← История

История · id 6633

المغرب في حلى المغرب

ابن سعيد المغربي

Полный текст (860 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنَا مُحَمَّد نبيه ١ - أبو العَاصِي الحكم الربضي ابْن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان ولى سلطنة الأندلس بعد أَبَوَيْهِ وتلخيص تَرْجَمته من مقتبس ابْن حَيَّان أمه زخرف أم ولد ومولده سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة مدَّته سِتّ وَعِشْرُونَ سنة وَعشرَة أشهر وَعشرَة أَيَّام سنة ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وَولى وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين وبيعته يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة خلت من صفر سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة صفتة أسمر طوال نحيف لم يخصب ذُكُور أَوْلَاده عشرُون إناثهم ثَلَاثُونَ وَكَانَ أفحل بني أُميَّة بالأندلس

стр. 2

وأشدهم إقداماً وصرامة وأنفة وأبهة وَعزة إِلَى مَا جمع لذَلِك من جودة الضَّبْط وَحسن السياسة وايثار النصفة وَكَانَ يشبه بالمنصور العباسي فِي شدّ الْملك وقهر الْأَعْدَاء وتوطيد الدولة وَقَالَ الرَّازِيّ هُوَ أول من استكثر من الحشم والحفد وارتبط الْخُيُول على بَابه وناوأ جبابرة الْمُلُوك فِي أَحْوَاله وَبلغ مماليكه خَمْسَة آلَاف ثَلَاثَة آلَاف مِنْهُم فرسَان وهم الخرس سموا بذلك لعجمتهم وَكَانَ يَقُول مَا تحلى الْخُلَفَاء بأزين من الْعدْل وَلَا امتطوا مثل التثبت وَلَا ازدلفوا بِمثل الْعَفو وَكَانَ يستريح إِلَى لذاته من غير إفحاش وَكَانَ خَطِيبًا مفوهاً أدبياً شَاعِرًا وَمن حكاياته المستحسنة أَنه توجه عَلَيْهِ حكم فِي أم ولد من القَاضِي فانقاد للحق وَدفع ثمنهَا لمولاها وسايره يَوْمًا زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن وَقد أرْدف زِيَاد وَلَده خَلفه فَلَمَّا انْتهى إِلَى القنطرة وَهُوَ يحادث سمع الْأَذَان فَقطع زِيَاد حَدِيثه وَقَالَ معذرة إِلَى الْأَمِير فَإنَّا كُنَّا فِي حَدِيث عَارضه هَذَا الْمُنَادِي إِلَى الله تَعَالَى وَهُوَ أَحَق بالإجابة وَمر إِلَى الْمَسْجِد فَلم يُنكر عَلَيْهِ شَيْئا بل زَاده حظوة وَكَانَ يكثر من مُجَالَسَته وبلى بمحاربة عيه عبد الله وَسليمَان وَكَانَا قد خرجا إِلَى بر العدوة فَلَمَّا سمعا بِمَوْت الرِّضَا كرا إِلَى الأندلس وَكَانَ السَّابِق بالعبور عبد الله تعصب مَعَه أهل بلنسية وتلوم بعده سُلَيْمَان بطنجة فَكتب لَهُ عبد الله فَجَاز إِلَيْهِ ونهص سُلَيْمَان

стр. 3

إِلَى قرطبة فَهَزَمَهُ الحكم الْهَزِيمَة القبيحة ثمَّ هَزَمه أقبح مِنْهَا وانكب بِهِ فرسه وسيق أَسِيرًا فجَاء رَسُول من الحكم بقتْله فَقتل وَشهر رَأسه بقرطبة وَسقط فِي يَد عبد الله فَصَالح الحكم على الْإِقَامَة ببلنسية وَلم يزل على ذَلِك حَيَاة الحكم واتهم الحكم عَمه أُميَّة فحبسه نسق التَّارِيخ سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة غزا بالصائفة الْحَاجِب بعد الْكَرِيم بن عبد الْوَاحِد وقف مُثقلًا بالغنائم سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ ظهر بهْلُول بن أبي الْحجَّاج بِجِهَة الثغر الْأَعْلَى وَملك سرقسطة وفيهَا ثار عبيد بن خمير بطليطلة فكاتب الحكم أعياناً مِنْهَا عمِلُوا فِي قَتله سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين جمع لذريق بن قارلة ملك الإفرنج جموعه وَسَار إِلَى حِصَار طرطوشة فَبعث الحكم ابْنه عبد الرَّحْمَن فِي العساكر فَهَزَمَهُ وَفتح الله على الْمُسلمين وَعَاد ظافراً ولبث كُلَيْب فِي السجْن بداخل الْقصر سِتا وَعشْرين سنة إِذْ كَانَ الْأَمِير هِشَام هُوَ الَّذِي سجنه وَكَانَ لَهُ فِيمَا بعد ذَلِك غزوات فِي النَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ ظفر فِيهَا

стр. 4

سنة أَربع وَتِسْعين حاصر الحكم ماردة بِنَفسِهِ وفيهَا عصى عمروس بالثغر ثمَّ أناب للطاعة وَمَات مخلصاً فِي مُدَّة الحكم فَكَانَت ولَايَته على الثغر تسع سِنِين وَعشرَة أشهر وأياماً سنة سبع وَتِسْعين فِيهَا غزا عبيد الله بن عبد الله البلنسي صَاحب الصوائف فَحل ببرشلونة فَلَمَّا كَانَ حُضُور صَلَاة الْجُمُعَة وَقد تقدم فِي ملاقاة الْعَدو صلى رَكْعَتَيْنِ وَركب فنصره الله عَلَيْهِم فَدَعَا بقناة طَوِيلَة فركزت وصفت رُءُوس النَّصَارَى حولهَا حَتَّى ارْتَفَعت فَوْقهَا وغيبت سنانها فَأمر المؤذنين فَعَلُوهَا وأذنوا فَكَانَت غَزْوَة اختال الْإِسْلَام فِي أردية عزتها دهراً سنة تسع وَتِسْعين عزا الحكم طليطلة وَقد أظهر قصد مرسية فعاث فيهم أَشد العيث وَنقل وُجُوههم إِلَى قرطبة فذلوا بعْدهَا دهراً طَويلا سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ فِيهَا نكث أهل ماردة وَقَامَ بأمرها مَرْوَان بن الجليق

стр. 5

سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا كَانَت وقْعَة الربض كَانَ أصل مَا هاجها أَن بعض مماليك الحكم دفع سَيْفا إِلَى صيقل فمطله والغلام يتَكَرَّر عَلَيْهِ والصيقل يتهكم بِهِ فَأَغْلَظ الْغُلَام للصيقل وَآل الْأَمر إِلَى أَن خبطه بِهِ الصيقل فَقتله وثار الهيج لوقته كَأَنَّمَا النَّاس كَانُوا يرتقبونه فهتفوا بالخلعان وَأول من شهر السِّلَاح أهل الربض القبلي بعدوة النَّهر ثمَّ ثار أهل الْمَدِينَة والأرباض وانحاز الأمويون وأتباعهم إِلَى الْقصر فارتقى الحكم السَّطْح وحرك حفائظ جنده فآل الْأَمر إِلَى أَن غلبهم الْجند وأفشوا الْقَتْل وتتبعوا فِي الدّور وَقتل الحكم بعد ذَلِك من أَسْرَاهُم نَحْو ثَلَاثمِائَة صلبهم على النَّهر وَكَانَ يَوْم هَذِه الْوَقْعَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة خلت من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَمر بهدم الربض القبلي حَتَّى صَار مزرعة وَلم يعمر طول مُدَّة بني أُميَّة وتتبع دور أهل الْخلاف فِي غَيره بالهدم والإحراق وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام أَمر بِرَفْع الْقَتْل والأمان على أَن يخرجُوا من قرطبة فلحق جُمْهُور مِنْهُم بطليطلة وكاتبوا مهَاجر بن الْقَتِيل الَّذِي كَانَ قد لحق بدار الْحَرْب وولوه عَلَيْهِم وَصَارَ مَعَه نَحْو خَمْسَة عشر ألفا فِي الْبَحْر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وتقاتلوا مَعَ أَهلهَا فأنزلهم عبد الله بن طَاهِر جَزِيرَة إقريطش وَكَانَت حِينَئِذٍ خَالِيَة فعمروها وَكَانَ فِي حبس الحكم يَوْمئِذٍ شبريط صَاحب وشقة وَهُوَ ابْن عَم عمروس صَاحب الثغر الْأَعْلَى فَلَمَّا سمع بثورة النَّاس قَالَ أَهِي غنم لَو كَانَ لَهَا رَاع كَأَنِّي بهم قد مزقوا فَأمر الحكم بصلبه

стр. 6

وَأغْرب الحكم فِي بأسماء حربه هَذِه عِنْدَمَا حمى وطيسها بنادرة مَا سمع لأحد من الْمُلُوك بِمِثْلِهَا وَذَلِكَ أَنه فِي مقَامه بالسطح وَعند بَصَره باشتداد الْحَرْب دَعَا بقارورة غَالِيَة فَجَاءَهُ بهَا خَادِم لَهُ فأفرغها على رَأسه فَلم يملك الْخَادِم نَفسه أَن قَالَ لَهُ وأية سَاعَة طيب هَذِه فَقَالَ اسْكُتْ لَا أم لَك وَمن أَيْن يعرف قَاتل الحكم رَأسه من رَأس غَيره ثمَّ أعتق مماليكه ووالى الْإِحْسَان عَلَيْهِم وَجعل يَقُول مَا استعدت الْمُلُوك بِمثل الرِّجَال وَلَا حامى عَنْهَا كعبيدها وَكَانَ مِمَّن هرب من أهل الربض إِلَى طليطلة الْفَقِيه يحيى بن يحيى ثمَّ أَمنه الحكم وَكَانَ مِنْهُم طالوت بن عبد الْجَبَّار الْمعَافِرِي أحد من لقى مَالك بن أنس استخفى عِنْد يَهُودِيّ أحسن خدمته ثمَّ انْتقل إِلَى الْوَزير الإسكندارني واثقاً بِهِ فسعى بِهِ إِلَى الحكم وَأمكنهُ مِنْهُ فَوَجَدَهُ أغْلظ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قرر عَلَيْهِ ذنُوبه قَالَ لَهُ إِنِّي أبغضتك لله وَحده فَلم ينفعك عِنْدِي مَا صَنعته معي وَأخْبرهُ مَا جرى لَهُ مَعَ الْيَهُودِيّ والوزير فرقق الله قلبه عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِن الَّذِي أبغضتني من أَجله قد صرفني عَنْك وَنقص الاسكندراني فِي عين الحكم قَالَ وَلَقَد بلغ من استخفاف أهل الربض بالحكم أَنهم كَانُوا يُنَادُونَهُ لَيْلًا من أَعلَى صوامعهم الصَّلَاة الصَّلَاة يَا مخمور وَلم يتمل بالعيش بعد هَذِه الْوَقْعَة من عِلّة طاولته أَرْبَعَة أَعْوَام فَمَاتَ نَادِما مُسْتَغْفِرًا وَكَانَ مِمَّا نعوه عَلَيْهِ أَن جعل الْعشْر ضريبة على النَّاس بعد أَن كَانَ مصروفاً إِلَى أمانتهم سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ بَايع الحكم لابْنَيْهِ بالعهد عبد الرَّحْمَن ثمَّ الْمُغيرَة فانخلع الْمُغيرَة لِأَخِيهِ وَمَات مكرماً فِي حَيَاته وَله عقب كثير وَالْحكم أول من عقد الْعَهْد مِنْهُم وفيهَا توفّي الحكم

стр. 7

حجب لَهُ عبد الْكَرِيم بن عبد الْوَاحِد وَله تَرْجَمَة وَعبد الْعَزِيز ابي ابْن عَبدة بعده وَكَانَ زاهداً كثير الصَّدَقَة صَاحب جيوشه وصوائفه ابْن عَمه عبيد الله بن عبد الله وَمن أشهر وزرائه فطيس بن سُلَيْمَان وَكتب عَنهُ أَيْضا وَكتب عَنهُ حجاج المغيلي وَهُوَ شَاعِر وقضاته مذكورون فِي تراجمهم وَفِي مدَّته مَاتَ شَهِيد بن عِيسَى الَّذِي ينْسب لَهُ بَنو شَهِيد فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَتَمام بن عَلْقَمَة اُحْدُ اكابر النُّقَبَاء وَعبد الْوَاجِد بن مغيث وفطيس بن سُلَيْمَان وحجاج المغيلي فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة والفقيه زِيَاد ابْن عبد الرَّحْمَن اللَّخْمِيّ راوية مَالك سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة والفقيه الْمُفْتِي صعصعة بن سَلام سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ ابْن حزم فِي نقط الْعَرُوس وَمن المجاهرين بِالْمَعَاصِي السفاحين للدماء لدينا الحكم صَاحب الربض وَقد كَانَ من جبروته يخصى من اشْتهر بالجمال من أَبنَاء رَعيته ليدخلهم إِلَى قصره وَأحسن مَا أوردوا لَهُ من الشّعْر قَوْله بعد وقْعَة الربض ... رأبت صدوع الأَرْض بِالسَّيْفِ راقعاً ... وقدماً لأمت الشّعب مذ كنت يافعا فسائل ثغوري هَل بهَا الْيَوْم ثغرة ... أبادرها مستنصى السَّيْف دارعا وشافه على الأَرْض الفضاء جماجماً ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا تنبيك أَنِّي لم أكن فِي قراعهم ... بوان وَأَنِّي كنت بِالسَّيْفِ قارعا وَأَنِّي إِذا حادوا سرَاعًا عَن الردى ... فَمَا كنت ذَا حيد عَن الْمَوْت جازعا ...

стр. 8

.. حميت ذماري فاستحبت دمارهم ... وَمن لَا يحامى ظلّ خزيان ضارعا وَلما تساقينا نهال حروبنا ... سقيتهم سجلاً من الْمَوْت ناقعا وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا ... ٢ - ابْنه أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن بن الحكم من المقتبس هُوَ بكر وَالِده مولده بطليطلة فِي شعْبَان سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة عمره اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سنة دولته إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسِتَّة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَفَاته بقرطبة لَيْلَة الْخَمِيس لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ذكر ابْن حزم فِي نقط الْعَرُوس أَن وَلَده مائَة النّصْف ذُكُور عني أَبوهُ بتعليمه وتخريجه فِي الْعُلُوم الحديثة والقديمة وَوجه عَبَّاس بن نَاصح إِلَى الْعرَاق فِي التمَاس الْكتب الْقَدِيمَة فَأَتَاهُ بالسندهند وَغَيره مِنْهَا وَهُوَ أول من أدخلها الأندلس وَعرف أَهلهَا بهَا وَنظر هُوَ فِيهَا وَكَانَ حسن الْوَجْه بهي المنظر وَمن بديع التَّعَارُض فِي كَمَاله نقض وِلَادَته لِأَنَّهُ ولد لسبعة أشهر وَكَانَ من أهل التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ والاستضهار للْحَدِيث وَأَطْنَبَ فِي ذكره فِي الْعُلُوم وَأَنه كَانَ يداخل كل ذِي علم من فنه وَهُوَ أول من فخم السلطنة بالأندلس بِأُمُور يطول ذكرهَا من انتقاء الرِّجَال والمباني وَغير ذَلِك وَهُوَ الَّذِي بنى جَامع إشبيلية وسورها وتولع جواريه بِبِنَاء الْمَسَاجِد وَفعل الْخَيْر

стр. 9

وَهُوَ الَّذِي ميز ولَايَة السُّوق عَن أَحْكَام الشرطة الْمُسَمَّاة بِولَايَة الْمَدِينَة فأفردها وصير لواليها ثَلَاثِينَ دِينَارا فِي الشَّهْر ولوالي الْمَدِينَة مائَة دِينَار وَكَانَ يُقَال لأيامه أَيَّام الْعَرُوس واستفتح دولته بهدم فندق الْخمر وَإِظْهَار الْبر وتملى النَّاس مَعَه الْعَيْش وخلا هُوَ بلذاته وَطَالَ عمره وَفَشَا نَسْله وَقَالَ الرَّازِيّ إِنَّه الَّذِي أحدث بقرطبة دَار السِّكَّة وَضرب الدَّرَاهِم باسمه وَلم يكن فِيهَا ذَلِك مذ فتحهَا الْعَرَب وَفِي أَيَّامه أَدخل للأندلس نَفِيس الجهاز من ضروب الجلائب لكَون ذَلِك نفق عَلَيْهِ وَأحسن لجالبيه وَوَافَقَ انتهاب الذَّخَائِر الَّتِي كَانَت فِي قُصُور بَغْدَاد عِنْد خلع الْأمين فجلبت إِلَيْهِ وانتهت جبايته إِلَى الف ألف دِينَار يَفِ السّنة وَهُوَ الَّذِي اتخذ للوزراء فِي قصره بَيت الوزارة ورتب اخْتلَافهمْ إِلَيْهِ فِي كل يَوْم يستدعيهم مَعَه أَو من يخْتَص مِنْهُم اَوْ يخاطبهم برقاع فِيمَا يرَاهُ من امورالدولة وَكَانَ سعيداً قَالَ ابْن مفرج مَا علمنَا أَنه خرج عَلَيْهِ مَعَ طول أَيَّامه خَارج خلا مَا كَانَ من مُوسَى بن مُوسَى بن قسي بِنَاحِيَة الثغر الْأَعْلَى وَلم يشْغلهُ النَّعيم عَن وصل الْبعُوث إِلَى دَار الْمغرب وَكَانَ مكرماً لأصناف الْعلمَاء محسناً لَهُم وَكَانَ يخلوا بكبير الْفُقَهَاء يحيى بن يحي كثيرا ويشاوره وسرق بعض صقالبته بدرة فلمحه وَلما عدت الْبَدْر نقصت فَأَكْثرُوا التَّنَازُع فِيمَن أَخذهَا فَقَالَ السُّلْطَان قد أَخذهَا من لَا يردهَا وَرَآهُ من لَا يقفحه فإياكم عَن العودة لمثلهَا فَإِن كَبِير الذَّنب يهجم على استنفاد الْعَفو فتعجب من إفراط كرمه وحيائه وَمن توقيعاته البليغة وَمن لم يعرف وَجه مطلبه كَانَ الحرمان أولى بِهِ وَمن مَشْهُور شعره قَوْله فِي جَارِيَته طروب الَّتِي هام بهَا

стр. 10

.. إِذا مَا بَدَت لي شمس النها ... ر طالعة ذَكرتني طروبا عداني عَنْك مَزَار العدى ... وقودى إِلَيْهِم لهاماً مهيبا أُلَاقِي بوجهي سموم الهجير ... إِذا كَاد مِنْهُ الْحَصَى أَن يذوبا ... وأجنب فِي بعض غَزَوَاته وَقد دنا من وَادي الْحِجَارَة فَقَامَ إِلَى الْغسْل وفكره مَوْقُوف على الخيال الَّذِي طرقه فاستدعى ابْن الشمر وَقَالَ لَهُ أجز ... شاقك من قرطبة الساري ... بِاللَّيْلِ لم يدر بِهِ الدَّارِيّ ... فَقَالَ بديهة ... زار فَحَيَّا فِي ظلام الدجى ... أَهلا بِهِ من زائر زائري ... فهاج اشتياقه لصاحبة الخيال فاستخلف على الْجَيْش وَرجع إِلَى قرطبة وَكَانَ مُولَعا بِالنسَاء وَلَا يتَّخذ مِنْهُنَّ ثَيِّبًا أَلْبَتَّة وكملت لذته بقدوم زرياب غُلَام إِسْحَاق الْموصِلِي وَفِي مدَّته فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ أظهر الْعِصْيَان عَم أَبِيه عبد الله وعسكر بمرسية وَصلى الْجُمُعَة على أَن يخرج يَوْم السبت وَقَالَ فِي خطبَته اللَّهُمَّ إِن كنت أَحَق بِهَذَا الْأَمر من عبد الرَّحْمَن حفيد أخي فانصرني عَلَيْهِ وَإِن كَانَ هُوَ أَحَق بِهِ مني وَأَنا صنو جده فانصره عَليّ فَأمنُوا على دُعَائِهِ وَلم يستتم كَلَامه حَتَّى ضَربته الرّيح الْبَارِدَة فَسقط مفلوجاً فكمل النَّاس صلَاتهم بِغَيْرِهِ وافترق

стр. 11

الْجمع وَصَارَ الى بلنسية فَمَاتَ بهَا فِي سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَأحسن عبد الرَّحْمَن الْخلف على وَلَده وَعَلِيهِ قدم بَنو عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحْمَن بن رستم صَاحب تيهرت وَأنْفق عَلَيْهِم ألف ألف دِينَار وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة ثارت فتْنَة تدمير بَين الْيمن وَمُضر ودامت سبع سِنِين وَكَانَ انبعاثها من ورق دالية جمعهَا مُضَرِي من جنان يمني بِغَيْر أمره فَقتله الْيَمَانِيّ وَكَانَ أَكْثَرهَا دائراً على اليمانية وَفِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَمر عبد الرَّحْمَن عَامله جَابر بن مَالك أَن يتَّخذ مرسية منزلا للولاية وتحرك بِنَفسِهِ الى حِصَار طليلطلة وماردة وَفتح حصوناً كَثِيرَة من جليقية وَوَصله كتاب صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة يذكر مَا كَانَ بَين السلفين فِي الْمشرق والأندلس فجاوبه بِكِتَاب فِيهِ إنحاء على الْمَأْمُون والمعتصم وَفِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ هلك مَحْمُود بن عبد الْجَبَّار الْبَرْبَرِي البطل الْمَشْهُور المنتزى بماردة الَّذِي دَامَت محاربته مَعَ أَصْحَاب عبد الرَّحْمَن واشتهرت وقائعه كَانَ قد فر إِلَى أذفنش وَأَرَادَ أَن يرجع إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بحصن من جليفية فحاربه اذفنش فجمح بِهِ فرسه فِي الْحَرْب وصدم بشجرة بلوط قتلته وَبَقِي مجدلاً فِي الأَرْض حينا وفرسان النَّصَارَى قيام على ربوة يهابون الدنو إِلَيْهِ وَيَخَافُونَ أَنَّهَا حِيلَة مِنْهُ

стр. 12

وَفِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ عصى مُوسَى بن مُوسَى صَاحب تطيلة وَاسْتولى على الثغر الْأَعْلَى وَله وقائع مَشْهُورَة فِي الْعَدو وَالْإِسْلَام وغزاه عبد الرَّحْمَن غزوات متتابعة إِلَى أَن صَالحه وَفِي سنة تسع وَعشْرين ظَهرت مراكب الأردمانين الْمَجُوس بسواحل غرب الأندلس وَيَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع عشرَة خلت من محرم سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ حلت على اشبيلة وَهِي عَورَة فدخولها واستباحوها سَبْعَة أَيَّام إِلَى أَن جَاءَ نصر الْخصي وَهزمَ عَنْهَا النَّصَارَى المعروفين بالمجوس وعاث فِي مراكبهم وَفِي ذَلِك يَقُول عُثْمَان بن الْمثنى ... يَقُولُونَ ان الاردمانين أَقبلُوا ... فَقلت إِذا جَاءُوا بعثنَا لَهُم نصرا ... وَبعد هَذَا بنى سور إشبيلية بِإِشَارَة عبد الْملك بن حبيب وَفِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ جهز عبد الرَّحْمَن أسطولاً من ثَلَاثمِائَة مركب الى جزيرتي ميورقة ومتورقة لاضرار اهلهما بِمن يمر بهما من مراكب الْإِسْلَام ففتحوهما وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ كَاد نصر الْخصي مَوْلَاهُ عبد الرَّحْمَن بِشَربَة فِيهَا سم نبه الامر عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ اشربها أَنْت فَشربهَا وَخرج فَأَشَارَ عَلَيْهِ طبيبه بلين الْمعز فَلم يُوجب حَتَّى هلك

стр. 13

وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ادّعى بالثغر الْأَعْلَى النُّبُوَّة معلم فَقتل وَهُوَ يَقُول على جذعه أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَكَانَ ينْهَى عَن قصّ الْأَظْفَار وَالشعر وَيَقُول لَا تَغْيِير لخلق الله واحتجب عبد الرَّحْمَن قبل مَوته مُدَّة ثَلَاث سِنِين لعِلَّة أضعفت قواه حجب لَهُ عبد الْكَرِيم حَاجِب وَالِده إِلَى أَن توفّي فولى بعده سُفْيَان بن عبد ربه ثمَّ عِيسَى بن شَهِيد وعزله بِعَبْد الرَّحْمَن بن رستم ثمَّ أَعَادَهُ إِلَى وَفَاته وَقَالَ ابْن الْقُوطِيَّة لم يخْتَلف أحد من شُيُوخ الأندلس أَنه مَا خدم بني أُميَّة فِي الْحجاب أكْرم من عِيسَى بن شَهِيد وَمن كِتَابه مُحَمَّد بن سعيد الزجالي التاكرني وَسَيَأْتِي ذكر قصاته فِي تراجمهم على نسق وَفِي مدَّته مَاتَ عِيسَى بن دِينَار الطليطلي الَّذِي قيل إِنَّه أفقه من يحيى بن يحيى وَكَانَ لَهُ رحْلَة إِلَى الْمشرق وَصَحب ابْن الْقَاسِم ودارت عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمَات يحيى بن يحيى فِي رَجَب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَذكر الحجاري أَن جواد بني أُميَّة بالأندلس عبد الرَّحْمَن وبخيلهم عبد الله وَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ وَذكر أَنه كتب يَوْمًا إِلَى نديمه ومنجمه عبد الله بن الشمر ... ماتراه فِي اصطباح ... وعقود الْقطر تنثر ونسيم الرَّوْض يختا ... ل على مسك وَعَنْبَر كلما حاول سبقاً ... فَهُوَ فِي الريحان يعثر ...

стр. 14

.. لَا تكن مهمالة واسبق ... فَمَا فِي البطء تعذر ... فجاوبه بِمَا تَأَخّر فِيهِ عَن طبقته وَله فِي الْكَرم حكايات مِنْهَا أَن زرياب غناهُ يَوْمًا فأطربه فَأعْطَاهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فاحتوشه جواريه وَولده فنثرها عَلَيْهِم وَكتب أحد السَّعَادَة إِلَيْهِ بِأَن زرياب لم يعظم فِي عَيْنَيْهِ ذَلِك المَال وَأَعْطَاهُ فِي سَاعَة وَاحِدَة فَوَقع نبهت على شئ كُنَّا نحتاج التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَإِنَّمَا رزقه نطق على لسَانك وَقد رَأينَا أَنه لم يفعل ذَلِك إِلَّا ليحببنا لأهل دَاره ويغمرهم بنعمنا وَقد شكرناه وأمرنا لَهُ بِمثل المَال الْمُتَقَدّم ليمسكه لنَفسِهِ فَإِن كَانَ عنْدك فِي حَقه مضرَّة أُخْرَى فارفعها إِلَيْنَا وَرفع لَهُ أحد المستغلين بتثمير الْخراج أَن القنطرة الَّتِي بناها جده على نهر قرطبة لَو رسم على الدَّوَابّ والأحمال الَّتِى تعبر عَلَيْهَا رسم لَا جتمع من ذَلِك مَال عَظِيم فَوَقع نَحن أحْوج إِلَى أَن نُحدث من أَفعَال الْبر أَمْثَال هَذِه القنطرة لَا أَن نمحو مَا خلده آبَاؤُنَا باختراع هَذَا المكس الْقَبِيح فَتكون عائدته قَليلَة لنا وَتبقى تَبعته وَذكره السوء علينا وهلا كنت نبهتنا على إصْلَاح الْمَسْجِد المجاور لَك الَّذِي قد تداعى جِدَاره واختل سقفه وَفصل الْمَطَر مُسْتَقْبل لَكِن يَأْبَى الله أَن تكون هَذِه المكرمة فِي صحيفتك وَقد جعلنَا عُقُوبَتك بِأَن تصلح الْمَسْجِد الْمَذْكُور من مَالك على رغم أَنْفك فَيكون مَا تنْفق فِيهِ مِنْك وأجره لنا إِن شَاءَ الله ٣ - ابْنه أَبُو عبد الله مُحَمَّد كَانَ أَخُوهُ عبد اله بن طروب قد وشحه أَبوهُ للولاية بعده وَكَانَ نصر الخصى يعضده ويخدم أمه طروب الحظية عِنْد عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط إِلَّا

стр. 15

أَن عبد الله كَانَ مستهتراً منهمكاً فِي اللَّذَّات فَكَانَ أولو الْعقل يميلون إِلَى أَخِيه مُحَمَّد فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُمَا وَكَانَ ذَلِك بِاللَّيْلِ اتّفق رُءُوس الخدم أَن يعدلُوا بِالْولَايَةِ عَن عبد الله إِلَى مُحَمَّد فَمر أحدهم إِلَى منزله وَجَاء بِهِ على بغلة فِي زِيّ صبية كَأَنَّهُ بنته تزور قصر جدها فَلَمَّا مر على دَار أَخِيه عبد الله وَسمع ضجة المنادمين وَلَيْسَ عِنْده خبر من موت أَبِيه أنْشد ... فهنيئاً لَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ ... وَالَّذِي نَحن فِيهِ أَيْضا هنانا ... وَلما دخل الْقصر بعد تمنع من البواب وَتمّ لَهُ الْأَمر تَلقاهُ بحزم وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أحد من جلة أَقَاربه قَالَ صَاحب الجذوة كَانَ مُحَمَّد محباً للعلوم مؤثراً لأهل الحَدِيث عَارِفًا حسن السِّيرَة وَلما دخل الأندلس أَبُو عبد الرَّحْمَن بَقِي بن مخلد بِكِتَاب أبي بكر بن أبي شيبَة وَقُرِئَ عَلَيْهِ أنكر جمَاعَة من أهل الرَّأْي مَا فِيهِ من الْخلاف واستشنعوه وبسطوا الْعَامَّة عَلَيْهِ وَمنعُوا من قِرَاءَته إِلَى أَن اتَّصل ذَلِك بالأمير مُحَمَّد فاستحضروه وإياهم واستحضر الْكتاب كُله وَجعل يتصفحه جُزْءا جُزْءا إِلَى أَن أَتَى على آخِره وَقد ظنُّوا أَنه مواقفهم على الْإِنْكَار عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لخازن الْكتب هَذَا كتاب لَا تَسْتَغْنِي خزانتنا عَنهُ فَانْظُر فِي نسخه لنا ثمَّ قَالَ لبقي بن مخلد انشر علمك وارو مَا عنْدك من الحَدِيث واجلس للنَّاس حَتَّى ينتفعوا بك فنهاهم أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ وَكَانَ مُحَمَّد قد فوض أُمُور دولته لهاشم بن عبد الْعَزِيز أعظم وزرائه

стр. 16

واشتمل عَلَيْهِ اشتمالاً كثيرا وَكَانَ هَاشم تياهاً معجباً حقوداً لجوجاً فأفسد الدولة وَكَانَ يقدمهُ على العساكر فَخرج مرّة إِلَى غرب الأندلس ليقمع مَا هُنَالك من الثَّوَاب فأساء السِّيرَة فِي الْحَرَكَة وَالنُّزُول والمعاملة مَعَ الْجند فأسلموه وَأخذ أَسِيرًا ثمَّ افتدى بأموال عَظِيمَة وأنهضه مرّة مَعَ ابْنه الْمُنْذر إِلَى ثغر سرقسطة فأساء الْأَدَب مَعَه حَتَّى أحقده وأتلف محبته لما صَارَت السلطنة إِلَيْهِ وثارت الثوار فِي الأندلس بِسَبَبِهِ وَمَا مَاتَ مُحَمَّد حَتَّى خرقت الهيبة وَزَالَ ستر الْحُرْمَة واستقبل ابْنه الْمُنْذر ثمَّ عبد الله نيران الْفِتْنَة فأصلتهما مُدَّة حياتهما إِلَى أَن خمدت بالناصر عبد الرَّحْمَن وَكَانَت وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد فِي آخر صفر سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ٤ - ابْنه أَبُو الحكم الْمُنْذر بن مُحَمَّد ولي بعد أَبِيه فَلم تكن لَهُ همة أعظم من خداع وَزِير أَبِيه هَاشم بن عبد الْعَزِيز الى ان وَثَبت عَلَيْهِ وسجنه وأثقله بالحديد وَذكره مَا أسلفه من ذنُوبه الموبقة ثمَّ أخرجه وأتى بِهِ إِلَى دَار عَظِيمَة كَانَ قد شيدها وَقصر عَلَيْهَا جَمِيع أمانيه وَضرب عُنُقه فِيهَا وفتك فِي أَوْلَاده ومخلفيه أَشد الفتك وشفى غيظه الكامن ثمَّ أَخذ فِي التَّجْهِيز إِلَى قتال عمر بن حفصون الثائر الشَّديد فِي الثوار وَكَانَ قِيَامه وامتنانعه فِي قلعة ببشتر بَين رندة ومالقة وَقد وقفت عَلَيْهَا وَهِي خراب وَكَانَت من أمنع قلاع الأندلس لَا ترام وَلَا يخْشَى من فِيهَا إِلَّا من الْأَجَل فحصره فِيهَا فَيُقَال ان أَخَاهُ

стр. 17

عبد الله الَّذِي ولى بعده وَكَانَ حَاضرا مَعَه دس إِلَى الفاصد مَالا على أَن يسم المبضع فَفعل ذَلِك فَمَاتَ الْمُنْذر وبادر فِي الْحِين عبد الله بِحمْلِهِ إِلَى قرطبة وحصلت لَهُ السلطنة وَكَانَ الْمُنْذر قد ترشح فِي مُدَّة أَبِيه لقود العساكر وَعظم أمره وَاشْتَدَّ صولته وَكَانَ شكس الْأَخْلَاق مر الْعقَاب وَلم تطل مدَّته وَذكر صَاحب الجذوة أَنه كَانَ مولده فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فاتصلت ولَايَته سنتَيْن غير خَمْسَة عشر يَوْمًا وَمَات فِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْحميدِي وَقد انقرض عقب الْمُنْذر ٥ - المستكفي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عَبِيدِي الله ابْن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر قَالَ ابْن حَيَّان بُويِعَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الناصري يَوْم قتل عبد الرَّحْمَن المستظهر يَوْم السبت لثلاث خلون من ذِي الْقعدَة سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فتسمى بالمستكفي بِاللَّه اسْما ذكر لَهُ فاختاره لنَفسِهِ وَحكم بِهِ سوء الِاتِّفَاق عَلَيْهِ لمشاكلته لعبد الله المستكفي العباسي أول من تسمى بِهِ فِي أفنه ووهنه وتخلفه وَضَعفه بل كَانَ هَذَا زَائِدا عَلَيْهِ فِي ذَلِك مقصرا

стр. 18

عَن خلال ملوكية كَانَت فِي المستكفي سميه لم يحسنها مُحَمَّد هَذَا لفرط نخلفه على اشتباهما فِي سَائِر ذَلِك كُله من توثبهما فِي الْفِتْنَة واستظهارهما بالفسقة واعتداء كل وَاحِد مِنْهُمَا على ابْن عَمه وتولع كل وَاحِد مِنْهُمَا شَأْنه بِامْرَأَة خبيثة فَلذَلِك حسناء الشيرازية وَلِهَذَا بنت سكرى المورورية وكل وَاحِد مِنْهُمَا خلع وَتَركه أَبوهُ صَغِيرا قَالَ وَلم يكن من الْأَمر فِي ورد وَلَا صدر وَإِنَّمَا أرْسلهُ الله على الْأمة محنة بلغت بِهِ الْحَال قبل تملكه إِلَى أَن كَانَ يستجدي الفلاحين وَلم يجلس فِي الْإِمَارَة فِي تِلْكَ الْفِتْنَة أسقط مِنْهُ خنق ابْن عَمه ابْن الْعِرَاقِيّ وسجن ابْن حزم وَابْن عَمه أَبَا الْمُغيرَة واستؤصلت فِي مدَّته بالهدم قُصُور النَّاصِر وهرب بَين النِّسَاء لتخنيثه وَلم يتَمَيَّز مِنْهُنَّ ٦ - المعتد بِاللَّه أَبُو بكر هِشَام بن مُحَمَّد بن عبد الْملك ابْن النَّاصِر المرواني من الجذوة أَن أهل قرطبة اتَّفقُوا بعد ذهَاب الدولة الحمودية بعد طول مُدَّة عَلَيْهِ وَكَانَ مُقيما بالبونت عِنْد صَاحبهَا مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم فَبَايعُوهُ فِي ربيع الأول سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فَبَقيَ متردداً فِي الثغور ثَلَاثَة أَعْوَام غير شَهْرَيْن إِلَى أَن سَار إِلَى قرطبة وَلم يبْق إِلَّا يَسِيرا حَتَّى خلع وانقطعت الدولة المروانية من يَوْمئِذٍ فِي سنة عشْرين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 19

وَمن = كتاب السلوك فِي حلى الْمُلُوك ٧ - أَبُو الحزم جهور بن مُحَمَّد بن جهور بن عبيد الله ابْن مُحَمَّد بن الْغمر بن يحيى بن عبد الغافر ابْن أبي عَبدة الْكَلْبِيّ مولى بني أُميَّة كَانَ من وزراء الدولة العامرية قديم الرِّئَاسَة مَوْصُوفا بالدهاء والسياسة وَلم يُغير أمرا توجبه المملكة حَتَّى إِنَّه بَقِي يُؤذن على بَاب مَسْجده وَلم يتَحَوَّل عَن دَاره وَأحسن تَرْتِيب الْجند فتمشت دولته وَكَانَ حرما يلجأ إِلَيْهِ كل خَائِف ومخلوع عَن ملكه إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فولى بعده ٨ - ابْنه أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور وَنَشَأ لَهُ ولدان تنافسا فِي الرِّئَاسَة واضطربت بهما الدولة وَجَاء الْمَأْمُون ابْن ذِي النُّون محاصرا لقرطبة من طليلطلة فاستغاثا بالمعتمد بن عباد فَوجه لَهُم ابْنه الظافر بعسكر فأقلع الْمَأْمُون عَنْهُم فغدرهم

стр. 20

الظافر وَأخذ قرطبة مِنْهُم وَحَملهمْ إِلَى شلطيش فسجنوا هُنَالك وَأقَام الظافر ملكا إِلَى أَن دخل عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ حريز بن عكاشة فَقتله وَصَارَت قرطبة لِلْمَأْمُونِ بن ذِي النُّون ثمَّ وصل إِلَيْهَا الْمُعْتَمد بن عباد وَولى عَلَيْهَا ابْنه الْمَأْمُون بن الْمُعْتَمد فَأَقَامَ فِيهَا إِلَى أَن قَتله بخارجها الملثمون وتوالى عَلَيْهَا وُلَاة الملثمين إِلَى أَن ثار فِيهَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن حمدين قاضيها ثمَّ صَارَت لعبد المومن فتوالت عَلَيْهَا وُلَاة دولته إِلَى أَن صَارَت للمتوكل ابْن هود ثمَّ تغلب عَلَيْهَا مُحَمَّد بن الْأَحْمَر المرواني الثائر بأرجونة إِلَى أَن توجه إِلَى إشبيلية فَعَادَت إِلَى ابْن هود فحصرها أذفنش النَّصْرَانِي ملك طليطلة فَأَخذهَا وَخرج مِنْهَا أَهلهَا وَالله يُعِيدهَا بمنه وَحَوله

стр. 21

السلك القرشيون من كتاب رغد الْعَيْش فِي حلى قُرَيْش فَمن بني الْعَبَّاس ٩ - الزَّاهِد أَبُو وهب عبد الرَّحْمَن العباسي ذكر ابْن بشكوال أَنه يُقَال إِنَّه من بني الْعَبَّاس وَكَانَ مُنْقَطع القرين فِي الزّهْد والورع مجاب الدعْوَة مَقْبُولًا فِي النَّاس لَا يكلم أحدا وَلَا يجالسه وَمَا زَالَت الْبركَة وَإجَابَة الدعْوَة متعرفة عِنْد قَبره وَكَانَ بِظَاهِر قرطبة وَبَاعَ مَا عونه قبل مَوته فَقيل لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ أُرِيد سفرا فَمَاتَ إِلَى أَيَّام يسيرَة وَكَانَ قد طَرَأَ على قرطبة من الْمشرق وأخفى نسبه وَكَانَ متفنناً فِي أَطْرَاف من الْعُلُوم وَمن لم يتكشف على حَاله يظْهر لَهُ أَنه مَدْخُول الْعقل وَكَانَ لَا يأنس إِلَّا بِمن يعرفهُ وَكَانَ أَكثر دهره مفكراً وَجهه على ركبته ثمَّ يرفع رَأسه فَيَقُول أَي وحله وَأنْشد لَهُ ابْن بشكوال ... أَنا فِي حالتي الَّتِي قد تراني ... أحسن النَّاس إِن تفكرت حَالا منزلي حَيْثُ شِئْت من مُسْتَقر ال ... أَرض أسْقى من الْمِيَاه زلالا لَيْسَ لي كسْوَة أَخَاف عَلَيْهَا ... من مغير وَلَا ترى لي مَالا أجعَل الساعد الْيَمين وِسَادِي ... ثمَّ أثني إِذا انقلبت الشمالا قد تلذذت حقبة بِأُمُور ... فتدبرتها فَكَانَت خيالا ...

стр. 22

وَتُوفِّي بقرطبة سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمائة عَن تسعين سنة فِي أَيَّام النَّاصِر وَكَانَ حفل جنَازَته عَظِيما وَقيل نه لم يبْق اُحْدُ من أهل قرطبة الا وسع عِنْد بَابه من يَقُول اشْهَدْ فِي غَد إِن شَاءَ الله جَنَازَة الرجل الصَّالح فِي مَقْبرَة بني هائل فَإِذا خرج إِلَى الْبَاب لم يجد أحدا وَذكر الحجاري أَن أَبَا وهب لقِيه مرّة غُلَام وغد بِخَارِج قرطبة فآذاه بِلِسَانِهِ ثمَّ أَرَادَ أَن يرميه بطوبة فَجعل يبْحَث عَنْهَا وَيَقُول يَا عَليّ طوبة أضْرب بهَا هَذَا الأحمق فَوَقَعت عين أبي وهب على طوبة فَقَالَ لَهُ هَذِه طوبة خُذْهَا فابلغ بهَا غرضتك فارتاع الْغُلَام وأخذته كالرعدة وَكَانَ إِذا أصبح وَنظر إِلَى اسْتِيلَاء النُّور على الظلمَة رفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك أمرتنا بِالدُّعَاءِ إِذا أسفرنا فاستجب لنا كَمَا وعدتنا اللَّهُمَّ لَا تسلط علينا فِي هَذَا الْيَوْم من لَا يراقب رضاك وَلَا سخطك اللَّهُمَّ لَا تشغلنا فِيهِ بغيرك اللَّهُمَّ لَا تجْعَل رزقنا فِيهِ على يَد سواك اللَّهُمَّ امح من قُلُوبنَا الطمع فِي هَذِه الفانية كَمَا محوت بِهَذَا النُّور هَذِه الظلمَة اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَعْرِف غَيْرك فنسأله يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ يَا غياث من لَا غياث لَهُ وَقَالَ الاعتزال ملك من لَا مَال وَلَا اعوان لَا يجد من ينازعه وَمن لَا يستطيل عَلَيْهِ

стр. 23

وَمن بني أُميَّة ١٠ - بشر بن عبد الْملك بن بشر بن مَرْوَان من المقتبس أَن أَبَاهُ قتل مَعَ يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة وَدخل بشر إِلَى الأندلس فِي صدر أَيَّام عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل وَكَانَ من فتيَان قُرَيْش وأدبائهم وشعرائهم ومحاسنه كَثِيرَة وَذكر الحجاري أَن عبد الرَّحْمَن كَانَ يُحِبهُ ويشاوره وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ باصطناع البربر واتخاذ العبيد ليستعين بهم على الْعَرَب وَأنْشد لَهُ صَاحب السقط ... حنانيك مَا اقسى فُؤَادك تذْهب ... اللَّيَالِي وَلَا عطف لديك وَلَا وصل وَإِنِّي من قوم هم شرعوا الندى ... فَكيف على أبنائهم يحسن الْبُخْل ... ١١ - ايوب بن سُلَيْمَان السهلي من السقط أَنه من ولد سُهَيْل بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان مِمَّن خمل ذكره بالفتنة كَانَ بقرطبة يخْدم بن الْحَاج فَلَمَّا ثار ابْن الْحَاج فِي

стр. 24

مُدَّة الملثمين أنْشدهُ قصيدة مِنْهَا ... إِذا أَنا لم أبلغ بك الأمل الَّذِي ... قطعت بِهِ الْأَيَّام فالصبر ضائع ... فَاعْتَذر لَهُ بالفتنة فَقَالَ إِن لم يكن مَا ارتقبته فَلْيَكُن وعد والتفات أتعلل بهما وَأعلم مِنْهُمَا أَنِّي فِي فكر الْأَمِير فالسكوت يطمس أنوار الآمال ويغلق أَبْوَاب الرَّجَاء وَكَانَ قد حرضه على ابْن حمدين فَلَمَّا ظفر ابْن حمدين حصل فِي يَده أَيُّوب فَكَلمهُ بِكَلَام ألان بِهِ قلبه إِلَّا أَنه أمره أَن يغيب عَنهُ فَرَحل الى سرقسطة وملكها ابْن تيفلويت فَكتب إِلَى وزيره ابْن باجة ... يَا من بِهِ لَاذَ العفاة وَنَحْوه ... رقت الْأَمَانِي دلَّنِي مَا أصنع إِن صنت وَجْهي عَن سُؤال مت من ... جوع ومثلي للورى لَا يخضع ... فتسبب لَهُ فِي إِحْسَان من قبل الْملك على أَن يرحل عَن بلدهم فِرَارًا من هَذَا النّسَب فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أسعدنا بِهِ أَولا وأشقانا بِهِ آخرا وَاتفقَ لَهُ فِي طَرِيقه أَن أكْرمه بدوي نزل عِنْده وَقد تخيل أَنه رَسُول من بعض مُلُوك الملثمين أَو مِمَّن يلوذ بهم فَلَمَّا أعلمهُ غُلَامه أَنه من بني أُميَّة هاج وَأخذ رمحه وَحلف أَن لَا يبْقى لَهُ فِي منزل فَقَالَ لغلامه إِذا سُئِلت عني فَقل إِنَّه من الْيَهُود فَإِنَّهُ أمشى لحالنا وَله من شعر

стр. 25

.. قرطبة الغراء على أوبة ... إِلَيْك من قبل الْحمام الْمُصِيب ذكرك قد صيرته ديدناً ... وَكَيف أنساك وفيك الحبيب ... وَمَات بسرقسطة فِي الْمِائَة الْخَامِسَة ١٢ - بشر بن حبيب بن الْوَلِيد بن حبيب الْمَعْرُوف بدحون ذكر صَاحب السقط أَن جده حبيب بن عبد الْملك بن عمر بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان صَاحب طليطلة وبنوا دحون اعيان بلكونة رأسوا بهَا وَوَصفه بالفروسية والأخلاق الملوكية وَالْأَدب وَأنْشد لَهُ قَوْله ... قل لبرق أَضَاء من نَحْو نجد ... كَيفَ بِاللَّه سَاكن الْجزع بعدِي أَترَاهُم على العهود أَقَامُوا ... أم ترى الْبَين قد أخل بعهدي من يكن فِي الدنو غير وَفِي ... كَيفَ يُرْجَى وفاؤه فِي الْبعد ... قَالَ وَلما قَالَ ... لاضر من جَمِيع الارض قاطبة ... نَارا وابلغ مَالا يبلغ الْأَجَل أَنا الَّذِي لَيْسَ فِي الدُّنْيَا لَهُ مثل ... وبارتقائي فِي الْعليا جرى الْمثل ... سجنه عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط ثمَّ تشفع فِيهِ فسرحه فَرَحل إِلَى الْمشرق وَحج وروى الحَدِيث وَجَاء إِلَى الأندلس فِي صُورَة أُخْرَى

стр. 26

وَذكره ابْن حَيَّان فِي المقتبس وَأَنه قدم الأندلس بِعلم كثير وَكَانَ يتحلق فِي الْجَامِع إِلَى أَن نَهَاهُ عبد الرَّحْمَن عَن ذَلِك وَمن بني مَخْزُوم ١٣ - أَبُو الْوَلِيد أَحْمد بن زيدون المَخْزُومِي من القلائد زعيم الفئة القرطبية ونشأة الدولة الجهورية الَّذِي بهر فِي نظامه وَظهر كالبدر لَيْلَة تَمَامه فجَاء من القَوْل بِسحر وقلده أبهى نحر لم يصرفهُ إِلَّا بَين ريحَان وَرَاح وَلم يطلعه إِلَّا فِي سَمَاء مؤانسات وأفراح وَلَا تعدى بِهِ الرؤساء والملوك وَلَا تردى مِنْهُ إِلَّا حظوة كَالشَّمْسِ عِنْد الدلوك فشرف بضائعه وأرهف بدائعه وروائعه وكلفت بِهِ تِلْكَ الدولة حَتَّى صَار ملهج لسانها وَحل من عينهَا مَكَان إنسانها وَكَانَ لَهُ مَعَ أبي الْوَلِيد ابْن جهور تآلف احرما بكعبته وطافا وسقياه من تصافيهما نظافا وَكَانَ يعْتد ذَلِك حساماً مسلولاً ويظن أَنه يرد بِهِ صَعب الخطوب ذلولاً إِلَى أَن وَقع لَهُ طلب أصاره إِلَى الاعتقال وقصره عَن الوخد والإرقال فاستشفع بِأبي الْوَلِيد وتوسل واستدفع بِهِ تِلْكَ الأسنة المشرعة والأسل

стр. 27

فَمَا ثنى إِلَيْهِ عنان عطفه وَلَا كف عَنهُ فنون صرفه فتحيل لنَفسِهِ حَتَّى تسلل من حَبسه ففر فرار الْخَائِف وسرى إِلَى إشبيلية سرى الخيال الطَّائِف فوافاها غلساً قبل الاسراج والاجام وَنَجَا إِلَيْهَا بِرَأْس طمر ولجام فهشت لَهُ الدولة وباهت بِهِ الْجُمْلَة فَأَحْمَد قراره وأرهفت النكبة غراره وَحصل عِنْد المعتضد بِاللَّه بن عباد كالسويداء من الْفُؤَاد واستخلصه استخلاص المعتصم لِابْنِ أبي دؤاد وَألقى بيدَيْهِ مقاد ملكه وزمامه واستكفى بِهِ نقضه وإبرامه فأشرقت شمسه وأنارت وأنجدت محاسنه وَغَارَتْ وَمَا زَالَ يلتحف بحظوته وَيقف بربوته حَتَّى أدْركهُ حمامه ولقى السرَار تَمَامه فأخبى مِنْهُ شهباً طالعة وزهرة يانعة وَقد أصبت من مقاله فِي سراحه واعتقاله ومقامه وانتقاله مَا هُوَ أرق من النسيم وأشرق من الْمحيا الوسيم من ذَلِك قَوْله متغزلاً ... يَا قمراً أطلعه الْمغرب ... قد ضَاقَ بِي فِي حبك الْمَذْهَب ألزمتني الذَّنب الَّذِي جِئْته ... صدقت فاصفح ايها المذنب وان من غرب مَا مر بِي ... أَن عَذَابي فِيك مستعذب ... ورحل عَنهُ من كَانَ يهواه وفاجأه ببينه ونواه فسايره قَلِيلا وَمَا شاه وَهُوَ يتَوَهَّم ألم الْفرْقَة حَتَّى غشاه واستعجل الْوَدَاع وَفِي كبده مَا فِيهَا من الانصداع وَأقَام يَوْمه بِحَالَة المفجوع وَبَات ليله منافر

стр. 28

الهجوع يردد الْفِكر ويجدد الذّكر فَقَالَ ... ودع الصَّبْر محب وَدعك ... ذائع من سره مَا استودعك يقرع السن على أَن لم يكن ... زَاد فِي تِلْكَ الخطا إِذْ شيعك يَا أَخا الْبَدْر سناء وسنا ... حفظ الله زَمَانا أطلعك إِن يطلّ بعْدك ليلِي فلكم ... بت أَشْكُو قصر اللَّيْل مَعَك ... وَقَالَ يتغزل فِي ولادَة بنت المستكفي الَّتِي كَانَ يهواها وَكَانَت شاعرة ... يَا نازحاً وَضمير الْقلب مثواه ... أنستك دنياك عبدا أَنْت دُنْيَاهُ ألهتك عَنهُ فكاهات تلذ بهَا ... فَلَيْسَ يجْرِي ببال مِنْك ذكرَاهُ عل اللَّيَالِي تبقيني إِلَى أمد ... الله يعلم وَالْأَيَّام مَعْنَاهُ ... وَكتب إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز صَاحب بلنسية ... راحت فصح بهَا السقيم ... ريح معطرة النسيم مَقْبُولَة هبت قبو ... لَا فَهِيَ تعبق فِي الشميم أفضيض مسك أم بلن ... سية لرياها نميم بلد حبيب أفقه ... لفتى يحل بِهِ كريم إيه أَبَا عبد الإل ... هـ نِدَاء مغلوب العزيم إِن عيل صبري من فرا ... قك فالعذاب بِهِ أَلِيم أَو أتبعتك حنينها ... نفس فَأَنت لَهَا قسيم ...

стр. 29

.. ذكرى لعهدك كالسهاد ... سرى فبرح بالسليم مهما ذممت فَمَا زما ... ني فِي زمامك بالذميم زمن كمألوف الرِّضَا ... ع يشوق ذكرَاهُ الفطيم ايام اعقد ناظري بذلك المرأي الوسيم فَأرى الفتوة غضة ... فِي ثوب أَواه حَلِيم الله يعلم أَن حب ... ك من فُؤَادِي فِي الصميم وَلَئِن تحمل عَنْك بِي ... جسم فَعَن قلب مُقيم ... وَله فِي ولادَة القصيدة الَّتِي ضربت فِي الإبداع بِسَهْم وطلعت فِي كل خاطر وَوهم نزعت منزعاً قصر عَنهُ حبيب وَابْن الجهم ... بنتم وبنا فَمَا ابتلت جوانحنا ... شوقاً إِلَيْكُم وَلَا جَفتْ مآقينا تكَاد حِين تناجيكم ضمائرنا ... يقْضى علينا الأسى لَوْلَا تأسينا حَالَتْ لفقدكم أيامنا فغدت ... سُودًا وَكَانَت بكم بيضًا ليالينا إِذْ جَانب الْعَيْش طلق من تألفنا ... ومورد اللَّهْو صَاف من تصافينا وَإِذ هصرنا غصون الْوَصْل دانية ... قطوفها فجنينا مِنْهُ ماشينا ليسق عهدكم عهد السرُور فَمَا ... كُنْتُم لأرواحنا إِلَّا رياحينا من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم ... حزنا مَعَ الدهم لَا يبْلى ويبلينا أَن الزَّمَان الَّذِي كُنَّا نسر بِهِ ... أنسا بقربهم قد عَاد يبكينا غيظ العدا من تساقينا الْهوى فدعوا ... بِأَن نغص فَقَالَ الدَّهْر آمينا ...

стр. 30

.. فانحل مَا كَانَ معقودا بِأَنْفُسِنَا ... انبت مَا كَانَ مَوْصُولا بِأَيْدِينَا وَقد نَكُون وَمَا يخْشَى تفرقنا ... فَالْآن نَحن وَمَا يُرْجَى تلاقينا لم نعتقد بعدكم إِلَّا الْوَفَاء لكم ... رَأيا وَلم نتقلد غَيره دينا لَا تحسبوا نأيكم عَنَّا يغيرنا ... أَن طَال مَا غير النأي المحبينا وَالله مَا طلبت أهواؤنا بَدَلا ... مِنْكُم وَلَا انصرفت عَنْكُم أمانينا وَلَا اتخذنا خَلِيلًا عَنْك يشغلنا ... وَلَا اتخذنا بديلاً مِنْك يسلينا يَا ساري الْبَرْق غاد الْقصر فَاسق بِهِ ... من كَانَ صرف الْهوى والود يسقينا وَيَا نسيم الصِّبَا بلغ تحيتنا ... من لَو على الْبعد حييّ كَانَ يحيينا يَا رَوْضَة طالما اجنت لواحظنا ... وردا جناه اصبا غضا ونسرينا وَيَا حَيَاة تملينا بزهرتنا ... منى ضروباً ولذات أفانينا وَيَا نعيماً خطرنا من غضارته ... فِي وشي نعمي سحبنا ذيلها حينا لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة ... وقدرك المعتلي عَن ذَاك يغنينا إِذا انْفَرَدت وَمَا شوركت فِي صفة ... فحسبنا الْوَصْف إيضاحاً وتبيينا يَا جنَّة الْخلد بدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقوماً وغسلينا كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينا سران فِي خاطر الظلما يكتمنا ... حَتَّى يكَاد لِسَان الصُّبْح يفشينا لَا غرو فِي أَن ذكرنَا لحزن حِين نهت ... عَنهُ النهى وَتَركنَا الصَّبْر ناسينا إِنَّا قَرَأنَا الأسى يَوْم النَّوَى سوراً ... مَكْتُوبَة وأخذنا الصَّبْر تلقينا أما هَوَاك فَلم نعدل بمنهله ... شرباً وَإِن كَانَ يروينا فيظمينا ...

стр. 31

.. لم نجف أفق جمال أَنْت كوكبه ... سالين عَنهُ وَلم نهجره قالينا نأسي عَلَيْك إِذا حثت مشعشعة ... فِينَا الشُّمُول وغنانا مغنينا لَا اكوس الراح تبدي من شَمَائِلنَا ... سِيمَا ارتياح وَلَا الأوتار تلهينا دومي على الْوَصْل مَا دمنا مُحَافظَة ... الْحر من دَان إنصافاً كَمَا دينا أبدي وَفَاء وَإِن لم تبذلي صلَة ... فالطيف يقنعنا وَالذكر يكفينا وَفِي الْجَواب مَتَاع إِن شفعت بِهِ ... بيض الأيادي الَّتِي مَا زلت تولينا عَلَيْك مني سَلام الله مَا بقيت ... صبَابَة بك نخفيها فتخفينا ... وَقَالَ فِيهَا ... يَا مستخفاً بعاشقيه ... ومستغشاً لناصحيه وَمن أطَاع الوشاة فِينَا ... حَتَّى أَطعْنَا السلو فِيهِ الْحَمد لله قد بدا لي ... بطلَان مَا كنت تدعيه من قبل أَن يهْزم التسلي ... ويغلب الشوق مَا يَلِيهِ ... وَقَالَ ... أيوحشني الزَّمَان وَأَنت أنسي ... وَيظْلم لي النَّهَار وَأَنت شمسي وأغرس فِي محبتك الْأَمَانِي ... فأجني الْمَوْت من ثَمَرَات غرسي لقد جازيت غدراً عَن وفائي ... وبعت مودتي ظلما ببخس وَلَو أَن الزَّمَان أطَاع حكمي ... فديتك من مكارهه بنفسي ...

стр. 32

وَله ... كَأَن عشي الْقطر فِي شاطئ النَّهر ... وَقد زهرت فِيهِ الأزاهر كالزهر ترش بِمَاء الْورْد رشاً وتنثني ... لتغليف أَفْوَاه بطييبة الْخمر ... وَقَوله ... يَا ليل طل أَو لَا تطل ... لَا بُد لي أَن أسهرك لَو بَات عِنْدِي قمري ... مَا بت أرعى قمرك ... وَقَوله فِي بني جهور أَصْحَاب قرطبة ... بني جهور أحرقتم بجفائكم ... جناني فَمَا بَال المدائح تعبق تظنوني كالتعنبر الْورْد إِنَّمَا ... تطيب لكم أنفاسه وَهُوَ يحرق ... وَقَالَ فِيهِ صَاحب الذَّخِيرَة إِنَّه كَانَ سامحه الله مِمَّن لَا يُرْجَى خَيره وَلَا يُؤمن شَره وَالْعجب أَنه سلم من المعتضد بن عباد مَعَ كَونه كَانَ مُدبر دولته وَلم يسلم لَهُ أحد من أَصْحَابه وَولى وَلَده بعده وَهُوَ أَبُو بكر وزارة الْمُعْتَمد بن عباد

стр. 33

وَمن = كتاب تلقيح الارء فِي حلى الْحجاب والوزراء ١٤ - أَبُو بكر بن ذكْوَان ورثاه أَبُو الْوَلِيد بن زيدون بِشعر مِنْهُ ... يَا من شآ الْأَمْثَال مِنْهُ بِوَاحِد ... ضربت بِهِ السؤدد الْأَمْثَال ... وَذكره ابْن حَيَّان فِي كتاب الْقُضَاة وَقَالَ إِنَّه أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن ذكْوَان كَانَ أَبوهُ قَاضِي الْقُضَاة وَإِن أَعْيَان قرطبة هتفوا باسم أبي بكر فِي الْقَضَاء عِنْد ولَايَة أبي الحزم بن جهور وَأَجْمعُوا على أَنه فِي الكهول حلماً وعلماً ونزاهة وعفة وتصاوناً ومروءة وثروة فَأمْضى لَهُ الْولَايَة ابْن جهور فَامْتنعَ إِلَى أَن كَثُرُوا عَلَيْهِ فَقبل ذَلِك فنصر الْحق فَأَجْمعُوا على مقته فعزل نَفسه غرَّة شعْبَان سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ومدته سنة غير ثَلَاثَة أَيَّام وَمَات إِثْر ولَايَة صديقه أبي الْوَلِيد ابْن جهور يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث خلت من ربيع الأول سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلم يتَخَلَّف عَنهُ كَبِير أحد من أهل قرطبة وأتبعوه ثَنَاء جميلاً ومولده فِي رَجَب سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة

стр. 34

١٥ - أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبيد الله الْمَعْرُوف بالنوالة وَصفه الحجاري بِأَنَّهُ بَحر أدب لَيْسَ لَهُ سَاحل وأفق رئاسة قد زينه الله بنجوم المكارم والفضائل وَأَنه كَانَ مِمَّن يُؤْخَذ من مَاله وأدبه وَأَنه اسْتَعَانَ بخزائن كتبه الْعَظِيمَة على مَا صنفه فِي كتاب المسهب وَكتب لَهُ رِسَالَة يعتبه فِيهَا على كَونه دخل قرطبة فَلم يُبَادر إِلَى الِاجْتِمَاع بِهِ أَولهَا أَنا عَاتب على سَيِّدي عتباً لَا تمحوه بحور البلاغة وَلَا تحمله يَد الِاعْتِذَار على مر الزَّمَان وختمها بقوله وَبعد هَذَا فَإِنِّي أخبط خبط عشواء فِي تيه ظلام فَأطلع على صبح وَجهك لنصبر بِهِ سبل الْهِدَايَة على جري عادتك فِي تِلْكَ الْأَيَّام وَمِمَّا أنْشد من شعره قَوْله ... بَادر إِلَى شاد وكأس تَدور ... ومجلس قد زينته بدور فِي جنَّة تضحك غدرانها ... وترقص القضب وتشدو الطُّيُور لما غَدا الرَّعْد بهَا مطرباً ... شقّ لَهُ الزهر جُيُوب السرُور ... وَبلغ فِي دولة الملثمين من الجاه وَالْمَال وَالذكر بقرطبة مَا لم يبلغهُ أحد وَمن كتاب أردية الشَّبَاب فِي حلى الْكتاب ١٦ - مُحَمَّد بن أُميَّة مولى مُعَاوِيَة بن يزِيد بن عبد الْملك كتب عَن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ وَالِده كَاتبا لعبد الرَّحْمَن وَمن تَارِيخ ابْن حَيَّان أَنه كتب عَن الحكم بن هِشَام فأتهمه بولائه لِعَمِّهِ سُلَيْمَان الثائر عَلَيْهِ فَعَزله وَكَانَ سُلَيْمَان قد هم بالركون حَتَّى كتب إِلَيْهِ ابْن أُميَّة

стр. 35

.. لَا تقبلن عهوداً لَا وَفَاء لَهَا ... إِن المدير عَلَيْك الرَّأْي شَيْطَان إِن الصُّدُور الَّتِي استعذبت أَولهَا ... أعجازها لَك إِن حصلت خطبان كَيفَ الْمقَام بِأَرْض لَيْسَ يملكهَا ... ذَاك المبرأ من نقص سُلَيْمَان ... وَذكر الفرضي أَنه مَاتَ خاملاً فِي مُدَّة عبد الرَّحْمَن بن الحكم وبيته بَيت كِتَابَة ورئاسة ١٧ - أَبُو الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن الإفليلي ذكر ابْن حَيَّان أَنه بذ أهل زَمَانه بقرطبة فِي علم اللِّسَان والضبط لغريب اللُّغَة والمشاركة فِي بعض الْمعَانِي وَكَانَ غيوراً على مَا يحمل من ذَلِك كثير الْحَسَد رَاكِبًا رَأسه فِي الْخَطَأ الْبَين إِذا تقلده واستكتبه المستكفي فبرد وَوَقع كَلَامه خَالِيا من البلاغة لِأَنَّهُ كَانَ على طَريقَة المعلمين فزهد فِيهِ وَمَا بَلغنِي أَنه ألف شَيْئا إِلَّا كِتَابه فِي شعر المتنبي وَلَحِقتهُ تُهْمَة فِي دينه أَيَّام هِشَام فسجن فِي المطبق وَابْن شَهِيد كثير الْوُقُوع فِيهِ والتنذير بِهِ قَالَ فِي كَلَام وَصفه فِيهِ وَهُوَ أَشَّدهم ضنانة بألا يكون بالأندلس محسن سواهُ وَكَانَ الرَّأْي عِنْدِي لَهُ أَن يسكن أَرض جليقية حَتَّى لَا يسمع لخطيب فِيهَا ذكرا وَلَا يحس لشاعر شعرًا فينعم هُنَالك فَردا وَلَيْسَت شيبته شيبَة أديب

стр. 36

وَلَا جلسته جلْسَة عَالم وَلَا أَنفه أنف كَاتب وَلَا نغمته نَغمَة شَاعِر وَقَالَ فِي رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا بالتوابع والزوابع على لِسَان الْجِنّ وَأما أَبُو الْقَاسِم بن الإفليلي فمكانه من نَفسِي مكين وحبه بفؤادي دخيل على أَنه حَامِل عَليّ ومنتسب إِلَى فصاحا يَا أنف النَّاقة بن معمر من سكان خَيْبَر فَقَامَ إِلَيْهِمَا جني أشمط ربعه يتظالع فِي مَشْيه كاسراً لطرفه زاوياً لأنفه وَهُوَ ينشد ... قوم هم الْأنف والأذناب غَيرهم ... وَمن يسوى بأنف النَّاقة الذنبا ... فَقَالَا لي هَذَا صَاحب أبي الْقَاسِم مَا قَوْلك فِيهِ يَا أنف النَّاقة قَالَ لَا اعرف على من قَرَأَ فَقلت فِي نَفسِي الْعَصَا من العصية فَقلت وَأَنا أَيْضا لَا أعرف على من قَرَأت قَالَ لمثلي يُقَال هَذَا الْكَلَام فَقلت وَكَانَ مَاذَا قَالَ فطارحني كتاب الحبيل قلت هُوَ عِنْدِي فِي زنبيل قَالَ فناظرني على كتاب سِيبَوَيْهٍ قلت خريت الْهِرَّة عِنْدِي عَلَيْهِ وَقَالَ الحجاري كَانَ بَارِد النّظم والنثر لم ينْدر لَهُ من شعره إِلَّا قَوْله ... صَحِبت القطيع ونادمته ... وأصبحت فِي شربه ذَا انْقِطَاع وأبصرت أنسي بِهِ وَحده ... كأنس الرَّضِيع بثدي الرَّضَاع ... قَالَ وَهُوَ الْقَائِل فِي يحيى بن حمود من قصيدة يَكْفِي مِنْهَا مَا يَكْفِي من الترياق ... أَنْت خير النَّاس كلهم ... يَا بن من مَا مثله بشر فَإِذا مَا لحت بَينهم ... قيل هَذَا البدو والحضر ... قَالَ وأنشدتهما لأحد الأدباء فَقَالَ لي عِنْدَمَا سمع عجز الأول وَرَأى ترادف الميمات هَذِه عقد ذَنْب الْعَقْرَب فَلَمَّا سمع

стр. 37

الثَّانِي قَالَ سُبْحَانَ من أخلى خاطر هَذَا الرجل من التَّوْفِيق وَجعله يخرى على فَمه ١٨ - أَبُو يحيى أَبُو بكر بن هِشَام هُوَ مِمَّن قَرَأت عَلَيْهِ وأدركته يكْتب عَن الْبَاجِيّ ملك إشبيلية وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ بِأَنَّهُ شيخ كتاب الأندلس وَكَانَ سهل الطَّرِيقَة كتب عَن الْمَأْمُون أَيَّام ولَايَته قرطبة ثمَّ لحق بالبياسي الثائر وَكتب عَنهُ ثمَّ قتل البياسي فاستخفى ثمَّ لحق بإشبيلية وتسبب إِلَى الْمَأْمُون وأنشده قصيدة مِنْهَا ... مولَايَ إِن بليتي مَعَ خدمتي ... خصمان فاحكم للَّتِي هِيَ أقدم ... ثمَّ أَكثر عَلَيْهِ من الرّقاع فِي ذَلِك فَوَقع لَهُ يَا هَذَا قد أكثرت علينا من الرّقاع وَقد أمضينا لَك حكم ابْن الرّقاع وَبَلغنِي فِي مصر أَنه توفّي بالجزيرة الخضراء فِي سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَمِمَّا أنشدنيه لنَفسِهِ قَوْله ... لاموا على حب الصِّبَا والكأس ... لما بدا وضح المشيب برأسي والغصن أحْوج مَا يكون لسقيه ... أَيَّانَ يَبْدُو بالأزاهر كاسي ...

стр. 38

وَقَوله ... أَمْسَى الْفراش يطوف حول كؤوسنا ... إِذْ خالها تَحت الدجى قِنْدِيلًا مَا زَالَ يحفق حولهَا بجناحه ... حَتَّى رمته على الْفراش قَتِيلا ... وَمن نثره بِمَا أسلف لهَذَا الحزب الْغَالِب من انتباه وَالنَّاس نيام وانتصار بِالْمَالِ وَالنَّفس وَالْكَلَام وخوض فِي لجج المهالك وَقطع لمضيقات المسالك حَتَّى شكر إِثْر عناه رَاحَته ونجاحه وَحمد بعد مَا أَطَالَ سراه صباحه فجدير أَن يجني ثَمَرَة مَا غرس وَأَن يمشي فِي ضوء ذَلِك القبس ١٩ - أَخُوهُ أَبُو الْقَاسِم عَامر بن هِشَام هُوَ صَاحب القصيدة الْمُتَقَدّمَة فِي متفرجات قرطبة وحسبه فخرا وَعلة طبقَة وَكَانَ مَشْهُورا بالمنادمة والبطالة وَمن نثره فِي مُخَاطبَة رَئِيس وَإِنِّي لكالأرض الْكَرِيمَة إِن نظر مِنْهَا وسقيت أنبتت وأزهرت وأودعت لِسَان النسيم مَا يعبر بِهِ فِي الْآفَاق من شكر الْخَيْر الجسيم وَإِن أهملت صوحت وأودعت السوافي مَا يعمى الْعين ويرغم الْأنف وَإِن لسيدي كَبِير حق ولمعظمه صَغِير حق ورعى أَحدهمَا مَنُوط بِالْآخرِ وَمن رِسَالَة وَأَنِّي يَصح لَهُ ذَلِك مَعَ مَا اشْتهر عَنهُ من كَونه نماماً للأسرار نقالاً لما يسوء سَمَاعه من الْأَخْبَار مُولَعا بالفضول كثير الْخُرُوج وَالدُّخُول ولاجاً عِنْد فلَان وَفُلَان كثير التضريب والإفساد بَين الإخوان مَعَ لُزُوم الثقالة والمظاهرة بالتقلب والاستحالة لَا يشْكر كثير الْإِحْسَان وَلَا يغْفر قَلِيل الْإِسَاءَة بِسَاط المنادمة مَعَه لَا يطوي أبدا أسقط على المساوئ من كلب على جيفة وألح فِيهَا من ذُبَاب على قرحَة وَله مَعَ الْحَضْرَمِيّ ممازحة كَثِيرَة

стр. 39

وَهُوَ الْمُخَاطب للحضرمي ... لَا خير فِي الصاحب إِن لم يكن ... يَقُود أَو يَنِكحُ أَو يَنكَحُ فَإِن خلت من صَاحب هَذِه ... فَإِنَّهُ للود لَا يصلحُ ... فَقَالَ لَهُ حسبي القيادة وقاد لَهُ على مَحْبُوب لَهُ من أَبنَاء الْجند فِي حِكَايَة طَوِيلَة وَحلق أَبُو الصَّبِي شعره وَقَيده وحبسه لما سمع باجتماعه مَعَ ابْن هِشَام فَقَالَ ابْن هِشَام فِي ذَلِك ... طَال ليلِي مذ قصروا ليل شعره ... ورموا بالسرار كَامِل بدره يَا هِلَال السَّمَاء قبل هلالاً ... قيدوه بِهِ مَخَافَة فره ... فَلَمَّا سرح قَالَ ... صفح السرَار عَن الْقَمَر ... وبدا وَقد كَانَ استتر كتب السرُور لناظري ... لما رَآهُ قد ظهر هَذَا أَمَان للجفو ... ن من المدامع والسهر ... وسكر لَيْلَة فَخرج والمطر يسح فَرَأى جريه فأعجبه وزين لَهُ السكر الرقاد فِي وسط الطَّرِيق فجَاء أحد العسس فَعرفهُ فَحَمله إِلَى دَاره وجرد ثِيَابه البليلة وَألقى عَلَيْهِ من ثِيَابه وَحمله إِلَى منزله فَلَمَّا أَفَاق أَبُو الْقَاسِم قَالَ ... أَقُول وَقد أوردت نَفسِي مورداً ... أبحت بِهِ مَا شاءه السكر من عرضي وَقد صرت سداً بِالطَّرِيقِ لسائل ... من الْقطر إِذْ لَا بسط تحتي سوى الأَرْض وَقد هزني فِي آخر اللَّيْل مُرْسل ... من الله أحياني وَألْحق بِي غمضي سأثني عَلَيْك الدَّهْر فِي كل محفل ... ومل كل من أوليته نعْمَة يقْضِي وَلم أدر من ألْقى عَليّ رِدَاءَهُ ... خلا أَنه قد سل عَن ماجد مَحْض ...

стр. 40

وَأنْشد لَهُ أَبُو الْبَحْر فِي كتاب زَاد الْمُسَافِر ... وأغن تثنيه الشبيبة خوطة ... تيهاً وتسحب ثَوْبه أذيالا سفرت محَاسِن وَجهه عَن شجة ... نونية حشت الحشا بلبالا لاحت كإحدى حاجبيه تقوساً ... بَيْضَاء راقت فِي الْعُيُون جمالا فتأملوها آيَة بدعية ... قمراً جلا فِي صفحتيه هلالا ... وَمَات قبل أَخِيه وَله موشحات وَمن = كتاب الْيَاقُوت فِي حلى ذَوي الْبيُوت ٢٠ - عبد الْملك بن أَحْمد بن عِيسَى بن شَهِيد مولى بني أُميَّة ذكر الشقندي أَنه كَانَ جليس الْأَمِير مُحَمَّد وَأنْشد لَهُ ... ويلي على أحور تياه ... أجد فِيهِ وَهُوَ بِي لاه أقبل فِي غيد حكين الظبا ... بيض تراق حمر أَفْوَاه يَأْمر فِيهِنَّ وَيُنْهِي وَلَا ... يعصينه من آمُر ناه حَتَّى إِذا أمكنني أمره ... تركته من خشيَة الله ... وَذكر الحجاري أَن الامير مُحَمَّد استوزره وجالس النَّاصِر واستوزر النَّاصِر ابْنه أَحْمد الشَّاعِر وَكَانَ أَحْمد يَقُول لَا يخلص لي جاه مَا دَامَ أبي فِي الْحَيَاة فَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا مِنْهُ
следующие страницы →