوه فَقَتَلُوهُ وَقيل بل خافه طغتكين فَوضع عَلَيْهِ من يقْتله وَكَانَ خيرا عادلا حسن السِّيرَة قَالَ ابْن الْأَثِير فحدثنى وَالِدي ﵀ قَالَ كتب ملك الفرنج إِلَى طغتكين إِن أمه قتلت عميدها يَوْم عيدها فِي بَيت معبودها لحقيق على الله أَن يبيدها فَلَمَّا قتل الْأَمِير مودود أقطع السُّلْطَان الْبِلَاد الْموصل وَغَيرهَا للأمير جيوش بك وسير مَعَه وَلَده الْملك مَسْعُود إِلَى الْموصل ثمَّ إِنَّه جهز آق سنقر البرسقي فِي العساكر وسيره إِلَى قتال الفرنج وَكتب إِلَى عَسَاكِر الْموصل وَغَيرهَا يَأْمُرهُم بِالْمَسِيرِ مَعَه فَسَارُوا وَفِيهِمْ عماد الدّين زنكي وَكَانَ يعرف فِي عَسَاكِر الْعَجم بزنكي الشَّامي فَسَار البرسقي إِلَى الرها فِي خَمْسَة عشر ألف فَارس فحصرها وَقَاتل من بهَا من الفرنج والأرمن وَضَاقَتْ الْميرَة عَن الْعَسْكَر فَرَحل إِلَى سميساط وَهِي أَيْضا للفرنج فأخرب بَلَدهَا وبلد سروج وَعَاد إِلَى شبختان فأخرب مَا فِيهِ للفرنج وأبلى زنكي فِي هَذِه المواقف كلهَا بلَاء حسنا ثمَّ عَادَتْ العساكر تَتَحَدَّث بِمَا فعله وَعَاد البرسقي إِلَى بَغْدَاد وَأقَام زنكي بالموصل مَعَ الْملك مَسْعُود والأمير جيوش بك إِلَى سنة أَربع عشرَة وَخمْس مئة وَقد علا قدره وَظهر اسْمه

стр. 88

فصل وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَخمْس مئة ولد الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا غرقت سنجار من سيل الْمَطَر وَهلك مِنْهَا خلق كثير وَمن أعجب مَا يحْكى أَن السَّيْل حمل مهداً فِيهِ طِفْل فعلق المهد فِي شَجَرَة وَنقص المَاء فَسلم ذَلِك الطِّفْل وغرق غَيره من الماهرين بالسباحة وفيهَا أَيْضا زلزلت إربل وَغَيرهَا من الْبِلَاد الْمُجَاورَة لَهَا زَلْزَلَة عَظِيمَة وفيهَا فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذى الْحجَّة توفى السُّلْطَان غياث الدّين مُحَمَّد بن ملكشاه وعمره سبع وَثَلَاثُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَأول مَا خطب لَهُ بِبَغْدَاد فِي ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مئة وَقطعت خطبَته عدَّة مرار وَلَقي من المشاق والأخطار مَا لم يلقه أحد إِلَى أَن توفى أَخُوهُ بكيارق فَحِينَئِذٍ اسْتَقَرَّتْ لَهُ السلطنة وصفت لَهُ ودانت الْبِلَاد وَأَصْحَاب الْأَطْرَاف لطاعته وَكَانَ اجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ بعد موت أَخِيه اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر وَكَانَ عادلا حسن السِّيرَة شجاعا وَأطلق المكوس والضرائب فِي جَمِيع الْبِلَاد وَمن عدله أَنه اشْترى عدَّة مماليك من بعض التُّجَّار وَأمر أَن يُوفى الثّمن من عَامل خوزستان فأوصل إِلَيْهِ الْبَعْض ومطل بِالْبَاقِي فَحَضَرَ

стр. 89

التَّاجِر مجْلِس الحكم وَأخذ غُلَام الْحَاكِم ووقف بطرِيق السُّلْطَان واستغاث إِلَيْهِ فَأمر من يستعلم حَاله فَعَاد الْحَاجِب وَأعلم السُّلْطَان حَاله فَعظم عَلَيْهِ وضاق صَدره وَأمر فِي الْحَال أَن يحضر عَامل خوزستان وَيلْزم بِمَال التَّاجِر ثمَّ إِنَّه نَدم على تَأَخره عَن مجْلِس الحكم وَكَانَ يَقُول كثيرا لقد نَدِمت على تركي حُضُور مجْلِس الحكم وَلَو فعلته لاقتدى بِي غَيْرِي وَلم يمْتَنع أحد عَن أَدَاء الْحق قَالَ ابْن الْأَثِير وَهَذِه الْفَضِيلَة ذخرها الله تَعَالَى لهَذَا الْبَيْت الأتابكى فَإِن الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فعل مَا نَدم السُّلْطَان مُحَمَّد على تَركه وَقد تقدم ذَلِك وَلما علم الْأُمَرَاء وَغَيرهم من خلق السُّلْطَان محبَّة الْعدْل وَأَدَاء الْحق وكراهية الظُّلم ومعاقبة من يَفْعَله اقتدوا بِهِ فأمن النَّاس وَظهر الْعدْل وَولى بعد السُّلْطَان مُحَمَّد وَلَده مَحْمُود وعمره يَوْمئِذٍ أَربع عشرَة سنة فَقَامَ بالسلطنة وَجرى بَينه وَبَين عَمه سنجر حَرْب انهزم فِيهَا مَحْمُود وَعَاد إِلَى عَمه بِغَيْر عهد فَأكْرمه وأقطعه من الْبِلَاد من حد خُرَاسَان إِلَى الداروم بأقصى الشَّام وَهِي من الممالك همذان وأصبهان وبلد الْجبَال

стр. 90

جَمِيعه وبلاد فَارس وكرمان وخوزستان وَالْعراق واذربيجان وأرمينية وديار بكر وبلاد الْموصل والجزيرة وديار مُضر وديار ربيعَة وَالشَّام وبلد الرّوم الَّذِي بيد أَوْلَاد قليج أرسلان وَمَا بَين هَذِه الممالك من الْبِلَاد قَالَ ابْن الْأَثِير وَرَأَيْت منشوره بذلك وَفِي سادس عشر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخمْس مئة توفّي الإِمَام المستظهر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله وَكَانَ عمره إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة وَسِتَّة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا وَمضى فِي أَيَّامه ثَلَاث سلاطين خطب لَهُم بَغْدَاد من السلجوقية وهم أَخُو ملكشاه تَاج الدولة تتش وركن الدولة بكيارق بن ملكشاه وَأَخُوهُ غياث الدّين مُحَمَّد بن ملكشاه وَكَانَ المستظهر ﵀ كريم الْأَخْلَاق لين الْجَانِب مشكور المساعي يحب الْعلم وَالْعُلَمَاء وصنفت لَهُ التصانيف الْكَثِيرَة فِي الْفِقْه وَالْأُصُول وَغَيرهمَا وَكَانَ يُسَارع إِلَى أَعمال الْبر والمثوبات حسن الْخط جَيِّدَة التوقيعات وَلما توفّي صلى عَلَيْهِ وَلَده المسترشد بِاللَّه وَدفن فِي حجرَة كَانَت لَهُ يألفها

стр. 91

وَفِي أَيَّامه توفى جمَاعَة من الْعلمَاء فَفِي شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة توفى قَاضِي الْقُضَاة أَبُو بكر مُحَمَّد بن المظفر الشَّامي وَفِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا توفى القَاضِي عبد السَّلَام بن مُحَمَّد الْقزْوِينِي المعتزلى مُصَنف حدائق ذَات بهجة فِي تَفْسِير الْقُرْآن يزِيد على ثَلَاث مئة مُجَلد قَالَ ابْن الْأَثِير رَأَيْت مِنْهُ تَفْسِير الْفَاتِحَة فِي مُجَلد كَبِير وَفِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا توفى الإِمَام أَبُو نصر الْحميدِي مُصَنف الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ وَفِي شَوَّال سنة إِحْدَى وَتِسْعين توفى الْكَامِل نقيب النُّقَبَاء طراد بن مُحَمَّد الزَّيْنَبِي وَله نَحْو تسعين سنة وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمْس مئة توفّي أَبُو زَكَرِيَّا

стр. 92

التبريزي اللّغَوِيّ وَفِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا توفى أَبُو الفوارس الْحُسَيْن بن عَليّ الخازن صَاحب الْخط الْحسن الْمَشْهُور وَفِي سنة خمس وَخمْس مئة توفّي الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وَفِي سنة سبع وَخمْس مئة توفّي الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الشَّاشِي الْفَقِيه ﵏ أَجْمَعِينَ فصل لما ولى السُّلْطَان مَحْمُود السلطنة أقرّ أَخَاهُ مسعودا على الْموصل مَعَ أتابكه جيوش بك فبقى مُطيعًا لِأَخِيهِ إِلَى سنة أَربع عشرَة وَخمْس مئة فَحسن لَهُ الْخُرُوج عَن طَاعَته وَطلب السلطنة فأظهر الْعِصْيَان وخطب للْملك مَسْعُود بالسلطنة وَكَانَ زنكي يُشِير بِطَاعَة السُّلْطَان وَترك الْخلاف عَلَيْهِ ويحذرهم عَاقِبَة الْعِصْيَان فَلم ينفع فَالتقى الأخوان فِي عسكريهما فَهزمَ عَسْكَر مَسْعُود وَأسر جمَاعَة من الْأُمَرَاء والأعيان مِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْمَاعِيل الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الطغرائي وَزِير مَسْعُود فَقتله السُّلْطَان

стр. 93

مَحْمُود وَقَالَ قد صَحَّ عِنْدِي فَسَاد اعْتِقَاده وَدينه وَكَانَ قد جَاوز سِتِّينَ سنة وَكَانَ حسن الْكِتَابَة جيد الشّعْر قلت وَقيل إِنَّه قتل سنة ثَلَاث عشرَة أَو أَربع عشرَة أَو ثَمَانِي عشرَة وَخمْس مئة وَقيل إِن الَّذِي قَتله هُوَ السُّلْطَان طغرل بن مُحَمَّد بن ملكشاه ذكر ذَلِك كُله أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي تَارِيخه وَسَماهُ الْحُسَيْن بن عَليّ بن عبد الصَّمد الديلمي وَأنْشد لَهُ أشعاراً حسانا مِنْهَا (إِذا مَا لم تكن ملكا مُطَاعًا ... فَكُن عبدا لمَالِكه مُطيعًا) (وَإِن لم تملك الدُّنْيَا جَمِيعًا ... كَمَا تهواه فاتركها جَمِيعًا) (هما سببان من ملك ونسك ... ينيلان الْفَتى الشّرف الرفيعا) (وَمن يقنع من الدُّنْيَا بِشَيْء ... سوى هذَيْن يَحْىَ بهَا وضيعا) ثمَّ استأمن مَسْعُود وأتابكه جيوش بك فأمنهما السُّلْطَان وَأخذ الْموصل مِنْهُمَا فأقطعهما آق سنقر البرسقي مَعَ أَعمالهَا كالجزيرة وسنجار ونصيبين وَغَيرهَا فِي صفر سنة خمس عشرَة وسيره إِلَيْهَا وَأمره بِحِفْظ عماد الدّين زنكي وتقديمه وَالْوُقُوف عِنْد إِشَارَته فَفعل البرسقي ذَلِك وَزَاد

стр. 94

عَلَيْهِ لمَكَان زنكي من الْعقل والشجاعة وَتقدم وَالِده فِي الْأَيَّام الركنية وَكَانَت سيرة ملكشاه عِنْدهم كالشريعة المتبعة فأعظم النَّاس عِنْدهم أَكْثَرهم ابتاعا لسيرته وَفِي سنة سِتّ عشرَة وَخمْس مئة أقطع أتابك زنكي مَدِينَة وَاسِط وشحنكية الْبَصْرَة وَظهر من كِفَايَته فِي البلدين مَا لم يَظُنّهُ أحد فازداد شَأْنه عظما وهاب الْأَمِير دبيس بن صَدَقَة الْأَسدي صَاحب الْحلَّة ناحيته وَجَرت بَينه وَبَين البرسقي حروب ومواقفات وهم دبيس بِقصد بَغْدَاد فَسَار البرسقي إِلَيْهِ وَتَبعهُ الْخَلِيفَة المسترشد بِاللَّه بِنَفسِهِ فَانْهَزَمَ عَسْكَر دبيس وَقتل مِنْهُم وَأسر خلق كثير وَكَانَ لعماد الدّين زنكي أثر حسن فِي هَذِه الْوَقْعَة أَيْضا بَين يَدي الْخَلِيفَة وَذَلِكَ فِي أول الْمحرم سنة سبع عشرَة وَأما دبيس فَإِنَّهُ لما انهزم لحق بِالْملكِ طغرل بن السُّلْطَان مُحَمَّد وَصَارَ مَعَه من خَواص أَصْحَابه وَكَانَ عَاصِيا على أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُود وَأمر السُّلْطَان مَحْمُود البرسقي أَن يرجع إِلَى الْموصل فَعَاد واستدعى زنكي من الْبَصْرَة ليسير مَعَه إِلَى الْموصل فَقَالَ زنكي لأَصْحَابه قد ضجرنا مِمَّا نَحن فِيهِ كل يَوْم قد ملك الْبِلَاد أَمِير ونؤمر بِالتَّصَرُّفِ على اخْتِيَاره وإرادته ثمَّ تَارَة بالعراق وَتارَة بالموصل وَتارَة بالجزيرة وَتارَة بِالشَّام فَسَار من الْبَصْرَة إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود فَأَقَامَ عِنْده وَكَانَ يقف

стр. 95

إِلَى جَانب تخت السُّلْطَان عَن يَمِينه لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِ أحد وَهُوَ مقَام وَالِده قسيم الدولة من قبله وَبَقِي لوَلَده من بعده ثمَّ أُتِي السُّلْطَان الْخَبَر أَن الْعَرَب قد اجْتمعت ونهبت الْبَصْرَة فَأمر زنكي بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا وأقطعه إِيَّاهَا لما بلغه عَنهُ من الحماية لَهَا فِي الْعَام الْمَاضِي وَقت اخْتِلَاف العساكر والحروب فَفعل ذَلِك فَعظم عِنْد السُّلْطَان وَزَاد مَحَله وَكَانَ قد جرى بَين يرنقش الزكوي شحنة بَغْدَاد وَبَين الْخَلِيفَة السترشد بِاللَّه نفرة فتهدده السترشد فَسَار عَن بَغْدَاد إِلَى السُّلْطَان فِي رَجَب سنة تسع عشرَة شاكيا من المسترشد وحذر السُّلْطَان جَانِبه وأعلمه أَنه قد جمع العساكر عَازِمًا على مَنعه من الْعرَاق فَسَار السُّلْطَان إِلَى بَغْدَاد وَجرى بَينه وَبَين المسترشد حروب ووقائع ثمَّ اصطلحا وعادا إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ واقام السُّلْطَان بِبَغْدَاد إِلَى عَاشر ربيع الآخر وَنظر فِيمَن يصلح أَن يَلِي شحنكية بَغْدَاد وَالْعراق يَأْمَن مَعَه من الْخَلِيفَة ويضبط الْأُمُور فولى ذَلِك زنكي مُضَافا إِلَى مَا بِيَدِهِ من الإقطاع وَسَار السُّلْطَان عَن بَغْدَاد وَفِي سنة عشْرين وَخمْس مئة قتل آق سنقر البرسقي بالجامع الْعَتِيق بالموصل بعد الصَّلَاة يَوْم الْجُمُعَة ثار بِهِ من الباطنية مَا يزِيد على عشرَة أنفس فَقتل بِيَدِهِ مِنْهُم ثَلَاثَة وَقتل ﵀ وَكَانَ عادلا لين الْأَخْلَاق حسن الْعشْرَة وَكَانَ يصلى كل لَيْلَة صَلَاة كَثِيرَة وَلَا يَسْتَعِين فِي وضوئِهِ

стр. 96

بِأحد فقرر السُّلْطَان وَلَده عز الدّين مسعوداً على مَا كَانَ لِأَبِيهِ من الْأَعْمَال وَهِي الْموصل وديار الجزيرة وحلب وحماة وجزيرة ابْن عمر وَغَيرهَا وَكَانَ شَابًّا عَاقِلا فضبط الْبِلَاد وَلم تطل ايامه وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَولي الْأَمر بعده أَخُوهُ الصَّغِير وَقَامَ بتدبير دولتيهما الْأَمِير جاولي وَهُوَ مَمْلُوك تركي من مماليك أَبِيهِمَا فجرت الْأُمُور على أحسن نظام فصل فِي ولَايَة زنكي الْموصل وَغَيرهَا من الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بيد البرسقي وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان من سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسبب ذَلِك أَن عز الدّين بن البرسقي لما توفّي وَقَامَ بالبلاد بعده أَخُوهُ الصَّغِير وَتَوَلَّى أمره جاولى أرسل إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود يطْلب أَن يقر الْبِلَاد عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُرْسل بذلك القَاضِي بهاء الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن الشهرزوي وَصَلَاح الدّين مُحَمَّد الياغبساني فحضرا بَغْدَاد ليخاطبا السُّلْطَان فِي ذَلِك وَكَانَا يخافان جاولى وَلَا يرضيان بِطَاعَتِهِ وَالتَّصَرُّف بِحكمِهِ وَكَانَ بَين

стр. 97

الصّلاح وَبَين نصير الدّين جقر مصاهرة فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا أَن يطلبا الْبِلَاد لعماد الدّين زنكي ففعلا وَقَالا للوزير قد علمت أَنْت وَالسُّلْطَان أَن بِلَاد الجزيرة وَالشَّام قد استولى الإفرنج على أَكْثَرهَا وتمكنوا مِنْهَا وقويت شوكتهم وَكَانَ البرسقي يكف بعض عاديتهم فمنذ قتل ازْدَادَ طمعهم وَهَذَا وَلَده طِفْل صَغِير وَلَا بُد للبلاد من شهم شُجَاع يذب عَنْهَا ويحمي حوزتها وَقد أنهينا الْحَال إِلَيْكُم لِئَلَّا يجْرِي خلل أَو وَهن على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين فنحصل نَحن بالإثم من الله تَعَالَى واللوم من السُّلْطَان فأنهى الْوَزير ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأعجبه وَقَالَ من تريان يصلح لهَذِهِ الْبِلَاد فذكرا جمَاعَة فيهم عماد الدّين زنكي وعظما مَحَله أَكثر من غَيره فَأجَاب السُّلْطَان إِلَى تَوليته لما علم من شهامته وكفايته فولي الْبِلَاد جَمِيعهَا وَكتب منشوره بهَا وَسَار من بَغْدَاد إِلَى البوازيج ليملكها ويتقوى بهَا ويجعلها ظَهره إِن مَنعه جاولى عَن الْبِلَاد فَلَمَّا استولى عَلَيْهَا سَار عَنْهَا إِلَى الْموصل فَخرج جاولى إِلَى لِقَائِه وَعَاد فِي خدمته إِلَى الْموصل فسيره إِلَى الرحبة وأعمالها وَأقَام هُوَ بالموصل يصلح أمورها ويقرر قواعدها فولى نصير الدّين دزدارية قلعة الْموصل وفوض إِلَيْهِ أَمر الْولَايَة جَمِيعهَا وَجعل الدزدارية فِي الْبِلَاد جَمِيعهَا لَهُ وَجعل الصّلاح مُحَمَّد الياغبساني أَمِير حَاجِب الدولة وَجعل بهاء الدّين قَاضِي قُضَاة بِلَاده جَمِيعهَا وَمَا يَفْتَحهُ من الْبِلَاد ووفي لَهُم بِمَا وعدهم وَكَانَ بهاء الدّين أعظم النَّاس عِنْده منزلَة وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ وَأَكْثَرهم انبساطا مَعَه وقربا مِنْهُ ورتب الْأُمُور على أحسن نظام وَأحكم قَاعِدَة

стр. 98

وَكَانَ الفرنج قد اتسعت بِلَادهمْ وَكَثُرت أجنادهم وعظمت هيبتهم وزادت صولتهم وامتدت إِلَى بِلَاد الْمُسلمين أَيْديهم وَضعف أَهلهَا عَن كف عاديهم وَتَتَابَعَتْ غزواتهم وساموا الْمُسلمين سوء الْعَذَاب واستطار فِي الْبِلَاد شرر شرهم وامتدت مملكتهم من نَاحيَة ماردين وشبختان إِلَى عَرِيش مصر لم يتخلله من ولَايَة الْمُسلمين غير حلب وحماة وحمص ودمشق وَكَانَت سراياهم تبلغ من ديار بكر إِلَى آمد وَمن ديار الجزيرة إِلَى نَصِيبين وَرَأس عين أما أهل الرقة وحران فقد كَانُوا مَعَهم فِي ذل وهوان وانقطعت الطّرق إِلَى دمشق إِلَّا على الرحبة وَالْبر ثمَّ زَاد الْأَمر وَعظم الشَّرّ حَتَّى جعلُوا على أهل كل بلد جاورهم خراجا وإتاوة يأخذونها مِنْهُم ليكفوا أذيتهم عَنْهُم ثمَّ لم يقنعوا بذلك حَتَّى أرْسلُوا إِلَى مَدِينَة دمشق واستعرضوا الرَّقِيق مِمَّن أَخذ من الرّوم والأرمن وَسَائِر بِلَاد النَّصْرَانِيَّة وخيروهم بَين الْمقَام عِنْد أربابهم وَالْعود إِلَى أوطانهم فَمن اخْتَار الْمقَام تَرَكُوهُ وَمن آثر الْعود إِلَى أَهله أَخَذُوهُ وناهيك بِهَذِهِ الْحَالة ذلة للْمُسلمين وصغارا وَأما أهل حلب فَإِن الفرنج أخذُوا مِنْهَا مُنَاصَفَة أَعمالهَا حَتَّى فِي الرحا الَّتِي على بَاب الْجنان وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة عشرُون خطْوَة وَأما بَاقِي بِلَاد الشَّام فَكَانَ حَال أَهلهَا أَشد من حَال هذَيْن البلدين فَلَمَّا نظر الله سُبْحَانَهُ إِلَى بِلَاد الْمُسلمين ولاها عماد الدّين زنكي فغزا الفرنج فِي عقر دِيَارهمْ وَأخذ للموحدين مِنْهُم بثارهم واستنقذ مِنْهُم حصونا

стр. 99

ومعاقل وَسَيَأْتِي تَفْصِيل ذَلِك وَمَا فَتحه من الْبِلَاد الإسلامية هُوَ وَابْنه من بعده إِن شَاءَ الله تَعَالَى فصل ثمَّ شرع زنكي ﵀ فِي أَخذ الْبِلَاد فَافْتتحَ جَزِيرَة ابْن عمر ثمَّ مَدِينَة إربل فِي رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين ثمَّ عَاد إِلَى الْموصل وَسَار فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين إِلَى سنجار فتسلمها وسير مِنْهَا الشحن إِلَى الخابور فملكة ثمَّ قصد الرحبة فملكت قسرا ثمَّ افْتتح نَصِيبين وَسَار إِلَى حران وَكَانَت الرها وسروج وَغَيرهمَا من ديار الجزيرة للفرنج لعنهم الله وَأهل حران مَعَهم فِي ضيق عَظِيم فراسلوا زنكي بِالطَّاعَةِ واستحثوه على الْوُصُول إِلَيْهِم فَفعل وهادن الفرنج مُدَّة يسيرَة بِعلم أَنه يفرغ فِيهَا من الِاسْتِيلَاء على مَا بَقِي لَهُ من الْبِلَاد الشامية والجزرية وَكَانَ أهم الْأَشْيَاء عِنْده عبور الْفُرَات وَملك مَدِينَة حلب وَغَيرهَا من الْبِلَاد الشامية فَلَمَّا عبر الْفُرَات ملك مَدِينَة منبج وحصن بزراعة وحاصر حلب ثمَّ فتحت لَهُ فرتب أمورها وَسَار عَنْهَا إِلَى حماة فملكها وَقبض على صَاحب حمص وحصرها وَذَلِكَ سنة ثَلَاثِينَ وَعشْرين وَفِي سنة أَربع وَعشْرين اتّفق صَاحب آمد مَعَ صَاحب حصن كيفا وَغَيرهمَا من الْمُلُوك وجمعوا عَسَاكِر نَحْو عشْرين ألفا وقصدوا زنكي فَلَقِيَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَملك سرجة ودارا ثمَّ صمم على الْجِهَاد فنازل حصن الأثارب وَكَانَ أضرّ شَيْء على أهل حلب فَجمع الفرنج جمعا عَظِيما

стр. 100

فَهَزَمَهُمْ وقتلهم مقتلة عَظِيمَة بقيت عِظَام الْقَتْلَى بِتِلْكَ الأَرْض مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحصن فملكه عنْوَة فأخربه ومحا أَثَره وأزال من تِلْكَ الأَرْض ضَرَره ثمَّ رَحل إِلَى حصن حارم فحصره فأنفذ من لم يحضر المعركة من الفرنج وَمن نجا مِنْهَا يسْأَلُون الصُّلْح ويبذلون لَهُ المناصفة على ولَايَة حارم فأجابهم إِلَى ذَلِك لِأَن عسكره كَانَ قد كثرت فيهم الْجِرَاحَات وَالْقَتْل فَأَرَادَ أَن يستريحوا ويريحوا فهادنهم وَعَاد عَنْهُم وَقد أَيقَن الْمُسلمُونَ بِالشَّام بالأمن وحلول النَّصْر وسيرت البشائر إِلَى الْبِلَاد بذلك وفيهَا استولى زنكي على مَدِينَة حماة وَمَا فِيهَا وَكَانَ فِيهَا بهاء الدّين سونج بن تَاج الْمُلُوك بورى فَأَخذه وَرِجَاله ثمَّ طلب فِي إِطْلَاقهم خمسين ألف دِينَار فاتفق حُضُور دبيس بن صَدَقَة بن مزِيد أَمِير الْعرَاق بِدِمَشْق مُنْهَزِمًا فَطَلَبه زنكي وَأطلق من كَانَ عِنْده من سونج وَأَصْحَابه ذكر ذَلِك الرئيس أَبُو يعلى وَفِي سنة خمس وَعشْرين وَخمْس مئة توفّي السُّلْطَان مَحْمُود بهمذان وَكَانَ عمره نَحْو ثَمَانِي وَعشْرين سنة وَكَانَت ولَايَته مَا يُقَارب أَربع عشرَة سنة وَكَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا عَاقِلا عادلا كثير الِاحْتِمَال وَطلب السلطنة بعد وَفَاته ابْنه دَاوُد بن مَحْمُود وأخواه مَسْعُود وسلجوق شاه ابْنا مُحَمَّد وعمهما سنجر بن ملكشاه وَمَعَهُ طغرل ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد فجرت بَينهم حروب واختلافات كَثِيرَة ظفر فِيهَا سنجر وخطب لِابْنِ أَخِيه طغرل بالسلطنة فِي همذان وأصفهان والري وَسَائِر بِلَاد الْجَبَل

стр. 101

وَفِي سنة سبع وَعشْرين سَار الْخَلِيفَة المسترشد بِنَفسِهِ إِلَى الْموصل فِي ثَلَاثِينَ ألف فَارس فحاصرها ثَلَاثَة أشهر ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَلم يبلغ غَرضا وَفِي سنة تسع وَعشْرين استولى زنكي على سَائِر قلاع الحميدية وولاياتهم وَمِنْهَا قلعة الْعقر وقلعة شوش وحاصر مَدِينَة آمد ثمَّ مَدِينَة دمشق وفيهَا توفيت والدته بالموصل وَفِي الْمحرم سنة تسع وَعشْرين توفى السُّلْطَان طغرل بن مُحَمَّد بن ملكشاه فَخرج السُّلْطَان مَسْعُود والتقى هُوَ والخليفة المسترشد فِي عسكرين عظيمين عَاشر رَمَضَان فَهزمَ عَسْكَر الْخَلِيفَة وَقبض عَلَيْهِ وعَلى خواصه وأنفذ السُّلْطَان شحنة إِلَى بَغْدَاد فَقبض جَمِيع أَمْلَاك الْخَلِيفَة وهجم جمَاعَة من الباطنية على المسترشد وَهُوَ فِي الْخَيْمَة فَقَتَلُوهُ وَكتب السُّلْطَان إِلَى شحنة بَغْدَاد يَأْمُرهُ بالبيعة لِابْنِهِ أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور بن المسترشد فَبَايعهُ فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة ولقب بالراشد وَكَانَ عمر المسترشد ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَكَانَت خِلَافَته سبع عشرَة سنة وَسَبْعَة اشهر وَكَانَ شهما شجاعا مقداما فصيحا وَتمكن فِي خِلَافَته تمَكنا عَظِيما لم يره أحد مِمَّن تقدمه من الْخُلَفَاء من عهد الْمُنْتَصر بِاللَّه إِلَى خِلَافَته إِلَّا أَن يكون المعتضد والمكتفي لِأَن المماليك كَانُوا قَدِيما يخلعون الْخُلَفَاء ويحكمون عَلَيْهِم وَلم يزَالُوا كَذَلِك إِلَى ملك

стр. 102

الديلم واستيلائهم على الْعرَاق فَزَالَتْ هَيْبَة الْخلَافَة بالمرة إِلَى انْقِرَاض دولة الديلم فَلَمَّا ملك السلجقية جددوا من هَيْبَة الْخلَافَة مَا كَانَ قد درس لَا سِيمَا فِي وزارة نظام الْملك فَإِنَّهُ أعَاد الناموس والهيبة إِلَى أحسن حالاتها إِلَّا أَن الحكم والشحن بالعراق كَانَ إِلَى السُّلْطَان وَكَذَلِكَ العمداء وَضَمان الْبِلَاد وَلم يكن للخلفاء إِلَّا إقطاع يَأْخُذُونَ دخله وَأما المسترشد فَإِنَّهُ استبد بالعراق بعد السُّلْطَان مَحْمُود وَلم يكن للسُّلْطَان مَحْمُود مَعَه فِي كثير من الْأَوْقَات سوى الْخطْبَة وَاجْتمعت عَلَيْهِ العساكر وقاد الجيوش وباشر الحروب وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَخمْس مئة سَار الراشد إِلَى الْموصل صُحْبَة زنكي ملتجئا إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن جمَاعَة حسنوا لَهُ الْخُرُوج من بَغْدَاد لمحاربة السُّلْطَان مَسْعُود فأجابهم إِلَى ذَلِك وَظهر مِنْهُ تنقل فِي الْأَحْوَال وتلون فِي الآراء وَقبض على جمَاعَة من أَعْيَان أَصْحَابه وخافه الْبَاقُونَ وَتقدم السُّلْطَان مَسْعُود وَحصر بَغْدَاد وَاسْتظْهر عَلَيْهَا فَخرج الراشد ملتجئا إِلَى زنكي فَسَار بِهِ إِلَى الْموصل وَدخل مَسْعُود بَغْدَاد وَأمر بخلع الراشد ومبايعة عَمه أبي عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر بِاللَّه فَفعل ذَلِك ولقب المقتفي لأمر الله وَأما الراشد فَإِن السُّلْطَان سنجر أرسل إِلَى أتابك يَأْمُرهُ بِإِخْرَاجِهِ عَن بَلَده فَسَار إِلَى اذربيجان ثمَّ إِلَى همذان فَاجْتمع إِلَيْهِ مُلُوك وعساكر كَثِيرَة وَسَار السُّلْطَان إِلَيْهِم فتصافوا فَانْهَزَمَ الراشد وَقصد أَصْبَهَان

стр. 103

فَقتله الباطنية بهَا فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة وَدفن بأصبهان وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَيْضا تزوج زنكي بالخاتون صفوة الْملك زمرد ابْنة الْأَمِير جاولي أم شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل وَإِخْوَته بني تَاج الْمُلُوك بوري بن ظهيرالدين طغتكين أتابك وَهِي أُخْت الْملك دقاق لأمه وإليها ينْسب مَسْجِد خاتون الَّذِي هُوَ مدرسة لأَصْحَاب أَبى حنيفَة بِأَعْلَى الشّرف القبلي بِأَرْض دمشق بِأَرْض صنعاء وتسلم قلعة حمص فصل فِي جِهَاد زنكي للفرنج لما كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ خرج ملك الرّوم من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَعَهُ خلق عَظِيم لَا يُحصونَ كَثْرَة من الرّوم والفرنج وَغَيرهم من أَنْوَاع النَّصَارَى فقصد الشَّام فخافه النَّاس خوفًا عَظِيما وَكَانَ زنكي مَشْغُولًا بِمَا تقدم ذكره لَا يُمكنهُ مُفَارقَة الْموصل فقصد ملك الرّوم مَدِينَة بزاعة وحصرها وَهِي على مرحلة من حلب وَفتحهَا عنْوَة وَقتل الْمُقَاتلَة وسبى الذُّرِّيَّة فِي شعْبَان ثمَّ سَار عَنْهَا إِلَى شيزر وَهِي

стр. 104

حصن منيع على مرحلة من مَدِينَة حماة فحصرها منتصف شعْبَان وَنصب عَلَيْهَا ثَمَانِيَة عشر منجنيقا وَأرْسل صَاحبهَا أَبُو العساكر سُلْطَان بن عَليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ إِلَى زنكي يستنجده فَنزل على حماة فَكَانَ يركب كل يَوْم فِي عساكره ويسير إِلَى شيزر بِحَيْثُ يرَاهُ ملك الرّوم وَيُرْسل السَّرَايَا يتخطف من يخرج من عساكرهم لِلْمِيرَةِ والنهب ثمَّ يعود آخر النَّهَار وَكَانَ الرّوم والإفرنج قد نزلُوا على شَرْقي شيزر فَأرْسل إِلَيْهِم زنكي يَقُول لَهُم إِنَّكُم قد تحصنتم بِهَذِهِ الْجبَال فاخرجوا عَنْهَا إِلَى الصَّحرَاء حَتَّى نَلْتَقِي فَإِن ظفرتم أَخَذْتُم شيزر وَغَيرهَا وَإِن ظَفرت بكم أرحت الْمُسلمين من شركم وَلم يكن لَهُ بهم قُوَّة لكثرتهم وَإِنَّمَا كَانَ يفعل هَذَا ترهيبا لَهُم فَأَشَارَ الفرنج على ملك الرّوم بلقائه وقتاله وهونوا أمره فَقَالَ لَهُم الْملك أتظنون أَن مَعَه من العساكر مَا ترَوْنَ وَله الْبِلَاد الْكَثِيرَة وَإِنَّمَا هُوَ يريكم قلَّة من مَعَه لتطمعوا وتصحروا لَهُ فَحِينَئِذٍ ترَوْنَ من كَثْرَة عسكره مَا يعجزكم وَكَانَ أتابك زنكي مَعَ هَذَا يراسل فرنح الشَّام ويحذرهم ملك الرّوم وَيُعلمهُم أَنه إِن ملك بِالشَّام حصنا وَاحِدًا أَخذ الْبِلَاد الَّتِي بِأَيْدِيهِم مِنْهُم وَكَانَ يراسل ملك الرّوم يتهدده ويوهمه أَن الفرنج مَعَه فاستشعر كل وَاحِد من الفرنج وَالروم من صَاحبه فَرَحل ملك الرّوم عَنْهَا فِي رَمَضَان وَكَانَ مقَامه عَلَيْهَا أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَترك المجانيق والآت الْحصار بِحَالِهَا فَسَار زنكي خَلفهم فظفر بطَائفَة مِنْهُم فِي ساقة الْعَسْكَر فغنم مِنْهُم وَقتل وَأسر وَأخذ جَمِيع مَا خلفوه وَرَفعه إِلَى قلعة حلب ﴿وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال﴾ وَكَانَ الْمُسلمُونَ بِالشَّام قد اشْتَدَّ خوفهم وَعَلمُوا أَن الرّوم إِن ملكوا

стр. 105

حصن شيزر لَا يبْقى لمُسلم مَعَهم مقَام لَا سِيمَا مَدِينَة حماة لقربها وَلما يسر الله تَعَالَى هَذَا الْفَتْح مدح الشُّعَرَاء الشَّهِيد أتابك فَأَكْثرُوا مِنْهُم أَبُو الْمجد الْمُسلم بن الْخضر بن الْمُسلم بن قسيم التنوخي الْحَمَوِيّ لَهُ قصية قد ذكرتها فِي تَرْجَمته فِي التَّارِيخ أَولهَا (بعزمك أَيهَا الْملك الْعَظِيم ... تذل لَك الصعاب وتستقيم) (ألم تَرَ أَن كلب الرّوم لما ... تبين أَنه الْملك الرَّحِيم) (فجَاء يطبق الفلوات خيلا ... كَأَن الجحفل اللَّيْل البهيم) (وَقد نزل الزَّمَان على رِضَاهُ ... فَكَانَ لخطبه الْخطب الجسيم) (فحين رميته بك فِي خَمِيس ... تَيَقّن أَن ذَلِك لَا يَدُوم) (وابصر فِي المفاضة مِنْك جَيْشًا ... فأحرن لَا يسير وَلَا يُقيم) (كَأَنَّك فِي العجاج شهَاب نور ... توقد وَهُوَ شَيْطَان رجيم) (أَرَادَ بَقَاء مهجته فولى ... وَلَيْسَ سوى الْحمام لَهُ حميم) (يؤمل أَن تجود بهَا عَلَيْهِ ... وَأَنت بهَا وبالدنيا كريم) (أيلتمس الفرنج لديك عفوا ... وَأَنت بِقطع دابرها زعيم) (وَكم جرعتها غصص المنايا ... بِيَوْم فِيهِ يكتهل الفطيم) (وَلما أَن طلبتهم تمنى الْمنية ... جوسلينهم اللَّئِيم)

стр. 106

(أَقَامَ يطوف الْآفَاق حينا ... وَأَنت على معاقله مُقيم) (فَسَار وَمَا يعادله مليك ... وَعَاد وَمَا يعادله سقيم) (إِذا خطرت سيوفك فِي نفوس ... فَأول مَا تفارقها الجسوم) وَله أَيْضا من قصيدة يمدح بهَا صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن أَيُّوب الْعِمَادِيّ التوتان صَاحب حماة (وَمَا جَاءَ كلب الرّوم إِلَّا ليحتوي ... حماة وَمَا يَسْطُو على الْأسد الْكَلْب) (أَرَادَ بهَا أَن يملك الشَّام عنْوَة ... وَقد غلبت عَنهُ الضراغمة الغلب) (وَمَا ذمّ فِيهَا الْعَيْش حَتَّى صدمته ... فَمَال جنَاح الْجَيْش وانكسر الْقلب) (فولى وأطراف الرماح كَأَنَّهَا ... نُجُوم عَلَيْهِ بالمنية تنصب) وَلابْن مُنِير من قصيدة فِي مدح أتابك زنكي ﵀ سَيَأْتِي بَعْضهَا عِنْد ذكر فَتحه لمدينة الرها إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وَمَا يَوْم كلب الرّوم إِلَّا أَخُو الَّذِي ... أزحت بِهِ مَا فِي الجناجن من تبل) (أَتَاك بِمثل الرمل حشدا وَإنَّهُ ... ليفضل أضعافا كثيرا عَن الرمل) (فقاتلته بِاللَّه ثمَّ بعزمة ... تعل قُلُوب العاشقين بِمَا يسلي)

стр. 107

(توهم أَن الشَّام مرعى وَمَا درى ... بأنك أمضى مِنْهُ فِي الشزر والسحل) (فطار وَخير المغنمين ذماؤه ... إِذا رد عَنهُ مغنم المَال والأهل) قَالَ ابْن الْأَثِير وَمن عَجِيب مَا يحْكى فِي هَذِه الْحَادِثَة أَن الْخَبَر لما وصل بِقصد الرّوم شيزر قَالَ الْأَمِير مرشد بن عَليّ أَخُو صَاحبهَا وَهُوَ ينْسَخ مُصحفا فرفعه بِيَدِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ بِحَق من أنزلته عَلَيْهِ إِن قضيت بمجيء الرّوم فاقبضني إِلَيْك فتوفى بعد أَيَّام وَنزل الرّوم بعد وَفَاته وَلما عَاد الرّوم إِلَى بِلَادهمْ نزل أتابك إِلَى حصن عرقة وَهُوَ من أَعمال طرابلس فحصره وفتحه عنْوَة وَنهب مَا فِيهِ واسر من بِهِ من الفرنج وأخربه وَعَاد سالما غانما وفيهَا ملك قلعة دَارا من حسام الدّين تمرتاش وفيهَا توفى بهاء الدّين عَليّ بن الْقَاسِم الشهرزوري قَاضِي الممالك الأتابكية وَكَانَ أعظم النَّاس منزلَة عِنْده وفيهَا ولد صَلَاح الدّين يُوسُف بن ايوب بتكريت

стр. 108

فصل فِي فتح شهرزور وبعلبك وحصار دمشق قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَت شهرزور وأعمالها وَمَا يجاورها من الْبِلَاد وَالْجِبَال فِي يَد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني وَكَانَ مَالِكهَا نَافِذ الحكم على قاصي التركمان ودانيهم يرَوْنَ طَاعَته فرضا حتما فتحامى الْمُلُوك قصد ولَايَته وَلم يتَعَرَّضُوا لَهَا لحصانتها فَعظم شَأْنه وازداد جمعه فَلَمَّا كَانَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ بلغ الشَّهِيد أتابك عَنهُ مَا اقْتضى أَن يقْصد بِلَاده فَهزمَ عسكره وَملك بِلَاد شهرزور وَغَيرهَا فأضافها إِلَى بِلَاده واصلح أَحْوَال أَهلهَا وخفف عَنْهُم مَا كَانُوا يلقونه من التركمان وَعَاد إِلَى الْموصل عَازِمًا على الْمسير إِلَى الشَّام فَإِنَّهُ كَانَ لَا يرى الْمقَام بل لَا يزَال ظَاعِنًا إِمَّا لرد عَدو يَقْصِدهُ وَإِمَّا لقصد بِلَاد عَدو وَإِمَّا لغزو الفرنج وسد الثغور وَكَانَت مياثر السُّرُوج آثر عِنْده من وثير المهاد والسهر فِي حراسة المملكة أحب إِلَيْهِ من عرض الوساد وأصوات السِّلَاح ألذ فِي مسمعه من الْغناء لَا يجد لذَلِك كُله عناء وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ ولد تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب بن شاذي وفيهَا سَار الشَّهِيد فِي جُنُوده بعد ملك شَهْرَزَوْرَ إِلَى مَدِينَة دمشق

стр. 109

فحصرها وصاحبها حِينَئِذٍ جمال الدّين مُحَمَّد بن بورى بن طغتكين وَكَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَالْغَالِب على أمره معِين الدّين أنر مَمْلُوك جده طغتكين وَكَانَ أتابك قد أَمر كَمَال الدّين أَبَا الْفضل بن الشهرزوري بمكاتبة جمَاعَة من مقدمي أحداثها وزناطرتها واستمالتهم وإطماعهم فِي الرغائب والصلات فَفعل ذَلِك فَأَجَابَهُ مِنْهُم خلق كثير إِلَى تَسْلِيم الْبَلَد وَخَرجُوا مُتَفَرّقين إِلَى كَمَال الدّين وجدد عَلَيْهِم العهود وتواعدوا يَوْمًا يزحف فِيهِ الشَّهِيد إِلَى الْبَلَد ليفتحوا لَهُ الْبَاب ويسلموا الْبَلَد إِلَيْهِ فَأعْلم كَمَال الدّين الشَّهِيد أتابك بذلك فَقَالَ لَا أرى هَذَا رَأيا فَإِن الْبَلَد ضيق الطرُق والشوارع وَمَتى دخل الْعَسْكَر إِلَيْهِ لَا يتمكنون من الْقِتَال فِيهِ لضيقه وَرُبمَا كثر الْمُقَاتِلُونَ لنا فنعجز عَن مقاومتهم لأَنهم يُقَاتلُون على الأَرْض والسطوحات وَإِذا دَخَلنَا الْبَلَد اضطررنا إِلَى التَّفَرُّق لضيق المسالك فيطمع فِينَا أَهله وَعَاد عَن ذَلِك الْعَزْم بحزمه وحذره وَمن الْعجب أَن مُحَمَّد بن بورى صَاحب دمشق توفّي وأتابك يحصره فضبط أنر الْأُمُور وساس الْبَلَد فَلم يتَغَيَّر بِالنَّاسِ حَال وَأرْسل إِلَى بعلبك فأحضر وَلَده مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد بن بورى ورتبه فِي الْملك مَكَان أَبِيه فَمشى الْحَال بتمكين معِين الدّين أنر وَحسن تَدْبيره وَهَذَا مجير الدّين آبق هُوَ الَّذِي مِنْهُ أَخذ نور الدّين بن زنكي دمشق كَمَا سَيَأْتِي

стр. 110

وَلما دخل مجير الدّين دمشق أقطع بعلبك معِين الدّين أنر فَأرْسل إِلَيْهَا نَائِبه وتسلمها فَلَمَّا علم الشَّهِيد ذَلِك سَار إِلَى بعلبك وحصرها عدَّة شهور فملكها عنْوَة وَترك بهَا نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين دزدارا وعزم على الْعود عَنْهَا إِلَى دمشق فَجَاءَتْهُ رسل صَاحبهَا ببذل الطَّاعَة وَالْخطْبَة فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَعَاد عَن قصد دمشق وَقد خطب لَهُ فِيهَا وَصَارَ أَصْحَابهَا فِي طَاعَته وَتَحْت حكمه قَالَ يحيى بن أَبى طي الْحلَبِي وَاتفقَ أَن الْأُمَرَاء لما نزلُوا من بعلبك أفسدوا ذخائرها فَقبض عَلَيْهِم أتابك زنكي وَقتل بَعضهم وصلبهم وَكَانَ ولى قَتلهمْ صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن أَيُّوب الياغبساني فَحكى أَنه أحضر إِلَيْهِ فِي جملَة الامراء شيخ مليح الشيبة وَمَعَهُ ولد لَهُ أَمْرَد كَأَنَّهُ فلقَة قمر فَقَالَ الشَّيْخ لصلاح الدّين سَأَلتك بحياة الْمولى أتابك إِلَّا صلبتني قبل وَلَدي لِئَلَّا أرَاهُ يعالج سَكَرَات الْمَوْت وَبكى وَكَانَ نجم الدّين أَيُّوب وَاقِفًا فرحم الشَّيْخ وَبكى وَسَأَلَ صَلَاح الدّين فِي إِطْلَاقه فَقَالَ مَا أفعل خوفًا من الْمولى أتابك فَذهب نجم الدّين إِلَى أتابك وَسَأَلَهُ فِي الشَّيْخ وَولده وقص عَلَيْهِ مَا قَالَه فَأذن بِإِطْلَاقِهِ وَإِطْلَاق من بَقِي من الْجَمَاعَة ووهبه نصف بعلبك وَقيل إِن نجم الدّين ورد على أتابك وَهُوَ قد ملك بعلبك فَسَأَلَهُ فِي الْأُمَرَاء فَأَطْلَقَهُمْ لَهُ وولاه بعلبك وَكتب لَهُ ثلثهَا ملكا وَاسْتقر فِيهَا هُوَ وَأَهله وَلم يزل بهَا إِلَى أَيَّام نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فَأخْرجهُ مِنْهَا على مَا سَنذكرُهُ
следующие страницы →