← История

История · id 6638

تاريخ الدولة العلية العثمانية

محمد فريد بك

Полный текст (661 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بايزيد ان يخلصه من اخيه وَبِعِبَارَة اخرى يقْتله لَو دفع اليه ثلثمِائة الف دوكا وَفِي اثناء هَذِه المخابرات اغار شارل الثَّامِن ملك فرنسا على بِلَاد ايطاليا لتنفيذ مشروعه الوهمي وَهُوَ فتح مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة والوصول اليها عَن طَرِيق بِلَاد البنادقة فألبانيا وَلذَلِك كَانَ ارسل دعاة الْفِتْنَة وَالْفساد إِلَى بِلَاد مقدونيا واليونان لاثارة الافكار ضد العثمانيين لَكِن خشى ملك نابولي وجمهورية البنادقة من تعاظم شان الدولة الفرنساوية فوضعوا العراقيل امامه وارسلوا إِلَى السُّلْطَان بايزيد يخبرونه بمشروع ملك فرنسا ودسائسه وطلبوا مِنْهُ ان يُرْسل جيوشه إِلَى بِلَاد ايطاليا وان ياخذ حذره فِي داخليته وَفِي هَذِه الاثناء حاصر ملك فرانسا مَدِينَة رومه وَطلب من البابا ان يُسلمهُ الامير جما العثماني فسلمه اليه وَيُقَال انه دس لَهُ السم قبل تَسْلِيمه اليه وَمَا فتئ هَذَا الامير مصاحبا لجيوش فرانسا حَتَّى توفّي فِي يَوْم ١٨ جمادي الاول سنة ٩٠٠ ١٤ فبراير سنة ١٤٩٥ فِي مَدِينَة نابولي وَدفن فِي بَلْدَة جاييت بايطاليا ثمَّ نقلت جثته بعد ذَلِك بِمدَّة إِلَى الْبِلَاد العثمانية وَدفن فِي مَدِينَة بورصة فِي قُبُور اجداده وَتُوفِّي ﵀ عَن ٣٦ سنة قضى مِنْهَا ١٣ فِي هَذِه الْحَالة الشبيهة بالاسر خَارِجا عَن بِلَاده هَذَا ولنأت على ذكر مَا حصل فِي مُدَّة سلطنة بايزيد الثَّانِي من الحروب بطرِيق الايجاز لعدم حُصُول فتوحات فِي ايامه تَقْرِيبًا فَكَانَت اغلبها على التخوم لصد هجمات المتاخمين ومجازاتهم على مَا يرتكبونه من السَّلب لَكِن فِي سنة ١٤٨٧ كَانَت الحروب تنتشب بَين العثمانيين وملوك مصر لمتاخمة بِلَادهمْ عِنْد اطنه وطرسوس فَبعد مناوشات خَفِيفَة بَين الطَّرفَيْنِ على الْحُدُود توَسط بَينهمَا باي

стр. 142

تونس لعدم حُصُول الْحَرْب بَين اميرين مُسلمين فاتفقا على حل مرض للطرفين وساعد على ذَلِك حب السُّلْطَان بايزيد للسلم كَمَا سبق الذّكر وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ١٤٩١ وَفِي السنين التالية حصلت عدَّة وقائع ذَات شَأْن لم تحصل مِنْهَا الدولة على نتائج تذكر اذ لم تفتح مَدِينَة بلغراد الَّتِي كَانَت مطمح انظار الدولة لبقائها كنقطة سَوْدَاء على شاطئ نهر الدانوب الايمن الْفَاصِل بَين املاك الدولة والمجر ابْتِدَاء العلاقات مَعَ دوَل اوروبا وَفِي عهد هَذَا السُّلْطَان ابتدأت علاقات الدولة الْعلية مَعَ مملكة الروس وَذَلِكَ انه بعد تفرق مملكة الروس الاولى عقب اغارة المغول على بِلَادهمْ وتسلطهم عَلَيْهَا مُدَّة استخلصها ايوان الثَّالِث وَكَانَ يلقب دوق موسكو واعاد لَهَا بعض مجدها السَّابِق فِي سنة ١٤٨١ م وابتدأت العلاقات بَينهَا وَبَين الدولة فِي سنة ١٤٩٢ حَيْثُ وصل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة اول سفير روسي وَمَعَهُ جملَة هَدَايَا للسُّلْطَان وَبعد ذَلِك باربع سنوات اتى اليها سفير آخر واستحصل من الدولة على بعض

стр. 143

امتيازات لتجار الروس وَكَذَلِكَ ابتدأت فِي عَهده المواصلات الحبية مَعَ مملكة بولونيا فعقدت معاهدة بَين المملكتين فِي سنة ١٤٩٠ وتجددت فِي سنة ١٤٩٢ لَكِن لم يلبث هَذَا الْوِفَاق ان تكدر صفاؤه بِسَبَب ادِّعَاء كل من الدولتين حق السِّيَادَة على بِلَاد البغدان واغارة ملك بولونيا عَلَيْهَا فالتزم العثمانيون بطرد المجر مِنْهَا والاغارة على حُدُود بولونيا بمساعدة امير بغدان نَفسه الَّذِي قبل حماية الْبَاب العالي عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ ابتدأت المخابرات بَين الدولة الْعلية فِي ذَلِك الْحِين وَبَين البابا اسكندر السَّادِس بورجيا وَملك نابولي وجوك ميلانو وجمهورية فلورنسا فَكَانَ كل مِنْهُم يجْتَهد فِي محالفة الدولة الْعلية والاستعانة بجنودها الْبَريَّة ومراكبها

стр. 144

البحرية لمحاربة من عَادَاهُ وَفِي قطع علائق الِاتِّحَاد بَينهَا وَبَين من خَالفه وبتلك المساعي تمكن الايطاليون من ايجاد النفرة بَين الدولة وَبَين جمهورية البنادقة حَتَّى تسبب عَنْهَا حَرْب عوان بَينهمَا فارسل السُّلْطَان جيوشه من الْبر وَالْبَحْر لفتح مَدِينَة ليبنته من بِلَاد اليونان وَكَانَت تَابِعَة للبنادقة ففتحت بِكُل سهولة عقب انتصار الْعِمَارَة العثمانية على مراكب البنادقة الَّتِي اعترضتها عِنْد مدْخل الخليج الْمُسَمّى باسم هَذِه الْمَدِينَة وَفِي الْوَقْت نَفسه اغار وَالِي بِلَاد البشناق على اقليم فريول ثمَّ اجتاز نهر ايزونطو ووصلت طلائعه إِلَى ارباض مَدِينَة فيشنسا واوقف الْقِتَال بِسَبَب اشتداد الْبرد وَفِي السّنة التالية احتل العثمانيون ثغور مودون وكورون وناورين من بِلَاد اليونان وَكَانَت من املاك البنادقة فِي هَذِه الْبحار فخافت جمهورية البندقية من تقدم الاتراك إِلَى مَرْكَز حكومتها من ضيَاع استقلالها واستغاثت بممالك اوروبا المسيحية فانجدها البابا وَملك فرانسا بِبَعْض مراكب حربية وساعدوها على محاصرة جَزِيرَة ميدللي لاشغال الدولة عَن بلادها فَلم تنجح بل فتح العثمانيون مَدِينَة رودتسو الْوَاقِعَة على بَحر الادرياتيك وَلَوْلَا عصيان اولاد السُّلْطَان عَلَيْهِ بِبِلَاد الاناطول كَمَا سَيَجِيءُ لفتحت بَاقِي بِلَاد البنادقة لَكِن اضطرت احوال المملكة الداخلية السُّلْطَان إِلَى ابرام الصاح مَعَ محاربيه باوروبا وهم الْجَرّ والبنادقة فتم الصُّلْح بَينه وَبَين الجمهورية سنة ١٥٠٢ وَفِي السّنة التالية تمّ الصُّلْح كَذَلِك مَعَ ملك المجر

стр. 145

عصيان اولاد السُّلْطَان عَلَيْهِ وتنازله عَن الْملك لِابْنِهِ سليم وَلَقَد تكدر صفاء حَيَاة الْملك فِي سني حكمه الاخيرة بعصيان اولاده عَلَيْهِ واضرامهم نَار الحروب الداخلية الَّتِي لَوْلَا مَا وَقع فِي قُلُوب اعدائها من الرعب لكَانَتْ هذة الحروب العائلية فرْصَة عَظِيمَة لَهُم وَذَلِكَ ان السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي كَانَ لَهُ ثَمَانِيَة اولاد ذُكُور توفّي مِنْهُم خَمْسَة فِي صغرهم وَبَقِي ثَلَاثَة وهم كركود وَاحْمَدْ وسليم وَكَانَ اولهم مشتغلا بالعلوم والاداب ومجالسة الْعلمَاء وَلذَا كَانَ يمقته الْجَيْش لعدم ميله للحرب وَالثَّانِي كَانَ محبوبا لَدَى الاعيان والامراء وَكَانَ عَليّ باشا اكبر الوزراء مخلصا لَهُ وَكَانَ ثالثهم وَهُوَ سليم محبا للحرب ومحبوبا لَدَى الْجند عُمُوما والانكشارية خُصُوصا ولاختلافهم فِي المشارب والآراء خشِي والدهم وُقُوع الشقاق بَينهم فَفرق بَينهم وَعين كركود واليا على احدى الولايات الْبَعِيدَة وَاحْمَدْ على اماسيا وسليما على طرابزون وَعين ايضا سُلَيْمَان بن ابْنه سليم واليا على كافا من بِلَاد القرم فَلم يرض سليم بِهَذَا التَّعْيِين بل ترك مقرّ وظيفته وسافر إِلَى كافا بالقرم وارسل إِلَى ابيه يطْلب مِنْهُ تَعْيِينه فِي احدى ولايات اوروبا فَلم يقبل السُّلْطَان بل اصر على بَقَائِهِ بطرابزون فعصى سليم وَالِده جهارا وَسَار بِجَيْش جمعه من قبائل التتر إِلَى بِلَاد الروملي وارسل وَالِده جَيْشًا لارهابه وَلما وجد من ابْنه التصميم على الْمُحَاربَة قبل تَعْيِينه باوروبا حَقنا للدماء وعينه واليا على مدينتي سمندريه وودين سنة ١٥١١ وَلما وصل إِلَى كركود خبر نجاح اخيه سليم فِي مقاومته انْتقل إِلَى ولَايَة صاروخان واستلم ادارتها بِدُونِ امْر ابيه ليَكُون قَرِيبا من الْقُسْطَنْطِينِيَّة عِنْد الْحَاجة

стр. 146

ثمَّ سَار سليم إِلَى ادرنه واعلن نَفسه سُلْطَانا عَلَيْهَا فارسل وَالِده اليه من هَزَمه والجأه إِلَى الْفِرَار بِبِلَاد القرم وارسل جَيْشًا آخر لمحاربة كركود بآسيا فَهَزَمَهُ ايضا لَكِن الْتزم السُّلْطَان بايزيد بِالْعَفو عَن ابْنه سليم بِنَاء على الحاح الانكشارية لتعلقهم بِهِ واعادته إِلَى ولَايَة سمندرية وَفِي اثناء توجه سليم اليها قابله الانكشارية واتوابه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة باحتفال زَائِد وَسَارُوا بِهِ إِلَى سراي السُّلْطَان وطلبوا مِنْهُ التنازل عَن الْملك لوَلَده الْمَذْكُور فَقبل واستقال فِي يَوْم ٨ صفر سنة ٩١٨ ٢٥ ابريل سنة ١٥١٢ وَبعد ذَلِك بِعشْرين يَوْمًا سَافر للاقامة ببلدة ديموتيقا فَتوفي فِي الطَّرِيق يَوْم ١٠ ربيع الاول سنة ٩١٨ ٢٦ مايو سنة ١٥١٢ عَن ٦٧ سنة وَمُدَّة حكمه ٣٢ سنة ويدعى بعض المؤرخين ان وَلَده دس اليه السم خوفًا من رُجُوعه إِلَى منصة الْملك كَمَا فعل السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي الَّذِي سبق ذكره وَلم تزد املاك الدولة الْعلية فِي زمن السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي الا قَلِيلا لحبه السّلم وحقن المدماء فَكَانَت حروبه الخارجية اضطرارية للمدافعة عَن الْحُدُود حَتَّى لَا يستخف بهَا اعداؤها وَكَانَ سلمي الطباع كَارِهًا للْقَتْل وَكَانَ اشهر وزرائه دَاوُد باشا الَّذِي تولى الوزارة بعد كدك احْمَد وَمكث بهَا ارْبَعْ عشرَة سنة واستقال مِنْهَا بِاخْتِيَارِهِ سنة ١٤٩٧ وَقضى بَاقِي عمره فِي عمل الْخيرَات والمبرات

стр. 147

٩ - السُّلْطَان سليم الاول الْغَازِي الملقب ب ياوز أَي الْقَاطِع لما كَانَ تَعْيِينه بمساعي الانكشارية يَقْتَضِي توزيع المكافآت عَلَيْهِم حسب الْمُعْتَاد اعطى لكل نفر مِنْهُم خمسين دوكا ثمَّ عين ابْنه سُلَيْمَان حَاكما للقسطنطينية وسافر بجيوشه إِلَى بِلَاد آسيا لمحاربة اخوته واولاد اخوته حَتَّى يهدأ باله بداخليته وَلم يبْق لَهُ مُنَازع فِي الْملك فاقتفى اثر اخيه احْمَد إِلَى انقرة وَلم يتَمَكَّن من الْقَبْض عَلَيْهِ لوُجُود علاقات بَينه وَبَين الْوَزير مصطفى باشا الَّذِي كَانَ يُخبرهُ بمقاصد السُّلْطَان لَكِن علم السُّلْطَان بِهَذِهِ الْخِيَانَة فَقتل الْوَزير شَرّ قتلة جَزَاء لَهُ وعبرة لغيره ثمَّ ذهب إِلَى بورصة حَيْثُ قبض على خَمْسَة من اولاد اخوته وامر بِقَتْلِهِم وَبعدهَا توجه بِكُل سرعَة إِلَى صاروخان مقرّ اخيه كركود ففر مِنْهُ إِلَى الْجبَال وَبعد الْبَحْث عَلَيْهِ عدَّة اسابيع قبض عَلَيْهِ وَقتل اما احْمَد فَجمع جَيْشًا من محازبيه وَقَاتل العساكر العثمانية فَانْهَزَمَ وَقتل بِالْقربِ من مَدِينَة يكى شهر فِي يَوْم ١٧ صفر سنة ٩١٩ ٢٤ ابريل سنة ١٥١٣ وَلما اطْمَأَن خاطره من جِهَة داخليته عَاد إِلَى مَدِينَة ادرنه حَيْثُ كَانَ بانتظار سفراء من قبل البندقية والمجر والموسكو وسلطنة مصر فابرم مَعَ جَمِيعهم هدنة لمدد طَوِيلَة بِمَا ان مطامعه كَانَت متجهة إِلَى بِلَاد الْفرس الَّتِي كَانَت اخذت فِي النمو والارتقاء فِي عصر ملكهَا شاه اسماعيل الشيعي فانه فتح ولَايَة شيروان وَجعل

стр. 148

مركزه مَدِينَة تبريز سنة ١٥٠١ وَبعدهَا فتح الْعرَاق الْعَرَبِيّ وبلاد خُرَاسَان وديار بكر سنة ١٥٠٨ وارسل اُحْدُ قواده فاحتل مَدِينَة بَغْدَاد وَفِي سنة ١٥١٠ ضم إِلَى املاكه بِلَاد فارستان واذربيجان وَبِذَلِك امتدت مَمْلَكَته من الخليج الْفَارِسِي إِلَى بَحر الخزر وَمن منابع الْفُرَات إِلَى مَا وَرَاء نهر اموداريا محاربة الْعَجم وَدخُول العثمانيين مَدِينَة تبريز وَلما عصى السُّلْطَان سليم واخوته والدهم السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي ساعد الشاه اسماعيل الامير احْمَد على وَالِده ثمَّ على اخيه من بعده وَقبل من فر من اولاده عِنْده وَزِيَادَة عل ذَلِك ارسل وَفْدًا إِلَى سُلْطَان مصر يطْلب مِنْهُ التَّحَالُف لايقاف سير الدولة العثمانية مُبينًا لَهُ انه ان لم يتَّفقَا حَارَبت الدولة كلا مِنْهُمَا على حِدته وقهرته وسلبت املاكه ولايجاد سَبَب للحرب امْر السُّلْطَان سليم بحصر عدد الشِّيعَة المنتشرين فِي الولايات المتاخمة لبلاد الْعَجم بطريقة سَرِيَّة ثمَّ امْر بِقَتْلِهِم جَمِيعًا وَيُقَال ان عَددهمْ كَانَ يبلغ نَحْو الاربعين الْفَا وَهَذِه المذبحة كالمذبحة الَّتِي حصلت بباريس فِي ٥ جماد اول سنة ٩٨٠ ٢٤ اغسطس سنة ١٥٧٢ الْمَشْهُورَة فِي التواريخ

стр. 149

بمذبحة سان برتليمي وَبعد ذَلِك اعلن السُّلْطَان سليم الشاه اسماعيل بِالْحَرْبِ وسافر بجيوشه من مَدِينَة ادرنه فِي ٢٢ محرم سنة ٩٢٠ ١٩ مارس سنة ١٥١٤ وَفِي اثناء مسيره تبادل مَعَ الشاه اسماعيل رسائل مفعمة بالسباب وَسَار الْجَيْش العثماني تَحت قيادة السُّلْطَان سليم نَفسه كَمَا جرت بِهِ الْعَادة قَاصِدا مَدِينَة تبريز عَاصِمَة الْعَجم وَكَانَت الجيوش الفارسية تتقهقر امامه خدعة مِنْهُم لينهك التَّعَب الجيوش العثمانية فينقضوا عَلَيْهِم واستمروا فِي تقهقرهم إِلَى ارباض تبريز فَوَقع الْقِتَال بَين الجيشين فِي وَادي جال دران فِي ٢ رَجَب سنة ٩٢٠ ٢٤ اغسطس سنة ١٥١٤ فانتصرت الجيوش العثمانية نصرا مُبينًا لمساعدة الطوبجية لَهَا وفر الشاه بِمَا بَقِي من جيوشه وَوَقع كثير من قواده فِي الاسر واسرت ايضا احدى زَوْجَاته وَلم يقبل السُّلْطَان ان يردهَا لزَوجهَا بل زَوجهَا لَاحَدَّ كاتبي يَده انتقاما من الشاه وَفتحت الْمَدِينَة ابوابها ودخلها السُّلْطَان منصورا فِي يَوْم ١٤ رَجَب سنة ٩٢٠ ٤ سبتمبر سنة ١٥١٤ وَاسْتولى على خَزَائِن الشاه وارسلها إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَكَذَلِكَ ارسل اليها اربعين شخصا من امهر صناع هَذِه الْمَدِينَة الامر الَّذِي يدل على عدم اغفاله تقدم الصَّنَائِع اثناء اشْتِغَاله بالحروب وَبعد ان استراح ثَمَانِيَة ايام قَامَ بجيوشه واخلى مَدِينَة تبريز لعدم وجود المؤونة الكافية لجيوشه بهَا مقتفيا اثر الشاه اسماعيل حَتَّى وصل إِلَى

стр. 150

شاطئ نهر الرس وَعِنْدهَا امْتنع الانكشارية عَن التَّقَدُّم لاشتداد الْبرد وَعدم وجود الملابس والمؤونة اللَّازِمَة لَهُم فقفل رَاجعا إِلَى مَدِينَة اماسيا بآسيا الصُّغْرَى للاستراحة زمن الشتَاء والاستعداد للحرب فِي اوائل الرّبيع وَمر فِي عودته من بِلَاد ارمينيا لكنه لم يفتحها لعدم وجود الْوَقْت الْكَافِي لذَلِك وعندما اقبل الرّبيع بنضارته رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى بِلَاد الْعَجم فَفتح قلعة كوماش الشهيرة وامارة ذِي الْقدر سنة ١٥١٥ ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة تَارِكًا قواده لاتمام فتح الولايات الفارسية الشرقية وَلما وصل اليها امْر بقتل عدد عَظِيم من ضباط الانكشارية الَّذين كَانُوا سَبَب الِامْتِنَاع عَن التَّقَدُّم فِي بِلَاد فَارس كَمَا سبق الذّكر خشيَة من امتداد الْفساد وَعدم الاطاعة فِي الجيوش وامر بقتل قَاضِي عَسْكَر هَذِه الفئة واسْمه جَعْفَر جلبي لانه كَانَ من اكبر المحركين لهَذَا الِامْتِنَاع وخوفا من حُصُول مثل ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل جعل لنَفسِهِ حق تعْيين قائدهم الْعَام وَلم يكن من بَينهم ليَكُون لَهُ بذلك السيطرة عَلَيْهِم وَكَانَ النظام السَّابِق يقْضِي بتعيينه من اقدم ضباط الانكشارية وَبعد عودة السُّلْطَان إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فتحت الجيوش العثمانية مَدَائِن ماردين واورفه والرقة والموصل وبذل تمّ فتح اقليم ديار بكر واطاعت كَافَّة قبائل الكرد بِدُونِ كثير عناء بِشَرْط بقائهم تَحت حكم رُؤَسَاء قبائلهم

стр. 151

فتح مصر ودخولها ضمن الممالك المحروسة وَلم ينْتَه السُّلْطَان سليم من محاربة الشِّيعَة وَفتح بِلَاد ديار بكر والموصل حَتَّى اخذ فِي الاستعداد لفتح سلطنة مصر بِمَا ان سلطانها قانصوه الغوري كَانَ تحالف مَعَ الشاه اسماعيل لمحاربة الدولة الْعلية وَلما علم سُلْطَان مصر بتأهب سُلْطَان آل عُثْمَان لمحاربته ارسل اليه رَسُولا يعرض عَلَيْهِ ان يتوسط بَينه وَبَين الْعَجم لابرام الصُّلْح فَلم يقبل بل طرد السفير بعد ان اهانه وَسَار بجيشه إِلَى بِلَاد الشَّام قَاصِدا وَادي النّيل وَكَانَ قانصوه الغوري استعد ايضا لمحاربته فتقابل الجيشان بِقرب حلب الشَّهْبَاء فِي وَاد يُقَال لَهُ مرج دابق وَهزمَ الغوري بِسَبَب وُقُوع الْخلاف بَين فرق جَيْشه الْمُؤلف من المماليك وساعدت المدافع العثمانية على النَّصْر وَقتل الغوري فِي اثناء انهزام الْجَيْش وسنه ثَمَانُون سنة وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم الاحد ٢٥ رَجَب سنة ٩٢٢ ٢٤ اغسطس سنة ١٥١٦ وَبعد هَذِه الموقعة احتل السُّلْطَان سليم بِكُل سهولة مَدَائِن حماه وحمص ودمشق وَعين بهَا وُلَاة من طرفه وقابل من بهَا من الْعلمَاء فاحسن وفادتهم وَفرق الانعامات على الْمَسَاجِد وامر بترميم الْجَامِع الاموي بِدِمَشْق وَلما صلى السُّلْطَان الْجُمُعَة بِهِ

стр. 152

اضاف الْخَطِيب عِنْدَمَا دَعَا لَهُ هَذِه الْعبارَة خَادِم الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَهِي مستعملة فِي الْخطْبَة إِلَى الْآن هَذَا وَلما وصل خبر موت السُّلْطَان الغوري إِلَى مصر انتخب المماليك طومان باي خلفا لَهُ وارسل اليه السُّلْطَان سليم يعرض عَلَيْهِ الصُّلْح بِشَرْط اعترافه بسيادة الْبَاب العالي على الْقطر الْمصْرِيّ فَلم يقبل بل استعد لملاقاة الجيوش العثمانية عِنْد الْحُدُود فالتقت مقدمتا الجيشين عِنْد حُدُود بِلَاد الشَّام وهزمت مُقَدّمَة المماليك واحتل العثمانيون مَدِينَة غَزَّة على طَرِيق مصر وَسَارُوا نَحْو الْقَاهِرَة حَتَّى وصلوا بِالْقربِ مِنْهَا وعسكر السُّلْطَان بجيشه فِي اواخر ذِي الْحجَّة سنة ٩٢٢ بالخانقاه الْمَعْرُوفَة بالخانكة وَفِي ٢٩ ذِي الْحجَّة سنة ٩٢٢ ٢٢ يناير سنة ١٥١٧ انتشب الْقِتَال بَين الطَّرفَيْنِ بِجِهَة العادلي جِهَة الوايلي وَفِي اثناء الْقِتَال قصد طومان باي وَبَعض الشجعان مَرْكَز السُّلْطَان سليم وَقتلُوا من حوله واسروا وزيره سِنَان بك وَقَتله طومان باي بِيَدِهِ ظنا مِنْهُ انه هُوَ السُّلْطَان سليم نَفسه وَلم تَنْفَع شجاعتهم شَيْئا بل تغلب عَلَيْهِم بمدافعه ومدافعهم الَّتِي استولى عَلَيْهَا وَقت الْحَرْب وَبعد ذَلِك بِثمَانِيَة ايام فِي يَوْم ٨ محرم سنة ٩٢٣ دخل العثمانيون مَدِينَة الْقَاهِرَة رغما عَن مقاومة المماليك الَّذين حاربوهم من شَارِع لآخر وَمن منزل لآخر حَتَّى قتل مِنْهُم وَمن اهالي الْبَلَد مَا يبلغ خمسين الف نسمَة اما طومان باي فالتجأ وَمن بَقِي مَعَه إِلَى بر الجيزة وَصَارَ يناوش العثمانيين وَيقتل كل من يأسره مِنْهُم لكنه لم يلبث ان وَقع فِي ايدي العثمانيين بخيانة بعض من مَعَه وشنق بامر السُّلْطَان سليم فِي ١٣ ابريل سنة ١٥١٧ ٢١ ربيع الاول سنة ٩٢٣ بِبَاب زويله وَدفن بالقبر الَّذِي كَانَ اعده السُّلْطَان الغوري لنَفسِهِ وَبعد ان مكث السُّلْطَان سليم بِالْقَاهِرَةِ نَحْو شهر اقام فِي منيل الرَّوْضَة واخذ فِي زِيَارَة جَوَامِع الْمَدِينَة وكل مَا بهَا من الْآثَار ووزع على اعيان الْمَدِينَة العطايا وَالْخلْع السّنيَّة وَحضر الاحتفال الَّذِي يحصل بِمصْر سنويا لفتح الخليج الناصري عِنْد بُلُوغ

стр. 153

النّيل الدرجَة الكافية لري الاراضي المصرية ثمَّ حضر احتفال سفر الْمحمل الشريف وقافلة الْحجَّاج الَّتِي ترسل مَعهَا الْكسْوَة الشَّرِيفَة إِلَى الاراضي الحجازية وارسل الصرة الْمُعْتَاد ارسالها إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين بِقصد توزيعها على الْفُقَرَاء من عهد السُّلْطَان مُحَمَّد جلبي العثماني وابلغها إِلَى ثَمَانِيَة وَعشْرين الف دوكا وَمِمَّا جعل لفتح وَادي النّيل اهمية تاريخية عظمى ان مُحَمَّد المتَوَكل على الله آخر ذُرِّيَّة الدولة العباسية الَّذِي حضر اجداده لمصر بعد سُقُوط مَدِينَة بَغْدَاد مقرّ خلَافَة بني الْعَبَّاس فِي قَبْضَة هولاكو خَان التتري سنة ٦٥٦ هـ سنة ١٠٩١ م وَكَانَت لَهُ الْخلَافَة بِمصْر اسْما تنازل عَن حَقه فِي الْخلَافَة الاسلامية إِلَى السُّلْطَان سليم العثماني وَسلمهُ الْآثَار النَّبَوِيَّة الشَّرِيفَة وَهِي البيرق وَالسيف والبردة وَسلمهُ ايضا مَفَاتِيح الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَمن ذَلِك التَّارِيخ صَار كل سُلْطَان عثماني اميرا للْمُؤْمِنين وَخَلِيفَة لرَسُول رب الْعَالمين اسْما وفعلا هَذَا وَقد جَاءَ بالجزء السَّابِع من الخطط الجديدة التوفيقية للمرحوم عَليّ باشا مبارك بِخُصُوص مَا اجراه السُّلْطَان سليم الْغَازِي من الترتبات بِمصْر مَا يَأْتِي وَلما اخذ مصر وَرَأى غَالب حكامها من المماليك الَّذين ورثوها عَن ساداتهم رأى ان بعد الْولَايَة عَن مَرْكَز الدولة رُبمَا اوجب خُرُوج حاكمها عَن الطَّاعَة وتطلبه الِاسْتِقْلَال فَجعل حُكُومَة مصر منقسمة إِلَى ثَلَاثَة اقسام وَجعل فِي كل قسم رَئِيسا وجعلهم جَمِيعًا منقادين لكلمة وَاحِدَة هِيَ كلمة وَزِير الدِّيوَان الْكَبِير وَجعله مركبا من الباشا الْوَالِي من قبله وَمن بيكوات السَّبع وجاقات وَجعل للباشا مزية توصيل اوامر السُّلْطَان إِلَى الْمجْلس وَحفظ الْبِلَاد وتوصيل الْخراج إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمنع كلا من الاعضاء الْعُلُوّ على صَاحبه وَجعل لاعضاء الْمجْلس مزية نقض اوامر الباشا باسباب تبدو لَهُم وعزله ان رَأَوْا ذَلِك والتصديق على جَمِيع الاوامر الَّتِي تصدر مِنْهُ فِي الامور الداخلية وَجعل حكام المديريات الاربع وَالْعِشْرين من

стр. 154

المماليك وخصهم بمزية جمع الْخراج فِي الْبِلَاد وقمع العربان وصدهم عَنْهَا والمحافظة على مَا فِي داخلها وكل ذَلِك بأوامر تصدر لَهُم من الْمجْلس وجردهم عَن التَّصَرُّف من انفسهم ولقب احدهم الْمُقِيم بِالْقَاهِرَةِ بشيخ الْبَلَد ثمَّ رتب الْخراج وقسمه اقساما ثَلَاثَة وَجعل من الْقسم الاول مَاهِيَّة عشْرين الف عسكري بالقطر من المشاة واثني عشر الْفَا من الخيالة وَالْقسم الثَّانِي يُرْسل إِلَى الْمَدِينَة المنورة وَمَكَّة المشرفة وَالْقسم الثَّالِث يُرْسل إِلَى خزينة الْبَاب العالي وَلم يلْتَفت إِلَى رَاحَة الاهالي بل تَركهَا عرضة للمضار كَمَا كَانَت وَمن هَذَا التَّرْتِيب تمكنت الدولة الْعلية من ابقاء الديار المصرية تَحت تصرفها نَحْو مِائَتي سنة ثمَّ اهملت بعد ذَلِك القوانين الَّتِي وَضعهَا السُّلْطَان سليم من حِين استيلائه عَلَيْهَا وَكَانَت هِيَ الاساس وَلم تلْتَفت الدولة لما كَانَ يحصل من المماليك من الامور المخلة بالنظام فضعفت شَوْكَة الدولة وهيبتها الَّتِي كَانَت لَهَا على مصر واخذ البكوات تكْثر من المماليك وتتقوى بهَا حَتَّى فاقت بقوتها الدولة العثمانية فِي الديار المصرية فآل الامر وَالنَّهْي لَهُم فِي الْحُكُومَة وَصَارَت الدولة صورية غير حَقِيقِيَّة وَسبب ذَلِك اكثارهم من شِرَاء المماليك وَلَو كَانَت الدولة الْعلية تنبهت لهَذَا الامر ومنعت بيع الرَّقِيق لكَانَتْ الامور بَاقِيَة على مَا وَضعهَا السُّلْطَان سليم وَلَكِن غفلت عَن هَذَا الامر كَمَا غفلت عَن امور كَثِيرَة وَمن ذَلِك لحق الاهالي الذل والاهانة وَهَاجَر كثير مِنْهُم إِلَى الديار الشامية والحجازية وَغَيرهمَا وَخَربَتْ الْبِلَاد وتعطلت الزِّرَاعَة من قلَّة المزارعين وَعدم الاعتناء بتطهير الجداول والخلجان الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الخصب ونتج من ذَلِك وَمن خوف الدولة الْعلية من تمكن الباشا فِي الْحُكُومَة ان تغلبت البكوات وَصَارَت كلمتهم هِيَ النافذة وانفردوا بِالتَّصَرُّفِ اهـ وَفِي اوائل شهر سبتمبر سنة ١٥١٧ سَافر السُّلْطَان سليم من الْقَاهِرَة عَائِدًا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الَّتِي صَارَت من ذَلِك الْوَقْت مقرّ الْخلَافَة الاسلامية الْعُظْمَى وَكَانَ سَفَره عَن طَرِيق بِلَاد الشَّام مستصحبا مَعَه آخر بني الْعَبَّاس وَعين خير بك واليا على مصر وَهُوَ اُحْدُ امراء المماليك الَّذين خانوا طومان باي وانضموا اليه وَترك

стр. 155

بِالْقَاهِرَةِ حامية كَافِيَة لحفظ الامن تَحت قيادة خير الدّين آغا الانكشاري وَفِي اثناء مروره بصحراء الْعَريش الْتفت لوزيره الاكبر يُونُس باشا الَّذِي كَانَ فتح مصر على غير رَأْيه وَقَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ انه قد اتم فتحهَا خلافًا لرأيه فجاوبه يُونُس باشا بَان فتحهَا لم يعد عَلَيْهِ بِشَيْء الا قتل نَحْو نصف الْجَيْش بِمَا انه سلمهَا لخائن كَانَ غَرَضه التَّمَلُّك عَلَيْهَا لنَفسِهِ فَلَا يُؤمن وَلَاؤُه للدولة فَغَضب السُّلْطَان من هَذَا الْكَلَام الموجه اليه بِصفة لوم وامر بقتْله فِي الْحَال فَقتل وَكَانَ ذَلِك فِي ٦ رَمَضَان سنة ٩٢٣ وَعين مَكَانَهُ بير مُحَمَّد باشا الَّذِي كَانَ معينا قَائِم مقَام السُّلْطَان فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة اثناء تغيبه فِي فتح مصر لِثِقَتِهِ بِهِ بِنَاء على مَا اظهره من اصالة الرَّأْي فِي محاربة الشاه اسماعيل وَفِي ٢٠ رَمَضَان سنة ٩٢٣ وصل السُّلْطَان إِلَى مَدِينَة دمشق وَمكث بهَا إِلَى ٢٢ صفر سنة ٩٢٤ ثمَّ سَافر إِلَى مَدِينَة حلب بعد ان حضر الاحتفال باقامة الصَّلَاة اول مرّة فِي الْجَامِع الَّذِي اقامه بِدِمَشْق على قبر محيي الدّين بن الْعَرَبِيّ فِي ٢٤ محرم سنة ٩٢٤ ٢٥ وَبعد أَن أَقَامَ بحلب مُدَّة شَهْرَيْن سَافر قَاصِدا عَاصِمَة ملكه فوصلها فِي ١٧ رَجَب سنة ٩٢٤ ٢٥ يوليه سنة ١٥١٨ ثمَّ ارتحل عَنْهَا إِلَى مَدِينَة ادرنه بعد عشرَة ايام قَضَاهَا فِي الاسْتِرَاحَة من اتعاب السّفر وَكَانَ وَلَده سُلَيْمَان معينا حَاكما لَهَا مُدَّة غياب وَالِده وَبعد وُصُول ابيه بِتِسْعَة ايام استأذنه الامير سُلَيْمَان فِي السّفر إِلَى ولَايَة صاروخان الْمعِين واليا عَلَيْهَا وَفِي اثناء اقامة السُّلْطَان بِمَدِينَة ادرنه وصل اليه سفير من قبل مملكة اسبانيا ليخابره بشأن حريَّة زِيَارَة المسيحيين للقدس الشريف الَّذِي كَانَ قبلا تَابعا لسلطنة مصر وتبعها فِي دُخُولهَا تَحت ظلّ الدولة الْعلية فِي مُقَابلَة دفع الْمبلغ الَّذِي كَانَ يدْفع

стр. 156

سنويا للمماليك فاحسن السُّلْطَان مُقَابلَته وَصرح بقبوله ذَلِك إِذا ارسل ملكه رَسُولا آخر مخولا لَهُ حق ابرام معاهدة مَعَ الْبَاب العالي وَكَذَلِكَ اتى اليه فِيهَا سفير من قبل جمهورية البندقية ليدفع لَهُ خراج سنتَيْن متاخر الْخراج الْمُقَرّر عَلَيْهَا نَظِير بَقَائِهَا فِي جَزِيرَة قبرص وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة مشتغلا بتجهيز عمَارَة بحريّة لمعاودة الكرة على جَزِيرَة رودس بحرا وَكَانَ يستعد ايضا لمحاربة شاه الْعَجم ثَانِيًا فَجمع خَمْسَة عشر الف فَارس بِمَدِينَة قيصرية وَضم اليهم ثَلَاثِينَ الف جندي من المشاة تَحت قيادة فرحات باشا بيلر بك الاناطول وارسل اليهم عددا عَظِيما من المدافع والذخائر لَكِن لم يمهله الْمنون ريثما يتم مَشْرُوع فتح جَزِيرَة رودس بل عاجله فِي رحلته من الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَى ادرنه فَتوفي فِي يَوْم ٩ شَوَّال سنة ٩٢٦ ٢٢ سبتمبر سنة ١٥٢٠ فِي السّنة التَّاسِعَة من حكمه والحادية وَالْخمسين من عمره اذ كَانَت وِلَادَته فِي سنة ٩٧٥ واخفى طبيبه الخصوصي خبر مَوته عَن الْحَاشِيَة وَلم يبلغهُ الا للوزراء فَاجْتمع كل من بير مُحَمَّد باشا وَاحْمَدْ باشا ومصطفى باشا وقرروا اخفاء هَذَا الامر حَتَّى يحضر وَلَده سُلَيْمَان من اقليم صاروخان خوفًا من ان تثور الانكشارية كَمَا هِيَ عَادَتهم فَكَانَت مُدَّة حكمه كمدة حكم جده مُحَمَّد الفاتح أَيَّام فتوحات خارجية وتنظيمات داخلية إِلَّا أَنه كَانَ ميالا لسفك الدِّمَاء فَقتل سَبْعَة من وزرائه لأسباب واهية وَكَانَ كل وَزِير مهدد بِالْقَتْلِ لاقل هفوة حَتَّى صَار يدعى على من يرام مَوته بَان يصبح وزيرا لَهُ وَبنى كثيرا من الْجَوَامِع وحول اجمل كنائس الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَى مَسَاجِد مَعَ سبق الْوَعْد من السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّانِي الفاتح لبطريق الرّوم بِعَدَمِ مس نصف الْكَنَائِس الثَّانِي الَّذِي تَركه لَهُم بعد فتح الْمَدِينَة كَمَا مر

стр. 157

١٠ - السُّلْطَان الْغَازِي سُلَيْمَان خَان الاول القانوني ولد هَذَا الْملك الَّذِي بلغت الدولة الْعلية فِي مدَّته اعلى دَرَجَات الْكَمَال فِي غرَّة شعْبَان سنة ٩٠٠ هجرية ٢٧ ابريل سنة ١٤٩٥ م وَهُوَ عَاشر مُلُوك آل عُثْمَان وَلَو عده بعض المؤرخين حادي عشرهم بِاعْتِبَار سُلَيْمَان الَّذِي نَازع اخاه مُحَمَّد جلبي الْملك سُلْطَانا فَذَلِك خطأ لانه لم يحكم بِصفة قانونية وَلذَلِك اجْمَعْ المؤرخين على تَسْمِيَة السُّلْطَان سُلَيْمَان الاول واعتباره عَاشر مُلُوك هَذِه الدولة وَهُوَ الاصح وبمجرد وُصُول خبر موت ابيه قَامَ قَاصِدا الْقُسْطَنْطِينِيَّة ودخلها فِي يَوْم ١٦ شَوَّال سنة ٩٢٦ ٢٩ سبتمبر سنة ١٥٢٠ وَكَانَ فِي انْتِظَاره على افريز السراي جنود الانكشارية فقابلوه بالتهليل وَطلب الْهَدَايَا الْمُعْتَاد توزيعها عَلَيْهِم عِنْد تَوْلِيَة كل ملك وَبعد ظهر ذَلِك الْيَوْم حضر بير مُحَمَّد باشا من ادرنه وَاخْبَرْ عَن وُصُول جثة المرحوم السُّلْطَان سليم فِي الْيَوْم التَّالِي وَفِي صَبِيحَة ١٧ شَوَّال جرت رسوم المقابلات السُّلْطَانِيَّة فوفد الامراء والوزراء والاعيان يعزون السُّلْطَان بِمَوْت وَالِده ويهنؤنه بالخلافة فِي آن وَاحِد وَهُوَ يقابلهم بملابس الْحداد وَعند الظّهْر وصل اليه خبر قدوم الجثة فَخرج لمقابلة النعش خَارج الْمَدِينَة وَسَار فِي الْجِنَازَة حَتَّى واروها التُّرَاب على اُحْدُ مرتفعات الْمَدِينَة وامر بِبِنَاء جَامع شَاهِق وَهُوَ جَامع سليمية ومدرسة فِي الْمحل الَّذِي دفن فِيهِ وَكَانَت باكورة اعماله بعد توزيع النُّقُود على الانكشارية تعْيين مربيه قَاسم باشا مستشارا خَاصّا وابلاغ تَوليته على عرش الْخلَافَة الْعُظْمَى إِلَى كَافَّة الْوُلَاة واشراف مَكَّة وَالْمَدينَة بخطابات مفعمة بالنصايح والآيات القرآنية المبينة فضل الْعدْل والقسط فِي الاحكام ووخامة عَاقِبَة الظُّلم وَكَانَ يستهل خطاباته بِالْآيَةِ الشَّرِيفَة ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾

стр. 158

وَلما وصل خبر تَوليته إِلَى حَاكم الشَّام واسْمه الْغَزالِيّ وَهُوَ من اصحاب قانصوه الغوري الَّذين خانوه فِي وَاقعَة مرج دابق تمرد واشهر الْعِصْيَان وَاسْتولى على قلعة دمشق وارسل اُحْدُ اتِّبَاعه لاحتلال مَدِينَة بيروت واجتهد فِي استمالة خير بك الْعَامِل على مصر اليه وارسل اليه جَوَابا يحثه فِيهِ عل الْعِصْيَان مُبينًا لَهُ سهولة النجاح بِالنّظرِ إِلَى بعدهمْ عَن مقرّ الْخلَافَة وحداثة سنّ السُّلْطَان فجاوبه خير بك بانه لَا يشْتَرك مَعَه الا إِذا استولى على مَدِينَة حلب وَلم يكن جَوَابه هَذَا الا مداهنة وخداعا فانه ارسل خطابات الْغَزالِيّ إِلَى السُّلْطَان فعين السُّلْطَان فرحات باشا اُحْدُ وزرائه لقمع هَذَا المتمرد وَمَعَهُ جَيش كَاف لاخماد هَذِه الثورة قبل امتدادها فَسَار فرحات باشا بِكُل همة فِي اواخر ذِي الْحجَّة سنة ٩٢٦ نوفمبر سنة ١٥٢٠ وَوصل إِلَى حلب فِي ٢٢ دسمبر وَكَانَ الْغَزالِيّ اذ ذَاك محاصرا لَهَا فَارْتَد على عَقِبَيْهِ بِدُونِ قتال عَائِدًا إِلَى دمشق وتحصن فِيهَا فتاثره فرحات باشا بجُنُوده وحاصره فِيهَا وَفِي يَوْم ١٧ صفر سنة ٩٢٧ ٢٧ يناير سنة ١٥٢١ خرج الْغَزالِيّ من الْمَدِينَة طلبا لِلْقِتَالِ فَهزمَ وَقتل اغلب من كَانَ مَعَه وفر هُوَ متنكرا لَكِن خانه بعض اتِّبَاعه وَسلمهُ إِلَى فرحات باشا فَقتله فِي ٨ صفر وارسل راسه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فتح مَدِينَة بلغراد وَعند وُصُول راسه إِلَى العاصمة ورد خبر قتل السفير الَّذِي ارسله السُّلْطَان إِلَى ملك المجر يطْلب مِنْهُ دفع الْجِزْيَة اَوْ الْحَرْب فاستشاط السُّلْطَان غَضبا وامر بتجهيز الجيوش وَجمع كل مَا يلْزمهُم من الْمُؤْنَة والذخائر لمحاربة المجر وَسَار هُوَ بِنَفسِهِ فِي مُقَدّمَة الْجَيْش وارسل اُحْدُ مشاهير قواده واسْمه احْمَد باشا لمحاصرة مَدِينَة شابتس الْقَرِيبَة من بلغراد فَفَتحهَا فِي ٢ شعْبَان سنة ٩٢٧ وَوصل

стр. 159

اليها السُّلْطَان فِي الْيَوْم التَّالِي ثمَّ سَافر بالجيوش الَّتِي كَانَت مشتغلة بحصار هَذِه الْمَدِينَة لمساعدة وزيره بير مُحَمَّد باشا على تضييق الْحصار على مَدِينَة بلغراد ففتحت بعد دفاع شَدِيد واخلت الْجنُود المجرية قلعتها فِي ٢٥ رَمَضَان سنة ٩٢٧ ٢٩ اغسطس سنة ١٥٢١ ودخلها السُّلْطَان وَصلى الْجُمُعَة فِي احدى كنائسها الَّتِي حولت مَسْجِدا وَصَارَت هَذِه الْمَدِينَة الَّتِي كَانَت امْنَعْ حصن للمجريين ضد تقدم الدولة الْعلية اكبر مساعد لَهَا على فتح مَا وَرَاء نهر الدانوب من الاقاليم والبلدان واعلن السُّلْطَان هَذَا الِانْتِصَار إِلَى جَمِيع الْوُلَاة وملوك اوروبا وَرَئِيس جمهورية البنادقة ثمَّ عَاد إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة مكللا بالنصر وَالظفر على الاعداء وارسل اليه قَيْصر الروس يهنئه بالفوز وَالظفر وَكَذَلِكَ رُؤَسَاء جمهوريتي البندقية وراجوزة وَفِي اول محرم سنة ٩٢٨ امضيت بَين الدولة العثمانية وجمهورية البنادقة معاهدة تجارية تؤيد المعاهدات السَّابِقَة وَزيد عَلَيْهَا ان وَكيل الجمهورية فِي الاستانة قنصلها يجب تَغْيِيره كل ثَلَاث سنوات وان قضايا التركات تنظر بطرفه وان يكون لَهُ الْحق فِي ارسال ترجمان لحضور المرافعة فِي القضايا الَّتِي تُقَام ضد رعايا حكومته امام المحاكم العثمانية وان يكون الْخراج الَّذِي يدْفع مِنْهَا إِلَى الدولة نَظِير احتلالها جزيرتي قبرص وزانطة عشرَة آلَاف دوكا عَن الاولى وَخَمْسمِائة

стр. 160

عَن الثَّانِيَة ولهذه المعاهدة اهمية عظمى لانها اساس الامتيازات القنصلية بِبِلَاد الدولة الْعلية فتح جَزِيرَة رودس وَبعد ذَلِك اخذ السُّلْطَان فِي الاستعداد برا وبحرا لفتح جَزِيرَة رودس الَّتِي لم يتَمَكَّن السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح من فتحهَا لتَكون حَلقَة اتِّصَال بَين الْقُسْطَنْطِينِيَّة ومصر من جِهَة الْبَحْر ولكي لَا يكون للمسيحيين مَرْكَز حُصَيْن فِي وسط بِلَاده تلجأ إِلَيْهِ عمارات الدول المعادية للدولة وَقت الْحَرْب واراد الاسراع فِي تتميم هَذَا الْعَمَل الْعَظِيم الَّذِي عجز عَنهُ لوُجُود مُلُوك أوروبا مشتغلين فِي جِهَات اخرى لَا يُمكنهُم مساعدة الرهبنة المحتلة لَهَا فَكَانَ ملك فرانسا فرانسوا

стр. 161

الاول وشارل الْخَامِس الشهير بشارلكان ملك اسبانيا والمانيا مَعًا مشتغلين بمحاربة بعضهما والبابا لاون الْعَاشِر مشتغلا بمجادلة ومقاومة الراهب الالماني لوثر مؤسس مَذْهَب البروتستانت وبلاد المجر مضطربة فِي الدَّاخِل بِسَبَب

стр. 162

عدم اتِّفَاق امرائها واعيانها وَصغر سنّ ملكهَا لويس الثَّانِي كل هَذِه الاسباب حملت السُّلْطَان على انتهاز هَذِه الفرصة لفتح هَذَا الْحصن المنيع لَكِن اقْتَضَت شفقته ان يُرْسل إِلَى رَئِيس الرهبنة قبل الشُّرُوع فِي الْحَرْب كتابا يعرض عَلَيْهِ اخلاء الجزيرة والانسحاب مِنْهَا بِكُل من مَعَه من المسيحيين الَّذين يؤثرون المهاجرة على الْبَقَاء متعهدا لَهُ بِعَدَمِ التَّعَرُّض لانفسهم ولاموالهم وَلما لم يقبل رئيسهم هَذَا الاقتراح امْر السُّلْطَان الْعِمَارَة البحرية فاقلعت قاصدة رودس وسافر هُوَ من طَرِيق الْبر إِلَى خليج مرمورا الْمُقَابل للجزيرة من جِهَة آسيا فوصلتها الدونانمة فِي ٢٦ يونيه سنة ١٥٢٢ وارسلت إِلَى الْبر مدافع الْحصار وامؤنة والذخائر وَوصل اليها السُّلْطَان فِي ٢٨ يوليه وبمجرد وُصُوله ابْتَدَأَ الْحصار بغاية الشدَّة ودافع من بهَا دفاع الابطال خُصُوصا الرهبان وَيُقَال ان النِّسَاء كَانَت تساعد الرِّجَال فِي الدفاع بالقاء الاحجار على المحاصرين وصب الزيوت الحارة على رُؤْسهمْ لَكِن لم يجد كل ذَلِك شَيْئا امام المدافع العثمانية الَّتِي تُوجد بعض قللها إِلَى الْآن فِي الجزيرة يستغرب رائيها من ضخامتها وَلما اعيت الْحِيَل رَئِيس هَذِه الرهبنة واسْمه فيليه

стр. 163

دي ليل ادام الفرنساوي الاصل ونفدت مُؤْنَته وذخائره ارسل اثْنَيْنِ من رهبانه إِلَى السُّلْطَان فِي ٢ صفر سنة ٩٢٩ ٢١ دسمبر سنة ١٥٢٢ يطْلب مِنْهُ السماح لَهُم باخلاء الجزيرة فِي مُدَّة اثْنَي عشر يَوْمًا بِشَرْط ان تبتعد الجيوش العثمانية عَن الْمَدِينَة المحصورة مَسَافَة ميل من كل جهاتها حَتَّى لَا يحصل للمحصورين ضَرَر عِنْد خُرُوجهمْ فَقبل السُّلْطَان ذَلِك لَكِن فِي ٥ مِنْهُ دخل الْمَدِينَة فريق من الانكشارية رغم اوامر السُّلْطَان واحتلوا الْمَدِينَة وارتكبوا كَافَّة انواع القبائح حسب عَادَتهم فَغَضب السُّلْطَان وامر بمراعاة شُرُوط التَّسْلِيم وعاقب المفسدين فاعيد الامن وسادت السكينَة وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَابل السُّلْطَان رَئِيس الرهبنة وانعم عَلَيْهِ بخلعة سنية وَفِي يَوْم ١٣ صفر سنة ٩٢٩ اول يناير سنة ١٥٢٣ سَافَرت هَذِه الفئة الممحضة نَفسهَا للدفاع عَن الدّين المسيحي ومحاربة الْمُسلمين قاصدة جَزِيرَة مالطة الَّتِي تنازل لَهَا عَنْهَا الْملك شارلكان واستمرت هَذِه الرهبنة نازلة بهَا حَتَّى احتلها بونابرت عِنْد قدومه مصر سنة ١٢١٣ هـ سنة ١٧٩٨ م وَبعد ذَلِك عَاد السُّلْطَان إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة ووفد اليها سفراء من قبل الروسيا والبندقية لتهنئته بالنصر وارسل اليه ايضا ملك الْعَجم سفيرا لهَذَا الْغَرَض وارسل مَعَه خَمْسمِائَة فَارس وَلما وصل إِلَى الاستانة امْر السُّلْطَان ان لايدخلها مَعَه الاعشرون فَقَط وَفِي شهر يونيه سنة ١٥٢٣ عزل الْوَزير الاول أَي الصَّدْر الاعظم بير مُحَمَّد باشا بِنَاء على دسائس الْوَزير احْمَد باشا طَمَعا فِي وظيفته لَكِن خَابَ مسعاه فقد عين

стр. 164

السُّلْطَان مَكَانَهُ اُحْدُ خواصه ابراهيم باشا وَعين احْمَد باشا واليا على مصر لوفاة خير بك فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ السُّلْطَان محاصرا لجزيرة رودس وَلما وصل احْمَد باشا إِلَى الْقَاهِرَة اخذ فِي استمالة من بَقِي من امراء المماليك اليه باقطاعهم الاراضي واغضائه عَمَّا يرتكبون مِنْهُ انواع الاثام والمظالم وَلما تحقق من اخلاصهم اعلن الْعِصْيَان مرّة وَاحِدَة وَاسْتولى على القلعة بعد قتل حاميتها فارسل اليه السُّلْطَان امرا بعزله من ولَايَة مصر وبالعود إِلَى الاستانة وَتَسْلِيم الْولَايَة لخلفه قره مُوسَى فَقتل الرَّسُول وقره مُوسَى الْوَالِي الْجَدِيد ثمَّ خانه اُحْدُ وزرائه اسْمه مُحَمَّد بك واراد الْقَبْض عَلَيْهِ فهرب واختفى عِنْد عرب الْبَادِيَة فاقتفى اثره حَتَّى ضَبطه وَقَتله وارسل راسه إِلَى الاستانة فعين بدله قَاسم باشا الْوَالِي الاسبق وكوفئ مُحَمَّد بك بتقليده وَظِيفَة دفتردار الْولَايَة سنة ١٥٢٤ وَفِي ٢٤ رَجَب سنة ٩٣٠ ٢٨ مايو سنة ١٥٢٤ ولد للسُّلْطَان غُلَام سمي سليما وَهُوَ الَّذِي خَلفه باسم سليم الثَّانِي وَفِي ٢ شعْبَان ٥ يونيه احتفل بالاستانة بزواج الصَّدْر الاعظم من الانكشارية والسيباه الفرسان السَّوَارِي لارجاع الامن إِلَى ربوعها وترتيب ماليتها وتننظيم امورها فسافر وَوصل اليها فِي ٢٤ مارس سنة ١٥٢٥ واقام بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى اتم ماموريته وغادرها فِي ٢٢ شعْبَان سنة ٩٣١ ١٤ يونيه سنة ١٥٢٥ قَاصِدا الاستانة عَن طَرِيق الْبر مارا بِدِمَشْق وقيصرة وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي ٧ سبتمبر من السّنة نَفسهَا وقوبل بِكُل اجلال واحترام لعلو مَنْزِلَته عِنْد السُّلْطَان تدَاخل الدولة الْعلية فِي بِلَاد القرم والفلاخ وفتنة الانكشارية وَفِي هَذِه الاثناء حصلت بعض فتن داخلية فِي بِلَاد القرم وَذَلِكَ ان غَازِي وبابا وَلَدي مُحَمَّد كراي خَان القرم ثارا على والدهما وعمهما فَقَتَلَاهُمَا سنة ٩٢٩ سنة ١٥٢٢ م وتقلد غَازِي كراي اكبرهما الامارة وَجعل اخاه وزيرا لَهُ لَكِن لم يقبل السُّلْطَان ذَلِك بل عين عَمهمَا سعادت كراي خَانا بدل اخيه مُحَمَّد كراي الْمَقْتُول وامده بِجَيْش من الانكشارية فَقبل غَازِي تعْيين عَمه وَصَارَ هُوَ وزيرا لَهُ وَبعد ذَلِك بِسِتَّة اشهر قتل غَازِي واخوه بَابا بامر عمهم سعادت وَفِي سنة

стр. 165

٩٣٨ - سنة ١٥٣١ قَامَ اخوهما اسلام كراي وَاسْتولى على الامارة وفر سعادت إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمكث بهَا حَتَّى توفّي سنة ٩٤٤ سنة ١٥٣٧ وَدفن بِجَامِع ابي ايوب بالاستانة وَكَانَت نتيجة هَذِه الْفِتَن زِيَادَة تدخل الدولة الْعلية فِي امور بِلَاد القرم حَتَّى فِي تعْيين امرائها وَصَارَت بذلك ولَايَة عثمانية تَقْرِيبًا وَفِي سنة ١٥٢٤ اراد السُّلْطَان ان يَجْعَل اقليم الفلاخ ولَايَة عثمانية وَلم يكن للدولة عَلَيْهِ اذ ذَاك الا السِّيَادَة والجزية فسير اليه جَيْشًا استولى على عاصمتها وعَلى اميرها وارسلوه إِلَى الاستانة فثار الاعيان وعينوا خلفا لَهُ وساعدهم على ذَلِك امير اقليم ترنسلفانيا المجاور لَهُ فَقبل السُّلْطَان من عينوه فِي مُقَابلَة زِيَادَة الْجِزْيَة عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ هَذَا وَفِي ٢٥ مارس سنة ١٥٢٥ تذمر الانكشارية بعد عودة السُّلْطَان من مَدِينَة ادرنة الَّتِي كَانَ توجه اليها للاقامة بهَا فِي فصل الشتَاء ونهبوا سراي ابراهيم باشا الصَّدْر الاعظم الَّذِي كَانَ اذ ذَاك بِمصْر وَمحل الجمرك وعدة اماكن اخرى من منَازِل الاعيان وحارة الْيَهُود وَلَوْلَا ان تدارك السُّلْطَان الْخطب بِنَفسِهِ لامتد الْعِصْيَان لكنه اسكتهم عَن السَّلب والنهب بتوزبع الف دوكا عَلَيْهِم ثمَّ بعد ذَلِك عزل بعض رُؤَسَائِهِمْ الَّذين كَانُوا سَبَب هَذَا الْعِصْيَان وَقتل بَعضهم ابْتِدَاء المخابرات والمراسلات بَين الدولة الْعلية وَملك فرانسا وَفِي ذَلِك الْعَهْد ابتدأت المخابرات بَين ملك فرانسا والدولة الْعلية وَذَلِكَ ان شارلكان ملك النمسا كَانَ فِي آن وَاحِد ملكا لاسبانيا والبلاد المنخفضة هولاندا وامبراطورا لالمانيا وحاكما لجزء عَظِيم من ايطاليا الجنوبية وَكَانَت جمهوريتا جنوا وفلورنسا تابعتين اليه وجمهورية البنادقة طوع امْرَهْ ومدينة وهران باقليم جزائر الغرب تَابِعَة لَهُ وَكَذَلِكَ جَزِيرَة مينورقة وجزيرة صقلية فَكَانَت

стр. 166

املاكه مُحِيطَة بمملكة فرانسا من جَمِيع الْجِهَات الا من جِهَة الْبَحْر وَلذَلِك سعى فرنسيس الاول ملك فرانسا فِي التَّحَالُف مَعَ دولة آل عُثْمَان والاتحاد مَعهَا على محاربة شارلكان لتحاربه الدولة الْعلية من جِهَة المجر والنمسا وتشغله عَن جيوش فرانسا من جِهَة الغرب فيتمكن ملك فرانسا بذلك من الاخذ بثأر وَاقعَة بافيا بايطاليا الَّتِي اخذ فِيهَا فرنسيس الاول اسيرا وَيظْهر من سعي فرانسا فِي استمالة الدولة الْعلية الاسلامية اليها وبذل الْجهد فِي محالفتها مَعَ كَون فرانسا مُعْتَبرَة لَدَى البابا اول الدول الكاثولكية واهمها مُحَافظَة عل عدم تقدم الاسلام باوروبا ان الدولة العثمانية بلغت فِي ذَلِك الْوَقْت شَأْنًا عَظِيما لم تبلغه من قبل وَصَارَ وجودهَا ضَرُورِيًّا لحفظ التوازن السياسي باوروبا واول سفير ارسل من قبل فرانسا إِلَى الْبَاب العالي ارسلته الملكة لويز زَوْجَة فرنسيس الاول حَالَة وجوده ماسورا فِي بِلَاد اسبانيا لَكِن لم يصل هَذَا السفير إِلَى الْبَاب العالي بل قبض عَلَيْهِ حَاكم بوسنه اثناء مروره قَاصِدا الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقَتله هُوَ واتباعه وَفِي اواخر سنة ١٥٢٥ ارسل سفير آخر وَهُوَ جَان فرنجباني وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَعَهُ جَوَاب من ملك فرانسا إِلَى جلالة السُّلْطَان الْأَعْظَم يطْلب مِنْهُ بِكُل تواضع أَن يهاجم ملك المجر أحد حلفاء شارلكان حَتَّى يمنعهُ من مساعدته وَيُمكن فرانسا بذلك ان تنتصر على شارلكان وتسترد مَا سلبه مِنْهَا من الشّرف فِي وَاقعَة بافيا وقابل السُّلْطَان سُلَيْمَان السفير الفرانساوي فِي ٦ دسمبر سنة ١٥٢٥ باحتفال زَائِد واجزل لَهُ العطايا وَبعد ان عرض عَلَيْهِ السفير مطَالب ملكه وعده السُّلْطَان بمحاربة المجر لَكِن لم تمض بَينهمَا معاهدة بل اكْتفى السُّلْطَان بَان كتب لملك فرانسا بتاريخ اوائل ربيع الثَّانِي سنة ٩٣٢ جَوَابا يظْهر لَهُ فِيهِ استعداده لمساعدته وَهَذِه صورته نقلا عَن تَرْجَمَة الْجُزْء الاول من تَارِيخ جودت باشا الله الْعلي الْمُعْطِي الْمُغنِي الْمعِين بعناية حَضْرَة عزة الله جلت قدرته وعلت كَلمته وبمعجزات سيد زمرة الانبياء

стр. 167

وقدوة فرقة الاصفياء مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ الْكَثِيرَة البركات وبمؤازرة قدس ارواح حماية الاربعة ابي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم اجمعين وَجَمِيع اولياء الله انا سُلْطَان السلاطين وبرهان الخواقين متوج الْمُلُوك ظلّ الله فِي الارضين سُلْطَان الْبَحْر الابيض وَالْبَحْر الاسود والاناضول والروملي وقرمان الرّوم وَولَايَة ذِي الْقَدَرِيَّة وديار بكر وكردستان واذربيجان والعجم وَالشَّام وحلب ومصر وَمَكَّة وَالْمَدينَة والقدس وَجَمِيع ديار الْعَرَب واليمن وممالك كَثِيرَة ايضا الَّتِي فتحهَا آبَائِي الْكِرَام واجدادي الْعِظَام بقوتهم الْقَاهِرَة انار الله براهينهم وبلاد اخرى كَثِيرَة افتتحتها يَد جلالتي بِسيف الظفر انا السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان بن السُّلْطَان سليم خَان بن السُّلْطَان بايزيد خَان إِلَى فرنسيس ملك ولَايَة فرنسا وصل إِلَى اعتاب ملْجأ السلاطين الْمَكْتُوب الَّذِي ارسلتموه مَعَ تابعكم فرانقبان النشيط مَعَ بعض الاخبار الَّتِي اوصيتموه بهَا شفاهيا واعلمنا ان عَدوكُمْ استولى على بِلَادكُمْ وانكم الْآن محبوسون وتستدعون من هَذَا الْجَانِب مدد الْعِنَايَة بِخُصُوص خلاصكم وكل ماقلتموه عرض على اعتاب سَرِير سدتنا الملوكانية واحاط بِهِ علمى الشريف على وَجه التَّفْصِيل فَصَارَ بِتَمَامِهِ مَعْلُوما فَلَا عجب من حبس الْمُلُوك وضيقهم فَكُن منشرح الصَّدْر وَلَا تكن مَشْغُول الخاطر فان آبَائِي الْكِرَام واجدادي الْعِظَام نور الله مراقدهم لم يَكُونُوا خالين من الْحَرْب لاجل فتح الْبِلَاد ورد الْعَدو وَنحن أَيْضا سالكون على طريقتهم وَفِي كل وَقت نفتح الْبِلَاد الصعبة والقلاع الحصينة وخيولنا لَيْلًا وَنَهَارًا مسروجة وسيوفنا مسلولة فَالْحق ييسر الْخَيْر بارادته ومشيئته واما بَاقِي الاحوال والاخبار تفهمونها من تابعكم الْمَذْكُور فَلْيَكُن معلومكم هَذَا تحريرا فِي اوائل شهر آخر الربيعين سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة بمقام دَار السلطنة الْعلية الْقُسْطَنْطِينِيَّة المحروسة المحمية فتح بِلَاد المجر وعاصمتها وَفِي ٢٥ ابريل سنة ١٥٢٦ سَافر السُّلْطَان سُلَيْمَان من الْقُسْطَنْطِينِيَّة لمحاربة المجر الَّذين كَانَت الْحَرْب غير مُنْقَطِعَة بَينهم وَبَين العثمانيين على التخوم وَكَانَ الْجَيْش

стр. 168

٢١٣ - العثماني مؤلفا من نَحْو مائَة الف جندي و ٣٠٠ مدفع و ٨٠٠ سفينة فِي نهر الطونة لنقل الجيوش من بر إِلَى آخر فَسَار الْجَيْش تَحت قيادة السُّلْطَان ووزرائه الثَّلَاثَة إِلَى بِلَاد المجر من طَرِيق الصرب مارين بقلعة بلغراد الَّتِي جعلت قَاعِدَة لاعمالهم الحربية وَبعد ان افْتتح الْجَيْش عدَّة قلاع ذَات اهمية حربية على نهر الطونة وصل باجمعه إِلَى وَادي موهاكس فِي ٢٠ ذِي الْقعدَة سنة ٩٣٢ ٢٨ اغسطس سنة ١٥٢٦ وَفِي الْيَوْم الثَّانِي اصطفت الْجنُود العثمانية على ثَلَاثَة صُفُوف وَكَانَ السُّلْطَان وَمَعَهُ كَافَّة المدافع وَفرْقَة الانكشارية فِي الصَّفّ الثَّالِث فهجم فرسَان المجر المشهورون بالبسالة والاقدام تَحت قيادة السُّلْطَان لويس على صُفُوف العساكر العثمانية الاول فتقهقر امامهم العثمانيون خلف المدافع وَلما وصلت فرسَان المجر بِالْقربِ من المدافع امْر السُّلْطَان باطلاقها عَلَيْهِم فاطلقت تباعا وتوالى اطلاقها بِسُرْعَة غَرِيبَة اوقعت الرعب فِي قُلُوب المجر فاخذوا فِي التقهقر تتبعهم العساكر المظفرة حَتَّى قتل اغلب الفرسان المجرية وَقتل ملكهم وَلم يعثر على جثته فَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة سَبَب ضيَاع اسْتِقْلَال بِلَاد المجر باسرها لعدم وجود حيش آخر يُقَاوم العثمانيين فِي مَسِيرهمْ ولحصول الفوضى فِي الْبِلَاد بِسَبَب موت سلطانهم وَلذَلِك ارسل اهالي مَدِينَة بود عَاصِمَة المجر مَفَاتِيح الْمَدِينَة إِلَى السُّلْطَان فاستلمها وَسَار يحف

стр. 169

بِهِ النَّصْر ويحدوه الْجلَال حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة بود ودخلها فِي ٣ ذِي الْحجَّة سنة ٩٣٢ ١٠ سبتمبر سنة ١٥٢٦ مشددا الاوامر على الْجنُود بِعَدَمِ التَّعَرُّض للاهالي والمحافظة على النظام لَكِن لم تَجِد تنبيهاته شَيْئا بل انتشرت الْجنُود فِي جَمِيع انحاء الْمَدِينَة وَفِي جَمِيع ارجاء بِلَاد المجر ناهبين قاتلين مرتكبين كل الفظائع الَّتِي ترتكبها الجيوش الْغَيْر منتظمة عقب الِانْتِصَار كَمَا شوهد ذَلِك فِي جَمِيع الْبِلَاد حَتَّى فِي هَذَا الْعَصْر الموسوم بعصر التمدن وَبعد دُخُول السُّلْطَان إِلَى مَدِينَة بود جمع اعيان الْقَوْم وامراءهم وَوَعدهمْ بَان يعين جَان زابولي امير ترانسلفانيا ملكا عَلَيْهِم ثمَّ غادر ﵀ إِلَى مقرّ خِلَافَته مستصحبا مَعَه كثيرا من نفائس الْبِلَاد واهمها الْكتب الَّتِي كَانَت مَوْجُودَة فِي خَزَائِن متياس كورفن وَكَذَلِكَ فعل نابليون الشهير حينما دخل مصر فِي اوائل الْقرن الثَّالِث عشر من الْهِجْرَة فانه اخذ كثيرا من كتب الْفِقْه واحكام الشَّرِيعَة الغراء وَتلك كَانَت عَادَته عِنْد دُخُوله أَي مملكة من ممالك اوروبا فانه كَانَ يحمل إِلَى فرانسا كل مَا بهَا من التحف كالصور والتماثيل والكتب والْآثَار وَلَوْلَا هَذِه الْعَادة لما افعمت متاحفها بالآثار والنفائس وَفِي اثناء عودته اقام اسبوعا فِي مَدِينَة ادرنه وَوصل إِلَى مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة المحمية فِي ١٧ صفر سنة ٩٣٣ ٢٣ نوفمبر سنة ١٥٢٦

стр. 170

اغارة ملك النمسا على المجر وفتحه مَدِينَة بود وانتصار العثمانيين عَلَيْهِ واسترجاع المجر وَفِي اواخر سنة ١٥٢٧ ادّعى فردينان ملك النمسا وَهُوَ اخو شارلكان الشهير الاحقية فِي ان يكون ملكا على بِلَاد المجر بِسَبَب قرَابَته مَعَ الْملك لويس الَّذِي قتل فِي وَاقعَة موهاكس وَسَار بجُنُوده لمحاربة جَان زابولي امير ترنسلفانيا الَّذِي عينه السُّلْطَان سُلَيْمَان ملكا على بِلَاد المجر وهزمه فارسل زابولي إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان يستنجده على منازعه فِي الْملك وَوصل رَسُوله إِلَى الْبَاب العالي وقابل السُّلْطَان فِي ٣ فبراير سنة ١٥٦٨ فوعده السُّلْطَان بمساعدته وامضيت معاهدة بذلك بتاريخ ٢٩ فبراير سنة ١٥٢٨ وَبِنَاء على هَذَا الِاتِّفَاق اصدر السُّلْطَان الاوامر إِلَى جَمِيع الْجِهَات بالاستعداد للحرب وَجمع الجيوش والذخائر وَعين وزيره الاول ابراهيم باشا السَّابِق ذكره مرَارًا سر عَسْكَر للجيش أَي قائدا عَاما لَهُ مُكَافَأَة لَهُ على خدماته الجليلة فِي مصر حِين ارسل اليها لترتيب احوالها وَلما اظهره من المعلومات العسكرية فِي وَاقعَة موهاكس الاخيرة وَبعد ذَلِك بِسنة تَقْرِيبًا سَافر السُّلْطَان سُلَيْمَان من الاستانة قَاصِدا محاربة المجر فِي ١٠ مايو سنة ١٥٢٩ يَقُود جَيْشًا مؤلفا من مِائَتَيْنِ وَخمسين الف جندي وَنَحْو ثَلَاثمِائَة مدفع وَوصل إِلَى مَدِينَة فيليبه فِي ١٢ شَوَّال سنة ٩٣٦ ٩ يونيه سنة ١٥٢٩ وَمِنْهَا إِلَى مَدِينَة موهاكس حَيْثُ اتى زابولي لمقابلة السُّلْطَان فقابله فِي ١٦ ذِي الْحجَّة سنة ٩٣٦ ٢٠ يوليه سنة ١٥٢٩ محاطا بوزرائه الثَّلَاثَة ابراهيم باشا واياس باشا وقاسم باشا وبكافة القواد وَبعد ان مكث زابولي ملك المجر بِحَضْرَتِهِ الْعلية وقتا قَلِيلا اذن لَهُ السُّلْطَان بالانصراف بعد ان اعطاه ثَلَاثَة من الْخُيُول المطهمة وَثَلَاث خلع سنية ابْتِدَاء الحروب مَعَ النمسا وحصار ويانه عاصمتها اول دفْعَة ثمَّ سَار الْخَلِيفَة الاعظم إِلَى مَدِينَة بود عَاصِمَة المجر الَّتِي كَانَ فردينان ملك النمسا محتلا لَهَا فوصلها فِي ٣ سبتمبر وابتدأ الْحصار لَكِن لم يلبث فردينان

стр. 171

ان فر هَارِبا من بود قَاصِدا مَدِينَة ويانه عَاصِمَة النمسا وَفِي ٨ مِنْهُ طلب قَائِد الحامية النمساوية بِمَدِينَة بود تَسْلِيم الْمَدِينَة وقلاعها إِذا وعدهم السُّلْطَان بالسماح لَهُم بِالْخرُوجِ بِدُونِ تعرض لحياتهم وَلما اجابهم السُّلْطَان لذَلِك اخلوا الْمَدِينَة وَفِي حَال خُرُوجهمْ مِنْهَا انقض عَلَيْهِم الانكشارية وَقتلُوا اغلبهم غير طائعين لاوامر رُؤَسَائِهِمْ مهددين من رغب فِي مَنعهم من القواد والضباط وَبعد ذَلِك بسبعة ايام أَي فِي يَوْم ١٥ مِنْهُ ارسل السُّلْطَان اُحْدُ قواد الانكشارية ليرافق زابولي إِلَى الْقصر الملوكي ويقلده تَاج الملوكية وَبعد اعادة زابولي إِلَى عرش ملك بِلَاد المجر بمساعدة الجيوش العثمانية قَامَ السُّلْطَان بجيوشه قَاصِدا مَدِينَة ويانه لغزوها مستصحبا مَعَه الْملك زابولي تَارِكًا فِي مَدِينَة بود حامية عثمانية تَحت قيادة اُحْدُ أغاوات ضباط الانكشارية لحفظ الامن بهَا وتوطيده فِي جَمِيع انحائها إِلَى ان يعود الْملك زابولي اليها وَفِي ٢٧ سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة وصل السُّلْطَان سُلَيْمَان بجيوشه امام عَاصِمَة بِلَاد النمسا وَوضع الْحصار حولهَا وسلط مدافعه على اسوارها فهدم جُزْءا مِنْهَا وَفتح بهَا ثلمًا صَار توسيعه بألغام البارود حَتَّى صَار يُمكن الجيوش الهجوم مِنْهُ بِكُل سهولة ثمَّ امْر الْجنُود بالهجوم فهجمت كالاسود فِي ايام ١٠ و ١١ و ١٢ اكتوبر واخيرا فِي يَوْم ٢٠ صفر سنة ٩٣٧ هـ ١٣ اكتوبر سنة ١٥٣٩ وَبعد ان اسْتمرّ الْقِتَال طول

стр. 172

يَوْمه عَادَتْ الْجنُود العثمانية إِلَى معسكرها بِدُونِ ان تقوى على الدُّخُول فِي الْمَدِينَة وَلما رأى السُّلْطَان ان ذخيرة الطوبجية الَّتِي عَلَيْهَا الْمعول فِي الْحصار قد نفدت والشتاء قد اقبل بشدته وثلوجه الْمَعْهُودَة فِي هَذِه الْجِهَات الشَّدِيدَة الْبُرُودَة اصدر اوامره بِالرُّجُوعِ عَن ويانه هَذِه السّنة واعداد الجيوش لمعاودة الكرة عَلَيْهَا فِي اقْربْ وَقت وَكَانَت هَذِه هِيَ الْمرة الاولى الَّتِي لم يفز السُّلْطَان سُلَيْمَان بالنصر فِيهَا وَمر فِي عودته على مَدِينَة بود عَاصِمَة المجر وَبعد ان ودع ملكهَا زابولي عَاد إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة من طَرِيق بلغراد وفى ربيع سنه ١٥٣١ ارسل ملك النمسا جَيْشًا لمحاصرة مَدِينَة بود واستخلاصها من قَبْضَة زابولي خَليفَة العثمانيين وحليفهم فصدوا عَنْهَا بِقُوَّة الحامية الاسلامية المعسكرة فِيهَا وَفِي ١٩ رَمَضَان سنة ٩٣٨ ٢٥ ابريل سنة ١٥٣٢ سَار السُّلْطَان سُلَيْمَان قَاصِدا مَدِينَة ويانه ثَانِيَة لفتحها ومحو مَا لحقه من الفشل امامها فِي الْمرة الاولى بعد ان رفض مَا عرضه عَلَيْهِ فردينان ارشيدوق النمسا من الصُّلْح وَلما وصل إِلَى مَدِينَة نيش بِبِلَاد الصرب وجد فِي انْتِظَاره سفراء من قبل ارشيدوق النمسا وَوجد بِمَدِينَة بلغراد سفيرا جَدِيدا من قبل ملك فرانسا فرانسوا الاول وَهُوَ المسيو رنسون فقابله السُّلْطَان فِي اول ذِي الْحجَّة سنة ٩٣٨ ٥ يولو سنة ١٥٣٢ باحتفال فائق لم يسْبق مثله لاي سفير غَيره وَذَلِكَ انه صف لاستقباله عدد عَظِيم من الْجنُود واطلقت المدافع تَحِيَّة لقدومه وقابله السُّلْطَان مُقَابلَة خُصُوصِيَّة محاطا بوزرائه وقواد جيوشه على ضد مَا حصل لمراسلي فردينان الَّذين قوبلوا بِكُل تحقير وامتهان وَبعد الْمُقَابلَة وتبادل عِبَارَات السَّلَام بَين السفير الفرنساوي وجلالة الْخَلِيفَة الاعظم عَاد السفير لملكه حَامِلا خطابا لمرسله يُؤَكد السُّلْطَان فِيهِ اتحادهما على محاربة شارلكان ووعده بامداده بالعمارة العثمانية إِذا مست الْحَاجة ثمَّ سَار السُّلْطَان بجيوشه الَّتِي كَانَ يبلغ عَددهمْ مِائَتي الف مقَاتل وانضم اليهم بعد مزاولتهم مَدِينَة بلغراد خَمْسَة عشر الف فَارس من تتر القرم تَحت قيادة صَاحب كراي اخي خَان القرم وَفِي اثناء الْمسير نَحْو مَدِينَة ويانه فتح الْجَيْش عدَّة قلاع

стр. 173

وحصون بِدُونِ مقاومة تذكر الا ان مَدِينَة جانز ابدت من الدفاع اكثر مِمَّا كَانَ يتَوَقَّع مِنْهَا لقلَّة حاميتها لَكِن لم تَجِد مدافعتها شَيْئا بل سلم قائدها القلعة فِي ٢٦ محرم سنة ٩٣٩ ٢٨ اغسطس سنة ١٥٣٢ بِشَرْط عدم دُخُول الْجنُود العثمانية الْمَدِينَة فَقبل السُّلْطَان هَذَا الشَّرْط مُكَافَأَة لاهاليها على مَا ابدوه من حب الوطن والشهامة والاقدام فِي الدفاع عَنهُ ثمَّ سَار الْجَيْش الهوينا إِلَى عَاصِمَة النمسا وَلما اقْترب مِنْهَا مَال إِلَى جِهَة الْيَسَار قَاصِدا اقليم استيريا وَمِنْهَا عَاد إِلَى بلغراد ثَانِيًا بِدُونِ ان يحاصر مَدِينَة ويانه لما بلغه من استعداد شارلكان للدفاع عَنْهَا وَجمع الجيوش فِيهَا بَين نمساويين والمان واسبانيول وَغَيرهم وَعدم وجود مدافع حِصَار مَعَه ولاقتراب فصل الشتَاء بزمهريره وجليده اللَّذين لَا يُمكن مَعَهُمَا اسْتِمْرَار الْحصار بكيفية ضامنة لفتحها وادخالها فِي حوزة الاسلام كَمَا فتحت بِلَاد المجر وعاصمتها من قبلهَا وَلما وصل السُّلْطَان فِي ايابه إِلَى مَدِينَة فيليبه عين صَاحب كراي التتري خَانا لبلاد القرم بدل اخيه مُكَافَأَة لَهُ على خدماته اثناء مُرُور الْجَيْش باراضي النمسا ورتب لاخيه سعادت كراي معاشا سنويا يَلِيق بمقامه وَفِي ١٩ ربيع آخر سنة ٩٣٩ ١٨ نوفمبر سنة ١٥٣٢ عَاد السُّلْطَان إِلَى مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وزينت الْمَدِينَة وضواحيها عدَّة لَيَال مُتَوَالِيَات احتفالا بعودة جلالته وَفِي اثناء انتشاب هَذِه الحروب من جِهَة الْبر اتت تَحت امرة الاميرال اندري دوريا عمَارَة بحريّة مؤلفة من سفن شارلكان الحربية وَمَعَهَا عدَّة

стр. 174

٢٢١ - من سفن البابا بِقصد محاربة العثمانيين من جِهَة الْبَحْر فاحتل اندرى دوريا الْمَذْكُور مينائي كورون وباتراس بِبِلَاد موره بعد قتل من كَانَ بهَا من الْجنُود الانكشارية وتدمير القلعتين اللَّتَيْنِ اقامهما السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي على ضفتي خليج ليبالت بِبِلَاد اليونان وتهديد جزائر الرّوم الخاضعة لسلطان الدولة الْعلية وَفِي اوائل سنة ١٥٢٣ ارسل فردينان ارشيدوق النمسا سفيرا من قبله يدعى جيروم دي زار إِلَى الاستانة يعرض طلب الصُّلْح على جلالة السُّلْطَان فقابل الصَّدْر الاعظم ابراهيم باشا وتباحثا فِي شُرُوط الصُّلْح وَفِي يَوْم ١٤ يناير سنة ١٥٣٣ قَابل السُّلْطَان السفير وَلم يقبل السُّلْطَان الصُّلْح بل قبل المهادنة مؤقتا حَتَّى تسلم اليه مَفَاتِيح مَدِينَة جران وَبعدهَا تحول الْهُدْنَة إِلَى صلح فارسل السفير ابْنه فسبازيان دي زارا فِي اول فبراير إِلَى ويانه يَصْحَبهُ رَسُول من قبل السُّلْطَان لعرض هَذِه الشُّرُوط على فردينان فعرضها فردينان على اكابر الدولة واعيانها فقبلوها وارسل إِلَى الاستانة خطابا بذلك على يَد الرَّسُول العثماني فِي ٢٩ مايو سنة ١٥٣٣ وَبعد ذَلِك تحررت بَين الطَّرفَيْنِ معاهدة الصُّلْح فِي ٢٢ يونيو سنة ١٥٣٣ ٢٨ ذِي الْقعدَة سنة ٩٣٩ واهم مَا فِيهَا ان يرد النمساويون مَدِينَة كورون للدولة الْعلية وَلَا يردوا شَيْئا مِمَّا فتحوه من بِلَاد المجر وان مَا تتفق عَلَيْهِ النمسا مَعَ زابولي صَاحب بِلَاد المجر لَا ينفذ مَا لم يعتمده جلالة السُّلْطَان العثماني وَهِي اول معاهدة صلح بَين النمسا وَالْبَاب العالي

стр. 175

دُخُول العثمانيين مَدِينَة تبريز ثَانِي دفْعَة هَذَا وَقد حصل فِي اثناء اشْتِغَال السُّلْطَان بمحاربة النمسا بعض اضطرابات على حُدُود بِلَاد الْعَجم وساعد على ذَلِك خِيَانَة شرِيف بك خَان مَدِينَة بدليس والواقعة على حُدُود المملكتين وانحيازه إِلَى مملكة الْعَجم وَلذَلِك ارسل السُّلْطَان وزيره الاول ابراهيم باشا لمحاربة هَذَا العَاصِي وَالسير بعد ذَلِك إِلَى مَدِينَة تبريز عَاصِمَة الْعَجم لفتحها فسافر ابراهيم باشا وَقبل وُصُوله إِلَى قونية وصل اليه فِي ٢ ربيع الآخر سنة ٩٤٠ ٢١ اكتوبر سنة ١٥٣٣ شمس الدّين ابْن حَاكم اذربيجان الَّذِي كَانَ تَابعا لملك الْعَجم وانضم إِلَى السلطانة العثمانية وَمَعَهُ راس شرِيف بك الَّذِي حاربه وَالِده وَقَتله وَلذَلِك سَار ابراهيم باشا إِلَى مَدِينَة حلب لامضاء فصل الشتَاء بهَا وَفِي اوائل ربيع سنة ١٥٣٤ قَامَ مِنْهَا بجيوشه قَاصِدا مَدِينَة تبريز فَفتح فِي طَرِيقه جَمِيع الْحُصُون والقلاع الْمُجَاورَة لبحيرة وان وَوصل بِدُونِ كَبِير مُعَارضَة إِلَى تبريز ودخلها بِسَلام فِي غرَّة شهر محرم الْحَرَام سنة ٩٤١ هـ ١٣ يوليو سنة ١٥٣٤ م وَبنى بهَا قلعة وَجعل فِي وَسطهَا حامية عثمانية لمنع السكان عَن اتيان كل مَا يُمكن ان يكدر صفو الرَّاحَة العمومية فتح مَدِينَة بَغْدَاد وَفِي ٢٧ سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة ١٦ صفر سنة ٩٤١ وصل السُّلْطَان سُلَيْمَان الْغَازِي إِلَى تبريز فقابله الاهالي بِكُل تبجيل وتعظيم وَبعد ان عين السُّلْطَان ابْن الامير شيروان قائدا لحامية مَدِينَة تبريز وَقبل خضوع امير كيلان الْمَدْعُو ملك مظفر خَان وَغَيره من امراء الْفرس الَّذين تركُوا لِوَاء شاه طهماسب ملك الْعَجم وانحازوا إِلَى ظلّ الْخَلِيفَة الاعظم سَار السُّلْطَان بجيوشه إِلَى مَدِينَة سلطانية

стр. 176

الَّتِي تقهقر اليها الشاه بجيوشه لَكِن لصعوبة الطّرق واستحالة مُرُور المدافع الضخمة وعربات النَّقْل بهَا لِكَثْرَة الامطار والاوحال تَركهَا السُّلْطَان وَقصد مَدِينَة بَغْدَاد لفتحها فَلَمَّا اقْترب مِنْهَا تقدم ابراهيم باشا الصَّدْر الاعظم وسر عَسْكَر الجيوش العثمانية لاحتلالها قبل قدوم السُّلْطَان فَدَخلَهَا فِي يَوْم ٢٤ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٩٤١ ٣١ دسمبر سنة ١٥٣٤ ووجدها خاوية من الْجنُود اذ تَركهَا حاكمها بِكُل جُنُوده هربا من الْوُقُوع فِي قَبْضَة الْجنُود العثمانية فيذيقونه الْحمام وَبعد ان اقام السُّلْطَان فِي مَدِينَة بَغْدَاد مُدَّة اربعة اشهر رتب الادارة الداخلية فِي خلالها وزار قُبُور الائمة الْعِظَام وقبر الامام عَليّ رَابِع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كرم الله وَجهه فِي مَدِينَة النجف وقبر ابْنه الْحُسَيْن فِي كربلا وارسل الخطابات إِلَى البندقية وويانه اعلانا بانتصاره على الشاه طهماسب وافتتاحه مَدَائِن تبريز وبغداد وَفِي ٢٨ رَمَضَان سنة ٩٤١ الْمُوَافق ٢ ابريل سنة ١٥٣٥ سَافر السُّلْطَان بجيوشه عَائِدًا إِلَى مَدِينَة تبريز مارا بِبِلَاد الاكراد واقليم المراغه وَولى سُلَيْمَان باشا اُحْدُ قواد جيوشه على مَدِينَة بَغْدَاد وَمَعَهُ الْفَا جندي لحمايتها وَفِي اثناء مسيره وصل إِلَى مُعَسْكَره سفير فرنساوي اسْمه مسيو لافوري ارسل لتهنئته على فتوحاته الاخيرة ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة تبريز رَابِع الْمحرم سنة ٩٤٢ واقام بهَا ١٥ يَوْمًا قَضَاهَا فِي تعْيين الْوُلَاة على الْمَدَائِن المفتتحة حَدِيثا وترتيب شؤون الداخلية ثمَّ قفل رَاجعا إِلَى الاستانة فوصلها فِي ١٤ رَجَب سنة ٩٤٢ ٨ يناير سنة ١٥٣٦ الامتيازات القنصلية وَفِي اوائل شهر فبراير سنة ١٥٣٦ تمّ الِاتِّفَاق بَين المسيو لافوري سفير فرنسا وَالْبَاب العالي وَصدر بِهِ خطّ شرِيف يمنح بعض امتيازات لرعايا ملك فرنسا النازلين باراضي الممالك المحروسة وَهَذَا نَص هَذِه المعاهدة مترجما من مَجْمُوعَة

стр. 177

البارون دي تستا الْمَوْجُودَة فِي الكتباخانة الخديوية ليكن مَعْلُوما لَدَى الْعُمُوم انه فِي شهر سنة ٩٤٢ من الْهِجْرَة المحمدية شهر فبراير سنة ١٥٣٦ من الميلاد قد اتّفق بِمَدِينَة الاستانة الْعلية كل من المسيو جَان دي لافوري مستشار وسفير صَاحب السَّعَادَة الامير فرنسوا المتعمق فِي المسيحية ملك فرنسا الْمعِين لَدَى الْملك الْعَظِيم ذِي الْقُوَّة والنصر السُّلْطَان سُلَيْمَان خاقَان التّرْك إِلَى آخر القابه والامير الْجَلِيل ذِي الْبَطْش الشَّديد سر عَسْكَر السُّلْطَان بعد ان تباحثا فِي مضار الْحَرْب وَمَا ينشأ عَنهُ من المصائب وَمَا يَتَرَتَّب على السّلم من الرَّاحَة والطمأنينة على البنود الْآتِيَة البند الاول قد تعاهد المتعاقدان بالنيابة عَن جلالة الْخَلِيفَة الاعظم وَملك فرانسا على السّلم الاكيد والوفاق الصَّادِق مُدَّة حياتهما وَفِي جَمِيع الممالك والولايات والحصون والمدن والموانئ والثغور والبحار والجزائر وَجَمِيع الاماكن الْمَمْلُوكَة لَهُم الْآن اَوْ الَّتِي تدخل فِي حوزتهم فِيمَا بعد بِحَيْثُ يجوز لرعاياهما وتابعيهما السّفر بحرا بمراكب مسلحة اَوْ غير مسلحة والتجول فِي بِلَاد الطّرف الآخر والمجيء اليها والاقامة بهَا اَوْ الرُّجُوع إِلَى الثغور والمدن اَوْ غَيرهَا بِقصد الاتجار على حسب رغبتهم بِكَمَال الْحُرِّيَّة بِدُونِ ان يحصل لَهُم ادنى تعد عَلَيْهِم اَوْ على متاجرهم البند الثَّانِي يجوز لرعايا وتابعي الطَّرفَيْنِ البيع وَالشِّرَاء والمبادلة فِي كَافَّة السّلع الْغَيْر مَمْنُوع الاتجار فِيهَا ولسيرها ونقلها برا وبحرا من مملكة إِلَى اخرى مَعَ دفع العوائد والضرائب الْمُعْتَادَة قَدِيما بِحَيْثُ يدْفع الفرنساوي فِي الْبِلَاد العثمانية مَا يَدْفَعهُ الاتراك وَيدْفَع الاتراك فِي الْبِلَاد الفرنساوية مَا يَدْفَعهُ الفرنساويون بِدُونِ ان يدْفع أَي الطَّرفَيْنِ عوائد اَوْ ضَرَائِب اَوْ مكوسا اخرى البند الثَّالِث كلما يعين ملك فرنسا قنصلا فِي مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة اَوْ فِي بيرا وَاو غَيرهمَا من مَدَائِن المملكة العثمانية كالقنصل الْمعِين الْآن بِمَدِينَة الاسكندرية

стр. 178

يصير قبُوله ومعاملته بكيفية لائقة وَيكون لَهُ ان يسمع وَيحكم وَيقطع بِمُقْتَضى قانونه فِي جَمِيع مَا يَقع فِي دائرته من القضايا المدنية والجنائية بَين رعايا ملك فرنسا بِدُونِ ان يمنعهُ من ذَلِك حَاكم اَوْ قَاضِي شَرْعِي اَوْ صوباشي اَوْ أَي موظف آخر وَلَكِن لَو امْتنع اُحْدُ رعايا الْملك عَن اطاعة اوامر اَوْ احكام القنصل فَلهُ ان يَسْتَعِين بموظفي جلالة السُّلْطَان على تنفيذها وَعَلَيْهِم مساعدته ومعاونته وعَلى أَي حَال لَيْسَ للْقَاضِي الشَّرْعِيّ اَوْ أَي موظف اخر ان يحكم فِي المنازعات الَّتِي تقع بَين التُّجَّار الفرنساويين وَبَاقِي رعايا فرنسا حَتَّى لَو طلبُوا مِنْهُ الحكم بَينهم وان اصدر حكما فِي مثل هَذِه الاحوال يكون حكمه لاغيا لَا يعْمل بِهِ مُطلقًا البند الرَّابِع لَا يجوز سَماع الدَّعَاوَى المدنية الَّتِي يقيمها الاتراك اَوْ جباة الْخراج اَوْ غَيرهم من رعايا جلالة السُّلْطَان ضد التُّجَّار اَوْ غَيرهم من رعايا فرنسا اَوْ الحكم عَلَيْهِم فِيهَا مَا لم يكن مَعَ المدعين سندات بِخَط الْمُدَّعِي عَلَيْهِم اَوْ حجَّة رسمية صادرة من القَاضِي الشَّرْعِيّ اَوْ القنصل الفرنساوي وَفِي حَالَة وجود سندات اَوْ حجج لَا تسمع الدَّعْوَى اَوْ شَهَادَة مقدمها الا بِحُضُور ترجمان القنصل البند الْخَامِس وَلَا تجوز للقضاة الشرعيين اَوْ غَيرهم من ماموري الْحُكُومَة العثمانية سَماع أَي دَعْوَى جنائية اَوْ الحكم ضد تجار ورعايا فرنسا بِنَاء على شكوى الاتراك اَوْ جباة الْخراج اَوْ غَيرهم من رعايا الدولة الْعلية بل على القَاضِي اَوْ المامور الَّذِي ترفع اليه الشكوى ان يَدْعُو المتهمين بالحضور ر بِالْبَابِ العالي مَحل اقامة الصَّدْر الاعظم الرسمي وَفِي حَالَة عدم وجود الْبَاب الْمشَار اليه أَي إِذا حصلت الْوَاقِعَة فِي مَحل غير الاستانة يَدعُوهُم امام اكبر ماموري الْحُكُومَة السُّلْطَانِيَّة وَهُنَاكَ يجوز قبُول شَهَادَة جابي الْخراج والشخص الفرنساوي ضد بعضهما البند السَّادِس لَا يجوز محاكمة التُّجَّار الفرنساويين ومستخدميهم وخادميهم فِيمَا يخْتَص بالمسائل الدِّينِيَّة امام القَاضِي اَوْ السنجق بيك اَوْ الصوباشي اَوْ غَيرهم

стр. 179

من المامورين بل تكون محاكمتهم امام الْبَاب العالي وَمن جِهَة اخرى يكون مُصَرح لَهُم بِاتِّبَاع شَعَائِر دينهم وَلَا يُمكن جبرهم على الاسلام اَوْ اعتبارهم مُسلمين مَا لم يقرُّوا بذلك غير مكرهين البند السَّابِع لَو تعاقد وَاحِد اَوْ اكثر من رعايا فرانسا مَعَ اُحْدُ العثمانيين اَوْ اشْترى مِنْهُ بضائع اَوْ اسْتَدَانَ مِنْهُ نقودا ثمَّ خرج من الممالك العثمانية قبل ان يقوم بِمَا تعهد بِهِ فَلَا يسال القنصل اَوْ اقارب الْغَائِب اَوْ أَي شخص فرنساوي آخر عَن ذَلِك مُطلقًا وَكَذَلِكَ لَا يكون ملك فرانسا ملزما بِشَيْء بل عَلَيْهِ ان يُوفي طلب الْمُدَّعِي من شخص الْمُدعى عَلَيْهِ اَوْ املاكه لَو وجدت باراضي الدولة الفرنساوية اَوْ كَانَ لَهُ املاك بهَا البند الثَّامِن لَا يجوز اسْتِخْدَام التُّجَّار الفرنساويين اَوْ مستخدميهم اَوْ خدامهم اوسفنهم اَوْ قواربهم اَوْ مَا يُوجد بهَا من اللوازمات اَوْ المدافع والذخائر اَوْ التِّجَارَة جبرا عَنْهُم فِي خدمَة جلالة السُّلْطَان الاعظم اَوْ غَيره فِي الْبر وَالْبَحْر مَا لم يكن ذَلِك بطوعهم واختيارهم البند التَّاسِع يكون لتجار فرانسا ورعاياها الْحق فِي التَّصَرُّف فِي كَافَّة متعلقاتهم بِالْوَصِيَّةِ بعد مَوْتهمْ وَعند وَفَاة اُحْدُ مِنْهُم وَفَاة طبيعية اَوْ قهرية عَن وَصِيَّة فتوزع

стр. 180

امواله وَبَاقِي ممتلكاته على حسب مَا جَاءَ بهَا وَلَو توفّي وَلم يوص فتسلم تركته إِلَى وَارثه اَوْ الْوَكِيل عَنهُ بِمَعْرِِفَة القنصل لَو كَانَ فِي مَحل وَفَاته قنصل والا فتحفظ التَّرِكَة بِمَعْرِِفَة قَاضِي الْجِهَة بعد ان تعْمل بهَا قَائِمَة جرد على يَد شُهُود اما لوكانت الْوَفَاة فِي جِهَة بهَا قنصل فَلَا يكون للْقَاضِي اَوْ مامور بَيت المَال اَوْ غَيرهمَا حق فِي ضبط التَّرِكَة مُطلقًا وَلَو سبق ضَبطهَا بِمَعْرِِفَة اُحْدُ مِنْهُم يصير تَسْلِيمهَا إِلَى القنصل اَوْ من يَنُوب عَنهُ لَو طلبَهَا قبل الْوَارِث اَوْ وَكيله وعَلى القنصل توصيلها وتسليمها إِلَى صَاحب الْحق فِيهَا البند الْعَاشِر بِمُجَرَّد اعْتِمَاد جلالة السُّلْطَان وَملك فرانسا لهَذِهِ المعاهدة فَجَمِيع رعاياهما الْمَوْجُودين عِنْدهمَا اَوْ عِنْد تابعيهما اَوْ على مراكبهما اَوْ سفنهما اَوْ فِي أَي مَحل اَوْ اقليم تَابع لسلطتهما فِي حَالَة الرّقّ سَوَاء اكان ذَلِك بشرائهم اَوْ باسرهم وَقت الْحَرْب يصير اخراجهم فَوْرًا من حَالَة الاسترقاق إِلَى بحبوحة الْحُرِّيَّة بِمُجَرَّد طلب وَتَقْرِير السفير اَوْ القنصل اَوْ أَي شخص آخر معِين لهَذَا الْخُصُوص وَلَو كَانَ احدهم قد غير دينه ومعتقده فَلَا يكون ذَلِك مَانِعا لاطلاق سراحه وَمن الان فَصَاعِدا لَا يجوز لجلالة السُّلْطَان اَوْ ملك فرنسا وَلَا لقبودانات الْبَحْر وَرِجَال الْحَرْب اَوْ أَي شخص اخر تَابع لاحدهما اَوْ لمن يستاجرونهم لذَلِك سَوَاء فِي الْبر وَالْبَحْر اخذ اَوْ اَوْ شِرَاء اَوْ بيع اَوْ حجز اسراء الْحَرْب بِصفة ارقاء وَلَو تجاسر قرصان اَوْ غَيره من رعايا احدى الدولتين المتعاقدتين على اخذ اُحْدُ رعايا الطّرف الاخر اَوْ اغتصاب املاكه اَوْ امواله يصير اخبار حَاكم الْجِهَة وَعَلِيهِ ضبط الْفَاعِل ومعاقبته على مُخَالفَته شُرُوط الصُّلْح عِبْرَة لغيره ورد مَا يُوجد عِنْده من الاشياء المغتصبة الى من اخذت مِنْهُ واذا لم يضْبط الْفَاعِل فَيمْنَع هُوَ وَجَمِيع شركائه من الدُّخُول فِي الْبِلَاد وتضبط ممتلكاته لجَانب الْحُكُومَة التَّابِع اليها وَيصير التعويض على مَا حصل لَهُ من الضَّرَر مِمَّا يصادر من املاك الْجَانِي وَهَذَا لَا يمْنَع من مجازاته لَو صَار ضَبطه فِيمَا بعد وللمجني عَلَيْهِ ان يَسْتَعِين على الْحُصُول على
следующие страницы →