← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مَعَه رَسُولا يعرف بمسعود الْحلَبِي وأوصاه أَن يكْشف لَهُ خبر الْبِلَاد ليدخلها فَسَار الْحلَبِي مَعَ الرَّسول حَتَّى وصل دنقله وَهِي مَدِينَة الْملك قَالَ مَسْعُود فَوجدت بلادا ضيقَة لَيْسَ لَهُم زرع إِلَّا الذّرة وَعِنْدهم نخل صغَار مِنْهُ إدَامهمْ وَوصف ملكهم بأوصاف مِنْهَا أَن قَالَ خرج علينا يَوْمًا وَهُوَ عُرْيَان قد ركب فرسا عريا وَقد التف فِي ثوب أطلس وَهُوَ أَقرع لَيْسَ على رَأسه شعر قَالَ فَأتيت فَسلمت عَلَيْهِ فَضَحِك وتغاشى وَأمر بِي أَن تكوى يَدي فكوى عَلَيْهَا هَيْئَة صَلِيب وَأمر لي بِقدر خمسين رطلا من الدَّقِيق ثمَّ صرفني قَالَ وَأما دنقلة فَلَيْسَ فِيهَا عمَارَة إِلَّا دَار الْملك فَقَط وباقيها أخصاص فصل فِي وَفَاة نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين وطرف من أخباره قَالَ الْعِمَاد وَركب نجم الدّين أَيُّوب فشب بِهِ فرسه بِالْقَاهِرَةِ عِنْد بَاب النَّصْر وسط المحجَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن عشر من ذِي الْحجَّة وَحمل إِلَى منزله وعاش ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ توفّي فِي يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَكَانَ كَرِيمًا رحِيما عطوفا حَلِيمًا وبابه مزدحم الْوُفُود وَهُوَ متْلف الْمَوْجُود ببذل الْجُود وَكَانَ وَلَده صَلَاح الدّين عَنهُ غَائِبا وَفِي بِلَاد الكرك

стр. 667

والشوبك على الْغُزَاة مواظبا فَدفن إِلَى جَانب قبر أَخِيه أَسد الدّين فِي بَيت فِي الدَّار السُّلْطَانِيَّة ثمَّ نقلا بعد سِنِين إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة والسّلام والتحية وَالْإِكْرَام والإجلال والإعظام وعَلى آله وَصَحبه وَسلم قلت وقبرهما فِي تربة الْوَزير جمال الدّين الْأَصْفَهَانِي وَزِير الْموصل الْمُقدم ذكره رَحِمهم الله تَعَالَى وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلما عَاد صَلَاح الدّين من غزاته بلغه قبل وُصُوله إِلَى مصر وَفَاة أَبِيه نجم الدّين فشقّ ذَلِك عَلَيْهِ حَيْثُ لم يحضر وَفَاته وَكَانَ سَبَب وَفَاته وُقُوعه من الْفرس وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى شَدِيد الرّكض ولعاً بلعب الكرة بِحَيْثُ من رَآهُ يلْعَب بهَا يَقُول مَا يَمُوت إِلَّا من وُقُوعه عَن ظهر الْفرس وَمن كتاب فاضليّ عَن السُّلْطَان إِلَى عز الدّين فرخشاه بِمصْر يَقُول فِيهِ صحّ من الْمُصَاب بالمولى الدارج غفر الله لَهُ ذَنبه وَسَقَى بِالرَّحْمَةِ تربه مَا عظمت بِهِ اللوعة واشتدت الروعة وتضاعفت لغيبتنا عَن

стр. 668

مشهده الْحَسْرَة فاستنجدنا بِالصبرِ فَأبى وأنجدت الْعبْرَة فياله فقيداً فقد عَلَيْهِ العزاء وهانت بعده الأرزاء وانتثر شَمل الْبركَة بفقده فَهِيَ بعد الِاجْتِمَاع أَجزَاء (وتخطفته يَد الردى فِي غيبتي ... هبني حضرت فَكنت مَاذَا أصنع) قَالَ ابْن أبي طي الْحلَبِي هُوَ الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب بن شاذي وَلَا يعرف فِي نسبه أَكثر من وَالِده شاذي وحَدثني أبي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ كَانَ تَقِيّ الدّين عمر يزِيد فَيَقُول شاذي بن مَرْوَان قلت وَسمعت أَنا من يَقُول شاذي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب قَالَ ابْن أبي طي وَقد أدّعى ابْن سيف الْإِسْلَام لما ملك الْيمن أَنهم من بني مَرْوَان بن مُحَمَّد الْجَعْدِي الْمَعْرُوف بالحمار يعْنى آخر خلفاء بني أُميَّة قَالَ وَقد نقبت عَن ذَلِك فأجمع الْجَمَاعَة من آل أَيُّوب أَن هَذَا كذب وَأَن جَمِيع آل أَيُّوب لايعرفون جدَّاً فَوق شاذي وَكَذَلِكَ أَخْبرنِي السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر رَحمَه الله تَعَالَى قلت وَدَلِيل صِحَة ذَلِك أنني وقفت على كتاب وقف الرّباط النجمي بِدِمَشْق وَلم يزدْ فِيهِ على نجم الدّين أَبُو سعيد أَيُّوب بن شاذي العادلي وَابْن سيف الْإِسْلَام هَذَا هُوَ أَبُو الْفِدَاء اسماعيل بن طغتكين بن

стр. 669

أَيُّوب بن شاذي ابْن أخي السُّلْطَان صَلَاح الدّين ملك الْيمن بعد أَبِيه وتعاظم إِلَى أَن ولي نَفسه الْخلَافَة وَادّعى أَنه من بني أُميَّة وعزم على إِعَادَة الْخلَافَة من بني هَاشم إِلَى بني أُميَّة وَله فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة وتلقب بِالْإِمَامِ الْهَادِي بِنور الله الْمعز لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ومدحه كثير من الشُّعَرَاء بذلك وزينوا لَهُ فعله وَمَا هُوَ فِيهِ فَمن شعره (وَإِنِّي أَنا الْهَادِي الْخَلِيفَة وَالَّذِي ... أدوس رِقَاب الغُلب بالضُّمَّر الجرد) (وَلَا بُد مِنْ بَغْدَاد أطوي ربوعها ... وأنشرها نشر السماسر للبرد) (وأنصب أعلامي على شرفاتها ... وأُحيي بهَا مَا كَانَ أسسه جدّي) (ويُخطبُ لي فِيهَا على كل مِنْبَر ... وَأظْهر دين الله فِي الْغَوْر والنّجد) ثمَّ قَالَ ابْن أبي طيّ وَكَانَ نجم الدّين أَيُّوب عدلا مرضيا كثير الصَّلَاة والصلات غزير الْفضل والخيرات يحبّ الْعلمَاء ويميل إِلَى الْفُضَلَاء وَكَانَ ممدحا مدحه الْعِمَاد الْكَاتِب بعدة قصائد قَالَ وَكَانَ مولد نجم الدّين أَيُّوب بِبَلَد شبختان كَذَا حَكَاهُ مؤيد

стр. 670

الدّين ابْن منقذ وحدّثني جمَاعَة أَن مولد نجم الدّين كَانَ بجبل جور وربى فِي بلد الْموصل وَنَشَأ شجاعا باسلا وخدم السُّلْطَان مُحَمَّد بن ملكشاه فَرَأى مِنْهُ أَمَانَة وعقلاً وسداداً وشهامة فولاّه قلعة تكريت فَقَامَ فِي ولايتها أحسن قيام وضَبَطها أكْرم ضبط وَأجلى من أرْضهَا المفسدين وقطاع الطَّرِيق وَأهل العيث حَتَّى عمرت أرْضهَا وَحسن حَال أَهلهَا وَأمنت سبلها فَلَمَّا ولي السُّلْطَان مَسْعُود الْملك أقطع قلعة تكريت لمجاهد الدّين بهروز الْخَادِم شحنة بَغْدَاد ومُتولي الْعرَاق وَكَانَ هَذَا بهروز أَمِيرا ينفذ أمره فِي جَمِيع الْعرَاق إِلَى الْبَصْرَة إِلَى الْموصل إِلَى أصفهان وَكَانَت خيله خَمْسَة الآف فَارس فَأقر الْأَمِير نجم الدّين فِي ولَايَة تكريت وأضاف إِلَيْهِ النّظر فِي جَمِيع الْولَايَة المتاخمة لَهُ وَقرر أمره عِنْد السُّلْطَان مَسْعُود وَجعل بهروز قلعة تكريت خزانَة أَمْوَاله وَبَيت عقائله وَجعل جَمِيع ذَلِك مَنُوطًا بالأمير نجم الدّين ومعذوقا بهمته وَكَانَ نجم الدّين عَظِيما فِي أنفس النَّاس بِالدّينِ وَالْخَيْر وَحسن السياسة وَكَانَ لَا يمر أحد من أهل الْعلم وَالدّين بِهِ إِلَّا حمل إِلَيْهِ المَال والضيافة الجليلة وَكَانَ لَا يسمع بِأحد من أهل الدّين فِي مَدِينَة إِلَّا أنفذ إِلَيْهِ

стр. 671

وَقد ذكر الْعِمَاد الْكَاتِب فِي سيرة السلجوقية الْأَمِير نجم الدّين وقرظة وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر من دينه وعفته ووفور أَمَانَته وَكَثْرَة خَيره أَشْيَاء حَسَنَة وَحكى قَضِيَّة عمّه الْعَزِيز حِين حبس عِنْده بقلعة تكريت من جِهَة الْوَزير الدركزيني وَأمره بقتْله فَأبى نجم الدّين إِلَى أَن قَتله بهروز بِنَفسِهِ بِأَمْر الدركزيني ثمَّ إِن السُّلْطَان مسعوداً حشد وَخرج فِي أَخذ السلطنة وطمع هُوَ وأتابك زنكي بن آق سنقر فِي بَغْدَاد وجردا عسكراً ضخما وسارا إِلَى تكريت طامعين فِي بَغْدَاد واتصل هَذَا الْخَبَر بقراجه السّاقي وَهُوَ أتابك ابْن السُّلْطَان مَحْمُود فَجرد ألف فَارس للقاء زنكي ثمَّ أردفهم بعسكر ضخم فَانْهَزَمَ زنكي وقُتل جمَاعَة من أَصْحَابه وَنهب جَمِيع مَا كَانَ فِي عسكره ولجأ إِلَى سور تكريت وَبِه عدَّة جراحات وَعلم مَكَانَهُ الْأَمِير نجم الدّين وَأَخُوهُ شيركوه فمتحاه إِلَى القلعة بحبال وداويا جراحاته وخدماه أحسن خدمَة وتقربا إِلَيْهِ فَأَقَامَ عِنْدهمَا بتكريت خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ سَار إِلَى الْموصل وأعوزه الظّهْر فأعطياه جَمِيع مَا كَانَ عِنْدهمَا من الظّهْر حَتَّى إنَّهُمَا أعطياه جملَة من الْبَقر حمل عَلَيْهَا مَا سلم مَعَه من امتعته فَكَانَ زنكي يرى لأيوب هَذِه الْيَد وَيعرف لَهُ هَذِه الصنيعة ويواصله بالهدايا والألطاف مُدَّة مُقامه فِي تكريت فَلَمَّا انْفَصل عَنْهَا على

стр. 672

مَا سَنذكرُهُ تَلقاهُ زنكي بالرحب وَالسعَة واحترامه احتراماً عَظِيما وأقطعه عدَّة قطائع وَكَانَ نجم الدّين قد سَاس النَّاس بتكريت أحسن سياسة حَتَّى ملك بذلك حبّات قُلُوبهم وَكَانَ أَخُوهُ شيركوه مَعَه فِي القلعة وَكَانَ شجاعاً باسلا ينزل من القلعة ويصعد إِلَيْهَا فِي أَسبَابه وحاجاته وَكَانَ نجم الدّين لَا يُفَارق القلعة وَلَا ينزل مِنْهَا فاتفق أَن أَسد الدّين نزل من القلعة يَوْمًا لبَعض شَأْنه ثمَّ عَاد إِلَيْهَا وَكَانَ بَينه وَبَين كَاتب صَاحب القلعة قوارص وَكَانَ رجلا نَصْرَانِيّا فاتفق فِي ذَلِك الْيَوْم أَن النَّصْرَانِي صَادف أَسد الدّين صاعداً إِلَى القلعة فعبث بِهِ بِكَلِمَة مُمضة فَجرد أَسد الدّين سَيْفه وَقتل النَّصْرَانِي وَصعد إِلَى القلعة وَكَانَ مهيباً فَلم يتجاسر أحدُ على معارضته فِي أَمر النَّصْرَانِي بِشَيْء وأُخذ النَّصْرَانِي بِرجلِهِ فألُقي من القلعة وَبلغ بهروز صَاحب قلعة تكريت مَا جرى وَحضر عِنْده من خَوفه جُرأة أَسد الدّين وَأَنه ذُو عشيرة كَبِيرَة وَأَن أَخَاهُ نجم الدّين قد استحوذ على قُلُوب الرعايا وَأَنه رُبمَا كَانَ مِنْهُمَا أمرُ تخشى عاقبته ويصعب استدراكه فَكتب إِلَى نجم الدّين يُنكر عَلَيْهِ مَا جرى من أَخِيه ويأمره بِتَسْلِيم القلعة إِلَى نَائِب سيره صَحبه الْكتاب فَأجَاب نجم الدّين ذَلِك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَأنزل من القلعة جَمِيع مَا كَانَ لَهُ بهَا من أهل وَمَال وَاجْتمعَ هُوَ وَأَخُوهُ أَسد الدّين وصمما على قصد عماد الدّين زنكي بالموصل وَقيل إِن أَسد الدّين كَانَ خرج إِلَى الْموصل قبل نجم الدّين

стр. 673

وَأعظم أهل تكريت خُرُوج نجم الدّين من بَين أظهرهم وَلم يبْق أحدُ إِلَّا خرج لتوديعه وَأظْهر الْبكاء والأسف على مُفَارقَته وَلما أتصل بأتابك زنكي قُدومُهما أفرحه ذَلِك وَأمر الموكب بلقائهما وأكرمهما إِكْرَاما عَظِيما وأقطعهما من بلد شهرزور إقطاعاً سنيّا وَقيل إِنَّه أقطع أَسد الدّين بالموزر وَجرى بَين أَسد الدّين وجمال الدّين الْوَزير مَوَدَّة عَظِيمَة حَتَّى حلف كل وَاحِد مِنْهُمَا للْآخر أَنه يقوم بأَمْره فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته وتجرد جمال الدّين فِي أَمر أَسد الدّين وَأمر أَخِيه نجم الدّين حَتَّى قربهما من قلب أتابك وجعلهما عِنْده بالمنزلة الْعَظِيمَة وخرجا مَعَه إِلَى الشَّام وشهدا مَعَه حروب الْكفَّار وقتال الفرنج لعنهم الله تَعَالَى وَكَانَ لأسد الدّين فِي تِلْكَ الوقائع الْيَد الْبَيْضَاء والفَعْلَةُ الغراء وحَدثني أبي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ حَدثنِي سعد الدولة أَبُو الميامن المؤملي وَكَانَ أحد أَصْحَاب نجم الدّين أَيُّوب قَالَ وحَدثني أَيْضا بِهَذِهِ الْحِكَايَة مجد الدّين ابْن داية الْملك الصَّالح قَالَ حَدثنِي حسام الدّين سنقر غُلَام الْأَمِير نجم الدّين أبي طَالب وَكَانَ سنقر هَذَا يخْدم مَعَ الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب بن شاذي قَالَ كنت فِي صحابة الْأَمِير نجم الدّين لما نفذه نور الدّين بن زنكي إِلَى ابْنه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر إِلَى مصر من أجل قطع خطْبَة المصريين وَإِقَامَة دَعْوَة بني الْعَبَّاس فِي أول سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَاتفقَ أَنِّي كنت حَاضرا وَقد اجْتمع السُّلْطَان الْملك النَّاصِر

стр. 674

ووالده الْأَمِير نجم الدّين فِي دَار الوزارة وَقد قعدا على طُرّاحة وَاحِدَة والمجلس غاصُّ بأرباب الدولتين وَعند النَّاس من الْفَرح وَالسُّرُور مَا قد أذهل الْعُقُول فَبينا النَّاس كَذَلِك إِذْ تقدم كَاتب نَصْرَانِيّ كَانَ فِي خدمَة الْأَمِير نجم الدّين فَقبل الأَرْض بَين يَدي السُّلْطَان الْملك النَّاصِر ووالده الْأَمِير نجم الدّين والتفت إِلَى نجم الدّين وَقَالَ لَهُ يَا مولَايَ هَذَا تَأْوِيل مَقَالَتي لَك بالْأَمْس حِين وُلد هَذَا السُّلْطَان فَضَحِك نجم الدّين وَقَالَ صدقت وَالله ثمَّ أَخذ فِي حمد الله وشكره وَالثنَاء عَلَيْهِ والتفت إِلَى الْجَمَاعَة الَّذين حوله من أكَابِر الْعلمَاء والقضاة والأمراء وَقَالَ لكَلَام هَذَا النَّصْرَانِي حِكَايَة عَجِيبَة وَذَلِكَ أنني لَيْلَة رزقت هَذَا الْوَلَد يَعْنِي السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَمرنِي صَاحب قلعة تكريت فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بالرّحلة عَنْهَا بِسَبَب الفعلة الَّتِي كَانَت من أخي أَسد الدّين شيركوه ﵀ وَقَتله النَّصْرَانِي وَكنت قد ألفت القلعة وَصَارَت لي كالوطن فثقل عَليّ الْخُرُوج مِنْهَا والتحول عَنْهَا إِلَى غَيرهَا واغتممت لذَلِك وَفِي ذَلِك الْوَقْت جَاءَنِي البشير بولادته فتشاءمت بِهِ وتطيرت لما جرى عَليّ وَلم أفرح بِهِ وَلم أستبشر وَخَرجْنَا من القلعة وَأَنا على طيرتي بِهِ لَا أكاد أذكرهُ وَلَا أُسَمِّيهِ وَكَانَ هَذَا النَّصْرَانِي معي كَاتبا فَلَمَّا رأى مَا نزل بِي من كَرَاهِيَة الطِّفْل والتشاؤم بِهِ استدعى مني أَن آذن لَهُ فِي الْكَلَام فَأَذنت لَهُ فَقَالَ لي يَا

стр. 675

مولَايَ قد رَأَيْت مَا قد حدث عنْدك من الطَّيرَة بِهَذَا الصَّبِي وَأي شَيْء لَهُ من الذَّنب وَبِمَ اسْتحق ذَلِك مِنْك وَهُوَ لَا ينفع ولايضر وَلَا يُغني شَيْئا وَهَذَا الَّذِي جرى عَلَيْك قَضَاء من الله تَعَالَى سُبْحَانَهُ وَقدر ثمَّ مَا يدْريك أَن هَذَا الطِّفْل يكون ملِكاً عَظِيم الصيت جليل الْمِقْدَار فعطفني كَلَامه عَلَيْهِ وَهَا هُوَ قد وقفني على مَا كَانَ قَالَه فتعجب الْجَمَاعَة من هَذَا الِاتِّفَاق وَحمد السُّلْطَان ووالده الله تَعَالَى سُبْحَانَهُ وشكراه قلت ولعُمارة فِي نجم الدّين مدائح ومراثٍ مِنْهَا قَوْله (ثغر الزَّمَان بِنَجْم الدّين مبتسم ... وَوَجهه بدوام الْعِزّ متسم) يَقُول فِيهَا (أضحى بك النّيل محجوبا ومعتمرا ... كَأَنَّمَا حلّ فِيهِ الحلّ وَالْحرم) (جَاءَت بنوك وَشَمل الدّين منتثر ... فقارعوا عَنهُ فَهُوَ الْيَوْم مُنْتَظم) (وَمَا درى أحدُ من قبل رُؤْيَتهمْ ... أَن الحظوظ بلثم الأَرْض تقتسم) (نَامَتْ عُيُون الورى فِي عدل سيرتهم ... كَأَن يقظتنا فِي عصرهم حلم) (والناصر ابْنك كَاف كلِّ معضلة ... إِذا الْحَوَادِث لم يُكشف لَهَا غمم) (أعز بالبأس وَالْإِحْسَان حوزتنا ... فَلم يُلّم بِنَا خوف وَلَا عدم) (تَبَسم الدّست من أَيُّوب عَن ملك ... تنحطّ عَن قدره والأقدار والهمم) وَقَالَ فِي مرثيته (هِيَ الصدمةُ الأولى فَمن بَان صبره ... على هول ملقاها تضَاعف أجره)

стр. 676

(أذمُّ صباح الْأَرْبَعَاء فَإِنَّهُ ... تَبَسم عَن ثغر الْمنية فجره) (أصَاب الْهدى فِي نجمه بمصيبة ... تداعى سماك الجوّ مِنْهَا ونسره) (فَلَا تعذلونا واعذرونا فَمن بَكَى ... على فقد أيوبٍ فقد بَان عُذره) (أَقَامَ بأعمال الْفُرَات وخيله ... يُراع بهَا نيل الْعَزِيز ومصره) (إِلَى أَن رَمَاهَا من أَخِيه بضيغم ... فرى نابه أهل الصَّلِيب وظفره) (فَلَمَّا قضى نحبي حَيَاة ودولة ... بِأَمْرك فِي إِدْرَاكهَا تمّ أمره) (تعاقبتما مصرا تعاقب وابل ... يبيت بقطر النّيل ينهل قطره) (نزلت بدار حلهَا فحللتها ... فمغناك مغناة وقطرك قطره) (وواخيته فِي البرّ حيّا وميتّا ... فقبرك فِي دَار الْقَرار وقبره) (وَقد شخصت أهل البقيع إلَيْكُمَا ... وَإِلَّا فسكان الْحجُون وحجره) (هَنِيئًا لملك مَاتَ والعزّ عزه ... وقُدْرته فَوق الرّجال وَقدره) (وَأدْركَ من طول الْحَيَاة مُرَاده ... وَمَا طَال إِلَّا فِي رضَا الله عمره) (وأسعد خلق الله من مَاتَ بَعْدَمَا ... رأى فِي بني أبنائه مَا يسره) (شَهِيد تلقى ربه وَهُوَ صَائِم ... فَكَانَ على أجر الشَّهَادَة فطره) مِنْهَا (مضى وَهُوَ رَاض عَنْك لم ترم صَدره ... بِضيق وَلَا جَاشَتْ من الغيظ قدره) (حمى حوزة الْإِسْلَام وَالدّين بعده ... ثَمَانِيَة من أَجلهم عزّ نَصره) (فَكيف بخيس آل أَيُّوب أسده ... لقد بَان خوف الدَّهْر مِنْهُ وذعره) (رعى الله نجماً تعرف الشَّمْس أَنه ... أَبوهَا وَنور الْبَدْر مِنْهَا وزهره)

стр. 677

(وَأبقى الْمقَام الناصريّ فَإِنَّهُ ... لدولتكم كنز الرّجاء وذخره) وَقَالَ أَيْضا (صفو الْحَيَاة وَإِن طَال المدى كدر ... وحادث الْمَوْت لَا يبْقى وَلَا يذر) (وَمَا يزَال لِسَان الدَّهْر ينذرنا ... لَو أثرت عندنَا الْآيَات وَالنّذر) (فَلَا تقل غرت الدُّنْيَا مطامعنا ... فَمَا مَعَ الْمَوْت لَا غش وَلَا كدر) (كأس إِذا مَا الردى حَيا الْحَيَاة بهَا ... لم ينج من سكرها أُنْثَى وَلَا ذكر) (كم شامخ الْعِزّ لَاقَى الذل من يَدهَا ... مَا أَضْعَف الْقدر إِن ألوى بِهِ القَدَر) (فِي كل جيلٍ وعصر من وقائعها ... شعواء يقطر مِنْهَا الناب وَالظفر) (أودى عليُّ وَعُثْمَان بمخلبها ... وَلم يفتها أَبُو بكر وَلَا عمر) (وَمن أَرَادَ التأسِّي فِي مصيبته ... فللورى برَسُول الله مُعْتَبر) (نجمُ هوى من سَمَاء الدّين منكدرا ... والنجم من أفقه يهوى وينكدر) (منظومة أنجم الجوزاء من جزع ... لَهُ وَعقد الثريا مِنْهُ منتثر) (وَكَيف يُنسى محياه الْكَرِيم وَمن ... نُعماه فِي كلّ عَيْش صَالح أثر) (جددت من أَسد الدّين الشَّهِيد لنا ... حُزنا بِهِ يتساوى الصَّبْر وَالصَّبْر) (قد كَانَ للدّين وَالدُّنْيَا بعزمكما ... ذكر يعبر عَنهُ الصارم الذّكر) (إِن فاح نشر كَلَام تُمدحان بِهِ ... مِسكاً فعترة أَيُّوب هِيَ العتر)

стр. 678

(تخفى ذبال مصابيح إِذا طلعوا ... صُبحاً وتنسى مُلوك الأَرْض إِن ذكرُوا) (كَأَنَّمَا صّور الله الْكَمَال بهم ... شخصا ويوسفُ مِنْهُ السّمع وَالْبَصَر) (لاشوبك مِنْهُ مَعْصُوم ولاكرك ... وَلَا خَلِيل وَلَا قدس وَلَا زغر) (لم يرتحل قَافِلًا إِلَّا وساكنها ... إِمَّا مباحُ حماه أَو دمُ هدر) (مَا مَاتَ أَيُّوب إِلَّا بعد معْجزَة ... فِي الْمجد لم يؤتها من جنسه بشر) (مضى سعيدا من الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ ... فِي رُتْبَة أربُ باقٍ وَلَا وطر) (وطوّل الله مِنْهُ بَاعَ أَرْبَعَة ... مِنْهَا النَّدى والتقي وَالْملك والعُمُر) (وأشرف الْملك مَا امتَدَّت مسافته ... فِي صِحَة أَخَوَاهَا الْعقل وَالْكبر) (وَمن سعادته أَن مَاتَ لَا سأم ... يشكوه مِنْهُ مَعَانِيه وَلَا ضجر) فصل قَالَ الْعِمَاد وَسَار نور الدّين قَاصِدا جَانب الشمَال لتسديد مَا أختل هُنَاكَ من الْأَحْوَال فَسَار إِلَى بعلبك وَمِنْهَا إِلَى حمص ثمّ حلب وَفعل فِي كلّ مِنْهَا من الْمصَالح مَا وَجب وَقصد بِلَاد قليج أرسلان ملك الرّوم فَفتح مرعش فِي الْعشْرين من ذِي الْقعدَة ثمَّ فتح بهسنى وَاتبع فِي كل مِنْهُمَا الطَّرِيقَة الْحسنى وَكتب الْعِمَاد إِلَى صديقٍ لَهُ بِدِمَشْق وَكَانَ سَافر عَنْهَا مَعَ نور الدّين فِي أطيب فصولها وَهُوَ زمن المشمش (كتابي فديتُك من مرعش ... وَخَوف نوائبها مرعشي)

стр. 679

(وَمَا مر فِي طرقها مبصر ... صَحِيح النواظر إِلَّا عشي) (وَمَا حلّ فِي أرْضهَا آمن ... من الضيّم والضر إِلَّا خشى) (ترنحني نشوات الغرام ... كَأَنِّي من كأسه منتشى) (أُسِرُّ وأُعلن برح الجوى ... فقلبي يُسرُّ ودمعي يشي) (بذلت لكم مهجتي رشوةً ... فحاكم حبّكم مرتشي) (وَكَيف يلذّ الْكرَى مغرم ... بِنَار الغرام حشاه حشي) (بمرعش أبغي وبلوطها ... مضاهاة جلق والمشمش) قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة فسارت هَذِه الْقطعَة ونُمى حَدِيثهَا إِلَى نور الدّين فاستنشدنيها فأنشدتها إِيَّاه وَنحن سائرون فِي وادٍ كثير الْأَشْجَار مَعَ بَيْتَيْنِ بدهت بهما فِي الْحَال وهما (وبالملك الْعَادِل استأنست ... نجاحاً مُنى كل مستوحش) (وَمَا فِي الْأَنَام كريمُ سواهُ ... فَإِن كنت تنكر ذَا فتش) وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ سَار نور الدّين نَحْو ولَايَة الْملك عز الدّين قليج أرسلان بن مَسْعُود بن قليج أرسلان بن سُلَيْمَان السلجوقي وَهِي ملطية وسيواس وقونية وأقصرا عَازِمًا على حربه وَأخذ بِلَاده مِنْهُ

стр. 680

وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن ذَا النُّون بن دانشمند صَاحب ملطية وسيواس وَغَيرهمَا من تِلْكَ الْبِلَاد قَصده قليج أرسلان وَأخذ بِلَاده وَأخرجه عَنْهَا طريداً فريداً فَسَار إِلَى نور الدّين مستجيرا بِهِ وملتجئاً إِلَى ظله فَأكْرم نزله وَأحسن إِلَيْهِ وَحمل لَهُ مَا يَلِيق أَن يحمل للملوك ووعده النَّصْر وَالسَّعْي فِي رد ملكه إِلَيْهِ وَكَانَت عَادَة نور الدّين أَنه لَا يقْصد ولَايَة أحد من الْمُسلمين إِلَّا ضَرُورَة إِمَّا ليستعين بهَا على قتال الفرنج أَو للخوف عَلَيْهَا مِنْهُم كَمَا فعل بِدِمَشْق ومصر وَغَيرهمَا فَلَمَّا قَصده ذُو النُّون راسل قليج أرسلان وشفع إِلَيْهِ فِي إِعَادَة مَا غَلبه عَلَيْهِ من بِلَاده فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك فَسَار نور الدّين نَحوه فابتدأ بكيسون وبهسنى ومرعش ومرزبان فملكها وَمَا بَينهَا من الْحُصُون وسيّر طَائِفَة من عسكره إِلَى سيواس فملكوها وَكَانَ قليج أرسلان لما بلغه قصد نور الدّين بِلَاده قد سَار من اطرافها الَّتِي تلِي الشَّام إِلَى وَسطهَا خوفًا وفرقاً وراسل نور الدّين يستعطفه ويسأله الصُّلْح والصفح عَنهُ فتوقف نور الدّين عَن قَصده رَجَاء أَن ينصلح الْأَمر بِغَيْر حَرْب فَأَتَاهُ من الفرنج مَا أزعجه فَأَجَابَهُ إِلَى الصُّلْح وَكَانَ فِي جملَة رِسَالَة نور الدّين إِلَيْهِ إِنَّنِي أُرِيد مِنْك أموراً وقواعد وَمهما تركت مِنْهَا فَلَا أترك ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَن تجدّد إسلامك على يَد رَسُولي حتّى يحلّ لي إقرارك على بِلَاد الْإِسْلَام فَإِنِّي لاأعتقدك مُؤمنا وَكَانَ قليج أرسلان يتهم باعتقاد مَذَاهِب الفلاسفة وَالثَّانِي إِذا طلبت عسكرك إِلَى الْغُزَاة تسيره فَإنَّك قد ملكت طرفا كَبِيرا من بِلَاد الْإِسْلَام

стр. 681

وَتركت الرّوم وجهادهم وهادنتهم فإمَّا أَن تكون تُنجدني بعسكرك لأقاتل بهم الفرنج وَإِمَّا أَن تُجَاهِد من يجاورك من الرّوم وتبذل الوسع والجهد فِي جهادهم وَالثَّالِث أَن تزوّج ابْنَتك لسيف الدّين غَازِي ولد أخي وَذكر أموراً غَيرهَا فَلَمَّا سمع قليج أرسلان الرسَالَة قَالَ مَا قصد نور الدّين إِلَّا الشناعة علىّ بالزندقة وَقد أَجَبْته إِلَى مَا طلب أَنا أجددّ إسلامي على يَد رَسُوله وَاسْتقر الصُّلْح وَعَاد نور الدّين وَترك عسكره فِي سيواس مَعَ فَخر الدّين عبد الْمَسِيح فِي خدمَة ذِي النُّون فَبَقيَ الْعَسْكَر بهَا إِلَى أَن مَاتَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فَرَحل الْعَسْكَر عَنْهَا وَعَاد قليج أرسلان وملكها قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة وصل الْفَقِيه الإِمَام الْكَبِير قطب الدّين النَّيْسَابُورِي وَهُوَ فَقِيه عصره ونسيج وَحده فسر نور الدّين بِهِ وأنزله بحلب بمدرسة بَاب الْعرَاق ثمَّ أطلعه إِلَى دمشق فدرس بزاوية الْجَامِع الغربية الْمَعْرُوفَة بالشيخ نصر الْمَقْدِسِي رَحمَه الله تَعَالَى وَنزل بمدرسة

стр. 682

الجاروخ وَشرع نور الدّين فِي إنْشَاء مدرسة كَبِيرَة للشَّافِعِيَّة لفضله وأدركه الْأَجَل دون إِدْرَاك عَملهَا لأَجله قلت هِيَ الْمدرسَة العادلية الْآن الَّتِي بناها بعده الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب أَخُو صَلَاح الدّين وفيهَا تربته وَقد رَأَيْت أَنا مَا كَانَ بناه نور الدّين وَمن بعده مِنْهَا وَهُوَ مَوضِع الْمَسْجِد والمحراب الْآن ثمَّ لمّا بناها الْملك الْعَادِل أَزَال تِلْكَ الْعِمَارَة وبناها هَذَا الْبناء المتقن الْمُحكم الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي بُنيان الْمدَارِس وَهِي المأوى وَبهَا المثوى وفيهَا قدر الله جمع هَذَا الْكتاب فَلَا أقفر ذَلِك الْمنزل وَلَا أقوى وَبَقِي قطب الدّين إِلَى أَن توفّي فِي الْأَيَّام الناصرية فِي سنة ثَمَان وَسبعين ووقف كتبه على طلبة الْعلم ونقلت بعد بِنَاء هَذِه الْمدرسَة إِلَيْهَا فَمَا فاتها ثَمَرَته إِذْ فاتها مُبَاشَرَته رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ وَفد فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ شيخ الشُّيُوخ عماد الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن حمويه فَأقبل عَلَيْهِ نور الدّين وَأَمرَنِي بإنشاء منشور لَهُ بمشيخة الصُّوفِيَّة ورغبه فِي الْمقَام بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ

стр. 683

بِالشَّام وَمن جملَة مَا أتحفه بِهِ عِمَامَة بأعمدة ذهبية نفذها صَلَاح الدّين من مصر فبذل فِيهَا ألف دِينَار بزنة ذهبها فَلم يجب من سامها إِلَى طلبَهَا قلت وَقد سبق ذكر هَذِه الْعِمَامَة فِي أَخْبَار نور الدّين أول الْكتاب من كَلَام ابْن الْأَثِير وَابْن الْمُعْطى إِيَّاهَا وَهُوَ الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الله رَحِمهم الله تَعَالَى ثمَّ ذكر الْعِمَاد نُسْخَة المنشور وَفِيه فَلْينْظر فِي رِبَاط السميساطي وقبة الطواويس ورباط الطاحونة وَغَيرهَا من ربط الصُّوفِيَّة بِدِمَشْق المعمورة وبعلبك ثمَّ ذكر الْعِمَاد أَنه فِي آخر شعْبَان من هَذِه السّنة قبل الرحيل من دمشق كَانَ أهْدى إِلَى صديقه الْفَاضِل الأديب علم الدّين الْحسن بن سعيد الشاتاني قطائف وَكتب إِلَيْهِ (مَا راقدات فِي صحون ... مستوطنات فِي سُكُون) (يجلين أَمْثَال العرائس ... بَين أبكار وَعون) (أَو كالعقائل فِي الْخُدُور ... قد اعتقلن على دُيُون) (هن اللذيذات اللوائذ ... بالسهول من الحزون) (أَو كالتمائم للصحاف ... وَمَا نسبن إِلَى جُنُون) (السكريات الغريقات ... الغلائل والشؤون) (صرعى وَمَا دارت لَهَا ... يَوْمًا رحى الْحَرْب الزبون) (لُفّفن فِي أكفانهن ... على المنى لَا للمنون)

стр. 684

(يحيين بالتغريق بل ... يسمن فِي ضيق السجون) (المستطابات الظُّهُور ... المستلذات الْبُطُون) (نضدن بالترصيع فِي الجامات ... كالدر المصون) (المستقيمات الصُّفُوف ... وقفن كالخيل الصفون) (وَقد اشتملن من اللطائف ... وَالصِّفَات على فنون) (اسْمَع حَدِيثي فِي انبساطي ... فَالْحَدِيث أَخُو شجون) وَهِي أَكثر من هَذَا فصل قَالَ الْعِمَاد قد سبق ذكر مليح بن لاون مقدم بِلَاد الأرمن والتجائه إِلَى نور الدّين وتطاوله بقوته على الرّوم والأرمن وَكَانَت الدروب أُذُنه والمصيصة وسيواس يحميها كلب الرّوم ويضبظها بجنده حَتَّى استولى عَلَيْهَا مليح بن لاون فكسرهم وَقتل وَأسر وسَاق لنُور الدّين من مقدمي الرّوم ثَلَاثِينَ أَسِيرًا فَأرْسل نور الدّين القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري بالأسرى والهدايا إِلَى الْخَلِيفَة المستضيء بِأَمْر الله وَمَعَهُ كتاب يشْرَح هَذِه الكسرة وَمَا فتح من الْبِلَاد وَيَقُول فِيهِ وقسطنطينية والقدس يجريان إِلَى أمد الْفتُوح فِي مضمار المنافسة وَكِلَاهُمَا فِي وَحْشَة ليل الظلام المدلهم على انْتِظَار صباح المؤانسة وَالله تَعَالَى بكرمه يدني قطاف الفتحين لأهل الْإِسْلَام ويوفق الْخَادِم لحيازة مراضى الْأَمَام وَفِي آخِره وَمن جملَة حَسَنَات هَذِه الْأَيَّام الزاهرة مَا تسنى فِي هَذِه النَّوبة من افْتِتَاح بعض بِلَاد النّوبَة والوصول إِلَى مَوَاضِع مِنْهَا لم تطرقها

стр. 685

سنابك الْخَيل الإسلامية فِي العصور الخالية وَكَذَلِكَ استولت عَسَاكِر مصر أَيْضا على برقة وحصونها وتحكموا فِي مُحكم معاقلها ومصونها حَتَّى بلغُوا إِلَى حُدُود الْمغرب فظفروا من السؤل بعنقاء مغرب قلت كَانَ اتّفق فِي هَذِه السّنة وُصُول قراقوش غُلَام تَقِيّ الدّين من الديار المصرية مَعَ طَائِفَة من التّرْك وانضم إِلَيْهِم جمَاعَة من الْعَرَب فاستولى على طرابلس وَكثير من بِلَاد إفريقية مَا خلا المهدية وسفاقس وقفصة وتونس وَفِي آخر ذَلِك الْكتاب ونسأل الله التَّوْفِيق لاستدناء قواصي المنى وإقصاء عَبدة الصَّلِيب الأنجاس من الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَأَن يَجْعَل فتح الْبَيْت الْمُقَدّس مفتتح مُرَاده ومقتدح زناده ومقترحه فِي جهاده وَأَن يملكهُ السَّاحِل بِجَمِيعِ بِلَاده وسير الْعِمَاد مَعَه قصيدة مِنْهَا (بالمستضيء أبي مُحَمَّد الْحسن ... رجعت أُمُور الْمُسلمين إِلَى السّنَن) (فِي أَرض مصر دَعَا لَهُ خطباؤها ... وَأَتَتْ لتخطب بكر خطبَته عدن) (فالمغرب الْأَقْصَى لذَلِك مشرق ... وبنصر مصر مُحَقّق يمن الْيمن) (وَرَأى الْإِلَه المستضيء لشرعه ... وعباده نعم الْأمين المؤتمن) (سر النُّبُوَّة كامن فِيهِ وَمن ... فطر الْإِمَامَة مشرق نور الفطن)

стр. 686

(تقوى أبي بكر وَمن عمر الْهدى ... وحياءُ عُثْمَان وَعلم أبي الْحسن) (وبجده عرفت مقَالَة حيدر ... لامن دَد أَنا لَا وَلَا مني الددن) (كم من عَدو ميت فِي جلده ... رعْبًا وخوفا فَهُوَ حَيّ فِي كفن) وَمِنْهَا فِي مدح نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى (هَل مثل مَحْمُود بن زنكي مخلص ... متوحدُ يَبْغِي رضاك بِكُل فن) (ورعٌ لَدَى الْمِحْرَاب أروع محرب ... فِي حالتيه إِن أَقَامَ وَإِن ظغن) (يُمْسِي وَيُصْبِح فِي الْجِهَاد وَغَيره ... يضحى رَضِيع سلافة وضجيج دَنّ) (وبعزة الْإِسْلَام منتصراً حرٍ ... وبذلة الْإِشْرَاك منتقماً قمن) قَالَ ابْن أبي طي وفيهَا وصل شهَاب الدّين بن أبي عصرون من بَغْدَاد وَمَعَهُ توقيع لنُور الدّين بدرب هَارُون وصريفين وَخمسين دِينَارا من دَنَانِير النثار الَّتِي نثرت يَوْم دخل الشهَاب إِلَى بَغْدَاد بالبشارة بِالْخطْبَةِ فِي مصر وزن كل دِينَار عشرَة دَنَانِير قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت ناحيتا درب هَارُون وصريفين من أَعمال الْعرَاق لزنكي وَالِد نور الدّين قَدِيما من إنعام أَمِير الْمُؤمنِينَ فَسَأَلَ نور الدّين إحْيَاء ذَلِك الرَّسْم فِي حَقه فأنعم بهما الْخَلِيفَة عَلَيْهِ وَوجه بهما مثالُه الشريف إِلَيْهِ وَكَانَ من مُرَاده أَن يستوهب بِبَغْدَاد على شاطئ دجلة أَرضًا يبنيها مدرسة للشَّافِعِيَّة وَيقف عَلَيْهَا الناحيتين طلبا لِلْأجرِ ولحسن الذّكر

стр. 687

الْبَاقِي على الدَّهْر فَقيل لَهُ مَا ثمَّ مَوضِع لهَذَا إِلَّا دَار التَّمْر فعاقه أَمر الْقدر عَن قدرته على الْأَمر ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَنور الدّين قد فتح من حصون الرّوم مرعش وَغَيرهَا ومليح بن لاون متملك الأرمن فِي خدمته وَوصل إِلَى خدمته أَيْضا ضِيَاء الدّين مَسْعُود بن قفجاق صَاحب ملطية وَكَانَ فِي خدمته أَيْضا الْأُمَرَاء من المجِدْل فسرّحهم بالعطاء الأجزل والسمت الأجمل وَأظْهر أَنه ينزل على قلعة الرّوم على الْفُرَات فَتقبل مستخلف الأرمن بِالْبَرَاءَةِ وَحمل خمسين ألف دِينَار على سَبِيل الْجِزْيَة مصانعة بذل وصغار وَعَاد إِلَى حلب وَقد أنجح فِي كل مَا طلب وَأَرَادَ أَن يسْرع إِلَى دمشق فالتاث سرة لالتياث سريَّته وحظى بِمَرَض الْقلب لمَرض جسم حظيته وَجَرت شكايته شكاية جَارِيَته فَتصدق عَنْهَا بألوف وَالْتزم لله فِي شفائها بنذور ووقوف ثمَّ سَيرهَا فِي محفة تحمل على أَيدي الرِّجَال فِي خفَّة وسارت على الطَّرِيق المهيع مَعَ الْعَسْكَر يحملهَا من الخدم والخواص المعشر بعد المعشر فَمَا تُقرِّب إِلَيْهِ بِمثل حملهَا وَالْمَشْي مَعهَا وَتقدم بِحَق لَازم من بخدمته شيعها وَتَأَخر نور الدّين

стр. 688

فِي جَرِيدَة مَعَ عدَّة من مماليكه وأمرائه المماحضين فِي ولائه وَتقدم إلىّ أَن أسايره فِي طَرِيقه وأحاوره وأحاضره فِي مَنَازِله وأسامره وسرنا على طَرِيق قبَّة ملاعب والمشهد وسلمية فَجَاءَهُ الْخَبَر أَن الفرنج قد أغارت على حوران فَثنى إِلَى الْجِهَاد الْعَنَان وَسمع الفرنج بِهِ فَتَفَرَّقُوا وقلقوا بَعْدَمَا كَانُوا أقلقوا ودخلنا دمشق قلت وَفِي جمادي الأولى أبطل نور الدّين ﵀ فَرِيضَة الأتبان وَرَأَيْت منشوره بذلك وعلامته عَلَيْهِ بِخَطِّهِ الْحَمد لله يَقُول فِيهِ وَبعد فَإِن من سنتنا العادلة وسير أيامنا الزاهرة وعوائد دولتنا الْقَاهِرَة إِشَاعَة الْمَعْرُوف وإغاثة الملهوف وإنصاف الْمَظْلُوم وإعفاء رسم مَا سنه الظَّالِمُونَ من جائرات الرسوم وَمَا نزال نجدد للرعية رسما من الْإِحْسَان يرتعون فِي رياضه ويرتوون من حياضه ونستقري أَعمال بِلَادنَا المحروسة ونصفيها من الشّبَه والشوائب ونلحق مَا نعثر عَلَيْهِ من بواقي رسومها الضائرة بِمَا أسقطناه من المكوس والضرائب تقربا إِلَى الله تَعَالَى الكافل لنا بسبوغ الْمَوَاهِب وبلوغ المطالب وَقد أطلقنا جَمِيع مَا جرت الْعَادة بِأَخْذِهِ من فريضه الأتبان المقسطة على أَعمال دمشق المحروسة وضياع الغوطة والمرج وجبل سَنيِر وَقصر حجاج والشاغور والعقيبة ومزارعها الْجَارِيَة فِي الْأَمْلَاك وَجَمِيع مَا يقسط بعد الْمُقَاسَمَة من الأتبان على الضّيَاع الْخَواص والمقطعة بِسَائِر الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة ووفرناه على أربابه طلبا لمرضاة الله وعظيم أجره وثوابه وهربا من انتقامه وأليم عِقَابه وسبيل النّواب إِطْلَاق ذَلِك على الدَّوَام وتعفيه آثاره والاستعفاء من

стр. 689

أوزاره والاحتراز من التدنس بأوضاره وَإِبْطَال رسمه من الدَّوَاوِين لاستقبال سنة تسع وَسِتِّينَ وَمَا بعْدهَا على تعاقب الْأَيَّام والسنين فصل فِي فتح الْيمن قَالَ الْعِمَاد وَفِي رَجَب توجه تورانشاه أكبر إخْوَة صَلَاح الدّين إِلَى الْيمن فملكها وَكَانَ يحثه على الْمسير إِلَيْهَا عُمارة اليمني شَاعِر الْقصر وَكَانَ كثير الْمَدْح لتورانشاه فتجهزّ وَسَار إِلَى مَكَّة ثمَّ إِلَى زبيد فملكها وَقبض على الْخَارِجِي بهَا وأهلكه نَائِبه سيف الدولة مبارك بن منقذ وَمضى إِلَى عدن فَأَخذهَا واستناب فِيهَا عز الدّين عُثْمَان الزنجيلي وَفتح حصن تعزّ وَغَيره من القلاع فَفتح إقليما ومنح ملكا عَظِيما وافترع بكرا وشيع ذكرا وَقَالَ ابْن شَدَّاد وَلما كَانَ سنة تسع وَسِتِّينَ رأى صَلَاح الدّين قُوَّة عسكره وَكَثْرَة عدد إخْوَته وقوّة بأسهم وَكَانَ بلغه أَن بِالْيمن إنْسَانا استولى عَلَيْهَا وَملك حصونها وَهُوَ يخْطب لنَفسِهِ يُسمى عبد النّبي بن مهْدي وَيَزْعُم أَنه ينتشر ملكه إِلَى الأَرْض كلهَا واستتب أمره فَرَأى أَن يسير إِلَيْهَا أَخَاهُ الْأَكْبَر الْملك الْمُعظم تورانشاه وَكَانَ كَرِيمًا أريحيا حسن الْأَخْلَاق سَمِعت مِنْهُ يعْنى من صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى الثَّنَاء على كرمه ومحاسن أخلاقه وترجيحه إِيَّاه على نَفسه فَمضى إِلَيْهَا وَفتح الله على

стр. 690

يَدَيْهِ وَقتل الْخَارِجِي الَّذِي كَانَ بهَا وَقلت وَكَانَ أَخُو هَذَا الْخَارِجِي قد خرج بِالْيمن قبله ذكر عمَارَة اليمني فِي أول كِتَابه فِي وزراء مصر فِي أثْنَاء كَلَام لَهُ قَالَ وَكَانَ جمَاعَة من أماثل النَّاس مثل بَرَكَات بن المقرئ وَعلي بن مُحَمَّد النيلي والفقيه أبي الْحسن عَليّ بن مهْدي الْقَائِم الَّذِي قَامَ بِالْيمن وأزال دولة أهل زبيد وَغَيرهم قد سبقوني يَعْنِي إِلَى صَاحب عدن فَذكر كلَاما يتَعَلَّق بِهِ وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة الْمهْدي بن عَليّ بن مهْدي ملك الْيمن فِي زَمَاننَا هَذَا وَسَفك الدِّمَاء وسبى الْمُسلمين وَأَقْبل على شرب الْخمر وادّعى الْملك والإمامة ودعا إِلَى نَفسه وَكَانَ يحدث نَفسه بِالْمَسِيرِ إِلَى مَكَّة فَمَاتَ سنة سِتِّينَ وَتَوَلَّى بعده أَخُوهُ وَله شعر حسن يدل على عُلّو همته قَالَ ابْن أبي طيّ كَانَ سَبَب خُرُوج شمس الدولة إِلَى الْيمن أَنه كَانَ كَرِيمًا جوادا وَكَانَ إقطاعه بِمصْر لايقوم بفتوته وَلَا ينْهض بمروّته وَكَانَ قد انتظم فِي سلكه عُمارة الشَّاعِر وَكَانَ من أهل الْيمن وَكَانَ ورد إِلَى مصر

стр. 691

ومدح أَصْحَابهَا ونفق عَلَيْهِم فَلَمَّا زَالَت دولتهم انضوى إِلَى شمس الدولة ومدحه وَكَانَ إِذا خلا بِهِ يصف لَهُ بِلَاد الْيمن وَكَثْرَة أموالها وَخَيرهَا وَضعف من فِيهَا وَأَنَّهَا قريبَة المأخذ لمن طلبَهَا قلت فَمن جملَة شعره فِي ذَلِك قَوْله فِي القصيدة الَّتِي أَولهَا (الْعلم مذ كَانَ مُحْتَاج إِلَى الْعلم ... وشفرة السَّيْف تَسْتَغْنِي عَن الْقَلَم) (كم يتْرك الْبيض فِي الأجفان ظامئة ... إِلَى الْمَوَارِد فِي الْأَعْنَاق والقمم) (أمامك الْفَتْح من شام وَمن يمن ... فَلَا ترد رُؤُوس الْخَيل باللجم) (فعمُّك الْملك الْمَنْصُور سوّمها ... من الْفُرَات إِلَى مصر بِلَا سأم) (فاخلق لنَفسك ملكا لَا تُضَاف بِهِ ... إِلَى سواك وأوْرِ النَّار فِي الْعلم) (هَذَا ابْن تومرت قد كَانَت بدايته ... كَمَا يَقُول الورى لَحْمًا على وَضم) (وَقد ترامى إِلَى أَن أَمْسَكت يَده ... من الْكَوَاكِب بالأنفاس والكظم) (حاسب ضميرك عَن رَأْي أَتَاك وَقل ... نصيحة وَردت من غير متهّم) وَله من أُخْرَى (أفاتح أَرض النِّيل وَهِي منيعة ... على كلّ راجٍ فتحهَا ومؤمل) (مَتى توقد النَّار الَّتِي أَنْت قَادِح ... بغمدان مشبوبا سناها بمندل) (وتفتح مَا بَين الْحصين وَأبين ... وَصَنْعَاء من حصنٍ حُصَيْن وَمَعْقِل) (وتملك من مخلاف طرف وجعفر ... نقيضين من حَزْن خصيب ومُسهل)

стр. 692

(وتخلق ملكا لاتُحيل بفخره ... على أحد إِلَّا على عزمك الْعلي) وَله من قصيدة أُخْرَى (قَالُوا إِلَى الْيمن الميمون رحلته ... فَقلت مَا دونه شَيْء سوى السّفر) (سيْرٌ يَسُرُّ بني الدُّنْيَا وَطيب ثَنَا ... وَطول عمر كَذَا يحْكى عَن الْخضر) (لَا توقدن لَهَا النَّار الَّتِي خمدت ... خفض عَلَيْك تنَلْ مَا شِئْت بالشرر) (المَال ملئ يَد وَالْقَوْم ملك يَد ... وَلَا أطيل وَهَذَا جملَة الْخَبَر) قَالَ ابْن أبي طيّ وَوَافَقَ ذَلِك أَنه كَاتبه رجل من أهل الْيمن شرِيف يُقَال لَهُ هَاشم بن غَانِم وأطمعه فِي المعاونة لِأَن صَاحب الْيمن عبد النَّبِي كَانَ قد تعدى على هَذَا الشريف هَاشم فَأعْلم شمس الدولة أَصْحَابه بعزمه على الْيمن فَأَجَابُوهُ وتجهز ثمَّ دخل على أَخِيه السُّلْطَان واستأذنه فِي دُخُول الْيمن فَأذن لَهُ وَأطلق لَهُ مُغَلّ قوص سنة وزوده فَوق مَا كَانَ فِي نَفسه وأصحبه جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَمِقْدَار ألف فَارس خَارِجا عمّن سيره من حلقته وَسَار فِي الْبر وَالْبَحْر فِي الْبر العساكر وَفِي الْبَحْر الأسطول يحمل الأزواد وَالْعدَد والآلات فوصل إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى فَدَخلَهَا زَائِرًا ثمَّ خرج مُتَوَجها مِنْهَا إِلَى الْيمن فوصل زبيد فِي أَوَائِل شَوَّال فَنزل عَلَيْهَا ولقيه الشريف هَاشم بن غَانِم الحسني وَجَمِيع الْأَشْرَاف بَنو سُلَيْمَان فِي جمع جم وَعدد كثير فهجم زبيد وتسلمها واحتوى على مَا فِيهَا وَقبض على صَاحب الْيمن عبد النبيّ أخي عَليّ بن مهْدي ثمَّ رَحل إِلَى عدن وَفِي صحبته ابْن مهْدي فَفَتحهَا عنْوَة وولاها

стр. 693

عز الدّين بن الزنجيلي ثمَّ سَار إِلَى المخلاف وتسَّلم الْحُصُون الَّتِي كَانَت فِي يَد ابْن مهْدي كتعز وَغَيرهمَا وَسَار إِلَى صنعاء بعد فتح مَدِينَة الْجند وَغَيرهَا فأحرقت صنعاء فذخلها شمس الدولة فَلم يجد بهَا إِلَّا شَيخا وَامْرَأَة عجوزا فَأَقَامَ بهَا ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ لم يسْتَطع الْمقَام لقلَّة الْميرَة فَرجع إِلَى زبيد فَوجدَ ابْن منقذ قد قتل عبد النَّبِي ابْن مهْدي وَكَانَ شمس الدولة قد استناب بزبيد الْأَمِير سيف الدولة الْمُبَارك بن منقذ وَأمره بِحمْلِهِ فَلَمَّا بُعد شمس الدولة خَافَ ابْن منقذ من فَسَاد أمره فَرَأى الْمصلحَة فِي قَتله فَقتله ابْن منقذ بزبيد فَلَمَّا بلغ شمس الدولة قَتله استصوبه وَلما حصل شمس الدولة فِي زبيد أنفذ إِلَيْهِ صَاحب طمار وَصَالَحَهُ هُوَ وَبَاقِي الْمُلُوك على أَدَاء المَال ثمَّ تتبع تِلْكَ الْحُصُون والقلاع فاحتوى عَلَيْهَا جَمِيعهَا وَكتب بذلك إِلَى أَخِيه الْملك النَّاصِر فَأرْسل إِلَى نور الدّين يُخبرهُ بِمَا أَفَاضَ الله عَلَيْهِ من الْإِحْسَان وخوّله من ملك الْبلدَانِ فَأرْسل نور الدّين مهذب الدّين أَبَا الْحسن عليّ بن عِيسَى النقاش بالبشارة بذلك إِلَى بَغْدَاد فصل ذكر الْعِمَاد هَهُنَا الْأَمِير مجد الدّين سيف الدولة الْمُبَارك بن كَامِل بن منقذ المستناب بزبيد وَوَصفه بِأَنَّهُ من الكفاة الكرماء والدّهاة ذوى الآراء وَهُوَ فَاضل من أهل بَيت فضل كتب إِلَى الْعِمَاد من شعره

стр. 694

(لما نزلت الدّير قلت لصاحبي ... قُم فاخطب الصَّهْبَاء من شماسه) (فَأتى وَفِي يمناه كأس خلتها ... مقبوسةً فِي اللَّيْل من نبراسه) (وَكَأن مَا فِي كأسه من خَدّه ... وَكَأن مَا فِي خَدّه من كاسه) (وَكَأن لَذَّة طعمها من رِيقه ... وأريجها الفيّاح من أنفاسه) (لم أنس لَيْلَة شربهَا بفنائه ... إِذْ بَات يجلوها على جُلاّسه) (إِذْ قَامَ يسقينا المدام وَكلما ... عاتبته ردَّ الْجَواب براسه) قلت ومدحه أَبُو الْحسن بن الذروي الْمصْرِيّ بقصيدة غراء ذالية مَا أَظن أَنه نظم على قافية الذَّال أرق مِنْهَا لفظا وأروق معنى أوّلها (لَك الْخَيْر عرّج بِي على ربعهم فذى ... ربوع يفوح الْمسك من عرفهَا الشذى) يَقُول فِيهَا (مَبَارِكُ عِيسِ الْوَفْد بابُ مباركٍ ... وَهل منقذ القُصاد غيرُ ابْن منقذ) قَالَ الْعِمَاد ثمَّ سير نور الدّين إِلَى بَغْدَاد بِشَارَة بأمرين أَحدهمَا فتح الْيمن وَالْآخر كسر الرّوم مرّة ثَانِيَة ومقدمهم الدوقس كلمان وَكَانَ قَدِيما أَسِيرًا عِنْد نور الدّين من نوبَة حارم وفداه بِخَمْسَة وَخمسين ألف دِينَار وَخمْس مئة وَخمسين ثوبا أطلسا وسيّر مَعَه أسرى من الرّوم وَذَلِكَ فِي

стр. 695

شعْبَان هَذِه السّنة وَمِمَّا تضمنه كتاب الْبشَارَة وَلم ينج من عشرَة آلَاف غير عشرَة حمر مستنفرة فرت من قسورة وقبِل ذَلِك بشهرين سيّرت قصيدة للعماد فِي جُمَادَى الْآخِرَة على لِسَان نور الدّين إِلَى بَغْدَاد أوّلها (أطَاع دمعي وصبري فِي الغرام عَصَي ... وَالْقلب جرّع من كأس الْهوى غصصا) (وَإِن صفو حَياتِي مَا يكدره ... إِلَّا اشتياقي إِلَى أحبابي الخلصا) (مَا أطيب الْعَيْش بالأحباب لَو وصلوا ... وأسعد الْقلب من بلواه لَو خلصا) وَمِنْهَا (من ذَا الَّذِي سَار سيري فِي ولائكم ... غَدَاة قَالَ العدى لاسير عِنْد عَصا) (قد نَالَ عَبدك محمودٌ بهَا ظفرا ... مَا زَالَ يرقبهُ من قبل مرتبصا) (مِنْ خوف سطوته أَن العدوّ إِذا ... أم الثغور على أعقابه نكصا) قَالَ الْعِمَاد وكلّف نور الدّين فِي هَذِه السّنة بإفادة الألطاف وَالزِّيَادَة فِي الْأَوْقَاف وتكثير الصَّدقَات وتوفير النَّفَقَات وَكِسْوَة النسْوَة الْأَيَامَى فِي أَيَّامهَا وإغناء فُقَرَاء الرّعية وإنجادها بعد أعدامها وصون الْأَيْتَام والأرامل

стр. 696

ببذله وعوْن الضُّعَفَاء وتقوية المقوين بعدله ثمَّ ذكر مَا قدمنَا ذكره فِي أول الْكتاب من مَنَاقِب نور الدّين وأفعاله الْكَرِيمَة قَالَ الْعِمَاد وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع شهر رَمَضَان ركب نور الدّين على الْعَادة وَجَلَسْنَا نَحن فِي ديوانه حافلين فِي إيوانه لبسط عدله وإحسانه وتنفيذ أوَامِر سُلْطَانه فَجَاءَنِي من أَخْبرنِي أَن نور الدّين نزل إِلَى الْمدرسَة الَّتِي تتولاها وَبسط سجادته فِي قبلتها لسُنة الضُّحَى وصلاّها فَقُمْت من الْحَال ومضيت على الاستعجال فَلَقِيته فِي الدهليز خَارِجا فِي أجر الْعِبَادَة ناجحا ولنهج السَّعَادَة ناهجا فَلَمَّا رَآنِي توقف ولقولي تشوف فَقلت لَهُ إِن الْموضع قد تشرف أما ترى أَنه من أَيَّام الزلزلة قد تشعث فَلَمَّا رأى حَاله تلبث وَقَالَ نعيده إِلَى الْعِمَارَة ونكسوه حلل النضارة ثمَّ حملت لَهُ وُجُوه سكر وشيئا من ثِيَاب وَطيب وَعَنْبَر وكتبت مَعهَا هَذِه الأبيات (عِنْد سُلَيْمَان على قدره ... هَدِيَّة النملة مقبوله) (ويصغر الْمَمْلُوك عَن نملة ... عنْدك وَالرَّحْمَة مأموله) (رقِّي لمولانا وملكي لَهُ ... وذمتي بالشكر مشغوله)

стр. 697

(وَكَيف يقْضِي الْحق ذُو منَّة ... ضَعِيفَة بِالْعَجزِ مغلوله) (وَإِنَّمَا شِيمَة مولى الورى ... طَاهِرَة بِالْخَيرِ مجبولة) قَالَ وَكَانَ رَأْي قبْلَة الْمدرسَة غير مُفصصة وبالترخيم والتذهيب والتهذيب غير مخصصة فنفذ لي لعمارتها فصوصا مذهبَة وذهبا ثمَّ حم مَقْدُور حمامه وعاق الْقدر عَن إِتْمَامه وَدفعت إِلَى الْموصل فرأيته فِي الْمَنَام وَهُوَ يجاريني فِي الْكَلَام وَيَقُول مَا يعود إِلَى الْمدرسَة مَعْنَاهُ وَقَالَ الصَّلَاة الصَّلَاة فَعرفت أَنه أَشَارَ إِلَى الْمِحْرَاب وَأَنه الْآن على هَيْئَة الخراب فَكتبت إِلَى الْفَقِيه الَّذِي كَانَ عِنْده الذَّهَب أَن يشرع فِي عِمَارَته وَدخلت دمشق يَوْم فرَاغ الصَّانِع مِنْهُ فصل قَالَ ابْن أبي طيّ وَفِي هَذِه السّنة وصل رَسُول نور الدّين الْمُوفق بن القيسراني إِلَى الديار المصرية وأجتمع بالسلطان الْملك النَّاصِر وأنهى إِلَيْهِ رِسَالَة نور الدّين وطالبه بِحِسَاب جَمِيع مَا حصله وارتفع إِلَيْهِ من ارْتِفَاع الْبِلَاد فصعب ذَلِك على السُّلْطَان وَأَرَادَ شقّ الْعَصَا لَوْلَا مَا ثاب إِلَيْهِ من السكينَة ثمَّ أَمر النواب بِعَمَل الْحساب وَعرضه على ابْن القيسراني وَأرَاهُ جرائد الأجناد بمبالغ إقطاعهم وكميات جامكياتهم ورواتب نفقاتهم

стр. 698

فَلَمَّا حصل عِنْده جَمِيع ذَلِك أرسل مَعَه هَدِيَّة إِلَى نور الدّين على يَد الْفَقِيه عِيسَى قَالَ ووقفت على برنامج شرحها بِخَط الْمُوفق بن القيسراني وَهِي خمس ختمات إِحْدَاهمَا ختمة ثَلَاثُونَ جُزْءا مغشاة بأطلس أَزرق مضببة بصفائح ذهب وَعَلَيْهَا أقفال ذهب مَكْتُوبَة بِذَهَب بِخَط يانس وختمة بِخَط رَاشد مغشاة بديباج فُسْتُقى عشرَة أَجزَاء وختمة بِخَط ابْن البواب مُجَلد وَاحِد بقفل ذهب وختمة بِخَط مهلهل جُزْء وَاحِد وختمة بِخَط الْحَاكِم الْبَغْدَادِيّ ثَلَاثَة أَحْجَار بلخش حجر وَزنه اثْنَان وَعِشْرُونَ مِثْقَالا وَحجر وَزنه اثْنَا عشر مِثْقَالا وَحجر وَزنه عشرَة مَثَاقِيل وَنصف سِتّ قصبات زمرد قَصَبَة وَزنهَا ثَلَاثَة عشر مِثْقَالا وَثلث وَربع وقصبة وَزنهَا ثَلَاثَة مَثَاقِيل وقصبة وَزنهَا مثقالان وَنصف وقصبة وَزنهَا مثقالان وَربع وَسدس وقصبة وَزنهَا مثقالان وَثلث وَحجر ياقوت وَزنه سَبْعَة مَثَاقِيل وَحجر أَزْرَق وَزنه سِتَّة مَثَاقِيل وَسدس مئة عقد جَوْهَر مختومة وَزنهَا جَمِيعهَا ثَمَانِي مئة وَسَبْعَة وَخَمْسُونَ مِثْقَالا خَمْسُونَ قَارُورَة دهن بِلِسَان عشرُون قِطْعَة بلور أَرْبَعَة عشر قِطْعَة جزع وَذكر تفصيلها إبريق يشم طشت يشم سقرق

стр. 699

مينا مَذْهَب صحون صيني وزبادي وسكارج أَرْبَعُونَ قِطْعَة عود طيب قطعتان كبار كرتان وزن إِحْدَاهمَا ثَلَاثُونَ رطلا بالمصري وَالْأُخْرَى أحد وَعِشْرُونَ رطلا مئة ثوب أطلس أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بقيارا مذهبَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ثوبا حريري أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ثوبا من الوشي حريرية بيض حلَّة فلفلي مذهبَة حلَّة مرايش صفراء مذهبَة وَذكر غير ذَلِك أنواعا من القماش قيمتهَا مئتان وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار مصرية وعدّة من الْخَيل والغلمان والجواري وشيئاً كثيرا من السِّلَاح على اخْتِلَاف ضروبه قَالَ وَخَرجُوا بِهَذِهِ الْهَدِيَّة فَلم تصل إِلَى نور الدّين لأَنهم أتصل بهم وَفَاته فَمِنْهَا مَا أُعِيد وَمِنْهَا مَا اسْتهْلك لِأَن الْفَقِيه عِيسَى وَابْن القيسراني وضعا عَلَيْهَا من نهبها واستَّبَدا بأكثرها وَقيل إِنَّهَا وصلت جَمِيعهَا إِلَى السُّلْطَان لِأَنَّهُ اتَّصل بِهِ خبر موت نور الدّين فأنفذ من ردّها قَالَ وحَدثني من شَاهد هَذِه الْهَدِيَّة أَنه كَانَ مَعهَا عشرَة صناديق مَالا لم يعلم مِقْدَاره وَقَالَ الْعِمَاد وَلما وصل إِلَى صَلَاح الدّين رَسُول نور الدّين وَهُوَ الْمُوفق خَالِد أطلعه على كل مَا هُوَ فِيهِ وأحصى لَهُ الطريف والتالد وَقَالَ هَؤُلَاءِ الأجناد فاعرضهم وَأثبت أخبازهم وَمَا يضْبط مثل هَذَا

стр. 700

الإقليم إِلَّا بِالْمَالِ الْعَظِيم ثمَّ أَنْت تعرف أكَابِر الدولة وعظماءها وَأَنَّهُمْ اعتادوا على السعَة والدعة نعماءها وَقد تصرفوا فِي مَوَاضِع لَا يُمكن انتزاعها وَلَا يسمحون بِأَن ينقص ارتفاعها فالموارد مشفوهة والشدائد مَكْرُوهَة والمقاصد بردعها مجبوهة والهمم بهَا مشدوهة وَشرع فِي جمع مَال يسيره ويحمله بِجهْد يبذله وبخطر يحْتَملهُ وَحصل لخَالِد مِنْهُ مَا لم يكن فِي خلده وَجَاء مطرف غناهُ أَضْعَاف متلده فصل فِي صلب عمَارَة اليمني الشَّاعِر وَأَصْحَابه قَالَ الْعِمَاد وَاجْتمعَ جمَاعَة من دعاة الدولة المصرية المتعصبة المتشددة المتصلبة وتوازروا وتزاوروا فِيمَا بَينهم خيفة وخفية واعتقدوا أُمْنِية عَادَتْ بالعقبى عَلَيْهِم منية وعينوا الْخَلِيفَة والوزير وأحكموا الرَّأْي وَالتَّدْبِير وبيّتوا أَمرهم بلَيْل وستروا عَلَيْهِ بذيل وَكَانَ عمَارَة اليمني الشَّاعِر عقيدهم ودعا للدعوة قريبهم وبعيدهم وَكَانُوا قد أودعوا سرّهم عِنْد من أذاعه واستحفظوا من أضاعه وأدخلوا عدّة من أنصار الدولة الناصرية فِي جُمْلَتهمْ وعرفوهم بجهلتهم وَكَانَ الْفَقِيه الْوَاعِظ زين الدّين عَليّ بن نجا يُناجيهم فِيمَا زين لَهُم من سوء أَعْمَالهم ويداخلهم فِي عزم خُرُوجهمْ مطلعا على أَحْوَالهم وتقاسموا الدّور والأملاك وكادت آمالهم تَدْنُو من الْإِدْرَاك فجَاء زين الدّين

стр. 701

الْوَاعِظ وأطلع صَلَاح الدّين على فسادهم وَمَا سولوه من مُرَاد مُرَادهم وَطلب مالابن كَامِل الدَّاعِي من الْعقار والدور وكلّ مَاله من الْمَوْجُود والمذخور فبدل لَهُ السُّلْطَان كل مَا طلبه وَأمره بمخالطتهم ورغبه ثمَّ أَمر السُّلْطَان بإحضار مقدميهم واعتقالهم لإِقَامَة السياسة فيهم وصلب يَوْم السبت ثَانِي شهر رَمَضَان جمَاعَة مِنْهُم بَين القصرين مِنْهُم عمَارَة وأفنى بعد ذَلِك من بَقِي مِنْهُم وَمَات بموتهم الْخَبَر عَنْهُم وَكَانَ مِنْهُم دَاعِي الدعاة ابْن عبد الْقوي وَكَانَ عَارِفًا بخبايا الْقصر وكنوزه فباد وَلم يسمع بإبدائها وَبقيت تِلْكَ الخزائن مدفونة وَتلك الدفائن مخزونة قد دفن دافنها وخزن تَحت الثرى خازنها إِلَى أَن يَأْذَن الله فِي الْوُصُول إِلَيْهَا والاطلاع عَلَيْهَا وَجمع من أَمْوَال هَؤُلَاءِ مَا يحمل إِلَى الشَّام للاستعانة بِهِ على حماية ثغور الْإِسْلَام قَالَ ابْن أبي طيّ وَفِي هَذِه السّنة اجْتمع جمَاعَة من دعاة المصريين والعوام وَتَآمَرُوا فِيمَا بَينهم خُفْيَة وَبكوا على أنقراض دولة المصريين وَمَا صَارُوا إِلَيْهِ من الذل والفقر ثمَّ أَجمعُوا آراءهم على أَن يقيموا خَليفَة ووزيرا ويجتمعوا هم وَجَمَاعَة عينوهم من الْأُمَرَاء وَغَيرهم وَأَن يكاتبوا الفرنج ويثبوا بِالْملكِ النَّاصِر وأدخلوا مَعَهم فِي هَذَا الْأَمر ابْن مصال وواعدوا جمَاعَة من شيعَة المصريين لَيْلَة عينوها وكاتبوا الفرنج بذلك وقرروا مَعَهم الْوُصُول إِلَيْهِم فِي ذَلِك الزَّمَان الْمُقَرّر فخانهم ابْن مصال

стр. 702

فِيمَا عاهدهم عَلَيْهِ ونكث فِي الْيَمين وكفّر عَنْهَا وَصَارَ إِلَى الْملك النَّاصِر وعرفه بجلية مَا جرى فأحضرهم وَاحِدًا وَاحِدًا وقررهم على هَذِه الْحَالة فأقروا واعترفوا وَاعْتَذَرُوا بكونهم قطعت أَرْزَاقهم وَأخذت أَمْوَالهم فأحضر السُّلْطَان الْعلمَاء واستفتاهم فِي أَمرهم فأفتوه بِقَتْلِهِم وصلبهم ونفيهم فَأمر بصلبهم وَقيل إِن الَّذِي أذاع سرهم زين الدّين عَليّ الْوَاعِظ وَطلب جَمِيع مَا لِابْنِ الدَّاعِي من الْعقار وَالْمَال فَأعْطَاهُ جَمِيع ذَلِك وَكَانَ الَّذين صلبوا مِنْهُم الْمفضل بن كَامِل القَاضِي وَابْن عبد الْقوي الدَّاعِي والعوريس وَكَانَ قد تولى النّظر ثمَّ الْقَضَاء بعد ذَلِك وشبرما كَاتب السِّرّ وَعبد الصَّمد القشة أحد أُمَرَاء المصريين ونجاح الحمامي وَرجل منجم نَصْرَانِيّ أرمني كَانَ قَالَ لَهُم إِن أَمرهم يتم بطرِيق علم النُّجُوم وعُمارة اليمني الشَّاعِر قلت وَبَلغنِي أنّ عُمارة إِنَّمَا كَانَ تحريضه لشمس الدولة على الْمسير إِلَى الْيمن ليتم هَذَا الْأَمر لِأَن فِيهِ تقليلا لعسكر صَلَاح الدّين وإبعاداً لِأَخِيهِ وناصريه عَنهُ قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة وَوَقعت أتفاقات عَجِيبَة من جُمْلَتهَا أَنه نسب إِلَيْهِ بَيت من قصيدة ذكرُوا أَنه لَهُ يَعْنِي فِي القصيدة الَّتِي حرض فِيهَا شمس الدولة على الْمسير إِلَى الْيمن أَولهَا

стр. 703

(الْعلم مذ كَانَ مُحْتَاج إِلَى الْعلم ...) وَقد تقدم ذكرهَا وَأما الْبَيْت فَهُوَ (قد كَانَ أول هَذَا الدّين من رجل ... سعى إِلَى أَن دَعوه سيّد الْأُمَم) قَالَ الْعِمَاد وَيجوز أَن يكون هَذَا الْبَيْت مَعْمُولا عَلَيْهِ فَأفْتى فُقَهَاء مصر بقتْله وحرضوا السُّلْطَان على الْمثلَة بِمثلِهِ قَالَ ولعمارة فِي مصلوب بِمصْر يُقَال لَهُ طرخان وَكَانَ خرج على الصَّالح بن زريك فظفر بِهِ الصَّالح وصلبه وَكَانَ يستحسن أَبْيَات عُمارة فِيهِ وَهِي (أَرَادَ عُلو مرتبَة وَقدر ... فَأصْبح فَوق جذع وَهُوَ عالي) (ومُد على صَلِيب الْجذع مِنْهُ ... يَمِين لاتطول على الشمَال) (ونكس رَأسه لعتاب قلب ... دَعَاهُ إِلَى الغواية والضلال) قَالَ الْعِمَاد فَكَأَنَّهُ وصف حَاله وَمَا آل إِلَيْهِ أمره وَقَالَ فِي الْبَرْق وَوصل من صَلَاح الدّين يَوْم وَفَاة نور الدّين إِلَى دمشق كتاب يتَضَمَّن هَذِه الْقَضِيَّة وَهُوَ بِخَط ابْن قُرَيْش يَعْنِي المرتضى

стр. 704

وَقَالَ ابْن أبي طيّ وَقد كتب القَاضِي الْفَاضِل إِلَى نور الدّين كتابا شرح فِيهِ قَضِيَّة المصلَّبين فَقَالَ بعد مطلع الْكتاب قصر هَذِه الْخدمَة على متجددٍ سَار لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَبشَارَة مؤذنة بِظُهُور وعد الله فِي إِظْهَاره على الدّين كُله بعد أَن كَانَت لَهَا مُقَدمَات عَظِيمَة إِلَّا أَنَّهَا أسفرت عَن النُّجح وأوائل كالليلة الْبَهِيمَة إِلَّا أَنَّهَا انفرجت عَن الصُّبْح فالإسلام ببركاته الْبَادِيَة وفتكاته الْمَاضِيَة قد عَاد مستوطنا بعد أَن كَانَ غَرِيبا وَضرب فِي الْبِلَاد بجرانه بعد أَن كَاد الْكفْر يتم عَلَيْهِ تخيلا عجيبا إِلَّا أنّ الله سُبْحَانَهُ أطلع على أمرهَا من أَوله وَأظْهر على سرها من مستقبله والمملوك يَأْخُذ فِي ذكر الْخَبَر ويعرض عَن ذكر الْأَثر لم يزل يتُوسم من جند مصر وَمن أهل الْقصر بَعْدَمَا أَزَال الله من بدعتهم وَنقض من عُرى دولتهم وخفض من مَرْفُوع كلمتهم أَنهم أَعدَاء وَإِن قعدت بهم الْأَيَّام وأضداد وَإِن وَقعت عَلَيْهِم كلمة الْإِسْلَام وَكَانَ لَا يحتقر مِنْهُم حَقِيرًا وَلَا يستبعد مِنْهُم شرا كَبِيرا وعيونه لمقاصدهم موكلة وخطراته فِي التَّحَرُّز مِنْهُم مستعملة لاتخلو سنة تمر وَلَا شهر يكرّ من مكر يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ وَفَسَاد يتسرعون إِلَيْهِ وحيلة يبرمونها ومكيدة يتممونها وَكَانَ أَكثر مَا يتعللون بِهِ ويستريحون إِلَيْهِ المكاتبات المتواترة والمراسلات المتقاطرة إِلَى الفرنج خذلهم الله تَعَالَى

стр. 705

الَّتِي يُوسعُونَ لَهُم فِيهَا سبل المطامع ويحملونهم فِيهَا على العظائم الفظائع ويزينون لَهُم الْإِقْدَام والقدوم ويخلعون فِيهَا ربقة الْإِسْلَام خلع الْمُرْتَد المخصوم وَيَد الفرنج بِحَمْد الله قَصِيرَة عَن إجابتهم إِلَّا أَنهم لَا يقطعون حَبل طمعهم على عَادَتهم وَكَانَ ملك كلما سوّلت لَهُ نَفسه الاستتار فِي مراسلتهم والتحيل فِي مفاوضتهم سير جرج كَاتبه رَسُولا إِلَيْنَا ظَاهرا وإليهم بَاطِنا عارضا علينا الْجَمِيل الَّذِي مَا قبلته قطّ أَنْفُسنَا وعاقداً مَعَهم الْقَبِيح الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ فِي وقته علمنَا وَلأَهل الْقصر والمصريين فِي أثْنَاء هَذِه المدد رسل تَتَرَدَّد وَكتب إِلَى الفرنج تتجدد ثمَّ قَالَ وَالْمولى عَالم أَن عَادَة أوليائه المستفادة من أدبه أَلا يبسطوا عقَابا مؤلما وَلَا يعذبوا عذَابا محكما وَإِذا طَال لَهُم الاعتقال وَلم ينجع السُّؤَال أطلق أطلق سراحهم وخلى سبيلهم فَلَا يزيدهم الْعَفو إِلَّا ضراوة وَلَا الرقة عَلَيْهِم إِلَّا قساوة وَعند وُصُول جرج فِي هَذِه الدفعة الْأَخِيرَة رَسُولا إِلَيْنَا بِزَعْمِهِ ورد إِلَيْنَا كتاب مِمَّن لَا نرتاب بِهِ من قومه يذكرُونَ أَن رَسُول مخاتلة لَا رَسُول مجاملة وحامل بلية لَا حَامِل هَدِيَّة فأوهمناه الإغفال عَن التيقظ لكل مَا يصدر مِنْهُ وَإِلَيْهِ فتوصل مرّة بِالْخرُوجِ لَيْلًا وَمرَّة بالركوب إِلَى الْكَنِيسَة وَغَيرهَا نَهَارا إِلَى الِاجْتِمَاع بحاشية الْقصر وخدامه وبأمراء المصريين وأسبابهم وَجَمَاعَة من النَّصَارَى وَالْيَهُود وكلابهم وكتابهم فدسسنا إِلَيْهِم من طائفتهم من داخلهم فَصَارَ ينْقل إِلَيْنَا أخبارهم وَيرْفَع إِلَيْنَا أَحْوَالهم وَلما تكاثرت الْأَقْوَال وَكَاد يشْتَهر علمنَا بِهَذِهِ الْأَحْوَال استخرنا الله تَعَالَى وقبضنا على جمَاعَة مفْسدَة وَطَائِفَة من هَذَا
следующие страницы →