Полный текст (860 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
.. وَمَا جَاءَنِي وَالْكل مِنْهُ مسامع ... مؤللة إِلَّا ليسمع مَا أثنى
لعمري لقد بتنا وبيني وَبَينه ... كَمَا بَين خيري الحديقة والدجن
يذكر أَيَّام العناق اتساقه ... فأسقيه من عَيْني ضروباً من المزن ...
وَمن قصيدة ... وان لم يردوا من فُؤَادِي مَا سبوا ... يَوْم النَّوَى أتحفتهم بِالْبَاقِي ...
وَفِي مطلع أُخْرَى ... جاروا وَمَا علمُوا مَا يشتكى الْجَار ... من الْقُلُوب جلاميد وأحجار ...
وَمن = كتاب نُجُوم السَّمَاء فِي حلى الْعلمَاء عُلَمَاء الْقُرْآن الْعَزِيز
٤٣ - أَبُو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد بن مكي ابْن أبي طَالب الْقَيْسِي
جده مكي القيرواني الْمَشْهُور بالزهد والقراءات وَأثْنى ابْن بسام على جَعْفَر وَأنْشد لَهُ شعرًا فِي رثاء أبي مَرْوَان بن سراج الْعَالم أَوله ... انْظُر إِلَى الأطواد كَيفَ تَزُول ... ولحالة العلياء كَيفَ تحول ...
стр. 72
.. يهوى الْفَتى طول الْبَقَاء مؤملاً ... وَله رحيل لَيْسَ مِنْهُ فَقَوْل ...
وَذكر الحجاري أَنه حذا حَذْو جده فِي الإقراء وَذكر ابْن بشكوال أَن جده مكياً توفّي بقرطبة فِي محرم سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٤٤ - مُحَمَّد بن مَحْمُود المكفوف
ذكر الْحميدِي أَن ابْن حزم أنْشد لَهُ ... كَأَن الْجِيَاد الصافنات وَقد عدت ... سطور كتاب والمقدم عنوان ...
عُلَمَاء الحَدِيث
٤٥ - أَبُو عَبَّاس أَحْمد بن قَاسم ... جعله الحجاري من رُؤَسَاء الْمُحدثين ورءوس المتفننين مشاركا فِي لعلوم الْقَدِيمَة والحديثة قَالَ ابْن بسام وَهُوَ فَتى وقتنا بِحَضْرَة قرطبة مقلة عين الْعَصْر وَأثْنى على نظمه ونثره وَأخْبر أَنه نظر فِي التعاليم وبرع على ضغر سنة وَبَينهمَا مُخَاطبَة واجتماع وَأنْشد لَهُ ... لهج النَّاس بالقبيح وهاموا ... فَالْزَمْ الْبَيْت واغلق الأبوابا
وَإِذا مَا خرجت تطلب رزقا ... فَأكْثر الصمت واضمم الأثوابا ...
стр. 73
.. فكثير مِمَّن تجَالس تلقى ... من عُيُوب الورى لَدَيْهِ عيابا
وَإِذا مَا سَأَلته عَن جميل ... فيهم لم تَجِد لَدَيْهِ جَوَابا
لقى النَّاس قبلنَا عرة الدَّهْر ... وَلم نلق مِنْهُ إِلَّا الذباني ...
وَقَوله ... خُذْهَا كَمَا اعتدلت أنابيب القنا ... فكري الثِّقَات لَهَا وذهني النَّار
٤٦ - أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان
اخبرني وَالِده صَحبه وَكَانَ يَقُول إِنَّه من أعظم من رَآهُ من الْعلمَاء وَالَّذِي غلب عَلَيْهِ علم الحَدِيث وَله مُشَاركَة فِي الْأَدَب
وَمن شعره وَقد اصغى إِلَى غناء ... لَا تلحني إِن غذوت ذَا طرب ... لما ثناني للأنس غريد
طوراً جليد وَتارَة طرب ... كالعود مِنْهُ الزَّوْرَاء وَالْعود ...
وَمَات فِي الْمِائَة السَّابِعَة
стр. 74
عُلَمَاء النَّحْو
٤٧ - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحي بن زَكَرِيَّا القلفاط الْقُرْطُبِيّ
جعله الحجاري من نحاة قرطبة المعروفين بالإقراء وَجُمْلَة الشُّعَرَاء الْمَشْهُورين بالهجاء وترقت أذاته إِلَى أَن هجا عبد الله المرواني سُلْطَان الأندلس بِشعر مِنْهُ ... مَا يرتجى الْعَاقِل فِي مُدَّة ... الرجل فِيهَا مَوضِع الرَّأْس ...
ووفد على إِبْرَاهِيم بن حجاج ملك اشبيلية فأنشده قصيدة ذمّ فِيهَا أهل بَلْدَة فَأَبْغضهُ لذَلِك
قَالَ ابْن حَيَّان فَانْصَرف إِلَى قرطبة وابتدأ بِهِجَاء ابْن حجاج فَقَالَ شعره الَّذِي فِيهِ ... أبغي نوال الأكرمين مَعًا وَلَا ... أبغي نوال البومة البكماء ...
فَبلغ الشّعْر ابْن حجاج فَأرْسل إِلَيْهِ من قَالَ لَهُ وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره لَئِن لم تكف عَمَّا أخذت فِيهِ لآمرن من يَأْخُذ رَأسك فَوق فراشك فارتاع وكف
٤٨ - أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مَيْمُون الْعَبدَرِي الْقُرْطُبِيّ
كَانَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن سعيد يجالسه كثيرا ويخبر عَن تبحره
стр. 75
فِي النَّحْو وَله شرح الْجمل وَشرح المقامات وعظمت مَنْزِلَته عِنْد الْمَنْصُور وَكَانَ لَهُ ملح وَشعر مليح كَقَوْلِه ... تقحمت جاحم حر الضلوع ... كَمَا خضت بَحر دموع الحدق
أَكنت الْخَلِيل أَكنت الكليم ... أمنت الْحَرِيق أمنت الْغَرق ...
وَقَوله ... طرفِي وحقك يرْعَى الن ... جوم نجماً فنجما
مردداً فَكَأَنِّي ... أفك مِنْهَا معمى ...
توفّي فِي الْمِائَة السَّادِسَة وَله رِسَالَة إِلَى مَحْبُوب يستدعيه
فبا الله إِلَّا مَا لقِيت الرَّسُول بِوَجْه يدل على الْقبُول وتفضلت بِأَن تصل قبل رُجُوعه إِلَيْنَا وتخالفه من طَرِيق مُخْتَصر حَتَّى تطلع قبله علينا هُنَالك كُنَّا نخر للفضائل سجدا وَلَا نزال نوالي شكرك وذكرك أبدا
عُلَمَاء اللُّغَة
٤٩ - أَبُو عبد الْملك عُثْمَان بن الْمثنى الْقَيْسِي الْقُرْطُبِيّ
وَصفه ابْن حَيَّان بِمَعْرِِفَة اللُّغَة والتجويد فِي الشّعْر وَذكر أَنه رَحل وَلَقي أَبَا تَمام الطَّائِي وَأخذ عَنهُ شعره وَلَقي ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره وَكَانَ شجاعاً مكثراً للغزو فِي الثغور وأدب أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن بن الحكم سُلْطَان الاندلس
стр. 76
وَولد فِي صدر دولة هِشَام الرِّضَا فَأدْرك أَرْبَعَة سلاطين من المروانية آخِرهم مُحَمَّد وَفِيه يَقُول ... وَلَو لم اكن ادركت ملك مُحَمَّد ... وزمانه لحسبتي لم أخلق ...
وزاره بعض إخوانه فِي مكتبه بقصر الْخلَافَة وَهُوَ يعلم ولدا الامير مُحَمَّد جميل الصُّورَة فَقَالَ هَل كَيفَ حالك مَعَ هَذَا الرشأ فَقَالَ لَا أَزَال أشْرب خمر عَيْنَيْهِ فَلَا أروى وَهُوَ يسقينها دَائِما وَأَنْشَأَ يَقُول ... صناعَة عَيْني السهاد وانما ... صناعَة عينه الخلابة وَالسحر
وَلَو بِفنَاء الدَّهْر أَرْجُو نواله ... إِذا لَوَدِدْنَا أَنه فنى الدَّهْر ...
وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ عَن أَربع وَتِسْعين سنة وَجعله الحجاري أحد أَئِمَّة النُّحَاة اللغويين
٥٠ - أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بكر بن سَابق الكلَاعِي وَقيل الْبكْرِيّ الْمَعْرُوف بالنذل
من تَارِيخ ابْن حَيَّان أَن مُؤمن بن سعيد لقبه بذلك وَكَانَ مؤدباً بالنحو عَالما بِاللِّسَانِ مبرزاً فِي الشّعْر ادبيا بليغاً
أدب أَوْلَاد الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَكَانَ يحب الغلمان وَهُوَ الْقَائِل من قصيدة فِي الْأَمِير الْمَذْكُور ... أيرجو الْمُشْركُونَ لَهُم بَقَاء ... وَقد عزم الْأَمِير على الْجِهَاد ...
وَمن لطيف شعره قَوْله ... إِذا لم يكن لي من ضميرك شَافِع ... إِلَيْك فَإِنِّي لَيْسَ لي مِنْك نَاصِر ...
стр. 77
.. ألان لداود الْحَدِيد بقدرة ... مليك على تليين قَلْبك قَادر
صبرت ومالى بالتصبر طَاقَة ... فياليت قلبِي مثل قَلْبك صابر
وفارقتني فالدار غير بعيدَة ... وأوحش شَيْء أَن يُفَارق حَاضر ...
وَله من شعر ... وَمَا ضمني يَوْمًا وَإِيَّاك مجْلِس ... من الدَّهْر إِلَّا وَهُوَ لي مِنْك غَائِط
وَإِنِّي لأغني النَّاس عَن كل مجْلِس ... يلاحظني فِيهِ على الكره لاحظ ...
٥١ - أَبُو عُثْمَان سعيد بن الْفرج الْمَعْرُوف بالرشاش مولى بني أُميَّة الْقُرْطُبِيّ اللّغَوِيّ
من تَارِيخ ابْن حَيَّان أَنه كَانَ من آدب النَّاس فِي زَمَانه وأقومهم على لِسَان الْعَرَب وأحفظهم للغة وأعلمهم بالشعر وَحكى عَنهُ أَنه كَانَ يحفظ أَرْبَعَة آلَاف أرجوزة وَكَانَ شَدِيد التقعير فِي كَلَامه وَقد ضرب بِهِ الْمثل فِي الفصاحة فِي الأندلس كَمَا ضرب ببكر الْكِنَانِي رسيله وَلما لحقته سِعَايَة عِنْد نصر خصى الْأَمِير عبد الرَّحْمَن وَأمر بضربه جعل يستغيث وَيَقُول تَحَنن عَليّ أَبَا الْفَتْح سَيِّدي شيخ كَبِير يفن أبق عَليّ وَلَا تسط بِي ورحل إِلَى الْمشرق وَحج وَدخل بَغْدَاد وروى عَن الأكابر وقفل فسكن مصر ثمَّ القيروان إِلَى أَن بلغه أَن عبد الرَّحْمَن ولي سلطنة الأندلس وَكَانَت بَينهمَا وصلَة فوفد عَلَيْهِ فرعاه وقربه وَأكْثر الرشاش مدحه وَله يَقُول ... أَصبَحت لَا أحسد إِلَّا امْرَءًا ... ينَال من قربك مَا أحرمهُ ...
стр. 78
وَذكره مُعَاوِيَة بن هِشَام وَعبادَة والحجاري وَوَصفه بالتندير وَهُوَ الْقَائِل فِي ابْن الشمر ... إِنَّنِي أكره الهجاء وَلَك ... ن إِلَى الله فِي هجائك قربه ...
٥٢ - أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن سراج
من الذَّخِيرَة أَن جده سراج بن قُرَّة الْكلابِي صَاحب رَسُول الله ﷺ وَأصَاب سلفه سباء صيرهم فِي موَالِي بني أُميَّة وَأثْنى على عظم بَيتهمْ بقرطبة وأفرط فِي تَعْظِيم أبي مَرْوَان هَذَا وَقَالَ فِي وَصفه محيي علم اللِّسَان بِجَزِيرَة الأندلس قَالَ وَلم ير مثله قبله وَلَا يرى بعده وَالله أعلم ولد لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة أَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْجُمُعَة لثمان خلون من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعين ورثاه جمَاعَة مِنْهُم ابْن عبدون وَأنْشد لَهُ ابْن بسام ... جدرت فَقَالُوا بهَا عِلّة ... ستقبح بعد بآثارها ... أَلا إِنَّهَا رَوْضَة نورت فزادت جمالا بأنوارها ...
وَأَطْنَبَ فِي وَصفه صَاحب القلائد وَقَالَ
стр. 79
أودى فطويت المعارف وتقلص ظلها الوارف إِلَّا أَنه كَانَ يضجر عِنْد السُّؤَال فَمَا يكَاد يُفِيد ويتفجر غيظاً على الطَّالِب حَتَّى يتبلد وَلَا يَسْتَفِيد وَأنْشد لَهُ من قصيدة فِي مدح المظفر بن جهور ... أما هَوَاك فَفِي أعز مَكَان ... كم صارم من دونه وَسنَان
وَبنى حروب لم تزل تغذوهم ... حَتَّى الْفِطَام ثديها بلبان
فِي كل أَرض يضْربُونَ قبابهم ... لَا يمْنَعُونَ تخير الأوطان
أَو مَا ترى أوتادها قصد القنا ... وحبالهن ذوائب الفرسان ...
وَجعله الحجاري أصمعي الأندلس وَأخْبر أَن صَاحب سفط اللآلي أثنى عَلَيْهِ وعَلى بَيته وَذكر أَن عبد الْملك بن أبي الْوَلِيد بن جهور عَتبه فِي كَونه جَاءَ لزيارته وَأَبُو مَرْوَان لَا يزوره فَقَالَ أعزّك الله أَنْت إِذا زرتني قَالَ النَّاس امير زار عَالما تَعْظِيمًا للْعلم واقتباساً مِنْهُ وَأَنا إِذا زرتك قيل عَالم زار أَمِيرا للطمع فِي دُنْيَاهُ وَالرَّغْبَة فِي رفده وَلَا يصون علمه فتعجبوا من جَوَابه
٥٣ - ابْنه أَبُو الْحُسَيْن سراج بن أبي مَرْوَان بن سراج
من الذَّخِيرَة اسْم وَافق مُسَمَّاهُ وَلَفظ طابق مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ سراج علم وأدب وبحر لُغَة ولسان الْعَرَب وَإِلَيْهِ فِي وقتنا هَذَا بِحَضْرَة قرطبة تشد الأقتاب وتنصي الركاب وَأثْنى على نظمه ونثره وَأنْشد لَهُ قَوْله
стр. 80
.. لما تبوأ من فُؤَادِي منزلا ... وغذا يُسَلط مقلتيه عَلَيْهِ
ناديته مسترحماً من لوعة ... أفضت بأسرار الضلوع إِلَيْهِ
رفقا بمنزلك الَّذِي تحتله ... يَا من يخرب بَيته بيدَيْهِ ...
عُلَمَاء التَّارِيخ
٥٤ - ابْن حَيَّان
ثلب أَبَا الحزم فَقَالَ الله لقد صدق وَإِنِّي وَالله مَا أصلح لهَذَا الْأَمر وَلَكِن مكْرها لَزِمته وَحلف عبد الْملك بن جهور أَن يسفك دَمه فَأحْضرهُ أَبوهُ أَبُو الْوَلِيد وَقَالَ وَالله لَئِن طَرَأَ على ابْن حَيَّان أَمر لَا آخذن أحدا فِيهِ سواك أَتُرِيدُ أَن يضْرب بِنَا الْمثل فِي سَائِر الْبلدَانِ بِأَنا قتلنَا شيخ الْأَدَب والمؤرخين ببلدنا تَحت كنفنا مَعَ أَن ملموك الْبِلَاد القاصية تداريه وتهاديه وَأنْشد لَهُ نظماً وَقَالَ سُبْحَانَ من جعله إِذا نثر فِي السَّمَاء وَإِذا نظم تَحت تخوم المَاء
٥٥ - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الصفار الْأَعْمَى الزَّمن الْقُرْطُبِيّ
من بني الصفار المنتمين إِلَى بني مغيث مولى بني أُميَّة وَهُوَ بَيت عَظِيم
стр. 81
بقرطبة وَكَانَ هَذَا الشيح باقعة قد أَخذ نَفسه بالوقوع فِي الْأَعْرَاض مَأْخَذ ابْن حَيَّان على مَا تقدم وَتركته بتونس فنعي إِلَى سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَلم أر أعجب من شَأْنه فَإِنَّهُ كَانَ أعمى معطل الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ شنيع الْخلقَة لَا يزَال لعابه يسيل وَوَجهه يَهْتَز وَإِذا جاذبيه اهداب الاداب رَأَيْت مِنْهُ بحرا زاجرا وَكَانَ آيَة فِي الْحساب والفرائض مقدما على أَعْرَاض الْمُلُوك وَالْوُجُوه وحسبك أَنه لما قَالَ أَبُو زيد الفازازي كَاتب الْمَأْمُون بن الْمَنْصُور ابْن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن قصيدته الَّتِي أَولهَا الحزم والعزم منسوبان للْعَرَب وَكَانَ أنصاره عرب جشم قَالَ ابْن الصفار فِي مناقضتها قصيدته الَّتِي مِنْهَا فِي ذكر الْمَأْمُون عَم يحيى بن النَّاصِر ومخاصمة على الْخلَافَة ... وَإِن ينازعك فِي الْمَنْصُور ذُو نسب ... فنجل نوح ثوى فِي قسْمَة العطب ...
وَإِن يقل أَنا عَم فَالْجَوَاب لَهُ ... عَم النَّبِي بر شكّ أَبُو لَهب ...
وشاعت القصيدة وَبَلغت الْمَأْمُون فحرص على قَتله فَلَمَّا كبس مَدِينَة فاس وفر أَمَامه مِنْهَا يحيى بن النَّاصِر وَكَانَ ابْن الصفار فِي خدمته اختفى عِنْد عَجُوز فِي خوص على قَارِعَة الطَّرِيق وَقَامَت بِحَالهِ لما رَأَتْهُ عَلَيْهِ من الْأَعْذَار الْمُوجبَة للصدقة وَأمر الْمَأْمُون المنادين فِي الْأَسْوَاق بالبحث عَنهُ وتحذير من كتمه بإراقة الدَّم وَالْإِحْسَان لمن اظهره واذكيت الْعُيُون عَلَيْهِ فستره الله إِلَى أَن سكنت تِلْكَ النائرة وَلحق بإفريقية فَأحْسن إِلَيْهِ سلطانها أَبُو زَكَرِيَّا بن عبد الْوَاحِد واجرى عَلَيْهِ مشاهر وجالسه إِلَى أَن كرهه لما شَاهده من كَثْرَة وُقُوعه فِي الْأَحْيَاء والأموات فحجبه عَن مَجْلِسه وَلم يقطع الْإِحْسَان عَنهُ
стр. 82
وسايرته يَوْمًا فأنشدني لنَفسِهِ قَوْله ... لَا تحسب النَّاس سَوَاء مَتى ... مَا اشتبهوا فَالنَّاس أطوار
وَانْظُر إِلَى الْأَحْجَار فِي بَعْضهَا ... مَاء وَبَعض ضمنه نَار ...
وَقَوله ... يَا طالعاً فِي جفوني ... غَائِبا فِي ضلوعي
بالغت فِي السخط ظلما ... وَمَا رحمت خضوعي
إِذا نَوَيْت انْقِطَاعًا ... فاعمل حِسَاب الرُّجُوع ...
وَمن نثره لَا يَتَهَلَّل عِنْد سُؤَاله وَلَا يَأْخُذ رائده من أدبه وَلَا مَاله أَيهَا الغبي المتعثر فِي ذيول جَهله وجاهه الاشوس الطّرف من غير حول الرافع أَنفه دون شمم الساري إِلَى العلياء سرى الْعين الَّذِي لَا يظفر مِنْهُ قاصده المخدوع بِغَيْر التَّعَب والمين وعض الْيَدَيْنِ من دلك على وَمن هداك الي مَتى استعدعيتني إِلَى ربعك وتكلف من التجمل لحضور الْفُضَلَاء مَا لَيْسَ فِي طبعك وَمنا الْعجب مِنْك حِين رغبت عَن كنيف فِي تلطيخ بِطيب بل الْعجب مِمَّن كَانَ فِي طيب فجَاء يتلطخ بكنيف وَكَأَنِّي بك فِي مَنْزِلك العامر بالحرمان الغامر من الْفضل وَالْإِحْسَان وَقد قعدت فِي بهوه ونفخت شخصك الضئيل فِي زهوه وَمِنْه ذُو اللِّحْيَة الطَّوِيلَة والجثة الضئيلة الْوَسخ الأثواب العرى من الْآدَاب الْمُرْسل لِسَانه فِي كل عرض الْآخِذ فِي كل قَبِيح بالطول وَالْعرض
وَمِنْه ثمَّ قلت لي ابدأ بِمذهب أبي حنيفَة أَو بِمذهب امرىء الْقَيْس فكدت وَالله أضرط ضحكاً وَلَا أَخَاف فِي تبعة الْأَدَب دركاً فَاتق الله بستر نَفسك وَلَا تكن فِي غدك أَجْهَل مِنْك فِي أمسك
стр. 83
٥٦ - الأديب أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق الزُّهْرِيّ الْقُرْطُبِيّ
من حفاظ مؤرخي الأندلس وأدبائها جالسته كثيرا فِي إشبيلية ومالقة وَكَانَ وَالِدي يُكرمهُ لحفظه وَالَّذِي فِي ذكري الْآن من شعره قَوْله من قصيدة فِي ذمّ بني هود حِين خلعوا عَن إشبيلية ... كَأَنَّمَا الرَّايَة السَّوْدَاء قد نعبت ... لَهُم غراباً ببين الْأَهْل وَالْولد
مَاتَ الْهدى تحتهَا من فرط رَوْعَته ... فأظهر الدَّهْر مِنْهَا لبسة الكمد ...
عُلَمَاء الفلسفة
٥٧ - سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد ربه الْقُرْطُبِيّ
هُوَ ابْن أخي أبي عمر بن عبد ربه صَاحب العقد ذكره صاعد فِي كتاب طَبَقَات الْأُمَم وَأخْبر أَنه فصد يَوْمًا فَبعث إِلَى عَمه الْمَذْكُور رَاغِبًا فِي الْحُضُور عِنْده فَلم يسعفه فَكتب لَهُ ... لما عدمت مؤانساً وجليسا ... نادمت بقراطاً وجالينوسا
وَجعلت كتبهما شِفَاء تفردى ... وهما الشِّفَاء لكل برح يوسى ...
فجاوبه عَمه ... ألفيت بقراطاً وجالينوسا ... لَا يأكلان ويرزآن جَلِيسا ...
стр. 84
.. فجعلتهم دون الْأَقَارِب جنَّة ... ورضيت مِنْهُم صاحباً وأنيسا
وأظن بخلك لَا يرى لَك تَارِكًا ... حَتَّى تنادم بعْدهَا إبليسا ...
قَالُوا وَكَانَ جميل الْمَذْهَب طيبا شَاعِرًا منقبضاً عَن الْمُلُوك وَهُوَ الْقَائِل ... أَمن بعد غوصي فِي عُلُوم الْحَقَائِق ... وَطول انبساطي فِي مواهب خالقي
وَفِي حِين إشرافي على ملكوته ... أرى طَالبا رزقا إِلَى غير رَازِق ...
وَمن المسهب أَنه كَانَ آيَة فِي فنون الْعلم الْقَدِيم لكنه ثقيل الطلعة سيئ الْأَدَب والمقابلة وَلذَلِك كَانَ عَمه أَبُو عمر يكرههُ وَذكر أَن النَّاصِر المرواني استحضره لينْظر عَلَيْهِ فِي الْعلم الْقَدِيم فقابله من الْكَلَام الْعَاميّ الجلف بِمَا كرهه من أَجله وأبعده
٥٨ - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن الحناط الرعيني الْأَعْمَى الْقُرْطُبِيّ
من المسهب أَن أَبَاهُ كَانَ يَبِيع الْحِنْطَة بقرطبة وَنَشَأ هَذَا الْأَعْمَى نشأة أعانته على أَن بلغ غَايَة من الْعلم الحَدِيث وَالْعلم الْقَدِيم وَكَانَ بَنو ذكْوَان هم الَّذين كفوه مؤونة الدَّهْر وفرغوه للاشتغال بِالْعلمِ وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْمنطق حَتَّى اتهمَ فِي دينه وَنفي عَن قرطبة وَله فِي فراره واستقراره بالجزيرة الخضراء تَحت كنف أميرها مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن حمود قصيدة مِنْهَا
стр. 85
.. تفرغت من شغل الْعَدَاوَة والظعن ... وصرت إِلَى دَار الْإِقَامَة والأمن
أمقتولة الأجفان من دمع حزنها ... افيقي فَإِنِّي قد أَفَقْت من الْحزن
وَمَا عَن قلى فَارَقت تربة ارضكم ... وَلَكِنِّي أشفقت فِيهَا من الدّفن ...
قَالَ وَكَفاك من شعره قَوْله من قصيدة فِي عَليّ بن حمود الْعلوِي ... راحت تذكر بالنسيم الراحا ... وطفاء تكسر للجنوح جنَاحا
مرت على التلعات فاكتست الربى ... حللاً أَقَامَ لَهَا الرّبيع وشاحا
فَانْظُر إِلَى الرَّوْض الأريض وَقد غَدا ... يبكي الغوادي ضَاحِكا مرتاحا
والنور يبسط نَحْو ديمتها يدا ... أهدي لَهَا ساقي الندى أقداحا
وتخاله حييّ الحيا من عرفه ... بدكيه فَإِذا سقَاهُ فاحا
روض يحاكي الفاطمي شمائلاً ... طيبا ومزن قد حَكَاهُ سماحا ...
وَمن نثره زففتها إِلَيْك بنت لَيْلَتهَا عذراء وجلوتها عَلَيْك كَرِيمَة فكرها حسناء تتلفع بحبرة حبرها وتتبجتر فِي شعار شعرهَا مؤتلف بَين رقها ومدادها ومجتمع فِي بياضها وسوادها اللَّيْل إِذا عسعس وَالصُّبْح إِذا تنفس
وَذكر أَن الْوَزير بكر بن ذكْوَان مرض لَهُ ولد جميل طبه ابْن الحناط فَلَمَّا خلا بِهِ يَوْمًا سَأَلَهُ عَن حَاله فضجر الْغُلَام من طول الْعلَّة فَقَالَ أعرف وَالله دَوَاء يريحك قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تقبلني وآتيك بِهِ فاغتاظ الْغُلَام ثمَّ سهل عَلَيْهِ ذَلِك التمَاس الرَّاحَة فَقبله وَقَامَ ليَأْتِيه بالدواء فَقَالَ عمدته خِيَار شنبر وَهَا هُوَ حَاضر وكشف عَن وَقد قَامَ فاغتاط الْغُلَام وضربه بزبدية كَانَت أَمَامه فَخرج هَارِبا وَبَلغت الْحِكَايَة أَبَاهُ فَضَحِك مِنْهَا وتمثل ... كَيفَ يَرْجُو الْحيَاء مِنْهُ جليس ... وَمَكَان الْحيَاء مِنْهُ خراب ...
стр. 86
وَقيل لَهُ كَيفَ كَانَ هِشَام المعتد فَقَالَ يَكْفِي من الدّلَالَة على اخْتِيَاره أَنه استكتبني وَاتخذ ابْن شَهِيد جَلِيسا وَكَانَ ابْن الحناط أعمى وَابْن شَهِيد أَصمّ
وَمن المتين لِابْنِ حَيَّان وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة نعى إِلَيْنَا أَبُو عبد الله بن الحناط الشَّاعِر الأديب الْقُرْطُبِيّ بَقِيَّة الأدباء النحارير فِي الشّعْر هلك بالجزيرة الخضراء فِي كنف الْأَمِير مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن حمود وَكَانَ من أوسع النَّاس علما بعلوم الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَسَائِر التعاليم وَوَصفه بِفساد الدّين وَأَنه ولد أعشى الحملاق ثمَّ طفى نور عَيْنَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ بعد الْقِرَاءَة الْكَثِيرَة فازداد براعة وَكَانَ يتطبب عِنْده الْمُلُوك والخاصة وَقَالَ فِي وَصفه ابْن بسام زعيم من زعماء الْعَصْر وَرَئِيس رُؤَسَاء النّظم والنثر وَبَينه وَبَين أبي عَامر بن شَهِيد مناقضات نظماً ونثراً أشرقت أَبَا عَامر بِالْمَاءِ وَأخذت عَلَيْهِ بفروج الْهَوَاء وَمِمَّا أنْشدهُ لَهُ قَوْله فِي مُخَاطبَة المظفر بن الْأَفْطَس ملك بطليوس ... كتبت على الْبعد مستجدياً ... لعلمي بأنك لَا تبخل
فجَاء الرَّسُول كَمَا اشتهي ... وَقد سَاق فَوق الَّذِي آمل
وَمَا كَانَ وَجهك ذَاك الْجَمِيل ... ليفعل غير الَّذِي يجمل ...
وَقَوله من قصيدة فِي عَليّ بن حمود ... لوينا بأعناق الْمطِي إِلَى اللوى ... وَقد علمتنا البث تِلْكَ المعالم
سقى منبت اللَّذَّات مِنْهَا ابْن هَاشم ... إِذا انهملت من راحتيه الغمائم
إِمَام أَمَام الدّين حد حسامه ... طرير وَمِنْه فِي يَد الله قَائِم ...
стр. 87
ويزهر فِي يمناه زهر من الظبا ... لَهُ من رُءُوس الدارعين كمائم
بِكُل خَمِيس طبق الأَرْض مقعه ... وضيق مسراه الجلاد الصلادم
كَأَن مثار النَّقْع إثمد عينه ... وأشفار جفنيه الشفار الصوارم ...
وَقَوله من قصيدة فِي الْقَاسِم بن حمود يذكر فِيهَا خيران الصقلى وَقتل النرتضى المرواني لما هزمهما صنهاجة على غرناطة ... لَك الْخَيْر خيران مضى لسبيله ... وَأصْبح ملك الله فِي ابْن رَسُوله
وَفرق جمع الْكفْر وَاجْتمعَ الورى ... على ابْن حبيب الله بعد خَلِيله
وَقَامَ لِوَاء النَّصْر فَوق ممنع ... من الْعِزّ جِبْرِيل إِمَام رعيله
وأشرقت الدُّنْيَا بِنور خَليفَة ... بِهِ لَاحَ بدر الْحق بعد أفوله
فَلَا تسْأَل الايام عَمَّا انت بِهِ ... فَمَا زَالَت الْأَيَّام تَأتي بسوله ...
عُلَمَاء التنجيم
٥٩ - عبد الله بن الشمر بن نمير الْقُرْطُبِيّ منجم سُلْطَان الأندلس عبد الرَّحْمَن بن الحكم ونديمه
من المقتبس أَنه كَانَ نَسِيج وَحده مجموعاً لَهُ من الْخِصَال النبيلة مَا فرق فِي عمر من جَمِيع التعاليم وَالْأَدب وَالشعر والنثر وَكَانَ لطيفاً حلواً
стр. 88
يغلب على قلب من شَاهده وَصَحب عبد الرَّحْمَن قبل السلطنة أَيَّام وَالِد الحكم وَلما صَار الْأَمر إِلَيْهِ وفى لَهُ ونادمه
وَذكر عبَادَة أَنه كَانَ قد بشر عبد الرَّحْمَن بِأَن الْأَمر سيصير إِلَيْهِ من جِهَة التنجيم فَلَمَّا كَانَ ذَلِك أحسن جزاءه وأجرى عَلَيْهِ رزقا للشعر وَرِزْقًا للتنجيم وَكَانَ أَيَّام تمكن نصر الخصى من عيد الرَّحْمَن يقل زِيَارَة مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن فَلَمَّا هلك نصر قَالَ شعرًا مِنْهُ ... لَئِن غَابَ وَجْهي عَنْك إِن مودتي ... لشاهدة فِي كل يَوْم تسلم
وَمَا عاقني إِلَّا عَدو مسلط ... يذل ويشجي من يَشَاء ويرغم
وَلم يستطل إِلَّا بكم وبعزكم ... وَمَا بنبغي أَن يمنح الْعِزّ مجرم
فنحمد رَبًّا سونا بهلاكه ... فَمَا زَالَ بِالْإِحْسَانِ والطول ينعم ...
وَذكر عبد الله النَّاصِر فِي كتاب العليل والقتيل أَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن قَالَ يَوْمًا لِابْنِ الشمر على الشَّرَاب مَا فعلت غفيرتك الَّتِي كَانَت جرداء قد صَارَت أخياطها كالعروق فَقَالَ عملت مِنْهَا لفائف لبغيلك الْأَشْهب وَكَانَ حِينَئِذٍ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن لَيْسَ لَهُ مَا يركب إِلَّا البغيل الْمَذْكُور لِأَنَّهُ كَانَ مضيقاً عَلَيْهِ فِي زمَان وَالِده وَكَانَ لَهُ أَخ مرشح للسلطنة وَلم تتسع حَاله حَتَّى هلك أَخُوهُ
وَذكر الرَّازِيّ أَن عبد الرَّحْمَن خرج مرّة لصيد الغرانيق الَّتِي كَانَ مُولَعا بهَا فأبعد وَكَانَ الشتَاء فَقَالَ ابْن الشمر شعرًا مِنْهُ ... لَيْت شعري امن حَدِيد خلقنَا ... ام نحتنا من ضخرة صماء
كل عَام فِي الصَّيف نَحن غزَاة ... والغرانيق غزونا فِي الشتَاء
إِذْ نرى الأَرْض والجليد عَلَيْهَا ... وَاقع مثل شقة بَيْضَاء
وَكَأن الأنوف تجدع منا ... بالمواسى لزعزع ورخاء ... ٠
стр. 89
.. نطلب الْمَوْت والهلاك بإلحا
ح كأنا نشتاق وَقت الفناء ...
وَبدر مِنْهُ مَا أوجب سجنه فَكتب إِلَيْهِ شعرًا مِنْهُ ... قل لمن أَمْسَى بِأَرْض ال ... غرب لِلْخلقِ ربيعا
لَا يضيق لي مِنْك مَا قد ... وسع النَّاس جَمِيعًا ...
وَذكر ابْن حَيَّان أَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن كَانَ مصغياً لأحكام التنجيم وَلم يكن عِنْده فِي المنجمين مثل ابْن الشمر وغض يَوْمًا من علم المنجمين وَقَالَ إِنَّه مخرقة ورجم بِالْغَيْبِ فَأَرَادَ ابْن الشمر أَن يُقيم لَهُ برهانا على صِحَّته بَان قَالَ الامير اختبر فِي مقامك بِمَا شتئت فَقَالَ إِن أنبأتني على أَي بَاب من أَبْوَاب هَذَا الْمجْلس أخرج فِي قيامي صدقت بعلمك فَكتب ابْن الشمر فِي ورقة مختومة مَا اقْتضى لَهُ الطالع ودعا الْأَمِير من فتح لَهُ بَابا مُحدثا فِي غارب الْمجْلس الَّذِي يَلِي مَقْعَده ثمَّ خرج مِنْهُ وَترك الْخُرُوج من أَبْوَاب الْمجْلس الْأَرْبَعَة وَفتح الورقة فَوجدَ فِيهَا مَا فعله الْأَمِير فتعجب وَوَصله وَنزل بفحص السرادق أَعلَى قرطبة وَقد قفل من غزَاة مزعما على الدُّخُول إِلَى قرطبة صَبِيحَة غده فِي تعبئة كَامِلَة فَقَالَ لَهُ ابْن الشمر لتعلم أَنَّك مغلوب على ذَلِك وَلَا بُد لَك اللَّيْلَة من الْمُبين فِي قصرك فَقَالَ وَالله لأدخلنه فَقَالَ وَالله لتدخلنه مكْرها ولأكونن فِي هيئتي شبهك فِي طريقك إِلَيْهِ وسوف ترى فَغَضب ووكل بِهِ وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم مشمساً صائفاً فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دنا الْمسَاء فانهمل من الْمَطَر وهب من الرّيح مَا ضج لَهُ النَّاس وتداعوا للدخول لقرطبة وَلم يجد الْأَمِير بدا من مبادرة قصره وَركب فِي نفر من خاصته وَابْن الشمر إِلَى جَانِبه يسايره فوطئت دَابَّة ابْن الشمر مسمارا فَلم تنهض أَمر لَهُ بفرس من جنائبه بسرجه ولجامه فَرَكبهُ
стр. 90
وشكا نُفُوذ المَاء لغفارته الَّتِي كَانَ يتوفاه بهَا ووصوله إِلَى جسده أَمر لَهُ الْأَمِير بممطر خَز من مماطره وقنزعة من قنازعه صبا عَلَيْهِ فَاسْتَوَى والأمير فِي لبوسه وَمضى يسايره فَلَمَّا نزل قَالَ لَهُ يَا مولَايَ كَيفَ رَأَيْت قولي فَقَالَ انْطلق بِمَا عَلَيْك وتحتك والصلة لاحقة بك وَكتب ابْن الشمر فِي الْحِين رقْعَة فِيهَا ... تحرّك حِين حركه ... لوقت إيابه الْقدر
فيا من دونه الحجا ... ب والأستار وَالْحجر
لَئِن كنت امْرَءًا تخشى ... بَوَادِر زَجره الْبشر
فَمَا يخشاك بهْرَام ... وَلَا زحل وَلَا الْقَمَر ...
وَجعله الحجاري رَئِيس المنجمين بالأندلس إِلَى مَا حباه الله بِهِ حسن الْخلال الَّتِي بِأَقَلِّهَا يبلغ الْكَمَال
عُلَمَاء الموسيقى
٦٠ - اسحاق بن شَمْعُون الْيَهُودِيّ القرطيى
من المسهب أحد عجائب الزَّمَان فِي الاقتدار على الألحان وَكَانَ قد لَازم ابْن باجة وَأحسن الْغناء بِلِسَانِهِ وَيَده وَأخذ طرائق كَثِيرَة عَن كلب النَّار واعتبط شَابًّا وَكَانَ لَهُ نظم رائق كَفاك مِنْهُ قَوْله ... قُم هَات كأسك فالنعيم قد اتسق ... وَالْعود عَن دَاعِي المسرة قد نطق
ولديك من حث الكووس ازهرا ... فِي الْخَزّ يمرح كالأراكة فِي الْوَرق
والزهر زهر والرياض سماوها ... وَالْفَجْر نهر والشقائق كالقدر ...
стр. 91
وَكَانَ كثير الْمقَام على شرب المدام وَهُوَ الْقَائِل ... خبرت الْعَالمين فَلم أجد من ... يثير لي المنى غير المدام
تجلى الْهم عَن فكري وتبدى ... لي اللَّذَّات أجمع فِي نظام
وتطعمني بمالا أرتجيه ... بأحلى من لذاذات الْمَنَام
وَتخرج بِي إِذا واليت حثاً ... بهَا فِي الشّرْب من خلق الطغام
وَلَو أَنِّي أحكم لم اذرها ... تحل بِغَيْر افاق الْكِرَام ...
عُلَمَاء الطِّبّ
٦١ - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قادم الْقُرْطُبِيّ
من المسهب من أطباء قرطبة الْمَشْهُورين فِي الدولة المروانية وَأنْشد لَهُ من قصيدة ... بِأَيّ لِسَان أقتضى شكر نعْمَة ... منت بهَا عفوا وَلم أَتكَلّم
وَقد كَانَ حَالي فِي أخير ذمائه ... فَكنت لَهُ مثل الْمَسِيح ابْن مَرْيَم
ولولاك مَا كَانَ القريض بِنَافِع ... وَلَا كَانَ فِي جيد الْعلَا بمنظم ...
وَله فِي بدأة قصيدة يرثي بهَا وَلَده ... بني بكاك الْجُود وَالسيف والقلم ... وَلَو نستطيع الشهب لم تبد فِي الظُّلم ...
٦٢ - أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن خَليفَة الْقُرْطُبِيّ يعرف بالمصري لطول إِقَامَته بِمصْر
من الذَّخِيرَة شيخ الفتيان وآبدة الزَّمَان وخاتمة أَصْحَاب السُّلْطَان
стр. 92
وَكَانَ رَحل إِلَى مصر واسْمه خامل وسماؤه عاطل فَلم يلبث أَن طَرَأَ على الأندلس وَقد نَشأ خلقا جَدِيدا وَجرى إِلَى النباهة طلقا بَعيدا فتهادتهه الدول وانتهت إِلَيْهِ التفاصيل والجمل وَكلما طَرَأَ على ملك فَكَأَنَّهُ مَعَه ولد وَإِلَيْهِ قصد يجْرِي مَعَ كل أحد ويجول فِي كل بلد وتلون فِي الْعَالم تلون الزَّمَان وتلاعب بملوك الطوائف تلاعب الرِّيَاح بالأغصان حَتَّى ظفر بِهِ الْمَأْمُون بن ذِي النُّون فَشد عَلَيْهِ يَد الضنين وَذكر أَنه اشْتهر بالطب وَكَانَ كثير النادرة حَاضر الْجَواب ووقفت لَهُ على شعر أَكْثَره عاطل من حلية البديع وَلما انصرفت الدولة الذنونية تحيز إِلَى إشبيلية فأنس الْمُعْتَمد بمكانه وَجعل لَهُ حظاً من سُلْطَانه وَذكر أَنه بَقِي بعد خلع الْمُعْتَمد مُشْتَمِلًا على فضل جدة إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة يَوْم الْجُمُعَة منتصف رَجَب
وَذكر ابْن حَيَّان أَنه كَانَ ابْن جَار لَهُ خفاف وَأخذ فِي ذمه وَأنْشد لَهُ فِي المامون ذِي النُّون ... وَقد كَانَ لي فِي مصر دَار إِقَامَة ... وَلَكِن إِلَى الْمَأْمُون كَانَ التشوق
حللت عَلَيْهِ والمكارم جمة ... وسحب العطايا فَوْقهَا تتألق ...
وَقَوله ... الْحبّ دَاء دواؤه الْقبل ... وَالرسل بَين الْأَحِبَّة الْمقل
يَا حفظ الله لَيْلَة سلفت ... حيت ببدر سماؤه الْكل
بيتنا وَرَاح العفاف تلحفنا ... برد وَفَاء والشمل مُشْتَمل ...
стр. 93
.. اثْنَان من شدَّة التعانق قد ... صَارا كفرد بِالروحِ يتَّصل
حَتَّى إِذا غرَّة الصَّباح بَدَت ... وجفنة بالعبير مكتحل
فارقني وَهُوَ خَائِف وَجل ... نشوان من خمرة الصِّبَا ثمل
عَيْنَايَ مِنْهُ قريرة أبدا ... وَالنَّار بَين الضلوع تشتعل ...
ومدح بلقين بن حَمَّاد صَاحب القلعة ومدح باديس بن حبوس صَاحب غرناطة بقصيدة مِنْهَا ... رخست أصُول علاكم تَحت الثرى ... وَلكم على خطّ المجرة دَار
تبدو شموس الدجن من أطواقكم ... وَتفِيض من بَين البنان بحار
إِن المكارم صُورَة مَعْلُومَة ... أَنْتُم لَهَا الأسماع والأبصار
ذلت لكم قمم الْخَلَائق مِثْلَمَا ... ذلت لشعري فِيكُم الْأَشْعَار
فَمَتَى مدحت وَلَا مدحت سواكم ... فمديحكم فِي مدحه إِضْمَار ...
وَقَوله ... أَلا يَا هِنْد قد قضيت حجى ... فهات شرابك الْعطر العجيبا
فقد ذهب ذُنُوبِي فِي طوافي ... فقومي الْآن نقترف الذنوبا
خلطنا مَاء زَمْزَم فِي حشانا ... بِمَاء الْكَرم فامتزجا قَرِيبا ...
وَقَوله ... أَي هِلَال أطل فِينَا ... مطلعه الطوق فِي الْجُيُوب
كحيل طرف ثقيل ردف ... مبسمه اللُّؤْلُؤ الرطيب
يقودنا كَيفَ شَاءَ طَوْعًا ... لِأَن أعوانه الْقُلُوب ...
стр. 94
وَذكر الحجاري ذمّ ابْن حَيَّان لَهُ وَقَالَ مَا كَانَ لَهُ عِنْده ذَنْب إِلَّا جواره فبئس الذمام وَذكر أَنه قصد بعد ابْن ذِي النُّون الْمُعْتَمد بن عباد فَلم يحمده وَكتب لَهُ رِسَالَة بعد انْفِصَاله عَنهُ فِيهَا ... رحلت وَفِي الْقلب جمر الغضا ... وهجري لكم دون شكّ صَوَاب
كَمَا تهجر النَّفس طيب الطَّعَام ... إِذا مَا تساقط فِيهِ الذُّبَاب ...
وذمه ابْن اللبانة فِي كتاب سقيط الدُّرَر لِأَن الْمُعْتَمد بن عباد كَانَ يعظمه ويجزل إحسانه لَهُ فَلَمَّا خلع ظهر مِنْهُ فِي حَقه قلَّة وَفَاء وَادّعى أَن جَارِيَة ولدت من ولد الْمُعْتَمد فِي ملكه وانها غضِبت لَهُ فَأَخذهَا وَمَعَهَا ولد صَغِير من ولد الْمُعْتَمد اسعبده وَصَارَ يصرفهُ فِيمَا يصرف فِيهِ العبيد
وَمن كتاب مصابيح الظلام فِي حلى الناظمين لدر الْكَلَام
٦٣ - أَبُو الأجرب جَعونَة الْكلابِي
من المقتبس أَنه كَانَ مداحاً للصميل وَزِير يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري سُلْطَان الاندلس افنى فِيهِ قوافيه وَكَانَ الصميل قطّ أغْلظ الْقسم على نَفسه أَلا يرَاهُ إِلَّا اعطاه ماحضره فَكَانَ أَبُو الأجرب يعْتَمد إغباب لِقَائِه وَكَانَ لَا يزوره إِلَّا مرَّتَيْنِ فِي الْعِيدَيْنِ وَكَانَ قد هجاه وهجا قومه فَلَمَّا حصل فِي يَده عَفا عَنهُ فنسخ هجوه بمدحه
قَالَ وَكَانَ فَارِسًا شجاعاً يدعى عنترة الأندلس لم يلْحق دولة بني أُميَّة قيل إِنَّه مَاتَ قبل وقْعَة المصارة الَّتِي كَانَت لعبد الرَّحْمَن عَليّ يُوسُف
стр. 95
وَمن الجذوة أَنه جَعونَة بن الصمَّة وَأنْشد لَهُ ... وَلَقَد أَرَانِي من هواي بمنزل ... عَال ورأسي ذُو غدائر أفرع
والعيش أغيد سَاقِط أفنانه ... وَالْمَاء أطيبه لنا والمرتع ...
وَجعله ابْن حزم فِي طبقَة جرير والفرزدق وعصرهما وَذكر الحجاري أَنه من الْعَرَب الطارئين على الأندلس كَانَ يرحل وَيحل بِأَكْنَافِ قرطبة
٦٤ - مُؤمن بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن قيس مولى الْأَمِير عبد الرَّحْمَن المرواني الدَّاخِل
من المقتبس أَنه فَحل شعراء قرطبة كَانَ يهاجي ثَمَانِيَة عشر شَاعِرًا فيعلوهم وَكَانَت آفته التهكم بِالنَّاسِ وتتبع زلاتهم وتمزيق أعراضهم فَرَمَوْهُ عَن قَوس وَاحِدَة ورحل إِلَى الْمشرق فلقي أَبَا تَمام الطَّائِي وروى عَنهُ شعره وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ بالأندلس وَقَرَأَ عَلَيْهِ يَوْمًا أحد المتعلمين قَول حبيب ... أَرض خلعت اللَّهْو خلعي خَاتمِي ... فِيهَا وَطلقت السرُور ثَلَاثًا ...
فَقَالَ لَهُ من سرُور هَذِه أصلحك الله فَقَالَ هِيَ امْرَأَة حبيب وَقد رَأَيْتهَا بِبَغْدَاد
وَحمله طبعه الذميم عل أَن أفسد حَاله عِنْد مستخلصه هَاشم بن عبد الْعَزِيز وَزِير الْأَمِير مُحَمَّد وَلما أسر هَاشم شمت بِهِ وَقَالَ مُخَاطبا أَبَا حَفْص
стр. 96
ابْن عَم هَاشم وعدوه ... تصبح ابا حَفْص على أسر هَاشم ... ثَلَاث زجاجات وَخمْس رواطم
وبح بِالَّذِي قد كنت تخفيه خُفْيَة ... فقد قطع الرَّحْمَن دولة هَاشم ...
وَقَالَ هَذِه القصيدة سرا وصنع على وَزنهَا قصيدته ... مَتى ترجع الْأَيَّام دولة هَاشم ... ويشملها نور الْعلَا والمكارم ...
وَلم يخف على هَاشم وبنيه قصيدة الشماتة فَلَمَّا عَاد هَاشم إِلَى وزارته وخلص من الْأسر نصب لَهُ حبائل السّعَايَة عِنْد الْأَمِير مُحَمَّد حَتَّى أَطَالَ حَبسه الَّذِي أدّى بِهِ إِلَى الهلكة وَلم يفده مَا أطاله فِي حَبسه من النّظم والنثر وَأكْثر التشفع بجد هَاشم مُحَمَّد بن جهور فَلم يفده فأقذع فِي هجائه وَفِي أبي حَفْص الْمُتَقَدّم الذّكر يَقُول ... أخاطر فِي هوى عمر برأسي ... أَلَيْسَ أعز من رَأْسِي عليا ...
وَلما كسر أهل سجن قرطبة السجْن وفروا مِنْهُ رغب مُؤمن عَن الْفِرَار وَظن أَن ذَاك يخلصه فَلَمَّا وقف هَاشم بِبَاب الْحَبْس لمعاينة من فِيهِ وَالنَّظَر فِي أمره خرج إِلَيْهِ مُؤمن واستعطفه فَلم يلْتَفت اليه وَأوصى السجان بإيصاده فَقتله الْيَأْس إِلَى سِتَّة أَيَّام لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع خلون من رَجَب سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
وَجعله الحجاري دعبل الأندلس
وَأنْشد لَهُ الْحميدِي ... حرمتك مَا عدا نظرا مضرا ... بقلب بَين أضلاع مُقيم
فعيني مِنْك فِي جنَّات عدن ... مخلدة وقلبي فِي الْجَحِيم ...
стр. 97
٦٥ - مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز العتيبي
من المسهب أَنه من نبهاء شعراء دولة الامير مُحَمَّد وَكَانَ مَخْصُوصًا بالقاسم من الامير مُحَمَّد كَمَا كَانَ مومن بن سعيد مَخْصُوصًا بِمسلمَة بن الْأَمِير مُحَمَّد وَكَانَ بَينهمَا مهاجاة
وَله حكايات مَعَ الْقَاسِم مِنْهَا أَنه نَاوَلَهُ قدحاً كَبِيرا ليشربه من يَده فَقَامَ وَاقِفًا وصب الْقدح فِي حلقه من غير أَن يُبَاشر شفة الكأس فَأمر أَن يمْلَأ لَهُ دَنَانِير
وَأنْشد ... إِذا نفخ النسيم فَقُمْ وباكر ... رياض النَّهر والأنداء تهمى
وَلَا تشرب بَنَات الْكَرم إِلَّا ... على روض ند وَبَنَات كرم ...
٦٦ - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَسْعُود الْقُرْطُبِيّ
من الذَّخِيرَة كَانَ ظريفاً فِي أمره كثير الْهزْل فِي نظمه ونثره وَأرَاهُ فِيمَا انتحاه تقيل منهاج ابْن حجاج بالعراق فضاقت ساحته وَقصرت رَاحَته وأعياه الصَّرِيح فمذق وَلم يحسن الصهيل فنهق وَمِمَّا أنْشد لَهُ ... وَخَرجْنَا كَمَا دَخَلنَا بِلَا فل ... س وَلَكِن ربحت صفع قفاء
مد فِي ذَا الْمَكَان ذَا الْحَرْف لما ... مده صفع ظَالِم ذِي اعتداء ...
وَجعله الحجاري من مشهوري شعراء الْمِائَة الْخَامِسَة
стр. 98
٦٧ - أَبُو بكر يحيى بن سعدون بن تَمام الْأَزْدِيّ الْقُرْطُبِيّ
كَانَ عِنْدِي من الشُّعَرَاء ثمَّ وقفت على ذكره فِي خطّ الصاحب كَمَال الدّين بن أبي جَرَادَة وَوَصفه بِأَنَّهُ كَانَ مقرئاً نحوياً وَأَنه سمع الحَدِيث بقرطبة على أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عتاب وَدخل حلب وأقرأ بهَا ورحل إِلَى الْموصل وَدخل أصفهان وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة بالموصل وَذكر ابْن عَسَاكِر أَنه توفّي يَوْم الْجُمُعَة سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَأنْشد لَهُ الصاحب ... عرج على منزل الأحباب يَا حادي ... ببا ابزر حَيْثُ الْكَوْكَب الْهَادِي
لَعَلَّنَا نَلْتَقِي لَيْلًا بهم وَعَسَى ... نلقي إِلَيْهِم حَدِيثا لَيْسَ بالبادي
يَا حادي العيس لَا تعجل وَهَا كَبِدِي ... ودمع عَيْني عَن مَاء وَعَن زَاد ...
٦٨ - أَحْمد بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الخزرجي الْقُرْطُبِيّ
ذكر لي أَنه من شعراء قرطبة الَّذين رحلوا إِلَى الْمشرق وأنشدت لَهُ ... من لي بِهِ ذُو صلف زَائِد ... يمطلني ناظره ديني
وَكلما وافيته طَالبا ... ألفيته منكسر الْعين ...
стр. 99
ثمَّ وقفت على ذكره فِي خطّ الْكَمَال بن الشعار المؤرخ مَوْصُوفا بالتفنن فِي الْعُلُوم الْكَثِيرَة وَأَنه صنف كتبا فِي الطِّبّ والنحو وأصول الدّين وَكَانَ شافعياً وَسكن دنيسر وانتفع بِهِ أَهلهَا وَبهَا مَاتَ سنة إِحْدَى وسِتمِائَة
قَالَ وأنشدني لَهُ أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الصفار المارديني الْكَاتِب الشَّاعِر بإربل قَالَ أَنْشدني أَبُو الْعَبَّاس الخزرجي لنَفسِهِ ... وَفِي الوجنات مَا فِي الرَّوْض لَكِن ... لرونق زهرها معنى عَجِيب
وأعجب مَا التَّعَجُّب مِنْهُ أَنِّي ... أرى الْبُسْتَان يحملهُ قضيب ...
وَقَوله ... ونمت بِنَا فِي اللَّيْل أنوار وَجهه ... فَمد علينا من ذوائبه سترا ...
٦٩ - أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن خروف الْقُرْطُبِيّ
شَاعِر مَشْهُور فِي الغرب والشرق مدح بسبتة ملكهَا إِدْرِيس بن يُوسُف ابْن عبد الْمُؤمن بقصائد مِنْهَا قَوْله من قصيدة فِي وصفهَا ... خُذْهَا إِلَيْك عروساً لَا كفاء لَهَا ... تزيد جدَّتهَا مَا دَامَت الحقب
عذراء أخجلها مَا فِيك من عظم ... حَتَّى لكادت من العلياء تنتقب
إِن لم تكن أحرزت من رَبهَا حسباً ... فَإِن مدحك فِي أَثْنَائِهَا حسب ...
стр. 100
ومدح بمراكش وزيرها أَبَا سعد بن جَامع بقصيدة مِنْهَا ... ضمنت لعَيْنِي يَوْم لحت لأفقها ... بِأَن لَا ترى وَجها من الدَّهْر يسود ...
وَمن مَشْهُور شعره قَوْله ... لَا تظهرن صفاء ... وَلَا لمن تصطفيه
لَوْلَا صفاء زجاج ... لم ينظر الْبَوْل فِيهِ ...
وَقَوله ... وَكَانَ غَرِيب الْحسن قبل عذاره ... فَلَمَّا التحى صَار الْغَرِيب المصنفا ...
وَقَوله وَهُوَ من المرقصات فِي راقص ... ومنوع الحركات يلْعَب بالنهى ... لبس المحاسن عِنْد خلع لِبَاسه
متأوداً كالغصن وسط رياضه ... متلاعباً كالظبي عِنْد كناسه
بِالْعقلِ يلْعَب مُقبلا أَو مُدبرا ... كالدهر يلْعَب كَيفَ شَاءَ بناسه
وَيضم للقدمين مِنْهُ رَأسه ... كالسيف ضم ذبابه لرئاسه ...
وَأنْشد لَهُ صَفْوَان فِي زَاد الْمُسَافِر فِي غُلَام ضَربته قَوس فِي فَمه ... لَا زرت يَا زوراء كف حلاحل ... يَوْم الْهياج وَلَا رميت نبالاً
نازعت عِنْد الرمى مقلة شادن ... تصمى الْقُلُوب وَلَا تغب نزالاً
فقرعت مبسم ثغره حسداً لَهُ ... لما غَدا بَدْرًا وَكنت هلالا
فبدت جمانة سنة مرْجَانَة ... وَغدا قراح رضابه جريالا ...
стр. 101
وَقَوله ... بني الْمُغيرَة لي فِي حيكم رشأ ... ظلال سمركم تغنيه عَن سمر
يزهى بِهِ فرس الْكُرْسِيّ من بَطل ... بإبرة هِيَ مثل الهدب من شفره
كَأَنَّهَا فَوق ثوب الْخَزّ جائلة ... شهَاب رجم جرى والنجم فِي أَثَره ...
وَقَوله ... مَا راق غير طرف ... قصر فِي الْعَدو بالظليم
ذى نقط كَالنُّجُومِ تبدو ... فِي جنح ليل لَهُ بهيم ...
وَقَوله ... تبلج صبح الذِّهْن عِنْدِي نيراً ... فغارت من الْأَمْوَال شهب عواتم
وَلَو كَانَ ليل الْجَهْل عِنْدِي حالكاً ... للاحت بِهِ مثل النُّجُوم الدَّرَاهِم ...
وأنشدت لَهُ ... مثلي يُسمى أريباً ... مثلي يُسمى أديباً
مَتى وجدت كثيباً ... غرست فِيهِ قَضِيبًا
وَلَا أُبَالِي خصيبا ... لاقيته أم جديبا ...
واستدعاه ابْن لهيب لدَعْوَة لم يرضها فَقَالَ ... دَعَاني ابْن لهيب ... دُعَاء غير نبيه
إِن عدت يَوْمًا إِلَيْهِ ... فوالدي فِي أَبِيه ...
وَقَالَ فِي حلب شعرًا مِنْهُ ... حلبت الدَّهْر أشطره ... وَفِي حلب صفا حَلَبِيّ ...
стр. 102
وَقدر أَن منيته كَانَت فِي حلب بقلعتها وَقد حضر فِي لَيْلَة لسَمَاع الْوَاعِظ تَاج الْعلَا الشريف فَخرج للإراقة فَسقط فِي جب طَعَام فَمَاتَ فِيهِ فِي سنة عشر وسِتمِائَة
وَكَانَ قد مدح أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَيَّاش كَاتب الحضرة بمراكش فَأعْطَاهُ شَيْئا لم يرضه فاغتاظ ورده وَقَالَ ... مدحت ابْن عَيَّاش فجدد لي الَّذِي ... حباني بِهِ مَا قد تناسيت من كربي
رددت إِلَيْهِ عظمه لأسره ... وَأَقْبَلت أمحو كل مَا كَانَ فِي قلبِي
وأصبحت أسمو للمشارق طالعاً ... لِأَنِّي رَأَيْت الشَّمْس تنحط فِي الغرب ...
ورحل إِلَى الْمشرق
٧٠ - أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن شطرية الْقُرْطُبِيّ
سَابق فِي حلبة شعراء الْمِائَة السَّابِعَة اعتبط شَابًّا وَله فِي نَاصِر بني عبد الْمُؤمن قصائد جليلة مِنْهَا قصيدته الَّتِي مدحه بهَا حِين جَازَ إِلَى الأندلس ... كَذَا يشرف الطالع الأسعد ... ويسمو لأملاكه السَّيِّد
ويرعى أقاصي أقطاره ... قريب لَهُ عَزمَة تبعد
إِذا جمعت فكرها للوغى ... تفرق من سربه الفرقد ...
وَمِمَّا اخترته من شعره قَوْله ... رَأَوْا ميلًا فِي قدره فتباشروا ... وَقَالُوا اجنه مهما تمايل وارجحن
وَمَا علمُوا أَن الْهلَال وَقد غَدا ... ممالاً بعيد لَا ينَال مدى الزَّمن
وَقَالُوا أتخشى فَتْرَة فِي جفونه ... فَقلت أما تخشى من الفترة الْفِتَن ...
стр. 103
وَقَوله ... ستر الصُّبْح بطره ... وجلا اللَّيْل بغره
وَأرى من وَجهه فِي ... قده غصناً وزهره
كمل الله لدينا ... من محياه المسره
كعبة لِلْحسنِ فِي ك ... ل فؤاد مِنْهُ جمره
جَاءَنِي كالظبي فِي أش ... راكه إِذْ حل شعره
مبدياً وَجها كَأَن الل ... يل يجلو مِنْهُ بدره
وَمضى عني وَلَكِن ... بعد مَا خلف نشره
فتراني فِي افتضاح ... كلما أخفيت سره ...
وَقَوله ... انْظُر إِلَى النَّهر الَّذِي ... لَا يَنْقَضِي خفقانه
أمواجه فِي دوحه ... ماجت بهَا أشجانه
مرحت بِهِ فِي ملعب ... مترادف فرسانه
امشى جموحاً إِذْ غَدا ... بيد النسيم عنانه
قد درعته الرّيح إِذْ ... طعنت بِهِ أغصانه ...
وَقَوله ... وَفِي بنرجسة وطر ... ف الشَّمْس يغمصه المغيب
فَكَأَنَّمَا حتم عَليّ ... هـ لُزُوم عين من رَقِيب ...
وَقَوله ... يَا مُنْكرا ذكر من أهواه حِين جلا ... كأس المدام على عَيْني ونظمها
لَوْلَا الَّذِي فِي كؤوس الراح من حبب ... يَحْكِي ثناياه مَا قبلت مبسمتها ...
стр. 104
وَقَوله ... أيا مانعى فِي يقظة وَهُوَ باذل ... إِذا النّوم أعماني لكل وصال
وددت بِأَن الدَّهْر أجمع لَيْلَة ... لِأَنِّي لَا أحظى بِغَيْر حِيَال ...
٧١ - أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن قادم الْقُرْطُبِيّ
بَيت بني قادم مَشْهُور بقرطبة وَقد تقدم فِي الْأَطِبَّاء مِنْهُم أَبُو عبد الله بن قادم وجد أبي جَعْفَر لأمه أَبُو جَعْفَر الوزغي الأديب الْمَشْهُور
وَكَانَ أَبُو جَعْفَر بن قادم آيَة فِي الشّعْر والتوشيح أولع النَّاس بِغُلَام صقيل الخد أَو بغلامة قَائِمَة النهد اجْتمع بِهِ عمي يحيى بقرطبة واستنشده من شعره فَأكْثر من ذكر الغلمان والجواري فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا جَعْفَر كَأَنَّك وكلت على التغزل فِي الغلمان والجواري فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا جَعْفَر كَأَنَّك وكلت على التغزل فِي الغلمان والجواري فَقَالَ على الْفَوْر فترى أَنْت يَا سَيِّدي من الرَّأْي أَن اقصر نظمي غلى كل تَيْس مثل سَيِّدي وأشباهه قَالَ فكدت وَالله أَمُوت من الضحك وعذرته فَإِنِّي كنت كَمَا وصلت من السّفر ولي لحية كَبِيرَة ضخمة وعَلى حلية الجندية وَلَيْسَ لي عبارَة الأدباء وَمِمَّا اخترته مِمَّا كتبه عَنهُ من شعره قَوْله وَقد جلس مَعَ ندماء فِي جنَّة يشقها نهر فرى أحدهم فِيهِ بطبق ورد نثره عَلَيْهِ ... يَا حبذا الرَّوْض النَّضِير يشقه الن ... هر الَّذِي من فَوْقه الْورْد افترق
شبهته بالأفق شقّ ظلامه ... نهر الصَّباح وَفَوق قطع الشَّفق ...
وَقَوله ... بِأبي وَغير أبي غري ... ب اللَّوْن يخجل فِي الْكَلَام
مَاء الشَّبَاب بِوَجْهِهِ ... يُبْدِي لنا مزج المدام
خيلانه كحبابها ... ولثامه بدل الْفِدَام
ألْقى بِهِ كسحابة ... سفرت عَن الْبَدْر التَّمام ...
стр. 105
.. وفى لنا ألفا وكل ... م فانثنى أدباً كَلَام
فثمت مِنْهُ موطئ الن ... عل الَّذِي فَوق الرغام
وطفقت أملأ جَانِبي ... هـ من اعتناق واستلام
فكأنني قد طفت من ... هـ هُنَاكَ بِالْبَيْتِ الْحَرَام
ووردت زَمْزَم كوثر ... ولثمت أَرْكَان الْمقَام
وَأَنا أميله ويأ ... بى قده إِلَّا قوام
كالبان تعطفه فَإِن ... خليته فِي الْحِين قَامَ
يَا خصره يَا جيده ... كم من وشاح أَو نظام
متكل بهما اعتنا ... قي عِنْد مَا يرخى الظلام
يَا عاذلي كم ذَا تلِي ... م بِمَا تزخرف من ملام
وَتقول لي مَاذَا يَفِي ... د الْمهْر من دون اللجام
والغصن إِن لم يبد فِي ال ... أوراق خلته الْحمام
هُوَ مَا علمت قريب عه ... د بالمهاد وبالفطام
لَا يعرف الْحِيَل الَّتِي ... جمعت لمن خبر الْأَنَام
غر شققت حجابه ... عَنهُ كَمَا انْشَقَّ الكمام
لم يدر قبلي مَا الصدو ... د وَلَا الْوِصَال والغرام
قد الحسام فَإِن يجز ... هـ صَار يصلح للحسام ...
ورثاه وَالِدي بقصيدة أَولهَا ... عَلَيْك سَلام الله قبر ابْن قادم ... على بعد دَاري مودعاً فِي الغمائم ...
٧٢ - أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن رِفَاعَة الْقُرْطُبِيّ
من مشهوري شعراء قرطبة فِي الْمِائَة السَّابِعَة وَهُوَ أَيْضا مِمَّن اعتبط شَابًّا اجْتمع بِهِ عمي يحيى كتب عَنهُ مَا مِنْهُ قَوْله وَهُوَ كَاف فِي الدّلَالَة على جلالة قدره
стр. 106
.. ضربت عَلَيْك المكرمات رواقها ... وثنت عَلَيْك المعلوات نطاقها
أوسعت أَبنَاء الزَّمَان مَكَان مَا ... قد كَانَ قبلك عَن سواهُم عاقها
فَلَو الحمائم أفصحت لمسائل ... زعمت بأنك ملبس أطواقها ...
وَمن = كتاب ذهبية الْمسَاء فِي حلى النِّسَاء
٧٣ - مهجة بنت التياني القرطبية
من المسهب أَن أَبَاهَا كَانَ يَبِيع التِّين وَكَانَت هِيَ تدخل عِنْد ولادَة بنت المستكفي الشاعرة وَكَانَت من أجمل نسَاء زمانها وأخفهن روحاً فعلقت بهَا ولادَة ولزمت تأديبها إِلَى أَن صَارَت شاعرة وهجت ولادَة وَزَعَمت أَنَّهَا ولدت وَلَيْسَ لَهَا بعل فَقَالَت مَا نقص عَنهُ ابْن الرُّومِي ... ولادَة قد صرت ولادَة ... من دون بعل فَضَح الكاتم
حكت لنا مَرْيَم لكنه ... نَخْلَة هذي ذكر قَائِم ...
قَالَ وَمِمَّا تقدّمت بِهِ فحول الذكران قَوْلهَا ... لَئِن حلأت عَن ثغرها كل حائم ... فَمَا زَالَ يحمي عَن مطالبه الثغر
فَذَلِك تحميه القواضب والقنا ... وَهَذَا حماه من لواحظها السحر ...
الْحلَّة من = كتاب الإحكام فِي حلى الْحُكَّام
أول من ذكره أَبُو عبد الْملك أَحْمد بن عبد الْبر فِي كتاب الْقُضَاة مُعَاوِيَة بن صَالح قَاضِي عبد الرَّحْمَن المرواني أول سلاطينهم بالأندلس وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي السلك وَنَذْكُر هُنَا بعده من ولى قَضَاء الْجَمَاعَة
стр. 107
بقرطبة إِلَى أَن انْتقل قطب الْإِمَامَة إِلَى مَدِينَة الزهراء ثمَّ نذْكر قُضَاة الْفِتْنَة حِين عَاد القطب إِلَى قرطبة وَخرجت الزهراء والزاهرة
٧٤ - نصر بن طريف مولى عبد الرَّحْمَن المرواني الدَّاخِل
من كتاب ابْن عبد الْبر أَنه تربى مَعَه وتأدب بأدب الْمُلُوك وَاسْتحق عِنْده خطة الْقَضَاء لما كَانَ خير أهل زَمَنه فَكَانَ يستقضيه عَاما وَمُعَاوِيَة بن صَالح عَاما وَتُوفِّي فِي مُدَّة هِشَام أول ولَايَته
٧٥ - مُصعب بن عمرَان
من كتاب ابْن عبد الْبر أَنه شَامي الأَصْل دخل الأندلس فِي مُدَّة عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل وَكَانَ راوية عَن الْأَوْزَاعِيّ لَا يتقلد مذهبا وَيقْضى بِمَا يرَاهُ صَوَابا وَكَانَ خيرا وسجل على أحد رجال الْأَمِير هِشَام فِي دَار أخرجه عَنْهَا فَشَكَاهُ إِلَى الْأَمِير وطمع أَن يَأْمُرهُ بحله فَقَالَ الْأَمِير وَالله لَو سجل عَليّ فِي مقعدي هَذَا لَخَرَجت عَنهُ أقره الحكم بعد أَبِيه هِشَام حَتَّى مَاتَ مُصعب
٧٦ - أَبُو بكر مُحَمَّد بن بشير الْمعَافِرِي
من كتاب ابْن عبد الْبر انه ولاه الْحَكِيم بعد وَفَاة مُصعب وَهُوَ من أهل باجة رَحل وَحج وَسمع علما كثيرا كَانَ يكْتب لأحد الوزراء
стр. 108
فَأَشَارَ بِهِ على الحكم فاستدعاه فَمر فِي طَرِيقه بعابد كَانَ لَهُ صديقا فَأخذ مَعَه فِي أمره فَقَالَ لَهُ العابد اصدقني فِي ثَلَاثَة أَسأَلك عَنْهَا كَيفَ مدح النَّاس وذمهم من قَلْبك وَكَيف حبك فِي أَن يخدمك الفتيان وتكثر بَين يَديك الألوان وَكَيف حبك للباس الْحسن وركوب الفاره فَقَالَ ابْن بشير أما مدح النَّاس وذمهم فَمَا أُبَالِي من مدحني أَو ذمني فِي الله وَأما أَن تخدمني الفتيان وتكثر بَين يَدي الألوان فَمَا أجد قلبِي يتوق إِلَى ذَلِك وَلَا يشتهيه وَأما الرّكُوب واللباس فَمَا أفضل على ملبسي ومركوبي شَيْئا سواهُ أبدا قَالَ فاقبل الْقَضَاء وَلَا بَأْس عَلَيْك فَلَمَّا وصل قبل الْقَضَاء على ثَلَاثَة شُرُوط نَفاذ الحكم على كل أحد وَإِذا ظهر لَهُ الْعَجز من نَفسه أعفى وَأَن يكون رزقه من الْفَيْء وَكَانَ يدْخل الْمَسْجِد وَعَلِيهِ رِدَاء معصفر وحذاء صرار ولمة مسرحة مدهونة فيخطب على الْمِنْبَر فَإِذا رام أحد من دينه شَعْرَة فالثريا أقرب إِلَيْهِ وَكَانَ لَا يجالسه أحد إِذا قعد للْقَضَاء وَلَا يكالمه وَلَا يسايره وَلَا يَخْلُو بِهِ فِي دَاره وَله طوابع من وقف عَلَيْهَا بَادر إِلَى مجْلِس الحكم وَاحْتَاجَ سعيد الْخَيْر بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل إِلَى شَهَادَة سُلْطَان الأندلس الحكم وَهُوَ ابْن أَخِيه فَردهَا القَاضِي فَركب إِلَى ابْن أَخِيه وَقَالَ الْيَوْم ذهب سلطاننا من الأندلس قاضيك الَّذِي وليته يرد شهاتك فَقَالَ القَاضِي رجل صَالح فعل مَا يجب عَلَيْهِ وَلست اعارضه
أول سجل سجل بِهِ على الْوَزير الَّذِي سعى فِي ولَايَته فَشَكَاهُ إِلَى الحكم فَقَالَ لَهُ أَنْت اخترته وَلَكِن امْضِ إِلَيْهِ فِي منزله فَإِن أوصلك إِلَى نَفسه وَخرج إِلَيْك فقد جعلت عَزله بِيَدِك فَلَمَّا اسْتَأْذن عَلَيْهِ خرج إِذن القَاضِي بِأَن يصل إِلَى مجْلِس الحكم وَرجع الْوَزير خائباً فَأرْسل لَهُ وَالله لأطلبن دمك فَكَانَ جَوَاب القَاضِي أما أَنا فلست أَقتلهُ إِلَّا بقلمي فَزَاد غِبْطَة عِنْد الحكم وَكَانَ بَقِي بن مخلد يثني عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُ فِي قَضَاهُ حقائق لَا يقارن فِيهَا إِلَّا بِمن تقدم من صدر هَذِه الْأمة واستحقت
стр. 109
أم ولد عِنْد الحكم فألزمه ابْن بشير أَدَاء ثمنهَا إِلَى مستحقها وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَتِسْعين مائَة
٧٧ - أَبُو الْقَاسِم الْفرج بن كنَانَة
ذكر ابْن عبد الْبر أَن الحكم استقضاه بعد وَفَاة ابْن بشير وَكَانَ خيرا فَاضلا ذَا وقار وسمت يعظم بهما فِي الْعُيُون والقلوب واستعفى الحكم فَعَزله
٧٨ - أَبُو مَرْوَان عبيد الله بن مُوسَى
من = كتاب ابْن عبد الْبر أَن الحكم ولاه أول سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَن مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَطلب الاستعفاء فَلم يعفه وَقَالَ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمِير يجور وَالْقَاضِي يجور فَأَيْنَ يجد النَّاس الرَّاحَة توفّي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ
٧٩ - أَبُو مُحَمَّد حَامِد بن يحيى
من الْكتاب الْمَذْكُور أَن الحكم ولاه بعد عبيد الله إِلَى أَن توفّي الحكم وَتُوفِّي فِي أول مُدَّة عبد الرَّحْمَن بن الحكم سنة سبع وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت فتيا قُضَاة الحكم تَدور عل زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن وَعِيسَى بن دِينَار وَيحيى بن حصن
٨٠ - أَبُو نجيح مسرور بن مُحَمَّد
من الْكتاب الْمَذْكُور استقضاه عبد الرَّحْمَن سنة سبع وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ من موَالِيه أحسن السِّيرَة وخطب فِي الاستقساء فَقَالَ يَا أَيُّوب البلوطي عزمت عَلَيْك حَيْثُ كنت لتقومن
стр. 110
فَلم يقم إِلَيْهِ إِلَّا بعد أَن أقسم عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَة وَقَالَ يَا هَذَا أشهرتني أما كنت أَدْعُو حَيْثُ أَنا ثمَّ رفع رَأسه القَاضِي فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا نستشفع إِلَيْك بوليك هَذَا وألح بِالدُّعَاءِ وَكثر الضجيج والبكاء فَلم ينصرفوا إِلَّا وأحذيتهم فِي أَيْديهم من كَثْرَة الْمَطَر وَطلب أَيُّوب بعد ذَلِك فَلم يُوجد
٨١ - أَبُو عُثْمَان سعيد بن سُلَيْمَان
من الْكتاب الْمَذْكُور أَصله من فحص البلوط وَكَانَ عَم سُلَيْمَان بن أسود القَاضِي وَكَانَ صليباً مهيباً خطب بِخطْبَة وَاحِدَة طول أَيَّامه لم يبدلها وَخرج إِلَى الاسستقساء فَلَمَّا بَدَأَ خنقته الْعبْرَة فَلم يكمل الاسْتِسْقَاء وَصلى وَانْصَرف فسقى النَّاس فِي ذَلِك النَّهَار وَولى الْقَضَاء مرَّتَيْنِ لعبد الرَّحْمَن بن الحكم
٨٢ - أَبُو بكر يحيى بن معمر
من الْكتاب الْمَذْكُور اصله من اشبيليه استقدمه عبد الرَّحْمَن وولاه الْقَضَاء وَكَانَ صَالحا وَقدم لَيْلَة عيد وَكَانَت تُوضَع للْإِمَام عنزة فِي الْمصلى فباكر أهل الدهاء وَالْحَرَكَة وَاصْطَفُّوا إِلَى العنزة ليختبروا خطبَته وينتقدوا عَلَيْهِ فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم عرف بهيئاتهم أَنهم بِالصّفةِ الَّتِي كَانُوا بهَا فَقَالَ للقومة إِنِّي أرى النَّاس قد تزاحموا مقدموا هَذِه العنزة ليتسعوا فقدموها وطاش أوساط النَّاس احداثهم يتقدمون كباً وجرياً مَعَ العنزة وتثاقل أُولَئِكَ عَن الخفوف فَصَارَ حول القَاضِي من لَا مئونة عَلَيْهِ مِنْهُم
следующие страницы →