Полный текст (860 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَلَا جلسته جلْسَة عَالم وَلَا أَنفه أنف كَاتب وَلَا نغمته نَغمَة شَاعِر
وَقَالَ فِي رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا بالتوابع والزوابع على لِسَان الْجِنّ وَأما أَبُو الْقَاسِم بن الإفليلي فمكانه من نَفسِي مكين وحبه بفؤادي دخيل على أَنه حَامِل عَليّ ومنتسب إِلَى فصاحا يَا أنف النَّاقة بن معمر من سكان خَيْبَر فَقَامَ إِلَيْهِمَا جني أشمط ربعه يتظالع فِي مَشْيه كاسراً لطرفه زاوياً لأنفه وَهُوَ ينشد ... قوم هم الْأنف والأذناب غَيرهم ... وَمن يسوى بأنف النَّاقة الذنبا ...
فَقَالَا لي هَذَا صَاحب أبي الْقَاسِم مَا قَوْلك فِيهِ يَا أنف النَّاقة قَالَ لَا اعرف على من قَرَأَ فَقلت فِي نَفسِي الْعَصَا من العصية فَقلت وَأَنا أَيْضا لَا أعرف على من قَرَأت قَالَ لمثلي يُقَال هَذَا الْكَلَام فَقلت وَكَانَ مَاذَا قَالَ فطارحني كتاب الحبيل قلت هُوَ عِنْدِي فِي زنبيل قَالَ فناظرني على كتاب سِيبَوَيْهٍ قلت خريت الْهِرَّة عِنْدِي عَلَيْهِ
وَقَالَ الحجاري كَانَ بَارِد النّظم والنثر لم ينْدر لَهُ من شعره إِلَّا قَوْله ... صَحِبت القطيع ونادمته ... وأصبحت فِي شربه ذَا انْقِطَاع
وأبصرت أنسي بِهِ وَحده ... كأنس الرَّضِيع بثدي الرَّضَاع ...
قَالَ وَهُوَ الْقَائِل فِي يحيى بن حمود من قصيدة يَكْفِي مِنْهَا مَا يَكْفِي من الترياق ... أَنْت خير النَّاس كلهم ... يَا بن من مَا مثله بشر
فَإِذا مَا لحت بَينهم ... قيل هَذَا البدو والحضر ...
قَالَ وأنشدتهما لأحد الأدباء فَقَالَ لي عِنْدَمَا سمع عجز الأول وَرَأى ترادف الميمات هَذِه عقد ذَنْب الْعَقْرَب فَلَمَّا سمع
стр. 37
الثَّانِي قَالَ سُبْحَانَ من أخلى خاطر هَذَا الرجل من التَّوْفِيق وَجعله يخرى على فَمه
١٨ - أَبُو يحيى أَبُو بكر بن هِشَام
هُوَ مِمَّن قَرَأت عَلَيْهِ وأدركته يكْتب عَن الْبَاجِيّ ملك إشبيلية وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ بِأَنَّهُ شيخ كتاب الأندلس وَكَانَ سهل الطَّرِيقَة كتب عَن الْمَأْمُون أَيَّام ولَايَته قرطبة ثمَّ لحق بالبياسي الثائر وَكتب عَنهُ ثمَّ قتل البياسي فاستخفى ثمَّ لحق بإشبيلية
وتسبب إِلَى الْمَأْمُون وأنشده قصيدة مِنْهَا ... مولَايَ إِن بليتي مَعَ خدمتي ... خصمان فاحكم للَّتِي هِيَ أقدم ...
ثمَّ أَكثر عَلَيْهِ من الرّقاع فِي ذَلِك فَوَقع لَهُ يَا هَذَا قد أكثرت علينا من الرّقاع وَقد أمضينا لَك حكم ابْن الرّقاع
وَبَلغنِي فِي مصر أَنه توفّي بالجزيرة الخضراء فِي سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَمِمَّا أنشدنيه لنَفسِهِ قَوْله ... لاموا على حب الصِّبَا والكأس ... لما بدا وضح المشيب برأسي
والغصن أحْوج مَا يكون لسقيه ... أَيَّانَ يَبْدُو بالأزاهر كاسي ...
стр. 38
وَقَوله ... أَمْسَى الْفراش يطوف حول كؤوسنا ... إِذْ خالها تَحت الدجى قِنْدِيلًا
مَا زَالَ يحفق حولهَا بجناحه ... حَتَّى رمته على الْفراش قَتِيلا ...
وَمن نثره بِمَا أسلف لهَذَا الحزب الْغَالِب من انتباه وَالنَّاس نيام وانتصار بِالْمَالِ وَالنَّفس وَالْكَلَام وخوض فِي لجج المهالك وَقطع لمضيقات المسالك حَتَّى شكر إِثْر عناه رَاحَته ونجاحه وَحمد بعد مَا أَطَالَ سراه صباحه فجدير أَن يجني ثَمَرَة مَا غرس وَأَن يمشي فِي ضوء ذَلِك القبس
١٩ - أَخُوهُ أَبُو الْقَاسِم عَامر بن هِشَام
هُوَ صَاحب القصيدة الْمُتَقَدّمَة فِي متفرجات قرطبة وحسبه فخرا وَعلة طبقَة وَكَانَ مَشْهُورا بالمنادمة والبطالة وَمن نثره فِي مُخَاطبَة رَئِيس وَإِنِّي لكالأرض الْكَرِيمَة إِن نظر مِنْهَا وسقيت أنبتت وأزهرت وأودعت لِسَان النسيم مَا يعبر بِهِ فِي الْآفَاق من شكر الْخَيْر الجسيم وَإِن أهملت صوحت وأودعت السوافي مَا يعمى الْعين ويرغم الْأنف وَإِن لسيدي كَبِير حق ولمعظمه صَغِير حق ورعى أَحدهمَا مَنُوط بِالْآخرِ
وَمن رِسَالَة وَأَنِّي يَصح لَهُ ذَلِك مَعَ مَا اشْتهر عَنهُ من كَونه نماماً للأسرار نقالاً لما يسوء سَمَاعه من الْأَخْبَار مُولَعا بالفضول كثير الْخُرُوج وَالدُّخُول ولاجاً عِنْد فلَان وَفُلَان كثير التضريب والإفساد بَين الإخوان مَعَ لُزُوم الثقالة والمظاهرة بالتقلب والاستحالة لَا يشْكر كثير الْإِحْسَان وَلَا يغْفر قَلِيل الْإِسَاءَة بِسَاط المنادمة مَعَه لَا يطوي أبدا أسقط على المساوئ من كلب على جيفة وألح فِيهَا من ذُبَاب على قرحَة وَله مَعَ الْحَضْرَمِيّ ممازحة كَثِيرَة
стр. 39
وَهُوَ الْمُخَاطب للحضرمي ... لَا خير فِي الصاحب إِن لم يكن ... يَقُود أَو يَنِكحُ أَو يَنكَحُ
فَإِن خلت من صَاحب هَذِه ... فَإِنَّهُ للود لَا يصلحُ ...
فَقَالَ لَهُ حسبي القيادة وقاد لَهُ على مَحْبُوب لَهُ من أَبنَاء الْجند فِي حِكَايَة طَوِيلَة وَحلق أَبُو الصَّبِي شعره وَقَيده وحبسه لما سمع باجتماعه مَعَ ابْن هِشَام فَقَالَ ابْن هِشَام فِي ذَلِك ... طَال ليلِي مذ قصروا ليل شعره ... ورموا بالسرار كَامِل بدره
يَا هِلَال السَّمَاء قبل هلالاً ... قيدوه بِهِ مَخَافَة فره ...
فَلَمَّا سرح قَالَ ... صفح السرَار عَن الْقَمَر ... وبدا وَقد كَانَ استتر
كتب السرُور لناظري ... لما رَآهُ قد ظهر
هَذَا أَمَان للجفو ... ن من المدامع والسهر ...
وسكر لَيْلَة فَخرج والمطر يسح فَرَأى جريه فأعجبه وزين لَهُ السكر الرقاد فِي وسط الطَّرِيق فجَاء أحد العسس فَعرفهُ فَحَمله إِلَى دَاره وجرد ثِيَابه البليلة وَألقى عَلَيْهِ من ثِيَابه وَحمله إِلَى منزله فَلَمَّا أَفَاق أَبُو الْقَاسِم قَالَ ... أَقُول وَقد أوردت نَفسِي مورداً ... أبحت بِهِ مَا شاءه السكر من عرضي
وَقد صرت سداً بِالطَّرِيقِ لسائل ... من الْقطر إِذْ لَا بسط تحتي سوى الأَرْض
وَقد هزني فِي آخر اللَّيْل مُرْسل ... من الله أحياني وَألْحق بِي غمضي
سأثني عَلَيْك الدَّهْر فِي كل محفل ... ومل كل من أوليته نعْمَة يقْضِي
وَلم أدر من ألْقى عَليّ رِدَاءَهُ ... خلا أَنه قد سل عَن ماجد مَحْض ...
стр. 40
وَأنْشد لَهُ أَبُو الْبَحْر فِي كتاب زَاد الْمُسَافِر ... وأغن تثنيه الشبيبة خوطة ... تيهاً وتسحب ثَوْبه أذيالا
سفرت محَاسِن وَجهه عَن شجة ... نونية حشت الحشا بلبالا
لاحت كإحدى حاجبيه تقوساً ... بَيْضَاء راقت فِي الْعُيُون جمالا
فتأملوها آيَة بدعية ... قمراً جلا فِي صفحتيه هلالا ...
وَمَات قبل أَخِيه وَله موشحات
وَمن = كتاب الْيَاقُوت فِي حلى ذَوي الْبيُوت
٢٠ - عبد الْملك بن أَحْمد بن عِيسَى بن شَهِيد مولى بني أُميَّة
ذكر الشقندي أَنه كَانَ جليس الْأَمِير مُحَمَّد وَأنْشد لَهُ ... ويلي على أحور تياه ... أجد فِيهِ وَهُوَ بِي لاه
أقبل فِي غيد حكين الظبا ... بيض تراق حمر أَفْوَاه
يَأْمر فِيهِنَّ وَيُنْهِي وَلَا ... يعصينه من آمُر ناه
حَتَّى إِذا أمكنني أمره ... تركته من خشيَة الله ...
وَذكر الحجاري أَن الامير مُحَمَّد استوزره وجالس النَّاصِر واستوزر النَّاصِر ابْنه أَحْمد الشَّاعِر وَكَانَ أَحْمد يَقُول لَا يخلص لي جاه مَا دَامَ أبي فِي الْحَيَاة فَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا مِنْهُ
стр. 41
.. سرني فرعى وَقد أث ... مر واستعلت غصونه
غير أَنِّي بجلوسي ... مَعَه صرت أشينه
يَا بني اصبر فَإِن ال ... شيخ قد حانت منونه
وسيبدو لَك فرع ... وَترى كَيفَ فنونه ...
٢١ - أَبُو عَامر احْمَد بن عبد الْملك
ابْن أَحْمد بن عبد الْملك بن عمر بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن شَهِيد
وَهُوَ أعظم هَذَا الْبَيْت شهرة فِي البلاغة وَقَالَ ابْن بسام فِي وَصفه شيخ الحضرة وفتاها ونادرة الْفلك الدوار وأعجوبة اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاء على نظمه ونثره وأدبه وَكَذَلِكَ ابْن حَيَّان وصاحبا المسهب والسقط وَقَالَ عَنهُ ابْن حَيَّان كَانَ يبلغ الْمَعْنى وَلَا يُطِيل سفر الْكَلَام وَلم يُوجد لَهُ بعد مَوته كتب يستعان بهَا على مَا جرت بِهِ عَادَة البلغاء والأدباء وَكَانَ قَدِيرًا على فنون الْهزْل إِلَّا أَنه غلبت عَلَيْهِ البطالة فَلم يحفل فِي ايثارها بضيع دين أَو مُرُوءَة وَكَانَ منهمكاً فِي الْجُود حَتَّى شَارف الإملاق عِنْد مَوته
وَله رِسَالَة إِلَى عبد الْعَزِيز بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور أبي عَامر يمت
стр. 42
فِيهَا تبربيته فِي قُصُور بني أبي عَامر وَأَن عَمه المظفر بن الْمَنْصُور أعطَاهُ ألف دِينَار وَهُوَ صَغِير وَأَن حظية الْمَنْصُور أَعطَتْهُ ألفا عَنْهَا وَثَلَاثَة آلَاف عَن سَيِّدهَا وَانْصَرف عَن قصرهم بالغنى وَأَن أَبَاهُ احتوى على ذَلِك فَبلغ الْمَنْصُور فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَأقسم على أَبِيه أَلا يمنعهُ مِنْهَا فِيمَا شاءه
وَله فِي جَوَاب رِسَالَة
فتنفضت تنفض الْعقَاب وهزتني أريحية كأريحية الشَّبَاب وَجعل يوهمني أَنِّي مَلَأت الأَرْض بجسمي وأومأت إِلَى الجوزاء بكفي أَن تأملى والى العواء أَن أقبلى وَقلت المجرة فِي عَيْني أَن تكون لي منديلاً وَصغر الزبْرِقَان عِنْدِي أَن أتخذه إكليلاً فَقلت هَكَذَا تكون الألوك وبمثل هَذَا تنفح الْمُلُوك
وَمن قصيدة يمدح بهَا ابْن النَّاصِر الْمَذْكُور ... ورعيت من وَجه السَّمَاء خميلة ... خضراء لَاحَ الْبَدْر من غدرانها
وَكَأن نثر النَّجْم ضان عِنْدهَا ... وكأنما الجوزاء راعي ضانها ...
وَله رِسَالَة يُخَاطب بهَا أَبَا بكر بن حزم سَمَّاهَا بالتوابع والزوابع وبناها على مخاطبات الْجِنّ قَالَ فِي أَولهَا
كَانَ لي فِي أول صبوتي هوى اشْتَدَّ بِهِ كلفي ثمَّ لَحِقَنِي فِي أثْنَاء ذَلِك ملل وَتَوَلَّى بِهِ عني الْحمام فَجَزِعت وَأخذت فِي رثائه فِي الحائر وَقد أبهمت على أبوابه وانفردت فَقلت ... تولى الْحمام بِظَبْيٍ الْخُدُور ... وفاز الردى بالغزال الغرير ...
стр. 43
إِلَى أَن انْتَهَيْت إِلَى الِاعْتِذَار من الْملَل الَّذِي كَانَ فَقلت ... وَكنت مللتك لَا عَن قلى ... وَال عَن فَسَاد ثوى فِي ضميري ...
وأفحمت فَإِذا بِفَارِس على بَاب الْمجْلس على فرس أدهم قد اتكأ على رمحه وَصَاح بِي أعجزاً يَا فَتى الأندلس قلت لَا وَأَبِيك وَلَكِن للْكَلَام أحيان وَهَذَا شَأْن الْإِنْسَان فَقَالَ قل ... كَمثل ملال الْفَتى للنعيم ... إِذا دَامَ فِيهِ وَحَال السرُور ...
فَأثْبت إِجَازَته وَقلت بِأبي أَنْت من أَنْت قَالَ أَنا زُهَيْر بن نمير من أَشْجَع الْجِنّ فَقلت وَمَا الَّذِي حداك إِلَى التَّصَوُّر لي قَالَ هوى ورغبة فِي اصطفائك قلت أَهلا بك أَيهَا الْوَجْه الوضاح صادفت قلبا اليك مقلوبا وَهوى فِي اصطفائك قلت أَهلا بك أَيهَا الْوَجْه الوضاح صادفت قلبا اليك مقلوبا نَحْوك مَجْنُونا وتحادثنا حينا ثمَّ قَالَ مَتى شِئْت استحضاري فَأَنْشد هَذِه الأبيات ... وآلى زُهَيْر الْحبّ يَا عز أَنه ... مَتى ذكرتك الذاكرات أَتَاهَا
إِذا جرت الأفواه يَوْمًا بذكرها ... تخيل لي أَنِّي أقبل فاها
فأغشى ديار الذَّاكِرِينَ وَإِن نأت ... أجارع من دارى هوى لهواها ...
وأوثب الأدهم جِدَار الْحَائِط وَغَابَ عني وَكنت مَتى أرتج عَليّ أنْشد الأبيات فيتمثل لي فأسير إِلَى مَا أَرغب
стр. 44
وَمِمَّا ضمن هَذِه الرسَالَة من محَاسِن الشّعْر قَوْله ... ومرقبة لَا يدْرك الطّرف رَأسهَا ... تزل بهَا ريح الصِّبَا فتحدر
تكلفتها وَاللَّيْل قد ماج بحره ... وَقد جعلت أمواجه تتكسر
وَمن تَحت حضني من ظبا الْهِنْد أَبيض ... وَفِي الْكَفّ من عسالة الْخط أسمر
هما صَاحِبَايَ من لدن كنت يافعاً ... مقيلان من جد الْفَتى حِين يعثر
فَذا جدول فِي الغمد تسقى بِهِ المنى ... وَإِذا غُصْن فِي الْكَفّ يجنى فيثمر ...
وَقَوله ... أَفِي كل حِين مصرع لعَظيم ... أصَاب المنايا حادثي وقديمي
وَكَيف اهتدائي فِي الخطوب إِذا دجت ... وَقد فقدت عَيْنَايَ ضوء نُجُوم ...
وَقَوله ... وَكَأن النُّجُوم فِي اللَّيْل جَيش ... دخلُوا للكمين فِي جَوف غَابَ
وَكَأن الصَّباح قانص طير ... قبضت كَفه بِرَجُل غراب ...
وَقَوله ... ولرب حَان قد أدرت بديره ... خمر الصِّبَا مزجت بصفو خموره
فِي فتية جعلُوا الزقاق تكاءهم ... متصاغرين تخشعاً لكبيره
وترنم الناقوس عِنْد صلَاتهم ... ففتحت من عَيْني لرجع هديره ...
стр. 45
وَقَوله ... أصبيح شيم أم برق بدا ... أم سنا المحبوب أورى زندا
هَب من نعسته منفتلاً ... مسبلاً للكم مرخ للردا
يمسح النعسة من عَيْني رشاً ... صائد فِي كل يَوْم أسدا
قلت هَب لي يَا حَبِيبِي قبْلَة ... تشف من عمك تبريح الصدا
فانثنى يَهْتَز من مَنْكِبه ... قَائِلا لَا ثمَّ أَعْطَانِي اليدا
كلما كلمني قبلته ... فَهُوَ إِمَّا قَالَ قولا رددا
كَاد أَن يرجع من لثمي لَهُ ... وارتشافي الثغر مِنْهُ أدردا
قَالَ لي يلْعَب خذلي طائراً ... فتراني الدَّهْر أَمْشِي فِي الكدا
شربت أعطافه خمر الصِّبَا وثناه الْحسن حَتَّى عربدا
وَإِذا بت بِهِ فِي رَوْضَة ... أغيداً يقرو نباتاً أغيدا
قَامَ فِي اللَّيْل بجيد أتلع ... ينفض اللمة من دمع الندى
أححت من غصتي فِي نهدها ... ثمَّ عضت حر خدي عمدا
فَأَنا الْمَجْرُوح من عضتها ... لَا شفاني الله مِنْهَا أبدا ...
وَمن محاسنة قَوْله ... وَفد فغرت فاها دجى كل زهرَة ... إِلَى كل ضرع للغمامة حافل
وَمَرَّتْ جيوش الزن رهوا كَأَنَّهَا ... عَسَاكِر زنج مذهبات المناصل ...
стр. 46
.. وخلفت الخضراء فِي غر زهرها ... كلجة بَحر كللت باليعالل
تخال بهَا زهر الْكَوَاكِب نرجساً ... على شط نهر للمجرة سَائل ...
وَمن بدائعه قَوْله فِي صفة برغوث
أسود زنجي وَأَهلي وَحشِي لَيْسَ بوان وَلَا زميل كَأَنَّهُ جُزْء لَا يتَجَزَّأ من ليل وشونيزة وثبتها غريزة أَو نقطة مداد أَو سويداء قلب فَوَائِد شربه عب ومشيه وثب يكمن نَهَاره ويسري ليله يدْرك بطعن مؤلم ويستحل دم كل مُسلم مساور للأساورة يجر ذيله على الْجَبَابِرَة يتكفر بأرفع الثِّيَاب ويهتك ستر كل حجاب وَلَا يحفل ببواب يرد مناهل الْعَيْش العذبة ويصل إِلَى الأحراج الرّطبَة لَا يمْنَع مِنْهُ أَمِير وَلَا ينفع فِيهِ غيرَة غيور شَره مبثوث وَعَهده منكوث وَهَكَذَا كل برغوث
وَقَوله ... وقفنا على جمر من الْمَوْت وَقْفَة ... صلى لظاه دأب قومِي ودابها
إِذا الشَّمْس رامت فِيهِ أكل لحومنا ... جرى جشعاً فَوق الْجِيَاد لُعَابهَا ...
وَقَوله ... وَقَالَت النَّفس لما أَن خلوت بهَا ... أَشْكُو إِلَيْهَا الْهوى خلوا من النعم
حتام أَنْت على الضراء مُضْطَجع ... معرس فِي ديار الظُّلم وَالظُّلم ...
وَقَوله ... ومنتن الرّيح إِن نَاجَيْته أبدا ... كَأَنَّمَا مَاتَ فِي خيشومه فار ...
стр. 47
وَقَوله فِي أبي عَامر بن المظفر ... جمعت بِطَاعَة حبك الأضداد ... وتألف الأفصاح والأعياد
كتب الْقَضَاء بِأَن جدك صاعد ... وَالصُّبْح رق والظلام مداد ...
وَقَوله ... كَأَن هامته وَالرمْح يحملهَا ... غراب بَين على بَان النقا نعقا ...
وَقَوله ... أَبى دمعنا يجْرِي مَخَافَة شامت ... فنظمه فَوق المحاجر ناظم
وراق الْهوى منا عيُونا كَرِيمَة ... تبسمن حَتَّى مَا تروق المباسم ...
وقاسى فِي مَرضه شدَّة فَقَالَ عِنْد مَوته ... خليلي من ذاق الْمنية مرّة ... فقد ذقتها خمسين قولة صَادِق ...
وَكَانَ مَوته من فالج أَقَامَ بِهِ مُدَّة ورام أَن يقتل نَفسه لشدَّة الآلام وَقَالَ فِي تِلْكَ الْعلَّة ... تَأَمَّلت مَا أفنيت من طول مدتي ... فَلم أره إِلَّا كلمحة نَاظر
وحصلت مَا أدْركْت من طول لذتي ... فَلم أَلفه إِلَّا كصفقة خاسر
وَمَا أَنا إِلَّا أهل مَا قدمت يَدي ... إِذا خلفوني بَين أهل الْمَقَابِر
سقى الله فتياناً كَأَن وُجُوههم ... وُجُوه مصابيح النُّجُوم الزواهر
يوقولن قد أودى أَبُو عَامر الْعلَا ... أقلوا فَقدما مَاتَ آبَاء عَامر
هُوَ الْمَوْت لم يحرس بأسجاع خَاطب ... بليغ وَلم يعْطف بِأَنْفَاسِ شَاعِر ...
стр. 48
وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة آخر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَلم يشْهد على قبر أحد مَا شهد على قَبره من الْبكاء والعويل وَأنْشد عَلَيْهِ من المراثي جملَة موفورة وَمِمَّنْ رثاه أَبُو حَفْص بن برد الْأَصْغَر
وَقَالَ الحجاري كَانَ ألزم للكأس من الأطيار بالاغصان واولع بهَا من خيال الأَصْل بالهجران واستوزره المستظهر ثمَّ اصطفاه هِشَام المعتد ورثاه لما خلع بقصيدة مِنْهَا ... أحللتني بمحلة الجوزاء ... وَرويت عنْدك من دم الْأَعْدَاء
وحملتني كالصقر فَوق معاشر ... تحتي كَأَنَّهُمْ بَنَات المَاء ...
وَذكره الثعالبي فِي الْيَتِيمَة وَأنْشد لَهُ الشقندي مَا تقدم فِي رسَالَته والحجاري فِي الحديقة
٢٢ - عَم أبي عَامر بن شَهِيد
اشند هَل فِي حَانُوت عطار ... صدوداً وَإِن كَانَ الحبيب مساعفاً ... وبعداً وَإِن كَانَ المزار قَرِيبا
وَمَا فتئت تِلْكَ الديار حَبِيبَة ... لنا قبل أَن نلقى بِهن حبيباً
وَلَو أسعفتنا بالمودة فِي الْهوى ... لأدنين إلفاً أَو شغلن رقيباً
وَمَا كَانَ يجفو ممرضي غير أَنه ... عدته العوادي أَن يكون طَبِيبا ...
стр. 49
٢٣ - أَخُو أبي عَامر بن شَهِيد
أنْشد لَهُ فِي الْكتاب الْمَذْكُور ... شَكَوْت إِلَيْك صروف الزَّمَان ... فَلم تعد أَن كنت عون الزَّمَان
وتقصر عَن نعمتي قدرتي ... فيا لَيْتَني لسوى من نماني
وَلَا غرو للْحرّ عِنْد الْمضيق ... أَن يتَمَنَّى وضيع الْأَمَانِي ...
٤٢ - أَبُو حَفْص أَحْمد الْأَصْغَر بن مُحَمَّد بن أبي حَفْص أَحْمد الْأَكْبَر بن برد
قَالَ ابْن بسام عَنهُ فلك البلاغة الدائر وَمثلهَا السائر وَوَصفه بالنظم والنثر وَمَا أورد لَهُ يُغني عَن الإطناب فِي وَصفه وَلحق جده أَبَا حَفْص وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَسَيذكر فِي مَدِينَة الزاهرة وصنف كتابا رَفعه للمعتصم بن صمادح صَاحب المرية فِي بعض فصوله فِي الْحَمد
الْحَمد لله وَاصل الْحَبل بعد انْقِطَاعه وملائم الشّعب بعد انصداعه المصبح بِنَا من ليل الخطوب والماحي عَنَّا غياهب الكروب
الْحَمد لله وَإِن عثرت الجدود وهوت نُجُوم السُّعُود المرجو للإدالة
стр. 50
والمدعو فِي الْإِقَالَة والقادر على تَعْجِيل الِانْتِصَار والاخذ للاسلام بالثار أما بعد فَأَما أتيت البصائر من تَعْلِيل وَلَا الْأَعْدَاد من تقليل وَلَا الْقُلُوب من خور وَلَا السواعد من قصر وَلَا الْجِيَاد من لؤم أعراق وَلَا الصُّفُوف من سوء اتساق وَلَكِن النَّصْر تَأَخّر وَالْوَقْت الْمَقْدُور حضر وَلم تكن لتمضي سيوف لم يشإ الله إمضاءها وَلَا لتبقى نفوس لم يرد الله بقاءها وَفِي قَوْله تَعَالَى أجمل التأسي وَأحسن التعزي ﴿إِن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾
الْحَمد لله مولف الآراء وجامع الْأَهْوَاء على مَا أغمد من سيف الْفِتْنَة وأخمد من نَار الإحنة
الْحَمد لله الَّذِي صير اعداءنا فِي اعدادنا واضدادنا من أعضادنا وَالسُّيُوف المسلولة علينا مسلولة دُوننَا
وَفِي بعض فصوله فِي الشُّكْر
الشُّكْر عوذة على العارفة وتميمة فِي جيد النِّعْمَة الْكفْر غراب ينعب على منَازِل النعم الشُّكْر بيد النِّعْمَة أَمَان وعَلى وَجه العارفة صوان
وَفِي بعض فصوله فِي وصف الْقَلَم
المداد كالبحر والقلم كالغواص وَاللَّفْظ كالجوهر والطرس كالسلك مَا أعجب شَأْن الْقَلَم يشرب ظلمَة ويلفظ نورا قَاتل الله الْقَلَم كَيفَ
стр. 51
يفل السنان وَهُوَ يكسر بالأسنان فَسَاد الْقَلَم خدر فِي أَعْضَاء الْخط رداءة الْخط قذى فِي عين الْقِرَاءَة
وَفِي بعض فصوله فِي الْأمان
أما بعد فَإِنَّكُم سَأَلْتُم الْأمان أَوَان تلمظت السيوف إِلَيْكُم وحامت الحتوف عَلَيْكُم وهمت حظائر الخذلان أَن تنفرج لنا عَنْكُم وأيدي الْعِصْيَان أَن تتحفنا بكم وَلَو كلنا لكم بصاعكم وَلم نرع فِيكُم ذمَّة اصطناعكم لضاق عَلَيْكُم ملبس الغفران وَلم ينسدل عَلَيْكُم ستر الامان وَلَكنَّا عَملنَا أَن كهولكم الخلوف عَنْكُم وَذَوي الْأَسْنَان العاصين لكم مِمَّن يهاب وسم الخلعان وَيخَاف السُّلْطَان وَأَنَّهُمْ لَا يراسلونكم فِي ميدان مَعْصِيّة وَلَا يزاحمونكم فِي منهل حيرة وَلَا يماشونكم إِلَى موقف وداع وَلَو تحرجنا أَن نقطع أعضادهم بكم ورجاؤنا أَن يكون الْعَفو على الْمقدرَة تأديباً لكم لشربت دماءكم سِبَاع الكماة وأكلت لحوكم ضباع الفلاة وَقد أعطينا بتأميننا إيَّاكُمْ عهد الله وذمته وَنحن لَا نخفرهما أَيَّام حياتنا إِلَّا أَن تكون لكم كرة ولغدرتكم ضرَّة فَيَوْمئِذٍ لَا إعذار إِلَيْكُم وَلَا إقْصَار عَنْكُم حَتَّى تحصدكم ظباة السيوف وتقضيى دُيُون أَنفسكُم غرَّة الحتوف
وَفِي بدأة عتاب أظلم لي جو صفائك وتوعر على أَرض اخائك
стр. 52
وَفِي بعض فصوله فِي الاستزارة
نَحن من منزل فلَان اعزه بِحَيْثُ نلتمح سناك ونتنسم رياك وَقد رَاعنا الْيَوْم باكفهرار وَجهه وَمَا ذَر من كافور ثلجه فادرعنا لَهُ بالستور وانغمسنا بَين جُيُوب السرُور ورفعنا لبنات الزِّنَاد ألوية حَمْرَاء وأجرينا لبنات الكروم خيلاً شقراء وأحببنا أَن نشْهد جَيش الشتَاء كَيفَ يهْزم وأنفاس الْبرد كَيفَ تكظم
فصل فِي ذمّ مؤاخ وَهُوَ من أبدع مَا قيل فِي ذَلِك
خليت عَنهُ يَدي وخلدي قلاه خلدي بيض الأنوف من رفده أمكن وَصفا المشقر من خَدّه أَلين منزور النوال رث الْمقَال أَحَادِيث وعده لَا تعود بنفع وَلَا هِيَ من غرب وَلَا نبع مطحلب الْوَجْه مراق مَاء الْحيَاء مظلم الْخلق دبوري الرّيح مُقْشَعِر الْوَجْه طاشت عَنهُ الصنيعة وضاعت فِيهِ الْيَد على وَجهه من التعبيس فَقل ضَاعَ مفتاحه وليل مَاتَ صباحه غنى من الْجَهْل مُفلس من الْعقل تتضاءل النعم لَدَيْهِ وتقبح محَاسِن الْإِحْسَان إِلَيْهِ لم ينظم عَلَيْهِ قطّ در ثَنَاء وَلَا اسْتحق أَن يلبس بزَّة مديح غربال حَدِيث كلما أجال قدحاً كَانَ غير فائز أَو رمى سَهْما جَاءَهُ غير صائب كبد الزَّمَان عَلَيْهِ قاسية وَنعم الله لَهُ ناسية شَرّ بقة لغرس الْمَوَدَّة وبذر الإخاء قصير عمر الْوَفَاء للإخوان عون عَلَيْهِم مَعَ الزَّمَان كدر الدُّنْيَا وسقم الْحَيَاة
стр. 53
وَمن محَاسِن مَا أوردهُ ابْن بسام من نظمه قَوْله ... لما بدا فِي لَا زور ... دي الْحَرِير وَقد بهر
كَبرت من فرط الْجمال ... وَقلت مَا هَذَا بشر
فاجابني لَا نتكرن ... ثوب السَّمَاء على الْقَمَر ...
وَقَوله ... أقبل فِي ثوب لازورد ... قد افرع التبر من عَلَيْهِ
كَأَنَّهُ الْبَدْر فِي سَمَاء ... قد طرز الْبر جانبيه ...
وَقَوله ... صَحَّ الْهوى منا ولكنني ... أعجب من بعد لنا يقدر
كأننا فِي فلك وَاحِد ... فَأَنت تخفى وَأَنا أظهر ...
وَقَوله ... لما رمته الْعُيُون ظالمة ... وأثرت فِي جاله الحدق
لبس من نسج شعره زرداً ... صيغت لَهُ من زمرد حلق ...
وَقَوله ... رقم العذار غلالتيه بأحرف ... مَعنا الْهوى فِي طيها متناهي
نَادَى عَلَيْهِ الْحسن حِين لَقيته ... هَذَا المنمنم فِي طراز الله ...
وَقَوله ... ومازلت أَحسب فِيهِ السَّحَاب ... ونار بوارقها فِي لَهب
بَخَاتِي تُوضَع فِي سَيرهَا ... وَقد قرعت بسياط الذَّهَب ...
стр. 54
وَقَوله ... وَقد فتح الْأُفق للناظري ... ن عَن شهلة الصُّبْح جفن الغبش ...
وَقَوله ... عَارض أقبل فِي جنح الدجى ... يتهاذى كتهادي ذالوجى لؤلؤه
بددت ريح الصِّبَا لؤلؤه ... فانبرى يُوقد عَنهُ سرجا ...
وَقَوله ... وَكَأن اللَّيْل حِين لوى ... ذَاهِبًا وَالصُّبْح قد لاحا
كلة سَوْدَاء أحرقها ... عَامِد أَسْرج مصباحا ...
وَقَوله ... والبدر كالمرآة غير صقله ... عَبث العذارى فِيهِ بالأنفاس
وَاللَّيْل ملتبس بضوء صباحه ... مثل التباس النقس بالقرطاس ...
وحعله الحجاري فَوق جده فِي النثر قَالَ وَأما النّظم فَلَا أستجيز أَن أجعَل بَينهمَا أفعل
رَحل من قرطبة إِلَى المرية فاستوزره المعتصم بن صمادح ثمَّ رَحل إِلَى مُجَاهِد صَاحب دانية
стр. 55
بَيت بني الطبني
أصلهم من طبنة قَاعِدَة الزاب والوافد مِنْهُم على الأندلس فِي أَيَّام ابْن أبي عَامر أَبُو مُضر
٢٥ - مُحَمَّد بن يحيى بن أبي مُضر الطبني
وَصفه الحجاري بالأدب وَالشعر ومجالسة الْمُلُوك وَكَانَ مِمَّن يُجَالس أَبَا الحزم بن جهور وَابْنه أَبَا الْوَلِيد وَصَحب ابْن شَهِيد وَأنْشد لَهُ ... لَا يبعد الله من قد غَابَ عَن بَصرِي ... وَلم يغب عَن صميم الْقلب والفكر
أشتاقه كاشتياق الْعين نومتها ... بعد الهجود وجدب الأَرْض للمطر
وعاتبوني على بذل الْفُؤَاد لَهُ ... وَمَا دروا أنني أَعْطيته عمري ...
وَذكره الْحميدِي وَأنْشد لَهُ شعرًا يُخَاطب بِهِ أَبَا مُحَمَّد بن حزم
٢٦ - أَبُو مَرْوَان عبد المك بن زِيَادَة الله ابْن أبي مُضر الطبني
من ذخيرة ابْن بسام أَنه كَانَ أحد حماة سرح الْكَلَام وَحَملَة ألوية الأقلام وَذكر ابْن حَيَّان أَن جواريه قتلنه لتقتيره عَلَيْهِنَّ ورحل إِلَى الْمشرق وَحج وَقتل بقرطبة سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 56
وَذكر الحجاري أَنه كَانَ إِمَامًا فِي علم الحَدِيث وَوَصفه بالبخل المفرط كَانَ يتْرك أهل دَاره يأكلن الْخبز بِلَا إدام فَإِذا طلبُوا الإدام حرد عَلَيْهِم وَقَالَ هَذِه عَادَة سوء فخنقوه
وَأنْشد لَهُ ... إِنِّي إِذا حضرتني ألف محبرة ... تَقول اخبرني هَذَا وحَدثني
صَاحب بعقوتى الأقلام زاهية ... هذى المكارم لَا قعبان من لبن ...
٢٧ - أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز ابْن زِيَادَة الله بن أبي مُضر الطبني
حعله الحجاري أشعر بني الطبني وَأنْشد لَهُ قَوْله ... لَا تَسْقِنِي إِلَّا بكأس إِذا ... شربتها تملك عَقْلِي جَمِيع
وزادك الله سُرُورًا إِذا ... سقيتني بالجام أَو بالقطيع
لَا ترفع الْخمر إِلَى مُدَّة ... أولى وَأحلى من زمَان الرّبيع ...
وَقَوله ... يَا سالباً عاشقيه ... وعاشقاً كل تيه
وَمن مدامي ونقلي ... من وجنتيه وَفِيه
هلا جزيت فُؤَادِي ... بِبَعْض مَالك فِيهِ ...
стр. 57
بَيت بني كُلَيْب بن ثَعْلَبَة بن عبيد الجذامي مولى بني أُميَّة
٢٨ - أَبُو مَرْوَان عَامر بن عَامر بن كُلَيْب
من تَارِيخ ابْن حَيَّان أَنه أحد وُجُوه الموَالِي فِي الْعَسْكَر السلطاني وَوَصفه الفرضي بالأدب والذكاء والترسل وَالشعر والمعارضة والتحكك بالشعراء قَالَ وَفِيه يَقُول الْعُتْبِي ... عفت معالمه اللَّيَالِي مثل مَا ... عفى سَواد السّعر بهجة عَامر ...
وَمن شعره قَوْله ... عظم الخطاء فَهَل تقيل ... يَا سَيِّدي أم مَا تَقول
أَنْت الْعَزِيز بهفوتي ... وَأَنا بهَا العَبْد الذَّلِيل
تالله لَو أَنِّي استطع ... ت لما بدا مني فضول
وَلما رأى مني الصّديق ... سوى قوام لَا يمِيل
فَأَبت على الكأس إِلَّا ... أَن يداخلني الذهول ...
وَكَانَ مُخْتَصًّا بالوزير هَاشم فَسَلَّطَهُ على الْوَزير مُحَمَّد بن جهور فَكَانَ يتتبع سقطاته فاتفق أَن نادمه فِي متصيد للأمير مُحَمَّد فَلَمَّا دارت الكأس قَالَ ابْن جهور لِخَادِمِهِ هَات ذَاك التفاح المخروج فَضَحِك عَامر من لحنه وَجعل يَقُول يَا ضَيْعَة الوزارة حِين تولاها الأبله اللحانة
стр. 58
فَغَضب وضربه بالسياط فغض ذَلِك نم قدره ونعاه عَلَيْهِ الشُّعَرَاء فِي أشعارهم
قَالَ ابْن حَيَّان وَمَات سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
وَذكر الْحِجَازِي أَنه كَانَ لَا يُبَالِي أَيْن يضع لِسَانه وَجرى حَدِيث فَقَالَ بعض رجال السُّلْطَان من قَالَ هَذَا فَقَالَ عَامر قَالَه بَنو إوزة يَعْنِي أحد أَوْلَاد الْأَمِير لقب بذلك لتولعه بإوزة كَانَ يشرب عَلَيْهَا وَيُعْجِبهُ مشيها وصياحها فَبَلغهُ ذَلِك فاحتال عَلَيْهِ ولد الْأَمِير بعد أَيَّام حَتَّى حصله فِي منزله وَجعله يخْدم تِلْكَ الإوزة على مَا يَقْتَضِيهِ قَوْله ... يَا سَائِلًا عَن قصتي ... اعْجَبْ لقبح قضيتي
حَال الزَّمَان عَن الَّذِي ... تدرى وذلل عزتي
وَكَفاك أَنِّي كانس ... خرء الإوز بلحيتي ...
فَلَمَّا قَرَأَهَا ابْن الْأَمِير ضحك وَأمر لَهُ بِإِحْسَان وسرحه فَقَالَ فِيهِ قصيدة اولها ... لبست ليَوْم الْبَين درعاً من الصَّبْر ... فقدته ألحاظ خلسن من الخدر ...
وَمِنْهَا ... كَذَا فَلْيَكُن جود الْكِرَام مرادفاً ... كَمَا أردفت موج تتَابع فِي بَحر ...
٢٩ - أَبُو خَالِد بن التراس الْقُرْطُبِيّ
من ولد أَيُّوب بن حبيب اللَّخْمِيّ الَّذِي ولي سلطنة الأندلس
ذكره الحجاري وَأخْبر أَنه كَانَ يصحب أَبَا الْمُغيرَة بن حزم وَكَانَ جهير الصَّوْت كثير الْكَلَام لَا يكَاد يسكت وَال يَكْفِيهِ من الطَّعَام قَلِيل وَهُوَ الْقَائِل
стр. 59
.. كَيفَ اصْطِبَارِي للَّذي حل بِي ... والرزء فِيمَا نَاب مِنْهُ جليل
إِذْ من أَنا ضيف لَهُ باخل ... وَلست مِمَّن يَكْتَفِي بِالْقَلِيلِ ...
وَأخْبر الْحميدِي أَنه شَاعِر مَذْكُور فِي أَيَّام المستظهر
٣٠ - أَبُو عَليّ الْحسن بن مضاء الْقُرْطُبِيّ
ذكر الحجاري أَن بَيت بني مضاء بقرطبة متوارث الْحسب وَأَن أَبَا عَليّ لشعره ديباجة عراقية ورقة حجازية وَكَانَ مُخْتَصًّا بِعَبْد الْملك بن أبي الْوَلِيد ابْن جهور وَله فِي أمداح وَأنْشد لَهُ قَوْله ... قصر الْيَوْم فَحَث الش ... رب بالكأس الْكَبِير
فَإِذا مَا طَال فَاشْرَبْ ... فِيهِ بالكأس الصَّغِير ...
وَقَوله ... بِشرب الْكَبِير وعشق الصَّغِير ... أدين وَمن لَام لَا يقبل ...
بَيت بني مسلمة
ذكر ابْن حَيَّان أَن أصل هَذَا الْبَيْت مسلمة بن حسان مولى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ومسلمة من المخلصين لعبد الرَّحْمَن الدَّاخِل وَكَانَ بباجة وتناسل وَلَده بقرطبة
٣١ - أَبُو عَامر مُحَمَّد بن مسلمة الْقُرْطُبِيّ
أثنى عَلَيْهِ الحجاري وعَلى بَيته وَذكر أَنه هَاجر من قرطبة إِلَى إشبيلية
стр. 60
للمعتضد بن عباد وَنَدم لما رَآهُ من استحالته فداراه مُدَّة حَيَاته واسأله كَيفَ نجا
وَأنْشد لَهُ فِي المعتضد الْمَذْكُور ... أيا ملك الْأَمْلَاك وَالسَّيِّد الَّذِي ... يسير على سبل الرشاد بمقياس
عهدتك سمح الْكَفّ بالجود كَيفَ قد ... بخلت بترك الْمجد أجمع للنَّاس ...
وَقَوله فِي غُلَام كَانَ يهواه ... وَإِنِّي لأهواه وأبغي اكتتامه ... وتأبى أَمَارَات اللِّقَاء تكتما
لساني فِي حكمي وَلَكِن مقلتي ... ولوني مَا إِن يقبلان تحكما ...
وَفِي الذَّخِيرَة أَنه أحد جهابذة الْكَلَام وجماهير النثار والنظام من قوم طالما ملكوا أزمة الْأَيَّام وخصوا بألسنة السيوف والأقلام وَكَانَ أَبُو عَامر مِنْهُم بِمَنْزِلَة الفص من الْخَاتم والسر من صدر الكاتم وَذكر قدومه على المعتضد وَأَنه ألف لَهُ كتابا سَمَّاهُ حديقة الارتياح فِي وصف حَقِيقَة الراح
وَأنْشد قَوْله ... أَهلا وسهلاً بوفود الرّبيع ... وثغره البسام عِنْد الطُّلُوع
كَأَنَّمَا أزهاره حلَّة ... من وشي صنعاء السّري الرفيع
احببت بِهِ من زائر زَاهِر ... دَعَا إِلَى الْأنس فَكنت السَّمِيع ...
وَبَينه وَبَين إِدْرِيس بن الْيَمَان وَابْن الْأَبَّار مراسلات وجدهم أبان بن عبيد مولى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أهْدى إِلَيْهِ من سبي البربر
стр. 61
٣٢ - أَبُو الْحُسَيْن بن مسلمة الْقُرْطُبِيّ
ذكر لي وَالِدي أَنه من سراة هَذَا الْبَيْت صَحبه فِي مَوَاطِن كَثِيرَة أَيَّام الصِّبَا وَوَصفه بالمشاركة فِي الْعُلُوم الْقَدِيمَة والحديثة
وَقَالَ وَكُنَّا نقُول واضيعة خَزَائِن الْكتب بِحُضُورِهِ وَكَانَت لَهُ همة فائقة وَكَانَ يُوفى إخوانه حُقُوقهم فِي المغيب والمشهد إِلَّا أَنه قَلِيل الإخوان هرباً من الْعَجز عَن الْقيام بِحَق كثيرهم وَذكر وَالِدي أَنه صُحْبَة فِي سفر فمرا على مالقة فوجدا صَاحبهَا أَبَا عَليّ بن حسون فِي فُرْجَة فاتفقا على أَن يخاطباه فَقَالَ ابْن مسلمة ... مَرَرْنَا بَريَّة قصدا كَمَا ... يمر النسيم بروض الزهر ...
فَقَالَ ابْن سعيد ... فجلنا بروض نأى زهره ... وأقلع عَنهُ انسكاب الْمَطَر ...
فَقَالَ ابْن مسلمة ... فَلم نر رحلتنا دون أَن ... نسير ببشر وسقيا دُرَر ...
فَقَالَ ابْن سعيد ... وَلم نقض من كعبة الْجُود مَا ... يقْضِي الَّذِي حَدهَا وَاعْتمر ...
فَقَالَ ابْن مسلمة ... وَلم نر إِلَّا خطاب الْعلَا ... بطوع الْإِقَامَة أَو بِالسَّفرِ ...
فَقَالَ ابْن سعيد ... وَترك التَّكَلُّف تأميلنا ... مَتى كنت بالبدو أَو بالحضر ...
فَقَالَ ابْن مسلمة ... وَلَيْسَ لنا رَغْبَة فِي السَّحَاب ... وَلَكِن لنبصر وَجه الْقَمَر ...
стр. 62
فَبعث فِي فصولهما وَكَانَ مِنْهُ مَا اشْتهر عَنهُ من الْأَفْعَال البرمكية وَمِمَّا أنشدنيه وَالِدي من شعر أبي الْحُسَيْن فاستحسنته قَوْله ... رقد الغزال وَلَكنَّا يقظان ... مَا تلتقي فِي حبه الأجفان
هبت عَلَيْهِ الراح ريحًا صَرْصَرًا ... وبمثلها تتقصف الأغصان ...
وَقَوله ... بروحي الَّتِي وافت وكالورد خدها ... حَيَاء وَمِنْهَا قد شكا الصب مَا شكا
وَمَا ضحِكت إِلَّا غرُورًا بمهجتي ... كَمَا خجلت كأس المدام لتفتكا ...
وَقَوله ... سلوا ورق الآس لم حددت ... وَقد وضح الصُّبْح آذانها
وَلم ذَا أُقِيمَت على سَاقهَا ... وبلت من الطل أجفانها
أأطربها هَاتِف قد غَدا ... يهز من الطّيب أَغْصَانهَا ...
وَله رسائل وموشحات وأزجال
بَيت بني قزمان
اثنى على هَذَا الْبَيْت الحجاري فِي بيُوت قرطبة وَأَنَّهُمْ لم يزَالُوا مَا بَين وَزِير وعالم وَرَئِيس
٣٣ - أَبُو بكر مُحَمَّد الْأَكْبَر بن عبد الْملك ابْن عِيسَى بن قزمان الْقُرْطُبِيّ
ذكر ابْن بسام أَن المتَوَكل صَاحب بطليوس أول من اتَّخذهُ كَاتبا وَأثْنى على بَيته وذاته واثبت هَل رِسَالَة طَوِيلَة من غير طائل وشعراً تَركه أولى من إِيرَاده
стр. 63
وَأثْنى عَلَيْهِ صَاحب القلائد وَذكر أَنه تكدر عيشه فِي آخر عمره وأساء فِي حَقه القَاضِي أَبُو عبد الله بن حمدين وَأَن أخلاقه كَانَت صعبة ففلت من غربه وَكَانَت سَببا لطول كربه وَلم يُورد لَهُ إِلَّا قَوْله ... ركبُوا السُّيُول من الْخُيُول وركبوا ... فَوق العوالي السمر زرق نطاف
وتجللوا الغدران من ماذيهم ... مرتجة إِلَّا على الأكتاف ...
٣٤ - أَبُو بكر مُحَمَّد بن عِيسَى بن عبد الْملك ابْن عِيسَى بن قزمان الْأَصْغَر
إِمَام الزجالين بالأندلس وَسَيَرِدُ من عجائبه فِي الْأَهْدَاب مَا يشْهد لَهُ بالتقدم فِي هَذَا الْبَاب وَذكر الحجاري أَنه كَانَ فِي أول شَأْنه مشتغلاً بالنظم المعرب فَرَأى نَفسه تقصر عَن أَفْرَاد عصره كَابْن خفاجة وَغَيره فَعمد إِلَى طَريقَة لَا يمازجه فِيهَا أحد مِنْهُم فَصَارَ إِمَام أهل الزجل المنظوم بِكَلَام عَامَّة الأندلس
وَمن شعره على طَريقَة المعرب قَوْله وَقد رقص فِي مجْلِس شرب فأطفأ السراج بأكمامه ... يَا أهل ذَا الْمجْلس السَّامِي سرارته ... مَا ملت لكنني مَالَتْ بِي الراح
فَإِن أكن مطفئاً مِصْبَاح بَيتكُمْ ... فَكل من قد حواه الْبَيْت مِصْبَاح ...
وَقَوله فِي يحيى بن غانية الملثم سُلْطَان الأندلس ... وَللَّه يحيى إِذْ تأبط للوغى ... من السمر حزما أرقماً ثمَّ أرقما ...
стр. 64
.. وثارت بِهِ الهيجا كزند بناره ... فصير كافور الصوارم عِنْدَمَا
لَدَى موقف رد العجاج سماءه ... ثرى وَالثَّرَى من أنجم الْبَحْر كالسما ...
وَمن كتاب بُلُوغ الآمال فِي حلى الْعمَّال
٣٥ - عبد الله بن حُسَيْن بن عَاصِم الثَّقَفِيّ الْقُرْطُبِيّ
ذكر ابْن حَيَّان أَن جده عَاصِم بالعريان صَاحب عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل لقب بذلك لِأَنَّهُ عبر نهر قرطبة يَوْم الْقِتَال وَهُوَ عُرْيَان
ورحل عبد الله إِلَى الْمشرق وَأدْركَ عصر مُعلى الطَّائِي وَلَقي بِبَغْدَاد مخارقاً المغنى واستظرفه رُؤَسَاء الْعرَاق وَقَالَ أحدهم يَا غليظ مَا أرقك وَكَانَ أكولاً حَتَّى لقب بالزير كثير السّعَايَة والنميمة شَاعِرًا مفلقاً
ولي الشرطة بقرطبة فَمر بِهِ فَتى حسن الشارة يترنح سكرا فَأمر بحده فَقَالَ أنْشدك الله من الَّذِي يَقُول ... إِذا عَابَ شرب الْخمر فِي الدَّهْر عائب ... فَلَا ذاقها من كَانَ يَوْمًا يعيبها ...
فَقَالَ ابْن عَاصِم أَنا وَأَسْتَغْفِر الله فَقَالَ الْفَتى مَا تَسْتَحي من الله حِين تغري بِالشرابِ ثمَّ تعاقب فِيهِ فَكَانَ ذَلِك سَببا لِأَن تَركه
وَأخْبر الْحميدِي أَنه كَانَ من جلساء الْأَمِير مُحَمَّد وَأَنه شرب مَعَه يَوْمًا وَغُلَام جميل الصُّورَة يسقيهم فألح الْأَمِير على الْغُلَام فِي سقِِي عبد الله فَقَالَ ... يَا حسن الْوَجْه لَا تكن صلفاً ... مَا لحسان الْوُجُوه والصلف ...
стр. 65
.. يحسن أَن تحسن الْقَبِيح وَلَا ... ترثي لصب متيم دنف ...
فخيره بَين بدرة والغلام فَاخْتَارَ خوفًا من الظنة
٣٦ - أَبُو الْأَصْبَغ عبد الْعَزِيز بن فاتح الْقُرْطُبِيّ
ذكر مُحَمَّد بن عبد الْملك بن سعيد أَنه كَانَ من عُمَّال قرطبة فِي مُدَّة لمتونة واختص بأميرها الزبير بن عمر الملثم ونادمه وَكَانَ عَارِفًا بِالْغنَاءِ وأنشدني لنَفسِهِ قَوْله ... عَاد من بعد مَا أَطَالَ الصدودا ... وأتى مرغماً بِذَاكَ الحسودا
وتناسى مَا كَانَ مِنْهُ قَدِيما ... وَأعَاد الزَّمَان خلقا جَدِيدا
إِن يَوْمًا قضى لنا باجتماع ... لحقيق بِأَن يُسمى سعيدا ...
وَقَوله ... قُم هَات كأسي فالروض مَمْطُور ... والأفق مسك وَالْأَرْض كافور
ري وخمر فحثها عجلاً ... فكلنا عاطش ومقرور
لَا حفظ الله من يضيعها ... فِي مثل ذَا الْيَوْم فَهُوَ مسحور
المَاء فَوق الغصون مُنْتَظم ... والزهر بَين الرياض منثور ...
وَمن كتاب الإحكام فِي حلى الْحُكَّام
٣٧ - مُعَاوِيَة بن صَالح القَاضِي
من تَارِيخ ابْن حَيَّان أَنه دخل الأندلس قبل دُخُول عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل وَهُوَ من جلة الْعلمَاء عالي الرِّوَايَة يذكر عَنهُ أَنه روى عَنهُ مَالك بن أنس
стр. 66
وَوَجهه عبد الرَّحْمَن عَن أختيه اللَّتَيْنِ بِالشَّام ليتحيل فِي إيصالهما إِلَيْهِ فَلم يطاوعاه وَرجع فولاه قَضَاء حَضرته وَكَانَ يحضر مَعَه غَزَوَاته وَيحيى لَيْلَة بِالصَّلَاةِ فَإِذا أقبل النَّهَار تقدم فِي خيل حمص غازياً إِلَى أَن عَزله فِي آخر أَيَّامه
وانشد لَهُ الحجاري وَغَيره هَذِه الأبيات الَّتِي قد نسبت لعبد الرَّحْمَن المرواني الدَّاخِل ... أَيهَا الرَّاكِب الميمم أرضي ... أقرّ من بَعْضِي السَّلَام لبعضي
إِن جسمي كَمَا علمت بِأَرْض ... وفؤادي ومالكيه بِأَرْض
قدر الله بَيْننَا بافتراق ... فَعَسَى الله باجتماع سيقضي ...
٣٨ - القَاضِي أَبُو الْوَلِيد بن الفرضي
وَصفه ابْن بسام بِحسن النّظم وَذكر أَنه لما حج تعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَسَأَلَ الله الشَّهَادَة فَمَاتَ فِي فتْنَة البربر بقرطبة سنة أَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن حزم أَخْبرنِي من رَآهُ بَين الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ وَهُوَ فِي آخر رَمق وَهُوَ يَقُول لَا يكلم أحد فِي سَبِيل الله وَالله أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله إِلَّا جَاءَ وجرحه يَوْم الْقِيَامَة يثعب دَمًا اللَّوْن لون الدَّم وَالرِّيح ريح الْمسك
стр. 67
وَهَذَا حَدِيث صَحِيح فِي كتاب مُسلم وَأنْشد لَهُ وَكَانَ قد كتب بهَا إِلَى أَهله حِين توجه لِلْحَجِّ ... مَضَت لي شهور مُنْذُ غبتم ثَلَاثَة ... وَمَا خلتني أبقى إِذا غبتم شهرا
وَمَا لي حَيَاة بعدكم أستلذها ... وَلَو كَانَ هَذَا لم أكن بعْدهَا حرا
أعلل نَفسِي بالمنى فِي لقائكم ... وأستسهل الْبر لذِي جبت والبحرا
ويؤنسني طي المراحل دونكم ... أروح على أَرض وأغدو على أُخْرَى
وتالله مَا فارقتكم عَن قلي لكم ... وَلكنهَا الأقدار تجْرِي كَمَا تجْرِي ...
وَذكر الحجاري أَنه ولي فِي الْفِتْنَة قَضَاء إستجة وَرغب إِلَيْهِ أهل مصر فِي الْإِقَامَة عِنْدهم فَقَالَ من الْمُرُوءَة النزاع إِلَى الوطن
٣٩ - القَاضِي الفيلسوف أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام الْفَقِيه القَاضِي أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن رشد
أدْركهُ وَالِدي وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي وَصفه الشقندي فَقِيه الأندلس وفيلسوفها الَّذِي لَا يحْتَاج فِي نباهته إِلَى تَنْبِيه
وَأنْشد من شعره قَوْله ... مَا الْعِشْق شأني وَلَكِن لست أنكرهُ ... كم حل عقدَة سلواني تذكره
من لي بغض جفوني عَن مخبرة ال ... أجفان قد أظهرت مَا لست أضمره ...
стр. 68
.. لَوْلَا النهى لأطعت اللحظ ثَانِيَة ... فِيمَن يرد سنا الألحاظ منظره
مَا لِابْنِ سِتِّينَ قادته لغايته ... عشرِيَّة فنأى عَنهُ تصبره
قد كَانَ رضوى وقاراً فَهُوَ سافية ... الْحسن يُورِدهُ والهون يصدره ...
وَولي قَضَاء الْقُضَاة بقرطبة وَكَذَلِكَ جده أَبُو الْوَلِيد وَمَات جده سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وَلأبي الْوَلِيد الْأَصْغَر تصانيف كَثِيرَة فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول والنحو والفلسفة وَغير ذَلِك وَآل أمره مَعَ مَنْصُور بني عبد الْمُؤمن وَقد وقف على قَوْله عَن الزرافة وَقد رَأَيْتهَا عِنْد ملك البربر فقرعه على ذَلِك فَاعْتَذر أَنه مَا قَالَ إِلَّا ملك البرين إِلَى أَن أَمر بِهِ فأقيم وَجعل كل من يمر بِهِ يلعنه ويبصق فِي وَجهه ثمَّ أَمر بنفيه إِلَى بَيَانه مَدِينَة الْيَهُود
٤٠ - الْفَقِيه القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِيسَى
ابْن المناصف الْقُرْطُبِيّ
قَالَ وَالِدي بَنو المناصف الثَّلَاثَة اجْتمعت بهم وذاكرتهم فَمَا رَأَيْت مِنْهُم إِلَّا نجيباً مبرزاً وَالْفضل لأبي عبد الله لِأَنَّهُ تفنن فِي الْعُلُوم وَولي أكبر خطط الْقَضَاء مثل مرسية وبلنسية وَإِن كَانَ مُوسَى أرق شعرًا فَإِنَّهُ أمتن علما فِيمَا يتَعَلَّق بالأصول وَالْفُرُوع وَكَانَ أَبُو إِسْحَاق مشاركاً مديد الباع فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَولي قَضَاء سجلماسة وَلأبي عبد الله الرجز الْمَشْهُور بالمغرب فِي الشيات
قَالَ وَمِمَّا أنشدنيه لنَفسِهِ قَوْله من قصيدة للناصر ... دَانَتْ لَك الْعَرَب طوع الْحق والعجم ... وَأصْبح الدَّهْر عَن علياك يبتسم ...
стр. 69
وَقَوله ... تغيب عني وقلبي ... لديك رهن معذب
فَرده لي وبن حَيّ ... ث مَا تشا وتغيب
الله يعلم أَنِّي ... طول الدجى أتقلب
فجد عَليّ بطيف ... إِن كنت فِي الْوَصْل ترغب
إِن لم تلح لي بَدْرًا ... فلح فديتك كَوْكَب ...
وَقَوله ... ألزمت نَفسِي خمولاً ... عَن رُتْبَة الْأَعْلَام
لَا يخسف الْبَدْر إِلَّا ... ظُهُوره فِي تَمام ...
وَحج وَأقَام بِمصْر قَلِيلا وكر رَاجعا فَمَاتَ وَذكر الْمُحدث أَبُو الْعَبَّاس بن عمر الْقُرْطُبِيّ أَنه جمع كتابا فِيهِ أَرْبَعَة عُلُوم أصُول الدّين وأصول الْفِقْه وفروعه وسيرة النَّبِي ﷺ
٤١ - أَخُوهُ أَبُو إٍسحاق إِبْرَاهِيم بن المناصف
قَالَ وَالِدي كَانَ فَقِيها جميل الْمَذْهَب ولي قَضَاء سجلماسة سَأَلته أَن ينشدني من شعره فَقَالَ من يحفظ من الشّعْر مَا تحفظ أَنْت يجب على الْعَاقِل أَلا ينشده شَيْئا إِلَى أَن أَنْشدني أحد أَصْحَابه لَهُ
стр. 70
.. يَا محرقاً قلبِي بِنَار الأسى ... وماحياً عَيْني بِمَاء الدُّمُوع
رفقا فَإِنِّي بالجوى ذَاهِب ... كَيفَ يبْقى من جفاه الهجوع
وَأبْصر الْغُصْن لوى عطفه ... والبدر محجوباً أَوَان الطُّلُوع ...
وَقَوله فِي المجبنات ... هَات الَّتِي إِن قربت جَمْرَة ... فَهِيَ على الأحشاء كَالْمَاءِ
كلما عض بهَا لاثم ... تبسمت عَن ثغر حسناء
تبرية الظَّاهِر فضية ال ... بَاطِن لم تصنع بِصَنْعَاء ...
وَكَانَ نحوياً
٤٢ - أَبُو عمرَان مُوسَى بن عِيسَى بن المناصف
ولي دَار الإشراف بمراكش فِي مُدَّة النَّاصِر وَذكره الشقندي وَوَصفه بحلاوة الشّعْر وَأنْشد لَهُ فِي غُلَام جزار ... قَالَت عواذله لما بصرن بِهِ ... فِي مجزر سَاقِط الأثواب واللمم
لشد مَا عرض الْإِعْرَاض عاشقه ... فَأَيْنَ مَا يَدعِيهِ الدَّهْر من همم
فَقلت صَارَت هموما كلهَا هميي ... فَمَا أفرق بَين الراس والقدم
لطرفه فِي فُؤَادِي مَا لمديته ... فِيمَا تقسم كَفاهُ على الْوَضم ...
وَجعله والدى اشعر بن المناصف وأشهرهم شعرًا قَالَ وَمِمَّا أَنْشدني من شعره قَوْله وَقد وَصله من حبوبه مُطيب من آس ... مطيبك الْمهْدي أجل مُطيب ... يق لَهُ عِنْدِي الْمقَام على جفني
أَتَى كاسمه آس لما بِي من الجوى ... فَحل حُلُول السعد وَالْمَال والأمن ...
стр. 71
.. وَمَا جَاءَنِي وَالْكل مِنْهُ مسامع ... مؤللة إِلَّا ليسمع مَا أثنى
لعمري لقد بتنا وبيني وَبَينه ... كَمَا بَين خيري الحديقة والدجن
يذكر أَيَّام العناق اتساقه ... فأسقيه من عَيْني ضروباً من المزن ...
وَمن قصيدة ... وان لم يردوا من فُؤَادِي مَا سبوا ... يَوْم النَّوَى أتحفتهم بِالْبَاقِي ...
وَفِي مطلع أُخْرَى ... جاروا وَمَا علمُوا مَا يشتكى الْجَار ... من الْقُلُوب جلاميد وأحجار ...
وَمن = كتاب نُجُوم السَّمَاء فِي حلى الْعلمَاء عُلَمَاء الْقُرْآن الْعَزِيز
٤٣ - أَبُو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد بن مكي ابْن أبي طَالب الْقَيْسِي
جده مكي القيرواني الْمَشْهُور بالزهد والقراءات وَأثْنى ابْن بسام على جَعْفَر وَأنْشد لَهُ شعرًا فِي رثاء أبي مَرْوَان بن سراج الْعَالم أَوله ... انْظُر إِلَى الأطواد كَيفَ تَزُول ... ولحالة العلياء كَيفَ تحول ...
стр. 72
.. يهوى الْفَتى طول الْبَقَاء مؤملاً ... وَله رحيل لَيْسَ مِنْهُ فَقَوْل ...
وَذكر الحجاري أَنه حذا حَذْو جده فِي الإقراء وَذكر ابْن بشكوال أَن جده مكياً توفّي بقرطبة فِي محرم سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٤ - مُحَمَّد بن مَحْمُود المكفوف
ذكر الْحميدِي أَن ابْن حزم أنْشد لَهُ ... كَأَن الْجِيَاد الصافنات وَقد عدت ... سطور كتاب والمقدم عنوان ...
عُلَمَاء الحَدِيث
٤٥ - أَبُو عَبَّاس أَحْمد بن قَاسم ... جعله الحجاري من رُؤَسَاء الْمُحدثين ورءوس المتفننين مشاركا فِي لعلوم الْقَدِيمَة والحديثة قَالَ ابْن بسام وَهُوَ فَتى وقتنا بِحَضْرَة قرطبة مقلة عين الْعَصْر وَأثْنى على نظمه ونثره وَأخْبر أَنه نظر فِي التعاليم وبرع على ضغر سنة وَبَينهمَا مُخَاطبَة واجتماع وَأنْشد لَهُ ... لهج النَّاس بالقبيح وهاموا ... فَالْزَمْ الْبَيْت واغلق الأبوابا
وَإِذا مَا خرجت تطلب رزقا ... فَأكْثر الصمت واضمم الأثوابا ...
стр. 73
.. فكثير مِمَّن تجَالس تلقى ... من عُيُوب الورى لَدَيْهِ عيابا
وَإِذا مَا سَأَلته عَن جميل ... فيهم لم تَجِد لَدَيْهِ جَوَابا
لقى النَّاس قبلنَا عرة الدَّهْر ... وَلم نلق مِنْهُ إِلَّا الذباني ...
وَقَوله ... خُذْهَا كَمَا اعتدلت أنابيب القنا ... فكري الثِّقَات لَهَا وذهني النَّار
٤٦ - أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان
اخبرني وَالِده صَحبه وَكَانَ يَقُول إِنَّه من أعظم من رَآهُ من الْعلمَاء وَالَّذِي غلب عَلَيْهِ علم الحَدِيث وَله مُشَاركَة فِي الْأَدَب
وَمن شعره وَقد اصغى إِلَى غناء ... لَا تلحني إِن غذوت ذَا طرب ... لما ثناني للأنس غريد
طوراً جليد وَتارَة طرب ... كالعود مِنْهُ الزَّوْرَاء وَالْعود ...
وَمَات فِي الْمِائَة السَّابِعَة
стр. 74
عُلَمَاء النَّحْو
٤٧ - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحي بن زَكَرِيَّا القلفاط الْقُرْطُبِيّ
جعله الحجاري من نحاة قرطبة المعروفين بالإقراء وَجُمْلَة الشُّعَرَاء الْمَشْهُورين بالهجاء وترقت أذاته إِلَى أَن هجا عبد الله المرواني سُلْطَان الأندلس بِشعر مِنْهُ ... مَا يرتجى الْعَاقِل فِي مُدَّة ... الرجل فِيهَا مَوضِع الرَّأْس ...
ووفد على إِبْرَاهِيم بن حجاج ملك اشبيلية فأنشده قصيدة ذمّ فِيهَا أهل بَلْدَة فَأَبْغضهُ لذَلِك
قَالَ ابْن حَيَّان فَانْصَرف إِلَى قرطبة وابتدأ بِهِجَاء ابْن حجاج فَقَالَ شعره الَّذِي فِيهِ ... أبغي نوال الأكرمين مَعًا وَلَا ... أبغي نوال البومة البكماء ...
فَبلغ الشّعْر ابْن حجاج فَأرْسل إِلَيْهِ من قَالَ لَهُ وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره لَئِن لم تكف عَمَّا أخذت فِيهِ لآمرن من يَأْخُذ رَأسك فَوق فراشك فارتاع وكف
٤٨ - أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مَيْمُون الْعَبدَرِي الْقُرْطُبِيّ
كَانَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن سعيد يجالسه كثيرا ويخبر عَن تبحره
стр. 75
فِي النَّحْو وَله شرح الْجمل وَشرح المقامات وعظمت مَنْزِلَته عِنْد الْمَنْصُور وَكَانَ لَهُ ملح وَشعر مليح كَقَوْلِه ... تقحمت جاحم حر الضلوع ... كَمَا خضت بَحر دموع الحدق
أَكنت الْخَلِيل أَكنت الكليم ... أمنت الْحَرِيق أمنت الْغَرق ...
وَقَوله ... طرفِي وحقك يرْعَى الن ... جوم نجماً فنجما
مردداً فَكَأَنِّي ... أفك مِنْهَا معمى ...
توفّي فِي الْمِائَة السَّادِسَة وَله رِسَالَة إِلَى مَحْبُوب يستدعيه
فبا الله إِلَّا مَا لقِيت الرَّسُول بِوَجْه يدل على الْقبُول وتفضلت بِأَن تصل قبل رُجُوعه إِلَيْنَا وتخالفه من طَرِيق مُخْتَصر حَتَّى تطلع قبله علينا هُنَالك كُنَّا نخر للفضائل سجدا وَلَا نزال نوالي شكرك وذكرك أبدا
عُلَمَاء اللُّغَة
٤٩ - أَبُو عبد الْملك عُثْمَان بن الْمثنى الْقَيْسِي الْقُرْطُبِيّ
وَصفه ابْن حَيَّان بِمَعْرِِفَة اللُّغَة والتجويد فِي الشّعْر وَذكر أَنه رَحل وَلَقي أَبَا تَمام الطَّائِي وَأخذ عَنهُ شعره وَلَقي ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره وَكَانَ شجاعاً مكثراً للغزو فِي الثغور وأدب أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن بن الحكم سُلْطَان الاندلس
следующие страницы →