Полный текст (1 810 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الْوَاعِظ وأطلع صَلَاح الدّين على فسادهم وَمَا سولوه من مُرَاد مُرَادهم وَطلب مالابن كَامِل الدَّاعِي من الْعقار والدور وكلّ مَاله من الْمَوْجُود والمذخور فبدل لَهُ السُّلْطَان كل مَا طلبه وَأمره بمخالطتهم ورغبه
ثمَّ أَمر السُّلْطَان بإحضار مقدميهم واعتقالهم لإِقَامَة السياسة فيهم وصلب يَوْم السبت ثَانِي شهر رَمَضَان جمَاعَة مِنْهُم بَين القصرين مِنْهُم عمَارَة وأفنى بعد ذَلِك من بَقِي مِنْهُم وَمَات بموتهم الْخَبَر عَنْهُم
وَكَانَ مِنْهُم دَاعِي الدعاة ابْن عبد الْقوي وَكَانَ عَارِفًا بخبايا الْقصر وكنوزه فباد وَلم يسمع بإبدائها وَبقيت تِلْكَ الخزائن مدفونة وَتلك الدفائن مخزونة قد دفن دافنها وخزن تَحت الثرى خازنها إِلَى أَن يَأْذَن الله فِي الْوُصُول إِلَيْهَا والاطلاع عَلَيْهَا وَجمع من أَمْوَال هَؤُلَاءِ مَا يحمل إِلَى الشَّام للاستعانة بِهِ على حماية ثغور الْإِسْلَام
قَالَ ابْن أبي طيّ وَفِي هَذِه السّنة اجْتمع جمَاعَة من دعاة المصريين والعوام وَتَآمَرُوا فِيمَا بَينهم خُفْيَة وَبكوا على أنقراض دولة المصريين وَمَا صَارُوا إِلَيْهِ من الذل والفقر ثمَّ أَجمعُوا آراءهم على أَن يقيموا خَليفَة ووزيرا ويجتمعوا هم وَجَمَاعَة عينوهم من الْأُمَرَاء وَغَيرهم وَأَن يكاتبوا الفرنج ويثبوا بِالْملكِ النَّاصِر وأدخلوا مَعَهم فِي هَذَا الْأَمر ابْن مصال وواعدوا جمَاعَة من شيعَة المصريين لَيْلَة عينوها وكاتبوا الفرنج بذلك وقرروا مَعَهم الْوُصُول إِلَيْهِم فِي ذَلِك الزَّمَان الْمُقَرّر فخانهم ابْن مصال
стр. 702
فِيمَا عاهدهم عَلَيْهِ ونكث فِي الْيَمين وكفّر عَنْهَا وَصَارَ إِلَى الْملك النَّاصِر وعرفه بجلية مَا جرى
فأحضرهم وَاحِدًا وَاحِدًا وقررهم على هَذِه الْحَالة فأقروا واعترفوا وَاعْتَذَرُوا بكونهم قطعت أَرْزَاقهم وَأخذت أَمْوَالهم فأحضر السُّلْطَان الْعلمَاء واستفتاهم فِي أَمرهم فأفتوه بِقَتْلِهِم وصلبهم ونفيهم فَأمر بصلبهم
وَقيل إِن الَّذِي أذاع سرهم زين الدّين عَليّ الْوَاعِظ وَطلب جَمِيع مَا لِابْنِ الدَّاعِي من الْعقار وَالْمَال فَأعْطَاهُ جَمِيع ذَلِك
وَكَانَ الَّذين صلبوا مِنْهُم الْمفضل بن كَامِل القَاضِي وَابْن عبد الْقوي الدَّاعِي والعوريس وَكَانَ قد تولى النّظر ثمَّ الْقَضَاء بعد ذَلِك وشبرما كَاتب السِّرّ وَعبد الصَّمد القشة أحد أُمَرَاء المصريين ونجاح الحمامي وَرجل منجم نَصْرَانِيّ أرمني كَانَ قَالَ لَهُم إِن أَمرهم يتم بطرِيق علم النُّجُوم وعُمارة اليمني الشَّاعِر
قلت وَبَلغنِي أنّ عُمارة إِنَّمَا كَانَ تحريضه لشمس الدولة على الْمسير إِلَى الْيمن ليتم هَذَا الْأَمر لِأَن فِيهِ تقليلا لعسكر صَلَاح الدّين وإبعاداً لِأَخِيهِ وناصريه عَنهُ
قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة وَوَقعت أتفاقات عَجِيبَة من جُمْلَتهَا أَنه نسب إِلَيْهِ بَيت من قصيدة ذكرُوا أَنه لَهُ يَعْنِي فِي القصيدة الَّتِي حرض فِيهَا شمس الدولة على الْمسير إِلَى الْيمن أَولهَا
стр. 703
(الْعلم مذ كَانَ مُحْتَاج إِلَى الْعلم ...)
وَقد تقدم ذكرهَا وَأما الْبَيْت فَهُوَ
(قد كَانَ أول هَذَا الدّين من رجل ... سعى إِلَى أَن دَعوه سيّد الْأُمَم)
قَالَ الْعِمَاد وَيجوز أَن يكون هَذَا الْبَيْت مَعْمُولا عَلَيْهِ فَأفْتى فُقَهَاء مصر بقتْله وحرضوا السُّلْطَان على الْمثلَة بِمثلِهِ
قَالَ ولعمارة فِي مصلوب بِمصْر يُقَال لَهُ طرخان وَكَانَ خرج على الصَّالح بن زريك فظفر بِهِ الصَّالح وصلبه وَكَانَ يستحسن أَبْيَات عُمارة فِيهِ وَهِي
(أَرَادَ عُلو مرتبَة وَقدر ... فَأصْبح فَوق جذع وَهُوَ عالي)
(ومُد على صَلِيب الْجذع مِنْهُ ... يَمِين لاتطول على الشمَال)
(ونكس رَأسه لعتاب قلب ... دَعَاهُ إِلَى الغواية والضلال)
قَالَ الْعِمَاد فَكَأَنَّهُ وصف حَاله وَمَا آل إِلَيْهِ أمره
وَقَالَ فِي الْبَرْق وَوصل من صَلَاح الدّين يَوْم وَفَاة نور الدّين إِلَى دمشق كتاب يتَضَمَّن هَذِه الْقَضِيَّة وَهُوَ بِخَط ابْن قُرَيْش يَعْنِي المرتضى
стр. 704
وَقَالَ ابْن أبي طيّ وَقد كتب القَاضِي الْفَاضِل إِلَى نور الدّين كتابا شرح فِيهِ قَضِيَّة المصلَّبين فَقَالَ بعد مطلع الْكتاب قصر هَذِه الْخدمَة على متجددٍ سَار لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَبشَارَة مؤذنة بِظُهُور وعد الله فِي إِظْهَاره على الدّين كُله بعد أَن كَانَت لَهَا مُقَدمَات عَظِيمَة إِلَّا أَنَّهَا أسفرت عَن النُّجح وأوائل كالليلة الْبَهِيمَة إِلَّا أَنَّهَا انفرجت عَن الصُّبْح فالإسلام ببركاته الْبَادِيَة وفتكاته الْمَاضِيَة قد عَاد مستوطنا بعد أَن كَانَ غَرِيبا وَضرب فِي الْبِلَاد بجرانه بعد أَن كَاد الْكفْر يتم عَلَيْهِ تخيلا عجيبا إِلَّا أنّ الله سُبْحَانَهُ أطلع على أمرهَا من أَوله وَأظْهر على سرها من مستقبله والمملوك يَأْخُذ فِي ذكر الْخَبَر ويعرض عَن ذكر الْأَثر
لم يزل يتُوسم من جند مصر وَمن أهل الْقصر بَعْدَمَا أَزَال الله من بدعتهم وَنقض من عُرى دولتهم وخفض من مَرْفُوع كلمتهم أَنهم أَعدَاء وَإِن قعدت بهم الْأَيَّام وأضداد وَإِن وَقعت عَلَيْهِم كلمة الْإِسْلَام وَكَانَ لَا يحتقر مِنْهُم حَقِيرًا وَلَا يستبعد مِنْهُم شرا كَبِيرا وعيونه لمقاصدهم موكلة وخطراته فِي التَّحَرُّز مِنْهُم مستعملة لاتخلو سنة تمر وَلَا شهر يكرّ من مكر يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ وَفَسَاد يتسرعون إِلَيْهِ وحيلة يبرمونها ومكيدة يتممونها وَكَانَ أَكثر مَا يتعللون بِهِ ويستريحون إِلَيْهِ المكاتبات المتواترة والمراسلات المتقاطرة إِلَى الفرنج خذلهم الله تَعَالَى
стр. 705
الَّتِي يُوسعُونَ لَهُم فِيهَا سبل المطامع ويحملونهم فِيهَا على العظائم الفظائع ويزينون لَهُم الْإِقْدَام والقدوم ويخلعون فِيهَا ربقة الْإِسْلَام خلع الْمُرْتَد المخصوم وَيَد الفرنج بِحَمْد الله قَصِيرَة عَن إجابتهم إِلَّا أَنهم لَا يقطعون حَبل طمعهم على عَادَتهم وَكَانَ ملك كلما سوّلت لَهُ نَفسه الاستتار فِي مراسلتهم والتحيل فِي مفاوضتهم سير جرج كَاتبه رَسُولا إِلَيْنَا ظَاهرا وإليهم بَاطِنا عارضا علينا الْجَمِيل الَّذِي مَا قبلته قطّ أَنْفُسنَا وعاقداً مَعَهم الْقَبِيح الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ فِي وقته علمنَا وَلأَهل الْقصر والمصريين فِي أثْنَاء هَذِه المدد رسل تَتَرَدَّد وَكتب إِلَى الفرنج تتجدد
ثمَّ قَالَ وَالْمولى عَالم أَن عَادَة أوليائه المستفادة من أدبه أَلا يبسطوا عقَابا مؤلما وَلَا يعذبوا عذَابا محكما وَإِذا طَال لَهُم الاعتقال وَلم ينجع السُّؤَال أطلق أطلق سراحهم وخلى سبيلهم فَلَا يزيدهم الْعَفو إِلَّا ضراوة وَلَا الرقة عَلَيْهِم إِلَّا قساوة وَعند وُصُول جرج فِي هَذِه الدفعة الْأَخِيرَة رَسُولا إِلَيْنَا بِزَعْمِهِ ورد إِلَيْنَا كتاب مِمَّن لَا نرتاب بِهِ من قومه يذكرُونَ أَن رَسُول مخاتلة لَا رَسُول مجاملة وحامل بلية لَا حَامِل هَدِيَّة فأوهمناه الإغفال عَن التيقظ لكل مَا يصدر مِنْهُ وَإِلَيْهِ فتوصل مرّة بِالْخرُوجِ لَيْلًا وَمرَّة بالركوب إِلَى الْكَنِيسَة وَغَيرهَا نَهَارا إِلَى الِاجْتِمَاع بحاشية الْقصر وخدامه وبأمراء المصريين وأسبابهم وَجَمَاعَة من النَّصَارَى وَالْيَهُود وكلابهم وكتابهم فدسسنا إِلَيْهِم من طائفتهم من داخلهم فَصَارَ ينْقل إِلَيْنَا أخبارهم وَيرْفَع إِلَيْنَا أَحْوَالهم وَلما تكاثرت الْأَقْوَال وَكَاد يشْتَهر علمنَا بِهَذِهِ الْأَحْوَال استخرنا الله تَعَالَى وقبضنا على جمَاعَة مفْسدَة وَطَائِفَة من هَذَا
стр. 706
الْجِنْس متمردة قد اشْتَمَلت على الاعتقادات المارقة والسرائر المنافقة فكلاًّ أَخذ الله بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أقرّ طَائِعا عِنْد إِحْضَاره وَمِنْهُم من أقرّ بعد ضربه فَانْكَشَفَتْ أُمُور أخر كَانَت مكتومة ونوب غير الَّتِي كَانَت عندنَا مَعْلُومَة وتقريرات مُخْتَلفَة فِي المُرَاد متفقة فِي الْفساد
ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا حَاصله أَنهم عينوا خَليفَة ووزيرا مُخْتَلفين فِي ذَلِك فَمنهمْ من طلب إِقَامَة رجل كَبِير السن من بني عَم العاضد وَمِنْهُم من جعل ذَلِك لبَعض أَوْلَاد العاضد وَإِن كَانَ صَغِيرا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي تعْيين وَاحِد من وَلدين لَهُ وَأما بَنو رزيك وَأهل شاور فَكل مِنْهُم أَرَادَ الوزارة لبيتهم من غير أَن يكون لَهُم غَرَض فِي تعْيين الْخَلِيفَة
ثمَّ قَالَ وَكَانُوا فِيمَا تقدم والمملوك على الكرك والشوبك بالعسكر قد كاتبوهم وَقَالُوا لَهُم إِنَّه بعيد والفرصة قد أمكنت فَإِذا وصل الْملك الفرنجي إِلَى صدر أَو إِلَى أَيْلَة ثارت حَاشِيَة الْقصر وكافة الْجند وَطَائِفَة السودَان وجموع الأرمن وَعَامة الاسماعيلية وفتكت بأهلنا وأصحابنا بِالْقَاهِرَةِ
ثمَّ قَالَ وَلما وصل جرج كتبُوا إِلَى الْملك الفرنجي أَن العساكر متباعدة فِي نواحي إقطاعاتهم وعَلى قرب من موسم غلاتهم وَأَنه لم يبْق فِي الْقَاهِرَة إِلَّا بَعضهم وَإِذا بعثت أسطولا إِلَى بعض الثغور أنهض فلَان من عِنْده وَبَقِي فِي الْبَلَد وَحده فَفَعَلْنَا مَا تقدم ذكره من الثورة
ثمَّ قَالَ وَفِي اثناء هَذِه الْمدَّة كاتبوا سِنَانًا صَاحب الحشيشية بِأَن
стр. 707
الدعْوَة وَاحِدَة والكلمة جَامِعَة وَأَن مَا بَين أَهلهَا خلاف إِلَّا فِيمَا لَا يفْتَرق بِهِ كلمة وَلَا يجب بِهِ قعُود عَن نصْرَة واستدعوا مِنْهُ يُتمم على الْمَمْلُوك غيلَة أَو يبيت لَهُ مكيدة وحيلة ﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيْطٌ﴾ وَكَانَ الرَّسُول إِلَيْهِم عَن المصريين خَال ابْن قرجلة الْمُقِيم الْآن هُوَ وَابْن أُخْته عِنْد الفرنج
وَلما صَحَّ الْخَبَر وَكَانَ حكم الله أولى مَا أَخذ بِهِ وأدب الله أمضى فِيمَن خرج عَن أدبه وتناصرت من أهل الْعلم الْفَتَاوَى وتوالت من أهل المشورة بِسَبَب تَأْخِير الْقَتْل فيهم المراجعات والشكاوى قتل الله بِسيف الشَّرْع المطهر جمَاعَة من الغواة الغلاة الدعاة إِلَى النَّار الحاملين لأثقالهم وأثقال من أضلوه من الْفجار وشنقوا على أَبْوَاب قصورهم وصلبوا على الْجُذُوع المواجهة لدورهم وَوَقع التتبع لأتباعهم وشردت طَائِفَة الاسماعيلية وَنَفَوْا ونودى بِأَن يرحل كَافَّة الأجناد وحاشية الْقصر وراجل السودَان إِلَى أقْصَى بِلَاد الصَّعِيد فَأَما من فِي الْقصر فقد وَقعت الحوطة عَلَيْهِم إِلَى أَن ينْكَشف وَجه رَأْي يمْضِي فيهم وَلَا رَأْي فَوق رَأْي الْمولى وَالله سُبْحَانَهُ مستخار وَهُوَ مستشار وَعِنْده من أهل الْعلم من تطيب النَّفس بتقليده وتمضي الْحُدُود بتحديده وَرَأى الْمَمْلُوك إخراجهم من الْقصر فَإِنَّهُم مهما بقوا فِيهِ بقيت مَادَّة لَا تنحسم الأطماع عَنْهَا فَإِنَّهُ قبْلَة
стр. 708
للضلال مَنْصُوبَة وبيعة للبدع محجوجة
قَالَ الْمُؤلف لَعَلَّهَا محجوجة
وَمِمَّا يطرف بِهِ الْمولى أَن ثغر الْإسْكَنْدَريَّة على عُمُوم مَذْهَب السّنة فِيهِ أطلع الْبَحْث أَن فِيهِ دَاعِيَة خبيثا أمره محتقرا شخصه عَظِيما كفره يُسمى قديد القفاص وَأَن الْمَذْكُور مَعَ خموله فِي الديار المصرية قد فَشَتْ فِي الشَّام دَعوته وطبقت عقول أهل مصر فتنته وَأَن أَرْبَاب المعايش فِيهِ يحملون إِلَيْهِ جُزْءا من كسبهم والنسوان يبْعَثْنَ إِلَيْهِ شطرا وافيا من أموالهن وَوجدت فِي منزله بالإسكندرية عِنْد الْقَبْض لَهُ والهجم عَلَيْهِ كتب مُجَرّدَة فِيهَا خلع العذار وصريح الْكفْر الَّذِي مَا عَنهُ اعتذار ورقاع يُخَاطب بهَا فِيهَا مَا تقشعر مِنْهُ الْجُلُود وَكَانَ يدعى النّسَب إِلَى أهل الْقصر وَأَنه خرج مِنْهُ طفْلا صَغِيرا وَنَشَأ على الضَّلَالَة كَبِيرا وَبِالْجُمْلَةِ فقد كفى الْإِسْلَام أمره وحاق بِهِ مكره وصرعه كفره
قلت وَفِي قَضِيَّة عُمارة هَذِه يَقُول العلاّمة تَاج الدّين الْكِنْدِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ونقلته من خطه
(عُمارة فِي الْإِسْلَام أبدى جِنَايَة ... وَبَايع فِيهَا بيعَة وصليبا)
(وَأمسى شريك الشّرك فِي بُغض أَحْمد ... فَأصْبح فِي حب الصَّلِيب صليبا)
стр. 709
(وَكَانَ خَبِيث الْمُلْتَقى إِن عجمته ... تَجِد مِنْهُ عودا فِي النِّفَاق صليبا)
(سيلقى غَدا مَا كَانَ يسْعَى لأَجله ... ويسقى صديدا فِي لظى وصليبا)
قلت الصَّلِيب الأول صَلِيب النَّصَارَى وَالثَّانِي بِمَعْنى مصلوب وَالثَّالِث من الصلابة وَالرَّابِع ودك الْعِظَام وَقيل هُوَ الصديد أَي يسقى مَا يسيل من أهل النَّار نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا
وَكَانَ عُمارة مستشعراً من الغز وهم أَيْضا مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ من أَتبَاع الدولة المصرية وَمِمَّنْ انْتفع بهَا واختل أمره بعْدهَا فَلم تصف الْقُلُوب بَعْضهَا لبَعض وَصَارَ يظْهر فِي فلتات لِسَانه فِي نظمه ونثره مَا يَقْتَضِي التَّحَرُّز مِنْهُ وإبعاده وَهُوَ يرى ذَلِك مِنْهُم فَيَزْدَاد فَسَادًا فِي نِيَّته وَإِن مدحهم تكلّف ذَلِك وصرّح وعرّض فِيهِ بِمَا فِي ضَمِيره
وَقد قَالَ فِي كتاب الوزراء المصرية ذكر الله أيامهم بِحَمْد لَا يكل نشاطه وَلَا يطوى بساطه فقد وجدت فقدهم وهنت بعدهمْ
وَقَالَ من قصيدة مدح بهَا نجم الدّين أَيُّوب
(وَكَانَ لي فِي مُلُوك النّيل قبلكمُ ... مكانة عرفتها الْعَرَب والعجم)
(وَكَانَ بيني وَبَين الْقَوْم ملحمة ... فِي حربها ألسن الْأَدْيَان تختصم)
(وَمَا تزَال إِلَى دَاري عوارفهم ... يسْعَى إلىّ بهَا الإنعام وَالْكَرم)
(تركت قصدك لماّ قيل إِنَّك لَا ... تجود إِلَّا على من مَسّه الْعَدَم)
(وَلست بِالرجلِ الْمَجْهُول مَوْضِعه ... وَلَا لنزر من الْإِحْسَان أغتنم)
(وَلَا إِلَى صدقَات المَال أطلبها ... وَلَا عمى نَالَ أعضائي وَلَا صمم)
(وَإِنَّمَا أَنا ضيف للملوك ولى ... دون الضيوف لِسَان نَاطِق وفم)
стр. 710
وَقَالَ من قصيدة مدح بهَا صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
(قررت لي أَبنَاء رزيك رزقا كَانَ فِي عصرهم مسنيًّ مهنا)
(وَأَتَتْ بعدهمْ مُلُوك فسنوا ... فِي مَا كَانَ صالحُ الْقَوْم سنّا)
(ورعوني إِمَّا اقْتِدَاء بماض ... أَو لِمَعْنى فكلهم بِي يَعْنِي)
وَله من أُخْرَى
(فقد صَارَت الدُّنْيَا إِلَيْكُم بأسرها ... فَلَا تشبعوا مِنْهَا وَنحن جِيَاع)
(إِذا لم تزيدونا فكونوا كمن مضى ... فَفِي النَّاس أَخْبَار لَهُم وَسَمَاع)
(وَلَيْسَ على مر الْفِطَام إِقَامَة ... فَهَل فِي ضروع المكرمات رضَاع)
وَقَالَ فِي قصيدة مدح بهَا تقيّ الدّين
(هَل تأذنون لمن أَرَادَ عتابكم ... أم لَيْسَ فِي أعتابكم من مطمع)
(ضيعتّم من حق ضيفكم الَّذِي ... مَا زَالَ قبل الْيَوْم غير مضيع)
(وتغافل السُّلْطَان عنيّ حِين لم ... أكشف قناع مذلة وتضرّع)
(ورجوت نفعك بالشفاعة عِنْده ... فسمحت لي بشفاعة لم تَنْفَع)
(وَإِذا نطاق الرزق ضَاقَ مجاله ... أَمْسَى مجَال النُّطْق غير موسع)
وَقَالَ أَيْضا
(تيممت مصرا أطلب الجاه والغنى ... فنلتهما فِي ظلّ عَيْش ممنع)
(وزرت مُلُوك النّيل أرتاد نيلهم ... فَأَحْمَد مرتادي وأخضب مربعي)
(وفزت بِأَلف من عَطِيَّة فائز ... مواهبه للصنع لَا للتصنع)
(وَكم طرقتني من يَد عاضدية ... سرت بَين يقظى من عُيُون وهجع)
(وجاد ابْن رزيك من الجاه والغنى ... بِمَا زَاد عَن مرمى رجائي ومطمعي)
стр. 711
(وَأوحى إِلَى سَمْعِي ودائع شعره ... فحبرته منى بأكرم مُودع)
(وَلَيْسَت أيادي شاور بذميمة ... وَلَا عهدها عِنْدِي بِعَهْد مضيع)
(ملوكٌ رَعَوا لي حُرْمَة صارنبتها ... هشيما رعته النائبات وَمَا رعى)
(مذاهبهم فِي الْجُود مَذْهَب سنّة ... وَإِن خالفوني باعتقاد التَّشَيُّع)
(فَقل لصلاح الدّين وَالْعدْل شَأْنه ... من الْحَاكِم المصغى إلىّ فأدعى)
(أَقمت لكم ضيفاً ثَلَاثَة أشهر ... أَقُول لصدري كلما ضَاقَ وسع)
(وَكم فِي ضيوف الْبَاب مِمَّن لِسَانه ... إِذا قطعوه لايقوم بأصبعي)
(فيا راعي الْإِسْلَام كَيفَ تركتنا ... فريقي ضيَاع من عرايا وجوع)
(دعوناك من قرب وبعدٍ فَهَب لنا ... جوابك فالباري يُجيب إِذا دعى)
وَقَالَ أَيْضا
(أسفى على زمن الإِمَام العاضد ... أَسف الْعَقِيم على فِرَاق الْوَاحِد)
(جالست من وزرائه وصحبت من ... أمرائه أهل الثَّنَاء الخالد)
(لهفي على حجرات قصرك إِذْ خلت ... يَا ابْن النبيّ من ازدحام الْوَافِد)
(وعَلى انفرادك من عساكرك الَّذِي ... كَانُوا كأمواج الخضم الراكد)
(قلّدت مؤتمن الْخلَافَة أَمرهم ... فكبا وَقصر عَن صَلَاح الْفَاسِد)
(فَعَسَى اللَّيَالِي أَن ترد إِلَيْكُم ... مَا عودتكم من جميل عوائد)
стр. 712
وَقَالَ أَيْضا
(قست رأفة الدُّنْيَا فَلَا الدَّهْر عاطف ... عليّ وَلَا عبد الرَّحِيم رَحِيم)
(عَفا الله عَن آرائه كل فَتْرَة ... كَلَام العدى فِيهَا عليّ كلوم)
(وسامحه فِي قطع رزق بفضله ... وصلت إِلَيْهِ وَالزَّمَان ذميم)
(أَلا هَل لَهُ عطف عَليّ فإنني ... فَقير إِلَى مَا اعْتدت مِنْهُ عديم)
عبد الرَّحِيم هُوَ القَاضِي الْفَاضِل رَحمَه الله تَعَالَى
وَبَلغنِي أَن عمَارَة لما مروا بِهِ ليُصلب عبر بِهِ على جِهَة دَار الْفَاضِل فَطلب الِاجْتِمَاع بِهِ فَقيل لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيق فَقَالَ
(عبد الرَّحِيم قد احتجب ... إِن الْخَلَاص هُوَ الْعجب)
وَقَالَ وَهَذِه القصيدة تحقق مَا رُمى بِهِ من الِاجْتِمَاع على مُكَاتبَة الفرنج والخوض فِي فَسَاد الدولة بل الْملَّة وتوضح عذر السُّلْطَان فِي قَتله وَقتل من شَاركهُ فِي ذَلِك
(رميت يَا دهر كف الْمجد بالشلل ... وجيده بعد حلى الْحسن بالعطل)
(سعيت فِي مَنْهَج الرَّأْي العثور فَإِن ... قدرت من عثرات الْبَغي فاستقل)
(جدعت مَا رنك الأقنى فأنفك لَا ... يَنْفَكّ مَا بَين نقص الشين والخجل)
(هدمت قَاعِدَة الْمَعْرُوف عَن عجل ... سُقيت مُهْلاً أما تمشى على مَهَل)
(لهفي ولهف بني الآمال قاطبة ... على فجيعتنا فِي أكْرم الدول)
стр. 713
(قدمت مصر فأولتني خلائفها ... من المكارم مَا أربي على الأمل)
(قوم عرفت بهم كسب الألوف وَمن ... كمالها أَنَّهَا جَاءَت وَلم أسل)
(وَكنت من وزراء الدّست حَيْثُ سما ... رَأس الحصان بهاديه على الكفل)
(ونلت من عُظَمَاء الْجَيْش تكرمة ... وخلّة حرست من عَارض الْخلَل)
(يَا عاذلي فِي هوى أَبنَاء فَاطِمَة ... لَك الْمَلَامَة إِن قصَّرت فِي عذلي)
(بِاللَّه زُر ساحة القصرين وابك معي ... عَلَيْهِمَا لَا على صفّين والجمل)
(وَقل لأهلهما وَالله مَا التحمت ... فِيكُم قروحي وَلَا جرحي بمندمل)
(مَاذَا ترى كَانَت الإفرنج فاعلة ... فِي نسل آل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ)
(هَل كَانَ فِي الْأَمر شَيْء غير قسْمَة مَا ... مُلِّكتم بَين حكم السبّي وَالنَّفْل)
(وَقد حصلتم عَلَيْهَا وَاسم جدكم ... مُحَمَّد وأبيكم غير منتقل)
(مَرَرْت بِالْقصرِ والأركان خَالِيَة ... من الْوُفُود وَكَانَت قبْلَة الْقبل)
(فملت عَنْهَا بوجهي خوف منتقد ... من الأعادي وَوجه الودّ لم يمل)
(أسبلت من أَسف دمعي غَدَاة خلت ... رحابكم وغدت مهجورة السبل)
(أبْكِي على مأثراتٍ من مكارمكم ... حَال الزَّمَان عَلَيْهَا وَهِي لم تحل)
(دَار الضِّيَافَة كَانَت أنس وافدكم ... وَالْيَوْم أوحش من رسم وَمن طلل)
(وفطرة الصَّوْم إِن أصغت مكارمكم ... تَشْكُو من الدَّهْر حيفا غير مُحْتَمل)
(وَكِسْوَة النَّاس فِي الْفَصْلَيْنِ قد درست ... ورث مِنْهَا جَدِيد عَنْهُم وبلي)
(وموسم كَانَ فِي كسر الخليج لكم ... يَأْتِي تجمّلكم فِيهِ على الْجمل)
(وَأول الْعَام والعيدان كَانَ لكم ... فِيهِنَّ من وبل جود لَيْسَ بالوشل)
(وَالْأَرْض تهتز فِي عيد الغدير لما ... يَهْتَز مابين قصريكم من الأسل)
стр. 714
(وَالْخَيْل تعرض من وشيٍ وَمن شية ... مثل العرائس فِي حلي وَفِي حلل)
(وَلَا حملتم قرى الأضياف من سَعَة الأطباق ... إِلَّا على الْأَعْنَاق والعجل)
(وَمَا خصصتم ببرٍ أهل ملتكم ... حَتَّى عممتم بِهِ الْأَقْصَى من الْملَل)
(كَانَت رواتبكم للذمتين وللضيف ... الْمُقِيم وللطاري من الرُّسُل)
(وللجوامع من أحباسكم نعم ... لمن تصّدر فِي علم وَفِي عمل)
(وَرُبمَا عَادَتْ الدُّنْيَا لمعقلها ... مِنْكُم وأضحت بكم محلولة الْعقل)
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن عبد الله بن كَامِل كَانَ دَاعِي الدعاة بِمصْر للأدعياء وقاضي الْقُضَاة لأولئك الأشقياء يلقبونه بفخر الْأُمَنَاء وَهُوَ عِنْدهم فِي الْمحلة العلياء والمرتبة الشماء والمنزلة فِي السَّمَاء حَتَّى انكدرت نجومهم وتغيرت رسومهم وأقيم قاعدهم وعضد عاضدهم وأخيلت مِنْهُم مصرهم وَأجلى عَنْهُم قصرهم فحرّك ابْن كَامِل نَاقص الذب عَنْهُم والشدّ مِنْهُم فمالأ قوما على الْبيعَة لبَعض أَوْلَاد العاضد ليبلغوا بِهِ مَا تخيلوه من الْمَقَاصِد وسوّلوه من المكايد فأثمرت بجثثهم الْجُذُوع وأقفرت من جسومهم الربوع وأحكمت فِي حُلُوقهمْ النسوع وَهَذَا أوّل من ضمه حَبل الصلب وَأمه فاقرة الصلب وَهَذَا صنع الله فِيمَن ألحد وَكفر النِّعْمَة وَجحد وَذَلِكَ غرَّة رَمَضَان سنة تسع
стр. 715
وَسِتِّينَ وَخمْس مئة سَمِعت الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يذكرهُ وَقد ذَكرُوهُ عِنْده بِالْفَضْلِ وَالْأَدب ونسبوا إِلَيْهِ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي غُلَام رفاء وأنشدهما الْملك النَّاصِر وَذكر انه كَانَ ينكرهما
(يَا رافيا خرق كل ثوب ... وَيَا رشا حبه اعتقادي)
(عَسى بكف الْوِصَال ترفو ... مَا مزق الهجر من فُؤَادِي)
فصل فِي التَّعْرِيف بِحَال عمَارَة وَنسبه وشعره
قَالَ الْعِمَاد وَقد أوردت شعر عمَارَة بن أبي الْحسن اليمني فِي كتاب خريدة الْقصر وجريدة الْعَصْر ونقلت إِلَى هَذَا الْكتاب يَعْنِي كتاب الْبَرْق الشَّامي لمعاً من ذَلِك فَمن ذَلِك مَا أنشدنيه نجم الدّين أَبُو مُحَمَّد بن مصال
стр. 716
(لَو أَن قلبِي يَوْم كاظمة معي ... لملكته وكظمت غيظ الأدمع)
قَالَ الْعِمَاد إِنَّمَا أَنْشدني فيض الأدمع فَرَأَيْت غيظ الأدمع أليق بالكظم
(قلب كَفاك من الصبابة أَنه ... لبّى نِدَاء الظاعنين وَمَا دعِي)
(وَمن الظنون الفاسدات توهميّ ... بعد الْيَقِين بَقَاءَهُ فِي أضلعي)
(مَا الْقلب أوّل غادر فألومه ... هِيَ شِيمَة الْأَيَّام مُذْ خلقت معي)
قَالَ وأنشدني لعمارة أَيْضا
(ملك إِذا قابلت بشر جَبينه ... فارقته والبشر فَوق جبيني)
(وَإِذا لثمت يَمِينه وَخرجت من ... أبوابه لثم الْمُلُوك يَمِيني)
قَالَ وأنشدني لَهُ عضد الدّين أَبُو الفوارس مرهف بن أُسَامَة منقذ
(لي فِي هوى الرشأ العذري أعذار ... لم يبْق لي مذ أقرّ الدمع إِنْكَار)
(لي فِي القدود وَفِي لثم الخدود وَفِي ... ضم النهود لبانات وأوطار)
(هَذَا اخْتِيَاري فَوَافَقَ إِن رضيت بِهِ أَولا فَدَعْنِي وَمَا أَهْوى وأختار)
(لمُنى جزَافا وسامحني مصارفة ... فَالنَّاس فِي دَرَجَات الْحبّ أطوار)
стр. 717
(وخل عذلي فَفِي دَاري ودائرتي ... من المها دُرَّة قلبِي لَهَا دَار)
قلت ويُروى
(وغُرَّ غَيْرِي فَفِي أسرى ودائرتي ...)
والأبيات العينية من قصيدة فِي مدح تقيّ الدّين والنونية فِي مدح نجم الدّين أَيُّوب والرائية فِي مدح شمس الدولة بن أَيُّوب
وَكَانَ عمَارَة هَذَا عَرَبيا فَقِيها أديباً وَله كتاب صَغِير ذكر فِيهِ أخباره وأحواله بِالْيمن ثمَّ بِمصْر فَذكر أَنه أَقَامَ بزبيد ثَلَاث سِنِين يقْرَأ عَلَيْهِ مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ قَالَ ولى فِي الْفَرَائِض مُصَنف يقْرَأ بِالْيمن
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ زارني وَالِدي وَخَمْسَة من إخوتي إِلَى زبيد فَأَنْشَدته شَيْئا من شعري فَاسْتَحْسَنَهُ ثمَّ قَالَ تعلَّم وَالله أَن الْأَدَب نعْمَة من نعم الله عَلَيْك فَلَا تكفرها بذم النَّاس واستخلفني أَلا أهجو مُسلما بِبَيْت
стр. 718
شعر فَحَلَفت لَهُ على ذَلِك ولطف الله تَعَالَى بِي فَلم أهج أحدا مَا عدا إنْسَانا هجاني بِحَضْرَة الْملك الصَّالح يَعْنِي ابْن رزيك ببيتي شعر فأقسم الصَّالح عليّ أَن أجيببه فَفعلت متأولا قَول الله ﴿وَلَمَن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم مِنْ سَبيِل﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمَن اعتَدى عَلَيْكُم فاعْتَدوا عَلَيْه بِمِثِل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ قَالَ وَلم يكن شَيْء غير هَذَا
وَحَجَجْت مَعَ الملكة أم فاتك ملك زبيد وَكَانَت تقوم لأمير الْحَرَمَيْنِ بِجَمِيعِ مَا يتَنَاوَلهُ من حاجّ الْيمن برا وبحرا وبجميع خفارات الطَّرِيق فَذكر أَنه حصل لَهُ وجاهة عندنَا فَانْتَفع بهَا حَتَّى أثرى وَكثر مَاله وجاهه ثمَّ طرأت أمورٌ اقْتَضَت أَن هرب من الْيمن وَحج سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
قَالَ وَفِي موسم هَذِه السّنة مَاتَ أَمِير الْحَرَمَيْنِ هَاشم بن فليتة وَولى الْحَرَمَيْنِ وَلَده قَاسم بن هَاشم فألزمني السّفارة عَنهُ والرسالة مِنْهُ إِلَى الدولة المصرية فقدمتها فِي شهر ربيع الأول سنة خمسين والخليفة بهَا يَوْمئِذٍ الفائز بن الظافر والوزير لَهُ الْملك الصَّالح طلائع بن رزّيك فَلَمَّا حضرت للسلام عَلَيْهِمَا فِي قاعة الذَّهَب من قصر الْخَلِيفَة أنشدتهما
(الْحَمد للعيس بعد الْعَزْم والهمم ... حمدا يقوم بِمَا أولت من النعم)
стр. 719
(لاأجحد الْحق عِنْدِي للركاب يَد ... تمنت اللجم فِيهَا رُتْبَة الخطم)
(قرّبن بعد مَزَار الْعِزّ من نَظَرِي ... حَتَّى رَأَيْت إِمَام الْعَصْر من أُمَم)
(ورُحن من كعبة الْبَطْحَاء وَالْحرم ... وَفْدًا إِلَى كعبة الْمَعْرُوف وَالْكَرم)
(فَهَل دري الْبَيْت أَنِّي بعد زورته ... مَا سرت من حرم إِلَّا إِلَى حرم)
(حَيْثُ الْخلَافَة مَضْرُوب سرادقها ... بَين النقيضين من عَفْو وَمن نقم)
(وللإمامة أنوارٌ مُقَدَّسَة ... تجلو البغيضين من ظلم وَمن ظُلَم)
(وللنبوّة آيَات تنص لنا ... على الخفيين من حكم وَمن حكم)
(وللمكارم أَعْلَام تعلمنا ... مدح الجزيلين من بَأْس وَمن كرم)
(وللعلا ألْسُنٌ تثنى محامدها ... على الحميدين من فعل وَمن شيم)
(وَرَايَة الشّرف البذاخ ترفعها ... يَد الرفيعين من مجد وَمن همم)
(أَقْسَمت بالفائز الْمَعْصُوم مُعْتَقدًا ... فوز النجَاة وَأجر البّر فِي الْقسم)
(لقد حمى الدِّين والدّنيا وأهلهما ... وزيره الصَّالح الفراج للغمم)
(اللاّبس الْفَخر لم تنسج غلائله ... إِلَّا يَد الصنعتين السَّيْف والقلم)
(وُجُوده أوجد الْأَيَّام مَا اقترحت ... وَجُوده أعدم الشاكين للعدم)
(قد ملكته العوالي رقّ مملكة ... تعير أنف الثريا عزّة الشمم)
(أرى مقَاما عَظِيم الشَّأْن أوهمني ... فِي يقظتي أَنَّهَا من جملَة الحُلم)
(يَوْم من الْعُمر لم يخْطر على أمل ... وَلَا ترقت إِلَيْهِ رَغْبَة الهمم)
(لَيْت الْكَوَاكِب تَدْنُو لي فأنظمها ... عُقُود مدح فَمَا أرْضى لكم كلمي)
(ترى الوزارة فِيهِ وَهِي باذلة ... عِنْد الْخلَافَة نصحا غير مُتَّهم)
(عواطف أعلمتنا أَن بَينهمَا ... قرَابَة من جميل الرَّأْي لَا الرَّحِم)
стр. 720
(خَليفَة ووزير مدّ عَدْلُهما ... ظلاًّ على مفرق الْإِسْلَام والأمم)
(زِيَادَة النّيل نقص عِنْد فيضهما ... فَمَا عَسى نتعاطى منَّة الديم)
قَالَ وعهدي بالصالح وَهُوَ يستعيدها فِي حَال النشيد مرَارًا والأستاذون والأمراء والكبراء يذهبون فِي الِاسْتِحْسَان كل مَذْهَب ثمَّ أفيضت عليّ خلع من ثِيَاب الْخلَافَة مذهبَة وَدفع إِلَيّ الصَّالح خمس مئة دِينَار وَإِذا بعض الأستاذين قد خرج لي من عِنْد السيدة بنت الإِمَام الْحَافِظ بِخمْس مئة دِينَار أُخْرَى وَحمل المَال معي إِلَى منزلي وأطلقت لي من دَار الضِّيَافَة رسوم لم تطلق لأحد قبلي وتهادتني أُمَرَاء الدولة إِلَى مَنَازِلهمْ للولائم واستحضرني الصَّالح للمجالسة ونظمني فِي سلك أهل المؤانسة وانثالت عليّ صلَاته وغمرني برّه
وَوجدت بِحَضْرَتِهِ من أَعْيَان أهل الْأَدَب الشَّيْخ الجليس أَبَا الْمَعَالِي بن الْجبَاب والموفق أَبَا الْحجَّاج يُوسُف بن الْخلال صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء وَأَبا الْفَتْح مَحْمُود بن قادوس والمهذب أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن الزبير وَغَيرهم وَمَا من هَذِه الحلبة أحد إِلَّا وَيضْرب فِي الْفَضَائِل النفسانية والرياسة الإنسانية بأوفر نصيب وَمَا زلت أحذو على طرائقهم حَتَّى
стр. 721
نظموني فِي سلك فرائدهم وَقلت
(لياليّ بالفسطاط من شاطئي مصر ... سقى عَهْدك الْمَاضِي عهاد من الْقطر)
(لَيَال هِيَ الْعُمر السعيد وكلّ مَا ... مضى فِي سواهَا لايعدّ من الْعُمر)
(أفادتني الأقدار فِيهَا مواليا ... صفت بهم الْأَيَّام من كدر الْغدر)
(تواصوا على أَلا تردّ إرادتي ... وَلَو سمتهم نثر الْكَوَاكِب فِي حجري)
وَله فِي الصَّالح بن رزيك من قصيدة
(وَلَو لم يكن أَدْرِي بِمَا جهل الورى ... من الْفضل لم تنْفق لَدَيْهِ الْفَضَائِل)
(لَئِن كَانَ منا قاب قوسٍ فبيننا ... فراسخ من إجلاله ومراحل)
قَالَ وأنشدت الصَّالح وَهُوَ بالقبو من دَار الوزارة قصيدة مِنْهَا
(دعوا كل برق شمتم غير بارق ... يلوح على الْفسْطَاط صَادِق بشره)
(وزوروا الْمقَام الصالحيَّ فَكل من ... على الأَرْض ينسى ذكره عِنْد ذكره)
(وَلَا تجْعَلُوا مقصودكم طلب الْغنى ... فتجنوا على مجد الْمقَام وفخره)
(وَلَكِن سلوا مِنْهُ الْعلَا تظفروا بهَا ... فَكل امرئ يُرْجَى على قدر قدره)
стр. 722
قَالَ وَلما جلس شاور فِي دَار الذَّهَب قَامَ الشُّعَرَاء والخطباء ولفيف النَّاس إِلَّا الْأَقَل ينالون من بني رزيك وضرغام نَائِب الْبَاب وَيحيى بن الْخياط الأسفهسلار فَأَنْشَدته
(صحّت بدولتك الْأَيَّام من سقم ... وَزَالَ مَا يشتكيه الدَّهْر من ألم)
وَمِنْهَا
(زَالَت ليَالِي بني رزيك وانصرمت ... وَالْحَمْد والذم فِيهَا غير منصرم)
(كَأَن صَالحهمْ يَوْمًا وعادلهم ... فِي صدر ذَا الدست لم يقْعد وَلم يقم)
(كُنَّا نظن وَبَعض الظَّن مأثمة ... بِأَن ذَلِك جمع غير مُنْهَزِم)
(فمذ وَقعت وُقُوع النسْر خَانَهُمْ ... من كَانَ مجتمعا من ذَلِك الرّخم)
(وَلم يَكُونُوا عدوَّا ذل جَانِبه ... وَإِنَّمَا غرقوا فِي سيلك العرم)
(وَمَا قصدت بتعظيمي عداك سوى ... تَعْظِيم شَأْنك فاعذرني وَلَا تلم)
(وَلَو شكرت لياليهم مُحَافظَة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدم)
(وَلَو فتحت فمي يَوْمًا بذمهم ... لم يرض فضلك إِلَّا أَن يسدّ فمي)
(وَالله يَأْمر بِالْإِحْسَانِ عارفة ... مِنْهُ وَينْهى عَن الْفَحْشَاء فِي الْكَلم)
قَالَ فشكرني شاور وأبناؤه على الْوَفَاء لبني رزيك
قلت وَشعر عمَارَة كثير حسن وَعِنْدِي من قَوْله الْحَمد للعيس وَإِن كَانَت القصيدة فائقة نفرة عَظِيمَة فَإِنَّهُ أَقَامَ ذَلِك مقَام قَوْلنَا الْحَمد لله وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك مَعَ غير الله تَعَالَى فَلهُ الْحَمد وَله
стр. 723
الشُّكْر فَهَذَا اللَّفْظ كالمتعين لجِهَة الربوبية المقدسة على ذَلِك اطرد اسْتِعْمَال السّلف وَالْخلف ﵃
فصل فِي وَفَاة نور الدّين ﵀
قَالَ الْعِمَاد وَأمر نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى بتطهير وَلَده الْملك الصَّالح اسماعيل يَوْم عيد الْفطر واحتفلنا لهَذَا الْأَمر وغلقت محَال دمشق أَيَّامًا
قَالَ ونظمت للهناء بالعيد وَالطُّهْر قصيدة مِنْهَا
(عيدَان فطر وطهر ... فتح قريب وَنصر)
(كِلَاهُمَا لَك فِيهِ ... حَقًا هناء وَأجر)
(وَفِيهِمَا بالتهاني ... رسم لنا مُسْتَمر)
(طَهَارَة طَابَ مِنْهَا ... أصل وَفرع وَذكر)
(نجل على الطُّهْر نامٍ ... زكا لَهُ مِنْك نجر)
(مَحْمُود الْملك الْعَادِل ... الْكَرِيم الْأَغَر)
(وبابنه الْملك الصَّالح ... الْعُيُون تقر)
(مولى بِهِ اشْتَدَّ للدّين ... والشريعة أزر)
стр. 724
(نور تجلى عيَانًا ... مَا دونه الْيَوْم ستر)
(أضحت مساعيك غرا ... كَمَا أياديك غزر)
(وكل قصدك رشد ... وكل فعلك بر)
(وَإِن حبك دين ... وَإِن بغضك كفر)
(لنا بيمناك يمن ... كَمَا بيسراك يسر)
(وللموالين نفع ... وللمُعادين ضرّ)
(وللسماء سَحَاب ... وسحب كفيك عشر)
(ناديك بالرفد رحب ... نداك للوفد بَحر)
(للبحر مدّ وجزر ... وَمَا لجودك جزر)
(عدل عميم وجود ... غمر وَيسر وَبشر)
(وَفِي الْعَطِيَّة حُلْو ... وَفِي الحمية مر)
(قد اسْتَوَى مِنْك تقوى الْإِلَه ... سرّ وجهر)
(تقاك وَالْملك عِنْد الْقيَاس ... عقد وَنحر)
(يَا أعظم النَّاس قدرا ... وَهل لغيرك قدر)
(وساهرا حِين نَامُوا ... وَقَائِمًا حِين قروا)
(مَا اعْتدت إِلَّا وَفَاء ... وَعَادَة الْقَوْم غدر)
(وفعلك الدَّهْر غَزْو ... للْمُشْرِكين وقهر)
(وَفعل غَيْرك ظلم ... للْمُسلمين وقسر)
(يفتر من كل ثغر ... إِلَى ابتسامك ثغر)
(روم بِهِ وفرنج ... فِي شفعهم لَك وتر)
стр. 725
(حَرْب عوان وَفتح ... على مرادك بكر)
(بَنو الأصافر من خشيَة ... انتقامك صفر)
(لم يبْق للكفر ظفر ... لاكان للكفر ظفر)
(وَمَا دجا ليل خطب ... إِلَّا وعزمك فجر)
(أَصبَحت بالغزو صبا ... وَعنهُ مَالك صَبر)
(لكسر كل يَتِيم ... إسعاف برك جبر)
(فِي كل قلب حسود ... من حر بأسك جمر)
(تملَّ تَطْهِير مَلْكَ ... لَهُ الْمُلُوك تَخِر)
(يزهى سَرِير وتاج ... بِهِ ودست وَصدر)
(وَكَيف يعْمل للطاهر ... المطهر طهر)
(هَذَا الطّهُور ظُهُور ... على الزَّمَان وَأمر)
(وَذَا الْخِتَان ختام ... بمسكه طَابَ نشر)
(رزقت عمرا طَويلا ... مَا طَال للدهر عمر)
قَالَ وَفِي يَوْم الْعِيد يَوْم الْأَحَد ركب نور الدّين على الرَّسْم الْمُعْتَاد محفوفا من الله بالإسعاد مكنوفا من السَّمَاء وَالْأَرْض بالأجناد وَالْقدر يَقُول لَهُ هَذَا آخر الأعياد ووقف فِي الميدان الْأَخْضَر الشمالي لطعن الْحلق وَرمى القبق وَكَانَ قد ضرب خيمته فِي الميدان القبلي الْأَخْضَر وَأمر بِوَضْع الْمِنْبَر وخطب لَهُ القَاضِي شمس الدّين ابْن الْفراش قَاضِي الْعَسْكَر بعد أَن صلى بِهِ وذكّر وَعَاد إِلَى القلعة طالع الْبَهْجَة بهيج
стр. 726
الطلعة وأنهب سماطه الْعَام على رسم الأتراك وأكابر الْأَمْلَاك ثمَّ حَضَرنَا على خوانه الْخَاص وَله عقد كَمَال مصون من الانتقاض والانتقاض وَمَا أوضح بشره وأضوع نشره وأضحك سنه وأبرك يمنه
وَفِي يَوْم الأثنين ثَانِي الْعِيد بكر وَركب وجمل الموكب وَكَأن الْفلك بنيره جَار والطود الثَّابِت يمرّ مرّ السَّحَاب فِي وقار وَكَأَنَّهُ الْقَمَر فِي هالته وَالْقدر فِي جلالته والبدر فِي دائرته سَائِر بَين سيارته وَدخل الميدان والعظماء يسايرونه والفهماء يحاورونه وَفِيهِمْ همام الدّين مودود وَهُوَ فِي الأكابر مَعْدُود وَكَانَ قَدِيما فِي أول دولته والى حلب وَقد جرب الدَّهْر بحنكته ولأشطره حلب فَقَالَ لنُور الدّين فِي كَلَامه عظة لمن يغتر بأيامه هَل نَكُون هَهُنَا فِي مثل هَذَا الْيَوْم فِي الْعَام الْقَابِل فَقَالَ نور الدّين قل هَل نَكُون بعد شهر فَإِن السّنة بعيدَة فَجرى على منطقهما مَا جرى بِهِ الْقَضَاء السَّابِق فَإِن نور الدّين لم يصل إِلَى الشَّهْر والهمام لم يصل إِلَى الْعَام
ثمَّ شرع نور الدّين فِي اللّعب بالكرة مَعَ خواصه البررة فاعترضه فِي حَاله أَمِير آخر اسْمه يرنقش وَقَالَ لَهُ باش فأحدث لَهُ الغيظ والاستيحاش واغتاظ على خلاف مذْهبه الْكَرِيم وخلقه الْحَلِيم فزجره وزبره وَنَهَاهُ ونهره وسَاق وَدخل القلعة وَنزل واحتجب وَاعْتَزل فَبَقيَ أسبوعا فِي منزله مَشْغُولًا بنازله مَغْلُوبًا عَن عاجله بِحَدِيث آجله وَالنَّاس من الْخِتَان لاهون بأوطارهم فِي الأوطان فَهَذَا يروح بجوده وَذَاكَ يجود بِرُوحِهِ فَمَا انْتَهَت تِلْكَ الأفراح إِلَّا بالأتراح وَمَا صلح الْملك بعده إِلَّا
стр. 727
بِملك الصّلاح
قَالَ واتصل مرض نور الدّين وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاء بالفصد فَامْتنعَ وَكَانَ مهيبا فَمَا رُوجِعَ وانتقل حادي عشر شَوَّال يَوْم الْأَرْبَعَاء من مربع الفناء إِلَى مرتع الْبَقَاء وَلَقَد كَانَ من أَوْلِيَاء الله الْمُؤمنِينَ وعباده الصَّالِحين وَصَارَ إِلَى جنَّات عدن أعدت لِلْمُتقين
وَكَانَت لَهُ صُفَّة فِي الدَّار الَّتِي على النَّهر الدَّاخِل إِلَى القلعة من الشمَال وَكَانَ جُلُوسه عَلَيْهَا فِي جَمِيع الْأَحْوَال فَلَمَّا جَاءَت سنة الزلزلة بنى بِإِزَاءِ تِلْكَ الصفّة بَيْتا من الأخشاب مَأْمُون الِاضْطِرَاب فَهُوَ يبيت فِيهِ وَيُصْبِح ويخلو بِعِبَادَتِهِ ولايبرح فَدفن فِي ذَلِك الْبَيْت الَّذِي اتَّخذهُ حِميً من الْحمام وَأذن بِنَاؤُه لبانيه بالانهدام
قَالَ الْعِمَاد وَقلت فِي ذَلِك
(عجبت من الْمَوْت كَيفَ اهْتَدَى ... إِلَى ملك فِي سجايا ملك)
(وَكَيف ثوى الْفلك المستدير ... فِي الأَرْض وَالْأَرْض وسط الْفلك)
وَله فِيهِ رحمهمَا الله تَعَالَى
(يَا ملكا أَيَّامه لم تزل ... لفضله فاضلة فاخرة)
(غاضت بحار الْجُود مذ غيبت ... أنملك الفائضة الزاخرة)
(ملكت دنياك وخلفتها ... وسرت حَتَّى تملك الْآخِرَة)
стр. 728
قَالَ ابْن شَدَّاد وَكَانَت وَفَاة نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى بِسَبَب خوانيق اعترته عجز الْأَطِبَّاء عَن علاجها وَلَقَد حكى لي صَلَاح الدّين قَالَ كَانَ يبلغنَا عَن نور الدّين أَنه رُبمَا قصدنا بالديار المصرية وَكَانَت جمَاعَة أَصْحَابنَا يشيرون بِأَن نكاشف وَنُخَالِف ونشق عَصَاهُ ونلقى عسكره بمصاف يردهُ إِذا تحقق قَصده قَالَ وَكنت وحدي أخالفهم وَأَقُول لَا يجوز أَن يُقَال شَيْء من ذَلِك وَلم يزل النزاع بَيْننَا حَتَّى وصل الْخَبَر بوفاته رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ نور الدّين قد شرع بتجهيز الْمسير إِلَى مصر لأخذها من صَلَاح الدّين لِأَنَّهُ رأى مِنْهُ فتورا عَن غَزْو الفرنج من ناحيته فَأرْسل إِلَى الْموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطْلب العساكر ليتركها بِالشَّام لمَنعه من الفرنج ليسير هُوَ بعساكره إِلَى مصر وَكَانَ الْمَانِع لصلاح الدّين من الْغَزْو الْخَوْف من نور الدّين فَإِنَّهُ كَانَ يعْتَقد أَن نور الدّين مَتى زَالَ عَن طَرِيقه الفرنج أَخذ الْبِلَاد مِنْهُ فَكَانَ يحتمي بهم عَلَيْهِ وَلَا يُؤثر استئصالهم وَكَانَ نور الدّين لَا يرى إِلَّا الجدّ فِي غزوهم بِجهْدِهِ وطاقته فَلَمَّا رأى إخلال صَلَاح الدّين بالغزو وَعلم غَرَضه فتجهز للمسير إِلَيْهِ فَأَتَاهُ أَمر الله الَّذِي لَا يرد
قلت وَلَو علم نور الدّين مَاذَا ذخر الله تَعَالَى لِلْإِسْلَامِ من الْفتُوح الجليلة على يَدي صَلَاح الدّين من بعده لقرت عينه فَإِنَّهُ بنى على مَا أسسه
стр. 729
نور الدّين من جِهَاد الْمُشْركين وَقَامَ بذلك على أكمل الْوُجُوه وأتمها رحمهمَا الله تَعَالَى
قَالَ وَحكى لي طَبِيب بِدِمَشْق يعرف بالرحبي وَهُوَ من حذاق الْأَطِبَّاء قَالَ استدعاني نور الدّين فِي مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ مَعَ غَيْرِي من الْأَطِبَّاء فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيت صَغِير بقلعة دمشق وَقد تمكنت الخوانيق مِنْهُ وقارب الْهَلَاك فَلَا يكَاد يسمع صَوته وَكَانَ يَخْلُو فِيهِ للتعبد فِي أَكثر أوقاته فابتدا بِهِ الْمَرَض فِيهِ فَلم ينْتَقل عَنهُ فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيْهِ ورأينا مَا بِهِ قلت لَهُ كَانَ يَنْبَغِي أَن لايؤخَّر إحضارنا إِلَى أَن يشْتَد بك الْمَرَض إِلَى هذاالحد فَالْآن يَنْبَغِي أَن تنْتَقل إِلَى مَكَان فسيح فَلهُ أثر فِي هَذَا الْمَرَض وشرعنا فِي علاجه فَلم ينجع فِيهِ الدَّوَاء وَعظم الدَّاء وَمَات عَن قريب ﵁
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ أسمر طَوِيل الْقَامَة لَيْسَ لَهُ لحية إِلَّا فِي حنكه وَكَانَ وَاسع الْجَبْهَة حسن الصُّورَة حُلْو الْعَينَيْنِ وَكَانَ قد اتَّسع
стр. 730
ملكه جدا فَملك الْموصل وديار الجزيرة وأطاعه أَصْحَاب ديار بكر وَملك الشَّام والديار المصرية واليمن وخُطب لَهُ بالحرمين الشريفين مَكَّة وَالْمَدينَة وطبّق الأَرْض ذكره بِحسن سيرته وعدله وَلم يكن مثله إِلَّا الشاذ النَّادِر رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بَعْدَمَا ذكر أَوْصَاف نور الدّين الجليلة الْمُتَقَدّمَة مفرقة ومجموعة فِي هَذَا الْكتاب هَذَا مَعَ مَا جمع الله لَهُ من الْعقل المتين والرأي الثاقب الرصين والاقتداء بسيرة السّلف الماضين والتشبه بالعلماء وَالصَّالِحِينَ والاقتفاء بسيرة من سلف مِنْهُم فِي حسن سمتهم والاتباع لَهُم فِي حفظ حَالهم ووقتهم حَتَّى روى حَدِيث الْمُصْطَفى ﷺ وأسمعه وَكَانَ قد استجيز لَهُ مِمَّن سَمعه وَجمعه حرصا مِنْهُ على الْخَيْر فِي نشر السّنة بِالْأَدَاءِ والتحديث ورجاء أَن يكون مِمَّن حفظ على الْأمة أَرْبَعِينَ حَدِيثا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث فَمن رَآهُ شَاهد من جلال السلطنة وهيبة الْملك مَا يبهره فَإِذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه مَا يحيره يحب الصَّالِحين ويؤاخيهم ويزور مساكنهم لحسن ظَنّه فيهم وَإِذا احْتَلَمَ مماليكه أعتقهم
стр. 731
وَزوج ذكرانهم بإنائهم ورزقهم وَمَتى تَكَرَّرت الشكاية إِلَيْهِ من أحد من ولاته أمره بالكف عَن أَذَى تظلم بشكاته فَمن لم يرجع مِنْهُم إِلَى الْعدْل قابله بِإِسْقَاط الْمنزلَة والعزل فَلَمَّا جمع الله لَهُ من شرِيف الْخِصَال تيَسّر لَهُ جَمِيع مَا يَقْصِدهُ من الْأَعْمَال وَسَهل على يَدَيْهِ فتح الْحُصُون والقلاع ومُكن لَهُ فِي الْبلدَانِ وَالْبِقَاع
ثمَّ قَالَ بعد كَلَام كثير ومناقبه خطيرة وممادحه كَثِيرَة ومدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَأَكْثرُوا وَلم يبلغُوا وصف الآئه بل قصروا وَهُوَ قَلِيل الابتهاج بالشعر زِيَادَة فِي تواضعه لعلّو الْقدر
ومولده على مَا ذكر لي كَاتبه أَبُو الْيُسْر شَاكر بن عبد الله وَقت طُلُوع الشَّمْس من يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَخمْس مئة وَتُوفِّي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي عشر من شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسَة مئة وَدفن بقلعة دمشق ثمَّ نقل إِلَى تربة تجاور مدرسته الَّتِي بناها لأَصْحَاب أبي حنيفَة ﵁ جوَار الخواصين فِي الشَّارِع الغربي رَحمَه الله تَعَالَى
قلت وَفِي هَذِه الْمدرسَة يَقُول العرقلة
стр. 732
(ومدرسة سيدرس كل شَيْء ... وَتبقى فِي حمى علم ونسك)
(تضوع ذكرهَا شرقا وغربا ... بِنور الدّين مَحْمُود بن زنكي)
(يَقُول وَقَوله حقٌّ وَصدق ... بِغَيْر كنايةٍ وَبِغير شكّ)
(دمشق فِي الْمَدَائِن بَيت مُلكي ... وهذي فِي الْمدَارِس بَيت مِلكي)
وَلما اشْتهر بِهِ من قلَّة ابتهاجه بالمدح لما علم من تزيد الشُّعَرَاء وَهِي طَريقَة عمر بن عبد الْعَزِيز زاهد الْخُلَفَاء قَالَ يحيى بن مُحَمَّد الوهراني فِي مقامة لَهُ وَقد سُئِلَ فِي بَغْدَاد عَن نور الدّين هُوَ سهم للدولة سديد وركن للخلافة شَدِيد وأمير زاهد وَملك مُجَاهِد تساعده الأفلاك وتعضده الجيوش والأملاك غير أَنه عرف بالمرعى الوبيل لِابْنِ السَّبِيل وبالمحل الجديب للشاعر الأديب فَمَا يرزى وَلَا يعزى وَلَا لشاعر عِنْده من نعْمَة تجزى
وإيَّاه عَنى أُسَامَة بن منقذ بقوله
(سلطاننا زاهد وَالنَّاس قد زهدوا ... لَهُ فكلُّ على الْخيرَات منكمش)
стр. 733
(أيَّامه مثل شهر الصَّوْم طَاهِرَة ... من الْمعاصِي وفيهَا الْجُوع والعطش)
قلت ﵀ مَا كَانَ يبْذل أَمْوَال الْمُسلمين إِلَّا فِي الْجِهَاد وَمَا يعود نَفعه على الْعباد وَكَانَ كَمَا قيل فِي حق عبد الله بن محيريز وَهُوَ من سَادَات التَّابِعين بِالشَّام قَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ حَدثنَا ضَمرَة عَن السيباني قَالَ كَانَ ابْن الديلمي من أنْصر النَّاس لأخوانه فَذكر ابْن محيريز فِي مَجْلِسه فَقَالَ رجل كَانَ بَخِيلًا فَغَضب ابْن الدّيلمي وَقَالَ كَانَ جوادا حَيْثُ يحب الله وبخيلا حَيْثُ تحبون
وَأما شعر ابْن منقذ فَلَا اعْتِبَار بِهِ فَهُوَ الْقَائِل فِي لَيْلَة الميلاد يمدح نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
(فِي كل عَام للبرية لَيْلَة ... فِيهَا تشب النَّار بالإيقاد)
(لَكِن لنُور الدّين من دون الورى ... ناران نَار قرى ونار جِهَاد)
(أبدا يصرّفها نداه وبأسه ... فالعام أجمع لَيْلَة الميلاد)
(ملك لَهُ فِي كل جيد منّة ... أبهى من الأطواق فِي الأجياد)
(أَعلَى الْمُلُوك يدا وأمنعهم حمى ... وأمدهم كفَّا ببذل تلاد)
стр. 734
(يعْطى الجزيل من النوال تَبَرعا ... من غير مَسْأَلَة وَلَا ميعاد)
(لازال فِي سعد وَملك دَائِم ... مَا دَامَت الدُّنْيَا بِغَيْر نفاد)
وَقد تقدم فِي شعر ابْن مُنِير وَابْن القيسراني والعماد الْكَاتِب وَغَيرهم من مدح نور الدّين بِالْكَرمِ والجود مَا قَلِيل مِنْهُ يرّد قَول الوهراني وَابْن منقذ على أَن ابْن منقذ قد رددنا شعره بِشعرِهِ كَمَا ترَاهُ وَإِنَّمَا الشُّعَرَاء وَأكْثر النَّاس كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف قوم ﴿فإنْ أُعْطُوا مِنْها رّضُوا وَإنْ لَمْ يُعْطَوا مِنْها إذَا هم يَسْخَطون﴾ وَمَا كلّ وَقت ينْفق الْعَطاء وَيفْعل الله مَا يَشَاء
стр. 735
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير لما توفّي نور الدّين جلس ابْنه الْملك الصَّالح اسماعيل فِي الْملك وحُلِف لَهُ وَلم يبلغ الحُلم وَحلف لَهُ الْأُمَرَاء والمقدمون بِدِمَشْق وَأقَام بهَا وأطاعه النَّاس فِي سَائِر بِلَاد الشَّام وصلاحُ الدّين
стр. 736
بِمصْر وخطب لَهُ بهَا وَضرب السِّكَّة باسمه فِيهَا وتولّى تَرْبِيَته الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُقدم
قَالَ الْعِمَاد وأخرجوا يَوْم وَفَاة نور الدّين وَلَده الْملك الصَّالح اسماعيل وَقد أبدى الْحزن والعويل وَهُوَ مجزوز الذوائب مشقوق الجيب حاسر حافٍ مِمَّا فجأه وفجعه من الرّيب وأجلسوه فِي الأيوان الشمالي من الدّست والتخت الْبَاقِي من عهد تَاج الدولة تتش فاستوحى كل قلب حزنه واستوحش فَوقف النَّاس يضطرمون ويضطربون ويتلهفون ويتلهبون وَلما كفّن بحلة الْكَرَامَة وَدفن فِي رَوْضَة بَابهَا إِلَى بَاب رضوَان من دَار المقامة وقضوا الْجزع وقوضوا الْفَزع وغيبوا الدمعة وأحضروا الرّبعة حضر القَاضِي كَمَال الدّين وشمس الدّين بن الْمُقدم وجمال الدولة ريحَان وَهُوَ أكبر الخدم وَالْعدْل أَبُو صَالح بن العجمي أَمِين الْأَعْمَال وَالشَّيْخ اسماعيل خَازِن بَيت المَال وتحالفوا على أَن تكون أَيْديهم وَاحِدَة وعزائمهم متعاقدة وَأَن ابْن الْمُقدم مقدم الْعَسْكَر وَإِلَيْهِ الْمرجع فِي المورد والمصدر
قَالَ وأنشأت فِي ذَلِك الْيَوْم كتابا عَن الْملك الصَّالح إِلَى صَلَاح الدّين فِي تعزيته بِنور الدّين تَرْجَمته إِسْمَاعِيل بن مَحْمُود وَفِيه
أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا الْملك النَّاصِر وَعظم أجرنا وأجره فِي والدنا الْملك الْعَادِل ندب الشَّام بل الْإِسْلَام حَافظ ثغوره وملاحظ أُمُوره وَعدم الْجِهَاد مقتني فضيلته ومؤدي فريضته ومحيي سنته وأورثنا
стр. 737
بِالِاسْتِحْقَاقِ ملكه وسريره على أَنه يعزّ أَن يرى الزَّمَان نَظِيره وَمَا هَهُنَا مَا يشغل السِّرّ وَيقسم الْفِكر إِلَّا أَمر الفرنج خذلهم الله وَمَا كَانَ اعْتِمَاد مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل عَلَيْهِ وسكونه إِلَيْهِ إِلَّا لمثل هَذَا الْحَادِث الجلل وَالصرْف الكارث المذهل فقد ادخره لكفايات النوائب وأعده لحسم أدواء المعضلات اللوازب وأمله ليومه ولغده ورجاه لنَفسِهِ ولولده ومكنّه قُوَّة لعضده فَمَا فقد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَّا صُورة وَالْمعْنَى بَاقٍ وَالله تَعَالَى حَافظ لبيته واق وَهل غَيره دَامَ سموهُ من مؤازر وَهل سوى السيّد الْأَجَل النّاصر من نَاصِر وَقد عَرفْنَاهُ المقترح ليروض بِرَأْيهِ من الْأَمر مَا جمح والأهم شغل الْكفَّار عَن هَذِه الديار بِمَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ من قصدهم والنكاية فيهم على البدار وَيجْرِي على الْعَادة الْحسنى فِي إحْيَاء ذكر الْوَالِد هُنَاكَ بتجديد ذكرنَا رَاغِبًا فِي اغتنام ثنائنا وشكرنا
قلت وَكَانَ قد بلغ صَلَاح الدّين خبر نور الدّين فَأرْسل كتابا بالمثال الفاضلي فِيهِ ورد خبر من جَانب الْعَدو اللعين عَن الْمولى نور الدّين أعاذ الله تَعَالَى فِيهِ من سَماع الْمَكْرُوه وَنور بعافيته الْقُلُوب وَالْوُجُوه وَاشْتَدَّ بِهِ الْأَمر وضاق بِهِ الصَّدْر وانقصم بحادثه الظّهْر وعزّ فِيهِ التثبت وأعوز الصَّبْر فَإِن كَانَ وَالْعِيَاذ بِاللَّه قد تمّ وخصّه الحكم الَّذِي عَم فللحوادث تذخر النصال وللأيام تصطنع الرِّجَال وَمَا رتب الْمُلُوك ممالكها إِلَّا لأولادها وَلَا اسْتوْدعت الأَرْض الْكَرِيمَة الْبذر إِلَّا لتؤدي حَقّهَا يَوْم حصادها فَالله الله أَن تخْتَلف الْقُلُوب وَالْأَيْدِي فتبلغ الْأَعْدَاء مرادها وتعدم الآراء رشادها وتنتقل النعم الَّتِي تعبت الْأَيَّام إِلَى أَن أَعْطَتْ قيادها فكونوا يدا وَاحِدَة وأعضاداً متساعدة وَقُلُوبًا يجمعها ودّ وسيوفا يضمها
стр. 738
غمد وَلَا تختلفوا فتنكلوا ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا﴾ وَقومُوا على أمشاط الأرجل وَلَا تَأْخُذُوا الْأَمر بأطراف الأنمل فالعدواة محدقة بكم من كل مَكَان وَالْكفْر مُجْتَمع على الْإِيمَان وَلِهَذَا الْبَيْت منا نَاصِر لَا يَخْذُلهُ وقائم لَا يُسلمهُ وَقد كَانَت وَصيته إِلَيْنَا سبقت ورسالته عندنَا تحققت بِأَن وَلَده الْقَائِم بِالْأَمر وَسعد الدّين كمشتكين الأتابك بَين يَدَيْهِ فَإِن كَانَت الْوَصِيَّة ظَهرت وَقبلت وَالطَّاعَة فِي الْغَيْبَة والحضور أدّيت وَفعلت وَإِلَّا فَنحْن لهَذَا الْوَلَد يدُ على من ناواه وَسيف على من عَادَاهُ وَإِن أَسْفر الْخَبَر عَن معافاة فَهُوَ الْغَرَض الْمَطْلُوب وَالنّذر الَّذِي يحل على الْأَيْدِي والقلوب
قَالَ الْعِمَاد وَورد كتاب صَلَاح الدّين بالمثال الفاضلي معزيا لِابْنِ نور الدّين وَفِي آخِره وَأما الْعَدو خذله الله تَعَالَى فوراءه من الْخَادِم من يَطْلُبهُ طلب ليل لنهاره وسيل لقراره إِلَى أَن يزعجه من مجاثمه ويستوقفه عَن مَوَاقِف مغانمه وَذَلِكَ من أقلّ فروض الْبَيْت الْكَرِيم وأيسر لوازمه أصدر هَذِه الْخدمَة يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ذِي الْقعدَة وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي أُقِيمَت فِيهِ الْخطْبَة بِالِاسْمِ الْكَرِيم وَصرح فِيهِ بِذكرِهِ فِي الْموقف الْعَظِيم وَالْجمع الَّذِي لَا لَغْو فِيهِ وَلَا تأثيم وأشبه يَوْم الْخَادِم أمسه فِي الْخدمَة ووفى مَا لزمَه من حُقُوق النِّعْمَة وَجمع كلمة الْإِسْلَام عَالما أَن الْجَمَاعَة رَحْمَة وَالله تَعَالَى يخلد ملك الْمولى الْملك الصَّالح وَيصْلح بِهِ وعَلى يَدَيْهِ ويؤكد عهود النَّعْماء الراهنة لَدَيْهِ وَيجْعَل لِلْإِسْلَامِ واقية بَاقِيَة عَلَيْهِ ويوفق الْخَادِم لما ينويه من تَوْثِيق سُلْطَانه وتشييده ومضاعفة ملكة ومزيده وتيسير منال كل أملٍ صَالح وتقريب بعيده إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 739
وَمن كتاب آخر الْخَادِم مُسْتَمر على بَدأته من الاستشراف لأوامرها والتعرض لمراسمها وَالرَّفْع لكلمتها والإيالة لعسكرها والتحقق بخدمتها فِي بواطن الْأَحْوَال وظواهرها والتّرقب لِأَن يُؤمر فيمتثل ويكلف فَيحْتَمل وَأَن يرْمى بِهِ فِي فِي نحر عدوه فيتسدد بِجهْدِهِ ويوفى أَيَّام الدولة الْعَالِيَة يَوْمًا يكْشف الله فِيهِ للْمولى للْمولى ضمير عَبده
قَالَ الْعِمَاد وَلما توفّي نور الدّين أختل أَمْرِي واعتل سرّي وعلت حسادي وَبلغ مُرَادهم أضدادي وَكَانَ الْملك الصَّالح صَغِيرا فَصَارَ الْعدْل ابْن العجمي لَهُ وزيرا وَتصرف المتحالفون فِي الخزانة والدولة كَمَا أَرَادوا وولَّوْا وصرفوا ونقصوا وَزَادُوا واقتصروا لي على الْكِتَابَة محروم الدعْوَة من الْإِجَابَة
وَمِمَّا نظمته فِي مرثية نور الدّين قصيدة مِنْهَا
(لفقد الْملك الْعَادِل ... يبكي الْملك وَالْعدْل)
(وَقد أظلمت الْآفَاق ... لَا شمس وَلَا ظلّ)
مِنْهَا
(وَلما غَابَ نور الدّين ... عَنَّا أظلم الحفل)
(وَزَالَ الخصب وَالْخَيْر ... وَزَاد الشَّرّ وَالْمحل)
(وَمَات الْبَأْس والجود ... وعاش الْيَأْس وَالْبخل)
стр. 740
(وَعز النَّقْص لما هان ... أهل الْفضل والفضلُ)
(وَهل ينْفق ذُو علم ... إِذا مَا نفق الْجَهْل)
(وَمَا كَانَ لنُور الدّين ... لَوْلَا نجلُه مثل)
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَاتفقَ نزُول الفرنج بعد وَفَاة نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى على الثغر وقصدهم بانياس ورجوا أَن يتم لَهُم الْأَمر ثمَّ ظَهرت خيبتهم وَبَان الياس وَذَلِكَ أَن شمس الدّين بن الْمُقدم خرج وراسل الفرنج وخوّفهم بِقصد صَلَاح الدّين لبلادهم وَأَنه قد عزم على جهادهم وَتَكَلَّمُوا فِي الْهُدْنَة وَقطع مواد الْحَرْب والفتنة وحصلوا بقطيعة استعجلوها وعدة من أساراهم استطلقوها وتمّت الْمُصَالحَة
وَبلغ ذَلِك صَلَاح الدّين فَأنكرهُ وَلم يُعجبهُ وَكتب إِلَى جمَاعَة الْأَعْيَان كتُباً دالّة على التوبيخ والملام وَمن جُمْلَتهَا كتاب بالمثال الفاضلي إِلَى الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون يُخبرهُ فِيهِ أَنه لما أَتَاهُ كتاب الْملك الصَّالح بِقصد الفرنج تجهّز وَخرج وَسَار أَربع مراحل ثمَّ جَاءَهُ الْخَبَر بالهدنة المؤذنة بذُل الْإِسْلَام من دفع القطيعة وَإِطْلَاق الْأُسَارَى وَسَيِّدنَا الشَّيْخ أولى من جرّد لِسَانه الَّذِي تُغمد لَهُ السيوف وتُجرّد وَقَامَ فِي سَبِيل الله قيام من يقطّ عَادِية من تعدّى وتمرّد
следующие страницы →