Полный текст (661 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
من الالمانيين ثمَّ اجتاز هَذَا الْجَيْش نهر الدانوب وعسكر حول مَدِينَة نيكوبلي لمحاصرتها فَسَار اليهم السُّلْطَان بايزيد وَمَعَهُ مِائَتَا الف مقَاتل بهم كثير من اهالي الصرب تَحت قيادة اميرهم اسطفن بن لازار وَغَيرهم من الامم المسيحية الخاضعة لسلطان العثمانيين وَقَاتلهمْ قتالا عنيفا فِي يَوْم ٢٣ ذِي الْقعدَة سنة ٧٩٨ ٢٧ سبتمبر سنة ١٣٩٦ كَانَت نتيجتها انتصار العثمانيين على الجيوش المتألبة عَلَيْهِم واسر كثير من اشراف فرانسا مِنْهُم الكونت دي نيفر نَفسه وَقتل اغلبهم واطلق سراح الْبَاقِي والكونت دي نيفر بعد دفع فدَاء اتّفق على مِقْدَاره وَيُقَال ان السُّلْطَان بايزيد لما اطلق سراح الكونت دي نيفر وَكَانَ قد الزم بالقسم على ان لَا يعود لمحاربته قَالَ لَهُ اني اجيز لَك ان لَا تحفظ هَذَا الْيَمين فانت فِي حل من الرُّجُوع لمحاربتي اذ لَا شَيْء احب الي من محاربة جَمِيع مسيحي اوروبا والانتصار عَلَيْهِم
هَذَا وَقد شدد الْحصار بعد ذَلِك على مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَوْلَا اغارة الموغول على بِلَاد آسيا الصُّغْرَى لتمكن من فتحهَا لَكِن الامور مَرْهُونَة باوقاتها فَاكْتفى بابرام الصُّلْح مَعَ ملكهَا هَذِه الْمرة بِشَرْط دفع عشرَة آلَاف ذهب سنويا من عملة وَقتهَا وان يُجِيز للْمُسلمين ان يبنوا بهَا جَامعا لاقامة شَعَائِر الدّين الحنيف وان تُقَام لَهُم محكمَة شَرْعِيَّة للنَّظَر فِي قضايا المستوطنين بهَا مِنْهُم
стр. 107
اغارة تيمورلنك على آسيا الصُّغْرَى
وَسبب اغارة تيمورلنك التتري الموغولي على الدولة العثمانية ان امير بَغْدَاد وَالْعراق الْمَدْعُو احْمَد جلاير التجأ إِلَى السُّلْطَان بايزيد حينما هاجمه الموغول فِي بِلَاده فارسل تيمورلنك إِلَى السُّلْطَان بِطَلَبِهِ فابى تَسْلِيمه اليه فَأَغَارَ تيمور بجيوشه الجرارة على بِلَاد آسيا الصُّغْرَى وافتتح مَدِينَة سيواس بارمينيا واخذ ابْن السُّلْطَان بايزيد الْمَدْعُو ارطغرل اسيرا وَقطع راسه وَلذَلِك جمع السُّلْطَان بايزيد جيوشه وَسَار لمحاربة تيمور الاعرج فتقابل الجيشان فِي سهل انقره واستمرت الْحَرْب من قبل شروق الشَّمْس إِلَى بعد غُرُوبهَا واظهر السُّلْطَان خلالها من الشجَاعَة مَا بهر الْعُقُول وادهش الاذهان وَلَكِن ضعف جَيْشه بفرار فرق آيدين ومنتشا وصاروخان وكرميان وانضمامها إِلَى جيوش تيمور لوُجُود اولاد امرائهم الاصليين فِي معسكر التتار وَلم يبْق مَعَ السُّلْطَان الا عشرَة آلَاف انكشاري وعساكر الصرب فحارب مَعَهم طول النَّهَار حَتَّى سقط اسيرا فِي ايدي الموغول هُوَ وَابْنه مُوسَى وهرب اولاده سُلَيْمَان وَمُحَمّد وَعِيسَى وَلم يُوقف لِابْنِهِ الْخَامِس مصطفى على اثر وَكَانَ ذَلِك فِي ١٩ ذِي الْحجَّة سنة ٨٠٤ ٢٠ يوليو سنة ١٤٠٢ م فعامل تيمورلنك اسيره بايزيد بِالْحُسْنَى واكرم مثواه لكنه شدد فِي المراقبة عَلَيْهِ نوعا بعد ان شرع فِي الهروب ثَلَاث مَرَّات وَضبط وَيُقَال انه سجنه فِي قفص من الْحَدِيد حَتَّى مَاتَ فِي ١٥ شعْبَان سنة ٨٠٥ ١٠ مارس سنة ١٤٠٣ م وعمره ٤٤ سنة وَمُدَّة حكمه ١٣ سنة وَهَذِه رِوَايَة نقلهَا بعض مؤرخي الافرنج بِدُونِ ترو وَذَلِكَ ان بايزيد رغب ان يسير
стр. 108
مَعَ جَيش تيمورلنك فِي تختروان يحملهُ حصانان ومقفلة شبابيكه بقضبان من حَدِيد وَلكَون بعض مؤرخي التّرْك اطلق على التختروان لفظ قفص ظن بعض المترجمين من الافرنج انه وَضعه فِي قفص كَمَا تُوضَع الوحوش الكاسرة وَنقل هَذِه الرِّوَايَة على علاتها كثير من الْمُتَقَدِّمين لَكِن لما تقدم علم التَّارِيخ وترجمت التواريخ التركية اصلح متأخرو المؤرخين خطأهم واجمعوا على انه لم يَضَعهُ فِي قفص مُطلقًا رَاجع الْجُزْء الثَّانِي من مؤلف همر المطبوع بباريس سنة ١٨٣٥ صحيفَة ٩٦ وَمَا بعْدهَا
وَمِمَّا يُؤَيّد حسن مُعَاملَة تيمورلنك للسُّلْطَان بايزيد انه صرح لِابْنِهِ مُوسَى بِنَقْل جثته بِكُل احتفال إِلَى مَدِينَة بورصة حَيْثُ دفن بِجَانِب السُّلْطَان مُرَاد مَعَ بَقَاء مُوسَى فِي حَالَة الاسر وَفِي حراسة امير كرميان
الفوضى بعد موت السُّلْطَان بايزيد
وَبعد موت السُّلْطَان بايزيد تجزأت الدولة إِلَى عدَّة امارات صَغِيرَة كَمَا حصل بعد سُقُوط دولة آل سلجوق لَان تيمورلنك اعاد إِلَى امراء قسطموني وصاروخان وكرميان وآيدين ومنتشا وقرمان مَا فقدوه من الْبِلَاد
واستقل فِي هَذِه الفترة كل من البلغار والصرب والفلاخ وَلم يبْق تَابعا للراية العثمانية الا قَلِيل من الْبلدَانِ وَمِمَّا زَاد الْخطر على هَذِه الدولة الاسلامية عدم اتِّفَاق اولاد بايزيد على تنصيب احدهم بل كَانَ كل مِنْهُم يَدعِي الاحقية لنَفسِهِ فَأَقَامَ سُلَيْمَان فِي مَدِينَة ادرنه حَيْثُ ولاه الْجنُود سُلْطَانا ولاجل ان يستظهر على اخوته
стр. 109
عقد محالفة مَعَ ملك الرّوم ايمانويل الثَّانِي وتنازل لَهُ عَن مَدِينَة سلانيك وسواحل الْبَحْر الاسود لينجده على اخوته البَاقِينَ ولزيادة الوثوق مِنْهُ تزوج احدى قريباته
وَكَانَ مُحَمَّد بن بايزيد يحارب جنود تيمورلنك فِي جبال الاناطول واستخلص مِنْهُم مدينتي توقات واماسيا اما عِيسَى فَلَمَّا بلغه خبر وَفَاة وَالِده جمع مَا كَانَ مَعَه من الْجند بِمَدِينَة بورصه حَيْثُ كَانَ مختفيا واعلن نَفسه خَليفَة آل عُثْمَان بمساعدة الْقَائِد ديمور طاش باشا وَمِمَّا يُوجب الاسف والحزن ان استنجد كل من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بتيمورلنك سَبَب هَذِه الْفِتَن والمفاسد فَقبل وفودهم بِكُل ارتياح وشجعهم على المثابرة والثبات فِي الْحَرْب يُرِيد بذلك اضعافهم ببعضهم حَتَّى لَا تقوم للدولة الْعلية بعدهمْ قَائِمَة
فَسَار مُحَمَّد لمحاربة اخيه عِيسَى وهزمه فِي عدَّة مواقع وَقَتله فِي الاخيرة مِنْهَا وَلم يبْق لَهُ بعد ذَلِك مُنَازع من اخوته فِي آسيا الصُّغْرَى واستخلص اخاه مُوسَى بعد ذَلِك من امير كرميان وَسلمهُ قيادة جَيش جرار ارسله بِهِ إِلَى اوروبا لمحاربة اخيه سُلَيْمَان فَلم يقو عَلَيْهِ بل انهزم امامه وَعَاد مقهورا إِلَى آسيا ثمَّ جمع جَيْشًا آخر وَعَاد بِهِ إِلَى اوروبا وَحَارب اخاه سُلَيْمَان وَقَتله خَارج اسوار مَدِينَة ادرنة فِي سنة ١٤١٠ وَبعدهَا اغار على بِلَاد الصرب وعاقب اهلها على خُرُوجهمْ عَن الطَّاعَة وَقَاتل سجسمون ملك المجر الَّذِي تصدى لَهُ لرده عَن بِلَاد الصرب لَكِن دَاخل الطمع الامير مُوسَى فعصى اخاه مُحَمَّد الَّذِي امده بالجنود لمحاربة اخيهما سُلَيْمَان واراد الِاسْتِقْلَال بِبِلَاد الدولة باوروبا وحاصر الْقُسْطَنْطِينِيَّة ليفتحها لنَفسِهِ فاستنجد ملكهَا بالامير مُحَمَّد فاتى اليه مسرعا لمحماربته والزمه بعد محاربة شَدِيدَة بِرَفْع الْحصار عَنْهَا ثمَّ حَالف الامير مُحَمَّد ملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة وامير الصرب وبثوا الدسائس فِي جَيش مُوسَى حَتَّى خانه اغلب قواده وَوَقع اخيرا بَين يَدي اخيه مُحَمَّد فامر بقتْله سنة ٨١٦ هجرية سنة ١٤١٣ ميلادية
стр. 110
٥
- انْفِرَاد السُّلْطَان
مُحَمَّد جلبي الْغَازِي بِالْملكِ
وَبِذَلِك انْفَرد مُحَمَّد الْمَوْلُود سنة ٧٨١ هـ ١٣٧٩ م بِمَا بَقِي من بِلَاد آل عُثْمَان واشتهر فِي التَّارِيخ باسم السُّلْطَان مُحَمَّد جلبي الْغَازِي وَيعْتَبر بعض المؤرخين السُّلْطَان مُحَمَّد الاول خَامِس سلاطين آل عُثْمَان وَلم يعتبروا اخوته لكَوْنهم لم يَلْبَثُوا فِي الْملك مُدَّة طَوِيلَة وَذَلِكَ لعدم الْخَلْط فِي تعداد مُلُوك هَذِه الدولة وَلم يراع الْبَعْض الآخر هَذَا التَّرْتِيب بل اعتبرهم ملوكا وَلذَلِك وجد اخْتِلَاف بَين كتب المؤرخين فِي عدد سلاطين الدولة العثمانية لَكِن الْمُتَّفق عَلَيْهِ هُوَ عدم اعْتِبَار من نَازع السُّلْطَان مُحَمَّد جلبي فِي الْملك من اخوته وعده هُوَ خَامِس سلاطين الدولة الْعلية
هَذَا وَقد كَانَت مُدَّة حكم السُّلْطَان مُحَمَّد كلهَا حروبا داخلية لارجاع الامارات الَّتِي اسْتَقَلت فِي مُدَّة الفوضى الَّتِي اعقبت موت السُّلْطَان بايزيد فِي الاسر وحافظ على محالفة ملك الرّوم الَّذِي لَوْلَا مساعدته لَهُ لخيف على عرى الدولة الْعلية من الانفصام ورد لَهُ الْبِلَاد الَّتِي فتحهَا اخوه مُوسَى وَاسْتمرّ على محافظته لعهده إِلَى آخر عمره
وَمِمَّا يُؤثر عَن هَذَا السُّلْطَان انه اسْتعْمل الحزم مَعَ الْحلم فِي مُعَاملَة من قهرهم مِمَّن شقّ عَصا طَاعَة الدولة فانه لما قهر امير بِلَاد القرمان وَكَانَ قد اسْتَقل عَفا عَنهُ بعد ان اقْسمْ لَهُ على الْقُرْآن الشريف بَان لَا يخون الدولة فِيمَا بعد وَعَفا عَنهُ ثَانِيَة بعد ان حنث فِي يَمِينه
стр. 111
وَكَذَلِكَ لما حَارب قره جُنَيْد الَّذِي كَانَ حَاكم ازمير من قبل السُّلْطَان بايزيد وقهره عَفا عَنهُ وتناسى كل مَا وَقع مِنْهُ وعينه حَاكما لمدينة نيكوبلي
وَظهر فِي ايام هَذَا الْملك شخص يُسمى بدر الدّين من الْعلمَاء الْمَشْهُورين فِي ذَلِك الْوَقْت وَكَانَ معينا بوظيفة قَاضِي عَسْكَر فِي جَيش مُوسَى اخي السُّلْطَان مُحَمَّد وَبعد انهزام مُوسَى كَمَا سبق ذكره الزم بالاقامة فِي مَدِينَة ازنيك ثمَّ هرب مِنْهَا وابتدأ فِي نشر مذْهبه المؤسس على الْمُسَاوَاة فِي الاموال والامتعة وَهَذَا الْمَذْهَب اشبه شَيْء بآراء بعض اشتراكيي هَذَا الْوَقْت فَتَبِعَهُ خلق كثير من الْمُسلمين والمسيحيين وَغَيرهم لانه كَانَ يعْتَبر جَمِيع الاديان على السوَاء وَلَا يفرق بَينهَا بل كَانَ عِنْده جَمِيع النَّاس اخوة مهما اخْتلفت مذاهبهم واديانهم واستعان فِي نشر مذْهبه هَذَا بشخص يدعى بيرقليجه مصطفى وَآخر يُقَال ان اصله يَهُودِيّ واسْمه طورلاق كَمَال واشتهر امْرَهْ بِسُرْعَة وَكثر عدد تابعيه حَتَّى خيف على المملكة العثمانية من امتداد مذْهبه فارسل اليه السُّلْطَان مُحَمَّد الْقَائِد سيسمان ابْن امير البلغار الَّذِي دخل فِي دين الاسلام وَعين حَاكما لمدينة سمسون مَعَ جَيش جرار لمحاربة اتِّبَاع بدر الدّين فَظهر عَلَيْهِ بيرقليجة مصطفى وَقَتله وَلما علم السُّلْطَان بذلك جمع الجيوش وارسل وزيره الاول الْمَدْعُو بايزيد باشا لمحاربة هَذِه الفئة فَصَارَ اليها وقابل مصطفى فِي ضواحي ازمير فحاربه فِي موقع يُقَال لَهُ قره بورنو وقهره واخذه اسيرا ثمَّ قَتله وَكَثِيرًا من اتِّبَاعه
وَفِي هَذِه الاثناء ضبط بدر الدّين فِي بِلَاد مقدونية بعد مقاومة شَدِيدَة وشنق
стр. 112
فِي سنة ١٤١٧ م وَبِذَلِك اطفئت هَذِه الْفِتْنَة وَلم يبْق لَهَا بعد ذَلِك من خبر وَكَانَ شنق رَئِيس هَذِه الْفِتْنَة بِنَاء على فَتْوَى افتى بهَا مَوْلَانَا سعيد اُحْدُ تلامذة التَّفْتَازَانِيّ وَهَذَا نَصهَا كَمَا جَاءَ فِي تَارِيخ همر من اتاكم وامركم جَمِيعًا على رجل يُرِيد ان يشق عصاكم وَيفرق جماعتكم فَاقْتُلُوهُ وَلم يهدأ بَال السُّلْطَان مُحَمَّد بعد انتصاره على بدر الدّين واشياعه حَتَّى ظهر اخوه مصطفى الَّذِي لم يُوقف لَهُ على اثر بعد وَاقعَة انقره الَّتِي اسر فِيهَا والدهم السُّلْطَان بايزيد الاول وطالبه بِالْملكِ وانضم اليه قره جُنَيْد الَّذِي سبق ذكر عَفْو السُّلْطَان عَنهُ وامده بِجُنُود ارسلها اليه امير الفلاخ سعيا وَرَاء ايجاد الْفِتَن فِي دَاخل الممالك العثمانية فاغار الامير مصطفى على اقليم تساليا بِبِلَاد اليونان لكنه لم يقو على مقاومة جنود اخيه السُّلْطَان مُحَمَّد فَدخل فِي مَدِينَة سلانيك وَكَانَت عَادَتْ إِلَى مملكة الرّوم بعد موت السُّلْطَان بايزيد واحتمى عِنْد حاكمها الْمعِين من قبل ملك الرّوم فَطلب السُّلْطَان تَسْلِيمه فابى ملك الرّوم ذَلِك ووعده ان يحفظه وَلَا يُطلق سراحه مَا دَامَ السُّلْطَان على قيد الْحَيَاة فَقبل السُّلْطَان مُحَمَّد هَذَا الاقتراح ورتب لاخيه راتبا سنويا وَلَقَد ذهب بعض المؤرخين إِلَى ان مصطفى هَذَا لم يكن ابْن السُّلْطَان بايزيد بل شخص انتحل لنَفسِهِ هَذِه الصّفة طَمَعا فِي الْملك الا ان المؤرخ العثماني الْمَدْعُو نشري وَكَثِيرًا من مؤرخي الرّوم قَالُوا بِصِحَّة نسبه وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا القَوْل تعْيين راتب لَهُ من قبل السُّلْطَان وَبلغ من كرم السُّلْطَان وحلمه انه عَفا عَن قره جُنَيْد نَفسه وعدة من محازبيه فِي سنة ١٤١٩ م وَكَانَت هَذِه الْفِتْنَة آخر الحروب الداخلية الَّتِي خضبت اراضي الدولة الْعلية بدماء العثمانيين بِسَبَب إغارة تيمورلنك عَلَيْهَا
وَبعد ذَلِك بذل السُّلْطَان مُحَمَّد جلبي قصارى جهده فِي محو آثَار هَذِه الْفِتَن باجرائه الترتيبات الداخلية الضامنة لعدم حُدُوث شغب فِي الْمُسْتَقْبل وبينما كَانَ
стр. 113
السُّلْطَان مشتغلا بِهَذِهِ المهام السلمِيَّة فاجأه الْمَوْت فِي سنة ٨٢٤ هـ سنة ١٤٢١ م فِي مَدِينَة ادرنه فَاسْلَمْ الرّوح وعمره ٤٣ سنة بعد ان اوصى بِالْملكِ لِابْنِهِ مُرَاد الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ فِي اماسيا
وخوفا من حُصُول مَا لَا تحمد عقباه لَو علم موت السُّلْطَان مُحَمَّد مَعَ وجود ابْنه مُرَاد فِي بِلَاد آسيا اتّفق وزيراه ابراهيم وبايزيد على اخفاء مَوته عَن الْجند حَتَّى يحضر ابْنه فاشاعا ان السُّلْطَان مَرِيض وارسلا لِابْنِهِ فَحَضَرَ بعد وَاحِد واربعين يَوْمًا واستلم مقاليد الدولة
واشتهر السُّلْطَان مُحَمَّد بحبه للعلوم والفنون وَهُوَ اول ملك عثماني ارسل الْهَدِيَّة السنوية إِلَى امير مَكَّة الَّتِي يُطلق عَلَيْهَا اسْم الصرة حَتَّى الْآن وَهِي عبارَة عَن قدر معِين من النُّقُود نرسل إِلَى الامير لتوزيعه على فُقَرَاء مَكَّة وَالْمَدينَة لَكِن لم تكن بِالْقدرِ الَّذِي بلغته الْآن وَقد قَالَ بعض المؤرخين ان السُّلْطَان سُلَيْمَان الاول هُوَ اول من ارسل الصرة فِي سنة ٩٢٣ هـ سنة ١٥١٧ م بعد فتح مصر وَلَكِن اتّفق من يوثق بهم من المؤرخين خُصُوصا صولاق زَاده على ان السُّلْطَان مُحَمَّد جلبي هُوَ اول من ارسلها وَدفن السُّلْطَان بعد مَوته فِي مَدِينَة بورصة
стр. 114
٦
- السُّلْطَان مرادخان الثَّانِي الْغَازِي
ولد السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي سنة ٨٠٦ هـ سنة ١٤٠٣ م وَتَوَلَّى سنة ٨٢٤ هـ سنة ١٤٢١ م بعد موت ابيه وعمره ثَمَانِي عشرَة سنة وافتتح اعماله بابرام الصُّلْح مَعَ امير القرمان والاتفاق مَعَ ملك المجر على هدنة خمس سنوات حَتَّى يتفرغ لارجاع ماشق عَصا الطَّاعَة من ولايات اسيا لَكِن حدث مَا شغله عَن هَذَا الْعَمَل وَذَلِكَ ان ايمانويل طلب مِنْهُ ان يتعهد لَهُ بِعَدَمِ محاربته مُطلقًا وان يُسلمهُ اثْنَيْنِ من اخوته تامينا على نَفاذ هَذَا التعهد وتهدده باطلاق سراح عَمه مصطفى بن بايزيد وَلما لم يُحِبهُ مُرَاد الثَّانِي لطلبه اخْرُج مصطفى من منفاه واعطاه عشرَة مراكب حربية تَحت امرة دمتريوس لاسكاريس فاتى بهَا وحاصر مَدِينَة جاليبولي فَسلمت الا القلعة فَتَركهَا مصطفى بعد ان اقام حولهَا من الْجند مَا يَكْفِي لمنع وُصُول المدد اليها وَسَار بِبَقِيَّة جَيْشه قَاصِدا ادرنه فَخرج الْوَزير بايزيد باشا لمحاربته فَتقدم مصطفى وخطب فِي العساكر باطاعته لانه احق بِالْملكِ من ابْن اخيه فاطاعته الجيوش وَقتلت بايزيد باشا قائدهم فَسَار مصطفى بعد ذَلِك لمقابلة ابْن اخبه مُرَاد الثَّانِي الَّذِي كَانَ متحصنا مَعَ من مَعَه من الْجنُود خلف نهر صَغِير وَهُنَاكَ خانه بعض قواده وَتَركه اغلب جُنُوده حَتَّى الْتزم الهروب إِلَى مَدِينَة جاليبولي فسلمه بعض اتِّبَاعه إِلَى ابْن اخيه مُرَاد الثَّانِي فامر بشنقه
وَبعد ذَلِك اراد السُّلْطَان مُرَاد الانتقام من ملك الرّوم الَّذِي اطلق سراح عَمه مصطفى ليشغله عَن فتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَسَار اليه بخيله وَرجله وحاصر مدينته ثمَّ هاجمها فِي يَوْم ٣ رَمَضَان سنة ٨٢٥ ٢١ اغسطس سنة ١٤٢٢ م وَبعد قتال عنيف رَجَعَ العثمانيون بِدُونِ ان يتمكنوا من فتحهَا وَبعدهَا رفع عَنْهَا الْحصار
стр. 115
لعصيان اخ لَهُ يُقَال لَهُ مصطفى شقّ عَصَاهُ واستعان على اخيه السُّلْطَان مُرَاد بِبَعْض امراء آسيا الصُّغْرَى لَكِن لم تلبث هَذِه الْفِتْنَة ان اخمدت بِالْقَبْضِ على مصطفى وَقَتله مَعَ كثير من محازبيه فَوَقع الرعب فِي قُلُوب من ساعده من الامراء وتنازل امير قسطموني عَن نصف املاكه للسُّلْطَان وزوجه ابْنَته سنة ١٤٢٣ اظهارا لاخلاصه وولائه وَفِي السّنة التالية عصى قره جُنَيْد وَاسْتولى على امارة آيدين لَكِن قهره حَمْزَة بك اخو الْوَزير بايزيد باشا وَقبض عَلَيْهِ وامر بخنقه فتخلصت الدولة بذلك من هَذَا الخائن الَّذِي خَان عهدها اكثر من مرّة
واعاد مُرَاد الثَّانِي إِلَى املاك الدولة الْعلية ولايات آيدين وصاروخان ومنتشا وَغَيرهَا من الامارات الَّتِي اعاد تيمورلنك استقلالها اليها وَكَذَلِكَ اسْتردَّ بِلَاد القرمان بعد ان قتل اميرها مُحَمَّد بك وَعين ابْنه ابراهيم واليا عَلَيْهَا مَعَ بعض امتيازات بِشَرْط ان يتنازل عَن اقليم الحميد وَفِي سنة ١٤٢٨ توفّي امير كرميان عَن غير عقب واوصى بِمَا كَانَ بَاقِيا لَهُ من بِلَاده إِلَى السُّلْطَان مُرَاد وَبِذَلِك اسْتردَّ السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي جَمِيع مَا فَصله تيمورلنك عَن الدولة العثمانية من الْبِلَاد وَصَارَ فِي امكانه التفرغ لاعادة فتح مَا اسْتَقل من الْبِلَاد باوروبا بعد موت بايزيد الاول فابتدأ بَان الزم ملك المجر بعد محاربة شَدِيدَة كَانَت نتيجتها افْتِتَاح مَدِينَة كولمباز الْوَاقِعَة على شاطيء نهر الدانوب الايمن بالتوقيع على معاهدة تقضي عَلَيْهِ بالتخلي عَمَّا يكون لَهُ من الْبِلَاد على شاطيء نهر الدانوب الايمن بِحَيْثُ يكون هَذَا النَّهر فاصلا بَين املاك الدولة الْعلية والمجر
وَلما رأى امير الصرب الْمَدْعُو جورج برنكوفيتش انه لَا يقوى على مقاومة الدولة قبل ان يدْفع جِزْيَة سنوية قدرهَا خَمْسُونَ الف دوكا ذَهَبا وَيقدم للسُّلْطَان فرقة من جُنُوده للمساعدة وَقت الْحَرْب وان يُزَوجهُ ابْنَته مارا وان يقطع علاقاته مَعَ ملك المجر وان يتنازل ايضا للدولة الْعلية عَن بَلْدَة كروشيفاتس
стр. 116
الْوَاقِعَة فِي وسط بِلَاد الصرب لتجعلها حصنا منيعا تأوي اليه جنودها منعا لحُصُول الْفِتَن وَفِي سنة ١٤٣٠ اعاد السُّلْطَان فتح مَدِينَة سلانيك الَّتِي كَانَ تنازل عَنْهَا ملك الرم إِلَى اهالي البندقية بعد ان حاصرها خَمْسَة عشر يَوْمًا وَبعد ذَلِك اراد السُّلْطَان مُرَاد ان يفتح مَا بَقِي من بِلَاد الصرب وبلاد البانيا الارنؤد والفلاخ قبل ان يُعِيد الكرة على الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَتَّى لَا يكون لَهَا من هَذِه الولايات نصير فَوجه اهتمامه اولا إِلَى بِلَاد البانيا فاطاعه سكان يانيه وسكان اغلب بَاقِي الْبِلَاد بِدُونِ كثير عناء مشترطين عدم التَّعَرُّض لَهُم فِي دينهم وَلَا عوائدهم والزم جَان كستريو امير الْجُزْء الشمالي من بِلَاد البانيا ان يسلم لَهُ اولاده الاربعة رهينة على صدقه وولائه ثمَّ ضم املاكه اليه بعد وَفَاته سنة ١٤٣١
وَفِي سنة ١٤٣٣ اعْترف فلاد امير الفلاخ الملقب دره قَول أَي الشَّيْطَان بسيادة الْبَاب العالي عَلَيْهِ تخلصا من الْحَرْب الَّتِي كَانَ لَا يشك فِي وخامة عَاقبَتهَا عَلَيْهِ لَكِن لم يكن هَذَا الخضوع الا ظاهريا فانه مَا لبث ان ثار هُوَ وامير الصرب بِنَاء على تحريض ملك المجر لَهما فحاربهما السُّلْطَان وقهرهما ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد المجر وَخرب كثيرا من بلدانها وَعَاد مِنْهَا فِي سنة ١٤٣٨ بسبعين الف اسير على مَا يُقَال
وَفِي السّنة التالية عصى جورج برنكوفتش امير الصرب فَكَانَت عَاقِبَة عصيانه ان فتح السُّلْطَان مُرَاد مَدِينَة سمندرية بِالْقربِ من مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة بِلَاد
стр. 117
الصرب بعد ان حاصرها ثَلَاثَة اشهر وفر برنكوفتش إِلَى بِلَاد المجر محتميا عِنْد ملكهَا آلبير الَّذِي خلف سجسمون ثمَّ حاصر السُّلْطَان مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة الصرب مُدَّة سِتَّة شهور وَلم يتَمَكَّن من فتحهَا لشدَّة دفاع من بهَا من الْجنُود
فَتَركهَا واغار على بِلَاد ترنسلفانيا وحاصر مَدِينَة هرمان ستاد التابعة لملك المجر وَكَانَ حَاكم هَذَا الاقليم هُوَ نياد قَائِد عُمُوم جيوش المجر فاتى هَذَا الْقَائِد الشهير على جنَاح السرعة للدفاع عَنْهَا وانتصر على العثمانيين وَقتل مِنْهُم عشْرين الف نفس وَقتل قائدهم والزم من بَقِي مِنْهُم بِالرُّجُوعِ خلف نهر الدانوب وَلما بلغ السُّلْطَان خبر انهزام جيوشه ارسل اليهم ثَمَانِينَ الف مقَاتل تَحت قيادة شهَاب الدّين باشا فَهَزَمَهُ ايضا هونياد المجري واخذه اسيرا فِي موقعة هائلة
стр. 118
بِالْقربِ من بَلْدَة يُقَال لَهَا وازاج سنة ١٤٤٢ وَبعد ذَلِك سَار الْقَائِد المجري إِلَى بِلَاد الصرب وتغلب على السُّلْطَان مُرَاد نَفسه فِي مَدِينَة نيش واقتفى اثره إِلَى مَا وَرَاء جبال البلقان سنة ١٤٤٣ وَظهر عَلَيْهِ فِي ثَلَاث وقائع اخرى واخيرا ابرم السُّلْطَان مُرَاد مَعَهم الصُّلْح على ان يتنازل عَن سيادته على بِلَاد الفلاخ وَيرد إِلَى امير الصرب مَدَائِن سمندريه والاجه حِصَار وان يهادن المجر مُدَّة عشر سنوات وامضيت هَذِه المعاهدة فِي ٢٦ ربيع الاول سنة ٨٤٨ ١٣ يوليو سنة ١٤٤٤
وعقب ذَلِك توفّي اكبر اولاد السُّلْطَان واسْمه عَلَاء الدّين فَحزن عَلَيْهِ وَالِده حزنا شَدِيدا وسئم الْحَيَاة فتنازل عَن الْملك لِابْنِهِ مُحَمَّد الْبَالِغ من الْعُمر ارْبَعْ عشرَة سنة وسافر هُوَ إِلَى ولَايَة آيدين للاقامة بَعيدا عَن هموم الدُّنْيَا وغمومها
تنازل السُّلْطَان عَن الْملك وعودته اليه
لكنه لم يمْكث فِي خلوته بضعَة اشهر حَتَّى اتاه خبر غدر المجر واغارتهم على بِلَاد البلغار غير مراعين شُرُوط الْهُدْنَة اعْتِمَادًا على تغرير الكردينال سيزاريني مَنْدُوب البابا وتفهيمه لملك المجر ان عدم رِعَايَة الذِّمَّة والعهود مَعَ الْمُسلمين لَا تعد حنثا وَلَا نقضا
وَلما ورد عَلَيْهِ خبر هَذِه الْخِيَانَة ونكث الْعَهْد قَامَ بجيشه لمحاربة المجر فَوَجَدَهُمْ محاصرين لمدينة وارنه الْوَاقِعَة على الْبَحْر الاسود وَبعد قَلِيل اشتبك الْقِتَال بَين الجيشين فَقتل ملك المجر الْمَدْعُو لادسلاس وتفرق الْجند بعد ذَلِك وَلم تفد شجاعة هونياد شَيْئا وَفِي الْيَوْم التَّالِي هاجم العثمانيون معسكر المجر واحتلوه
стр. 119
بعد قتال شَدِيد قتل فِيهِ الكردينال سيزاريني سَبَب هَذِه الْحَرْب وَتمّ للْمُسلمين هَذَا الْفَوْز الْمُبين فِي ٢٨ رَجَب سنة ٨٤٨ ١٠ نوفمبر سنة ١٤٤٤
فتْنَة اسكندر بك
وَبعد تَمام النَّصْر واستخلاص مَدِينَة وارنه رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى عزلته لكنه لم يلبث فِيهَا هَذِه الْمرة ايضا لَان عَسَاكِر الانكشارية ازدروا بملكهم الْفَتى مُحَمَّد الثَّانِي وعصوه ونهبوا مَدِينَة ادرنة عَاصِمَة الدولة فَرجع اليهم السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي فِي اوائل سنة ١٤٤٥ م واخمد فتنتهم وخوفا من رجوعهم إِلَى اقلاق رَاحَة الدولة اراد ان يشغلهم بِالْحَرْبِ فاغار على بِلَاد اليونان وساعده على ذَلِك تَقْسِيم ايمانويل ملك الرّوم بِلَاده بَين اولاده بَان اعطى مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وضواحيها إِلَى ابْنه حنا وبلاد موره وجزء من تساليا لِابْنِهِ قسطنطين وَهُوَ آخر مُلُوك الرّوم وَلما علم قسطنطين بعزم السُّلْطَان مُرَاد على فتح بِلَاده حصن برزخ كورنته وَبنى فِيهِ قلاعا جعلت اجتيازه غير مُمكن لَكِن لم يعق هَذَا السُّور المنيع الجيوش العثمانية بل سلط عَلَيْهِ السُّلْطَان مدافعه ذكر المؤرخون ان هَذَا اول اسْتِعْمَال للمدافع فِي جيوش الدولة الْعلية حَتَّى احدث فِيهَا ثلمًا دخلت مِنْهُ الجيوش إِلَى مَدِينَة كورنته فَفَتحهَا
وَلم يتم فتح بِلَاد موره لازدياد عصيان اسكندر بك واثارته الْفِتَن فِي بِلَاد البانيا وَاكْتفى بِضَرْب الجزيه على اهلها هَذِه الْمرة وَلما هدأ باله من جِهَة اسكندر بك عاود الكرة عَلَيْهَا واسكندر بك هَذَا هُوَ اُحْدُ اولاد جورج كستريو امير البانيا الشمالية الَّذين سبق ذكر اخذ السُّلْطَان لَهُم رهينة وَضم بِلَاد ابيهم اليه بعد مَوته وَكَانَ قد اسْلَمْ اَوْ بالحري تظاهر بالاسلام لنوال مَا يكنه صَدره واظهر الاخلاص للسُّلْطَان حَتَّى قربه اليه وَفِي سنة ١٤٤٣ حينما كَانَ السُّلْطَان مشتغلا بمحاربة
стр. 120
هونياد وَملك الصرب الزم كَاتب اول الْملك على ان يمْضِي لَهُ امرا بتوجيه ادارة مَدِينَة آق حِصَار من اعمال بِلَاد البانيا اليه واخذ هَذَا الامر بعد ان قتل ممضيه خوفًا من افشاء سره وَسَار إِلَى هَذَا الْبَلَد ودخله وَفِي الْحَال استدعى اليه رُؤَسَاء قبائل الارنؤد واظهر لَهُم مشروعه وَهُوَ استخلاص البانيا من يَد الاتراك فوافقوه على مَا وسوسه لَهُم وامدوه بِالْمَالِ وَالرِّجَال فَسَار مَعَهم وطرد العثمانيين من اغلب بِلَاد اجداده وانتصر على الْقَائِد عَليّ باشا سنة ١٤٤٣ وساعده على امتداد نُفُوذه تنازل السُّلْطَان مُرَاد واشتغاله بمحاربة المجر لَكِن لما تمّ النَّصْر للسُّلْطَان فِي وَاقعَة وارنه واستتب الامن فِي بِلَاد اليونان امكنه جمع جَيش جرار لقمع هَذَا الخائن فقصده بِمِائَة الف مقَاتل واسترد مِنْهُ مدينتين من اهم مدن البانيا سنة ١٤٤٧ ثمَّ تَركه حِين بلغه خبر اغارة هونياد المجري على بِلَاد الصرب ليعيد لنَفسِهِ مَا فقد من الشّرف فِي وَاقعَة وارنه وَكَانَ مَعَه فِي هَذِه الدفعة اربعة وَعِشْرُونَ الف رجل مِنْهُم عشرَة آلَاف من الفلاخ فاصطدم الْجَيْش العثماني بقيادة السُّلْطَان نَفسه مَعَ جَيش هونياد فِي وَادي قوص اوه فانتصر عَلَيْهِ السُّلْطَان نصرا مُبينًا فِي ١٨ شعْبَان سنة ٨٥٢ ١٧ اكتوبر سنة ١٤٤٨ كَمَا انتصر السُّلْطَان مُرَاد الاول على لازار ملك الصرب سنة ١٣٨٩ فِي هَذَا الْموقع ثمَّ عَاد السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي لمحاربة اسكندر بك بالبانيا وحاصر مَدِينَة آق حِصَار مُدَّة وَلما لم يجد سَبِيلا إِلَى فتحهَا لضعف جيوشه بِسَبَب هَذِه الحروب المتواصلة اراد ان يتَّفق مَعَ اسكندر بك عل الصُّلْح بَان يقلده السُّلْطَان امارة بِلَاد البانيا فِي مُقَابلَة جِزْيَة سنوية وَلما لم يقبل اسكندر بك هَذَا الاقتراح رفع السُّلْطَان الْحصار عَن الْمَدِينَة وَعَاد إِلَى ادرنه عَاصِمَة ممالكه ليجهز جيوشا جَدِيدَة كَافِيَة لقمع هَذَا الثائر لكنه توفّي فِي يَوْم ٥ محرم سنة ٨٥٥ ٧ فبراير سنة ١٤٥١ وَتَوَلَّى بعده ابْنه السُّلْطَان ابو الْفَتْح مُحَمَّد الثَّانِي ونقلت جثته إِلَى مَدِينَة بورصه وسنه ٤٩ سنة وَمُدَّة حكمه ٣٠ سنة
стр. 121
٧
- السُّلْطَان الْغَازِي
مُحَمَّد الثَّانِي الفاتح وَفتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة
ولد هَذَا السُّلْطَان فِي ٢٦ رَجَب سنة ٨٣٣ ٢٠ ابريل سنة ١٤٢٩ وَهُوَ سَابِع سلاطين هَذِه السلالة الملوكية وَلما تولى الْملك بعد ابيه لم يكن بآسيا الصُّغْرَى خَارِجا عَن سُلْطَانه الا جُزْء من بِلَاد القرمان ومدينة سينوب ومملكة طرابزون الرومية وَصَارَت مملكة الرّوم الشرقية قَاصِرَة على مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وضواحيها وَكَانَ اقليم موره مجزأ بَين البنادقة وعدة امارات صَغِيرَة يحكمها بعض اعيان الرّوم اَوْ الافرنج الَّذين تخلفوا عَن اخوانهم بعد انْتِهَاء الحروب الصليبية وبلاد الارنؤد
стр. 122
وايبيروس فِي حمى اسكندر بك السالف الذّكر وبلاد البشناق البوسنه مُسْتَقلَّة والصرب تَابِعَة للدولة الْعلية تابعية سيادته وَمَا بَقِي من بِحَيْثُ جَزِيرَة البلقان شبه جَزِيرَة البلقان دَاخِلا تَحت سلطة الدولة الْعلية
٦١
- وَبعد ان امْر بِنَقْل جثة وَالِده إِلَى مَدِينَة بورصه لدفنها بهَا امْر بقتل اخ لَهُ رَضِيع اسْمه احْمَد وبارجاع الاميرة مارا الصربية إِلَى والدها ثمَّ اخذ يستعد لتتميم فتح مَا بَقِي من بِلَاد البلقان ومدينة الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَتَّى تكون جَمِيع املاكه مُتَّصِلَة لَا يتخللها عَدو مهاجم اَوْ صديق مُنَافِق لكنه قبل التَّعَرُّض لفتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة اراد ان يحصن بوغاز البوسفور حَتَّى لَا ياتي لَهَا مدد من مملكة طرابزون وَذَلِكَ بَان يُقيم قلعة على شاطيء البوغاز من جِهَة اوروبا تكون مُقَابلَة للحصن الَّذِي انشأه السُّلْطَان بايزيد ييلدرم ببر آسيا وَلما بلغ ملك الرّوم هَذَا الْخَبَر ارسل إِلَى السُّلْطَان سفيرا يعرض عَلَيْهِ دفع الْجِزْيَة الَّتِي يقررها فرفض طلبه وسعى فِي ايجاد سَبَب لفتح بَاب الْحَرْب وَلم يلبث ان وجد هَذَا السَّبَب بتعدي الْجنُود العثمانية على بعض قرى الرّوم ودفاع هَؤُلَاءِ عَن انفسهم وَقتل الْبَعْض من الْفَرِيقَيْنِ
فحاصر السُّلْطَان الْمَدِينَة فِي اوائل ابريل سنة ١٤٥٣ من جِهَة الْبر بِجَيْش يبلغ الْمِائَتَيْنِ وَخمسين الف جندي وَمن جِهَة الْبَحْر بعمارة مؤلفة من مائَة وَثَمَانِينَ سفينة واقام حول الْمَدِينَة ارْبَعْ عشرَة بطارية طوبجية مدفعية وضع بهَا مدافع جسيمة صنعها صانع مجْرى شهير اسْمه اوربان كَانَت تقذف كرات من الْحجر زنة كل وَاحِدَة مِنْهَا اثْنَا عشر قِنْطَارًا إِلَى مَسَافَة ميل وَفِي اثناء الْحصار اكتشف قبر ابي
стр. 123
ايوب الانصاري الَّذِي اسْتشْهد حِين حِصَار الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي سنة ٥٢ هـ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة بن ابي سُفْيَان الاموي وَبعد الْفَتْح بنى لَهُ مَسْجِد جَامع وَجَرت الْعَادة بعد ذَلِك ان كل سُلْطَان يتَوَلَّى يتقلد سيف عُثْمَان الْغَازِي الاول بِهَذَا الْمَسْجِد وَهَذَا الاحتفال يعد بِمَثَابَة التتويج عِنْد مُلُوك الافرنج وَلم تزل هَذِه الْعَادة متبعة حَتَّى الان وَلما شَاهد قسطنطين آخر مُلُوك الرّوم هَذِه الاستعدادات استنجد باوروبا فلبى طلبه اهالي جنوه وارسلوا لَهُ عمَارَة بحريّة تَحت امرة جوستنياني فاتى بمراكبه واراد
стр. 124
الدُّخُول إِلَى ميناء الْقُسْطَنْطِينِيَّة فعارضته السفن العثمانية وانتشرت بَينهمَا حَرْب هائلة فِي يَوْم ١١ ربيع الثَّانِي سنة ٨٥٧ ٢١ ابريل سنة ١٤٥٣ انْتَهَت بفوز جوستنياني ودخوله الميناء بعد ان رفع المحصورون السلَاسِل الحديدية الَّتِي وضعت لمنع المراكب العثمانية من الْوُصُول اليها ثمَّ اعيدت بعد مروره كَمَا كَانَت وَبعدهَا اخذ السُّلْطَان يفكر فِي طَريقَة لدُخُول مراكبه إِلَى الميناء لاتمام الْحصار برا وبحرا فخطر بِبَالِهِ فكر غَرِيب فِي بَابه وَهُوَ ان بِنَقْل المراكب على الْبر ليجتازوا السلَاسِل الْمَوْضُوعَة لمَنعه وَتمّ هَذَا الامر المستغرب بَان مهد طَرِيقا على الْبر اخْتلف فِي طوله والمرجح انه فرسخان أَي سِتَّة اميال ورصت فَوْقه الواح من الْخشب صبَّتْ عَلَيْهَا كمية من الزَّيْت والدهن لسُهُولَة زلق المراكب عَلَيْهَا وبهذه الْكَيْفِيَّة امكن نقل نَحْو السّبْعين سفينة فِي لَيْلَة وَاحِدَة حَتَّى إِذا اصبح النَّهَار ونظرها المحصورون ايقنوا ان لَا مناص من نصر العثمانيين عَلَيْهِم لَكِن لم تخمد عزائمهم بل ازدادوا اقداما وصمموا على الدفاع عَن اوطانهم حَتَّى الْمَمَات وَفِي يَوْم ١٥ جماد اول سنة ٨٥٧ ٢٤ مايو سنة ١٤٥٣ ارسل السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى قسطنطين يُخبرهُ انه لَو سلم الْبَلَد
стр. 125
اليه طَوْعًا يتعهد لَهُ بِعَدَمِ مس حريَّة الاهالي اَوْ املاكهم وان يُعْطِيهِ جَزِيرَة مورة فَلم يقبل قسطنطين ذَلِك بل آثر الْمَوْت على تَسْلِيم الْمَدِينَة فَعِنْدَ ذَلِك نبه السُّلْطَان على جيوشه بالاستعداد للهجوم فِي يَوْم ٢٠ جماد اول سنة ٨٥٧ ٢٩ مايو سنة ١٤٥٣ ووعد الجيوش بمكافأتهم عِنْد تَمام النَّصْر وباقطاعهم اراضي كَثِيرَة وَفِي اللَّيْلَة السَّابِقَة لليوم المحدد اشعلت الْجنُود العثمانية الانوار امام خيامها للاحتفال بالنصر الْمُحَقق لديهم وظلوا طول ليلهم يهللون وَيُكَبِّرُونَ حَتَّى إِذا لَاحَ الْفجْر صدرت اليهم الاوامر بالهجوم فهجم مائَة وَخَمْسُونَ الف جندي وتسلقوا الاسوار حَتَّى دخلُوا الْمَدِينَة من كل فج وَاعْمَلُوا السَّيْف فِيمَن عارضهم ودخلوا كَنِيسَة القديسة صوفيا حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا البطريق وَحَوله عدد عَظِيم من الاهالي ويعتقد الرّوم حَتَّى الْآن ان حَائِط الْكَنِيسَة انْشَقَّ وَدخل فِيهِ البطرق والصور المقدسة وَفِي اعْتِقَادهم ان الْحَائِط ينشق ثَانِيَة يَوْم يخرج الاتراك من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَيخرج البطريق مِنْهَا وَيتم صلَاته الَّتِي قطعهَا عِنْد دُخُول العثمانيين عَلَيْهِ عِنْد الْفَتْح وَقد ارخ بَعضهم هَذَا الْفَتْح الْمُبين بَلْدَة طيبَة سنة ٨٥٧ وَسميت الْمَدِينَة اسلامبول أَي تخت الاسلام اَوْ مَدِينَة الاسلام
اما قسطنطين فقاتل حَتَّى مَاتَ فِي الدفاع عَن وَطنه وَبعد فتحهَا جعلت عَاصِمَة للدولة وَلنْ تزَال كَذَلِك ان شَاءَ الله ولنذكر هُنَا ان الْمُسلمين حاصروا الْقُسْطَنْطِينِيَّة احدى عشرَة مرّة قبل هَذِه الْمرة الاخيرة مِنْهَا سَبْعَة فِي القرنين الاولين للاسلام فحاصرها مُعَاوِيَة فِي خلَافَة سيدنَا عَليّ سنة ٣٤ هـ ٦٥٤ م وحاصرها يزِيد بن
стр. 126
١٦٧ - مُعَاوِيَة سنة ٤٧ هـ ٦٦٧ م فِي خلَافَة سيدنَا عَليّ ايضا وحاصرها سُفْيَان بن اوس فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ٥٢ هـ ٦٧٢ م وَفِي سنة ٩٧ هـ ٧١٥ م حاصرها مسلمة فِي زمن الْخَلِيفَة عمر بن عبد الْعَزِيز الاموي وحوصرت ايضا فِي خلَافَة هِشَام سنة ١٢١ هـ ٧٣٩ م وَفِي الْمرة السَّابِعَة حاصرها اُحْدُ قواد الْخَلِيفَة هرون الرشيد سنة ١٨٢ هـ ٧٩٨ م
هَذَا ثمَّ دخل السُّلْطَان الْمَدِينَة عِنْد الظّهْر فَوجدَ الْجنُود مشتغلة بالسلب والنهب وَغَيره فاصدر اوامره بِمَنْع كل اعتداء فَسَاد الامن حَالا ثمَّ زار كَنِيسَة ايا صوفيا وامر بَان يُؤذن فِيهَا بِالصَّلَاةِ اعلانا بجعلها مَسْجِدا جَامعا للْمُسلمين وَبعد تَمام الْفَتْح على هَذِه الصُّورَة اعلن فِي كَافَّة الْجِهَات بانه لَا يُعَارض فِي اقامة شَعَائِر ديانَة المسيحيين بل انه يضمن لَهُم حريَّة دينهم وَحفظ املاكهم فَرجع من هَاجر من المسيحيين واعطاهم نصف الْكَنَائِس وَجعل النّصْف الآخر جَوَامِع لمسلمين ثمَّ جمع ائمة دينهم لينتخبوا بطريقا لَهُم فَاخْتَارُوا جورج سكولاريوس وَاعْتمد السُّلْطَان هَذَا الانتخاب وَجعله رَئِيسا لطائفة الاروام واحتفل بتثبيته بِنَفس الابهة والنظام الَّذِي كَانَ يعْمل للبطارقة فِي ايام مُلُوك الرّوم المسيحيين واعطاه حرسا من عَسَاكِر الانكشارية ومنحه حق الحكم فِي القضايا المدنية والجنائية بكافة انواعها المختصة بالاروام وَعين مَعَه فِي ذَلِك مَجْلِسا مُشكلا من اكبر موظفي الْكَنِيسَة واعطى هَذَا الْحق فِي الولايات للمطارنة والقسوس وَفِي مُقَابلَة هَذِه الْمنح فرض عَلَيْهِم دفع الْخراج مستثنيا من ذَلِك ائمة الدّين فَقَط
وَبعد اتمام هَذِه الترتيبات واعادة مَا هدم من اسوار الْمَدِينَة وتحصينها سَافر بجيوشه لفتح بِلَاد جَدِيدَة فقصد بِلَاد موره لَكِن لم ينْتَظر اميراها دمتريوس وتوماس اخوا قسطنطين قدومه بل ارسلا اليه يخبرانه بقبولهما دفع جِزْيَة سنوية قدرهَا اثْنَا عشر الف دوكا فَقبل ذَلِك السُّلْطَان وَغير وجهته قَاصِدا بِلَاد الصرب فاتى هونياد الشجاع المجري ورد عَنْهُم مُقَدّمَة الجيوش العثمانية لَكِن لم يرغب الصرب فِي مساعدة المجر لَهُم لاخْتِلَاف مَذْهَبهم حَيْثُ كَانَ المجر كاثوليكيين تابعين لبابا
стр. 127
رومة والصرب ارثوذكسيين لَا يذعنون لسلطة البابا بل كَانُوا يفضلون تسلط الْمُسلمين عَلَيْهِم لما راوه من عدم تعرضهم للدّين مُطلقًا وَلذَلِك ابرم امير الصرب الصُّلْح مَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي على ان يدْفع لَهُ سنويا ثَمَانِينَ الف دوكا وَذَلِكَ فِي سنة ١٤٥٤ وَفِي السّنة التالية اعاد السُّلْطَان عَلَيْهَا الكرة بِجَيْش مؤلف من خمسين الف مقَاتل وثلاثمائة مدفع وَمر بجيوشه من جنوب بِلَاد الصرب إِلَى شمالها بِدُونِ ان يلقى اقل مُعَارضَة حَتَّى وصل مَدِينَة بلغراد الْوَاقِعَة على نهر الدانوب وحاصرها من جِهَة الْبر وَالنّهر وَكَانَ هونياد المجري دخل الْمَدِينَة قبل اتمام الْحصار عَلَيْهَا ودافع عَنْهَا دفاع الابطال حَتَّى يئس السُّلْطَان من فتحهَا وَرفع عَنْهَا الْحصار سنة ١٤٥٥ لَكِن وان لم يتَمَكَّن العثمانيون من فتح عَاصِمَة الصرب الا انهم ربحوا امرا عَظِيما وَهُوَ اصابة هونياد بجراح بليغة مَاتَ بِسَبَبِهَا بعد رفع الْحصار عَن الْمَدِينَة بِنَحْوِ عشْرين يَوْمًا واراح الْمُسلمين مِنْهُ وَلما علم السُّلْطَان بِمَوْتِهِ ارسل الصَّدْر الاعظم مَحْمُود باشا لاتمام فتح بِلَاد الصرب فاتم فتحهَا من سنة ١٤٥٨ إِلَى سنة ١٤٦٠ وَبِذَلِك فقدت الصرب استقلالها نهائيا بعد ان اعيت الدولة الْعلية اكثر من مرّة
وَفِي هَذِه الاثناء تمّ فتح بِلَاد موره فَفِي سنة ١٤٥٨ فتح السُّلْطَان مَدِينَة كورنته وَمَا جاورها من بِلَاد اليونان حَتَّى جرد توماس باليولوج اخا قسطنطين من جَمِيع بِلَاده وَلم يتْرك اقليم موره لاخيه دمتريوس الا بِشَرْط دفع الْجِزْيَة
وبمجرد مَا رَجَعَ السُّلْطَان بجيوشه ثار توماس وَحَارب الاتراك واخاه مَعًا فاستنجد دمتريوس بالسلطان فَرجع بِجَيْش عَرَمْرَم وَلم يرجع حَتَّى تمّ فتح اقليم موره سنة ١٤٦٠ وهرب توماس إِلَى ايطاليا وَنفي دمتريوس فِي احدى جزائر الارخبيل
وَفِي ذَلِك الْوَقْت فتحت جزائر تاسوس والبروس وَغَيرهَا من جزائر بَحر الرّوم
стр. 128
وَبعد عودة السُّلْطَان من بِلَاد اليونان ابرم صلحا مؤقتا مَعَ اسكندر بك وَترك لَهُ اقليمي البانيا وايبيروس ثمَّ حول انظاره إِلَى آسيا الصُّغْرَى ليفتح مَا بَقِي مِنْهَا فَسَار بجيشه بِدُونِ ان يعلم احدا بوجهته فِي اوائل سنة ١٤٦١ وهاجم اولا ميناء اماستريس وَكَانَت مَرْكَز تِجَارَة اهالي جينوه النازلين بِهَدِّهِ الاصقاع وَلكَون سكانها تجارًا يُحَافِظُونَ على اموالهم وَلَا يهمهم دين اَوْ جنسية متبوعهم مَا دَامَ غير متعرض لاموالهم وَلَا ارواحهم فتحُوا ابواب الْمَدِينَة ودخلها العثمانيون بِغَيْر حَرْب ثمَّ ارسل إِلَى اسفنديار امير مَدِينَة سينوب يطْلب مِنْهُ تَسْلِيم بَلَده والخضوع لَهُ ولاجل تعزيز هَذَا الطّلب ارسل اُحْدُ قواده وَمَعَهُ عدد عَظِيم من المراكب لحصر الميناء فسلمها اليه الامير واقطعه الْملك اراضي وَاسِعَة باقليم بيثينيا مُكَافَأَة لَهُ على خضوعه ثمَّ قصد بِنَفسِهِ مَدِينَة طرابزون ودخلها بِدُونِ مقاومة شَدِيدَة وَقبض على الْملك واولاده وَزَوجته وارسلهم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة
وَلما عَاد اليها جهز جَيْشًا لمحاربة امير الفلاخ الْمَدْعُو فلاددره قَول أَي الشَّيْطَان لمعاقبته على مَا ارْتَكَبهُ من الفظائع مَعَ اهالي بِلَاده والتعدي على تجار العثمانيين النازلين بهَا فَلَمَّا قرب مِنْهَا ارسل اليه هَذَا الامير وَفْدًا يعرض على السُّلْطَان دفع جِزْيَة سنوية قدرهَا عشرَة آلَاف دوكا بِشَرْط ان يصادق على جَمِيع الشُّرُوط الْوَارِدَة بالمعاهدة الَّتِي ابرمت فِي سنة ١٣٩٣ بَين امير الفلاخ اذ ذَاك وَالسُّلْطَان بايزيد فَقبل السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي هَذَا الاقتراح وَعَاد بجيوشه وَلم يقْصد امير الفلاخ بِهَذِهِ المعاهدة الا التَّمَكُّن من الِاتِّحَاد مَعَ ملك المجر ومحاربة العثمانيين فَلَمَّا علم السُّلْطَان باتحادهما ارسل اليه مندوبين يسألانه عَن الْحَقِيقَة فَقبض عَلَيْهِمَا وقتلهما بوضعهما على عَمُود محدد من الْخشب خازوق واغار بعْدهَا على بِلَاد بلغاريا التابعة للدولة الْعلية وعثا فِيهَا الْفساد وَرجع بِخَمْسَة وَعشْرين الف اسير فارسل اليه
стр. 129
السُّلْطَان يَدعُوهُ إِلَى الطَّاعَة واخلاء سَبِيل الاسرى فَلَمَّا مثل الرُّسُل امامه امرهم بِرَفْع عمائمهم لتعظيمه وَعند ابائهم طلبه لمُخَالفَته لعوائدهم امْر هَذَا الظَّالِم بَان تسمر عمائمهم على رُؤْسهمْ بمسامير من حَدِيد
فَلَمَّا وصلت هَذِه الاخبار إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد استشاط غَضبا وَسَار على الْفَوْر بِمِائَة وَخمسين الف مقَاتل لمحاربة هَذَا الشقي الظلوم فوصل فِي اقْربْ وَقت إِلَى مَدِينَة بخارست عَاصِمَة الامير بعد ان هَزَمه وَفرق جيوشه لكنه لم يتَمَكَّن من الْقَبْض عَلَيْهِ لمجازاته على مَا اقترفه من الْمَظَالِم والمآثم لهروبه والتجائه إِلَى ملك المجر فَنَادَى السُّلْطَان بعزله وَنصب مَكَانَهُ اخاه راوول لِثِقَتِهِ بِهِ بِمَا انه تربى فِي حضَانَة السُّلْطَان مند نعومة اظفاره وبذا ضمت بِلَاد الفلاخ إِلَى الدولة الْعلية وَيُقَال ان عِنْد وُصُول السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى ضواحي بخارست وجد حول الْمَدِينَة جثث الاسرى الَّذين اتى بهم امير الفلاخ من بِلَاد بلغاريا وقتلهم عَن آخِرهم بِمَا فيهم الاطفال وَالنِّسَاء وَكَانَ عَددهمْ جَمِيعًا عشْرين الْفَا
وَفِي سنة ١٤٦٢ حَارب السُّلْطَان بِلَاد بوسنة لِامْتِنَاع اميرها عَن دفع الْخراج واسره بعد محاربة عنيفة هُوَ وَولده وامر بِقَتْلِهِمَا فدانت لَهُ جَمِيع بِلَاد البشناق اهالي بوسنة وَفِي سنة ١٤٦٤ اراد متياس كرفن ملك المجر استخلاص بوسنة من العثمانيين فَهزمَ بعد ان قتل مُعظم جَيْشه وَكَانَت عَاقِبَة تدخله ان جعلت بوسنة ولَايَة كباقي ولايات الدولة وسلبت مَا كَانَ منح لَهَا من الامتيازات وَدخل فِي جَيش الانكشارية ثَلَاثُونَ الْفَا من شبانها واسلم اغلب اشراف اهاليها
هَذَا وَكَانَت ابتدأت حركات الْعدوان فِي سنة ١٤٦٣ بَين العثمانيين والبنادقة
стр. 130
بِسَبَب هروب اُحْدُ الرَّقِيق إِلَى كورون التابعة لَهُم وامتناعهم عَن تَسْلِيمه بِحجَّة انه اعتنق الدّين المسيحي فَاتخذ العثمانيون ذَلِك سَببا للاستيلاء على مَدِينَة ارجوس وَغَيرهَا فاستنجد البنادقة بحكومتهم وَهِي ارسلت اليهم عمَارَة بحريّة انزلت مَا بهَا من الجيوش إِلَى بِلَاد موره فثار سكانها وقاتلوا الْجنُود العثمانية الْمُحَافظَة على بِلَادهمْ واقاموا مَا كَانَ تهدم من سور برزخ كورنته لمنع وُصُول المدد من الدولة الْعلية وحاصروا مَدِينَة كورنته نَفسهَا واستخلصوا مَدِينَة ارجوس من الاتراك لَكِن لما علمُوا بقدوم السُّلْطَان مَعَ جَيش يبلغ عدده ثَمَانِينَ الف مقَاتل تركُوا البرزخ رَاجِعين على اعقابهم فَدخل العثمانيون بِلَاد موره بِدُونِ كَبِير مُعَارضَة واسترجعوا كل مَا اخذوه وَارْجِعُوا السكينَة إِلَى الْبِلَاد وَفِي السّنة التالية اعاد البنادقة الكرة على بِلَاد موره بِدُونِ فَائِدَة
وَبعد ذَلِك اخذ البابا بيوس الثَّانِي يسْعَى فِي تحريض الامم المسيحية على محاربة
стр. 131
الْمُسلمين حَربًا دينية لَكِن عاجله الْمنون قبل اتمام مشروعه الا ان تحريضاته هَاجَتْ اسكندر بك الالباني فحارب الْجنُود العثمانية وَحصل بَينهمَا عدَّة وقائع اهرق فِيهَا كثير من الدِّمَاء وَكَانَت الْحَرْب فِيهَا سجالا وَفِي سنة ١٤٦٧ توفّي اسكندر بك بعد ان حَارب الدولة الْعلية خمْسا وَعشْرين سنة بِدُونِ ان تقوى على قمعه فَكَانَ من اشد خصوم الدولة وَالِد اعدائها
ثمَّ بعد هدنة استمرت سنة وَاحِدَة عَادَتْ الحروب بَين العثمانيين والبنادقة وَكَانَت نتيجتها ان افْتتح العثمانيون جَزِيرَة نجر بونت وَتسَمى فِي كتب التّرْك اجريبوس مَرْكَز مستعمرات البنادقة فِي جزائر الرّوم وَتمّ فتحهَا فِي سنة ١٤٧٠ وَبعد ان سَاد الامن فِي انحاء اوروبا حول السُّلْطَان انظاره إِلَى بِلَاد القرمان بآسيا الصُّغْرَى وَوجد سَبِيلا سهلا للتدخل وَهُوَ ان اميرها الْمَدْعُو ابراهيم اوصى بعد مَوته بالحكم إِلَى اُحْدُ اولاده واسْمه الامير اسحق وَلكَون امهِ ام ولد نازعه الحكم اخوته من ابيه الَّذين من الزَّوْجَات فَتدخل السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي وَحَارب اسحق وهزمه وَولى مَحَله اكبر اخوته وَعَاد إِلَى اوروبا لمحاربة اسكندر بك كَمَا مر فانتهز الامير اسحق غيابه وعاود الكرة على قونية لاسترداد مَا اوصى بِهِ اليه ابوه من الْبِلَاد فَرجع اليه السُّلْطَان وقهره وليستريح باله من هَذِه الْجِهَة ايضا ضم امارة القرمان إِلَى بِلَاده وَغَضب على وزيره مَحْمُود باشا الَّذِي عَارضه فِي هَذَا الامر
وَبعد ذَلِك بِقَلِيل زحف اوزون حسن اُحْدُ خلفاء تيمورلنك الَّذِي كَانَ سُلْطَانه ممتدا على كَافَّة الْبِلَاد والاقاليم الْوَاقِعَة بَين نهري آموداريا والفرات
стр. 132
وَفتح مَدِينَة توقات عنْوَة وَنهب اهلها فاخذ السُّلْطَان فِي تجهيز جَيش جرار وارسل لاولاده دَاوُد باشا بكلر بك الاناطول ومصطفى باشا حَاكم القرمان يامرهما بِالْمَسِيرِ لمحاربة الْعَدو فسارا بجيوشهما اليه وقابلا جَيش اوزون حسن على حُدُود اقليم الحميد وهزماه شَرّ هزيمَة سنة ١٤٧١ وَبعدهَا بِقَلِيل سَار اليه السُّلْطَان نَفسه وَمَعَهُ مائَة الف جندي واجهز على مَا بَقِي مَعَه من الْجنُود بِالْقربِ من مَدِينَة اذربيجان الَّتِي لَا تبعد كثيرا عَن نهر الْفُرَات وَلم يعد اوزون حسن لمحاربة الدولة بعد ذَلِك وَفِي هَذِه الاثناء كَانَت الْحَرْب متقطعة بَين العثمانيين والبنادقة الَّذين استعانو ببابا رومه وامير نابولي وَمَعَ كل فَكَانَ النَّصْر دَائِما للعثمانيين وَلم يتَمَكَّن البنادقة من استرجاع شَيْء مِمَّا اخذ مِنْهُم وَفِي سنة ١٤٧٥ اراد السُّلْطَان فتح بِلَاد البغدان فارسل اليها جَيْشًا بعد ان عرض دفع الْجِزْيَة على اميرها الْمُسَمّى اسطفن الرَّابِع وَلم يقبل
وَبعد محاربة عنيفة قتل فِيهَا كثير من الجيشين المتحاربين عَادَتْ الجيوش العثمانيين بِدُونِ فتح شَيْء من هَذَا الاقليم وَلما بلغ خبر هَذَا الانهزام اذان السُّلْطَان عزم على فتح بِلَاد القرم حَتَّى يَسْتَعِين بفرسانها الْمَشْهُورين فِي الْقِتَال على محاربة البغدان وَكَانَ لجمهورية جنوا مستعمرة فِي بِحَيْثُ شبه جَزِيرَة القرم فِي مَدِينَة كافا فارسل السُّلْطَان اليها عمَارَة بحريّة ففتحتها بعد حِصَار سِتَّة ايام وَبعدهَا سَقَطت جَمِيع الاماكن التابعة لجمهورية جنوا وَبِذَلِك صَارَت جَمِيع شواطيء القرم تَابِعَة للدولة العثمانية وَلم يقاومها التتار النازلون بهَا وَلذَلِك اكْتفى السُّلْطَان بِضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهَا
стр. 133
وَبعد ذَلِك فتحت الْعِمَارَة العثمانية ميناء آق كرمان وَمِنْهَا اقلعت السفن الحربية إِلَى مصاب نهر الدانوب لاعادة الكرة على بِلَاد البغدان بَيْنَمَا كَانَ السُّلْطَان يجتاز نهر الدانوب من جِهَة الْبر بِجَيْش عَظِيم فتقهقر امامه جَيش البغدان لعدم امكانه الْمُحَاربَة فِي السهول وَتَبعهُ الْجَيْش العثماني حَتَّى اذا اوغل خَلفه فِي غابة كثيفة يجهل مفاوزها انقض عَلَيْهِ الْجَيْش البغداني وهزمه ١٤٧٦ وَبِذَلِك اشْتهر اسطفن الرَّابِع امير البغدان بمقاومة العثمانيين كَمَا اشْتهر هونياد المجري واسكندر بك الالباني من قبل وَسَماهُ البابا شُجَاع النَّصْرَانِيَّة وحامي الدّيانَة المسيحية
وَفِي سنة ١٤٧٧ اغار السُّلْطَان على بِلَاد البنادقة وَوصل إِلَى اقليم الفريول بعد ان مر باقليمي كرواسيا ودلماسيا وهما تابعان الان لمملكة النمسا والمجر فخاف البنادقة على مدينتهم الاصلية وابرموا الصُّلْح مَعَه تاركين لَهُ مَدِينَة كرويا الَّتِي كَانَت عَاصِمَة اسكندر بك الشهير فاحتلها السُّلْطَان ثمَّ طلب مِنْهُم مَدِينَة
стр. 134
اشقودره وَلما رفضوا التنازل عَنْهَا اليه حاصرها واطلق عَلَيْهَا مدافعه سِتَّة اسابيع مُتَوَالِيَة بِدُونِ ان يضعف قُوَّة سكانها وشجاعتهم فَتَركهَا لفرصة اخرى وَفتح مَا كَانَ حولهَا للبنادقة من الْبِلَاد والقلاع حَتَّى صَارَت مَدِينَة اشقودره مُنْفَصِلَة بِالْكُلِّيَّةِ عَن بَاقِي بِلَاد البنادقة وَكَانَ لابد من فتحهَا بعد قَلِيل لعدم امكان وُصُول المدد اليها وَلذَا فضل البنادقة ان يبرموا صلحا جَدِيدا مَعَ السُّلْطَان ويتنازلوا عَن اشقودره فِي مُقَابلَة بعض امتيازات تجارية وَتمّ الصُّلْح بَين الْفَرِيقَيْنِ على ذَلِك وامضيت بِهِ بَينهمَا معاهدة فِي يَوْم ٥ ذِي الْقعدَة سنة ٨٨٣ ٢٨ يناير سنة ١٤٧٩ وَكَانَت هَذِه اول خطْوَة خطتها الدولة العثمانية للتدخل فِي شؤون اوروبا اذ كَانَت جمهورية البنادقة حِين ذَاك اهم دوَل اوروبا لاسيما فِي التِّجَارَة البحرية وَمَا كَانَ يعادلها فِي ذَلِك الا جمهورية جنوا
فتح جزائر اليونان ومدينة اوترانت
وَبعد ان تمّ الصُّلْح مَعَ البنادقة وجهت الجيوش إِلَى بِلَاد المجر لفتح اقليم ترنسلفانيا فقهرها كينيس كونت مَدِينَة تمسوار بِالْقربِ من مَدِينَة كرلسبرج فِي ١٣ اكتوبر سنة ١٤٧٦ وَقتل فِي هَذِه الموقعة كثير من العثمانيين وارتكب المجر فظائع وحشية بعد الِانْتِصَار فَقتلُوا جَمِيع الاسرى ونصبوا موائدهم على جثثهم وَفِي سنة ١٤٨٠ فتحت جزائر اليونان الْوَاقِعَة بَين بِلَاد اليونان وايطاليا
стр. 135
وَبعدهَا سَار الْقَائِد كدك احْمَد باشا بمراكبه لفتح مَدِينَة اوترانت بايطاليا الَّتِي كَانَ عزم السُّلْطَان على فتحهَا جَمِيعهَا وَيُقَال انه اقْسمْ بَان يرْبط حصانه فِي كَنِيسَة القديس بطرس بِمَدِينَة رومه مقرّ البابا ففتحت مَدِينَة اوترانب عنْوَة فِي يَوْم ٤ جمادي الثَّانِيَة سنة ٨٥٥ ١١ اغسطس سنة ١٤٨٠
حِصَار مَدِينَة رودس
وَفِي هَذَا الْحِين كَانَت ارسلت عمَارَة بحريّة اخرى لفتح جَزِيرَة رودس الَّتِي كَانَت مَرْكَز رهبنة القديس حنا الاورشليمي وَكَانَ رئيسها اذ ذَاك بييردوبوسون الفرنساوي الاصل وَكَانَت الْحَرْب قَائِمَة بَينه وَبَين سُلْطَان مصر وباي تونس فاجتهد فِي ابرام الصُّلْح مَعَهُمَا ليتفرغ لصد هجمات الجيوش العثمانية وَكَانَت هَذِه الجزيرة مُحصنَة تحصينا منيعا وابتدا العثمانيون فِي حصارها فِي يَوْم ١٣ ربيع الاول سنة ٨٨٥ ٢٣ مايو سنة ١٤٨٠ وظلت المدافع تقذف عَلَيْهَا القنابل الحجرية تهدم اسوارها لَكِن كَانَ يصلح سكانها فِي اللَّيْل كل مَا تخربه المدافع بِالنَّهَارِ وَلذَلِك اسْتمرّ حصارها ثَلَاثَة اشهر حاول العثمانيون فِي خلالها الِاسْتِيلَاء على اهم قلاعها وَاسْمهَا قلعة القديس نيقولا بِدُونِ نتيجة وَفِي يَوْم ٢٠ جُمَادَى الاولى سنة ٨٨٥ ٢٨ يوليو سنة ١٤٨٠ امْر الْقَائِد الْعَام بالهجوم على القلعة ودخولها من الفتحة الَّتِي فتحتها المدافع فِي اسوارها فهجمت عَلَيْهَا الجيوش وقاومها الاعداء بِكُل بسالة واقدام وَبعد اخذ ورد تقهقر العثمانيون بعد ان قتل وجرح مِنْهُم كَثِيرُونَ وَرفع الْبَاقُونَ عَنْهَا الْحصار
وَفِي يَوْم ٤ ربيع الاول سنة ٨٨٦ هـ ٣ مايو سنة ١٤٨١ م توفّي ابوالفتح
стр. 136
السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي الْغَازِي عَن ثَلَاث وَخمسين سنة وَمُدَّة حكم ٣١ سنة تمم فِي خلالها مَقَاصِد اجداده فَفتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَزَاد عَلَيْهَا فتح مملكة طرابزون الرومية والصرب والبوشناق والبانيا الارنؤود وَجَمِيع اقاليم اسيا الصُّغْرَى وَلم يبْق فِي بِلَاد البلقان الامدينة بلغراد التابعة للمجر وَبَعض جزائر تَابِعَة للبنادقة وَدفن فِي المدفن الْمَخْصُوص الَّذِي انشاه فِي اُحْدُ الْجَوَامِع الَّتِي اسسها فِي الاستانة
ترتيباته الداخلية
وَكَانَت مهارة هَذَا السُّلْطَان فِي الاعمال المدنية تعادل خبرته فِي الاعمال الحربية فاليه ينْسب تَرْتِيب الْحُكُومَة على نظامات جَدِيدَة فَسمى نفس الْحُكُومَة العثمانية بِالْبَابِ العالي وَجعل لَهَا اربعة اركان وَهِي الْوَزير وقاضي عَسْكَر والدفتردار وتعادل اختصاصاته اختصاصات نَاظر الْمَالِيَّة الْآن وَالرَّابِع يُسمى نيشانجى وَهُوَ عبارَة عَن كَاتب سر السُّلْطَان ثمَّ بعد امتداد سلطة الدولة الْعلية فِي جِهَة اوروبا جعل لَهَا قَاضِي عَسْكَر مَخْصُوص اسْمه قَاضِي عَسْكَر الروملي وقاضي عَسْكَر آخر للاناطول وَكَانَ اختصاصهما التَّعْيِين فِي وظائف الْقَضَاء مَا عدا بعض وظائف خُصُوصِيَّة يخْتَص بهَا الْوَزير الاكبر ثمَّ رتب وظائف الْجند فَجعل للانكشارية رَئِيسا مَخْصُوصًا اغا وناطه باشغال الضَّبْط والربط بِمَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة ورئيسا آخر للطوبجية وثالثا لما يخْتَص بذخائر وَمؤنَة الجيوش وَكَذَلِكَ وضع ترتيبا لداخليته الخصوصية واهم اعماله المدنية تَرْتِيب وظائف الْقَضَاء من اكبر وَظِيفَة وَهِي قَضَاء الروملي إِلَى اقل وَظِيفَة وَوضع اول مبادئ القانون الْمدنِي
стр. 137
وقانون الْعُقُوبَات فأبدل الْعُقُوبَات الْبَدَنِيَّة أَي السن بِالسِّنِّ وَالْعين بِالْعينِ وَجعل عوضهَا الغرامات النقدية بكيفية وَاضِحَة اتمها السُّلْطَان سُلَيْمَان القانوني الْآتِي ذكره
وَمن مآثره ايضا عدَّة جَوَامِع فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَغَيرهَا وَله الْيَد الْبَيْضَاء فِي انشاء كثير من الْمكَاتب الابتدائية والمدارس الْعَالِيَة مِمَّا يطول شَرحه
стр. 138
٨
- السُّلْطَان الْغَازِي بايزيد خَان الثَّانِي واخوه الامير جم
توفّي السُّلْطَان ابو الْفَتْح مُحَمَّد الثَّانِي عَن وَلدين اكبرهما بايزيد الْمَوْلُود سنة ٨٥١ سنة ١٤٤٧ م وَكَانَ حَاكما باماسيا وَثَانِيهمَا جم الْمَشْهُور فِي كتب الافرنج باسم الْبُرْنُس زيزيم وَكَانَ حَاكما فِي القرمان فاخفى الصَّدْر الاعظم قرماني مُحَمَّد باشا موت السُّلْطَان مُحَمَّد حَتَّى يَأْتِي بكر اولاده بايزيد وَلكنه لشدَّة ارتباطه ومودته بالاصغر ارسل اليه سرا يُخبرهُ بِمَوْت ابيه كي يحضر قبل اخيه الاكبر ويستلم مقاليد الدولة وَلما اذيع هَذَا الْخَبَر ثار الانكشارية على هَذَا الْوَزير وقتلوه وعثوا فِي الْمَدِينَة سلبا ونهبا واقاموا ابْن السُّلْطَان بايزيد واسْمه كركود نَائِبا عَاما عَن ابيه لحين حُضُوره وَذَلِكَ فِي يَوْم ٥ ربيع الاول سنة ٨٨٦ ٤ مايو سنة ١٤٨١ وَفِي يَوْم ١٣ ربيع الاول وصل الرَّسُول إِلَى بايزيد فسافر فِي الْيَوْم التَّالِي باربعة آلَاف فَارس وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد مسير تِسْعَة ايام مَعَ ان الْمسَافَة تبلغ ١٦٠ فرسخا تقطع عَادَة فِي نَحْو ١٥ يَوْمًا فقابله امراء الدولة واعيانها عِنْد بوغاز مضيق البوسفور وَفِي اثناء اجتسازه البوغاز احاطت بِهِ عدَّة قوارب ملأى بالانكشارية وطلبوا مِنْهُ عزل اُحْدُ الوزراء الْمَدْعُو مصطفى باشا وَتَعْيِين اسحق باشا ضَابِط الْقُسْطَنْطِينِيَّة مَكَانَهُ فاجاب طَلَبهمْ وَكَذَلِكَ عِنْد وُصُوله إِلَى السراي الملوكية وجدهم مصطفين امامها طَالِبين الْعَفو عَنْهُم فِيمَا وَقع من قتل والوزير وَنهب الْمَدِينَة وان ينعم عَلَيْهِم بمبلغ سُرُورًا بتعيينه فاجابهم إِلَى جَمِيع مطالبهم وَصَارَت هَذِه سنة لكل من تولى بعده إِلَى ان ابطلها السُّلْطَان عبد الحميد خَان الاول سنة ١٧٧٤ اما الرَّسُول الَّذِي كَانَ ارسله الْوَزير مُحَمَّد إِلَى الامير جم فَقبض عَلَيْهِ سِنَان باشا حَاكم الاناطول وَقَتله حَتَّى لَا يصل خبر موت السُّلْطَان مُحَمَّد اليه
стр. 139
وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي ميالا للسلم اكثر مِنْهُ إِلَى الْحَرْب محبا للعلوم الادبية مشتغلا بهَا وَلذَلِك سَمَّاهُ بعض مؤرخي التّرْك بايزيد الصُّوفِي لَكِن دَعَتْهُ سياسة الدولة إِلَى ترك اشغاله السلمِيَّة الْمَحْضَة والاشتغال بِالْحَرْبِ وَكَانَت اول حروبه داخلية وَذَلِكَ ان اخاه جما لما بلغه خبر موت ابيه سَار على الْفَوْر مَعَ من حَاز بِهِ ولاذ بِهِ قَاصِدا مَدِينَة بورصه فَدَخلَهَا عنْوَة بعد ان هزم الفي انكشاري ثمَّ ارسل إِلَى اخيه يعرض عَلَيْهِ الصُّلْح بِشَرْط تَقْسِيم المملكة بَينهمَا فَيخْتَص جم بولايات آسيا وبايزيد باوروبا فَلم يقبل بايزيد بل اتى اليه وقهره بِالْقربِ من مَدِينَة يكى شهر فِي يَوْم ٢٣ جمادي الاولى سنة ٨٨٦ ٢٠ يوليو سنة ١٤٨١ وَتَبعهُ حَتَّى اوصله إِلَى تخوم الْبِلَاد التابعة لمصر وَفِي عودته إِلَى عاصمته طلب مِنْهُ الانكشارية ان يُبِيح لَهُم نهب مَدِينَة بورصة مجازاة لَهَا على قبُولهَا الامير جما فَلم يوافقهم على ذَلِك وخوفا من حُصُول شغب مِنْهُم دفع إِلَى كل نفر مِنْهُم قرشين فاقام جم هَذِه السّنة بِالْقَاهِرَةِ ضيفا عِنْد السُّلْطَان قايدباي ويكتبها بَعضهم قايتباي ثمَّ عَاد فِي السّنة الثَّانِيَة إِلَى حلب وَمِنْهَا راسل قَاسم بك آخر ذُرِّيَّة امراء القرمان ووعده انه لَو انجده وساعده للحصول على ملك آل عُثْمَان يرد لَهُ بِلَاد اجداده فاغتر قَاسم بك بِهَذِهِ الوعود وَجمع احزابه وَسَار مَعَ الامير جم لمحاصرة مَدِينَة قونيه عَاصِمَة بِلَاد القرمان فصدهم عَنْهَا الْقَائِد العثماني كدك احْمَد باشا فاتح مدينتي كافا واوترنت والزم الامير جما بالفرار
ثمَّ حاول هَذَا الامير الصُّلْح مَعَ اخيه بِشَرْط اقطاعه بعض الولايات وَلما رفض السُّلْطَان هَذَا الطّلب الَّذِي لايكون وَرَاءه الا انقسام الدولة ارسل الامير جما رَسُولا من طرفه إِلَى رَئِيس رهبنة القديس حنا الاورشليمي برودس يطْلب مِنْهُ مساعدته
стр. 140
على اغراضه فقبلوه عِنْدهم بالجزيرة وَوصل اليها فِي ٦ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ٨٨٧ هـ ٢٣ يوليوسنة ١٤٨٢ وقابلة اهلها بِكُل تَجِلَّةً واحترام وَبعد قَلِيل وصلت إِلَى الجزيرة وُفُود من السُّلْطَان بايزيد لمخابرة رَئِيس الرهبنة على ابقاء اخيه جما عِنْدهم تَحت الْحِفْظ وَفِي مُقَابلَة ذَلِك يتعهد لَهُم السُّلْطَان بِعَدَمِ التَّعَرُّض لاستقلال الجزيرة مُدَّة حَيَاته وَيدْفَع مبلغا سنويا للرهبنة الْمَذْكُورَة قدره ٤٥ الف دوكا فَقبل رئيسهم ذَلِك واوفوا بوعدهم وَلم يقبلُوا تَسْلِيمه إِلَى ملك المجر اَوْ امبراطور المانيا اللَّذين طلبا اطلاق سراحه ليستعملاه آلَة فِي اضعاف الدولة العثمانية بل ارسله رَئِيس الرهبنة إِلَى فرنسا وَوضع تَحت الْحِفْظ اولا فِي مَدِينَة نيس ثمَّ فِي شمبري وَبَقِي ينْقل من بَلْدَة للاخرى مُدَّة سبع سنوات وَفِي سنة ١٤٨٩ سلمه رَئِيس الرهبنة إِلَى البابا انوسان الثَّامِن وَهُوَ خابر السُّلْطَان بايزيد طَالبا ان يحفظه عِنْده وتدفع اليه الدولة مَا كَانَت تَدْفَعهُ إِلَى رهبنة رودس فَقبلت ثمَّ مَاتَ هَذَا البابا وَخَلفه اسكندر بورجيا الشهير وَيُقَال ان هَذَا البابا عرض على السُّلْطَان
стр. 141
بايزيد ان يخلصه من اخيه وَبِعِبَارَة اخرى يقْتله لَو دفع اليه ثلثمِائة الف دوكا
وَفِي اثناء هَذِه المخابرات اغار شارل الثَّامِن ملك فرنسا على بِلَاد ايطاليا لتنفيذ مشروعه الوهمي وَهُوَ فتح مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة والوصول اليها عَن طَرِيق بِلَاد البنادقة فألبانيا وَلذَلِك كَانَ ارسل دعاة الْفِتْنَة وَالْفساد إِلَى بِلَاد مقدونيا واليونان لاثارة الافكار ضد العثمانيين لَكِن خشى ملك نابولي وجمهورية البنادقة من تعاظم شان الدولة الفرنساوية فوضعوا العراقيل امامه وارسلوا إِلَى السُّلْطَان بايزيد يخبرونه بمشروع ملك فرنسا ودسائسه وطلبوا مِنْهُ ان يُرْسل جيوشه إِلَى بِلَاد ايطاليا وان ياخذ حذره فِي داخليته
وَفِي هَذِه الاثناء حاصر ملك فرانسا مَدِينَة رومه وَطلب من البابا ان يُسلمهُ الامير جما العثماني فسلمه اليه وَيُقَال انه دس لَهُ السم قبل تَسْلِيمه اليه وَمَا فتئ هَذَا الامير مصاحبا لجيوش فرانسا حَتَّى توفّي فِي يَوْم ١٨ جمادي الاول سنة ٩٠٠ ١٤ فبراير سنة ١٤٩٥ فِي مَدِينَة نابولي وَدفن فِي بَلْدَة جاييت بايطاليا ثمَّ نقلت جثته بعد ذَلِك بِمدَّة إِلَى الْبِلَاد العثمانية وَدفن فِي مَدِينَة بورصة فِي قُبُور اجداده وَتُوفِّي ﵀ عَن ٣٦ سنة قضى مِنْهَا ١٣ فِي هَذِه الْحَالة الشبيهة بالاسر خَارِجا عَن بِلَاده
هَذَا ولنأت على ذكر مَا حصل فِي مُدَّة سلطنة بايزيد الثَّانِي من الحروب بطرِيق الايجاز لعدم حُصُول فتوحات فِي ايامه تَقْرِيبًا فَكَانَت اغلبها على التخوم لصد هجمات المتاخمين ومجازاتهم على مَا يرتكبونه من السَّلب لَكِن فِي سنة ١٤٨٧ كَانَت الحروب تنتشب بَين العثمانيين وملوك مصر لمتاخمة بِلَادهمْ عِنْد اطنه وطرسوس فَبعد مناوشات خَفِيفَة بَين الطَّرفَيْنِ على الْحُدُود توَسط بَينهمَا باي
стр. 142
تونس لعدم حُصُول الْحَرْب بَين اميرين مُسلمين فاتفقا على حل مرض للطرفين وساعد على ذَلِك حب السُّلْطَان بايزيد للسلم كَمَا سبق الذّكر وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ١٤٩١ وَفِي السنين التالية حصلت عدَّة وقائع ذَات شَأْن لم تحصل مِنْهَا الدولة على نتائج تذكر اذ لم تفتح مَدِينَة بلغراد الَّتِي كَانَت مطمح انظار الدولة لبقائها كنقطة سَوْدَاء على شاطئ نهر الدانوب الايمن الْفَاصِل بَين املاك الدولة والمجر
ابْتِدَاء العلاقات مَعَ دوَل اوروبا
وَفِي عهد هَذَا السُّلْطَان ابتدأت علاقات الدولة الْعلية مَعَ مملكة الروس وَذَلِكَ انه بعد تفرق مملكة الروس الاولى عقب اغارة المغول على بِلَادهمْ وتسلطهم عَلَيْهَا مُدَّة استخلصها ايوان الثَّالِث وَكَانَ يلقب دوق موسكو واعاد لَهَا بعض مجدها السَّابِق فِي سنة ١٤٨١ م وابتدأت العلاقات بَينهَا وَبَين الدولة فِي سنة ١٤٩٢ حَيْثُ وصل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة اول سفير روسي وَمَعَهُ جملَة هَدَايَا للسُّلْطَان وَبعد ذَلِك باربع سنوات اتى اليها سفير آخر واستحصل من الدولة على بعض
стр. 143
امتيازات لتجار الروس
وَكَذَلِكَ ابتدأت فِي عَهده المواصلات الحبية مَعَ مملكة بولونيا فعقدت معاهدة بَين المملكتين فِي سنة ١٤٩٠ وتجددت فِي سنة ١٤٩٢ لَكِن لم يلبث هَذَا الْوِفَاق ان تكدر صفاؤه بِسَبَب ادِّعَاء كل من الدولتين حق السِّيَادَة على بِلَاد البغدان واغارة ملك بولونيا عَلَيْهَا فالتزم العثمانيون بطرد المجر مِنْهَا والاغارة على حُدُود بولونيا بمساعدة امير بغدان نَفسه الَّذِي قبل حماية الْبَاب العالي عَلَيْهَا
وَكَذَلِكَ ابتدأت المخابرات بَين الدولة الْعلية فِي ذَلِك الْحِين وَبَين البابا اسكندر السَّادِس بورجيا وَملك نابولي وجوك ميلانو وجمهورية فلورنسا فَكَانَ كل مِنْهُم يجْتَهد فِي محالفة الدولة الْعلية والاستعانة بجنودها الْبَريَّة ومراكبها
стр. 144
البحرية لمحاربة من عَادَاهُ وَفِي قطع علائق الِاتِّحَاد بَينهَا وَبَين من خَالفه وبتلك المساعي تمكن الايطاليون من ايجاد النفرة بَين الدولة وَبَين جمهورية البنادقة حَتَّى تسبب عَنْهَا حَرْب عوان بَينهمَا فارسل السُّلْطَان جيوشه من الْبر وَالْبَحْر لفتح مَدِينَة ليبنته من بِلَاد اليونان وَكَانَت تَابِعَة للبنادقة ففتحت بِكُل سهولة عقب انتصار الْعِمَارَة العثمانية على مراكب البنادقة الَّتِي اعترضتها عِنْد مدْخل الخليج الْمُسَمّى باسم هَذِه الْمَدِينَة وَفِي الْوَقْت نَفسه اغار وَالِي بِلَاد البشناق على اقليم فريول ثمَّ اجتاز نهر ايزونطو ووصلت طلائعه إِلَى ارباض مَدِينَة فيشنسا واوقف الْقِتَال بِسَبَب اشتداد الْبرد وَفِي السّنة التالية احتل العثمانيون ثغور مودون وكورون وناورين من بِلَاد اليونان وَكَانَت من املاك البنادقة فِي هَذِه الْبحار
فخافت جمهورية البندقية من تقدم الاتراك إِلَى مَرْكَز حكومتها من ضيَاع استقلالها واستغاثت بممالك اوروبا المسيحية فانجدها البابا وَملك فرانسا بِبَعْض مراكب حربية وساعدوها على محاصرة جَزِيرَة ميدللي لاشغال الدولة عَن بلادها فَلم تنجح بل فتح العثمانيون مَدِينَة رودتسو الْوَاقِعَة على بَحر الادرياتيك وَلَوْلَا عصيان اولاد السُّلْطَان عَلَيْهِ بِبِلَاد الاناطول كَمَا سَيَجِيءُ لفتحت بَاقِي بِلَاد البنادقة لَكِن اضطرت احوال المملكة الداخلية السُّلْطَان إِلَى ابرام الصاح مَعَ محاربيه باوروبا وهم الْجَرّ والبنادقة فتم الصُّلْح بَينه وَبَين الجمهورية سنة ١٥٠٢ وَفِي السّنة التالية تمّ الصُّلْح كَذَلِك مَعَ ملك المجر
стр. 145
عصيان اولاد السُّلْطَان عَلَيْهِ وتنازله عَن الْملك لِابْنِهِ سليم
وَلَقَد تكدر صفاء حَيَاة الْملك فِي سني حكمه الاخيرة بعصيان اولاده عَلَيْهِ واضرامهم نَار الحروب الداخلية الَّتِي لَوْلَا مَا وَقع فِي قُلُوب اعدائها من الرعب لكَانَتْ هذة الحروب العائلية فرْصَة عَظِيمَة لَهُم وَذَلِكَ ان السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي كَانَ لَهُ ثَمَانِيَة اولاد ذُكُور توفّي مِنْهُم خَمْسَة فِي صغرهم وَبَقِي ثَلَاثَة وهم كركود وَاحْمَدْ وسليم وَكَانَ اولهم مشتغلا بالعلوم والاداب ومجالسة الْعلمَاء وَلذَا كَانَ يمقته الْجَيْش لعدم ميله للحرب وَالثَّانِي كَانَ محبوبا لَدَى الاعيان والامراء وَكَانَ عَليّ باشا اكبر الوزراء مخلصا لَهُ وَكَانَ ثالثهم وَهُوَ سليم محبا للحرب ومحبوبا لَدَى الْجند عُمُوما والانكشارية خُصُوصا
ولاختلافهم فِي المشارب والآراء خشِي والدهم وُقُوع الشقاق بَينهم فَفرق بَينهم وَعين كركود واليا على احدى الولايات الْبَعِيدَة وَاحْمَدْ على اماسيا وسليما على طرابزون وَعين ايضا سُلَيْمَان بن ابْنه سليم واليا على كافا من بِلَاد القرم فَلم يرض سليم بِهَذَا التَّعْيِين بل ترك مقرّ وظيفته وسافر إِلَى كافا بالقرم وارسل إِلَى ابيه يطْلب مِنْهُ تَعْيِينه فِي احدى ولايات اوروبا فَلم يقبل السُّلْطَان بل اصر على بَقَائِهِ بطرابزون فعصى سليم وَالِده جهارا وَسَار بِجَيْش جمعه من قبائل التتر إِلَى بِلَاد الروملي وارسل وَالِده جَيْشًا لارهابه وَلما وجد من ابْنه التصميم على الْمُحَاربَة قبل تَعْيِينه باوروبا حَقنا للدماء وعينه واليا على مدينتي سمندريه وودين سنة ١٥١١
وَلما وصل إِلَى كركود خبر نجاح اخيه سليم فِي مقاومته انْتقل إِلَى ولَايَة صاروخان واستلم ادارتها بِدُونِ امْر ابيه ليَكُون قَرِيبا من الْقُسْطَنْطِينِيَّة عِنْد الْحَاجة
следующие страницы →