Полный текст (1 810 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
(ريّان من مَاء التّقي صادٍ إِلَى ... كسب المحامد وَهِي خير مناهل)
(يَا وَاحِد الْعَصْر الَّذِي بذ الورى ... فضلا بِغَيْر مشابه ومشاكل)
(مَالِي وجاه الْجَاهِلين فأغنني ... عَنْهُم كفيتهم وَجُدْ بالجاه لي)
(أرجوك معتنيا لَدَى السُّلْطَان بِي ... كرماً فمثُلك بعتني بأماثلي)
(قرّر لي الشّغل المبجل مُخليا ... بالي من الهمّ الْمُقِيم الشاغل)
قَالَ فَدخل الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان وعرّفه أَنه فيّ رَاغِب وَقَالَ أَنا لَا يمكنني الْمُلَازمَة الدائمة فِي كل سفرة وَغدا يكاتبك مُلُوك الْأَعَاجِم وَلَا تَسْتَغْنِي فِي الْملك عَن عقد الملطفات وحلّ التّراجم والعماد يَفِي بذلك وَلَك أختاره وَقد عُرف فِي الدولة النّورية مِقْدَاره وَأخذ لي خطّ السُّلْطَان بِمَا قَرَّرَهُ لي من شغلي وَقد عرف أَن الْأَجَل الْفَاضِل قد أجلّ فضلي
قَالَ وخدمت أَمِير الْمُؤمنِينَ المستضيء فِي ذِي الْقعدَة مَعَ الرّسل بِهَذِهِ القصيدة
(أصح عُيُون الغانيات مريضها ... وأفتك الحاظ الحسان غضيضها)
يَقُول فِي مديحها
(وَمن عجب صلت لقبلة بأسهم ... رُؤُوس أعادٍ من ظباهم محيضها)
قَالَ ابْن أبي طيّ وَظهر فِي مشغرا قَرْيَة من قرى دمشق رجل ادّعى النّبوة وَكَانَ من أهل الْمغرب وَأظْهر من التخاييل والتمويهات مَا فتن
стр. 807
بِهِ النَّاس واتبّعه عَالم عَظِيم من الفلاحين وَأهل السوَاد وَعصى على أهل دمشق ثمَّ هرب من مشغرا فِي اللَّيْل وَصَارَ إِلَى بلد حلب وَعَاد إِلَى إفسادعقول الفلاحيّن بِمَا يُرِيهم من الشعبذة والتخاييل وَهوى امْرَأَة وعلّمها ذَلِك وادعّت أَيْضا النبّوة
قَالَ وفيهَا توفّي شهَاب الدّين إلْيَاس الأرتقي صَاحب البيرة وَأوصى إِلَى الْملك النَّاصِر بولده شهَاب الدّين مُحَمَّد
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان نَازل بمرج الصفر من دمشق فَجَاءَهُ رَسُول الفرنج يطْلب الْهُدْنَة فأجابهم السُّلْطَان بعد أَن اشْترط عَلَيْهِم أموراً فالتزموها
وَكَانَ الشَّام ذَلِك الْعَام جدباً فَأذن السُّلْطَان للعساكر المصرية فِي الرحيل إِلَى بِلَادهمْ وَإِذا استغلوها خَرجُوا إِلَيْهِ وَسَار مَعَهم الْفَاضِل وَاعْتمد على الْعِمَاد فِيمَا كَانَ بصدده
وواظب السُّلْطَان على الْجُلُوس فِي دَار الْعدْل وعَلى الصَّيْد ومدحه الْعِمَاد بقصيدة مِنْهَا
(سواك لسهم الْعلَا لن يريشا ... فنسأل رب الْعلَا أَن تعيشا)
(من النَّاس بالبّرِ صِدْت الْكِرَام ... وبالبأس فِي البِّر صدت الوحوشا)
(وكمْ سرت من مصر نَحْو الْعَريش ... فهدّمت للْمُشْرِكين العُروشا)
стр. 808
(سراياك تبْعَث قُدّامها ... من الرعب نَحْو الأعادي جيوشا)
(وَيَوْم حماة تركت العداة ... كَمَا طيرت بالفلا الرِّيحُ ريشا)
قَالَ ومدحت مستهل ربيع الأول تقيّ الدّين بقصيدة موسومة وَكَانَ قد فوض إِلَيْهِ ولَايَة دمشق وَمِنْهَا بيتان ابتكرت الْمَعْنى فيهمَا وَلم أُسبق إِلَيْهِمَا وهما
(يُفِيد الْعَاقِل اليقظ التّغابي ... ليدرك فِي الْغنى حظّ الغبيّ)
(وَلم تصب السّهام على اعْتِدَال ... بهَا لَوْلَا اعوجاجٌ فِي القسيّ)
(فَقل للدهر يقصر عَن عنادي ... أما هُوَ يتّقي بَأْس التّقيّ)
(حَلَفت بِرَبّ مَكَّة والمصلى ... وثاوى تُرب طيبَة والغري)
(لَأَنْتُم يَا بني أَيُّوب خير الورى ... بعد الإِمَام المستضي)
قَالَ وَفِي أول هَذِه السّنة وصل إِلَى دمشق الْجَمَاعَة الَّذين خَرجُوا من بَغْدَاد مُوَافقَة لقطب الدّين قايماز فَأخذُوا لأَنْفُسِهِمْ بالالتجاء إِلَى السُّلْطَان الِاحْتِرَاز
وَكَانَ قايماز هَذَا مُحكَّما فِي الدولة الإمامية من أول الْأَيَّام المستنجدية وقوى فِي الْأَيَّام المستضيئية على وَزِير الْخَلِيفَة عضد الدّين بن رَئِيس الرؤساء وسامه أَنْوَاع الْبلَاء وأخافه ورام إِتْلَافه حَتَّى استعاذ مِنْهُ برباط صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ فَسلم بِهِ
стр. 809
ثمَّ إِن قايماز خَالف الْخَلِيفَة وشقّ الْعَصَا وعنّ لَهُ حِصَار الداّر فَأمر الْخَلِيفَة بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَلم ينج لما أحيط بداره إِلَّا بِفَتْح بَاب فِي جِدَاره وَانْهَزَمَ فوصل إِلَى الْحلَّة فِي اوائل ذِي الْقعدَة سنة سبعين وَهُوَ فِي موسم الحجّ فَجمع رِجَاله وتوّجه إِلَى الْموصل وخانه إخوانه وخذله أَصْحَابه فَتوفي فِي بعض قرى الْموصل وتفرق أَصْحَابه فِي الْبِلَاد فَمنهمْ من رَجَعَ إِلَى بَغْدَاد وَمِنْهُم من أَتَى الشَّام مِنْهُم حسام الدّين تميرك وَعز الدّين أقبوري بن ازغش وَكَانَ صهر السُّلْطَان قَدِيما وَعِنْده كَرِيمًا فأقطعه فِي الديار المصرّية وَكتب فِي حقّه إِلَى الدِّيوَان شَفَاعَة فِي تَخْلِيص مَاله واستقامة حَاله وَكَانَ ذَا خَزَائِن مملوة وخيْلٍ مسَّومة فَلم يكن ذَنبه عِنْدهم فِي مُتَابعَة قايماز مِمَّا يقبل الصفح وَكَانَ أقبوري زوج أُخْت السُّلْطَان وَالسُّلْطَان خَال بنته وَهِي زَوْجَة عز الدّين فرخشاه ابْن أخي السُّلْطَان
قلت وَفِي بعض الْكتب عَن السُّلْطَان إِلَى وَزِير بَغْدَاد بالمثال الفاضليّ وَمَا نحسب أَنا مَعَ الْمُوَالَاة المشتهرة والنصرة المستظهرة والمساعي الَّتِي كَانَت لثارات هَذِه الدولة بَالِغَة ولأعدائهم دامغة ولمنازعيهم الْأَمر قاصمة ولمجاذبيهم الحقَّ واقمة وبحقوق الله تَعَالَى الْوَاجِبَة لَهُم قَائِمَة وكوننا مَا أعنَّا مِنْهَا بنجدة من رجال وَلَا بمادة من مَال
стр. 810
وَلَا بإعانة بِحَال من الْأَحْوَال يردّ سؤالنا من الدّولة أَعْلَاهَا الله فِي ذِي قربى لَا نستطيع دَفعه وَلَا يقبل أَسبَاب النَّفْع إِذا أردنَا نَفعه فالأخباز عندنَا وَاسِعَة والأعواض لدينا غير متعذرة والولايات الَّتِي نفوضها إِلَيْهِ عَن كِفَايَته غير مستغنية وَلكنه مَا بَاعَ بمكانه من الْخدمَة مَكَانا وَلَا آثر غير سُلْطَانه سُلْطَانا وَله أعذار لَا بَأْس أَن نُعيره فِيهَا لِسَانا وبيانا
ثمَّ ذكرهَا ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْأَمِير جُزْء منَّأ فَكيف يعد جُزْء منا عَاصِيا وبألسنتنا وسيوفنا يُدْعى الْخلق إِلَى الطَّاعَة وَكَيف تَخْلُو دَار الْخلَافَة من وَاحِد من أهلنا يَنُوب عَنَّا وَعَن بَقِيَّة الْجَمَاعَة فَنحْن فِي أَنْفُسنَا نشفع وَعَن جاهنا ندفع وَفِي مَكَاننَا نسْأَل وبحظنا الَّذِي لَا نسمح بِهِ لِلْإِسْلَامِ نبخل وَأَنت أَيهَا الْأَمِير السَّائر ثَالِث رَسُول ندب فِي أَمر هَذَا الْأَمِير وَالله وليّ التّدبير
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة كنت جَالِسا بَين يَدي الْملك النَّاصِر صَلَاح الدِّين بِدِمَشْق فِي دَار الْعدْل أنفذُ مَا يَأْمر بِهِ من الشّغل فَحَضَرَ سَعَادَة الْأَعْمَى من أهل حمص وَكَانَ مَمْلُوكا لبَعض الدمشقيين مولدا وَيكْتب على قصائده سعيد بن عبد الله فَوقف ينشد هَذِه القصيدة فِي عَاشر شعْبَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَهِي
(حيتك أعطاف القدود ببانها ... لما انْثَنَتْ تيهاً على كثبانها)
ثمَّ ذكر القصيدة وغزلها فِي وصف دمشق ثمَّ قَالَ
стр. 811
(سلطانها الْملك ابْن أَيُّوب الَّذِي ... كَفاهُ لَا تنكف عَن هطلانها)
(بمواهبٍ لوْ لمْ أكنْ نُوحاً لما ... نُجيّت يَوْم نداه من طوفانها)
(سمحٌ يروح إِلَى الندىّ براحة ... قد أعشب الْمَعْرُوف بَين بنانها)
(وفتىً إِذا زخرت بحارُ نواله ... غرقت بحار الأَرْض فِي خلجانها)
(تِلْكَ السيوف المرهفات بكفه ... أمضى على الْأَيَّام من حدثانها)
(ملك إِذا جليت عرائس ملكه ... رصعت فريد الْعدْل فِي تيجانها)
(فَاسْلَمْ صَلَاح الدّين وابْق لدولة ... ذلّت لدولتها مُلُوك زمانها)
(وانهض إِلَى فتح السّواحل نهضة ... قادت لَك الْأَعْدَاء بعد حرانها)
وَهِي طَوِيلَة
قَالَ وَقَامَ الْيَوْم الذّي يَلِيهِ وَقد جلس السُّلْطَان للعدل فأنشده يَعْنِي قصيدة مِنْهَا
(هَل بعد جِلِّق إِلَّا أَن ترى حَلَبا ... وَقد تحللّ مِنْهَا مُشكل عقد)
(وَقد أتتك كَمَا تخْتَار طَائِعَة ... وَقد عَنَا لَك مِنْهَا الْحصن والبلد)
قَالَ وَكَانَ سَعَادَة سَافر إِلَى مصر فِي أول مملكة الْملك النَّاصِر فمدحه بقصيدة طائية فَأعْطَاهُ ألف دِينَار فَمِنْهَا يصف غارته على غزّة وَعوده من ذَلِك الْغَزْو بِالْعِزَّةِ
(فَتى مذ غزا بِالْخَيْلِ والرَّجل غَزَّة ... نأى عَن نَوَاحِيهَا الرّضا ودنا السخط)
(رَمَاهَا بأُسد مالهن مَرابضٌ ... وَلَا أجم إِلَّا الَّذِي ينْبت الْخط)
стр. 812
(وعاث ضواحيها ضحى بكتائب ... من التّرْك لَا نوب طغام وَلَا قبط)
وَله فِي السُّلْطَان قصائد أخر
قَالَ وَقَامَ الْبَهَاء السنجاري وَأنْشد الْملك النّاصر قصيدة فِي دَار الْعدْل بِدِمَشْق سنة إِحْدَى وَسبعين فِي شعْبَان مِنْهَا
(يَا ظَبْيَة الهرمين من مصر على الرّبع ... السَّلام وَإِن تقوض أَو عَفا)
(أصبْو إِلَى عصر تقادم عَهده ... فأزيدُ مِنْ وَلَهٍ عَلَيْهِ تلُّهفا)
(أحبابنا بِالْقصرِ لَو قصرتمُ ... فِي الهجر مَا شمت الحسود وَلَا اشتفى)
وَمِنْهَا
(أَشْكُو إِلَى الْوَادي فيحنو بانهُ ... من رقة الشكوى عليّ تعطفا)
(وَجرى بِي الأملُ الطموح فَأم بِي ... سلطانَ أَرض الله طرًّا يُوسفا)
(الناهب الْأَرْوَاح فِي طلب الْعلَا ... والواهب الْآجَال فِي حسن الوفا)
فصل فِيمَا تجدّد للمواصلة والحلبيين
قد سبق ذكر الصُّلْح الَّذِي جرى بَين السُّلْطَان والحلبيين فَلَمَّا سمع بِهِ
стр. 813
المواصلة عتبوا عَلَيْهِم ووبخوهم ونسبوهم إِلَى العجلة فِي ذَلِك وسلوك غير طَرِيق الحزم فحملوهم على النقْض والنّكث وأنفذوا من أَخذ عَلَيْهِم المواثيق وَتوجه ذَلِك الرَّسُول مِنْهُم إِلَى دمشق ليَأْخُذ للمواصلة من السُّلْطَان عَهده ويكشف أَيْضا مَا عِنْده فَلَمَّا خلا بِهِ طَالبه السُّلْطَان بنسخة الرَّأْي فغلط وَأخرج من كمه نُسْخَة يَمِين الحلبيين لَهُم وناولها إِيَّاه فتأملها وأخفى سرّه وَمَا أبداه واطلع على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وردهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لعلّها قد تبدلت فَعرف الرّسول أَنه قد غلط وَلم يُمكنهُ تلافي مَا فرط وَقَالَ السُّلْطَان كَيفَ حلف الحلبيون للمواصلة وَمن شَرط أَيْمَانهم أَنهم لَا يعتمدون أمرا إِلَّا بمراجعتهم لنا واستئذانهم وَعرف من ذَلِك الْيَوْم أَن الْعَهْد منقوض وَالْوَفَاء مرفوض
وشاع الْخَبَر عَن المواصلة بِالْخرُوجِ فِي الرّبيع فَكتب السُّلْطَان إِلَى أَخِيه الْعَادِل وَهُوَ نَائِبه بِمصْر يُعلمه بذلك ويأمره أَن يَأْمر العساكر بالاستعداد لِلْخُرُوجِ فِي شعْبَان
قلت وَفِي كتاب طَوِيل فاضلي جليلٍ إِلَى بَغْدَاد عَن السُّلْطَان يطالع بِأَن الحلبيين والموصليين لما وضعُوا السِّلَاح وخفضوا الْجنَاح اقتصرنا بعد أَن كَانَت الْبِلَاد فِي أَيْدِينَا على اسْتِخْدَام عَسْكَر الحلبيين فِي البيكارات إِلَى الْكفْر وعرضنا علينا الْأَمَانَة فحملوها والأيمان فبذلوها وَسَار رَسُولنَا وَحلف صَاحب الْموصل بِمحضر من فُقَهَاء بَلَده وأمراء مشهده يَمِينا جعل
стр. 814
الله فِيهَا حكما وضيق فِي نكثها المجال على من كَانَ حَنِيفا مُسلما وَعَاد رَسُوله ليسمع منا الْيَمين فَلَمَّا حضر وأحضر نسختها أومى بِيَدِهِ ليخرجها فَأخْرج نُسْخَة يَمِين كَانَت بَين الموصليين والحلبيين مضمونها الِاتِّفَاق على حزبنا والتداعي إِلَى حربنا والتساعد على إِزَالَة خَطَبنَا والاستنفار لمن هُوَ على بَعدنَا وقربنا وَقد حلف بهَا كمشتكين الْخَادِم بحلب وَجَمَاعَة مَعَه يَمِينا نقضت الأولى فَرددْنَا الْيَمين إِلَى يَمِين الرَّسُول وَقُلْنَا هَذِه يَمِين عَن الْأَيْمَان خَارِجَة وَأَرَدْت عمرا وَأَرَادَ الله خَارِجَة
وَانْصَرف الرَّسول عَن بابنا وَقد نزّهنا الله أَن يكون اسْمه معرضًا للحنث الْعَظِيم والنّكث الذّميم وَعلمنَا أنّ النَّاقِد بَصِير والآخذ قدير والمواقف الشرّيفة النَّبَوِيَّة أَعْلَاهَا الله مستخرجة الْأَوَامِر إِلَى الموصليّ إِمَّا بِكِتَاب مُؤَكد بِأَن لَا ينْقض عهد الله من بعد ميثاقه وَإِمَّا أَن تكون الفسحة وَاقعَة لنا فِي تضييق خناقه
ثمَّ ذكر أَمر الفرنج ثمّ قَالَ والمملوك بَين عدوّ إِسْلَام يشاركونه فِي هَذَا الِاسْم لفظا وَلَا ينوون لما استحفظوا حفظا وعدوّ كفر فَمَا يجاورهم إِلَّا بِلَاده وَلَا يقارعهم إِلَّا أجناده
стр. 815
ثمَّ طلب خُرُوج الْأَمر بخطاب جَمِيع مُلُوك الْأَطْرَاف أَن يَكُونُوا للمملوك على الْمُشْركين أعوانا وَأَن يمتثل أَمر نَبينَا ﷺ فِي أَن يَكُونُوا بنيانا فيعضدوه إِذا سعى ويلبوه إِذا دَعَا وَلَا يقعدوا عَن المعاضدة فِي فتح الْبَيْت المقدّس الَّذِي طابت النُّفُوس عَن ثاره وتطأطأت الرؤوس تَحت عاره وَصَارَت الْقُلُوب صَخْرَة لَا ترق على صخرته والعزائم قاصية عَن تَطْهِير أقصاه من رِجْس الشّرك ومعرّته فَإِن قعدت بهم العزائم وأخذتهم فِي الله لومةُ لائم فَلَا أقلّ من أَلا يَكُونُوا أعوانا عَلَيْهِ يلفتونه عَن قَصده حريصين على إِيصَال الْمَكْرُوه إِلَيْهِ
وَقَالَ ابْن شَدَّاد لمّا وَقعت الْوَقْعَة الأولى مَعَ الحلبيين والمواصلة كَانَ سيف الدّين صَاحب الْموصل على سنجار يُحاصر أَخَاهُ عماد الدّين بِقصد أَخذهَا مِنْهُ ودخوله فِي طَاعَته وَكَانَ أَخُوهُ قد أظهر الانتماء إِلَى السّلطان صَلَاح الدّين واعتصم بذلك وَاشْتَدَّ سيف الدّين فِي حِصَار الْمَكَان وضربْه بالمنجنيق حتّى استُهدم من سوره ثلُم كَثِيرَة وأشرف على الْأَخْذ فَبَلغهُ وُقُوع هَذِه الْوَاقِعَة فخاف أَن يبلغ ذَلِك أَخَاهُ فيشتد أمره ويقوى جأشه فراسله فِي الصّلح فَصَالحه
ثمَّ سَار من وقته إِلَى نَصِيبين واهتمّ بِجمع العساكر والإنفاق فِيهَا وَسَار حَتَّى أَتَى الْفُرَات وَعبر بالبيرة وخيّم على جَانب الْفُرَات الشَّامي وراسل كمشتكين وَالْملك الصَّالح حَتَّى تَسْتَقِر قَاعِدَة يصل عَلَيْهَا إِلَيْهِم فوصل كمشتكين إِلَيْهِ وَجَرت مراجعات كَثِيرَة عزم فِيهَا على العوّد مرَارًا حَتَّى أستقرّ اجتماعه بِالْملكِ الصَّالح وسمحوا بِهِ وَسَار وَوصل حلب
стр. 816
وَخرج الصَّالح إِلَى لِقَائِه بِنَفسِهِ فالتقاه قريب القلعة واعتنقه وضمه إِلَيْهِ وَبكى ثمَّ أمره بِالْعودِ إِلَى القلعة فَعَاد إِلَيْهَا وَسَار هُوَ حَتَّى نزل بِعَين الْمُبَارَكَة وَأقَام بهَا مدّة وعسكر حلب يخرج إِلَى خدمته فِي كل يَوْم
وَصعد القلعة جَرِيدَة وَأكل فِيهَا خبْزًا وَنزل وَسَار راحلا إِلَى تل السّلطان وَمَعَهُ جمع كثير وَأهل ديار بكر وَالسُّلْطَان رَحمَه الله تَعَالَى قد أنفذ فِي طلب العساكر من مصر وَهُوَ يرقب وصولها وَهَؤُلَاء يتأخرون فِي أُمُورهم وتدابيرهم وهم لايشعرون أنّ فِي التَّأْخِير تدميراً حَتَّى وصل عَسْكَر مصر فَسَار رَحمَه الله تَعَالَى حَتَّى أَتَى قُرُون حماة فَبَلغهُمْ أَنه قد قَارب عَسْكَرهمْ فأخرجوا اليزك ووجهّوا من كشف الْأَخْبَار فوجدوه قد وصل جَرِيدَة إِلَى جباب التركمان وتفرّق عسكره يسقى فَلَو أَرَادَ الله نُصْرتهم لقصدوه فِي تِلْكَ السَّاعَة لكنْ صَبَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى سقى خيله هُوَ وَعَسْكَره واجتمعوا وتعبّوا تعبئة الْقِتَال
وَأصْبح الْقَوْم على مصَاف وَذَلِكَ بكرَة الْخَمِيس الْعَاشِر من شوّال فَالتقى العسكران وتصادما وَجرى قتال عَظِيم وانكسرت ميسرَة السُّلْطَان بِابْن زين الدّين مظفر الدّين فَإِنَّهُ كَانَ فِي ميمنة سيف الدّين وَحمل السُّلْطَان بِنَفسِهِ فانكسر الْقَوْم وَأسر مِنْهُم جمعا عَظِيما من كبار الْأُمَرَاء مِنْهُم فَخر الدّين عبد الْمَسِيح فمنّ عَلَيْهِم وأطلقهم
стр. 817
وَعَاد سيف الدّين إِلَى حلب فَأخذ مِنْهَا خزانته وَسَار حَتَّى عبر الْفُرَات وَعَاد إِلَى بِلَاده وَأمْسك هُوَ ﵀ عَن تتبع الْعَسْكَر وَنزل فِي بقيّة ذَلِك الْيَوْم فِي خيم الْقَوْم فَإِنَّهُم كَانُوا قد أبقْوا الثّقل على مَا كَانَ عَلَيْهِ والمطابخ قد عملت فَفرق الاصطبلات ووهب الخزائن وَأعْطى خيمة سيف الدّين عزّ الدّين فرخشاه
وَقَالَ الْعِمَاد رحلنا فِي شهر رَمَضَان من دمشق مستأنفين فعبْرنا العَاصِي لله طائعين وَإِلَى المسِّار مسارعين فَمَا عرّجنا على بلد وَلَا انتظرنا مَا وَرَاءَنَا من مدد ونزلنا الغّسُولة وجُزنا حماة وخيّمنا فِي مرج بوقبيس وَجَاء الْخَبَر أَنهم فِي عشْرين ألف فَارس سوى سوادهم وَمَا وَرَاءَهُمْ من أمدادهم وَأَنَّهُمْ موعودون من الفرنج بالنجدة وَأَنَّهُمْ يزِيدُونَ فِي كلّ يَوْم قوّة وشدّة وَمَا كَانَ اجْتمع من عسكرنا سوى سِتَّة آلَاف فَارس فرتب
стр. 818
السُّلْطَان عسكره وقوى بِقُوَّة قلبه قلبه وأمد الله بحزب مَلَائكَته حزبه
وَلما وصل المواصلة إِلَى حلب أطْلقُوا من كَانَ فِي الْأسر من مُلُوك الفرنج مِنْهُم أرناط إبرنس الكرك وجوسلين خَال الْملك وقرّروا مَعَهم أَن يدخلُوا من مساعدتهم فِي الدّرك فَلَمَّا عيّدنا وصل إِلَى السُّلْطَان الْخَبَر بوصولهم إِلَى تلّ السُّلْطَان فعبرْنا العَاصِي عِنْد شَيْزَر ورتّبنا الْعَسْكَر وأعدنا الأثقال إِلَى حماة
ثمَّ وصف الْوَقْعَة إِلَى أَن قَالَ وَركب السُّلْطَان أكتافهم فشل مِئِيِهْم وآلافهم حَتَّى أخرجهم عَن خيامهم وأشْرَقهم بمائهم ووكل بسرادق سيف الدّين غَازِي ومضاربه ابْن أَخِيه فرخشاه وركض وَرَاءه حَتَّى علم أَنه تعدّاه وَوَقع فِي الْأسر جمَاعَة من الْأُمَرَاء المقدمين ثمَّ مَنَّ عَلَيْهِم بِالْخلْعِ بعد أَن نقلهم إِلَى حماة وأطلقهم ثمّ نزل فِي السرادق السيفي فتسلمه بخزائنه ومحاسنه واصطبلاته ومطابخه وَرَواسي عِزّه ورواسخه فَبسط فِي جَمِيع ذَلِك أَيدي الجُود وفرّقها على الْحُضُور وَالشُّهُود وَأبقى مِنْهَا نَصِيبا للرُّسل والوفود وَرَأى فِي بَيت الشّراب بل فِي السّرادق الخاصّ طيوراً من القماري والبلابل والهزار والببغاء فِي الأقفاص فاستدعى أحد الندماء مظفرا الْأَقْرَع فآنسه وَقَالَ خُذْ هَذِه الأقفاص واطلب بهَا الْخَلَاص واذهب بهَا إِلَى سيف الدّين فأوصلها إِلَيْهِ وسلّم منّا عَلَيْهِ وَقل لَهُ عدْ إِلَى اللّعب بِهَذِهِ الطُّيُور فَهِيَ سليمَة لَا توقعك فِي مثل هَذَا الْمَحْذُور
стр. 819
قَالَ وَلما كسر الْقَوْم وولوا مُدبرين ركضوا إِلَى حلب فَلم يقف بَعضهم على بعض وظنوا أَن العساكر وَرَاءَهُمْ ركضا وَرَاء ركض فتبعجت خيولهم وتموّجت سيولهم وَمَا صدّقوا كَيفَ يصلونَ إِلَى حلب ويغلقون أَبْوَابهَا ويسكنون اضطرابها وَأما سيف الدّين فَإِنَّهُ ركض فِي يَوْمه من تلّ السُّلْطَان إِلَى بزاعة وَجَاوَزَ فِي سوقه الِاسْتِطَاعَة وَفرق فَارق الْجَمَاعَة
وَفِي كتاب ابْن أبي طيّ أَن ميسرَة سيف الدّين انْكَسَرت فتحرّك إِلَى جَانبهَا ليَكُون ردْءًا لَهَا ومدداً فَظن بَاقِي الْعَسْكَر انه قد انهزم فَانْهَزَمُوا فحقق مَا كَانَ وهما فَسَار على وَجهه هَارِبا لَا يلوي على شَيْء وتبعهم السُّلْطَان فَهَلَك مِنْهُم جمَاعَة قتْلاً وغرقا وأُسر جمَاعَة كَبِيرَة من وُجُوههم وأمرائهم ثمَّ رَجَعَ وَأمر أَصْحَابه بِرَفْع السَّيْف عَن النَّاس وترْك التّعرّض لمن وُجد مِنْهُم بقتل أَو نهب
وَفرق مَا وجد فِي خَزَائِن سيف الدّين وسيَّر جواريه وحظاياه إِلَى حلب وَأرْسل إِلَيْهِ بالأقفاص وَقَالَ لَهُ عد إِلَى اللّعب بِهَذِهِ الطُّيُور فَإِنَّهَا ألذّ من مقاساة الْحَرْب وَوجد السُّلْطَان عَسْكَر الْموصل كالحانة من كَثْرَة الْخُمُور والبرابط والعيدان والجنوك والمغنين والمغنيات
стр. 820
قَالَ واشتهر أَنه كَانَ مَعَ سيف الدّين أَكثر من مئة مغنية وَأَن السُّلْطَان أرى ذَلِك لعساكره واستعاذ من هَذِه البلية وَكَانَ أنفذ الْأُمَرَاء الذّين أسرهم إِلَى حماة ثمَّ ردّهم وخلعّ عَلَيْهِم وأرسلهم إِلَى حلب
وهنأ الْعِمَاد السّلطان رَحمَه الله تَعَالَى بقصيدة مِنْهَا
(فَالْحَمْد لله الَّذِي إفضالهُ ... حلْوُ الجنا عالي السَّنا وضاحه)
(عَاد العدوّ بظلمة من ظلمه ... فِي ليل ويلٍ قد خبا مصباحه)
(وجنى عَلَيْهِ جَهله بِوُقُوعِهِ ... فِي قَبْضَة الْبَازِي فَهِيضَ جنَاحه)
(حمل السِّلَاح إِلَى الْقِتَال وَمَا درى ... أَن الَّذِي يجنى عَلَيْهِ سلاحه)
(أضحى يُرِيد مواصليه صدوده ... وَغدا يجيد رثاءه مدّاحه)
(إِن أفسد الدّين الغلاة يحنثهم ... فالناصر الْملك الصّلاح صَلَاحه)
(قد كَانَ عزمك للإله مصمما ... فيهم فلاح كَمَا رَأَيْت فلاحه)
(وكأنني بالسَّاحل الْأَقْصَى وَقد ... ساحت ببحر دم الفرنجة ساحه)
(فاعبُر إِلَى الْقَوْم الْفُرَات ليشربوا الْمَوْت ... الأجاج فقد طمى طفاحه)
(لتفك من أَيْديهم رهن الرُّها ... عجلاً وَيدْرك لَيْلهَا إصباحه)
(وابغوا لحرَّان الْخَلَاص فكم بهَا ... حرّان قلبٍ نحوكم ملتاحه)
(نَجوا الْبِلَاد من البلاءِ بعدلكم ... فالظلم بادٍ فِي الْجَمِيع صراحه)
(واستفتحوا مَا كَانَ من مستغلق ... فِيهَا قربكم لكم فتاحه)
(أَنْتُم رجال الدّهر بل فرسانه ... وَلِذِي الحلوم الطائشات رجاحه)
(فُتَّاكه نُسّاكه ضُرّاره ... نُفّاعه مُنّاعه مُنّاحه)
(وَأَبُو المظفر يُوسُف مطعامه ... مِطْعانُه مِقْدامُه جَحْجَاحه)
стр. 821
(وَإِذا انتدى فِي محفل فحيِيُّه ... وَإِذا غَدا فِي جحفل فوقاحه)
قَالَ وَكَانَ لعزّ الدّين فرخشاه فِي هَذِه الْوَقْعَة يَد بَيْضَاء وَهُوَ محب للفضل وَأَهله باعثُ للخواطر على مدحه ببذله فنظمت فِيهِ قصيدة مِنْهَا
(نصرٌ أنار لملككُمْ بُرهانه ... وَعلا لذلة شانئيكم شانه)
(مَا أسعد الْإِسْلَام وَهُوَ مظفر ... وَأَبُو المظفّر يوسفٌ سُلْطَانه)
(الملكُ مرفوعٌ لكم مِقْدَاره ... وَالْعدْل موضوعٌ بكم مِيزَانه)
(والدهر لَا يَأْتِي بِغَيْر مرادكم ... فَهَل الْقَضَاء لأجلكم جَرَيَانه)
(وكأنما لله فِي أَحْكَامه ... فلكٌ على إيثاركم دورانه)
(فخراً بني أَيُّوب إِن فخاركم ... بذَّ الْمُلُوك السَّابِقين رهانه)
(يكفى حسودكم اعتقالا همة ... فَكَأَنَّمَا أشجانه أسجانه)
(الدّين عزّ الدّين عزّ بنصركم ... وَالْكفْر ذل بعونكم أعوانه)
(قد كَانَ جيشهم كبحرٍ زاخر ... واللابسون جواشناً حيتانه)
(فطمى لهلكهم عَلَيْهِم بحركم ... بَأْسا وغرّق فلكهم طوفانه)
(فضل الْمُلُوك الأكرمين بفضله ... فعلا زمانهم البهيج زَمَانه)
(فِي فَضله فِي عدله فِي حلمه ... صديقّه فاروقه عثمانه)
(هُوَ فِي السماح وَفِي اللِّقَاء عليّه ... هُوَ فِي العفاف وَفِي التقى سلمانه)
(من آل شاذي الشائدين لمجده ... ببنيه بَيْتا عَالِيا بُنْيَانه)
(بَيت من العلياء سامٍ سامقٌ ... يبْنى على كيوانها إيوانه)
стр. 822
(يَا سالب التِّيجان من أَرْبَابهَا ... وَمن الثَّنَاء مصوغةٌ تيجانه)
(وَالْحَمْد مالٌ أَنْتُم بُذَّاله ... وَالْمَال حمدٌ أَنْتُم خزانه)
قَالَ ثمَّ إِن صَاحب الْموصل أسْرع عودته وواصل لذّته والحلبيون أوثقُوا الْأَسْبَاب وغلقوا الْأَبْوَاب وسُقط فِي أَيْديهم حِين أفرطوا فِي تعديهم وتهيئوا للحصار وخافوا من الْبَوَار وتبلدوا وتلددوا وتجادلوا ثمَّ تجلدوا
وَقَالَ ابْن سَعْدَان الْحلَبِي من جملَة قصيدة يهنئ بهَا السُّلْطَان بِهَذِهِ الكسرة
(وَمَا شكّ قوم حِين قُمْت عَلَيْهِم ... غَدَاة التقى الْجَمْعَانِ أَنَّك غَالب)
(وَلَو لم تقد تِلْكَ المقانب لاغتدى ... لنَفسك فِي نفس الْعَدو مقانب)
قَالَ ابْن أبي طيّ وَأما سيف الدّين فَإِنَّهُ امتدت بِهِ الْهَزِيمَة إِلَى بزاعا فَأَقَامَ بهَا حَتَّى تلاحق بِهِ من سلم من أَصْحَابه ثمَّ خرج مِنْهَا حَتَّى قطع الْفُرَات وَصَارَ إِلَى الْموصل وَصَارَ بَاقِي عَسْكَر حلب إِلَى حلب فِي سَابِع شَوَّال فِي أقبح حَال وأسوئه عُرَاة حُفَاة فُقَرَاء يتلاومون على نقض الْأَيْمَان والعهود
وَخَافَ أهل حلب من قصد السُّلْطَان لَهُم فَأخذُوا فِي الاستعداد
стр. 823
للحصار وَجَاء السُّلْطَان وخيّم عَلَيْهَا أَيَّامًا ثمَّ قَالَ الرَّأْي أَن نقصد مَا حولهَا من الْحُصُون والمعاقل والقلاع فنفتحها فَإنَّا إِذا فعلنَا ذَلِك ضعفت حلب وَهَان أمرهَا فصوّبوا رَأْيه فنزلوا على بزاعا فتسلّمها بالأمان وولاها عز الدّين خشترين الْكرْدِي
فصل فِي فتح جملَة من الْبِلَاد حوالي حلب
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ نزل السُّلْطَان على حصن بُزاعة وتسلّمه فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شَوَّال ثمَّ فتح منبج فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَكَانَ فِيهَا الْأَمِير قطب الدّين ينَال بن حسان وَالسُّلْطَان لَا ينَال بِهِ إِحْسَان بل كَانَ فِي جرّ عَسْكَر الْموصل إِلَيْهِ أقوى سَبَب وَلَا يماذقه وَلَا يحفظ مَعَه شَرط أدب ويواجهه بِمَا يكره فسلّم القلعة بِمَا فِيهَا وقوّم مَا كَانَ سلمه بِثَلَاث مئة ألف دِينَار مِنْهَا عين ونقود ومصوغ ومطبوع ومصنوع ومنسوج وغلات وسامه على أَن يخْدم فَأبى وأنف وَكَبرت نَفسه فتعب سرُّه وَذهب مَا جمعه وَمضى إِلَى صَاحب الْموصل فأقطعه الرَّقة فبقى فِيهَا إِلَى أَن أَخذهَا السُّلْطَان مِنْهُ مرّة ثَانِيَة فِي سنة ثَمَان وَسبعين
стр. 824
وَقَالَ الْعِمَاد
(نزولك فِي منبج ... على الظفر الْمُبْهِج)
(ونجحك فِي المرتجى ... وفتحك للمرتج)
(دَلِيل على كلّ مَا ... تحاول أَو ترتجي)
(أمورك فِيمَا تروم ... وَاضِحَة المنهح)
(وشانيك دامي الشؤون ... مِنْك شقيّ شجى)
(وَمن كَانَ فِي حصنه ... وَمن قبل لم يخرج)
(يُقَال لَهُ لَيْسَ ذَا ... بعشك قُم فادرج)
(فرأيك يسْتَنْزل النُّجُوم ... من الأبرُج)
(فعجِّل عبور الْفُرَات ... وأسرِ وَسِر وادْلُج)
(وعُجْ نَحْو تِلْكَ الْبِلَاد ... وَعَن غَيرهَا عرج)
(فحران والرقتان ... تاليتا منبج)
(وَجل عَن الْمُسلمين ليلهم المّدجى ...)
قَالَ ابْن أبي طيّ لما ملك السُّلْطَان منبج وتسلم الْحصن صعد إِلَيْهِ وَجلسَ يستعرض أَمْوَال ابْن حسان وذخائره فَكَانَ فِي جملَة أَمْوَاله ثَلَاثَة مئة ألف دِينَار وَمن الْفضة والآنية الذهبية والأسلحة والذخائر مَا يناهز ألفي ألف دِينَار فحان من السُّلْطَان التفاتة فَرَأى على الأكياس والآنية مَكْتُوبًا يُوسُف فَسَأَلَ عَن هَذَا الِاسْم فَقيل لَهُ ولدٌ يحبُّه ويؤثره اسْمه يُوسُف كَانَ
стр. 825
يذخر هَذِه الْأَمْوَال لَهُ فَقَالَ السُّلطان أَنا يوسُف وَقد أخذت مَا خبئ لي فتعجب النَّاس من ذَلِك
قَالَ ولمَّا فرغ من منبح نزل على عزاز وَنصب عَلَيْهَا عدّة مجانيق وجدّ فِي الْقِتَال وبذل الْأَمْوَال
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ نزل السُّلطان على حصن عزاز وَقطع بَين الحلبيين وَبَين الفرنج الْجَوَاز وَهُوَ حصن منيع رفيع فحاصره ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَكَانَ السُّلطان قد أشْفق على هَذَا الْحصن من مُوَافقَة الحلبيين للفرنج فَإِن الغيظ حملهمْ على مهادنة الفرنج وَإِطْلَاق مُلُوكهمْ الذّين تَعب نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي أسرهم فَرَأى السُّلطان أَن يحْتَاط على المعاقل ويصُونها صون العقائل فتسلّمها حادي عشر ذِي الْحجَّة بعد مُدَّة حصارها الْمَذْكُورَة
وَقَالَ الْعِمَاد قصيدة مِنْهَا
(أعطَاهُ ربّ الْعَالمين دولة ... عزّةُ أهل الدّين فِي إعزازها)
(حَاز العُلا ببأسه وجوده ... وَهُوَ أَحَق الْخلق باحتيازها)
(بجوده أفنى كنوزا فني الْمُلُوك ... فِي الجدّ على اكتنازها)
(مهلك أهل الشِّرك طرا رومها ... أرمنها إفرنجها أبخازها)
стр. 826
(تفاخر الْإِسْلَام من سُلْطَانه ... تفاخر الْفرس بأبروازها)
(تهن من فتح عزازٍ نصْرَة ... أوقعت العداة فِي اعتزازها)
(وَالْيَوْم ذلت حلب فَإِنَّهَا ... كَانَت تنَال العزَّ من عزازها)
(وحلب تَنْفِي كمشتكينها ... كَمَا انْتَفَت بَغْدَاد من قيمازها)
(برزت فِي نصر الْهدى بحجَّة ... وضوحُ نهج الحقّ فِي إبرازها)
(كم حاملٍ للرمح عَاد مبديا ... عجز عَجُوز الحيّ عَن عكازها)
(ارْفَعْ حظوظي من حضيض نَقصهَا ... وعدِّ عَن همازها لمازها)
(وَالشعر لَا بُد لَهُ من باعث ... كحاجة الْخَيل إِلَى مهمازها)
قَالَ وأغار عَسْكَر حلب على عسكرنا فِي مُدَّة مقامنا على عزاز فَأخذُوا على غرّة وغفلة مَا تعجلّوه وعادوا فَركب أَصْحَابنَا فِي طَلَبهمْ فَمَا أدركوا إِلَّا فَارِسًا وَاحِدًا فَأمر السُّلْطَان بِقطع يَده بِحكم حرده فَقلت للْمَأْمُور وَذَلِكَ بمسمع من السُّلْطَان تمهّل سَاعَة لعلّه يقبل مني شَفَاعَة ثمَّ قلت هَذَا لَا يحل وقدرك بل دينك عَن هَذَا يجل وَمَا زلت أكرر عَلَيْهِ الحَدِيث حَتَّى تَبَسم وعادت عاطفته ورحم وَأمر بحبسه وسرّني سَلامَة نَفسه وَدخل نَاصِر الدّين بن أَسد الدّين وَقَالَ مَا هَذَا الفشل والونى وَإِن سكتم أَنْتُم فَمَا أسكت أَنا ودمدم وزمجر وَغَضب وزأر وَقَالَ لم
стр. 827
لَا يقتل هَذَا الرّجل ولماذا اعتقل فوعظه السّلطان واستعطفه وسكنَّ غيظه وتعطفه وتلا عَلَيْهِ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخْرى﴾ وأُطلق سراحه وتمَّ فِي نجاته نجاحه
فصل فِي وثوب الحشيشية على السُّلْطَان مرّة ثَانِيَة على عزاز وَكَانَت الأولى على حلب
قَالَ الْعِمَاد وَفِي حادي عشر ذِي الْقعدَة قفز الحششية على السُّلْطَان لَيْلَة الْأَحَد وَهُوَ نَازل على عزاز وَكَانَ للأمير جاولي الْأَسدي خيمة قريبَة من المنجنيقات وَكَانَ السُّلْطَان يحضر فِيهَا كلّ يَوْم لمشاهدة الْآلَات وترتيب الْمُهِمَّات وحضّ الرّجال والحث على الْقِتَال وَهُوَ بارٌ ببث أياديه قارٌ على الدَّهْر بكف عواديه والحشيشية فِي زِيّ الأجناد وقُوف والرّجال عِنْده صُفُوف إِذْ قفز واحدٌ مِنْهُم فَضرب رَأسه بسكينه فعاقته صَفَائِح الْحَدِيد المدفونة فِي كمته عَن تَمْكِينه ولفحت المدية خدّه فخدشته فقوّى السُّلْطَان قلبه وحاش رَأس الحشيشي إِلَيْهِ وجذبه وَوَقع عَلَيْهِ وَركبهُ وأدركه سيف الدّين يازكوج فَأخذ حشاشة الحشيشي وبضعه وقطعه وَجَاء آخر فاعترضه الْأَمِير دَاوُد بن منكلان فَمَنعه وجرحه الحشيشي فِي جنبه فَمَاتَ بعد أَيَّام وَجَاء آخر فعانقه الْأَمِير عَليّ بن أبي الفوارس وضمه من تَحت إبطَيْهِ وَبقيت يدُ الحشيشي من وَرَائه لَا يتَمَكَّن من الضَّرْب
стр. 828
وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ كشف مَا عراه من الكرب فَنَادَى اقتلوني مَعَه فقد قتلني وأذهب قوّتي وأذهلني فطعنه نَاصِر الدّين بن شيركوه بِسَيْفِهِ وَخرج آخر من الْخَيْمَة مُنْهَزِمًا وعَلى الفتك بِمن يُعَارضهُ مُقْدما فثار عَلَيْهِ أهل السُّوق فقطعوه
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ ركب وَجَاء إِلَى سرادقه وَقد خرعه الْحَادِث وقرعه الكارث وصوته جَهورِي وزئيره قسوّري وَدم خَدّه سَائل وَعطف روعه مائل وطوق كزاغنده بِتِلْكَ الضَّرْبَة مفكوك ونهج سَلَامَته مسلوك وَكَانَ سلا سَلَامَته وَأقَام الْقَوْم قِيَامَته وَمن بعد ذَلِك رعب ورهب وَاحْترز واحتجب وَضرب حول سرادقه على مِثَال خشب الخركاة تأزيرا وَوَثَّقَهُ تحجيرا وَجلسَ فِي بَيت الْخشب وبرز للنَّاس كالمحتجب وَمَا صرف إِلَّا من عرفه وَمن لم يعرفهُ صرفه وَإِذا ركب وَأبْصر من لَا يعرفهُ فِي موكبه أبعده ثمَّ سَأَلَ عَنهُ فَإِن كَانَ مستسعفا أَو مستسعدا أسعفه وأسعده
وَمن كتاب فاضلي إِلَى الْعَادِل السَّلامَة شَامِلَة والرّاحة بِحَمْد الله للجسم الشريف الناصري حَاصِلَة وَلم ينله من الحشيشي الملعون إِلَّا خدش قطرت مِنْهُ قطرات دم خَفِيفَة انْقَطَعت لوَقْتهَا واندملت لساعتها وَالرُّكُوب على رسمه والحصار لأعزاز على حكمه وَلَيْسَ فِي الْأَمر بِحَمْد الله مَا يضيق صَدرا وَلَا مَا يشغل سرا
وَقَالَ ابْن أبي طي لما فتح السُّلْطَان حصن بزاعا ومنبج أَيقَن من
стр. 829
بحلب بِخُرُوج مَا فِي أَيْديهم من المعاقل والقلاع فعادوا إِلَى عَادَتهم فِي نصب الحبائل للسُّلْطَان فكاتبوا سِنَانًا صَاحب الحشيشية مرّة ثَانِيَة ورغبوه بالأموال والمواعيد وَحَمَلُوهُ على إِنْفَاذ من يفتك بالسلطان فَأرْسل لَعنه الله جمَاعَة من أَصْحَابه فجاؤوا بزِي الأجناد ودخلوا بَين الْمُقَاتلَة وباشروا الْحَرْب وأبلوا فِيهَا أحسن الْبلَاء وامتزجوا بأصحاب السُّلْطَان لَعَلَّهُم يَجدونَ فرْصَة ينتهزونها فَبَيْنَمَا السُّلْطَان يَوْمًا جَالس فِي خيمة جاولي وَالْحَرب قَائِمَة وَالسُّلْطَان مَشْغُول بِالنّظرِ إِلَى الْقِتَال إِذْ وثب عَلَيْهِ أحد الحشيشية وضربه بسكينة على رَأسه وَكَانَ ﵀ محترزا خَائفًا من الحشيشية لَا ينْزع الزردية عَن بدنه وَلَا صَفَائِح الْحَدِيد عَن رَأسه فَلم تصنع ضَرْبَة الحشيشي شَيْئا لمَكَان صَفَائِح الْحَدِيد وأحس الحشيشي بصفائح الْحَدِيد على رَأس السُّلْطَان فسبح يَده بِالسَّكِينَةِ إِلَى خد السُّلْطَان فجرحه وَجرى الدَّم على وَجهه فتعتع السُّلْطَان لذَلِك
وَلما رأى الحشيشي ذَلِك هجم على السُّلْطَان وجذب رَأسه حَتَّى وَضعه على الأَرْض وَركبهُ لينحره وَكَانَ من حول السُّلْطَان قد أدركتهم دهشة أخذت بعقولهم
وَحضر فِي ذَلِك الْوَقْت سيف الدّين يازكوج وَقيل إِنَّه كَانَ حَاضرا فاخترط سَيْفه وَضرب الحشيشي فَقتله وَجَاء آخر من الحشيشية أَيْضا يقْصد السُّلْطَان فاعترضه الْأَمِير منكلان الْكرْدِي وضربه بِالسَّيْفِ وَسبق الحشيشي إِلَى منكلان فجرحه فِي جَبهته وَقَتله منكلان وَمَات
стр. 830
منكلان من ضَرْبَة الحشيشي بعد أَيَّام وَجَاء آخر من الباطنية فَحصل فِي سهم الْأَمِير عَليّ بن أبي الفوارس فهجم على الباطني وَدخل الباطني فِيهِ ليضربه فَأَخذه عَليّ تَحت إبطه وَبقيت يَد الباطني من وَرَائه لَا يتَمَكَّن من ضربه فصاح عَليّ اقْتُلُوهُ واقتلوني مَعَه فجَاء نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه فطعن بطن الباطني بِسَيْفِهِ وَمَا زَالَ يُخضخضه فِيهِ حَتَّى سقط مَيتا وَنَجَا ابْن أبي الفوارس وَخرج آخر من الحشيشية مُنْهَزِمًا فَلَقِيَهُ الْأَمِير شهَاب الدّين مَحْمُود خَال السُّلْطَان فتنكب الباطني عَن طَرِيق شهَاب الدّين فقصده أَصْحَابه وقطعوه بِالسُّيُوفِ
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ ركب من وقته إِلَى سرادقه وَدَمه على خَدّه سَائل وَأخذ من ذَلِك الْوَقْت فِي الاحتراس والاحتراز وَضرب حول سرادقه مِثَال الخركاه وَنصب لَهُ فِي وسط سرادقه برجا من الْخشب كَانَ يجلس فِيهِ وينام وَلَا يدْخل عَلَيْهِ إِلَّا من يعرفهُ وَبَطلَت الْحَرْب فِي ذَلِك الْيَوْم وَخَافَ النَّاس على السُّلْطَان
واضطرب الْعَسْكَر وَخَافَ النَّاس بَعضهم من بعض فألجأت الْحَال إِلَى ركُوب السُّلْطَان ليشاهده النَّاس فَركب حَتَّى سكن الْعَسْكَر وَعَاد إِلَى خيمته وَأخذ فِي قتال عزاز فقاتلها مُدَّة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا حَتَّى عجز من كَانَ فِيهَا وسألوا الْأمان فتسلمها حادي عشر ذِي الْحجَّة وَصعد إِلَيْهَا وَأصْلح مَا تهدم مِنْهَا ثمَّ أقطعها لِابْنِ أَخِيه تقيّ الدّين عمر
وَكَانَت عزاز أَولا للجفينة غُلَام نور الدّين فَلَمَّا ملك السُّلْطَان
стр. 831
منبج أَخذهَا مِنْهُ الْملك الصَّالح وقوّاها لَعَلَّه يحفظها من الْملك النَّاصِر فَلم يبلغ ذَلِك
وَلما فرغ السُّلْطَان من أَمر عزاز حقد على من بحلب لما فَعَلُوهُ من أَمر الحشيشية فَسَار حَتَّى نزل على حلب خَامِس عشر ذِي الْحجَّة وَضربت خيمته على رَأس الياروقية فَوق جبل جوشن وجبى أموالها وأقطع ضياعها وضيق على أَهلهَا وَلم يفسح لعسكره فِي مقاتلتها بل كَانَ يمْنَع أَن يدْخل إِلَيْهَا شَيْء أَو يخرج مِنْهَا أحد
وَكَانَ سعد الدّين كمشتكين فِي حارم وَكَانَت إقطاعه فِي يَد نوابه وَكَانَ انتزعها من يَد أَوْلَاد الداية بعد أَن عصى نائبها
وَكَانَ سَبَب خُرُوجه إِلَيْهَا أنّ السُّلْطَان لما نزل على عزاز خَافَ كمشتكين أَن ينْتَقل مِنْهَا إِلَى حارم فَخرج إِلَيْهَا فَلَمَّا نزل السُّلْطَان على حلب نَدم كمشتكين على كَونه خَارِجا فِي حارم وَخَافَ أَن يجْرِي بَين السُّلْطَان وَبَين الْأُمَرَاء الحلبيين صلح فَلَا يكون لَهُ فِيهِ ذكر وَلَا اسْم فراسل السُّلْطَان يتلطف مَعَه الْحَال وَيَقُول لَو فسح لي فِي الدُّخُول إِلَى حلب لسارعت فِي الْخدمَة وأصلحت الْأَمر على مَا يرومه السُّلْطَان وراسل أَيْضا الْملك الصَّالح والأمراء بحلب يَقُول لَهُم قد حصلت خَارِجا وَقد بلغتني أُمُور وَلَا بُد من طلبي من الْملك النَّاصِر ليأذن لي فِي الصيرورة إِلَيْكُم فَإِن الَّذِي قد حصل عِنْدِي لَا يمكنني الْكَلَام فِيهِ فراسل الْملك الصَّالح السُّلْطَان فِي الْأذن لَهُ فِي الدُّخُول إِلَى حلب فَأذن لَهُ وطلبوا الرهائن مِنْهُ فنفذ السُّلْطَان إِلَيْهِم رهينة شمس الدّين بن أبي المضاء الْخَطِيب والعماد كَاتب
стр. 832
الْإِنْشَاء وأنفذوا من حلب إِلَى السُّلْطَان رهينةً نصْرَة الدّين بن زنكي
وَحكى الْعِمَاد الْكَاتِب قَالَ لما حصلنا دَاخل حلب أُخذنا بِرَأْي الْعدْل ابْن العجمي وَجَعَلنَا فِي بَيت وَمنع منا غلماننا وَلم يحضر لنا طَعَام وَلَا مِصْبَاح وبتنا فِي أنكد عَيْش
وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة دخل كمشتكين إِلَى حلب فَلَمَّا أَصْبحُوا أُحضرت انا وَابْن أبي المضاء إِلَى مجْلِس الْملك الصَّالح وَكَانَ عِنْده ابْن عَمه عز الدّين مَسْعُود بن مودود وَجَمَاعَة من أَرْبَاب الدولة وَكَانَ صَاحب الْكَلَام الْعدْل ابْن العجمي فَأخذ يتحدث بلثغته ويترجم بلكنته وَيضْرب صفحا عني ويوهم الْجَمَاعَة أَنِّي بِأَنِّي
(وَمَا درى الغِمرُ بِأَنِّي امْرُؤ ... أُميّز التبر من الترب)
(قد عارك الْأَهْوَال حَتَّى غَدا ... بَين الورى كالصارم العضب)
(قد راضه الدّهر فَلْو أمَّه ... بخطبه مَا ريع للخطب)
قَالَ وَعرضت نُسْخَة الْيَمين علينا وصرفنا وَلم يلْتَفت إِلَيْنَا
فَلَمَّا صَارا إِلَى السُّلْطَان وأخبراه بِمَا جرى فِي حَقّهمَا من الهوان علم أَن ذَلِك كَانَ حِيلَة عَلَيْهِ حَتَّى دخل كمشتكين إِلَى حلب فَأطلق نصْرَة الدّين وَقَاتل أهل حلب
وَلم يزل منازلا لحلب إِلَى انسلاخ سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مئة ثمَّ كَانَ مَا سَيَأْتِي ذكره
стр. 833
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة وَدخُول قراقوش إِلَى الْمغرب
قَالَ الْعِمَاد وَفِي سَابِع شوّال وصل أَخُو السُّلْطَان شمس الدولة من الْيمن إِلَى دمشق
وَذكر ابْن شَدَّاد أَنه قدم فِي ذِي الْحجَّة
قلت ولمّا سمع السُّلْطَان بقدُومه أرسل إِلَيْهِ بالمثال الفاضليّ كتابا أوّله ﴿أَنا يُوسُفُ وَهَذا أَخي قَدْ مَنَّ اللهُ علينا﴾ وَقَالَ فِي آخِره وَلَقَد أحسن عدنان المبشر إذْ طلع علينا طُلُوع الْفجْر قبل شمسه وغرس فِي الْقُلُوب مَا يسرّنا ويسرّه جنى غرسه
قَالَ ابْن أبي طيّ كَانَ سَبَب خُرُوجه من الْيمن كَرَاهِيَة الْبِلَاد والشّوق إِلَى أَخِيه الْملك النَّاصِر وَأَن يرى مُلُوك الشَّام وَغَيرهَا وأمراء العساكر مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من النّعم وَالْأَمْوَال
قَالَ وَحكى أَنه لما تحدّث النَّاس بِخُرُوج شمس الدّولة من الْيمن كَانَ بِالْيمن رجل يُقَال لَهُ عَبَّاس وَكَانَ صهر يَاسر بن بِلَال الحبشي صَاحب عدن وَكَانَ بَين عَبَّاس وياسر عَدَاوَة فافتعل عَبَّاس كتابا على لِسَان يَاسر
стр. 834
وزوّر عَلَيْهِ علامته إِلَى زيد بن عَمْرو بن حَاتِم صَاحب صنعاء يَقُول فِيهِ إِن شمس الدولة سَائِر إِلَى أَخِيه الْملك النَّاصِر إِلَى الشَّام وَسبب خُرُوجه ضعفه عَن الْيمن فأمسكوا مَا كُنْتُم تحملون إِلَيْهِ من الأتاوة والرشوة يبْق لكم واحتال حتّى وصل الْكتاب إِلَى شمس الدولة وَكَانَ نازلا على حصن يعرف بالخضراء يحاصره
فَلَمَّا وقف شمس الدولة على الْكتاب استدعى ياسراً وَقَالَ لَهُ هَذَا خطك وعلامتك قَالَ كَأَنَّهُ هُوَ قَالَ فَبِأَي شَيْء استحققت مِنْك هَذَا وَقد قرّبت منزلتك وأبقيت عَلَيْك بلادك وَرفعت بضبعك على أهل إقليمك وَأرَاهُ الْكتاب فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ يَاسر حلف أَنه مَا كتبه وَلَا يعرفهُ وَلَا أملاه لأحد وَلم يعلم خَبره فَلم يصدقهُ شمس الدولة وَأمر بِهِ فَقتل صبرا بَين يَدَيْهِ فهاب شمس الدولة مُلُوك الْيمن وحملوا إِلَيْهِ الْأَمْوَال وحلفوا لَهُ على الطَّاعَة
ثمَّ إِن شمس الدولة خرج إِلَى تهَامَة وَتوجه إِلَى الشَّام واستخلف على تهَامَة سيف الدولة مبارك بن كَامِل بن منقذ وَعُثْمَان بن عَليّ الزنجيلي على عدن وَتوجه إِلَى حَضرمَوْت فَفَتحهَا واستناب عَنهُ بهَا رجلا كرديا يُسمى هَارُون وَكَانَ مقَامه بشبام واستمرّ الْكرْدِي بهَا مُدَّة
стр. 835
ثمَّ أَن صَاحب حَضرمَوْت تحرّك وَجمع فَقتل وعاث هَارُون فِي تِلْكَ الْبِلَاد واستقام أمره وَولى شمس الدولة ثغر تعز مَمْلُوكه ياقوت وَجعل إِلَيْهِ أَمر الْجند وَولى قلعة تعكر مَمْلُوكه قايماز
قَالَ وَكَانَ وُصُول شمس الدولة إِلَى السُّلْطَان قبل وقْعَة المواصلة وكسرتهم وَكَانَ شمس الدولة هُوَ سَبَب الظفر وَأَعْطَاهُ السُّلْطَان سرادق سيف الدّين صَاحب الْموصل بِمَا كَانَ فِيهِ من الْفرش والأثاث والالات وولاه دمشق وأعمالها والشَّام وَأمره أَن يكون فِي وَجه الفرنج لِأَن السُّلْطَان خَافَ من الحلبيين أَن يكاتبوا الفرنج كعادتهم
قَالَ وفيهَا قتل صدّيق بن جَوْلَة صَاحب بُصرى وصَرْخد قَتله ابنُ أَخِيه وَملك بعدهُ بُصْرى وصرخد شهورا فكاتبه شمس الدولة أَخُو السُّلْطَان وَحلف لَهُ على مَا يُريدهُ من إقطاع واقترح شمس الدولة أَن يكْتب هُوَ مَا يُريدهُ ليحلف عَلَيْهِ فأنفذ من بُصْرى نُسْخَة يَمِين كتبهَا قَاضِي بصرى وَكَانَ قَلِيل الْمعرفَة بالفقه والتصرّف فِي القَوْل فَلم يستقص فِيهَا وُجُوه التَّأْوِيل فَلَمَّا استوثق بهَا من شمس الدولة وَخرج إِلَيْهِ تأوَّل عَلَيْهِ شمس الدولة فِي الْيَمين وَقَبضه ثمَّ أقطعه عشْرين ضَيْعَة ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ بعد أَيَّام
قَالَ وفيهَا عصى الْأَمِير غرس الدّين قليج بتلّ خَالِد بِسَبَب كَلَام جرى
стр. 836
بَينه وَبَين كمشتكين فأنهد إِلَيْهِ من حلب عسكرا فحاصروه أَيَّامًا وَسلم الْحصن وصلحت حَاله
قَالَ وَلما ملك شمس الدّولة الْيمن سمت نفس ابْن أَخِيه تقيِّ الدِّين إِلَى الْملك وَجعل يرتاد مَكَانا يحتوى عَلَيْهِ فأُخبر أنَّ قلعة ازبري هِيَ فَم درب الْمغرب وَكَانَت خرابا فأشير عَلَيْهِ بعمارتها وَقيل لَهُ مَتى عمرت وسكنها أجنادٌ أقوياء شجعان مُلِكَت برقة وَإِذا ملكت برقة ملك مَا وَرَاءَهَا فأنفذ مَمْلُوكه بهاء الدِّين قراقوش وقدّمه على جمَاعَة من أجناده ومماليكه فصاروا إِلَى القلعة الْمَذْكُورَة وشرعوا فِي عمارتها
وَاجْتمعَ بقراقوش رجل من الْمغرب فحدّثه عَن بِلَاد الجريد وفزّان وَذكر لَهُ كَثْرَة خَيرهَا وغزارة أموالها وَضعف أَهلهَا ورغبّه فِي الدُّخُول إِلَيْهَا فَأخذ جمَاعَة من أَصْحَابه وَسَار فِي حادي عشر المحرّم من هَذِه السّنة فَكَانَ يكمن النَّهار ويسير اللَّيْل مدّة خَمْسَة أَيَّام وأشرف على مَدِينَة أوجلة فَلَقِيَهُ ملكهَا وأكرمه واحترمه وَسَأَلَهُ الْمقَام عِنْده ليعتضد بِهِ ويزوجه بنته ويحفظ الْبِلَاد من الْعَرَب وَله ثلث ارتفاعها فَفعل قراقوش ذَلِك فَحصل لَهُ من ثلث الِارْتفَاع ثَلَاثُونَ ألف دِينَار فَأخذ عشرَة آلَاف لنَفسِهِ وفرّق على رِجَاله عشْرين ألفا
стр. 837
وَكَانَ إِلَى جَانب أوجلة مَدِينَة يُقَال لَهَا الأزراقية فَبلغ أَهلهَا صَنِيع قراقوش فِي أوجلة وَأَنه حرس غلالهم فصاروا إِلَيْهِ ووصفوا لَهُ بلدهم وَكَثْرَة خَيره وَطيب هوائه ورغبوه فِي الْمصير إِلَيْهِم على انهم يملكونه عَلَيْهِم فَأجَاب إِلَى ذَلِك واستخلف على أوجلة رجلا من أَصْحَابه يُقَال لَهُ صباح وَمَعَهُ تِسْعَة فوارس من أَصْحَابه فَحصل لقراقوش أَمْوَال كَثِيرَة
وَاتفقَ أنّ صَاحب أوجلة مَاتَ فَقتل أهل أوجلة أَصْحَاب قراقوش فجَاء قراقوش وحاصرها حَتَّى افتتحها عنْوَة وَقتل من أَهلهَا سبع مئة رجل وغنم أَصْحَابه مِنْهَا غنيمَة عَظِيمَة وَاسْتولى على الْبَلَد
ثمّ إِن أَصْحَابه رَغِبُوا فِي الرّجوع إِلَى مصر وخشى قراقوش أَن يُقيم وَحده فَرجع مَعَهم فَلَمَّا حصل بِمصْر طَابَ لَهُ الْمقَام وَثقل عَلَيْهِ الْعود وزوّجه تقيّ الدّين بِإِحْدَى جواريه وَكَانَ استناب بأوجلة وَقَالَ لأَهْلهَا أَنا أمضى إِلَى مصر لتجديد رجال وأعود إِلَيْكُم
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَسبعين استوزر سيف الدّين صَاحب الْموصل جلال الدّين أَبَا الْحسن عَليّ بن جمال الدّين الْوَزير رحمهمَا الله تَعَالَى ومكنّه فِي ولَايَته فظهرت مِنْهُ كِفَايَة لم يُظَّنها النَّاس وبدا مِنْهُ معرفَة بقواعد الدّول وأوضاع الدّواوين وَتَقْرِير الْأُمُور والاطلاع على دقائق الحسبانات وَالْعلم بصناعة الْكِتَابَة الحسابية والإنشاء حيّرت الْعُقُول وَوضع فِي كِتَابَة الإنشاد وضعا لم يعرفوه
وَكَانَ عمره حِين ولي الوزارة خمْسا وَعشْرين سنة ثمّ قبض عَلَيْهِ فِي
стр. 838
شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وشفع فِيهِ كَمَال الدّين بن نيسان وَزِير صَاحب آمد وَكَانَ قد زوجه بنته فأُطلق وَسَار إِلَيْهِ وَبَقِي بآمد يَسِيرا مَرِيضا ثمَّ فَارقهَا وتُوفي بدنيسر سنة أَربع وَسبعين وحُمل إِلَى الْموصل فَدفن بهَا ثمّ حُمل مِنْهَا فِي موسم الحجّ إِلَى الْمَدِينَة وَدفن عِنْد وَالِده وَكَانَ من أحسن النَّاس صُورَة وَمعنى رَحمَه الله تَعَالَى
قَالَ ثمّ إِن سيف الدّين استناب دُزْدَاراً بقلعة الْموصل الْأَمِير مُجَاهِد الدّين قايماز فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وردّ إِلَيْهِ أزمة الْأُمُور فِي الحلّ وَالْعقد وَالرَّفْع والخفض وَكَانَ بِيَدِهِ قبل هَذِه الْولَايَة مَدِينَة إربل وأعمالها وَمَعَهُ فِيهَا ولدٌ صَغِير لزين الدَّين على لقبه أَيْضا زين الدِّين فَكَانَ الْبَلَد لولد زين الدِّين اسْما لَا معنى تَحْتَهُ وَهُوَ لمجاهد الدِّين صُورَة وَمعنى
قلت وَفِي حادي عشر رَجَب توفيّ حَافظ الشَّام أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن عَسَاكِر صَاحب التَّارِيخ الدِّمَشْقِي رَحمَه الله تَعَالَى وَحضر السُّلْطَان صَلَاح الدّين جنَازَته وَدفن فِي مَقَابِر بَاب الصَّغِير
وفيهَا قدم دمشق أَبُو الْفتُوح عبد السَّلام بن يُوسُف بن
стр. 839
مُحَمَّد بن مقلد الدّمشقي الأَصْل الْبَغْدَادِيّ المولد التنوخي الجماهري الصُّوفِي ابْن الصُّوفِي ذكره الْعِمَاد فِي الخريدة وَقَالَ كَانَ صديقي وَجلسَ للوعظ وَحضر عِنْده صَلَاح الدّين وَأحسن إِلَيْهِ وَعَاد إِلَى بَغْدَاد
وَذكر الْعِمَاد من أشعاره مقطعات مِنْهَا فِي الْحَقَائِق وأنشدها فِي مَجْلِسه
(يَا مَالِكًا مهجتي يَا مُنْتَهى أملي ... يَا حَاضرا شَاهدا فِي الْقلب والفكر)
(خلقتني من تُرَاب أَنْت خالقه ... حَتَّى إِذا صرتُ تمثالاً من الصُّور)
(أجريت فِي قالبي رُوحاً منورة ... تمرُّ فِيهِ كَجَرْي المَاء فِي الشّجر)
(جمعت بَين صفا روح منورة ... وهيكل صغته من مَعْدن كدر)
(إِن غبت فِيك فيافخري وَيَا شرفي ... وَإِن حضرت فيا سَمْعِي وَيَا بَصرِي)
(أَو احْتَجَبت فَسرِّي مِنْك فِي ولهٍ ... وإنْ خطرتُ فقلبي مِنْك فِي خطر)
(تبدو فتمحوُ رسومي ثمَّ تثبتُها ... وَإِن تغيبت عنّي عشتُ بالأثر)
стр. 840
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد والسّلطان مُقيم بِظَاهِر حلب فَعرف أَهلهَا أنّ العقُوبة أليمة وَالْعَاقبَة وخيمة فَدَخَلُوا من بَاب التذلل ولاذوا بالتوسل وخاطبوا فِي التّفّضل وطلبوا الصُّلح فأجابهم وَعَفا وعفّ وَكفى وكفّ وَأبقى للْملك الصَّالح حلب وأعمالها واستقرى كل عَثْرَة لَهُم وأقالها وَأَرَادَ لَهُ الإعزاز فَرد عَلَيْهِ عزاز
وَقَالَ ابْن شَدَّاد أخرجُوا إِلَيْهِ ابْنة لنُور الدّين صَغِيرَة سَأَلت مِنْهُ عزاز فَوَهَبَهَا إِيَّاهَا
قَالَ ابْن أبي طيّ لما تمّ الصُّلْح وانعقدت الْأَيْمَان عوّل الْملك الصَّالح على مراسلة السُّلْطَان وَطلب عزاز مِنْهُ فَأَشَارَ الْأُمَرَاء عَلَيْهِ بإنفاذ أُخْته وَكَانَت صَغِيرَة فأُخرجت إِلَيْهِ فأكرمها السُّلْطَان إِكْرَاما عَظِيما وَقدم لَهَا أَشْيَاء كَثِيرَة وَأطلق لَهَا قلعة عزاز وَجَمِيع مَا فِيهَا من مَال وَسلَاح وميرة وَغير ذَلِك
وَقَالَ غَيره بعث الْملك الصَّالح أُخْته الخاتون بنت نور الدّين إِلَى صَلَاح الدّين فِي اللَّيْل فَدخلت عَلَيْهِ فَقَامَ قَائِما وقبّل الأَرْض وَبكى على نور الدّين فَسَأَلت أَن يرد عَلَيْهِم أعزاز فَقَالَ سمعا وَطَاعَة فَأَعْطَاهَا إِيَّاهَا وقدّم لَهَا من الْجَوَاهِر والتحف وَالْمَال شَيْئا كثيرا وَاتفقَ مَعَ الْملك الصَّالح أنّ لَهُ من حماة وَمَا فَتحه إِلَى مصر وَأَن يُطلق الْملك الصَّالح أَوْلَاد الداية
стр. 841
قَالَ الْعِمَاد وحلفوا لَهُ على كل مَا شَرطه وَاعْتَذَرُوا عَن كلّ مَا أسخطه وَكَانَ الصُّلح عَاما لَهُم وللمواصلة وَأهل ديار بكر وكُتب فِي نُسْخَة الْيَمين أَنه إِذا غدر مِنْهُم واحدٌ وَخَالف وَلم يفِ بِمَا عَلَيْهِ حَالف كَانَ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ يدا وَاحِدَة وعزيمة متعاقدة حَتَّى يفِيء إِلَى الْوَفَاء والوفاق وَيرجع إِلَى مرافقة الرّفاق
فَلَمَّا انتظم الصُّلْح ذكر السُّلْطَان ثَأْره عِنْد الاسماعيلية وَكَيف قصدوه بِتِلْكَ البلية فَرَحل يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من المحرّم فحصر حصنهمْ مصياث وَنصب عَلَيْهِ المجانيق الْكِبَار وأوسعهم قتلا وأسراً وسَاق أبقارهم وخرّب دِيَارهمْ وَهدم أعمارهم وهتك أستارهم حتّى شفع فيهم خَاله شهَاب الدّين مَحْمُود بن تكش صَاحب حماة وَكَانُوا قد راسلوه فِي ذَلِك لأَنهم جِيرَانه فَرَحل عَنْهُم وَقد انتقم مِنْهُم
قَالَ وَكَانَ الفرنج قد أَغَارُوا على الْبِقَاع فَخرج إِلَيْهِم شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمَعْرُوف بِابْن الْمُقدم وَهُوَ مُتَوَلِّي بعلبك ومقطع أَعمالهَا ومدبّر أحوالها والمتحكم فِي أموالها فَقتل مِنْهُم وَأسر أَكثر من مئتي أَسِير وأحضرهم عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ على حِصَار مصياث فجدّد مِنْهُ إِلَى غَزْو الفرنج الانبعاث
стр. 842
قَالَ ابْن أبي طي وهذ أكبر الدَّوَاعِي فِي مصالحة السُّلْطَان لسنان وَخُرُوجه من بِلَاد الاسماعيلية لِأَن السُّلْطَان خَافَ أَن تهيج الفرنج فِي الشَّام الْأَعْلَى وَهُوَ بعيد عَنهُ فرُبما ظفروا من الْبِلَاد بطائل فَصَالح سِنَانًا وَعَاد إِلَى دمشق
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ قد خرج شمس الدولة أَخُو السُّلْطَان من دمشق حِين سمع أَن الفرنج على الْخُرُوج وباسطهم عِنْد عين الْجَرّ فِي تِلْكَ المروج وَوَقع من أَصْحَابه عدّة فِي الأسار مِنْهُم سيف الدّين أَبُو بكر بن السلار
وَوصل السُّلْطَان إِلَى حماة وَقد اسْتكْمل الظَّفر وَاجْتمعَ فِيهَا بأَخيه شمس الدولة ثَانِي صفر وَهُوَ أول لِقَائِه بَعْدَمَا أزمع عَنهُ إِلَى الْيمن السّفر وتعانق الأخوان فِي المخيّم بالميدان وتحدّثا فِي الْحدثَان وروعات الْفِرَاق ولوعات الأشواق
وَكَانَ قد وصل إِلَى السُّلْطَان من أَخِيه هَذَا عِنْد مُفَارقَته بِلَاد الْيمن كتاب ضمنّه أبياتا أظنها من شعر ابْن المنجم الْمصْرِيّ أَولهَا
стр. 843
(الشوق أولع بالقلوب وأوجع ... فَعَلاَمَ أدفَع مِنْهُ مَا لايدفع)
مِنْهَا
(وحملت من وجد الْأَحِبَّة مُفردا ... مَا لَيْسَ تحمله الْأَحِبَّة أجمع)
(لَا يسْتَقرّ بيَ النّوى فِي مَوضِع ... إِلَّا تقاضاني التَّرَّحلَ مَوضِع)
(فَإلَى صَلَاح الدّين أَشْكُو أنني ... من بعده مُضْنى الجوانح موجع)
(جزعا لبعد الدَّار مِنْهُ وَلم أكن ... لَوْلَا هَوَاهُ لبعد دارٍ أجزع)
(فلأركبنَّ إِلَيْهِ متن عزائمي ... ويُخبّ بِي ركبُ الغرام وَيُوضَع)
(حتّى أشاهد مِنْهُ أسعد طلعة ... من أفقها صبح السَّعَادَة يطلع)
قَالَ الْعِمَاد فَسَأَلَنِي السُّلْطَان أَن أكتب لَهُ فِي جوابها على رَوِيها ووزنها فَقلت فَذكر قصيدة مِنْهَا
(مولَايَ شمس الدولة الْملك الَّذِي ... شمس السِّيَادَة من سناه تطلع)
(مَالِي سواك من الْحَوَادِث ملجأُ ... مَالِي سواك من النّوائب مفزع)
(وَلأَنت فَخر الدّين فخري فِي الْعلَا ... وملاذُ آمالي ورُكني الأمنع)
(إِلَّا بخدمتك الْمجلة موقعي ... وَالله مَا للْملك عِنْدِي موقع)
(وَبِغير قُربك كلُّ مَا أرجوه من ... دَرك المُنى مُتَعَذر متمنع)
(النَّصْر إِن أَقبلت نحوي مُقْبل ... واليمنُ إِن أسرعت نحوي مسرع)
قَالَ ثمّ سرنا إِلَى دمشق ووصلنا إِلَيْهَا سَابِع عشر صفر وفوّض ملك دمشق إِلَى أَخِيه الْملك الْمُعظم شمس الدولة وعزم إِلَى مصر السّفر
стр. 844
فصل فِي ذكر جمَاعَة من الْأَعْيَان تجدّد لَهُم مَا أقتضى ذكرهُ فِي هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد فِي السَّادِس من المحرّم توفيّ بِدِمَشْق القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري وعمره ثَمَانُون سنة لِأَن مولده فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مئة وَكَانَ فِي الْأَيَّام النُّورية بِدِمَشْق هُوَ الْحَاكِم المتحكم وَصَلَاح الدّين إِذا ذَاك يتَوَلَّى الشحنكية بِدِمَشْق وَكَمَال الدّين يعكس مقاصده بتوخيّه الْأَحْكَام الشرّعية وَرُبمَا كسر أغراضه وَأبْدى عَن قبُوله إعراضه ويقصد فِي كلّ مَا يعرض لَهُ اعتراضه وَكم صَبر على جماحه بِحمْلِهِ وراضه إِلَى أنْ نَقله الله سُبْحَانَهُ من نِيَابَة الشحنكية إِلَى المُلك وَصَارَ كَمَال الدّين من قُضَاة ممالكه المنتظمة فِي السلك وَكَانَ فِي قلبه مِنْهُ مَا فِيهِ وَمَا فرط مِنْهُ فَاتَ وَقت تلافيه فَلَمَّا ملك دمشق أجراه على حكمه ولمْ يؤاخذه بجرمه واحترم نوّابه وَأكْرم أَصْحَابه وَفتح للشرّع بَابه وخاطبه وَاسْتحْسن جَوَابه وَلم يزل يستفتيه ويستهديه ويعرض على رَأْيه مَا يُعِيدهُ ويبديه
وَكَانَ ابْن أَخِيه ضِيَاء الدّين بن تَاج الدّين الشهرزوري قد هَاجر إِلَى
стр. 845
صَلَاح الدّين بِمصْر فِي ريعان ملكه وأذنت هجرته فِي دَرك إِرَادَته بإدارة فلكه وأنعم عَلَيْهِ هُنَاكَ بِجَزِيرَة الذَّهَب وَمن دَار الْملك بِمصْر بدار الذَّهَب ووفرَّ حَظه من الذَّهَب وَملكه دَارا بِالْقَاهِرَةِ نفيسةً جميلَة جليَّة جليلة ورتّب لَهُ وظائف وخصّه بلطائف وَوصل مَعَ صَلَاح الدّين إِلَى الشَّام وَأمره جارٍ على النظام
وَلما أَشْتَدّ بِكَمَال الدّين الْمَرَض وَكَاد يُفَارق جوهره الْعرض أَرَادَ أنْ يبْقى الْقَضَاء فِي ذويه فوّصى مَعَ حُضُور وَلَده بِالْقضَاءِ لضياء الدّين ابْن أَخِيه علما مِنْهُ بِأَن السُّلْطَان يُمضي حُكمه لأجل سوالفه ويجعله عِنْده من عوائد عوارفه وَمَات وَلم يخلف مثله وَمن شَاهده شَاهد الْعقل وَالْفضل كلّه بارًّا بالأبرار مُخْتَارًا للأخيار مكرما للكرام مَاضِيا فِي الْأَحْكَام وَقد قوّاه نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَولده فِي أَيَّامه وسدد مرامي مرامه
وَهُوَ الَّذِي سنّ دَار الْعدْل لتنفذ أَحْكَامه بِحَضْرَة السُّلْطَان فَلَا يبْقى عَلَيْهِ مغمز وَلَا ملمز لِذَوي الشنآن وَهُوَ الَّذِي تولى لَهُ بِنَاء أسوار دمشق ومدارسها والبيمارستان فاستمرت عَادَته واستقرت قَاعِدَته فِي دولة السُّلْطَان وَتُوفِّي وَنحن بحلب محاصرون
وَذكر الْعِمَاد فِي الخريدة لِابْنِهِ محييّ الدّين قصيدة فِي مرثيته مِنْهَا
(ألِمُّوا بِسَفْحِي قاسيون فَسَلمُوا ... على جدثٍ بَادِي السنا وترحموا)
следующие страницы →