← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَمن كتاب آخر فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى أَخِيه الْعَادِل قد اجْتمع عندنَا إِلَى هَذِه الْغَايَة مَا يزاحم سَبْعَة آلَاف فَارس وتكاثفت الجموع إِلَى الحدّ الَّذِي يخرج عَن العَّدَّ وبَعْد أَن نُرَتِّب أَحْوَال حمص حرسها الله تَعَالَى نتوجه إِلَى حماة وَإِلَى مَا بعْدهَا وَالله الْمعِين على مَا ننويه من الرّشاد وننظفه من طرق الْجِهَاد وَقَالَ الْعِمَاد لما سمع المدبّرون للْملك الصَّالح بإقبال صَلَاح الدّين الْمُؤَذّن بإدبارهم سُقط فِي أَيْديهم وراسلوا المواصلة وكاتبوهم وَأَرْسلُوا إِلَى صَلَاح الدّين بالإغلاظ والإحفاظ وَكَانَ الْوَاصِل مِنْهُم قطب الدّين ينَال بن حسان وَقد تجنب فِي قَوْله الْإِحْسَان وَقَالَ لَهُ هَذِه السيوف الَّتِي مَلكتك مصر وَأَشَارَ إِلَى سَيْفه إِلَيْهَا تردُّك وعمَّا تصدّيت لَهُ تصدك فحلم عَنهُ السُّلْطَان واحتمله وتغافل كرماً وأغفله وخاطبه بِمَا أَبى أَن يقبله وَذكر أَنه وصل لترتيب الْأُمُور وتهذيب الْجُمْهُور وسدّ الثغور وتربية ولد نور الدّين واستنقاذ إخْوَة مجد الدّين فَقَالَ لَهُ أَنْت تُرِيدُ الْملك لنَفسك وَنحن لَا ننزع فِي قوسك وَلَا نأنس بأنسك وَلَا نرتاع لجرسك وَلَا نَبْنِي على أُسِّك فَارْجِع حَيْثُ جِئْت أَو أجهد واصنع مَا شِئْت وَلَا تطمع فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مطمع وَلَا تطلع حَيْثُ مَا لسعودك فِيهِ مطلع ونال من تقطيب القطب ينَال كلّ مَا أحَال الْحَال وأبلى البال وَأبْدى لَهُ التبسم وأخفى الِاحْتِمَال ثمَّ إِنَّه استناب أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين بِدِمَشْق وَسَار بالعسكر وَنزل على حمص فَأَخذهَا يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى وامتنعت

стр. 772

القلعة فَأَقَامَ عَلَيْهَا من يحصرها ورحل إِلَى حماة فَأَخذهَا مستهلّ جُمَادَى الْآخِرَة ثمَّ مضى وَنزل على حلب فحصرها ثَالِث الشهّر فلمَّا اشْتَدَّ على الحلبيين الْحصار وأعوزهم الِانْتِصَار اسْتَغَاثُوا بالاسماعيلية وعيّنوا لَهُم ضيَاعًا وبذلوا لَهُم من البذول أنواعا فجَاء مِنْهُم فِي يَوْم بَارِد شات من فُتاكهم كل عَاتٍ فعرفهم الْأَمِير نَاصح الدّين خمارتكين صَاحب بوقبيس وَكَانَ مثاغرا للإسماعيلية فَقَالَ لَهُم لأي شَيْء جئْتُمْ وَكَيف تجاسرتم على الْوُصُول وَمَا خشيتم فَقَتَلُوهُ وَجَاء من يدْفع عَنهُ فأثخنوه وَعدا أحدهم ليهجم على السُّلْطَان فِي مقَامه وَقد شهر سكين انتقامه وطغرل أَمِير جاندار وَاقِف ثَابت سَاكن سَاكِت حَتَّى وصل إِلَيْهِ فَشَمَلَ بالسيَّف رَأسه وَمَا قتل الْبَاقُونَ حَتَّى قتلوا عدَّة ولاقى من لاقاهم شدَّة وعصم الله تَعَالَى حشاشته فِي تِلْكَ النّوبَة من سكاكين الحشيشية فَأَقَامَ إِلَى مستهل رَجَب ثمَّ رَحل إِلَى حمص بِسَبَب أَن الحلبيين كاتبوا قومص طرابلس وَقد كَانَ فِي أسر نور الدّين مذ كسرة حارم وَبَقِي فِي الْأسر أَكثر من عشر سِنِين ثمَّ فدى نَفسه بمبلغ مئة ألف وَخمسين ألف دِينَار وفكاك ألف أَسِير فَتوجه فِي الإفرنجية إِلَى حمص فَلَمَّا سمع بالسلطان رَجَعَ ناكصا على عَقِبَيْهِ خوفًا مِمَّا يَقع فِيهِ وَيتم عَلَيْهِ وَمن كتاب فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل قد أعلمنَا الْمجْلس أَن

стр. 773

العدوَّ خذله الله كَانَ الحلبيون قد استنجدوا بصلبانهم واستطالوا على الْإِسْلَام بعدوانهم وَأَنه خرج إِلَى بلد حمص فوردنا حماة وأخذنا فِي تَرْتِيب الأطلاب لطلبه ولقاه فَسَار إِلَى حصن الأكراد مُتَعَلقا بحبله مفتضحاً بحيله وَهَذَا فتح تفتح لَهُ أَبْوَاب الْقُلُوب وظفر وَإِن كَانَ قد كفى الله تَعَالَى فِيهِ الْقِتَال المحسوب فَإِن الْعَدو قد سَقَطت حشمته وانحطت فِيهِ همته وَولى ظهرا كَانَ صَدره يصونه ونكسّ صليبا كَانَت ترفعه شياطينه وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة وَلما خيّم السُّلْطَان بِظَاهِر حمص قَصده الْمُهَذّب بن أسعد بقصيدة أَولهَا (مَا نَام بعد الْبَين يستحلى الْكرَى ... إِلَّا ليطرقه الخيال إِذا سرى) (كَلِف بقربكم فَلَمَّا عاقه ... بعد المدى سلك الطَّرِيق الأخصرا) (ومودع أَمر التفرُّقُ دمعه ... ونهته رقبُة كاشح فتحيرا) وَمِنْهَا فِي المديح (تُردى الْكَتَائِب كتبُه فَإِذا غَدَتْ ... لم يُدْرَ أنفذ أسطراً أم عسكرا) (لم يحسن الإتراب فَوق سطورها ... إِلَّا لِأَن الْجَيْش يعْقد عثيرا) فَقَالَ القَاضِي الْفَاضِل لصلاح الدّين هَذَا الَّذِي يَقُول (وَالشعر مَا زَالَ عِنْد التّرْك متروكا ...)

стр. 774

فعجَّل جائزته لتكذيب قَوْله وتصديق ظنِّه فشرِّفه وَجمع لَهُ بَين الخلعة والضَّيْعة وعني الْفَاضِل مَا قَالَه فِي قصيدة فِي مدح الصَّالح بن رزيك الَّتِي أَولهَا (أما كَفاك تلافي فِي تلافيكا ) يَقُول فِيهَا (يَا كعبة الْجُود إِن الْفقر أقعدني ... ورقّة الْحَال عَن مَفْرُوض حجيكا) (من أرتجي يَا كريم الدَّهْر تنعشني ... جدواه إِن خَابَ سعيي فِي رجائيكا) (أأمدح التّرْك أبغي الْفضل عِنْدهم ... وَالشعر مَا زَالَ عِنْد التُّرك متروكا) (أم أمدح السُّوقة النوكي لرفدهم ... واضيعتا إِن تخطتني أياديكا) (لَا تتركني وَمَا أملَّت فِي سَفَرِي ... سواك أقفلُ نَحْو الْأَهْل صعلوكا) قلت وَقد مضى ذكر ابْن أسعد هَذَا فِي أَخْبَار سنة ثَمَان وَخمسين وَسَيَأْتِي من شعره أَيْضا فِي أَخْبَار سنة سِتّ وَسبعين وثمان وَسبعين وَمَا أحسن مَا خرج ابْن الدهان من الْغَزل إِلَى مدح ابْن رزيك فِي قَوْله من قصيدة أَولهَا (إِذا لَاحَ برق من جنابك لامع ... أَضَاء لواش مَا تجن الأضالع) يَقُول فِيهَا

стр. 775

(تَمَادى بِنَا فِي جَاهِلِيَّة بخلها ... وَقد قَامَ بِالْمَعْرُوفِ فِي النَّاس شَارِع) (وتحسب ليل الشحّ يمتدّ بَعْدَمَا ... بدا طالعا شمس السخاء طلائع) فصل ثمَّ أرسل السُّلْطَان الْخَطِيب شمس الدّين بن الْوَزير أبي المضاء إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز برسالة ضمنهَا القَاضِي الْفَاضِل كتابا طَويلا رائقا فائقا يشْتَمل على تعداد مَا للسُّلْطَان من الأيادي من جِهَاد الإفرنج فِي حَيَاة نور الدّين ثمَّ فتح مصر واليمن وبلادٍ جمةٍ من أَطْرَاف الْمغرب وَإِقَامَة الْخطْبَة العباسية بهَا يَقُول فِي أَوله للرسول فَإِذا قضى التَّسْلِيم حق اللِّقَاء واستدعى الْإِخْلَاص جهد الدُّعَاء فليعد وليعد حوادث مَا كَانَت حَدِيثا يفترى وجواري أُمُور إِن قَالَ فِيهَا كثيرا فَأكْثر مِنْهُ مَا قد جرى وليشرح صَدرا مِنْهَا لَعَلَّه يشْرَح منا صَدرا وليوضح الْأَحْوَال المستسرة فَإِن الله لَا يعبد سرا (وَمن الغرائب أَن تسير غرائب ... فِي الأَرْض لم يعلم بهَا المأمول) (كالعيس أقتل مَا يكون لَهَا الصدى ... وَالْمَاء فَوق ظُهُورهَا مَحْمُول) فَإنَّا كُنَّا نقتبس النَّار بأكفنا وغيرنا يَسْتَنِير ونستنبط المَاء بِأَيْدِينَا وسوانا يستمير ونلقى السِّهَام بنحورنا وغيرنا يعْتَمد التَّصْوِير ونصافح الصفاح

стр. 776

بصدورنا وغيرنا يَدعِي التصدير وَلَا بُد أَن نسترد بضاعتنا بموقف الْعدْل الَّذِي تُرد بِهِ الغصوب وَتظهر طاعتنا فنأخذ بحظ الألسن كَمَا أَخذنَا بحظ الْقُلُوب وَمَا كَانَ العائق إِلَّا أَنا كنّا نَنْتَظِر ابْتِدَاء من الْجَانِب الشريف بِالنعْمَةِ يضاهي ابتداءنا بِالْخدمَةِ وإيجابا للحق يشاكل إيجابنا للسبق وَكَانَ أول أمرنَا أَنا كُنَّا فِي الشَّام نفتتح الْفتُوح مباشرين بِأَنْفُسِنَا ونجاهد الْكفَّار مُتقدمين لعساكرنا نَحن ووالدنا وعمنا فَأَي مَدِينَة فتحت أَو معقل مُلك أَو عَسْكَر لِلْعَدو كُسر أَو مصَاف لِلْإِسْلَامِ مَعَه ضرب لم نَكُنْ فِيهِ فَمَا يجهل أحد صنعنَا وَلَا يجْحَد عدونا أَنا نصطلي الْجَمْرَة ونملك الكرة ونتقدم الْجَمَاعَة ونُرتب الْمُقَاتلَة وندبر التعبئة إِلَى أَن ظَهرت فِي الشَّام الْآثَار الَّتِي لنا أجرهَا وَلَا يضرنا أَن يكون لغيرنا ذكرهَا وَكَانَت أَخْبَار مصر تتصل بِنَا بِمَا الْأَحْوَال عَلَيْهِ فِيهَا من سوء تَدْبِير وَبِمَا دولتها عَلَيْهِ من غَلَبَة صَغِير على كَبِير وَأَن النظام بهَا قد فسد وَالْإِسْلَام بهَا قد ضعف عَن إِقَامَته كل من قَامَ وَقعد والفرنج قد احْتَاجَ من يدبرها إِلَى أَن يقاطعهم بأموال كَثِيرَة لَهَا مقادير خطيرة وَأَن كلمة السّنة بهَا وَإِن كَانَت مَجْمُوعَة فَإِنَّهَا مقموعة وَأَحْكَام الشَّرِيعَة وَإِن كَانَ مُسَمَّاة فَإِنَّهَا متحاماة وَتلك الْبدع بهَا على مَا يعلم وَتلك الضلالات فِيهَا على مَا يُفْتى فِيهِ بِفِرَاق الْإِسْلَام وَيحكم وَذَلِكَ الْمَذْهَب قد خالط من أَهله اللَّحْم وَالدَّم وَتلك الأنصاب قد نصب آلِهَة تُعبد من دون الله وتعظم وتفخم فتعالى الله

стр. 777

عَن شبه الْعباد وويل لمن غرّه تَقَلُّبُ الذَيِنَ كَفَرُوا فِي البلادِ فَسَمت همتنا دون همم أهل الأَرْض إِلَى أَن نستفتح مُقفلها ونسترجع لِلْإِسْلَامِ شاردها ونعيد على الدّين ضالته مِنْهَا فسرنا إِلَيْهَا فِي عَسَاكِر ضخمة وجموع جمة وبأموال انتهكت الْمَوْجُود وَبَلغت منا المجهود أنفقناها من حَاصِل ذممنا وَكسب أَيْدِينَا وَثمن اسارى الفرنج الواقعين فِي قبضتنا فعرضت عوارض منعت وتوجهت للمصريين رسل باستنجاد الفرنج قطعت و ﴿لكل أجلٍ كتابُ﴾ ولكلّ أمل بَاب وَكَانَ فِي تَقْدِير الله تَعَالَى أَنا نملكها على الْوَجْه الْأَحْسَن ونأخذها بالحكم الْأَقْوَى الأمكن فغدر الفرنج بالمصريين غدرة فِي هدنة عظم خطبهَا وخبطها وَعلم أَن استئصال كلمة الْإِسْلَام محطها فكاتبنا الْمُسلمُونَ من مصر فِي ذَلِك الزَّمَان كَمَا كاتبنا الْمُسلمُونَ من الشَّام فِي هَذَا الأوان بِأَنا إِن لم ندرك الْأَمر وَإِلَّا خرج عَن الْيَد وَإِن لم ندفع غَرِيم الْيَوْم لم نمهل إِلَى الْغَد فسرنا بالعساكر الْمَجْمُوعَة وأمراء الْأَهْل الْمَعْرُوفَة إِلَى بِلَاد قد تمهد لنا بهَا أَمْرَانِ وتقرر لنا فِي الْقُلُوب وُدان الأول مَا علموه من إيثارنا للْمَذْهَب الأقوم وإحياء الحقّ الأقدم وَالْآخر مَا يرجونه من فك أسارهم وإقالة عثارهم فَفعل الله مَا هُوَ أَهله وَجَاء الْخَبَر إِلَى الْعَدو فَانْقَطع حبله وَضَاقَتْ بِهِ سبله وَأَفْرج عَن الديار بعد أَن كَانَت ضياعها ورساتيقها وبلادها وأقاليمها قد نفذت فِيهَا أوامره وخفقت عَلَيْهَا صلبانه ونصبت بهَا أوثانه وأيس من أَن

стр. 778

يسترجع مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم حَاصِلا وَأَن يستنقذ مَا صَار فِي ملكهم دَاخِلا ووصلنا الْبِلَاد وَبهَا أجناد عَددهمْ كثير وسوادهم كَبِير وَأَمْوَالهمْ وَاسِعَة وكلمتهم جَامِعَة وهم على حَرْب الْإِسْلَام أقدر مِنْهُم على حَرْب الْكفْر وَالْحِيلَة فِي السّر فيهم أنفذ من الْعَزِيمَة فِي الْجَهْر وَبهَا راجل من السودَان يزِيد على مئة ألف كلهم أغتام أعجام ﴿إِن هم إِلَّا كالأنعام﴾ لَا يعْرفُونَ رَبًّا إِلَّا سَاكن قصره وَلَا قبْلَة إِلَّا مَا يتوجهون إِلَيْهِ من رُكْنه وامتثال أمره وَبهَا عَسْكَر من الأرمن باقون على النَّصْرَانِيَّة مَوْضُوعَة عَنْهُم الْجِزْيَة كَانَت لَهُم شَوْكَة وشكة وحمة وحمية وَلَهُم حواش لقصورهم من بَين دَاع تلطف فِي الضلال مداخله وتصيب الْقُلُوب مخاتله وَمن بَين كُتاب تفعل أقلامهم أَفعَال الأسل وخُدام يجمعُونَ إِلَى سَواد الْوُجُوه سَواد النَّحْل ودولة قد كبر نملها الصَّغِير وَلم يعرف غَيرهَا الْكَبِير ومهابة تمنع من خطرات الضَّمِير فَكيف بخطوات التَّدْبِير هَذَا إِلَى اسْتِبَاحَة للمحارم ظَاهِرَة وتعطيل للفرائض على عَادَة جائرة وتحريفٍ للشريعة بالتأويل وعدول إِلَى غير مُراد الله بالتنزيل وَكفر سُمي بِغَيْر اسْمه وشرعٍ يتستر بِهِ وَيحكم بِغَيْر حكمه فَمَا زلنا نسحتهم سحت المبارد للشفار ونتحيفهم تحيف اللَّيْل وَالنَّهَار للأعمار بعجائب تَدْبِير لَا تحتملها المساطير وغرائب تَقْدِير لَا تحملهَا الأساطير ولطيف توصل مَا كَانَ من حِيلَة الْبشر وَلَا قدرتهم لَوْلَا إِعَانَة الْمَقَادِير وَفِي أثْنَاء ذَلِك استنجدوا علينا الفرنج دفْعَة إِلَى

стр. 779

بلبيس ودفعة إِلَى دمياط وَفِي كلّ دفْعَة مِنْهَا وصلوا بِالْعدَدِ المجهر والحشد الأوفر وخصوصا فِي نوبَة دمياط فَإِنَّهُم نازلوها بحراً فِي ألف مركب مقَاتل وحامل وبرَّا فِي مئتي ألف فَارس وراجل وحصروها شَهْرَيْن يباكرونها ويراوحونها ويماسونه ويصابحونها الْقِتَال الَّذِي يصلبه الصَّلِيب والقراع الَّذِي يُنَادى بِهِ الْمَوْت من كلّ مَكَان قريب وَنحن نُقَاتِل العدوين الْبَاطِن وَالظَّاهِر ونصابر الضدين الْمُنَافِق وَالْكَافِر حَتَّى أَتَى الله بأَمْره وأيدنا بنصره وخابت المطامع من المصريين والفرنج وشرعنا فِي تِلْكَ الطوائف من الأرمن والسودان والأجناد فأخرجناهم من الْقَاهِرَة تَارَة بالأوامر المرهقة لَهُم وبالأمور الفاضحة مِنْهُم وبالسيوف الْمُجَرَّدَة وبالنار المحرقة حَتَّى بَقِي الْقصر وَمن بِهِ من خدم وَمن ذرّية قد تفرّقت شيعه وتمزقت بدعه وخفتت دَعوته وخَفِيت ضلالته فهنالك تمّ لنا إِقَامَة الْكَلِمَة والجهر بِالْخطْبَةِ وَالرَّفْع للواء الْأسود الْمُعظم وعاجل الله الطاغية الْأَكْبَر بهلاكه وفنائه وبرأنا من عُهدة يَمِين كَانَ إِثْم حنثها أيسر من إِثْم إبقائه لِأَنَّهُ عوجل لفرط رَوْعَته وَوَافَقَ هَلَاك شخصه هَلَاك دولته وَلما خلا ذرعنا ورحب وسعنا نَظرنَا فِي الْغَزَوَات إِلَى بِلَاد الْكفَّار فَلم تخرج سنة إِلَّا عَن سنة أُقِيمَت فِيهَا برا وبحرا مركبا وظهرا إِلَى أَن أوسعناهم قتلا وأسرا وملكنا رقابهم قهرا وقسرا وفتحنا لَهُم معاقل مَا خطر أهل الْإِسْلَام فِيهَا مذ أُخذت من أَيْديهم وَلَا أُوجفت عَلَيْهَا خيلهم وَلَا رِكَابهمْ مذ ملكهَا أعاديهم فَمِنْهَا مَا حكمت فِيهِ يَد الخراب وَمِنْهَا

стр. 780

فعجَّل جائزته لتكذيب قَوْله وتصديق ظنِّه فشرِّفه وَجمع لَهُ بَين الخلعة والضَّيْعة وعني الْفَاضِل مَا قَالَه فِي قصيدة فِي مدح الصَّالح بن رزيك الَّتِي أَولهَا (أما كَفاك تلافي فِي تلافيكا ) يَقُول فِيهَا (يَا كعبة الْجُود إِن الْفقر أقعدني ... ورقّة الْحَال عَن مَفْرُوض حجيكا) (من أرتجي يَا كريم الدَّهْر تنعشني ... جدواه إِن خَابَ سعيي فِي رجائيكا) (أأمدح التّرْك أبغي الْفضل عِنْدهم ... وَالشعر مَا زَالَ عِنْد التُّرك متروكا) (أم أمدح السُّوقة النوكي لرفدهم ... واضيعتا إِن تخطتني أياديكا) (لَا تتركني وَمَا أملَّت فِي سَفَرِي ... سواك أقفلُ نَحْو الْأَهْل صعلوكا) قلت وَقد مضى ذكر ابْن أسعد هَذَا فِي أَخْبَار سنة ثَمَان وَخمسين وَسَيَأْتِي من شعره أَيْضا فِي أَخْبَار سنة سِتّ وَسبعين وثمان وَسبعين وَمَا أحسن مَا خرج ابْن الدهان من الْغَزل إِلَى مدح ابْن رزيك فِي قَوْله من قصيدة أَولهَا (إِذا لَاحَ برق من جنابك لامع ... أَضَاء لواش مَا تجن الأضالع) يَقُول فِيهَا

стр. 781

بِحَمْد الله قد تملكنا مِمَّا يجاورنا مِنْهُ بلادا تزيد مسافتها على شهر وسيرنا إِلَيْهَا عسكرا بعد عَسْكَر فَرجع بنصر بعد نصر وَمن الْبِلَاد الْمَشَاهِير والأقاليم الجماهير برقة قَفْصة قسطيلية تَوْزَر كلّ هَذِه تُقَام فِيهَا الْخطْبَة لمولانا الإِمَام المستضيء بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ سَلام الله عَلَيْهِ وَلَا عهد لِلْإِسْلَامِ بإقامتها وَينفذ فِيهَا الْأَحْكَام بعلمها الْمَنْصُور وعلامتها وَفِي هَذِه السّنة كَانَ عندنَا وفْدُ قد شَاهده وُفُود الْأَمْصَار ورموه بأسماع وأبصار مِقْدَاره سَبْعُونَ رَاكِبًا كلّهم يطْلب لسلطان بَلَده تقليدا ويرجو منا وَعدا وَيخَاف وعيدا وَقد صدرت عَنَّا بِحَمْد الله تقاليدها وألقيت إِلَيْنَا مقاليدها وسيَّرنا الْخلْع والمناشير والألوية بِمَا فِيهَا من الْأَوَامِر والأقضية فَأَما الْأَعْدَاء المحدقون بِهَذِهِ الْبِلَاد وَالْكفَّار الَّذين يقاتلوننا بالممالك الْعِظَام والعزائم الشّداد فَمنهمْ صَاحب قسطنطينية وَهُوَ الطاغية الْأَكْبَر والجالوت الأكفر وَصَاحب المملكة الَّتِي أكلت على الدّهر وشربت وقائم النَّصْرَانِيَّة الذّي حكمت دولته على ممالكها وغلبت جَرَت لنا مَعَه غزوات بحريّة ومناقلات ظَاهِرَة وسّرية وَلم نخرج من مصر إِلَى أَن وصلتنا رسله فِي جُمُعَة وَاحِدَة نَوْبتين بكتابين كلّ واحدٍ مِنْهُمَا يظْهر فِيهِ خفض الْجنَاح وإلقاء السِّلَاح والانتقال من معاداة إِلَى مهاداة وَمن مفاضحة إِلَى مناصحة حَتَّى إِنَّه أنذر بِصَاحِب صقلية وأساطليه الَّتِي ترّدد ذكرهَا وعساكره الَّتِي لم يخف أمرهَا وَمن هَؤُلَاءِ الْكفَّار هَذَا صَاحب صقلية كَانَ حِين علم بِأَن صَاحب الشَّام وَصَاحب قسطنطينية قد اجْتمعَا فِي نوبَة دمياط فغلبا وقُسرا وهزما وكُسرا أَرَادَ أَن يظْهر قوته المستقلة فعمر أسطولا استوعب فِيهِ مَاله

стр. 782

وزمانه فَلهُ الْآن خمس سِنِين يكثر عدته وينتحب عُدّته إِلَى أَن وصل مِنْهَا فِي السّنة الخالية إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة أَمر رائع وخطب هائل مَا أثقل ظهر الْبَحْر مثل حمله وَلَا مَلأ صَدره مثل خيله وَرجله وَمَا هُوَ إِلَّا إقليم بل أقاليم نَقله وجيش مَا احتفل ملك قطّ بنظيره لَوْلَا أَن الله خذله وَمن هَؤُلَاءِ الجيوش البنادقة والبياشنة والجنوية كل هَؤُلَاءِ تَارَة يكونُونَ غزَاة لَا تطاق ضراوة ضرهم وَلَا تطفأ شرارة شرّهم وَتارَة يكونُونَ سُفّاراً يحتكمون على الْإِسْلَام فِي الْأَمْوَال المجلوبة وتقصر عَنْهُم يَد الْأَحْكَام المرهوبة وَمَا مِنْهُم إِلَّا من هُوَ الْآن يجلب إِلَى بلدنا آلَة قِتَاله وجهاده ويتقرب إِلَيْنَا بإهداء طرائف أَعماله وتلاده وَكلهمْ قد قُرّرت مَعَهم المواصلة وانتظمت مَعَهم المسالمة على مَا نُرِيد ويكرهون وعَلى مَا نؤثر وهم لَا يؤثرون وَلما قضى الله سُبْحَانَهُ بالوفاة النورية وَكُنَّا فِي تِلْكَ السّنة على نيّة الْغُزَاة والعساكر قد تجهزت وَالْمُضَارب قد برزت وَنزل الفرنج بانياس وأشرفوا على احتيازها ورأوها فرْصَة مدُّوا يَدَ انتهازها استصرخ بِنَا صَاحبهَا فسرنا مراحل اتَّصل بالعدوّ أمرهَا وعوجل بالهدنة الدمشقية الَّتِي لَوْلَا مسيرنا مَا انتظم حكمهَا ثمَّ عدنا إِلَى الْبِلَاد وتوافت إِلَيْنَا الْأَخْبَار بِمَا المملكة النورية عَلَيْهِ من تشعُّب الآراء وتوزعها وتشتُّت الْأُمُور وتقطعها وَأَن كلّ قلعة قد حصل

стр. 783

فِيهَا صَاحب وكلّ جَانب قد طمح إِلَيْهِ طَالب والفرنج قد بنوا قلاعا يتحيفون بهَا الْأَطْرَاف الإسلامية ويضايقون بهَا الْبِلَاد الشامية وأمراء الدولة النورية قد سجن كبارهم وعُوقبوا وصودروا والمماليك الأغمار الَّذين خلقُوا للأطراف لَا للصدور وَجعلُوا للْقِيَام لَا للقعود فِي الْمجْلس المحضور قد مدوا الْأَيْدِي والأعين وَالسُّيُوف وَسَاءَتْ سيرتهم فِي الْأَمر بالمنكر والنهيّ عَن الْمَعْرُوف وكلّ وَاحِد يتَّخذ عِنْد الفرنج يدا ويجعلهم لظهره سندا وَعلمنَا أَن الْبَيْت الْمُقَدّس إِن لم تتيسرّ الْأَسْبَاب لفتحه وَأمر الكُفر إِن لم يُجرد الْعَزْم فِي قلعه وَإِلَّا نَبتَت عروقه واتسعت على أهل الدّين خُروقه وَكَانَت الْحجَّة لله قَائِمَة وهمم القادرين بالقعود آثمة وَإِنَّا لَا نتمكن بِمصْر مِنْهُ مَعَ بعد الْمسَافَة وَانْقِطَاع الْعِمَارَة وكلال الدَّوَابّ الَّتِي بهَا على الْجِهَاد الْقُوَّة وَإِذا جاورناه كَانَت الْمصلحَة بادية وَالْمَنْفَعَة جَامِعَة وَالْيَد قادرة والبلاد قريبَة والغزوة مُمكنَة والميرة متسعة وَالْخَيْل مستريحة والعساكر كَثِيرَة الجموع والأوقات مساعدة وأصلحنا مَا فِي الشَّام من عقائد معتّلة وَأُمُور مختلة وأراء فَاسِدَة وأمراء متحاسدة وأطماع غالبة وعقول غَائِبَة وحفظنا الْوَلَد الْقَائِم بعد أَبِيه فَأَنا بِهِ أولى من قوم يَأْكُلُون الدّنيا باسمه ويُظهرون الْوَفَاء فِي خدمته وهم عاملون بظلمه وَالْمرَاد الْآن هُوَ كلّ مَا يقوّي الدولة ويؤكد الدعْوَة وَيجمع الْأمة ويحفظ الألفة وَيضمن الرأفة وَيفتح بَقِيَّة الْبِلَاد وَأَن يطبق بِالِاسْمِ العباسي كل مَا تطبقه العهاد وَهُوَ تَقْلِيد جَامع بِمصْر واليمن وَالْمغْرب وَالشَّام وكل مَا تشْتَمل عَلَيْهِ الْولَايَة النورية وكلّ مَا يَفْتَحهُ الله

стр. 784

تَعَالَى للدولة العباسية بسيوفنا وسيوف عساكرنا وَلمن نقيمه من أَخ أَو ولد من بَعدنَا تقليدا يضمن للنعمة تخليدا وللدعوة تجديدا مَعَ مَا ينعم بِهِ من السمات الَّتِي فِيهَا الْملك وَبِالْجُمْلَةِ فالشام لَا تنتظم أُمُوره بِمن فِيهِ وَالْبَيْت الْمُقَدّس لَيْسَ لَهُ قرنٍ يقوم بِهِ ويكفيه والفرنج فهم يعْرفُونَ منا خصما لَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا وقرنا لَا يزَال محرم السَّيْف حَتَّى يحلوا وَإِذا شدّ رَأينَا حسن الرَّأْي ضربنا بِسيف يقطع فِي غمده وبلغنا المنى بِمَشِيئَة الله تَعَالَى ويّدُ كلّ مُؤمن تَحت برده واستنقذنا أَسِيرًا من الْمَسْجِد الَّذِي أسرى الله إِلَيْهِ بِعَبْدِهِ وَمن كتاب آخر فاضليّ عَن السُّلْطَان إِلَى الدّيوان فِي تعداد مَاله من الأيادي قَالَ وَالَّذِي أجراه الله تَعَالَى على يَد الْمَمْلُوك من الممالك الَّتِي دوخها وَسنَن الضلال الَّتِي نسخهَا وعقود الْإِلْحَاد الَّتِي فَسخهَا ومنابر الْبَاطِل الَّتِي رَحَضَها وحجج الزندقة الَّتِي دحضها فَللَّه عَلَيْهِ الْمِنَّة فِيهِ إذْ أَهله لشرف مشهده وَمَا فعله إِلَّا لوجهه ويدُ الله كَانَت عون يَده وَإِلَّا فقد مَضَت اللَّيَالِي وَالْأَيَّام على تِلْكَ الْأُمُور وَمَا تحركت للفلك فِي قلعهَا نابضة وغبرت الْأَحْوَال على تِلْكَ الْبِدْعَة وَمَا ثارت لأفراسها رابضة فَشكر يَد الله تَعَالَى فِيمَا أجراه على يَده مِنْهَا أَن يجْتَهد فِي أُخْرَى مثلهَا فِي الْكفَّار وَقد عَاد الْإِسْلَام إِلَى وَطنه وصوّحت من الْكفْر خضراء دمنه وَمن كتاب آخر للفاضل يذكر فِيهِ إِعَادَة صَلَاح الدّين الْخطْبَة بِمصْر للدولة العباسية يَقُول فِيهِ حَتَّى أَتَى الدّنيا ابْن بجدتها فَقضى من الْأَمر

стр. 785

مَا قضى وأسخط من لله فِي سخطه رضَا وَجعل وَجه لابسي السوَاد مُبيضا فَأدْرك لَهُم بثأرٍ نَامَتْ عَنهُ الهمم ودوّخت عَلَيْهِ الْأُمَم وشفى الصُّدُور وَجَاء بِالْحَقِّ إِلَى من غره بِاللَّه الْغرُور واستبضع إِلَى الله تَعَالَى تِجَارَة لن تبور وَمن كتاب آخر قد بورك للخادم فِي الطَّاعَة الَّتِي لبس الْأَوْلِيَاء شعارها وأمضى فِي الْأَعْدَاء شفارها وَجمع عَلَيْهَا الدّين وَكَانَ أديانا واستقامت بهَا الْقُلُوب على صبغة التَّكَلُّف وَكَانَت ألوانا وَمن كتاب آخر لم يكن سَبَب خُرُوج الْمَمْلُوك من بَيته إِلَّا وعد كَانَ انْعَقَد بَينه وَبَين نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي أَن يتجاذبا طرفِي الْغُزَاة من مصر وَالشَّام الْمَمْلُوك بعسكري برّه وبحره وَنور الدّين من جَانب سهل الشَّام ووعره فَلَمَّا قضى الله بالمحتوم على أَحدهمَا وَحدثت بعد الْأُمُور أُمُور اشتهرت للْمُسلمين عورات وضاعت ثغور وتحكمت الآراء الْفَاسِدَة وفُورقت المحاج القاصدة وَصَارَت الباطنية بطانة من دون الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار مَحْمُولَة إِلَيْهَا جزى الْمُسلمين والأمراء الَّذين كَانُوا لِلْإِسْلَامِ قَوَاعِد وَكَانَت سيوفهم للنصر موارد يَشكونَ ضيق حلقات الأسار وتطرق الْكفَّار بِالْبِنَاءِ فِي الْحُدُود الإسلامية وَلَا خَفَاء أَن الفرنج بعد حلولنا بِهَذِهِ الخطة قَامُوا وقعدوا واستنجدوا علينا أنصار النَّصْرَانِيَّة فِي الأقطار وسيروا الصَّلِيب وَمن كسى مذابحهم بقمامة وهددوا طاغية كفرهم بأشراط الْقِيَامَة ونفذوا البطارقة والقسيسين برسائل صور من يصورّونه مِمَّن يسمونهم

стр. 786

القديسين وَقَالُوا إِن الْغَفْلَة إِن وَقعت أوقعت فِيمَا لَا يسْتَدرك فارطه وَإِن كلا من صَاحب قسطنطينية وَصَاحب صقلية وَملك الألمان وملوك مَا وَرَاء الْبَحْر وَأَصْحَاب الجرائر كالبندقية والبيشانية والجنوية وَغَيرهم قد تأهبوا بالعمائر البحرية والأساطيل القوية وَالْإِسْلَام يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعز ناصرا لاسيما وهم ينْصرُونَ بَاطِلا وَهُوَ ينصر حَقًا وَهُوَ يعبد خَالِقًا وهم يعْبدُونَ خلقا فصل قَالَ الْعِمَاد وَكنت بالموصل فَسُئِلت نظم مرثية فِي نور الدّين فنظمت بعد عوْدي إِلَى دمشق فِي رَجَب (الدّين فِي ظُلَم لغيبة نوره ... والدهر فِي غُمم لفقد أميره) (فليندبُ الإسلامُ حامي أَهله ... وَالشَّام حَافظ ملكه وثغوره) (مَا أعظم الْمِقْدَار فِي أخطاره ... إِذْ كَانَ هَذَا الْخطب فِي مقدوره) (مَا أَكثر المتأسفين لفقد مَنْ ... قَرَّتْ نواظرهم بفقد نَظِيره) (مَا أغوص الْإِنْسَان فِي نسيانه ... أَو مَا كَفاهُ الْمَوْت فِي تذكيره) (مَن للمساجد والمدارس بانيا ... لله طَوْعًا عَن خلوص ضَمِيره) (من ينصر الْإِسْلَام فِي غَزَوَاته ... فَلَقَد أُصِيب برُكنه وظهيره) (مَنْ للفرنج وَمن لأسر مُلُوكهَا ... من للْهُدى يَبْغِي فكاك أسيره) (من للخطوب مذلِّلاً لجماحها ... من للزمان مُسَهّلا لوعوره)

стр. 787

(من كاشفُ للمعضلات بِرَأْيهِ ... من مشرقٌ فِي الداجيات بنوره) (من للكريم وَمن لنعش عثاره ... منْ للْيَتِيم وَمن لجبْر كسيره) (من للبلاد وَمن لنصر جيوشها ... من للْجِهَاد وَمن لحفظ أُمُوره) (منْ للفتوح محاولا أبكارها ... برَواحه فِي غَزوه وبُكوره) (منْ للعلا وعُهودها منْ للندى ... ووفوده من للحجا ووفوره) (مَا كنت أَحسب نور دين مُحَمَّد ... يخبو وليل الشّرك فِي ديجوره) (أعْزِزْ عليّ بليث غابٍ للهدى ... يَخْلُو الشرى من زوره زئيره) (أعْزِزْ عليّ بأنْ أرَاهُ مُغّيباً ... عنْ محفل متشرف بِحُضُورِهِ) (لهفي على تِلْكَ الأنامل إِنَّهَا ... مُذْ غّيبت غاض النّدى ببحوره) (وَلَقَد أَتَى منْ كنت تُجري رسمه ... فضع الْعَلامَة مِنْك فِي منشوره) (وَلَقَد أَتَى من كنت تكشف كربه ... فارفع ظلامته بنصر عشيره) (وَلَقَد أَتَى منْ كنت تُؤمن سربه ... وقِّع لَهُ بالأمن مِنْ محذوره) (وَلَقَد أَتَى منْ كنت تُؤثر قربه ... فأدم لَهُ التّقريب فِي تَقْرِيره) (والجيش قد ركب الْغَدَاة لعرضه ... فاركب لتُبْصِرَه أوَانَ عبوره) (أَنْت الذَّي أَحييت شرع مُحَمَّد ... وقضيت بعد وَفَاته بنشُوره) (كم قد أَقمت من الشَّرِيعَة مَعْلما ... هُوَ مُنْذ غبت معرّضٌ لِدثُوره) (كم قد أمرت بِحَفر خَنْدَق معقلٍ ... حَتَّى سكنت اللّحد فِي محفوره) (كم قيصرٍ للرُّوم رُمت بقسره ... إرْواء بيض الْهِنْد من تاموره) (أُوتيت فتح حصونه وملكت عقر ... بِلَاده وسبيت أهل قصوره)

стр. 788

(أزَهِدت فِي دَار الفناء وَأَهْلهَا ... ورَغبت فِي الْخلد الْمُقِيم وحوره) (أوما وعدت الْقُدس أَنَّك منْجزٌ ... ميعاده فِي فَتحه وظهوره) (فَمَتَى تجير الْقُدس من دنس العدى ... وتقدس الرَّحْمَن فِي تَطْهِيره) (يَا حاملين سَرِيره مهلا فَمن ... عجبٍ نهوضُكم بحمْل ثبيره) (يَا عابرين بنعشه أَنَشَقْتُمُ ... من صَالح الْأَعْمَال نشر عبيره) (نزلت مَلَائِكَة السّماء لدفنه ... مستجمعين على شَفير حفيره) (وَمن الْجفَاء لَهُ مُقامي بعده ... هلاّ وفيت وسرت عِنْد مسيره) (حيّاك معتّل الصِّبا بنسيمه ... وسَقاك مُنْهلُّ الحَيْا بدُروره) (ولبست رضوَان المهْيمن ساحباً ... أذيال سُنْدس خزّه وحريره) (وسكنت عِّلِّيين فِي فردوسه ... حلْف المسّرة ظافرا بأجوره) قَالَ الْعِمَاد وَجَاء نجاب إِلَى الْموصل وَذكر أَنه فَارق صَلَاح الدّين بِقرب دمشق بالكسوة وَهُوَ الْآن يستكمل من ملك دمشق الحُظوة فهاجني الطَّرب لقصده لسابق مَعْرفَته وقديم ودّه فَقدمت دمشق على طَرِيق الْبَريَّة وَالسُّلْطَان على حلب وَكَانَ الْعِمَاد فِي عقابيل ألم فَلَمَّا شُفي وَعَاد السّلطان إِلَى حمص قَصده فِيهَا وَقد تسلم قلعتها فِي شعْبَان فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين مِنْهُ قَالَ وَكنت نظمت قصيدة فِي الشوق إِلَى دمشق والتأسف عَلَيْهَا ثمَّ جعلت مدح السّلطان مخلصها وَهِي طَوِيلَة أَولهَا

стр. 789

(أجيران جيرون مَالِي مجير ... سوى عطفكم فاعدلوا أَو فجوروا) (وَمَالِي سوى طيفكم زائر ... فَلَا تمنعوه إِذا لمْ تزوروا) (يعزّ عَليّ بِأَن الْفُؤَاد ... لديكم أَسِير وعنكم أَسِير) (وَمَا كنت أعلم أَنِّي أعيش ... بعد الْأَحِبَّة إِنِّي صَبُور) (وفتْ أدمعي غير أنّ الْكرَى ... وقلبي وصبري كلُّ غَدُور) (إِلَى نَاس باناس لي صبوةٌ لَهَا الوجد داعٍ وذكرى مثير) (يزِيد اشتياقي وينمو كَمَا ... يزِيد يزِيد وثورا يثور) (من بردى بَرْدُ قلبِي المشوق ... فها أَنا من حره مستجير) (وبالمرج مرْجُوُّ عْيشي الَّذِي ... على ذكره العذْب عيشي مرير) (فقدتكم ففقدت الْحَيَاة ... وَيَوْم اللِّقَاء يكون النشور) (تطاول لسؤلي عِنْد الْقصير ... فَعَن نيله الْيَوْم باعي قصير) (وَكن لي بريداً بِبَاب الْبَرِيد ... فَأَنت بأخبار شوقي خَبِير) (مَتى تَجِد الرّيّ بالقريتين ... خوامس أثر فِيهَا الهجير) (وَنَحْو الجليجل أُزْجى المطيَّ ... لقد جلّ هَذَا المرام الخطير) (تراني أُنيخ بِأَدْنَى ضمير ... مطايا براها الوجا والضمور) (وَعند القطيفة المشتهاة ... قُطوف بهَا للأماني سفور) (وَمِنْهَا بُكوري نَحْو القُصَير ... ومنية عمري ذَاك البكور) (وَيَا طِيب بُشراي من جلق ... إِذا جَاءَنِي بالنجاح البشير) (ويستبشر الأصدقاء الكرامُ ... هُنَالك بِي وتُوفي النذور) (ترى بالسلامة يَوْمًا يكون ... بِبَاب السَّلامَة منّي عبور)

стр. 790

(وَإِن جوازي بِبَاب الصَّغِير ... لَعَمْري من العُمر حظّ كَبِير) (وَمَا جنَّة الْخلد إِلَّا دمشق ... وَفِي الْقلب شوق إِلَيْهَا سعير) (ميادينها الْخضر فيحّ الرّحاب ... وسلسالها العذب صافٍ نمير) (وجامعها الرحب والقبة المنيفة ... والفلك المستدير) (وَفِي قبّة النسْر لي سادة ... بهم للمكارم أفق مُنِير) (وَبَاب الفراديس فرْدوسها ... وسُكانها أحسن النَّاس حور) (والارزة فالسّهم فالنيربان ... فجنات مزتها فالكفور) (كَأَن الجواسق مأهولةً ... بروجٌ تطلع مِنْهَا البدور) (بنيربها تتبرا الهموم ... بربوتها يتربى السرُور) (وَمَا غر فِي الربوة العاشقين ... بالْحسنِ إلاّ الرّبيب الغرير) (وَعند المغارة يَوْم الْخَمِيس ... أغار على الْقلب منيّ مغير) (وَعند المنيبع عين الْحَيَاة ... مدى الدَّهْر نابعة مَا تغور) (بجسر ابْن شواش تمّ السّكُون ... لنَفْسي بنفسي تِلْكَ الجسور) (وَمَا أنس لَا أنس أُنْس العبور ... على جسر جسرين إِنِّي جسور) (وَكم بت ألهو بِقرب الحبيب ... فِي بَيت لِهْيا ونام الغيور) (فَأَيْنَ اغتباطيَ بالغوطتين ... وَتلك اللَّيَالِي وَتلك العصور) (وأشجار سطرا بَدَت كالسطور ... نمقَهُنّ البليغ الْبَصِير)

стр. 791

(وأيْن تأملْت فُلكٌ يَدُور ... وعينٌ تفورُ وبحرٌ يمور) (وَأَيْنَ نظرت نسيمٌ يرِقّ ... وزهرٌ يروق وَروض نضير) (إلام القساوة يَا قاسيون ... وَبَين السّنا يتجلّى سَنير) (ومنذ ثوى نور دين الْإِلَه ... لم يبْق للدّين والشّام نور) (وللنّاس بِالْملكِ النَّاصِر الصّلاح ... صلاحٌ ونصرٌ وَخير) (هُوَ الشَّمْس أفلاكه فِي الْبِلَاد ... ومطلعه سَرْجه والسرير) (إِذا مَا سَطَا أَو حبا واحتبى ... فَمَا اللَّيْث من حاتمٌ مَا ثبير) (بِيُوسُف مصر وأيامه ... تقر الْعُيُون وتشفى الصُّدُور) (ملكت فأسْجح فَمَا للبلاد ... سواك مجيرٌ وَمولى نصير) (وَفِي مِعْصم الْملك للعزّ مِنْك ... سوارٌ ومنك عَليّ الديِّن سُور) (لَك الله فِي كل مَا تبتغيه ... بحقٍ ظهيرٌ وَنعم الظّهير) (أما المفسدون بِمصْر عصْوك ... وهذي دِيَارهمْ الْيَوْم قور) (أما الأدعياء بهَا إِذْ نشطت ... لإبعادهم زَالَ مِنْك الفتور) (وَيَوْم الفرنج إِذا مَا لقوك ... عبوس برغمهم قمطرير) (نهوضا إِلَى الْقُدس يشفى الغليل ... بِفَتْح الْفتُوح وماذا عسير) (سَلِ الله تسهيل صَعب الخطوب ... فَهُوَ على كل شَيْء قدير) (إِلَيْك هجرت مُلُوك الزَّمَان ... فَمَا لَك وَالله فيهم نَظِير) (وفجرك فِيهِ الْقرى والقُران ... جَمِيعًا وفجر الْجَمِيع الْفُجُور) (وَأَنت تريق دِمَاء الفرنج ... وَعِنْدهم لَا تراق الْخُمُور)

стр. 792

فصل فِي فتح بعلبك قَالَ الْعِمَاد وَلما فرغ السُّلْطَان من حمص وحصنها سَار إِلَى بعلبك فتسلمها فِي رَابِع شهر رَمَضَان قَالَ ابْن أبي طيّ وَكَانَ بهَا خَادِم يُقَال لَهُ يمن فَلَمَّا شَاهد كَثْرَة عَسَاكِر السّلطان اضْطربَ فِي أمره وراسل مَنْ بحلب على جنَاح طَائِر فَلم يرجع إِلَيْهِ مِنْهُم خبر فَطلب الْأمان وَسلم بعلبك إِلَى السُّلْطَان قَالَ الْعِمَاد وهنأته بِأَبْيَات مِنْهَا (بفتوح عصرك يَفْخر الْإِسْلَام ... وبنُور نصرك تُشرق الْأَيَّام) (وبفتح قلعة بعلبك تهذّبت ... هذي الممالك واستقام الشّام) (وَبكى الْحسُود دَمًا وثغر الثّغر من ... فَرح بنصرك للهدى بَسَّام) (فتح تَسنّى فِي الصيّام كأننا ... شكرا لما منح الْإِلَه صِيَام) (من ذَا رأى فِي الصّوم عيد سَعَادَة ... حلّت لنا وَالْفطر فِيهِ حرَام) (أسدي صَلَاح الدّين والدّنيا يدا ... بنوالها سوقُ الرّجاء تُقَام) (فتملّ فتحك واقصد الْفَتْح الَّذي ... بحصوله لفتُوحك الْإِتْمَام) (دُمْ للعُلا حَتَّى يَدُوم نظامها ... واسلْم يعزَّ بنصرك الْإِسْلَام) قَالَ ولزمت خدمته أرحل برحيله وَأنزل بنزوله وَكنت لَيْلَة عِنْده وَهُوَ يذكر جمَاعَة من شعراء الزَّمَان وَعِنْده ديوَان الْأَمِير مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد بن سديد الْملك عَليّ بن منقذ وَهُوَ بِهِ مشغوف وخاطره على تَأمله

стр. 793

مَوْقُوف وَإِلَى استحسانه مَصْرُوف وَقد اسْتحْسنَ قصيدة لَهُ طائية لَو عَاشَ الطائيان لأقرَّا بفضلها وَإِن خواطر المبتكرين لتقصر عَن مثلهَا على أَن الشُّعَرَاء الْمُحدثين مَا مِنْهُم إِلَّا من نظم على رويها ووزنهاواستمد خصب خاطره من مُزنها فَمنهمْ المعري وَابْن أبي حَصِينَة والأرجاني

стр. 794

والصالح بن رزيك وَقد أوردت جَمِيعهَا فِي كتاب الخريدة ومطلع قصيدة المعرّي (لمن جيرة سيموا النوال فَلم ينطوا ...) فنظمت فِي السُّلْطَان وَنحن على بعلبك بتاريخ انسلاخ شعْبَان قصيدة طائية مِنْهَا (عَفا الله عَنْكُم مالكم أَيهَا الرّهط ... قسطتم وَمن قلب المحبّ لكم قسط) (شرطتم لنا حفظ الوداد وخنتم ... حنانيكم مَا هَكَذَا الودّ وَالشّرط) (جعلتم فؤاد المُسْتهام بكم لكم ... محطا فَعَنْهُ ثقل همكم حطوا) (ملتكم فأنكرتم قديم موَّدتي ... كَأَن لم يكن فِي الْبَين معرفَة قطّ) (فدت مهجتي من لَا يذم لمهجتي ... إِذا حاكمته وَهُوَ فِي الحكم مشتط) (وَمَا كنت أَدْرِي قبل سطوة طرفه ... بِأَن ضَعِيفا فاترا مثله يَسْطُو) (وأهيف للإشفاق من ضعف خصره ... يحلُّ نطاقا للقلوب بِهِ ربط) (يلازم قلبِي فِي الْهوى الْقَبْض مِثْلَمَا ... يلازم كفَّ النَّاصر الْملك الْبسط) (مليكٌ حوى الْملك الْعَقِيم بضبطه ... كريمٌ وَمَا لِلْمَالِ فِي يَده ضبط) (إِذا لُثمت أَيدي الْمُلُوك فَعنده ... مدى الدَّهْر إجلالا لَهُ تلثم الْبسط)

стр. 795

(عَنَّا لَك طَوْعًا نيلُ مصر ودجلةُ الْعِراق ... ودان العُرب والعُجم والقبط) (وللنيل شطٌ يَنْتَهِي سيبه بِهِ ... ونَيْلُك للرَّاجين نِيلٌ وَلَا شطُّ) (عدوُّك مثل الشّمع فِي نَار حقده ... لَهُ عنق إصْلَاح فاسده القط) وَهِي ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ بَيْتا ولسعادة الْأَعْمَى قصيدة طائية فِي السُّلْطَان سَيَأْتِي ذكرهَا قَالَ الْعِمَاد وَلما وصلتُ إِلَى السُّلْطَان ورغبت مِنْهُ فِي الْإِحْسَان وجدته لأمري مغفلا ولشغلي مهملا ثمَّ عرفت أنّ حسّادي قَالُوا لَهُ مَتى أعدت ديوَان الْكِتَابَة إِلَى الْعِمَاد وَهُوَ لَا شكّ بِمحل الوثوق والاعتماد وَهَذَا منصب الْأَجَل الْفَاضِل وَهُوَ عِنْده فِي أجل الْمنَازل رُبمَا ضَاقَ صَدره وتشعّث سرّه فَلَمَّا عرفت هَذَا الْمَعْنى لجأت إِلَى الْفضل الفاضليّ لِأَنَّهُ بِهِ يعْنى فَقَامَ بأَمْري ونوّه بقدري وأراح سرّي وشدّ أزري فصل فِيمَا جرى للْمَوَاصلة والحلبييّن مَعَ السُّلطان فِي هَذِه السّنة قَالَ ابْن شَدَّاد وَلما أحسّ سيف الدّين صَاحب الْموصل بِمَا جرى علم أَن الرّجل قد استفحل أمره وَعظم شَأْنه وعَلَت كَلمته وَخَافَ أَنه إِن غفل عَنهُ استحوذ على الْبِلَاد واستقرّ قدمه فِي الْملك وتعدّى الْأَمر إِلَيْهِ فَجهز عسكرا وافراً وجيشاً عَظِيما وقدّم عَلَيْهِم أَخَاهُ عز الدّين مسعودا

стр. 796

وَسَارُوا يُرِيدُونَ لِقَاء السُّلْطَان وَضرب المصاف مَعَه وردّه عَن الْبِلَاد فوصل إِلَى حلب وَالسُّلْطَان بحمص وانضم إِلَيْهِم من كَانَ بحلب من الْعَسْكَر وَخَرجُوا فِي جمع عَظِيم وَلما عرف السّلطان بمسيرهم سَار حَتَّى وافاهم بقرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أَن يصالحهم فَمَا صالحوه وَرَأَوا أنّ المصاف رُبمَا نالوا بِهِ الْغَرَض الْأَكْبَر وَالْمَقْصُود الأوفر وَالْقَضَاء يجرّ إِلَى أمورٍ وهم بهَا لايشعرون وَقَامَ المصاف بَين العسكرين فَقضى الله تَعَالَى أَن انكسروا بَين يَدَيْهِ وأَسر جمَاعَة مِنْهُم ومنّ عَلَيْهِم وأطلقهم وَذَلِكَ عِنْد قُرُون حماة فِي تَاسِع عشر شهر رَمَضَان ثمّ سَار عقيب انكسارهم وَنزل على حلب وَهِي الدفعة الثَّانِيَة وصالحوه على أَن أَخذ المعرّة وَكفر طَابَ وبارين وَقَالَ الْعِمَاد لما تسلم السُّلْطَان قلعة بعلبك عَاد إِلَى حمص وَقد وصل عز الدّين مَسْعُود أَخُو صَاحب الْموصل إِلَى حلب نجدة وَلما عرفُوا أَن السُّلْطَان مَشْغُول بالحصون جاؤوا إِلَى حماة فحصروها وراسلوا فِي الصُّلْح فَقدم السُّلْطَان فِي خف من اصحابه وَجَاء كُمُشتكين وَابْن العجمي وَغَيرهمَا وأجابهم السُّلْطَان إِلَى مَا طلبُوا وَأَن يردّ عَلَيْهِم الْحُصُون وَأَن يقنع بِدِمَشْق نَائِبا عَن الْملك الصَّالح وَله خاطباً وعَلى الانتماء إِلَيْهِ مواظباً وَأَن يردّ كلّ مَا أَخذه من الخزانة وَأَن يسْلك فِيهِ سَبِيل الْأَمَانَة فلّما رَأَوْهُ مجيباً لكلّ مَا يلْتَمس مِنْهُ وَهُوَ فِي عَسْكَر خَفِيف قَالُوا مَا خَبره ضحيح فشرعوا فِي الاشتطاط وطلبوا الرّحبة وأعمالها فَقَالَ هِيَ لِابْنِ عمي

стр. 797

نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه وَكَيف أُلحق بِهِ فِي رضاكم الْمَكْرُوه فنفروا وجفلوا وَأَصْبحُوا على الرحيل إِلَى جَانب العَاصِي قَرِيبا من شيزر وجمعوا الْعَسْكَر وأظهروا أَنهم على المصاف وعزم الانتصاف فعبَّر السّلطان إِلَى سفح قُرُون حماة خيامه وركز على مقابلتهم أَعْلَامه وَوصل الْعَسْكَر المصريّ فِي عشرَة من المقدّمين مِنْهُم فرخشاه وَأَخُوهُ تقيّ الدّين والتقوا فَهَزَمَهُمْ السُّلْطَان وَنزل على مَنْزِلَتهمْ قَالَ الْعِمَاد وَمِمَّا نظمت فِي هَذِه الْوَقْعَة فِي مدح نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه قصيدة فقد كَانَ لَهُ فِيهَا غناء وبلاء حسن مِنْهَا (ولَقَدْ ألِفتُ نِفارها وهَوَيْتها ... إِذْ لَيْسَ يُنكر للظباء نفار) (يَا جَارة للقلب جائرة دَعِى ... ظُلمي وإلاّ قلتُ جَار الْجَار) (قلبِي كطرفك مَا يفِيق إفاقة ... سَكرَان مَا دارت عَلَيْهِ عقار) (صَبُّ بصب الدمع محترق الحشا ... خطرت ببال بلائه الأخطار) (لم يخْش من خطر الْهوى حَتَّى حمى ... ذَاك القوام شبيهه الخطار) (يذرى الدُّمُوع كأنهنّ عوارفٌ ... لاِبْن المملّك شيركوه غزار) (من آل شاذي الشائدين بنى الْعلَا ... أركانهن لهاذمٌ وشفار) (حسنت بهم للدولة الْأَيَّام والأعمال ... وَالْأَحْوَال والْآثَار) (قد حَاز ملك الشَّام يوسفٌ الذّي ... فِي مصر تغبط عصره الْأَعْصَار) (نصرَ الهُدى فتوطد الْإِسْلَام فِي ... أَيَّامه وتضعضع الْكفَّار) (لما لقِيت جموعهم منظومة ... صيرت ذَاك النّظم وَهُوَ نثار) (فِي حالتي جُودٍ وبأسٍ لم يزل ... للتّبر والأعداء مِنْك تبار)

стр. 798

(تهب الألوف وَلَا تهاب ألوفهم ... هان الْعَدو عَلَيْك وَالدِّينَار) (لما جرى العَاصِي هُنَالك طَائِعا ... بدمائهم فخرت بِهِ الْأَنْهَار) (وتحطمت عِنْد الْقُرُون قرونهم ... بل كلت الأنياب والأظفار) (عبروا المعرة مالكين معرّة ... والعار يملك تَارَة ويعار) (أَو مَا كفاهم يَوْم حمص وكفّهم ... فِي بعلبك بِمِثْلِهَا الْإِنْذَار) قَالَ وهنأت الْملك المظفر تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب بقصيدة مِنْهَا (لَا تفن من فرق الْفِرَاق الأدمعا ... فَهِيَ الشُّهُود على الغرام المدّعى) (واستبق صبرك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهُ ... عون لقلبك إِن هُما ثبتا مَعًا) (قلبٌ أَصَابَته الْعُيُون وَلم يزل ... من مسّها بالهاجسات مروعا) (مَا باله قد صدّ عِنْد صدودهم ... عنّي وَلما ودّعوني ودعا) (وَمن التحيّر أنني أبصرته ... فِي ظعنهم وَسَأَلت عَنهُ الأضلعا) (أَصبَحت إِذْ شيّعتهم لثَلَاثَة ... صبري وغمضي والفؤاد مشيعا) وَمِنْهَا (أَو مَا اتقيتم حِين رعتم سر بِهِ ... فِيهِ تقيّ الدّين ذَاك الأروعا) (عمر بن شاهنشاه من هُوَ عامرٌ ... أَرْكَان ملك الشَّام حِين تضعضعا) (خضع العدوّ وذلّ بعد تعزز ... لكم وَحقّ عَدوكُمْ أَن يخضعا)

стр. 799

(من معشر غر يرَوْنَ جَمِيع مَا ... لم يبذلوه فِي السَّماح مضيعا) (فِي مصر واليمن اجتلينا مِنْهُم ... فِي عصرنا تبعا ليوسف تُبعا) (الحاويان بِملك مصر ومكةٍ ... وَالشَّام واليمن الحظايا الأربعا) (لما عصى الْأَعْدَاء بالعاصي جرى ... بدمائهم طَوْعًا سيولا دُفَّعا) وَقَالَ ابْن أبي طي لما تسلم السطان بعلبك وأزاح عللها عَاد إِلَى حمص وَنزل بهَا فاتصل بِهِ وُرُود عزّ الدّين مَسْعُود أخي سيف الدّين صَاحب الْموصل نجدةً للْملك الصَّالح وَكَانَ سَبَب وُرُوده أَن جمَاعَة أُمَرَاء حلب لما كَانَ السُّلْطَان نازلا على حلب أَجمعُوا على آرائهم وكاتبوا سيف الدّين وألزموه نجدة ابْن عَمه وَأَخْبرُوهُ أَن السُّلْطَان مَتى ملك حلب لم يكن لَهُ قصد إِلَّا الْموصل وَأَرْسلُوا بذلك أَمِين الدّين هاشماً خطيب حلب وقطب الدّين ينَال بن حسان وغرس الدّين قليج وَكَانَ سيف الدّين منازلا لسنجار وفيهَا أَخُوهُ عماد الدّين زنكي وَكَانَ عماد الدّين قد أظهر الانتماء إِلَى السُّلْطَان فأنجده السُّلْطَان بِقِطْعَة من جَيْشه فكسرهم ونهبهم عماد الدّين بهم وبعسكره فَلَمَّا وصلت رِسَالَة الحلبيين إِلَى سيف الدّين صَالح أَخَاهُ عماد الدّين وحشد عسكره وأنفذ نخبهم مَعَ أَخِيه عز الدّين مَسْعُود فورد حلب بعد رحيل السُّلْطَان عَنْهَا إِلَى بعلبك فاغتنم الحلبيون بُعد السُّلْطَان عَنْهُم فاحتشدوا وَخَرجُوا جَمِيعًا حَتَّى خيموا على حماة وَأخذُوا فِي حصارها واتصل بالسلطان ذَلِك فَرَحل من بعلبك إِلَى حمص وَبلغ عز الدّين فَعَاد

стр. 800

عَن حماة وَنزل قَرِيبا من جباب التركمان إِلَى جِهَة العَاصِي إِلَى قريب من شيزر وراسل النَّائِب بحماة عَليّ بن أبي الفوارس يَقُول لَهُ إِنَّمَا وصلت فِي إصْلَاح الْحَال وَوضع أوزار الْقِتَال وَسَأَلَهُ مُكَاتبَة السُّلْطَان فِيمَا يجمع الْكَلِمَة ويلم شعث الْفرْقَة فَكتب ابْن أبي الفوارس بذلك إِلَى السُّلْطَان وحَسَّن لَهُ الصُّلح وتلطف فِي ذَلِك غَايَة التلطف وَقدم أَبُو صَالح بن العجمي وَسعد الدّين كمشتكين لطلب الصُّلْح فأجابهما السُّلْطَان إِلَى مَا أَرَادَا وتقرر الْأَمر على أَنه يرد إِلَيْهِم جَمِيع الْحُصُون والبلاد ويقنع بِدِمَشْق وَحدهَا وَيكون نَائِبا للْملك الصَّالح فَلَمَّا عاين سعد الدّين إِجَابَة السُّلْطَان إِلَى الصُّلْح وَالنُّزُول عَن جَمِيع الْحُصُون الَّتِي أَخذهَا حمص وحماة وبعلبك طمع فِي جَانب السُّلْطَان وَتجَاوز الْحَد فِي الاقتراح وَطلب الرحبة وأعمالها فَقَالَ هِيَ لإبن عمي وَلَا سَبِيل إِلَى أَخذهَا فَقَامَ سعد الدّين من بَين يَدَيْهِ نافرا وَكَانَ ذَلِك بِرَأْي أبي صَالح ابْن العجمي لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه فاجتهد السُّلْطَان بِهِ أَن يرجع فَلم يفعل وَخرج إِلَى عز الدّين مَسْعُود وَكَانَ بعدُ نازلا على حماة وحدثه مَا دَار بَينه وَبَين السُّلْطَان وهون عَلَيْهِ أَبُو صَالح أَمر السُّلْطَان وَأخْبرهُ بقلّة من مَعَه وَكَانَ السُّلْطَان لما كُوتِبَ فِي أَمر الصُّلْح سَار فِي خفّ من أَصْحَابه فَلَمَّا علمُوا بذلك طمعوا فِي جَانِبه وعوّلوا على لِقَائِه وانتهاز الفرصة فِي أمره فكاتب بَاقِي أَصْحَابه واستعدّ لحربهم وَسَار إِلَى أَن نزل على قُرُون حماة وَأخذ فِي مدافعة الْأَيَّام حَتَّى يقدم عَلَيْهِ بَاقِي عسكره وراسلهم فِي

стр. 801

التلطف للأحوال فَلم ينجع فيهم حَال وَكَانُوا فِي كلّ يَوْم يعزمون على لِقَائِه وقتاله فَيبْطل عزيمتهم بمراسلة يفتعلها تسويفا للأوقات وتقطيعا للزمان حَتَّى يقدم عَلَيْهِ عسكره وَكَانَت هيبته قد مَلَأت صُدُور الْقَوْم وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا قد ناهزوا الفُرصة ونالوا مِنْهُ الْغَرَض قَالَ وَفِي يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شهر رَمَضَان الْتَقَوْا وَلم يكن بعد وصل السُّلْطَان من عسكره أحد فتجمع أَصْحَاب السُّلْطَان كردوسا وَاحِدًا وَأخذُوا يحملون يمنة ويسرة ويدافعون الْأَوْقَات رَجَاء أَن يتَّصل بهم بعض الْعَسْكَر وضرى عَسْكَر حلب والعسكر الموصليّ على أَصْحَاب السُّلْطَان حِين شاهدوا قلتهم واجتماعهم وَكَاد أَصْحَاب السُّلْطَان يولون الإدبار فوصل تَقِيّ الدّين عمر عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ لتَمام سَعَادَة السُّلْطَان فَإِنَّهُ لَو تَأَخّر سَاعَة انْكَسَرَ عسكره فوصل تقيّ الدّين فِي عَسْكَر مصر وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وهم غير عَالمين بِأَن الْحَرْب قَائِمَة فَلَمَّا رَأَوْا النَّاس فِي الكرّ وَالضَّرْب الهبر حملُوا جَمِيعًا بعد أَن افْتَرَقُوا فِي الميمنة والميسرة فصدموا عَسْكَر الْموصل صدمة ضعضعتهم وَكَانَ السُّلْطَان فِي هَذِه الْمدَّة قد كَاتب جمَاعَة من عَسْكَرهمْ واستفسدهم إِلَيْهِم وَحمل إِلَيْهِم الْأَمْوَال وَهَذَا هُوَ الَّذِي بطأ بهم إِلَى أَن وصلت عساكره وَإِلَّا لَو كَانَ عَسْكَر حلب نصح لم يقدر السُّلْطَان على الثُّبُوت سَاعَة فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَال لم تنصح الْجَمَاعَة الَّتِي كاتبها السُّلْطَان بل كَانُوا مثبطين مخوفين لمن قرُب مِنْهُم ثمَّ إِنَّهُم بعد ذَلِك انْهَزمُوا وتبعهم

стр. 802

عَسْكَر السُّلْطَان واستباحوا أَمْوَالهم وخيامهم وَأمر السُّلْطَان أَصْحَابه أَلا يوغلوا فِي طَلَبهمْ وَلَا يقتلُوا من رَأَوْهُ مُنْهَزِمًا وَلَا يذففوا على جريح ورحل حَتَّى نزل فِي مَنْزِلَتهمْ ثمَّ سَار من وقته مجداً حَتَّى نزل بمرج قرا حِصَار وَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى عيّد عيد الْفطر فَجَاءَتْهُ رسل الْملك الصَّالح يسألونه المهادنة وَأَن يُقرّر الْملك الصَّالح على مَا فِي يَده وَمَا هُوَ جارٍ تَحت حكمه من الشَّام الْأَسْفَل إِلَى بلد حماة فَلم يرض بذلك فَجعلُوا لَهُ حماة المعرة وَكفر طَابَ فرضى بذلك وَحلف على نُسْخَة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه قَالَ وَكَانَ فِي جملَة الْيَمين أَنه مَتى قصد الْملك الصَّالح عدوٌّ حضر بِنَفسِهِ وجيوشه ودافع عَنهُ وَألا يُغير الدّعاء لَهُ من جَمِيع مَنَابِر الْبِلَاد الَّتِي تَحت يَد السُّلْطَان وولايته وَولَايَة أَصْحَابه وَأَن تكون السِّكَّة باسمه وَلما حلف السُّلْطَان وَالْملك الصَّالح وأمراؤه عَاد السُّلْطَان قَاصِدا دمشق فَلَمَّا وصل إِلَى حماة وصلت إِلَيْهِ رسل الْخَلِيفَة المستضيء وَمَعَهُمْ التشريفات الجليلة والأعلام السود وتوقيعٌ من الدِّيوَان بالسلطنة بِبِلَاد مصر وَالشَّام وَفِي هَذِه الْخلْع يَقُول ابْن سَعْدَان الْحلَبِي

стр. 803

(يَا أَيهَا الْملك الغزير فَضله ... لقد غَدَوْت بالعُلا مَلِيًّا) (كفى أَمِير الْمُؤمنِينَ شرفا ... أَنَّك أَصبَحت لَهُ وليّا) (طارحك الودّ على شحط النّوى ... فَكنت ذَاك الصّادق الوّفيا) (أوْلاكَ من لِبَاسه زخرفة ... لم يولها قبلك آدَمِيًّا) (ناسبت الرّوض سنا وبهجة ... حَتَّى حكته رونقاً وزيّا) قَالَ ورحل السُّلْطَان من حماة إِلَى بعرين وَكَانَ فِيهَا فَخر الدّين مَسْعُود بن الزّعفراني وَكَانَ خرج إِلَى السُّلْطَان لما وصل إِلَى الشَّام وتطارح عَلَيْهِ وخدمه وظنّ أَن السُّلْطَان يقدمهُ على عساكره فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ فَترك السُّلْطَان وَعَاد إِلَى حصن بعرين فأغضب السُّلْطَان ذَلِك وَسَار إِلَيْهِ وحاصره حَتَّى تسلم حصنه وَقَالَ الْعِمَاد نزل السُّلْطَان قراحصار بنيَّة الْحصار فَجَاءَت رسلهم بالانقياد وَأَجَابُوا إِلَى المُرَاد وَقَالُوا اقنعوا بِمَا أخذتموه إِلَى حماة وَلَا تشمتوا بِنَا العداة فاستزدنا عَلَيْهِم كفر طَابَ والمعرّة واستوفينا عَلَيْهِم الْأَيْمَان المستّقرة وسألهم فِي المعتقلين إخْوَة مجد الدّين فَأَجَابُوا وأفرجوا عَنْهُم وتمّ الصُّلْح وعمّ النجح ورحلنا ظَاهِرين ظافرين ونزلنا حماة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر شَوَّال وَبهَا وصلت إِلَيْهِ رسل الدِّيوَان الْعَزِيز بالتشريفات والتقليد بِمَا أَرَادَ من الولايات وأفاضوا على السُّلْطَان وأقاربه الْخلْع وَخص نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بمزيد تَفْضِيل على أقَارِب السُّلْطَان وَكَأَنَّهُ رِعَايَة لحق وَالِده أَسد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 804

ثمَّ تسلم السُّلْطَان حصن بعرين وَكَانَ بيد الْأَمِير فَخر الدّين مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي وَهُوَ من أكَابِر أُمَرَاء نور الدّين وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر شَوَّال وأقطع مَدِينَة حماة خَاله وصهره الْأَمِير شهَاب الدّين مَحْمُودًا وأنعم بحمص على ابْن عَمه نَاصِر الدّين قَالَ الْعِمَاد وأذكر أنَّا عبرنا نهر العَاصِي عائدين وَقد انكسفت الشَّمْس وادلّهم النَّهَار وَغلب على الْقُلُوب الاستشعار وطاحت الْأَنْوَار وخفيت الرّسوم وَظَهَرت النُّجُوم وَجِئْنَا حمص ثمَّ بعلبك ثمَّ الْبِقَاع ووصلنا دمشق فِي ذِي الْقعدَة فصل قَالَ الْعِمَاد قد سبق ذكر مَا قَرَّرَهُ حُسّادي فِي خاطر السُّلْطَان وَقَالُوا شُغله الْمُكَاتبَة وَهِي منصب الْأَجَل الْفَاضِل وَهُوَ يَسْتَنِيب فِيهِ من يرَاهُ من الأفاضل وَهَذَا تَصْرفُه برِفدٍ جزيل ووجهٍ جميل وَالسُّلْطَان مَعَ شدّة رغبته مُتَوَقف وَإِلَى ظُهُور وَجه النّجاح فِي أَمْرِي متشوف وَكنت قد أنست مُدَّة مقَامي بالمعسكر بِذِي الْمجد والمفخر ومورد الْكَرم والمصدر الْأَمِير نجم الدّين بن مصال وَهُوَ ذُو فضل وإفضال وَقبُول وإقبال وَله من السُّلْطَان وَمن الْفَاضِل لجلالة قدره إجلال وَقد مَال إِلَى لفضله ونباهته ونبله وَكَانَ أَبوهُ قد وزر لِلْحَافِظِ فِي آخر عَهده

стр. 805

متفرّدا بسؤدده ومجده وَكَانَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والتّقى والورع والعفاف وَالطَّاعَة وَله يدٌ عِنْد السُّلْطَان فِي النُّوب الَّتِي قصدُوا فِيهَا مصر وأجزل عِنْده الْإِحْسَان والبّر لاسيما عِنْد كَونه بالإسكندرية محصورا وَكَانَ إحسانه مشكورا واعتناؤه لحفظه مَشْهُورا فَلَمَّا ملك أحبّه وَاخْتَارَ قربه فلزْمت لَهُ التودد وَإِلَيْهِ التَّرَدُّد وَجَعَلته الْوَسِيط بيني وَبَين الْأَجَل الْفَاضِل واتخذته من الْحجَج والوسائل ووقفت خاطري على تقاضيه نظما ونثرا ورسالة وشعرا فَمن ذَلِك مَا كتبته إِلَيْهِ (لَعَلَّ نجم الدّين ذَا الْفضل ... يذكرالفاضل فِي شُغلي) (إنّ أجلّ النَّاس قدرا فَتى ... بفضله يتْعب من أَجلي) (ومثلُه من يعتنى بالعلا ... ويستديم الْحَمد من مثلي) قَالَ وَأول مَا أهديته للفاضل مِدْحَة حِين لَقيته بحمص فِي شعْبَان مِنْهَا (عَايَنت طود سكينَة وَرَأَيْت شمس ... فَضِيلَة ووردت بَحر فواضل) (وَرَأَيْت سحبان البلاغة ساحبا ... ببيانه ذيل الفخار لِوَائِل) (أَبْصرت قُسّا فِي الفصاحة معجزا ... فَعرفت أَنِّي فِي فهامه بَاقِل) (حلف الحصافة والفصاحة والسماحة ... والحماسة والتقى والنائل) (بَحر من الْفضل الغزير خِضّمُّه ... طامي العُباب وَمَاله من سَاحل) (وجميعُ مَا فِي الأَرْض سَبْعَة أبحر ... وبحوره تُسْمى بِعشر أنامل) (فِي كَفه قلم يعجل جريه ... مَا كَانَ من أجل ورزق اجل) (يجْرِي وَلَا جري الحسام إِذا جرى ... حدّاه بل جرْى الْقَضَاء النَّازِل) (نابت كِتَابَته مناب كَتِيبَة ... كفلت يهْزم كتائب وجحافل) (فَعدُوّه فِي عدوه ووليّه ... فِي عدله أكرمْ بِعادٍ عَادل)

стр. 806

(ريّان من مَاء التّقي صادٍ إِلَى ... كسب المحامد وَهِي خير مناهل) (يَا وَاحِد الْعَصْر الَّذِي بذ الورى ... فضلا بِغَيْر مشابه ومشاكل) (مَالِي وجاه الْجَاهِلين فأغنني ... عَنْهُم كفيتهم وَجُدْ بالجاه لي) (أرجوك معتنيا لَدَى السُّلْطَان بِي ... كرماً فمثُلك بعتني بأماثلي) (قرّر لي الشّغل المبجل مُخليا ... بالي من الهمّ الْمُقِيم الشاغل) قَالَ فَدخل الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان وعرّفه أَنه فيّ رَاغِب وَقَالَ أَنا لَا يمكنني الْمُلَازمَة الدائمة فِي كل سفرة وَغدا يكاتبك مُلُوك الْأَعَاجِم وَلَا تَسْتَغْنِي فِي الْملك عَن عقد الملطفات وحلّ التّراجم والعماد يَفِي بذلك وَلَك أختاره وَقد عُرف فِي الدولة النّورية مِقْدَاره وَأخذ لي خطّ السُّلْطَان بِمَا قَرَّرَهُ لي من شغلي وَقد عرف أَن الْأَجَل الْفَاضِل قد أجلّ فضلي قَالَ وخدمت أَمِير الْمُؤمنِينَ المستضيء فِي ذِي الْقعدَة مَعَ الرّسل بِهَذِهِ القصيدة (أصح عُيُون الغانيات مريضها ... وأفتك الحاظ الحسان غضيضها) يَقُول فِي مديحها (وَمن عجب صلت لقبلة بأسهم ... رُؤُوس أعادٍ من ظباهم محيضها) قَالَ ابْن أبي طيّ وَظهر فِي مشغرا قَرْيَة من قرى دمشق رجل ادّعى النّبوة وَكَانَ من أهل الْمغرب وَأظْهر من التخاييل والتمويهات مَا فتن

стр. 807

بِهِ النَّاس واتبّعه عَالم عَظِيم من الفلاحين وَأهل السوَاد وَعصى على أهل دمشق ثمَّ هرب من مشغرا فِي اللَّيْل وَصَارَ إِلَى بلد حلب وَعَاد إِلَى إفسادعقول الفلاحيّن بِمَا يُرِيهم من الشعبذة والتخاييل وَهوى امْرَأَة وعلّمها ذَلِك وادعّت أَيْضا النبّوة قَالَ وفيهَا توفّي شهَاب الدّين إلْيَاس الأرتقي صَاحب البيرة وَأوصى إِلَى الْملك النَّاصِر بولده شهَاب الدّين مُحَمَّد ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مئة قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان نَازل بمرج الصفر من دمشق فَجَاءَهُ رَسُول الفرنج يطْلب الْهُدْنَة فأجابهم السُّلْطَان بعد أَن اشْترط عَلَيْهِم أموراً فالتزموها وَكَانَ الشَّام ذَلِك الْعَام جدباً فَأذن السُّلْطَان للعساكر المصرية فِي الرحيل إِلَى بِلَادهمْ وَإِذا استغلوها خَرجُوا إِلَيْهِ وَسَار مَعَهم الْفَاضِل وَاعْتمد على الْعِمَاد فِيمَا كَانَ بصدده وواظب السُّلْطَان على الْجُلُوس فِي دَار الْعدْل وعَلى الصَّيْد ومدحه الْعِمَاد بقصيدة مِنْهَا (سواك لسهم الْعلَا لن يريشا ... فنسأل رب الْعلَا أَن تعيشا) (من النَّاس بالبّرِ صِدْت الْكِرَام ... وبالبأس فِي البِّر صدت الوحوشا) (وكمْ سرت من مصر نَحْو الْعَريش ... فهدّمت للْمُشْرِكين العُروشا)

стр. 808

(سراياك تبْعَث قُدّامها ... من الرعب نَحْو الأعادي جيوشا) (وَيَوْم حماة تركت العداة ... كَمَا طيرت بالفلا الرِّيحُ ريشا) قَالَ ومدحت مستهل ربيع الأول تقيّ الدّين بقصيدة موسومة وَكَانَ قد فوض إِلَيْهِ ولَايَة دمشق وَمِنْهَا بيتان ابتكرت الْمَعْنى فيهمَا وَلم أُسبق إِلَيْهِمَا وهما (يُفِيد الْعَاقِل اليقظ التّغابي ... ليدرك فِي الْغنى حظّ الغبيّ) (وَلم تصب السّهام على اعْتِدَال ... بهَا لَوْلَا اعوجاجٌ فِي القسيّ) (فَقل للدهر يقصر عَن عنادي ... أما هُوَ يتّقي بَأْس التّقيّ) (حَلَفت بِرَبّ مَكَّة والمصلى ... وثاوى تُرب طيبَة والغري) (لَأَنْتُم يَا بني أَيُّوب خير الورى ... بعد الإِمَام المستضي) قَالَ وَفِي أول هَذِه السّنة وصل إِلَى دمشق الْجَمَاعَة الَّذين خَرجُوا من بَغْدَاد مُوَافقَة لقطب الدّين قايماز فَأخذُوا لأَنْفُسِهِمْ بالالتجاء إِلَى السُّلْطَان الِاحْتِرَاز وَكَانَ قايماز هَذَا مُحكَّما فِي الدولة الإمامية من أول الْأَيَّام المستنجدية وقوى فِي الْأَيَّام المستضيئية على وَزِير الْخَلِيفَة عضد الدّين بن رَئِيس الرؤساء وسامه أَنْوَاع الْبلَاء وأخافه ورام إِتْلَافه حَتَّى استعاذ مِنْهُ برباط صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ فَسلم بِهِ

стр. 809

ثمَّ إِن قايماز خَالف الْخَلِيفَة وشقّ الْعَصَا وعنّ لَهُ حِصَار الداّر فَأمر الْخَلِيفَة بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَلم ينج لما أحيط بداره إِلَّا بِفَتْح بَاب فِي جِدَاره وَانْهَزَمَ فوصل إِلَى الْحلَّة فِي اوائل ذِي الْقعدَة سنة سبعين وَهُوَ فِي موسم الحجّ فَجمع رِجَاله وتوّجه إِلَى الْموصل وخانه إخوانه وخذله أَصْحَابه فَتوفي فِي بعض قرى الْموصل وتفرق أَصْحَابه فِي الْبِلَاد فَمنهمْ من رَجَعَ إِلَى بَغْدَاد وَمِنْهُم من أَتَى الشَّام مِنْهُم حسام الدّين تميرك وَعز الدّين أقبوري بن ازغش وَكَانَ صهر السُّلْطَان قَدِيما وَعِنْده كَرِيمًا فأقطعه فِي الديار المصرّية وَكتب فِي حقّه إِلَى الدِّيوَان شَفَاعَة فِي تَخْلِيص مَاله واستقامة حَاله وَكَانَ ذَا خَزَائِن مملوة وخيْلٍ مسَّومة فَلم يكن ذَنبه عِنْدهم فِي مُتَابعَة قايماز مِمَّا يقبل الصفح وَكَانَ أقبوري زوج أُخْت السُّلْطَان وَالسُّلْطَان خَال بنته وَهِي زَوْجَة عز الدّين فرخشاه ابْن أخي السُّلْطَان قلت وَفِي بعض الْكتب عَن السُّلْطَان إِلَى وَزِير بَغْدَاد بالمثال الفاضليّ وَمَا نحسب أَنا مَعَ الْمُوَالَاة المشتهرة والنصرة المستظهرة والمساعي الَّتِي كَانَت لثارات هَذِه الدولة بَالِغَة ولأعدائهم دامغة ولمنازعيهم الْأَمر قاصمة ولمجاذبيهم الحقَّ واقمة وبحقوق الله تَعَالَى الْوَاجِبَة لَهُم قَائِمَة وكوننا مَا أعنَّا مِنْهَا بنجدة من رجال وَلَا بمادة من مَال

стр. 810

وَلَا بإعانة بِحَال من الْأَحْوَال يردّ سؤالنا من الدّولة أَعْلَاهَا الله فِي ذِي قربى لَا نستطيع دَفعه وَلَا يقبل أَسبَاب النَّفْع إِذا أردنَا نَفعه فالأخباز عندنَا وَاسِعَة والأعواض لدينا غير متعذرة والولايات الَّتِي نفوضها إِلَيْهِ عَن كِفَايَته غير مستغنية وَلكنه مَا بَاعَ بمكانه من الْخدمَة مَكَانا وَلَا آثر غير سُلْطَانه سُلْطَانا وَله أعذار لَا بَأْس أَن نُعيره فِيهَا لِسَانا وبيانا ثمَّ ذكرهَا ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْأَمِير جُزْء منَّأ فَكيف يعد جُزْء منا عَاصِيا وبألسنتنا وسيوفنا يُدْعى الْخلق إِلَى الطَّاعَة وَكَيف تَخْلُو دَار الْخلَافَة من وَاحِد من أهلنا يَنُوب عَنَّا وَعَن بَقِيَّة الْجَمَاعَة فَنحْن فِي أَنْفُسنَا نشفع وَعَن جاهنا ندفع وَفِي مَكَاننَا نسْأَل وبحظنا الَّذِي لَا نسمح بِهِ لِلْإِسْلَامِ نبخل وَأَنت أَيهَا الْأَمِير السَّائر ثَالِث رَسُول ندب فِي أَمر هَذَا الْأَمِير وَالله وليّ التّدبير وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة كنت جَالِسا بَين يَدي الْملك النَّاصِر صَلَاح الدِّين بِدِمَشْق فِي دَار الْعدْل أنفذُ مَا يَأْمر بِهِ من الشّغل فَحَضَرَ سَعَادَة الْأَعْمَى من أهل حمص وَكَانَ مَمْلُوكا لبَعض الدمشقيين مولدا وَيكْتب على قصائده سعيد بن عبد الله فَوقف ينشد هَذِه القصيدة فِي عَاشر شعْبَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَهِي (حيتك أعطاف القدود ببانها ... لما انْثَنَتْ تيهاً على كثبانها) ثمَّ ذكر القصيدة وغزلها فِي وصف دمشق ثمَّ قَالَ
следующие страницы →