Полный текст (661 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
اواسط بِلَاد آسيا إِلَى بِلَاد الصرب ليقود زِمَام جيوشها فَذهب اليها مَعَ كثير من الضباط الروسيين الموظفين فِي الْجَيْش الْعَامِل وَكَانُوا يقالون مؤقتا من خدمَة الْجَيْش الروسي للالتحاق بالجيش الصربي وبذا كَانَت الروسيا هِيَ الَّتِي تحارب الدولة الْعلية باسم الصرب وَكَانَ الْحَال كَذَلِك فِي امارة الْجَبَل وَلما رات الدولة هَذِه الاستعدادات جمعت جَيْشًا جرارا مؤلفا من اربعين الف مقَاتل بِمَدِينَة نيش لصد الصربيين لَو تعدوا الْحُدُود
وَفِي ٨ يونيه سنة ١٨٧٦ ارسل الْبَاب العالي إِلَى اميري الصرب والجبل يطْلب مِنْهُمَا الافادة عَن سَبَب جمع هَذِه الجيوش فاجابه بَان ذَلِك لمنع تعدِي قبائل الارنؤود على حدودهم وَحفظ الامن فِي الدَّاخِل من جِهَة ولجمع الدولة جيوشها على حُدُود بلادهما من جِهَة اخرى مَعَ ان الدولة لم تجمع عساكرها الا بعد ان آنست مِنْهُمَا العداء وَمَعَ ذَلِك فاكتفت الدولة بِهَذَا الْجَواب الركيك الْمَعْنى والمبنى
ثمَّ لما كملت استعدادت الامارتين الحربية طلب الْبُرْنُس ميلان امير الصرب من الدولة ان تناط جيوشه باخماد الثورة فِي البوسنه والهرسك بِمَا ان وجود العساكر العثمانية بهما مهدد لامن بِلَاده وَطلب الْبُرْنُس نقولا امير الْجَبَل ان تتنازل لَهُ الدولة عَن جُزْء من اراضي الهرسك وَلما لم تقبل الدولة هَذِه الطلبات الَّتِي لم يقدم على طلبَهَا الا كل عَالم برفضها جاعلها سَببا للحرب المصمم عَلَيْهَا اجتازت الجيوش الصربية الْحُدُود تَحت قيادة الجنرال تشرنايف الروسي فِي اول يوليه سنة ١٨٧٦ وَكَذَلِكَ جيوش الْجَبَل الاسود بِدُونِ ان تتعرض لَهُم الدول بَان تقيم الْحجَّة على هَذَا الْعَمَل العدائي بل تربصت حَتَّى إِذا فَازَ اعداء الدولة عضدت الدولة طلباتهم وان باؤوا بالخسران حفظت لَهُم بِلَادهمْ ومنعت الدولة من مجازاتهم على تعديهم بِدُونِ سَبَب الا دسائس الروسيا والدول المعضدة لَهَا
ولنذكر هُنَا بِكُل اخْتِصَار ملخص الاعمال الحربية والوقائع العسكرية الَّتِي حصلت بَين جيوش الدولة المظفرة والعساكر المصرية الَّتِي ارسلت للاشتراك
стр. 562
مَعهَا فِي الْحَرْب ومقاسمتها النَّصْر وَالْفَخْر من جِهَة وعساكر الثائرين وضباطهم الروسيين من جِهَة اخرى فَنَقُول
ان الْحَرْب مَعَ الْجَبَل الاسود لم يَتَّسِع نطاقها لوعورة جبالها وَلعدم امكان حُصُول وقائع مهمة بهَا بَين جيوش منتظمة بل كَانَ كل مَا حصل بهَا عبارَة عَن مناوشات يكون فِيهَا كل من الفريقيين طورا غَالِبا وَتارَة مَغْلُوبًا فانه كَانَ يتَعَذَّر على الجيوش العثمانية اقتفاء اثر الثائرين فِي المفاوز الوعرة ويستحيل على الجبليين اجتياز صُفُوف الجيوش المحدقة ببلادهم من كل فج وَلذَلِك فَلم تعد مساعدة الجبليين بفائدة تذكر على الصرب اما من جِهَة الصرب فقد اجْمَعْ المؤرخون العسكريون ان الجنرال تشرنايف ارْتكب خطأ عَظِيما واثما كَبِيرا فِي عدم جمع جيوشه فِي النقطة الوحيدة الَّتِي تصل بِلَاد البوسنه والهرسك بباقي بِلَاد الدولة الْعلية فيتحد مَعَ ثائري هَاتين الولايتين ويمكنه بِكُل سهولة الانضمام إِلَى عَسَاكِر الْجَبَل الاسود الا انه لم يتبع هَذِه الخطة الَّتِي اشار بهَا عَلَيْهِ بعض القواد بل جزأ قوته إِلَى ارْبَعْ فرق اغار هُوَ باحداها على الطَّرِيق المؤدية إِلَى صوفية عَاصِمَة بِلَاد البلغار الْآن وَكَانَ ينْسب اليه انه يُرِيد ان يعين واليا مُخْتَارًا عَلَيْهَا لَكِن مَا شهده البلغاريون من بسالة رجال الدولة مَنعهم عَن مساعدته فخاب مسعاه وبسبب تَفْرِيق جيوشه لم يَأْتِ يَوْم عَاشر يوليه الا وَقد انْهَزَمت الْفرق الاربع بهمة وشجاعة عُثْمَان باشا الْغَازِي وَعبد الْكَرِيم باشا السردار الاكرم
وَبعد ان ردَّتْ جيوش الثائرين على عَقبهَا فكر عبد الْكَرِيم باشا فِي تَوْجِيه قواه لافتتاح مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة الصرب وَلذَلِك صمم اولا على احتلال مدينتي الكسيناس ودليجراد الواقعتين على طَرِيق العاصمة وَفصل الْفرْقَة الْقَائِد لَهَا
стр. 563
تشرنايف عَن الْفرْقَة الَّتِي كَانَت معسكرة بِمَدِينَة زايتسا وَتَحْت قيادة لاشانين وَحَيْثُ ان فصل هَاتين الْفرْقَتَيْنِ وَقطع كل اتِّصَال بَينهمَا لَا يكون الا باحتلال مَدِينَة نياشيواز صدر اوامره إِلَى احْمَد ايوب باشا وَسليمَان خيري باشا بالتوجه نَحْوهَا من جِهَتَيْنِ مختلفتين وَفتحهَا بعد الانضمام إِلَى بعضهما فصدعوا بامره وفتحوا الْمَدِينَة عنْوَة فِي يَوْم ٣ اغسطس بعد ان انتصروا فِي عدَّة وقائع مَشْهُورَة ثمَّ استراحت الجيوش نَحْو اسبوعين بِدُونِ محاربات مهمة
وَمن ٢٠ اغسطس استؤنفت الْحَرْب ثَانِيَة بِكُل شدَّة واستمرت اربعة ايام مُتَوَالِيَة لم يُمكن الجيوش المظفرة فِي اثنائها فتح مَدِينَة الكسيناس وَلذَلِك اقر رايه بعد مُشَاورَة من مَعَه من القواد على عدم اضاعة الْوَقْت امام هَذِه الْمَدِينَة الحصينة ومدينة دليجراد وانتقال الجيوش على ضفة نهر موراوا الْيُسْرَى بِدُونِ ان يشْعر بهم الْعَدو وَالسير نَحْو مَدِينَة بلغراد توا وَبعد هَذَا الْقَرار امْر احْمَد ايوب باشا بعبور هَذَا النَّهر
وَفِي اثناء هَذِه المناورة المهمة الَّتِي رُبمَا كَانَ يتَوَقَّف عَلَيْهَا النجاح استمرت المناوشات مَعَ الْجَيْش الصربي من ٢٥ إِلَى ٢٩ اغسطس حَتَّى تمت بِدُونِ ان يشْعر الْعَدو مُطلقًا بذلك الا لما اجتازت جَمِيع الجيوش العثمانية النَّهر وَلم يجد امامه احدا فَلَمَّا علم باتمام هَذِه الْحَرَكَة العسكرية المهمة عبر النَّهر بجيوشه خلف العثمانيين فِي اول سبتمبر سنة ١٨٧٦ فلاقوه لِقَاء الْعَدو الْقَادِر وصوبوا اليه مدافعهم حَتَّى اوقعوا الفشل فِي صُفُوف الصربيين وَولى كثير مِنْهُم الادبار وركنت الايات برمتها إِلَى الْفِرَار قبل ان يصاب مِنْهَا نفر وَاحِد
وَفِي مسَاء هَذَا الْيَوْم الَّذِي لم يقم بعده للصرب قَائِمَة وَالَّذِي جعل الجيوش على مقربة من بلغراد اذ لم يعد يمْنَعهَا مَانع عَن الْوُصُول اليها واحتلالها وَردت اوامر سَرِيَّة من الاستانة إِلَى عبد الْكَرِيم باشا بتوقيف الْقِتَال وَعدم الزَّحْف على
стр. 564
عَاصِمَة الصرب ريثما تاتيه اوامر جَدِيدَة لتدخل الدول بَين الْفَرِيقَيْنِ وَبَيَان ذَلِك ان الْبُرْنُس ميلان امير الصرب طلب من قناصل الدول لَدَيْهِ فِي ٢٤ اغسطس سنة ١٨٧٦ مخابرة دولهم بِأَن تتوسط بَينه وَبَين الدولة الْعلية منعا لسفك الدِّمَاء وخوفا من ان يلْحقهُ عَار الْغَلَبَة فابلغت القناصل دولهم هَذَا الطّلب وَهِي فاتحت الْبَاب العالي فِي هَذَا الْخُصُوص فَلم يجبها حَتَّى فرق عبد الْكَرِيم باشا جَمِيع الجيوش الصربية وَلم يبْق لَهُ معَارض فِي طَرِيق بلغراد فاوعز اليه سرا بالتوقف مؤقتا وابلغ سفراء الدول فِي ١٤ سبتمبر سنة ١٨٧٦ انه لَا يقبل الصُّلْح الا بعدة شُرُوط اهمها اولا ان ياتي امير الصرب إِلَى مقرّ الْخلَافَة الْعُظْمَى ليقدم وَاجِبَات الخضوع والعبودية إِلَى السدة الْعلية السُّلْطَانِيَّة ثَانِيًا أَن القلاع الاربع الَّتِي دُخُول حق احتلالها إِلَى الصرب فِي سنة ١٨٥٢ م ١٢٨٣ هـ مَعَ بَقَائِهَا تَابِعَة للدولة تحتلها ثَانِيًا الجيوش العثمانية ثَالِثا ان يلغى الرديف فِي بلادالصرب وان لَا يزِيد عدد الْجَيْش الصربي عَن عشرَة آلَاف مقَاتل وبطاريتي مدافع لحفظ الامن الداخلي لَيْسَ الا فَلَمَّا وصل هذاالجواب إِلَى الدول لم تقبل هَذِه الاقتراحات قولا بانها مجحفة بامتيازات الصرب اجحافا كليا وَزِيَادَة على رفضها زَادَت على مااقترحته بِخُصُوص الصرب طلبات اخرى بِخُصُوص البوسنه والهرسك والبلغار الَّتِي اطفئت ثورتهم من مُدَّة وَبعد ان اتّفقت جَمِيع الدول السِّت الموقعة على معاهدة سنة ١٨٥٦ القاضية بالمحافظة على سَلامَة الدولة الْعلية الَّتِي مَعْنَاهَا فِي عرفهم تقسيمها ارسل اللورد دربي وَزِير خارجية انكلترا إِلَى السّير هنري ليوت سفيرها فِي الاستانة رِسَالَة بامضائه امْرَهْ بتوصيلها إِلَى الْبَاب العالي فاوصلها اليه فِي ٢٥ سبتمبر الْمَذْكُور مضمونها ان طلبات الدولة الْعلية لَا يُمكن قبُولهَا بِالْكُلِّيَّةِ وان الدول ترغب ارجاع حَالَة الصرب والجبل الاسود إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل الْحَرْب وان تمْضِي الدولة مَعَ الدول السِّت اتِّفَاقًا بتأسيس ادارة وطنية مُسْتَقلَّة فِي البوسنه والهرسك حَتَّى يكون للاهالي حق مراقبة اعمال ماموري الْحُكُومَة وموظفيها وَكَذَلِكَ فِي بِلَاد البلغار وايقاف الْحَرْب فَوْرًا مَعَ الصرب وَبعد ان تداول وزراء الدولة فِي هَذِه الطلبات الَّتِي لَا تقبلهَا أَي دولة فازت على عدوها بالنصر فِي ميادين الْقِتَال واهرقت دِمَاء رجالها حفظا لكرامتها وشرفها من تعدِي هَذَا الْعَدو تخومها بِدُونِ ان تبدي الدول حراكا اجاب الْبَاب العالي
стр. 565
على هَذِه المذكرة السياسية بانه لَا يرى وَجها لاعطاء هَذِه الولايات امتيازات ادارية بِمَا ان مجْلِس المبعوثان سيشكل قَرِيبا وَيكون فِيهِ مندوبون منتخبون من جَمِيع الولايات بِدُونِ اسْتثِْنَاء وان الدولة لَا ترى ضَرُورَة لابرام اتِّفَاق جَدِيد مَعَ الدول لهَذَا الْخُصُوص وَلم تذكر شَيْئا عَن الْهُدْنَة مُطلقًا وَلما لم تصغ الدول لهَذِهِ الطلبات العادلة اوعز الْبَاب العالي إِلَى السِّرّ عَسْكَر عبد الْكَرِيم باشا باستمرار الْقِتَال فاستدعى السِّرّ عَسْكَر الْقَائِد درويش باشا الَّذِي كَانَ معسكرا بفرقته فِي نيش وَلما حضرت العساكر على مَدِينَة جونيس الَّتِي جعلهَا الجنرال تشرنايف مقرا لمعسكره فهجمت عَلَيْهَا الليوث الاسلامية فِي ٢٩ اكتوبر سنة ١٨٧٦ وَبعد قتال عنيف تقهقر الصربيون وانصارهم واخلوا هَذِه الْمَدِينَة ومدينة دليجراد وزحفت الجيوش العثمانية محفوفة بالنصر على مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة بِلَاد الصرب
وَلما وصل خبر هَذَا الْفَتْح الْمُبين إِلَى آذان وُلَاة الامور فِي الروسيا وَهُوَ خلاف مَا كَانُوا يتوقعونه ارسل الْبُرْنُس غورشاكوف إِلَى الجنرال اغناتيف بالاستانة بعد ان اتّفق مَعَ بَاقِي الدول رِسَالَة برقية فِي مسَاء ٣٠ اكتوبر يامره بَان يطْلب من الْبَاب العالي ايقاف الْحَرْب فَوْرًا ومهادنة الصرب والجبل الاسود مُدَّة سِتَّة اسابيع اَوْ شَهْرَيْن وان لم يجب هَذَا الطّلب فِي مَسَافَة ثَمَانِيَة واربعين سَاعَة ينسحب هُوَ وَجَمِيع موظفي السفارة من الاستانة فَقبلت الدولة هَذَا الطّلب منعا للعراقيل السياسية ومنحت لمحاربيها هدنة مُدَّة شَهْرَيْن مدت فِيمَا بعد إِلَى شهر مارس سنة ١٨٧٧
مؤتمر الاستانة
وَفِي ٥ اكتوبر سنة ١٨٧٦ عرض وَزِير خارجية انكلترا على بَاقِي الدول المنتحلة لنَفسهَا حق التدخل فِي شؤون الدولة الْعلية اجْتِمَاع مؤتمر فِي مَدِينَة الاستانة لتسوية حَالَة مسيحيي الدولة بكيفية ثَابِتَة منعا لحُصُول الْحَرْب بَينهَا وَبَين الروسيا الَّتِي كَانَت شارعة فِي جمع جيوشها والاستعداد للحرب فَلم تجاوب الدول على هَذَا الاقتراح بِجَوَاب صَرِيح لخوفها من عدم امْتِثَال اُحْدُ الطَّرفَيْنِ لقرارات المؤتمر فتضطر للتالب ضِدّه كَمَا حصل فِي حَرْب القرم سنة ١٨٥٦ م لَكِن لما رات ان الْخطر قد ازْدَادَ والحروب قربت حَتَّى صَارَت قاب قوسين اَوْ ادنى خُصُوصا وان قَيْصر الروسيا القى فِي مَدِينَة
стр. 566
موسكو خطابا فِي ١٢ نوفمبر سنة ١٨٧٦ م اثنى فِي خلاله على شجاعة اهالي الْجَبَل الاسود وثبات الصربيين وَلما وصل اليها منشور بتاريخ ١٣ مِنْهُ من الْبُرْنُس غورشا كوف مفاده ان الروسيا قد امرت تجمع جُزْء من جيوشها على الْحُدُود لحماية المسيحيين بِبِلَاد الدولة باي طَريقَة كَانَت بِمَا انها لم تَرَ نتيجة من المخابرات السياسية الا تمكن الدولة من جمع جيوشها من جَمِيع ولاياتها باسيا وافريقية اذعنت جَمِيع الدول لطلب انكلترا وارسلت كل مِنْهَا مَنْدُوبًا اَوْ مندوبين وارسلت انكلترا اللورد سالبوري وكلفته بَان يمر على باريس وبرلين وويانة ورومه عِنْد ذَهَابه للاستانة ليستطلع افكار وزرائها قبل انْعِقَاد المؤتمر وَيجْرِي الْجَمِيع على اتم وفَاق وَلما وصل المندوبون إِلَى الاستانة عقدوا جملَة اجتماعات ابتدائية من ١١ ديسمبر إِلَى ١٧ مِنْهُ لتقرير طلباتهم قبل عرضهَا بِصفة رسمية فِي المؤتمر وَلم يقبلُوا مندوبي الدولة الْعلية فِي هَذِه المداولات الامر الَّذِي يشف عَن تحيزهم إِلَى الروسيا الَّتِي كَانَت هَذِه الاجتماعات فِي سفارتها فقرر المندوبون ان تقسم بِلَاد البلغار إِلَى ولايتين يكون ولاتها من المسيحيين الاجانب اَوْ التَّابِعين للدولة وان الْجنُود العثمانية لَا تحتل الا القلاع وَبَعض المدن الْكَبِيرَة وان تشكل قُوَّة جندرمة من المسيحيين يكون ضباطها بَين مسيحيين ومسلمين تعينهم الدولة وان تشكل لجنة دولية لمُدَّة سنة لمراقبة تَنْفِيذ الاصلاحات المبينة فِي لائحة الكونت اندراسي وان تُعْطى هَذِه الامتيازات إِلَى ولايتي البوسنه والهرسك وان يشْتَرط فِي الصُّلْح الَّذِي يعْقد مَعَ الصرب والجبل الاسود ان تتنازل لَهما الدولة عَن بعض الاراضي واخيرا إِذا لم تقبل الدولة هَذِه الاقتراحات المستحيل قبُولهَا ينسحب جَمِيع اعضاء المؤتمر من الاستانة عَلامَة على قطع العلائق السياسية مَعَ الدولة الْعلية والشروع فِي اتِّخَاذ الطّرق الاجبارية لاكراهها على قبُول اقتراحاتها
وَفِي يَوْم ٢٣ ديسمبر سنة ١٨٧٦ اجْتمع المؤتمر بِصفة رسمية فِي سراي البحرية تَحت رئاسة صفوت باشا نَاظر خارجية الدولة وانتخب هُوَ رَئِيسا لَهُ لانعقاد المؤتمر فِي الاستانة وعضوية كل من ادهم باشا سفير الدولة الْعلية ببرلين والكونت فرنسوا دي بورجوان والكونت دي شودوردي عَن فرنسا والبارون وزر عَن المانيا والكونت كورتي عَن ايطاليا والكونت زيكي من اشراف المجر والبارون كاليس النمساوي عَن النمسا والجنرال اغناتيف عَن الروسيا واللورد
стр. 567
سالسبوري وَالسير هنري ليوت عَن انكلترا وَفِي يَوْم انْعِقَاده اطلقت المدافع من جَمِيع القلاع والمراكب ايذانا باعلان القانون الاساسي الَّذِي سَاوَى بَين جَمِيع رعايا الدولة كَمَا سبق ذكره فِي بَابه وَبعد ان اجْتمع عدَّة دفعات جمعت الدولة مَجْلِسا عَاما من ذَوَات الدولة واعيانها ورؤساء الديانَات فِي ١٨ يناير سنة ١٨٧٧ وَعرضت عَلَيْهِم اقتراحات المؤتمر فَقَالَ الْكل بِوُجُوب رفضها وَمن الْغَرِيب ان وَكيل بطريرق والارمن وحاخام الْيَهُود كَانَا من اشد المعارضين فِي قبُولهَا وَقَالا بِمَا مؤداه ان جَمِيع ابناء طوائفهم مستعدون للدفاع عَن شرف الدولة الْعلية واستقلالها استعداد الْمُسلمين لذَلِك إِذا الْكل صَارُوا عثمانيين متساويين امام القانون طبقًا للقانون الاساسي ثمَّ انفض الْجمع وَبلغ عدد الْحَاضِرين نَحْو مِائَتَيْنِ اجْمَعُوا على وجوب الْحَرْب حفظا لشرف الدولة
وَفِي يَوْم ٢٠ من الشَّهْر الْمَذْكُور اجْتمع المؤتمر الدولي فَتلا صفوت باشا على الْحُضُور مَا قَرّرته الجمعية العمومية فِي يَوْم ١٨ مِنْهُ ثمَّ قَالَ لَهُم ان الدولة مستعدة لقبُول تشكيل مجَالِس انتخابية فِي البوسنه والهرسك والبلغار يكون انتخابهم لمُدَّة سنة فَقَط وَنصف اعضائها من الْمُسلمين وَالنّصف الآخر من المسيحيين وانها مصرة على رفض اللجان المختلطة كل الرَّفْض لَان ذَلِك يدل على عدم ثِقَة الدول بوعود جلالة السُّلْطَان ومصرة ايضا على عدم اعطاء الصرب والجبل الاسود شَيْئا من اراضيها
وَبعد ان تكلم بعض الاعضاء مهددا الدولة الْعلية انفض المؤتمر ثمَّ اجْتمع فِي مسَاء يَوْم ٢١ بِدُونِ حُضُور مندوبي الدولة الْعلية وامضوا مضبطة اعمال المؤتمر
وَفِي ٢٣ مِنْهُ سَافر المندوبون والسفراء عَلامَة على قطع العلائق بِدُونِ ان يقابلوا جلالة السُّلْطَان وَتَأَخر الجنرال اغناتيف قَلِيلا عَن اخوانه بِسَبَب الزوابع فِي الْبَحْر الاسود واخذ كل من الطَّرفَيْنِ يستعد لِلْقِتَالِ وَالْحَرب والنزال
اخلاص المجر للدولة الْعلية
وَمِمَّا يحسن ذكره فِي هَذَا الْمقَام ان اهالي المجر مَعَ بقائهم اجيالا تابعين للسلطنة العثمانية كَمَا مر كَانُوا اشد الامم اخلاصا للدولة الْعلية بل كَانَ المجريون الامة المسيحية الوحيدة الَّتِي خالج فؤادها الاخلاص وَالْوَلَاء للامة العثمانية فِي هَذَا الْوَقْت الْحَرج
стр. 568
الَّذِي كَانَت فِيهِ جَمِيع الدول المسيحية متألبة عَلَيْهَا وَمَا ذَلِك الا لكَون الدولة حمت من التجأ اليها من رُؤَسَاء الثورة المجرية سنة ١٨٤٨ وامتنعت عَن تسليمهم إِلَى النمسا والروسيا رغما عَن تهديداتهم وَلَوْلَا ذَلِك لاعدم جَمِيع زعماء المجر وخصوصا الوطني الشهير كسوت بِخِلَاف الروسيا فانها ساعدت النمسا بخيلها ورجلها على اقماع الثورة واذلال الامة المجرية بعد ان كَادَت تفوز بالنجاح وتتمتع بِالْحُرِّيَّةِ وتنفصل عَن النمسا تَمام الِانْفِصَال كَمَا كَانَت امنيتها
فَلَمَّا ظهر عداء الروسيا للدولة الْعلية جهارا اثناء انْعِقَاد مؤتمر الاستانة تجمهر تلامذة الْمدَارِس الْعليا فِي بودابست عَاصِمَة المجر وتباحثوا فِي الْكَيْفِيَّة الَّتِي يعربون بهَا عَن ولائهم للدولة الْعلية فاقروا على ارسال وَفد من اثْنَي عشر تلميذا مِنْهُم ليقدم سَيْفا ثمينا لعبد الْكَرِيم باشا قَائِد عُمُوم الجيوش التركية
فَأتى الْوَفْد إِلَى الاستانة فِي اوائل يناير سنة ١٨٧٧ وَطلب مُقَابلَة السردار الاكرم فاذن لَهُم وَلما مثلُوا امامه فَاه احدهم بِخطْبَة مُنَاسبَة للمقام ذكر فِيهَا مَا للدولة من الايادي الْبيض على بِلَادهمْ بحمايتها زعماء حريتها وَتمنى لَهُ ولدولته الْعلية الْفَوْز والنجاح على الروس اعداء الْحُرِّيَّة ومبيديها فِي بِلَاد لهستان بولونيا والمجر ثمَّ قدم لَهُ السَّيْف فاقتبل عبد الْكَرِيم باشا السَّيْف بِكُل ارتياح وارتجل صفوت باشا نَاظر الخارجية الَّذِي كَانَ حَاضرا هَذِه الْمُقَابلَة خطابا بليغا اتى فِيهِ على سَابِقَة ارتباط الامتين العثمانية والمجرية وتاسف على اصغاء المجر للدسائس الاجنبية وانفصالها عَن الدولة الْعلية وَقَالَ فِي الختام ان انْفِصَال الايالات المسيحية عَنْهَا وَاحِدَة بعد الاخرى لم يكن الا نتيجة حسن معاملاتها للسكان المسيحيين وَعدم اجبارهم على اعتناق الدّين الاسلامي وَترك دين وعوائد اجدادهم الاولين
لما انفض مؤتمر الاستانة بعد رفض الدولة والامة لطلباته غير الحقة وانسحاب اعضائه مَعَ جَمِيع القناصل من الاستانة مَا عدا الجنرال اغناتيف الروسي كتب الْبُرْنُس غورشا كوف إِلَى سفراء الروسيا لَدَى فرنسا وانكلترا والنمسا والمانيا وايطاليا نشرة بتاريخ ٣١ يناير سنة ١٨٧٧ يشْرَح فِيهَا رفض الدولة الْعلية لقرار المؤتمر وَيطْلب مِنْهُم الاستفسار من الدول عَمَّا يرغبون اجراءه مَعَ الدولة بعد ذَلِك
стр. 569
حَتَّى يكون عَمَلهم بِاتِّفَاق قبل ان يجْزم سَيّده الامبراطور بِمَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاعه لتحسين حَال المسيحيين ويصمم على تَنْفِيذ رغائبه بِالْقُوَّةِ وَكَذَلِكَ ارسل صفوت باشا إِلَى سفراء الدولة لَدَى الدول منشورا بتاريخ ٢٥ مِنْهُ ابان فِيهِ مَا اتاه اعضاء المؤتمر من عقد عدَّة جلسات ابتدائية بِدُونِ حُضُور مندوبي الدولة واتفاقهم على مايجب عرضه على الْبَاب العالي قبل انْعِقَاد المؤتمر بِصفة رسمية حَتَّى كَانَ الْمجْلس لم يعْقد الا لعرض طلبات مُتَّفق عَلَيْهَا من قبل وَطلب التَّصْدِيق عَلَيْهَا لَيْسَ الا ثمَّ قَالَ فِي ختامه ان الدولة لَا يُمكنهَا وَلنْ يُمكنهَا التَّصْدِيق على شَيْء من هَذِه الاقتراحات المزرية بِشَرَفِهَا ومحطة بِقَدرِهَا امام امتها وَطلب مِنْهُم تَسْلِيم صور مِنْهُ إِلَى الدول المعينين لَدَيْهَا فاحتار وزراء الدول فِي كَيْفيَّة حسم هَذِه النَّازِلَة امام اصرار الدولة على عدم الرضوخ لطلباتهم وبينما هم يضْربُونَ اخماسا فِي اسداس ابرمت الدولة الصُّلْح مَعَ امارة الصرب على شُرُوط اهمها ان تخلي العساكر العثمانية بِلَاد الصرب فتعود إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل الْحَرْب بِشَرْط ان لَا تبني الامارة قلاعا جَدِيدَة وان يرفع عَلَيْهَا الْعلم العثماني بجوار الْعلم الصربي عَلامَة على بَقَاء السِّيَادَة
اما الْجَبَل الاسود فَلم يتم مَعَه الصُّلْح لطلبه تنازل الدولة لَهُ عَن بعض الاراضي بِحَيْثُ يصير لَهُ ميناء على الْبَحْر الادرياتيكي بل اكتفت الدولة بتجديد اجل الْهُدْنَة مَعَه
وَفِي مارس سنة ١٨٧٧ لما رات الروسيا عدم وُرُود جَوَاب اليها من الدول عَمَّا تنوي اجراءه مَعَ الدولة وانها ان لم تبادر باشعال نيران الْحَرْب تضيع مِنْهَا الفرصة بعد ان تجشمت المصاريف الطائلة فِي الاستعداد اليه اذ قد تمّ الصُّلْح مَعَ الصرب وَرُبمَا تصالح الْبَاب العالي قَرِيبا مَعَ الْجَبَل الاسود فتسود السكينَة وَلَا يعود لَهَا وَجه للمداخلة لَا سِيمَا وان مسيحي الدولة يُصْبِحُونَ عَمَّا قَلِيل راضين عَنْهَا بِسَبَب مساواتهم مَعَ الْمُسلمين بِمُقْتَضى القانون الاساسي ارسل الْبُرْنُس غورشاكوف إِلَى سفيره فِي لوندره فِي ١١ مارس صُورَة لائحة لاطلاع الْحُكُومَة الانكليزية عَلَيْهَا حَتَّى إِذا صادقت عَلَيْهَا عرضهَا على بَاقِي سفراء الدول بلندره وَإِذا حازت لديهم قبولا يصير التوقيع عَلَيْهَا مِنْهُم وارسالها للباب العالي للْعَمَل بهَا والا فَتَصِير الدول حرَّة فِي اجراء مَا يلْزم لراحة رعايا الدولة المسيحيين فصدقت عَلَيْهَا انكلترا ابْتِدَاء ثمَّ اجْتمع جَمِيع السفراء فِي ٣١ مِنْهُ بنظارة الخارجبة مَا عدا سفير الدولة الْعلية ذَات الشَّأْن تَأمل وامضوا هَذِه
стр. 570
اللائحة بعد تعديلها قَلِيلا وارسلوها إِلَى الْبَاب العالي وَهَذَا نَصهَا نقلا عَن منتخبات الجوائب
لائحة لوندرة
ان الدول الَّتِي اتّفقت على اجراء الصُّلْح فِي الشرق واشتركت فِي مؤتمر الاستانة تعترف ان آكِد الْوَسَائِل للحصول على هَذِه الْغَايَة الَّتِي وطنت نَفسهَا عَلَيْهَا هُوَ دوَام الِاتِّفَاق الَّذِي حصل بَينهَا وَمن لَوَازِم هَذَا الِاتِّفَاق تَحْقِيق الْمَنْفَعَة الَّتِي قصدوها لتحسين احوال النَّصَارَى سكان الممالك العثمانية وَفِي الاصل تركية ولاجراء الاصلاح فِي بوسنه وهرسك والبلغار الَّذِي قبله الْبَاب العالي بِشَرْط انه هُوَ الَّذِي يجريه فعلا وَكَذَلِكَ عِنْدهَا علم باجراء الصُّلْح مَعَ الصرب اما من جِهَة الْجَبَل الاسود فان الدول ترى ان تعْيين الْحُدُود وحرية السّفر فِي البوجانا امْر مَرْغُوب لاحكام الِاتِّفَاق وادامته كَمَا انها ترى ان هَذَا الِاتِّفَاق الَّذِي تمّ اَوْ سيتم بَين الْبَاب العالي وَهَاتين الولايتين هُوَ وسلة الصُّلْح الَّذِي هُوَ غَايَة مرامها وَلِهَذَا تدعوا الْبَاب العالي لاحكامه وتوكيده بِأَن يَجْعَل عساكره فِي حَالَة السّلم ماعدا العساكر الَّتِي لَا بُد مِنْهَا لابقاء الامن والطمأنينة وان يسْرع من دون تَأْخِير فِي اجراء الاصلاح لتطمين سكان الولايتين وَغَيرهَا مِمَّا جرت المذاكرة على شُرُوطه فِي المؤتمر وَكَذَلِكَ تعترف ان الْبَاب العالي صرح بانه يجْرِي من هَذِه الصلاحيات مَا هُوَ الاهم وَعِنْدهَا علم ايضا باللائحة الَّتِي نشرها الْبَاب العالي فِي ١٣ من فبراير شباط سنة ١٨٧٦ وبالاعلان الَّذِي اصدره مُدَّة انْعِقَاد المؤتمر بِوَاسِطَة سفراءه وَبِنَاء عل هَذِه الْمَقَاصِد الْحَسَنَة الَّتِي ابداها ومنفعته الظَّاهِرَة فِي اجراء الاصلاحات حَالا قَامَ بخاطر الدول ان لَهَا اسبابا تحملهَا على ان ترجو ان الْبَاب العالي يَسْتَفِيد من هَذِه الفترة الْحَاضِرَة فيبذل همته فِي اتِّخَاذ الْوَسَائِل الَّتِي يحصل بهَا تَحْسِين احوال النَّصَارَى الَّتِي اتّفقت الدول على وُجُوبهَا لاجل بَقَاء السَّلامَة والطمأنينة باوروبا فاذا اخذ فِي هَذَا الْمَشْرُوع يكون مَعْلُوما عِنْده ان شرفه ونفعه ايضا يوجبان الْمُحَافظَة عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ والاخلاص والانجاز فَمن رَأْي الدول
стр. 571
وَالْحَالة هَذِه ان تكون مراقبة بِوَاسِطَة سفرائها بالاستانة واعمالها فِي الولايات للمنوال الَّذِي ينجز بِهِ مواعيد الدولة العثمانية فاذا خابت آمالها مرّة اخرى وَلم تحسن حَال رعية السُّلْطَان على وَجه يمْنَع من اعادة الارتباكات الَّتِي تتعاقب فِي الشرق وتكدر موارد السّلم فِيهِ ترى من الصَّوَاب ان تعلن ان مثل هَذِه الامور لَا تناسب مصلحتها ومصلحة اوروبا عُمُوما فَفِي مثل هَذِه الْحَال تستبقي لنَفسهَا ان تنظر بالِاتِّفَاقِ فِي اتِّخَاذ الْوَسَائِل الَّتِي ترَاهَا الاصلح لتأمين خير النَّصَارَى ولابقاء السّلم عُمُوما
حرر فِي لوندره فِي ٣١ مارس سنة ١٨٧٧ مونستر دربي بوست ل ف مينارايا ل داركور شوفالوف
وَقد اتينا على ذكر هَذِه اللائحة ليرى الْقَارئ تعصب الدول لحماية المسيحيين بالدولة مَعَ انه لَو تداخلت الدولة فِي شؤون احداها وَطلبت من فرنسا مثلا عدم التَّعَرُّض لما يمس الامة الاسلامية بالجزائر اَوْ مُسَاوَاة الْمُسلمين بهَا بالمسيحيين وَالْيَهُود لشددوا النكير عَلَيْهَا ورموها بالتعصب الديني المتصفين هم بِهِ دون غَيرهم وَلَكِن هِيَ الْقُوَّة قضى التمدن الغربي الحَدِيث ان تسود على كل حق تَحت راية الانسانية والمساواة وَمَا هِيَ الا الفاظ لَا مَعَاني لَهَا الا فِيمَا يلائم مصالحهم ومانحن بمغرورين
وَلما وصلت هَذِه اللائحة إِلَى الْبَاب العالي وانتشر خَبَرهَا بَين الْعُمُوم ايقن الْكل ان لَا بُد من الْحَرْب اذ من المستحيل ان توَافق عَلَيْهَا أَي دولة تغار على شرفها ووجودها بَين الْعَالم السياسي واصدرت الدولة منشورا إِلَى سفرائها لَدَى الدول السِّت بِقصد تبليغه لَهَا يشف بِعِبَارَة صَرِيحَة عَن عدم تصديقها على هَذِه اللائحة وَقد اتى فِيهِ محرروه من الْعبارَات المؤثرة الدَّالَّة على تعصب الدول مَا راينا مَعَه ضَرُورَة نشره برمتِهِ وَهَا هُوَ نقلا عَن مَجْمُوعَة الجوائب
وَقد وصل إِلَى الْبَاب العالي البروتوكول الَّذِي وَقع عَلَيْهِ فِي لندرة فِي ٣١ مارس سنة ١٨٧٧ نَاظر الخارجية بلندره وسفراء المانيا واوستريا وفرنسا وايطاليا والروسيا مَعَ الاعلام الَّذِي الْحق بِهِ من نَاظر الخارجية الموما اليه وَمن سفيري ايطاليا والروسيا
стр. 572
وَبعد اطلَاع الْبَاب العالي على ذَلِك تاسف جدا على انه راى ان الدول الْعِظَام لم تَرَ من الْوَاجِب ان تشترك الدولة الْعلية فِي المذكرات الَّتِي تثار فِيهَا الْمسَائِل المهمة الْمُتَعَلّقَة بالدولة مَعَ ان المراعاة الَّتِي ابدتها الدولة فِي جَمِيع الاحوال لنصائح الدول والتكفل الَّذِي قرن مصالحها بمصالحهم واصول الانصاف الَّتِي لَا نزاع فِيهَا والتعهد الخطير الشان تحمل الدولة على ان تظن انه كَانَ من اللَّازِم ان الدول تدعوها إِلَى هَذَا الْعَمَل المُرَاد بِهِ ان اجراء الصُّلْح فِي الشرق والاتفاق الْعَام يبنيان على اساس راسخ عَادل وَحَيْثُ جرى الامر على خلاف المامول رأى الْبَاب العالي انه من الْوَاجِب عَلَيْهِ ان يُعَارض فِيهِ وان يبين مَا عَسى ان يحدث مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبل من المحدور وَلَو ان الدول امعنت النّظر فِيمَا اعْترض من الْخطر وَمن تَغْيِير الْحَال بعد انْعِقَاد المؤتمر فِي استانبول لامكن الْوُصُول إِلَى هَذَا الِاتِّفَاق المروم اما فِي اثناء انْعِقَاد المؤتمر فان الْبَاب العالي كَانَ مُعْتَمدًا على القانون الاساسي وَفِي الاصل كونستيتوسيون الَّذِي تفضل بِهِ سلطاننا الْمُعظم متكفلا بتحقيق اصلاح عَام لم يعْهَد لَهُ نَظِير مُنْذُ ابْتِدَاء الدولة السُّلْطَانِيَّة فَرَأى انه من الْوَاجِب عَلَيْهِ ان يُنكر الطّلب الْمشْط فِي تَمْيِيز بعض الولايات بالاصلاح دون غَيرهَا وينبذ ايضا كل مَا من شَأْنه ان يجحف باستقلال الدولة الْعلية وبسلامة ممالكها وَهَذَا عين مَا اعلنته دولة انكلترا وقبلته سَائِر الدول فان هَذَا الاعلان بني على اسْتِقْلَال الدولة وعَلى ان يكون فِي بعض الولايات تنظيمات تتكفل بِمَنْع سوء الادارة من قبل المأمورين وقصرهم عَن التَّصَرُّف الْمُطلق فَهَذِهِ التنظيمات الْمَطْلُوبَة مُحَققَة فعلا فِي الْمِنْهَاج السياسي الْجَدِيد الَّذِي انشئ فِي الممالك من دون فرق فِي لُغَات اهلها وَلَا فِي مذاهبهم ثمَّ عقد مجْلِس المشورة العثماني فِي الاستانة فاجتمعت فِيهِ اعضاؤه بانتخاب جرى على وَجه الِاخْتِيَار وَالْحريَّة فان كَانَ اُحْدُ يُعَارض فِي طَريقَة هَذَا الاصلاح الَّذِي لقرب عَهده يظنّ تَأْخِير الثَّمَرَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ يُقَال لَهُ ان هَذِه الْمُعَارضَة هِيَ ضد مَا رامته الدول من الاصلاح اما التامين فِي دَاخل المملكة فان الصُّلْح اسْتَقر بَين الْبَاب العالي والصرب وَمَا زَالَت الْمُفَاوضَة جَارِيَة مَعَ وَفد الْجَبَل الاسود وفيهَا اظهر لَهُم الْبَاب العالي مساهلة عَظِيمَة وَفِي خلال ذَلِك طَرَأَ من سوء البخت امْر جَدِيد وَهُوَ مُبَالغَة دولة الروسيا فِي تجهيز عساكرها فاوجب ذَلِك على الْبَاب العالي ان يستعد لدفع الْخطر عَنهُ مَعَ ان اقصى مرامه ان يتشبث بالوسائل المؤدية إِلَى السّلم والسلامة
стр. 573
وان يُوَافق الدول على قدر مَا يُمكنهُ وان يزِيل من خواطر النَّاس الريب فِي اخلاص مانواه من الاصلاح وان يستريح من الْفِتَن الَّتِي توجب عَلَيْهِ بذل المَال لغير طائل فاضطراره إِلَى الاستعداد للدفاع وَالْحَالة هَذِه اوجب عَلَيْهِ ان يَسْتَعِين بسكان الممالك على غير مُرَاده وان يقدم على حَرْب رُبمَا تكون سَببا فِي تكدير سلم جَمِيع الاقطار والامصار وَكَانَ من الضَّرُورِيّ ان الدول الْعِظَام تهتم بِهَذِهِ الْحَال وَكَانَ مِمَّا استصوبه الْبَاب العالي لبَعض اسباب ان لَا يطْلب مِنْهَا طلبا رسميا ان تعتني بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة المهمة وَلَكِن بعد ان بَين اللورد دربي والكونت شوفالوف مَا بَيناهُ عِنْد توقيعهما على البروتوكول رأى الْبَاب العالي لُزُوم مطالعة الدول فِي انهاء هَذِه الارتباكات الَّتِي تُفْضِي إِلَى الْخطر مماليس فِي طاقته انهاؤه فاول ذَلِك ان يبين لَهَا جَوَابا عَمَّا قَالَه الكونت شوفالوف فِي البروتوكول هَذِه الملاحظان الْآتِيَة وَاحِدَة ان الْبَاب العالي فِي نهجه طَريقَة الْمُصَالحَة مَعَ امير الْجَبَل الاسود على نَحْو مانهجه مَعَ حُكُومَة الصرب افاد عَن طيب نفس مُنْذُ نَحْو شَهْرَيْن ان الدولة الْعلية تبذل جهدها فِي الإتفاق مَعَه وَلَو كَانَ فِي ذَلِك بعض خسارة عَلَيْهَا يرى ان الْجَبَل جُزْء من الممالك العثمانية خَيره فِي تَعْدِيل التخوم بِمَا فِيهِ نفع لحكومة الْجَبَل وطمع فِي ان ذَلِك يُنْهِي الْخلاف فِي الْمُسْتَقْبل فَصَارَ الْحُصُول على المامول مُتَعَلقا بِالْجَبَلِ ان الدولة الْعلية شرعت فعلا فِي اجراء الاصلاحات الَّتِي وعدت بهَا لَكِن هَذَا الاجراء لَا يكون على وَجه التَّخْصِيص وَالتَّرْجِيح وفَاقا لما تقرر فِي القانون الاساسي فَهُوَ فِي حريَّة الدولة ان تنهجه على الْوَجْه الْمَذْكُور ان الدولة مستعدة لَان تجْعَل عساكرها على قدم السّلم عِنْدَمَا ترى ان دولة الروسيا فعلت مثل ذَلِك وان المُرَاد من حشد عساكرها مُجَرّد الدفاع وانها ترجو من علاقَة الْمَوَدَّة والمراعاة الْحَاصِلَة بَينهمَا ان دولة الروسيا لَا تصر وَحدهَا على ان تظن ان رعية الدولة الْعلية من النَّصَارَى معرضون من طرف حكومتهم لخطر يُوجب عزو بلادها ومايعقبه من الغوائل اما من جِهَة مَا يحْتَمل حُدُوثه من الاختلال مِمَّا يمْنَع صرف عَسَاكِر الروسيا فان الدولة الْعلية تجيب عَن هَذَا الشَّرْط الاليم الَّذِي نَشأ عَن هَذَا الظَّن بَان تَقول انه قد ثَبت عِنْد دوَل اوروبا ان الاختلال الَّذِي حدث فِي بعض الولايات وكدر احوالها انما نَشأ من اغواء المغوين من الْخَارِج فالدولة الْعلية غير مسؤولة عَنهُ وَلَا مُطَالبَة بِهِ فَلَا حق لدولة الروسيا فِي ان تعلق صرف
стр. 574
عساكرها على حُدُوث الاختلال اما ارسال مامور مَخْصُوص من الدولة الْعلية إِلَى سان بطرسبورج للمفاوضة فِي صرف العساكر فان الدولة لَا ترى سَببا لرفض فعل يدل على المجاملة والملاطفة مِمَّا توجبه طَريقَة الْمُعَامَلَات السفارية من كلا الطَّرفَيْنِ لَكِنَّهَا لَا ترى تنَاسبا بَين هَذَا الْفِعْل وَبَين وضع السِّلَاح الَّذِي لَا يجب تَأْخِيره لأي سَبَب كَانَ اذ يُمكن انجازه بِمُجَرَّد خبر بالتلغراف فالدولة الْعلية تطلب من الدول ان تتبصر فِيمَا اوجب رقم البروتوكول وَفِي خطر هَذِه الْحَال الْحَاضِرَة الت يلا مسؤولية مِنْهَا عَلَيْهَا وَمن الْغَرِيب ان الدول رَأَتْ من اللُّزُوم ان تذكر فِي البروتوكول ان من مصلحتها الْمُشْتَركَة اجراء الاصلاح فِي بوسنه وهرسك والبلغار وانه بِالنّظرِ إِلَى حسن مَقَاصِد الْبَاب العالي وَإِلَى ظُهُور الْفَائِدَة لَهُ من الاصلاح تؤمل ان يُبَادر إِلَى اجرائه فعلا فِي تِلْكَ الولايات من دون امهال كَمَا جرت عَلَيْهِ المذاكرة فِي المؤتمر وانه مَتى شرع فِيهِ اول مرّة يكون مَعْلُوما عِنْده ان شرفه ومصلحته يقضيان بالاستمرار فِيهِ فالباب العالي لَا يقبل الاصلاح الْمَخْصُوص بالولايات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة وَلَيْسَ عِنْده شكّ ايضا ان مصْلحَته وَمن الْوَاجِب عَلَيْهِ ان يقْضِي حُقُوق رَعيته من النَّصَارَى قَضَاء كَافِيا وَلَكِن لَا يسلم ان الاصلاح يكون مَقْصُورا على النَّصَارَى فَقَط بل يجب ان يكون شَامِلًا لجَمِيع سكان الممالك المحروسة رعية الدولة الْعلية المتصفين بِالْوَلَاءِ وَالطَّاعَة حَتَّى يَكُونُوا بِمَنْزِلَة جسم وَاحِد وعَلى هَذَا فالباب العالي محقوق بَان يدْفع الاوهام الَّتِي تثيرها عبارَة البروتوكول من جِهَة اخلاص قَصده وَنِيَّته نَحْو رَعيته المسيحيين وان يعْتَرض على عدم المبالاة المفهومة من فحوى هَذِه الْعبارَة بباقي رَعيته من الْمُسلمين وَغَيرهم فَمن المنكران الاصلاح الَّذِي من شَأْنه ان يَشْمَل الْمُسلمين بالراحة وَالْمَنْفَعَة يكون فِي عُيُون اهل اوروبا البصيرة المنصفة مِمَّا لَا يبالى بِهِ وَلَا يلْتَفت اليه وَلذَا كَانَ من قصد الدولة وَفِي الاصل تركية الْيَوْم احداث تنظيمات مَخْصُوصَة يحصل بهَا لجَمِيع رعاياها التَّأْمِين على حُقُوقهم ومنافعهم المعنوية والمادية على التَّسَاوِي من دون فرق وتحسب من مُوجبَات شرفهاان تحافظ على القانون الاساسي وَذَلِكَ آكِد ضَمَان وعهد وَلَكِن إِذا رَأَتْ نَفسهَا مضطرة إِلَى دفع الْمَقَاصِد المُرَاد بهَا ابقاء الْعَدَاوَة بَين رعاياها وَحَملهمْ على عدم الثِّقَة بهَا لم تكن محقوقة بايجاب مَا بني عَلَيْهِ البروتوكول من قصد الاصلاح كَيفَ وَقد قَالَ ان قصد الدول ان تراقب بِوَاسِطَة
стр. 575
سفرائها بالاستانة وعمالها فِي الولايات المنوال الَّذِي تنجز بِهِ مواعيد الدولة العثمانية وَقَالَ ايضا إِذا كَانَ هَذَا الامل يخيب مرّة اخرى فانها أَي الدول تستبقي لنَفسهَا ان تتَّخذ بالِاتِّفَاقِ الْوَسَائِل الَّتِي يتراها اولى واحرى لتأمين مَنَافِع النَّصَارَى واستتباب السّلم عُمُوما فَهَذَا يُوجب على الدولة الْعلية ان تقيم الْحجَّة عَلَيْهِ وتنكره اشد الانكار فان الدولة من حَيْثُ كَونهَا مُسْتَقلَّة لَا تذعن بَان تكون تَحت مراقبة الدول مُفْردَة كَانَت اَوْ مَجْمُوعَة لِأَنَّهَا لما كَانَت علاقتها مَعَ الدول المتحابة مَبْنِيَّة على الْحُقُوق المتعارفة بَين الامم وعَلى المعاهدات لم يكن لَهَا ان تعترف ان سفراء الدول وعمالها الَّذين وظيفتهم المحاماة عَن مصَالح رعاياهم يكون لَهُم حق المراقبة على وَجه رسمي فَهَذَا امْر مهين لَهَا وَلم يعْهَد لَهُ نَظِير لَدَى سَائِر الدول وَهُوَ ايضا مناقص لما تقرر فِي معاهدة باريس الَّتِي اتّفقت عَلَيْهَا الدولة الْعلية مَعَ سَائِر الدول فانها تصرح بِعَدَمِ المداخلة وتتخذه اصلا من اصول السياسة فَلَا يَصح إِذا الغاء شَيْء مِنْهَا من دون مُوَافقَة الْبَاب العالي فاذا كَانَت الدول تحتج بِتِلْكَ المعاهدة فَلَيْسَ لكَونهَا تخولها حقوقا لَيست فِي حيازتها من دونهَا وَلَكِن لتذكر الدول بالاسباب الخطيرة الَّتِي حملتها مُنْذُ عشْرين سنة حبا لبَقَاء السّلم الْعَام فِي اوروبا على ان تتعهد بِحِفْظ حُقُوق سلطنة الدولة الْعلية عَن الانهاك اما مَا تقرر فِي البروتوكول من ان الدول إِذا رَأَتْ الاصلاح غير منجز يكون لَهَا ان تتشبث بالوسائط الفعالة لانجازه فان الدولة ترى فِي ذَلِك اجحافا بِشَرَفِهَا وحقوقها وتخويفا من شَأْنه ان يجرد افعالها الَّتِي تأتيها عَن رِضَاء ومبادرة عمالها من الِاسْتِحْقَاق وسببا يزِيد فِي ارتباكاتها فِي الْحَال والاستقبال فعلى كل حَال لَا يعوق الدولة الْعلية شَيْء عَن ان تجزم باقامة الْحجَّة على البروتوكول الْمَذْكُور وان تعتبره بِالنّظرِ إِلَى مايتعلق بهَا خَالِيا من الانصاف ومجردا عَن الاوصاف الَّتِي يتجعله مُوجبا وَحَيْثُ ظهر لَهَا ان مَوْضُوعه اثارة الظنون والاتهام وَنقض حُقُوق الدولة الَّذِي هُوَ نقض ايضا لحقوق النَّاس عُمُوما وطنت نَفسهَا على الدفاع صونا لوجودها فَهِيَ تعلن الْآن اتكالا على الْبَارِي تَعَالَى واعتمادا على الْعدْل انها تنكر كل مَا يحكم بِهِ عَلَيْهَا اُحْدُ من دون مواطأتها وجازمة بَان تحافظ على الْمقَام الَّذِي اقامها فِيهِ الْقَادِر وَقدره لَهَا فَلَا تزَال تدفع كل مَا من شَأْنه ان يجحف بالاصول العمومية وبصحة ذَلِك الْعَهْد الَّذِي اوجبته الدول على انفسها ولاعتقادها بَان البروتوكول
стр. 576
من قبيل الْمَعْدُوم تراجع ضمائر الدول الَّذين تعتقد فيهم بَقَاء الصداقة والمودة كَمَا كَانَ فِي سالف الزَّمن وَفِي الْجُمْلَة فان الْوَسِيلَة الوحيدة لازالة الْخطر الَّذِي يخَاف مِنْهُ على السّلم هِيَ الْمُبَادرَة إِلَى وضع السِّلَاح وَالْجَوَاب الَّذِي صرحت بِهِ الدولة آنِفا عَن سفير الروسيا يسهل للدول الْحُصُول على هَذِه النتيجة وَلَا شكّ ان الدول لَا تُرِيدُ ان تكلّف الدولة بِمَا يخل بحقوقها وَيُوجب عَلَيْهَا الاضرار والخسائر فانت مُكَلّف بِقِرَاءَة اللائحة على نَاظر الخارجبة وَترك نُسْخَة مِنْهَا عِنْده اهـ
اعلان الْحَرْب
لم يسع الروسيا بعد رفض الْبَاب العالي للائحة لوندره وتصميمه على الدفاع عَن شرف الدولة وَعدم الانصياع لطلبات اوروبا المسيحية الْغَيْر حقة الا اعلان الْحَرْب وَلَكِن قبل اعلانه امضت مَعَ امارة رومانيا الافلاق والبغدان معاهدة سَرِيَّة بتاريخ ١٦ ابريل سنة ١٨٧٧ وضعت رومانيا بمقتضاها جَمِيع مخازنها ومؤنها وذخائرها تَحت تصرف الروسيا ثمَّ فِي ٢٤ مِنْهُ كتب الْبُرْنُس غورشاكوف إِلَى توفيق بك الْمُكَلف بمصالح الْبَاب العالي فِي سان بطرسبورج كتابا يَقُول فِيهِ ان سَيّده الامبراطور رأى نَفسه مُضْطَرّا بِكُل اسف ان يعْتَمد على قُوَّة السِّلَاح لتنفيذ مطالبه وكلفه بَان يخبر دولته بِأَن الروسيا تعْتَبر نَفسهَا من هَذَا الْيَوْم فِي حَالَة الْحَرْب مَعَ الدولة وان يحبره عَن عدد مستخدمي السفارة ليعطي لَهُم جَوَاز السّفر عَلامَة على قطع العلاقات بِسَبَب الْحَرْب فابلغ توفيق بك هَذَا الْخطاب إِلَى الْبَاب العالي وَكَانَ المسيو نيليدوف الَّذِي نيطت بِهِ اعمال السفارة الروسية بعد سفر الجنرال اغناتيف قد ترك الاستانة فِي الْيَوْم الَّذِي قبله قطعا للعلاقات السياسية فَكتب الْبَاب العالي نشرة تلغرافية إِلَى سفرائه لَدَى الدول الموقعة على معاهدة باريس فِي سنة ١٨٥٦ بتاريخ ٢٥ ابريل يكلفهم باخبار الدول الْمَعْنيين لَدَيْهَا باعلان الروسيا بمحاربتها للدولة بِدُونِ توَسط الدول طبقًا للمادة الثَّامِنَة من معاهدة باريس الْمَذْكُورَة الَّتِي نَصهَا إِذا حدث بَين الْبَاب العالي واحدى الدول المتعاهدة خلاف خيف مِنْهُ على اختلال الفتهم وَقطع سلطتهم فَمن قبل ان يعْتَمد الْبَاب العالي وَتلك الدولة الْمُنَازعَة لَهُ على اعمال الْقُوَّة والجبر
стр. 577
يقيمان الدول الاخرى الدَّاخِلَة فِي المعاهدة وسطا بَينهمَا منعالما ينشأ عَن ذَلِك الْخلاف من الضَّرَر
وَبعد ذل اصدرت الدولة اوامرها إِلَى جيمع رُؤَسَاء الجيوش بملاقاة الْعَدو بِمَا جبلت عيه العساكر الشاهانية من البسالة والثبات واصدر سيدنَا شيخ الاسلام فتوتين بتاريخ ٨ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٤ الْمُوَافق ٢١ مايو سنة ١٨٧٧ احداهما بِوُجُوب الْقِتَال على كل مُسلم وَالثَّانيَِة باضافة لَفْظَة غَازِي على اسْم جلالة السُّلْطَان فِي الاوامر وعَلى المنابر بِنَاء على ماجاء فِي الحَدِيث الشريف من جهز غازيا فِي سَبِيل الله فقد عزا
اما دوَل اوروبا فاظهروا جَمِيعًا عدم المساعدة للدولة وَلَو ادبيا وقلبوا لَهَا ظهر الْمِجَن بعد مااوصلوا الْمَسْأَلَة إِلَى الْحَرْب بتداخلهم الْغَيْر شَرْعِي واقتراحهم على الْبَاب العالي مَا لَا يُمكنهُ قبُوله وان قَالَ معترض مخاتل ان انكلترا اعترضت على هَذِه الْحَرْب بِجَوَاب ارسله اللورد دربي إِلَى اللورد اغسطوس ليفتوس سفير انكلترا فِي عَاصِمَة الروسيا بتاريخ اول مايو سنة ١٨٧٧ فَنَقُول ان ذَلِك لم يكن حبا للدفاع عَن الدولة الْعلية فانها لم تحرّك مركبا وَلَا جنديا لموآزرتها انما كَانَ احتجاجها خوفًا على مصالحها وعَلى حريَّة الملاحة فِي بوغاز السويس من ان تعبث بهَا ايدي الروسيا بِحجَّة ان مصر جُزْء من الدولة الْعلية وعساكرها متحدة مَعَ جيوش الدولة فِي محاربتها لَكِنَّهَا كفت عَن الْمُعَارضَة والتزمت الحيادة كباقي الدول بِمُجَرَّد مااجابها الْبُرْنُس غورشاكوف بتاريخ ٧ مايو ان الروسيا لَيْسَ من قَصدهَا ان تحصر خليج السويس وَلَا ان تتعرض لمنع سير السفن فِيهِ فانها تعتبره بِمَنْزِلَة مصلحَة عمومية تشترك فِيهَا تِجَارَة جَمِيع الامم فَيجب ان يبْقى دَائِما سالما من التَّعَرُّض اما مصر فانها جُزْء من الممالك العثمانية وعساكرها مختلطة بالعساكر التركية وَمن ثمَّ يسوغ للروسيا ان تعتبرها محاربة لَهَا وَمَعَ ذَلِك فان الروسيا لَا تتخذها هدفا لاعمالها الحربية لما فِيهَا لاوروبا عُمُوما وانكلترا خُصُوصا من الْمصَالح
стр. 578
الاعمال الحربية
ان مَا حصل بَين الجيوش العثمانية وعساكر الروسيا من الوقائع الحربية لم يزل مسطورا فِي ذهن الْقُرَّاء لقرب عَهده فان جميعنا يعلم مَا اتاه الْغَازِي عُثْمَان باشا عِنْدَمَا حصرته جنود الروسيا فِي مَدِينَة بلفنه من الاعمال الَّتِي شهد لَهُ بهَا الْعَدو قبل الصّديق وَمَا اتاه الْغَازِي أَحْمد مُخْتَار باشا فِي جِهَات قارص وارضروم وَلذَلِك كَانَ يمكننا ان نضرب صفحا عَن تَفْصِيل هَذِه الوقائع بِدُونِ اخلال بموضوع هَذَا الْكتاب لَكِن آثرنا تتميما للفائدة ان نأتي على تلخيصها بغاية الايجاز فَنَقُول
انه قبل اعلان الْحَرْب رسميا باربع وَعشْرين سَاعَة اجتازت عَسَاكِر الروسيا خلافًا لاصول الْحَرْب تخوم رومانيا قاصدة بِلَاد الدولة الْعلية الَّتِي يفصلها عَن رومانيا نهر الدانوب فَاحْتَجت الدولة ضد تحالف رومانيا مَعَ الروسيا مَعَ انها لم تزل صَاحِبَة السِّيَادَة عَلَيْهَا وَلَكِن ايْنَ الْمُجيب وَالْكل يَد وَاحِدَة وَلما لم تَجِد الدولة من اوروبا اذنا مصغية ارادت معاقبة رومانيا على هَذِه الْخِيَانَة فارسلت بعض سفنها الحربية فِي الطونة لاطلاق قنابلها على سواحلها فَكَانَ هَذَا الْجَزَاء حَامِلا لَهَا على التظاهر بالعدوان والمناداة بالاستقلال فِي ٤ امايو سنة ١٨٧٧ والاشتراك فعلا مَعَ الروسيا فِي الْحَرْب وانضمام جيشها الْبَالِغ سِتِّينَ الف جندي تَقْرِيبًا إِلَى الْجَيْش الروسي
هَذَا وَمن تامل فِي خريطة الدولة الْعلية يرى انه يفصلها عَن الروسيا ورومانيا حاجزان طبيعيان اهم من الحواجز والمعاقل الصناعية وهما نهر الدانوب وجبال البلقان فَلَو اجتيز الاول امكن جيوش الدولة التحصن فِي الثَّانِي وَلذَلِك كَانَت الْحَرْب اولا على شاطئ الدانوب وَبعد عدَّة وقائع حربية ومناورات عسكرية اجتاز الجنرال زمرمان الطونه فِي ٢٢ يونيه
وَفِي ٢٧ مِنْهُ عبر الْجَيْش الروسي باجمعه النَّهر وَقصد مَدِينَة ترنوه فاحتلها وَفِي اواسط يوليو احتل البارون دي كرودر مَدِينَة نيكوبلي واحتل الجنرال
стр. 579
جوركو مضايق البلقان الموصلة لمضيق شيبكا الشهير وَعند وُصُول هَذِه الاخبار إِلَى الاستانة استولى الرعب والقلق على سكانها اذ لَو اجتاز الروس مضيق شيبكا لخيف على دَار السَّعَادَة نَفسهَا من الْوُقُوع فِي قَبْضَة الْعَدو لَا قدر الله وَلَوْلَا وضع الاستانة فِي ١١ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٤ ٢٤ مايو سنة ١٨٧٧ تَحت الاحكام الْعُرْفِيَّة وتوقيف سير القوانين النظامية لحصل بهَا من الْفِتَن والقلاقل مَا يكون عونا ومعينا لِلْعَدو على التَّقَدُّم للامام لَكِن انتباه الْقُوَّة الضابطة منع كل امْر مخل بالراحة وَقد نسب هَذَا التقهقر المستمر امام جيوش الروسيا إِلَى عدم كفاءة السردار الاكرم عبد الْكَرِيم باشا وناظر الحربية رَدِيف باشا فعزلا فِي ٢٢ يوليو وَتعين مُحَمَّد عَليّ باشا قائدا عَاما للجيوش العثمانية واستدعى سُلَيْمَان باشا الَّذِي كَانَ يحارب سكان الْجَبَل الاسود وانتصر عَلَيْهِم فِي عدَّة مواقع لحضوره مَعَ جيوشه المدربة للمساعدة على صد الروس وَعين مَحْمُود باشا داماد صهر الحضرة السُّلْطَانِيَّة نَاظرا للحربية مؤقتا ثمَّ احيل عبد الْكَرِيم باشا ورديف باشا وَغَيرهم من الضباط الْعِظَام الَّذين نسب اليهم اعمال اَوْ تَقْصِير وَغير ذَلِك مِمَّا سهل على الروس اجتياز الدانوب فجبال البلقان وَحكم على اغلبهم بِالنَّفْيِ إِلَى جِهَات مُخْتَلفَة
وَفِي اثناء ذَلِك اتى الْغَازِي عُثْمَان باشا من مُعَسْكَره بِمَدِينَة وَدين لمساعدة مَدِينَة نيكوبلي وَلما وَصله خبر سُقُوطهَا فِي ايدي الروس قصد مَدِينَة بلفنه لاهمية موقعها الْحَرْبِيّ ووجودها على ملتقى الطّرق العمومية الموصلة بَين مضايق جبال البلقان وبلغاريا الغربية والطونه واقام حولهَا المعاقل والحصون المنيعة الَّتِي جعلت الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا من رَابِع المستحيلات لَكِن لاستخفاف الروس بِهَذِهِ الاستحكامات هاجموها فِي ٢٠ يوليو فَارْتَدُّوا على اعقابهم خاسرين ثمَّ اعادوا الكرة عَلَيْهَا فِي ٣٠
стр. 580
مِنْهُ بِقُوَّة عَظِيمَة مؤلفة من ثَلَاثِينَ اورطة من المشاة وقدرها من الخيالة وَمِائَة وَسِتَّة وَثَمَانِينَ مدفعا فعادوا بخفي حنين بعد ان خضبوا الارض بدمائهم وافعموا الوديان بجثثهم وحينما وصل خبر هَذَا الْفَوْز الْمُبين تلغرافيا إِلَى مسامع السُّلْطَان الشَّرِيفَة اصدر فِي الْحَال فرمانا عَالِيا باظهار الممنونية لَهُ وَلِجَمِيعِ الجيوش المؤتمرة بِهِ تَارِيخه ٢٠ رَجَب سنة ١٢٩٤ ٣١ مايو سنة ١٨٧٧ وهاك ترحمته
مشيري سمير الصداقة عُثْمَان باشا
لقد اعليت الشَّأْن العثماني وصيت عساكرنا وناموسهم بغزوك الْجَدِيد الْمُضَاف إِلَى خدماتك السالفة المسومة بشعار البسالة فَالْحق تَعَالَى ومفخر الانبياء يعضدانك فِي الدَّاريْنِ وَسلم على كَافَّة الامراء والقواد وعَلى جنودي المنصورة بالافراد اولئك الْجنُود قُرَّة باصرة افتخاري والمقدمون على اولادي فَلَا جرم انهم بغزواتهم الغضنفرية يستفزون سلطانهم للسرور والممنونية وَالله المسؤول ان ينيلهم النجاح والسعادة الابدية ويفقهم فِي سَبِيل الْمُحَافظَة عل اللِّوَاء العثماني لمثل هَذِه الْغَزَوَات ويوصلهم صوريا ومعنويا لمراتب المكافآت العاليات وَقد منحتكم النيشان العثماني مُكَافَأَة لخدمتكم وامرت بتوجيه الرتب واجراء التلطيفات للامراء والضباط كَمَا عرضتم وانتم مأذونون بَان تعدوا فِيمَا بعد الامراء والقواد وتبشروهم فَوْرًا بالمكافآت الَّتِي يستحقونها مَتى امتازوا باثر فدَاء خارق للْعَادَة وان تعرضوا ذَلِك لدار السَّعَادَة على انه تقرر لدي ان يُرْسل لطرف حميتكم مامور مَخْصُوص ليبين لكم جَمِيعًا ممنونيتي وتشكري ا
وَاقعَة بلفنه
وَبعد تقهقر الروس امام بلفنه ووصول المدد من جَمِيع الْجِهَات امكن العثمانيين الهجوم بعد الِاقْتِصَار على الدفاع وانقسم الْجَيْش إِلَى ثَلَاث فرق الاولى انضمت إِلَى عُثْمَان باشا فِي بلفنه للدفاع عَنْهَا وَالثَّانيَِة تَحت امرة مُحَمَّد عَليّ باشا السردار الاكرم جعلت وجهتها محاربة الْجَيْش الْقَائِد لَهُ الْبُرْنُس اسكندر ولي عهد القيصر وَالثَّالِثَة تَحت امرة سُلَيْمَان باشا الَّذِي اشْتهر اولا فِي محاربة ثائري البوسنه والهرسك
стр. 581
واخيرا فِي محاربة الْجَبَل الاسود وَوجه اهتمامه لاسترداد مضايق شيبكا من ايدي الروس وكادت الفرقتان الاخيرتان تتمّ ماموريتهما فتتحد الجيوش العثمانية وتسير مَعًا لارجاع الروس إِلَى التخوم وقهرهم على اجتياز نهر الطونه خائبين لَوْلَا خِيَانَة دي هُوَ هنزولرن امير رومانيا ومجيئه إِلَى ميدان الْقِتَال بِنَحْوِ مائَة الف مقَاتل ملئت قلوبها غلا للدولة الْعلية صَاحِبَة السِّيَادَة ومجيء قَيْصر الروس بِنَفسِهِ لتشجيع العساكر على الْحَرْب وَبث روح الثَّبَات والاقدام فيهم فَانْقَلَبت الْحَال وَلم تَجِد العثمانيون انتصاراتهم المتعددة على الروس حوالي بلفنه وامام مضيق شيبكا لتوارد المدد يوميا من الروسيا ثمَّ صمم الروس على محاصرة بلفنه محاصرة اصولية لتيقنهم من اسْتِحَالَة اخذها هجوما نظرا لمناعة المعاقل والحصون الَّتِي اقامها عُثْمَان باشا حولهَا واناطوا هَذِه المامورية بالجنرال تودلين الَّذِي اشْتهر بالدفاع عَن مَدِينَة سباستوبول فِي الْحَرْب السَّابِقَة فَجمعُوا حولهَا الْعدَد الْكَافِي من العساكر والمدافع لاتمام حصارها والاحاطة بهَا احاطة السوار بالمعصم وَبعد عدَّة وقائع تمّ حصارها فِي ٢٤ اكتوبر سنة ١٨٧٧ وَصَارَ وُصُول المدد اليها مستحيلا وابتدأت الاعمال للاستيلاء على الْحُصُون الامامية وَاسْتمرّ الْقِتَال حولهَا وَلَا شَيْء يثنى عُثْمَان باشا وجيوشه عَن الدفاع حَتَّى نفذ مَا كَانَ عِنْده من الذَّخَائِر والمؤن فعزم على الْخُرُوج بجيوشه والمرور من وسط الاعداء فيسلموا وَيسلم مَعَهم اَوْ يموتوا شُهَدَاء الدفاع عَن بَيْضَة الاسلام وَلما عقد على هَذَا الْعَزْم استعد لانفاذه حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم ١٠ دسمبر سنة ١٨٧٧ اخلت العساكر العثمانية جَمِيع القلاع المحيطة بِالْمَدِينَةِ وَخَرجُوا جَمِيعًا من جِهَة وَاحِدَة مهللين ومكبرين فقابلهم الْعَدو بمقذوفاته الجهنمية اما لليوث العثمانية فل تعبأ بهم بل استمرت فِي سَيرهَا عدوا نَحْو الاستحكامات الَّتِي كَانَ اقامها الروس حول الْمَدِينَة على ثَلَاثَة خطوط متعاقبة ونفذوا كالسيل المنهمر من اعالي الْجبَال الَّذِي لَا يعوقه شَيْء فِي اندفاعه على مدافع الْخط الاول وَالثَّانِي وكادت تستولي على الْخط الثَّالِث وتتخلص من هَذَا الْحصار وتفوز بالنصر الْمُبين لَوْلَا ان اصيب قائدهم عُثْمَان باشا الْغَازِي برصاصة نفذت من سَاقه الايسر وَقتلت حصانه فَسقط هَذَا الشجاع على الارض وظنت عساكره انه اسْتشْهد وبمجرد مَا شاع خبر مَوته الْغَيْر حَقِيقِيّ استولى الفشل على جَمِيع الْجنُود وارادت الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة وَحَيْثُ كَانَ قد احتلها الروس عقب خُرُوجهمْ مِنْهَا قابلهم
стр. 582
بالنيران من الْخلف فَصَارَ العثمانيون بَين نارين وَبعد ان دافعوا عَن انفسهم دفاعا شهد الاعداء بانه من خوارق الامور التزموا بِرَفْع الرَّايَة الْبَيْضَاء عَلامَة على التَّسْلِيم فاوقف الروس اطلاق النيرَان وَتقدم اللِّوَاء توفيق باشا رَئِيس اركان حَرْب الْجَيْش العثماني الْقَائِد لَهُ عُثْمَان باشا وَطلب مُقَابلَة الْقَائِد الْعَام الروسي وَلما قابله سَأَلَهُ عَمَّا إِذا كَانَ مَعَه اذن بِالْكِتَابَةِ من عُثْمَان باشا يُجِيز لَهُ الِاتِّفَاق على التَّسْلِيم فاجابه ان عُثْمَان باشا جريح وَيَوَد لَو اتى اليه اُحْدُ قواد الروس للاتفاق مَعَه فَقبل الْقَائِد جانتسكي ذَلِك وارسل الجنرال استروكوف فَتوجه هَذَا الجنرال إِلَى عُثْمَان باشا فِي الْبَيْت الَّذِي كَانَ دخل فِيهِ للاستراحة وَقَالَ لَهُ بعد التَّحِيَّة ان الْقَائِد الَّذِي ارسله لَا يُمكنهُ ان يمنحه أَي شَرط وَلَا ان يقبل التَّسْلِيم الا إِذا القى العثمانيون اسلحتهم لعدم وجود اوامر عِنْده من الْقَائِد الْعَام الغراندوك نيقولا اخي القيصر وَلما اجابه عُثْمَان باشا بالايجاب عَاد الجنرال استروكوف إِلَى مرسله واخبره بذلك فاتى إِلَى مقرّ عُثْمَان باشا وَبعد ان هنأه على مَا اتاه من الاعمال الَّتِي تشهد لَهُ بعلو المكانة وتخلد لَهُ اسْما فِي التَّارِيخ طلب اوامره إِلَى جيوشه بالقاء السِّلَاح فامر بذلك ثمَّ سلم سَيْفه
وَبعد ذَلِك اتى اليه بعربة فركبها قَاصِدا مَدِينَة بلفنه وَفِي اثناء سيره قابله الغراندوك نيقولا وَمَعَهُ الْبُرْنُس شارل امير رومانيا فاوقف العربة وسلما عَلَيْهِ مصافحة وَفِي صَبِيحَة الْيَوْم الثَّانِي توجه عُثْمَان باشا الْغَازِي مُتكئا على طبيبه الْخَاص إِلَى الْمحل الَّذِي نزل بِهِ القيصر اسكندر الثَّانِي بعد دُخُوله مَدِينَة بلفنه لمقابلته وعندما دخل على الامبراطور قَامَ اجلالا لَهُ وَسلم عَلَيْهِ واظهر لَهُ اعجابه من دفاعه ومحاولته الْخُرُوج من بَين صُفُوف المدافع المحيطة بِهِ ثمَّ قَالَ لَهُ اني ارد اليك سَيْفك عَلامَة على احترامي لَك واكباري لجاعتك واجيز لَك ان تحمله فِي بلادي وَعند انْصِرَافه سلم اليه الجنرال ماجور استين سَيْفه ثمَّ عَاد إِلَى منزله وَفِي ١٦ دسمبر انْزِلْ فِي قطار مَخْصُوص إِلَى مَدِينَة كركوف حَيْثُ امْر بالاقامة إِلَى انْتِهَاء الْحَرْب ولنذكر هُنَا اظهارا لفضل عُثْمَان باشا وجيوشه ان عدد من كَانَ مَعَه لَا يزِيد عَن خمسين الْفَا وَلم يكن مَعَهم من
стр. 583
المدافع سوى ٧٧ مدفعا مَعَ ان الْجَيْش الروسي الَّذِي خصص لحصار بلفنه بلغ ١٥٠٠٠٠ جندي و ٦٠٠ مدفعا وَمن ذَلِك يظْهر للقارئ شجاعة العثمانيين وثباتهم امام الْعَدو وَمِمَّا يُؤثر عَنْهُم ايضا انهم لم يسلمُوا اعلامهم مُطلقًا بل حرقوا بَعْضهَا وَوَضَعُوا الْبَعْض الآخر فِي صناديق من حَدِيد وَدَفَنُوهَا فِي بَاطِن الارض وَمن قَارن هَذِه الْحَادِثَة بحادثة مَدِينَة متس الَّتِي سلمهَا المارشال الفرنساوي بازين لِلْعَدو مَعَ ان جيوشه ومدافعه كَانَت تعادل اَوْ تزيد عَن جيوش ومدافع الْعَدو وَسلمهَا مَعَ مَا فِيهَا من الجيوش والمدافع بِدُونِ ان يسْعَى فِي الْخُرُوج كَمَا فعل عُثْمَان باشا يتَحَقَّق لَهُ انه لَوْلَا محاربة الدولة الْعلية البوسنه والهرسك والبلغار ثمَّ الْجَبَل الاسود والصرب قبل محاربتها الروسيا لفازت بِلَا شكّ وَلَا مرية فِي هَذِه الْحَرْب الاخيرة وَلَكِن النَّصْر بيد الله يؤتيه من يَشَاء
الاعمال الحربية فِي الاناطول
اما من جِهَة آسيا فَكَانَ النَّصْر اولا فِي جَانب العثمانيين حَتَّى ردوا غَارة الروس عَن بِلَادهمْ وتبعوهم إِلَى دَاخل بِلَاد الروسيا وَذَلِكَ ان الجنرال لويس مليكوف
стр. 584
حاصر مَدِينَة قارص والجنرال درهو جاسوف وَجه اهتمامه لفتح مَدِينَة بايزيد بَيْنَمَا كَانَ بَاقِي الْجَيْش الروسي يجْرِي عدَّة مناورات عسكرية لاسقاط مدينتي اردهان وباطوم ثمَّ قَامَ الجنرال لوريس مليكوف بِبَعْض جيوشه لمساعدة الجنرال دوفيل على اخذ اردهان
وَفِي ١٧ مايو فتحاها عنْوَة وعادا لتشديد الْحصار على قلعة قارص وَقد احتل الجنرال درهو جاسوف مَدِينَة بايزيد فِي ٢٠ مايو وانتصر على العثمانيين فِي ١٠ يونيه وَفِي ٢١ مِنْهُ وَفِي اثناء ذَلِك تمكن احْمَد مُخْتَار باشا من تَرْتِيب الجيوش الَّتِي اتت اليه من كل فج واعلبها غير مُنْتَظم واحتل مرتفعات زوين وَتسَمى بالتركية كروم دوزي بِقُوَّة عَظِيمَة وارسل اسماعيل حَقي باشا من جَيش الاكراد لمهاجمة الجنرال درهو جاسوف فاراد الجنرال لوريس مليكوف اسعافه فانتصر عَلَيْهِ مُخْتَار باشا انتصارا عَظِيما فِي ٢٥ اغسطس سنة ١٨٧٧ لم يسع الروس بعده الا التقهقر بغاية الفشل وَرفع الْحصار عَن مَدِينَة قارص قَاصِدين مَدِينَة الكسندروبول الروسية وتقهقر كَذَلِك الجنرال درهو جاسوف إِلَى تخوم الروسيا يتبعهُ اسماعيل حَقي باشا بِقُوَّة عَظِيمَة
وَبعد ذَلِك انتصر العثمانيون على الروس فِي سِتَّة وقائع مَشْهُورَة مِنْهَا وَاقعَة كدكلر الَّتِي لما بلغ السُّلْطَان خَبَرهَا ارسل إِلَى احْمَد مُخْتَار باشا فرمانا بإضهار ممنونيته تَارِيخه ١٨ شعْبَان سنة ١٢٩٤ ٢٨ اوغست ١٨٧٧ وهاك تَرْجَمته
مشيري سمير الحمية احْمَد مُخْتَار باشا
لقد زينتم مُهِمّ صَحَائِف تاريخنا العسكري بغالبيتكم الَّتِي احرزتموها فِي محاربة
стр. 585
كدكلر اما جنودنا الَّذين مابرحوا نصب اعيننا فقد اثبتوا على الْوَجْه الاتم فِي هَذِه الْحَرْب الَّتِي اظهروا بهَا الثَّبَات والاقدام فِي صُورَة خارقة للْعَادَة امتلاكهم للخصلة العثمانية على ان مقابلتهم فِي جَمِيع الْوُجُوه للتدابير الماهرة الَّتِي اجراها الْعَدو فِي ميدان الْحَرْب بِحَيْثُ اسفرت نتيجتها عَن اكتسابهم حَربًا ذَات شَأْن وظفر كَانَت برهانا جليا على كَمَال انتظامهم العسكري فاضحت لدينا هَذِه المطفريات باعثة لكَمَال التَّقْدِير والتحسين فأتشكر انا وهيئة الدولة وَالْملَّة مَعًا مِنْكُم جَمِيعًا وَقد امرت بترفيع رتب الامراء الَّذين شهدتم باستحقاقهم حَسْبَمَا انهيتم وسأتوفق ان شَاءَ الله لَان اعلق بيَدي نياشين الظفر فِي صُدُور سَائِر افراد الامراء والضباط وقصارى المسؤول من جناب النَّاصِر الْحَقِيقِيّ حَضْرَة الْعَادِل الْمُطلق الشَّاهِد على صدق دعوانا الحقة فِي هَذِه الْحَرْب الْحَاضِرَة ان يتَعَاهَد بعد الْآن ايضا بعناية وبمدد روحانية سيدنَا الرَّسُول الامين الَّذِي هُوَ العروة الوثقى فِي الْحَاجَات عسكرنا بالنصر الْمُبين فِي حروبهم وغزواتهم وان يجعلهم مسرورين بحماية الْعلم الاسلامي هَذَا واسلم على رفقائكم فِي السِّلَاح فَردا فَردا وَالْحق تَعَالَى لَا يعزب عَنْكُم نصرته الْبَالِغَة الصمدانية اهـ
وبسبب مَا ذكر اضْطِرَاب الغراندوك ميخائيل حكمدار عُمُوم بِلَاد القوقاز وارسل يطْلب المدد والذخائر وظلت الجيوش الروسية تدافع حَتَّى اتت اليها عدَّة لواءآت من المشاة وَعدد عَظِيم من المدافع
стр. 586
سُقُوط قارص
وَفِي اواخر شهر سبتمبر سنة ١٨٧٧ اتخذ الجنرال لوريس مليكوف خطة الهجوم ثَانِيًا وَلعدم ارسال جيوش جَدِيدَة إِلَى مُخْتَار باشا واستشهاد عدد كَبِير من جُنُوده فِي هَذِه الوقائع المستمرة لم يُمكنهُ مقاومة الجيوش الروسية الجديدة الَّتِي لم يضنها التَّعَب بل رَجَعَ الْقَهْقَرَى قَاصِدا مَدِينَة ارضروم فَتَبِعَهُ الْقَائِد الروسي وهزمه فِي موقع يُقَال لَهُ آلاجه طاغ ثمَّ حاصر مَدِينَة قارص ثَانِيًا وَفتحهَا عنْوَة فِي ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٧ بعد ان حاول من بهَا الْخُرُوج من وسط المدافع الروسية وغنم مِنْهَا ثَلَاثمِائَة مدفع تَقْرِيبًا
اما مُخْتَار باشا بعد ان جَاءَ لمساعدة قارص وانتصر عَلَيْهِ الاعداء فِي موقعة دوة بيون فِي ٤ نوفمبر عَاد إِلَى ارضروم حَيْثُ حصره الْعَدو وَمنع وُصُول المدد اليه
وبمجرد وُصُول خبر سُقُوط قارص فِي نوفمبر وبلفنه فِي ١٠ دسمبر ايقن الصربيون ان الْفَوْز والنجاح سيكونان فِي جَانب الروسيا وَلم يتأخروا فِي اعلان الْحَرْب على الدولة صَاحِبَة السِّيَادَة عَلَيْهِم الَّتِي لم ترتكب نحوهم اثما الا احترام دينهم ولغتهم واوصل هَذَا الاعلان إِلَى الْبَاب العالي المسيو كريستين سفير الصرب فِي الاستانة فِي ١٤ دسمبر سنة ١٨٧٧ اعني بعد سُقُوط بلفنه باربعة ايام وسارت عساكرهم على الْفَوْر للانضمام إِلَى جيوش الروسيا الَّتِي بَعثهمْ إِلَى هَذِه الْحَرْب اذ
стр. 587
ان الْبُرْنُس ميلان لم يعلنها الا بعد ان تقَابل مَعَ امبراطور الروسيا وَاتفقَ مَعَه على مَا يُعْطي لَهُ بعد الْحَرْب جَزَاء خيانته
وقابل الْبَاب العالي هَذَا الْعَدو الْجَدِيد مُقَابلَة عَدو منتظر من يَوْم لآخر
وَفِي ٢٠ دسمبر سنة ١٨٧٧ ارسل الْبَاب العالي لاهالي الصرب منشورا يظْهر لَهُم فِيهِ غدر حكومتهم وخيانتها وانها تسوقهم إِلَى الدمار والبوار بِدُونِ سَبَب مُطلقًا ويخبرهم بَان جلالة السُّلْطَان متبوعه الاعظم قد امْر بعزله من منصب الامارة جَزَاء عدم محافظته على العهود بعد ان عفت عَنهُ الدولة اكثر من مرّة فَلم يعبأ الْبُرْنُس بِهَذَا الْعَزْل بل اسْتمرّ على محاربة متبوعه إِلَى ان انْتَهَت الْحَرْب وَثَبت فِي وظيفته وزيدت امتيازاته بمساعدة الدول ومنح لقب ملك كَمَا سترى وَمن جِهَة اخرى فان امارة الْجَبَل الاسود لم تتفق مَعَ الْبَاب العالي على الصُّلْح قبل اعلان الروسيا الْحَرْب كَمَا ذكرنَا وَلذَلِك اشْترك جيشها فِي الْقِتَال بكيفية كَانَت نتيجتها تَعْطِيل جُزْء لَيْسَ بِقَلِيل من عَسَاكِر الدولة فِي محاربته وَعدم امكان هَذَا الْجُزْء محاربة الروسيا فِي جِهَات البلقان وَمن ذَلِك يَتَّضِح للمطالع مَا كَانَ بَين الجيشين المتحاربين من التَّفَاوُت هَذَا تساعده رومانيا والصرب والجبل الاسود جهارا وَجَمِيع المسيحيين التَّابِعين للدولة الْعلية باوروبا سرا والدول تتمنى لَهُ النجاح والفلاح وَذَلِكَ بمفرده لَا مساعد وَلَا صديق وجيوشه اضناها التَّعَب وَالنّصب فِي محاربة الامارات والولايات المسيحية الَّتِي ثارت قبل الْحَرْب اطاعة للدسائس الخارجية وَمَعَ هَذِه المميزات فقد فازت الجيوش العثمانية اكثر من مرّة ودافعت دفاعا اضْطر الْعَدو قبل الصّديق إِلَى الاقرار بشجاعتها وَالِاعْتِرَاف بثباتها فِي وَاقعَة بلفنه وَغَيرهَا مِمَّا يعد مِنْهَا وَلَا تعد مَا يَكْفِي لقطع لِسَان كل مكابر خوان
وَلما توالت الْحَوَادِث الْمَذْكُورَة طلب الْبَاب العالي من الدول التَّوَسُّط بَينه وَبَين الروسيا لابرام الصُّلْح وحقن دِمَاء الْعباد وارسل بذلك منشورا إِلَى الدول السِّت الْعِظَام فَلم يرد لَهُ جَوَاب شاف بل كَانَت كل مِنْهَا تود انكسار الدولة تَمامًا قبل التدخل فِي الصُّلْح حَتَّى يُمكنهَا التهام قِطْعَة من املاكها نَظِير توسطها
وَبعد ذَلِك اسْتمرّ الْقِتَال فِي قلب الشتَاء بِدُونِ انْقِطَاع رغما عَن تكاثر الثَّلج وصعوبة مُرُور المدافع وبسبب سُقُوط مَدِينَة بلفنه وخلو الجيوش الروسية الَّتِي كَانَت
стр. 588
محاصرة لَهَا من الاشغال وجهت جَمِيع جيوشها إِلَى مَا وَرَاء جبال البلقان للاغارة على بِلَاد البلغار والرومللي الشرقية واحتلال مدائنها الحصينة بمساعدة الْجَيْش الصربي فاجتاز الجنرال جوركو جبال البلقان وَدخل مَدِينَة صوفيا عَاصِمَة البلقان فِي ٤ يناير سنة ١٨٧٨ ثمَّ احتل مَدِينَة فليبه فِي مسَاء ١٥ من هَذَا الشَّهْر واخيرا دخلت مُقَدّمَة فرقة الجنرال سكوبلف مَدِينَة ادرنة فِي ٢٠ مِنْهُ وَمِنْهَا سَار الروس نَحْو الاستانة وتقدموا بِدُونِ ان يَجدوا مُعَارضَة تذكر إِلَى مَسَافَة خمسين كيلومترا فَقَط من عَاصِمَة الْخلَافَة الْعُظْمَى
وَفِي هَذِه الاثناء كَانَ اهالي الْجَبَل الاسود قد احتلوا مَدِينَة انتيباري ووصلوا إِلَى ضواحي اشقودره وَدخل الصربيون مَدِينَة نيش وَلذَلِك لم تَرَ الدولة الْعلية بدا من طلب الصُّلْح وَقبُول مَا يَطْلُبهُ الْعَدو لعدم قدرتها على اسْتِمْرَار الْقِتَال وتبديد جيوشها ووصول الْعَدو إِلَى ضواحي الاستانة
وَحَيْثُ قد انتهينا من ذكر الوقائع الحربية بغاية الايجاز فلنشرح الْآن مَا جرى بَين الطَّرفَيْنِ المتحاربين والدول من المخابرات السياسية تاركين شرح تفصيلات هَذِه الْحَرْب بحذافيرها إِلَى حضرات الضباط المصريين الافاضل الَّذين رافقوا المرحوم حسن باشا وحضروا اغلب وقائعها وَعَلمُوا اسباب انتصار الروس العسكرية وَغَيرهَا واننا نرجو انهم لَا يعدموننا ذَلِك وَكلهمْ من الْفُضَلَاء النبلاء الَّذين يُمكنهُم بَيَان مَا لَا يمكننا ذكره لعدم خبرتنا فِي الامور العسكرية وَيَكُونُونَ بذلك قد قَامُوا بِخِدْمَة عَظِيمَة نَحْو الْملَّة الاسلامية عُمُوما
اما مَا تحمله الْمُسلمُونَ من انواع الايذاء والتعدي من قبل البلغاريين بِمُجَرَّد سماعهم باقتراب الجيوش الروسية فمما يعجز الْقَلَم عَن وَصفه وَلذَا هَاجر اغلب الْمُسلمين إِلَى الاستانة هربا مِمَّا كَانُوا ينتظرونه وَوَقع فِيهِ فريق مِنْهُم من النهب وَالْقَتْل
стр. 589
وَتركُوا املاكهم وامتعتهم قَاصِدين ملْجأ الْخلَافَة الاسلامية افواجا حَتَّى غصت شوارع الاستانة بهم واعيت الْحُكُومَة الْحِيلَة فِي تَقْدِيم مَا يلْزم لَهَا من الملبس والمأكل والوقود فِي هَذَا الشتَاء القارس وَلذَلِك تشكلت عدَّة جمعيات لمساعتهم فَجمعت اموالا طائلة من جَمِيع الاهالي مَعَ اخْتِلَاف اديانهم ومذاهبهم وَلم يلبس هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين ان اصيبوا بداء التيفوس فَمَاتَ كثير مِنْهُم وَلَوْلَا اسراع الدولة فِي ابرام الصُّلْح وتوزيعهم على ولايات الاناطول لهلكوا عَن آخِرهم اذ انهم كَانُوا يؤثرون الْمَوْت على العودة إِلَى بِلَادهمْ الَّتِي احتلها الروس وساد فِيهَا المسيحيون وَكَانَ ذَلِك مُنْتَهى امل الروسيا الَّتِي كَانَت تود مهاجرة الْمُسلمين عَن جَمِيع الولايات المصممة على منحها الِاسْتِقْلَال
المخابرات الابتدائية والهدنة
هَذَا اما مَا حصل فِي بِلَاد مقدونية وتساليا وَغَيرهَا وَفِي جَزِيرَة كريد من الْفِتَن بدسائس مملكة اليونان فَلَا يعْتد بِهِ لقلَّة اهميته ووعد قناصل الدول الثائرين بِالنّظرِ فِي طلباتهم عِنْد اتمام الصُّلْح مَعَ الروسيا
وَفِي اوائل شهر يناير سنة ١٨٧٨ عين الْبَاب العالي كلا من نامق باشا وسرور باشا مرخصين من طرفه لمخابرة الغراندوق نيقولا فِي امْر تَوْقِيف الْقِتَال وارفقهما بمامورين عسكريين وهما نجيب باشا وَعُثْمَان باشا خلاف بَطل بلفنه لما يخْتَص بالامور العسكرية
وَفِي ١٤ يناير سَافر هَؤُلَاءِ المندوبون إِلَى قزانلق لمقابلة الْبُرْنُس الروسي فوصلوا اليها فِي ١٩ مِنْهُ لتعطيل السكَك الحديدية وَبعد ان عرضوا ملخص ماموريتهم اجابهم انه سيطلب الاستعلامات اللَّازِمَة من جلالة القيصر ويعطيهم الْجَواب النهائي فِي مَدِينَة ادرنه الَّتِي دَخلهَا الروس فِي ٢٠ مِنْهُ كَمَا ذكرنَا وَلما وصلوا اليها فِي معية الْبُرْنُس ابتدأت المخابرات وَفِي ٢٠ مِنْهُ صَار التوقيع على اتفاقين احدهما بَين العراندوق نيقولا وسرور باشا ونامق باشا مفاده منح الِاسْتِقْلَال الاداري للبلغار
стр. 590
والاستقلال السياسي للمملكتين رومانيا وللجبل الاسود مَعَ تَعْدِيل فِي حدودهم واعطائهم بعض اراض من املاك الدولة وَتَقْرِير غَرَامَة حربية للروسيا تدفع نَقْدا اَوْ يستعاض عَنْهَا بِبَعْض القلاع والحصون وَالْآخر بَين نجيب باشا وَعُثْمَان باشا ومندوبين عسكريين من قبل الغراندوق يخْتَص بِبَيَان شُرُوط المهادنة
واوقفت الحركات العدوانية من السَّاعَة السَّابِعَة من يَوْم ٣١ يناير سنة ١٨٧٨ ثمَّ أعلن الْبَاب العالى فِي لَا ٥ فبرا ير بِرَفْع الْحصار عَن سواحل الروسيا الْوَاقِعَة على الْبَحْر الْأسود ثمَّ عَاد الغراندوق نيوقولا الى سان بطر سبورج عَاصِمَة الروسيا حَيْثُ قوبيل بِكُل إحترام واجلال وَلما علمة الدولة بالهدنة والأتفاق على مبايء الصُّلْح طلبت النمسا من انكلترا عقد مؤتمر من مندوبي الدول الموقعة على معاهدة باريس المبرمة فِي سنة ١٨٥٦ ينظر فِي شُرُوط الصُّلْح خوفًا من ان يكون لَهَا مَا يجحف بِحُقُوق الدول الاخرى فَقبلت انكلترا هَذَا الطّلب واقترحت ان يكون اجْتِمَاع هَذَا المؤتمر فِي مَدِينَة باد ثمَّ توقفت هَذِه المخابرات بِسَبَب محاولة الروسيا ورغبتها فِي انهاء الصُّلْح بِدُونِ توَسط بَاقِي الدول فانها لم تبلغ صُورَة هَذِه الاتفاقيات إِلَى الدولة الْعلية وَلَا بَاقِي الدول الا بعد امضائها بِثمَانِيَة ايام وَلم تنشر فِي الجريدة الرسمية الا فِي ١٥ فبراير سنة ١٨٧٨
وَفِي هَذِه الفترة اضْطَرَبَتْ الافكار فِي اوروبا واشيع ان العساكر الروسية قد احتلت الاستانة وَمَعَ تَكْذِيب هَذِه الاشاعة رسميا فقد امرت انكلترا دونانمتها الراسية فِي خليج بزيكا بالتوجه إِلَى الاستانة لحماية رعاياها وَفِي الْحَقِيقَة لمراقبة
стр. 591
حركات الروسيا ومنعها بِالْقُوَّةِ لَو ارادت احتلال الاستانة
وَلما كَانَ الْبَاب العالي قد اباح للدونانمة الانكليزية الْمُرُور من بوغاز الدردنيل اثناء مخابرات ادرنه اراد الاميرال الانكليزي الْمُرُور بِمُقْتَضى التَّصْرِيح الْقَدِيم فَمَنعه حكمدار القلعة سلطانية
وَلذَا ارسل الاميرال إِلَى نظارة البحربة يخبرها بذلك فامرته بالمرور بِالْقُوَّةِ وَكتب وَزِير الخارجية إِلَى الْبَاب العالي يُعلمهُ بعزمها خوفًا من الطولة وضياع الْوَقْت فِي المخابرات للحصول على هَذَا الْجَوَاز فَجمع وَزِير الخارجية سرُور باشا الَّذِي خلف صفوت باشا الوزراء الحاليين والاقدمين وَبعد مباحثة طَوِيلَة اكْتفى الْبَاب العالي باقامة الْحجَّة ضد انكلترا وَدخلت المراكب الانكليزية امام الاستانة فِي مياه البوسفور
ولنذكر قبل شرح المخابرات السياسية الَّتِي كَانَت نتيجتها ابرام معاهدة سان استفانوس ثمَّ تعديلها بِمُقْتَضى معاهدة برلين بعض مَا حصل فِي الاستانة من الامور الخطيرة فَنَقُول ان مجلسي المبعوثان والاعيان دعيا للاجتماع للنَّظَر فِي شؤون الدولة فاجتمعا مَعًا بهيئة برلمنت مجْلِس نيابي فِي ٧ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٩٤ دسمبر سنة ١٨٧٧ والقي عَلَيْهِمَا خطاب عَن لِسَان جلالة مَوْلَانَا السُّلْطَان الاعظم شَارِح حَالَة الدولة وَمَا وصلت اليه من الْعسر بِسَبَب الْحَرْب الْقَائِمَة بَينهَا وَبَين الروسيا واليك تَرْجَمته نقلا عَن مَجْمُوعَة الجوائب
يَا ايها الاعيان والمبعوثان
انني اكْتسب الممنونية بِفَتْح الْمجْلس العمومي وبمشاهدة مبعوثي الْملَّة وكما هُوَ مَعْلُوم لديكم انه لما اعلنت دولة الروسيا الْحَرْب على دولتنا فِي الْعَام الْمَاضِي اضطررنا للمقابلة والمدافعة وَمَا زَالَت الْحَرْب قَائِمَة على ان الوقوعات الْعَظِيمَة الْغَيْر مسبوقة قد اثقلت جدا مشكلات الْحَرْب لَان الاختلال الَّذِي شب فِي هرسك مُنْذُ عَاميْنِ وَنصف قد ظهر ايضا فِي غَيرهَا من بعض المواقع وَقسم من اهاليها المتمتعين بالمساعدات
стр. 592
الْمَخْصُوصَة كالتساوي فِي الْحُقُوق الشاملة كَامِل تبعتنا والمحافظة على ملتهم ولغتهم على الْوَجْه الاتم سلكوا كَيْفَمَا كَانَ الْحَال طَرِيقا غير مَشْرُوعَة فاضروا انفسهم والوطن واخوتهم الوطنيين وأهالي المملكتين كَذَلِك اعلنوا الْخُصُومَة لدولتنا بِدُونِ سَبَب مَشْرُوع حَالَة كَونهم فِي غِبْطَة بِبَقَاء استقلالية ادارتهم الداخلية وَمَعَ هَذَا جَمِيعه فالبلاد غير مُتَأَخِّرَة عَن صرف اسباب المقاومة الَّتِي اضطرت اليها على حسب مقدرتها وكما ان العثمانيين كَافَّة اثبتوا بِوَاسِطَة آثَار الحمية الَّتِي اظهروها فِي هَذِه الْحَرْب امتلاكهم الاحساسات الوطنية فِي صُورَة خارقة للْعَادَة كَذَلِك اضحى ثبات عساكرنا وبسالتهم مستوجبين تَحْسِين الْعُمُوم وتقديرهم وَلم ازل اطلب معاونة تبعتنا وحميتهم لاجل الْمُحَافظَة على حَقنا الْمَشْرُوع
على ان حُصُول استعداد الْوُصُول لاكمال ترتيبات العساكر الملكية وابراز العثمانيين غير الْمُسلمين الشوق القلبي والاشتراك الْفعْلِيّ فِي الْمُحَافظَة على الوطن هُوَ مَعْدُود من وقوعات دولتنا السارة وَبِمَا ان المساعدات الَّتِي نالتها التبعة غير الْمسلمَة قد تقوت بكليتها بالقانون الاساسي واضحت مُتَسَاوِيَة امام القانون وَفِي حُقُوق الْبِلَاد ووظائفها فاشتراكها إِذا فِي الْخدمَة العسكرية الَّتِي هِيَ اعظم الْوَظَائِف والمدخل الْموصل إِلَى حق الْمُسَاوَاة صَار امرا طبيعيا فاذا كَانَت آثَار معرفَة الْوَظِيفَة المبرزة فِي هَذَا الْمطلب حريَّة بالتحسين واضحى ادخال الاهالي غير الْمسلمَة كَذَلِك فِي سَائِر الصنوف العسكرية امرا مقررا وَبِمَا ان اجراء فعل القانون الاساسي ونفوذه على الْوَجْه الاتم انما هُوَ الْوَاسِطَة الوحيدة لِسَلَامَةِ دولتنا كَانَت اكبر آمالي معطوفة اولا لاستفادة ضنوف تبعتنا بالتمام وَمن سَعَادَة الْمُسَاوَاة الْكَامِلَة وَمن ترقيات بِلَادنَا المدنية والعصرية ثَانِيًا للاصلاحات الْمَالِيَّة وَلَا سِيمَا لايفاء تعهداتنا ولتقسيم كل نوع من انواع التكاليف وَالْمَال الاميري ويركو وتحصيله فِي صُورَة مُوَافقَة لقواعد الثروة منزهة عَن اضرار الاهالي ثمَّ لتوفيق بعض مسَائِل الْحُقُوق الاساسية لاحتياجات الْعَصْر لمقصد جَرَيَان الْعدْل الْكَامِل فِي المحاكم ولاصلاح الاوقاف ولتسهيل مطلب التَّصَرُّف فِي الاراضي ولترتيب النواحي الَّذِي هُوَ اساس الادارة الملكية وَتَقْرِير وظائفها ولتكميل تنظيمات الضابطة لَكِن وَا اسفا ان الْحَرْب الْحَاضِرَة قد عوقت
стр. 593
اتمام مفاعيل مقاصدنا هَذِه الْخَالِصَة على ان مصائب هَذِه الْحَرْب قد تجاوزت حُدُودهَا الطبيعة فكم من الاهالي غير المدافعين الَّذين بِمُقْتَضى القانون الْحَرْبِيّ لَيْسُوا بمسؤولين عَن شَيْء وَكم من النِّسَاء وَالصبيان امسوا عرضة للمظالم الغادرة والدموية الَّتِي لَا تتحمل سماعهَا المرحمة البشرية فاؤمل وَالْحَالة مَا ذكر ان الزَّمَان الْمُسْتَقْبل لَا يمانع رُؤْيَة الحقانية
اما قوانين اللوائح الْمُتَعَلّقَة بترتيبات الدَّوَائِر البلدية ووظائفها فِي دَار السَّعَادَة والولايات تِلْكَ الَّتِي تحولت فِي الْعَام الْمَاضِي إِلَى مجلسكم فقد تقرر امرها وصادق مجْلِس الاعيان والمبعوثان على نظاماتها الداخلية وَوضعت فِي موقع الاجراء وَقد يُوجد فِيمَا بَين لوائح القوانين الَّتِي هيأت شُورَى الدولة لوائح مهمة مُتَعَلقَة بقوانين اصول حُقُوق المحاكمة والانتخابات العمومية ووظائف وكلاء الدولة ومجلسهم وقانون الدِّيوَان العالي وديوان المحاسبات فقصارى مَا ادعوكم لامالة نظر اهتمامكم اليه انما هُوَ المذاكرة على هَذِه اللوائح بافرادها وَحل بعض الْمسَائِل الْمُخْتَلفَة الْمُتَعَلّقَة بقوانين الولايات والمطبوعات والاموال الاميرية والادارة الْعُرْفِيَّة اللواتي جرى علهيا البحص فِي الِاجْتِمَاع السَّابِق والمذاكرة كَذَلِك على قانون ميزانية واردات ومصاريف السّنة الْآتِيَة
اما عدم تناسي دولتنا الاصلاحات الداخلية فِي مصل هَذَا الزَّمَان المشغولة فِيهِ بِحَرب عَظِيمَة اقيمه كدليل فعلي على نوايانا بالترقي
يَا ايها المبعوثان
ان ايجاد الْحَقَائِق فِي الْمسَائِل القانونية والسياسية وتامين مَنَافِع الْبِلَاد يتوقفان على تعَاطِي ارباب المشورة افكارهم بِالْحُرِّيَّةِ التَّامَّة وَبِمَا ان القانون الاساسي يامركم بذلك فَلَا ارى احتياجالامر اَوْ لترغيب آخر
اما مناسباتنا مَعَ الدول المتحابة فَهِيَ جَارِيَة على صُورَة اخلاص هَذَا ونسأل الْحق جلّ وَعلا ان يَجْعَل مساعينا مقرونة بتوفيقاته اه
وَفِي ١٧ ذِي الْحجَّة ٢٣ دسمبر ١٨٧٧ من السّنة الْمَذْكُورَة قدم نواب الامة عريضة شكر على الْخطاب السلطاني الْمَذْكُور ولبلاغته واهمية مَا جَاءَ بِهِ من الافكار
стр. 594
الْعَالِيَة والآراء الصائبة الدَّالَّة على الْمحبَّة والاخلاص الوطني بَين جَمِيع الطوائف على اخْتِلَاف اجناسهم واديانهم اتينا على تَرْجَمته نقلا عَن مَجْمُوعَة الجوانب
نسْأَل الْمولى خير الناصرين ان يثبت الحضرة الملوكية على سَرِير الْعدْل مَعَ التَّوْفِيق وعلو الشَّأْن وَطول الْعُمر وَكَمَال الصِّحَّة والعافية فَنَطَقَ تِلْكَ الحضرة فِي اثناء رسم افْتِتَاح الْمجْلس العمومي اللَّازِم اجتماعه فِي هَذِه السّنة على حسب حكم القانون الاساسي الَّذِي هُوَ فرمان حريَّة العثمانيين وبرهان صَلَاحهمْ وسلامتهم المتلو يَوْم الْخَمِيس ابْتِدَاء كانون الاول ٧ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٩٤ فِي حُضُور الحضرة الملوكية صَار سَمَاعه من هَيْئَة المبعوثان بغاية الدقة والتأمل وَلما كَانَ من النعم الْكُبْرَى تمثل المبعوثان فِي حُضُور الحضرة السامية وصدورة الاامر من جنابه العالي بالمحظوظية من رُؤْيَاهُ المبعوثان حصل لعُمُوم تبعة العثمانيين مزِيد السرُور مَعَ الْفَخر والشرف وَمن الْوُجُوب المثابرة على مُحَافظَة الْحُقُوق العثمانية الْمَشْرُوعَة بمناسبة الْمُحَاربَة الَّتِي فتحهَا الروس فِي هَذِه الاحوال الْحَاضِرَة فانها وَاجِبَة بالطبع لكل دولة وملة وَلَا سيماقد اشتدت مشاكل الْحَرْب باعلان الْبَغي وَالْخِصَام من قسم من التبعة العثمانيين غير الْمُسلمين الَّذين هم فِي غَايَة الرَّاحَة وسعادة الْحَال من كل الْوُجُوه مُنْذُ اعصار مَضَت فانهم حافظون حُقُوقهم ومذاهبهم والسنتهم ونائلون المساعدات والمساوات عُمُوما على الدَّوَام خُصُوصا اهالي المملكتين فانهم فِي اعلى الدَّرَجَات متميزون بامتيازات وَاسِعَة مَخْصُوصَة وَمَا فعلته الروسيا وارباب الْبَغي التابعون لَهَا فِي اثناء ذَلِك من انواع الْغدر والمظالم المحسرة للقلوب فِي حق كثير من اولاد الوطن هُوَ من الشقاوة الْمُخَالفَة للحرية والحقوق الملية وَالْقَوَاعِد الانسانية والمدنية وَحَيْثُ ان مُحَافظَة الدولة وحماية حُقُوق الْملَّة واستكمال اسْتِقْلَال المملكة على ضد الْحَالة الْحَاضِرَة موكول لعهدة الحضرة السُّلْطَانِيَّة ولازم لَهَا على كل حَال وَكَانَت الْمَسْأَلَة محتاجة للدقة فَوق الْعَادة والمسارعة فِي التدابير العاجلة من كل نوع بِلَا ضيَاع وَقت نقُول ان جَمِيع
стр. 595
العثمانيين متحدو الافكار فِي معرفَة ان الْمُبَادرَة فِي اجراء مُقْتَضى الارادة الملوكية الَّتِي تصدر فِي هَذَا الْبَاب بغاية السرعة هِيَ من الْوُجُوب وَقد تجاسروا على بذل ارواحهم فِي سَبِيل المدافعة عَن الوطن وَالْملَّة فِي هَذِه الْحَرْب زِيَادَة عَن الطَّاقَة فَمَا ابرزوه بِمُقْتَضى وظائفهم الْمرتبَة عَلَيْهِم من آثَار الْخدمَة والغيرة قد اسْتحْسنَ لَدَى الدولة السّنيَّة وَكَانَ ذَلِك مُوجبا لزِيَادَة اشتياقهم واهتمامهم اضعافا مضاعفة لَان مَا بدا مِنْهُم من البسالة ضد الروسيا حير افكار الْجَمِيع وانما علو الهمم الَّتِي يقربهَا جَمِيع الْعَالم من كل وَجه مقرون بِالْيمن وَهُوَ لَا يكون لودارت على حَقّهَا التدابير السياسية والعسكرية والرسائط الاجرائية على حسب مَا ابرزه مَوْلَانَا الْمُعظم وتبعته الشاهانية من كل وَجه وَحَيْثُ ان تشكيل العساكر الملكية من الْموَاد المهمة الْوَاجِبَة اساسا قد تشكر عُمُوم تبعة الدولة العثمانية لما صدرت بِهِ الارادة السّنيَّة فِي هَذَا الْبَاب وستصير الْمُبَادرَة فِي المذاكرة فِي هَذَا الامر إِلَى ان يرد قانون اللوائح الْمُخْتَص بكيفية اسْتِخْدَام صنوف سَائِر العسكرية من الاهالي غير الْمُسلمين على مُقْتَضى احكام القانون الاساسي فَعدم كَمَال اجراء نفود احكام هَذَا القانون والتوفيق لابقاء الاصلاحات المهمة كاصلاح احوال امور الْمَالِيَّة وَحُصُول سعادتها وتقسيم الويركو وتحصيله وتنظيم المحاكم واصلاح الاوقاف وتسهيل تصرفاتا الاراضي وتشكيلات النواحي وانتخاب المامورين وتنظيمات الضبطية والوظائف الَّتِي حَالَتْ بَينهَا الغوائل الْحَاضِرَة من الْحَالَات الَّتِي توجب الاسف وَمن الْمُسلم ان حَضْرَة مَوْلَانَا الْمُعظم لم يُؤَخر آثَار نظر مَا فِي الاصلاحات الداخلية مَعَ هَذِه الغوائل الْعُظْمَى كَمَا هُوَ مشَاهد من نياته الْحَسَنَة وافكاره الْخَالِصَة ونلتمس من الالطاف الالهية دفع هَذِه الغوائل الْحَاضِرَة بعناية التوجهات الملوكية واتحاد عُمُوم العثمانيين واقدامهم وغيرتهم على حسب وظائفهم وَمِمَّا هُوَ عني عَن الْبَيَان انه سيصير الِاجْتِهَاد فِي التدقيق والمذاكرات فِي القوانين واللوائح الْمَوْعُود باحالتها على هَيْئَة المبعوثان الْمُوجبَة لعمَّار الْملك ورفاهية اهله والتدقيق فِي حل الْمسَائِل الْمُخْتَلفَة فِي بعض القوانين واللوائح الَّتِي بقيت من الِاجْتِمَاع السَّابِق وَعُمُوم الْملَّة ناظرون إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الْمُعظم ينظر الِاعْتِبَار حَيْثُ رخص فِي ارادته السّنيَّة بهيئة المبعوثان الترخيص التَّام فِيمَا هم مامورون بِهِ فِي القانون الاساسي من اتِّخَاذ افكارهم بِالْحُرِّيَّةِ التَّامَّة فِي الْمسَائِل القانونية والسياسية مَعَ تَجْدِيد
стр. 596
المساعدة فِي ذَلِك وهم سيشرعون فِي اتِّخَاذ الافكار بغاية الدقة وَالْحريَّة التَّامَّة فِي الخصوصيات الْمُتَعَلّقَة بحالنا واستقبالنا وَمن الْمَعْلُوم ان جَرَيَان المناسبات مَعَ الدول المتحابة بِصُورَة خَالِصَة مِمَّا يُوجب التشكر وَقد بادرت هَيْئَة المبعوثان باداء مَا وَجب الشُّكْر ليَكُون فِي احاطة الحضرة المعظمة الملوكية والامر فِي كل حَال لحضرة سيدنَا ومولانا الْمُعظم اهـ
حل مجْلِس النواب
وَاسْتمرّ اجْتِمَاع مجْلِس النواب العثمانية إِلَى ان قرر السُّلْطَان بالاتحاد مَعَ جَمِيع اعيان الدولة وجوب ارجاء اجتماعه لاجل غير محدد لعدم ملائمة الظروف لوُجُوده واعلن ذَلِك رسميا اليه فِي يَوْم ١٤ فبراير سنة ١٨٧٨ وعقب فضه ضبط كثير من اعضائه وَنَفَوْا خَارج الْبِلَاد بِسَبَب تنديدهم باعمال الْحُكُومَة واعتراضهم على اجرآاتها وَلم يجْتَمع بعد ذَلِك إِلَى الْآن
اما الوزارات فتعاقبت بِسُرْعَة غَرِيبَة مَعَ ان الْحِكْمَة كَانَت تقضي بِعَدَمِ تغييرها وَبَقَاء الوزراء فِي مناصبهم فِي مثل هَذِه الظروف الخطيرة فَفِي ٧ محرم سنة ١٢٩٥ ١١ يناير ١٨٧٨ عزل ادهم باشا وَعين مَكَانَهُ احْمَد حمدي باشا واستبدل اغلب النظار الوكلاء بغيرهم وَفِي غرَّة صفر من السّنة الْمَذْكُورَة أَي بعد ذَلِك بِثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا الغي لقب الصَّدْر الاعظم واستبدل بلقب رَئِيس الوكلاء وَوجه هَذَا المنصب إِلَى احْمَد رَفِيق باشا الَّذِي كَانَ نَاظرا للمعارف فِي الوزارة السَّابِقَة
وَفِي ١٥ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٩٥ ١٨ ابريل سنة ١٨٧٨ ولي الصَّادِق مُحَمَّد باشا مُسْند رئاسة الوكلاء
وَفِي ٢٧ جُمَادَى الاولى الْمُوَافق ٢٩ مايو الغي لقب رَئِيس الوكلاء واعيد لقب الصَّدْر الاعظم وَاسْنِدِ إِلَى مُحَمَّد رشدي الملقب بالمترجم الَّذِي تقلد هَذَا المنصب اكثر من مرّة وَلم يلبث فِي هَذَا المنصب الا سِتَّة ايام وعزل فِي ٤ جُمَادَى الاخيرة ٥ يونيو وَعين مَكَانَهُ صفوت باشا الَّذِي كَانَ وزيرا للخارجية اثناء انْعِقَاد مؤتمر الاستانة قبل اعلان الْحَرْب من الروسيا وَاسْتمرّ هَذَا الْوَزير مُتَقَلِّدًا منصب الصدارة الْعُظْمَى إِلَى دسمبر سنة ١٨٧٨ حَيْثُ احيل هَذَا المنصب إِلَى عُهْدَة خير الدّين باشا
стр. 597
حَادِثَة جراغان
وَفِي يَوْم ١٧ جُمَادَى الاولى ١٩ مايو حصلت بالاستانة حَادِثَة كَادَت تكون سَببا لدُخُول عَسَاكِر الروس اليها واحتلالها عسكريا وَذَلِكَ ان شخصا يدعى عَليّ سعاوي افندي بخاري الاصل اتى إِلَى الاستانة لطلب الْعلم وَتحصل على نصيب وافر من الْعُلُوم الْعَرَبيَّة حَتَّى صَار على جَانب عَظِيم من الفصاحة فِي الانشاد والخطابة لكنه كَانَ ميالا إِلَى اثارة الْفِتَن والقاء الدسائس فنفي اولا سنة ١٢٨٧ ١٨٧٠ وَمكث خَارِجا عَن الْبِلَاد تسع سنوات ثمَّ عَاد إِلَى الاستانة بمسعى مدحت باشا وَعين نَاظرا على الْمكتب السلطاني الَّذِي يتَعَلَّم فِيهِ اولاد جلالة مَوْلَانَا السُّلْطَان عبد الحميد ثمَّ عزل لعدم تحسن احواله وتدخله فِي الامور السياسية وَبعد عَزله اخذ يدبر فِي طَريقَة لاثارة فتْنَة فِي الاستانة لعزل السُّلْطَان عبد الحميد واعادة السُّلْطَان مُرَاد إِلَى عرش الْخلَافَة وانتهز لذَلِك فرْصَة اشْتِغَال الدولة بالمخابرات السياسية واضطراب الافكار بِسَبَب احتلال الروس لضواحي الاستانة وَوُجُود نَحْو ١٥٠٠٠٠ الف نفس من الْمُسلمين الْمُهَاجِرين من الْبِلَاد الَّتِي وطئتها عَسَاكِر الروسيا بخيولها وَمِنْهُم من هُوَ غير رَاض عَن الْحَالة الْحَاضِرَة وَاتفقَ مَعَ نحوة مِائَتَيْنِ مِنْهُم على تَنْفِيذ مَا يكنه صَدره من الْفِتَن واجتمعوا فِي الْيَوْم الْمَذْكُور قبل الظّهْر وانقسموا إِلَى قسمَيْنِ الْقسم الاول مِنْهُم قصد سرَايَة جراغان من جِهَة الْبَحْر تَحت رئاسة زعيم يُقَال لَهُ صَالح بك وَالثَّانِي تَحت رئاسة عَليّ سعاوي افندي من جِهَة الْبر وَكَانُوا جَمِيعهم متزيين بزِي الْمُهَاجِرين ثمَّ اجْتمع القسمان عِنْد بَاب السَّرَايَة وحاولوا الدُّخُول فِيهَا فَمَنعهُمْ الحارس فَقَتَلُوهُ ودخلوا السَّرَايَة وصاروا يفتشون على السُّلْطَان مُرَاد حَتَّى عثروا عَلَيْهِ فِي حجرته وَسلمهُ سعاوي افندي طبنجة مسدس
وَفِي اثناء ذَلِك اتت فرقة من الْجنُود من سراي يلدز الْمُقِيم بهَا السُّلْطَان عبد الحميد وحاصرت الثائرين من جِهَة الْبر كَمَا حاصرتها قوارب المراكب البحرية من جِهَة الْبَحْر وَلم يمض الا قَلِيل حَتَّى قتل الْجند جَمِيع من دخل السَّرَايَة من الثائرين وَفِي مقدمتهم رَئِيس الْعِصَابَة على سعاوي وَبعد اطفاء هَذِه الْفِتْنَة وَالْقَبْض على من بَقِي حَيا مِنْهُم نقل السُّلْطَان مُرَاد وعائلته إِلَى قصر دَاخل ضمن سراي يلدز العامرة وَبِذَلِك
стр. 598
هدأت الافكار وعادت النَّاس إِلَى فتح دكاكينهم بعد ان اغلقوها وامنت الدولة امتداد الْفِتْنَة وَدخُول عَسَاكِر الروسيا إِلَى الاستانة بِدَعْوَى حماية من بهَا من المسيحيين
حريق الْبَاب العالي ومخابرات الصُّلْح وَبعد ذَلِك بِثَلَاثَة ايام أَي فِي يَوْم ٢٠ جُمَادَى الاولى ٢٢ مايو التهمت النيرَان جزأ عَظِيما من الْبَاب العالي نَفسه واحرقت دَائِرَة شُورَى الدولة وتوابعها ودائرة الاحكام العدلية والتشريفات والداخلية وَغَيرهَا مَعَ جَمِيع مَا فِيهَا من الامتعة والفروشات والاوراق الرسمية
وَمن المظنون ان هَذَا الْحَرِيق لم يكن الا بِفعل ارباب الثورة انتقاما مِمَّا اصابهم من الخذلان فِي حَادِثَة جراغان
هَذَا ولنرجع إِلَى مخابرات الصُّلْح فَنَقُول ان بعد امضاء الْهُدْنَة ومقدمات الصُّلْح فِي ادرنه ووصول المراكب الانكليزية إِلَى مياه الاستانة خوفًا من احتلال الروس لَهَا طلب الْقَائِد الروسي من الدولة ادخال بعض اورط من المشاة بالاستانة وَكتب الْبُرْنُس غورشاكوف بذلك إِلَى جَمِيع سفراء دولته لَدَى الدول الْعُظْمَى فِي ١٠ فيراير قَائِلا انه من حَيْثُ ان انكلترا ادخلت بعض مراكبها فِي البوسفور لحماية رعاياها وحذت هَذَا الحذو بعض الدول الاخرى وَطلبت من الْبَاب العالي التَّصْرِيح لمراكبها بِالدُّخُولِ فالروسيا لَا ترى بدا من ارسال جُزْء من جيوشها المعسكرة حول الاستانة إِلَى دَاخل الْمَدِينَة لحماية جَمِيع المسيحيين فاضطربت انكلترا لهَذَا الْبَلَاغ وكتبت إِلَى سفيرها بسان بطرسبورج تحتج ضد هَذَا الطّلب مبينَة ان لَا تشابه بَين ارسال السفن الانكليزية إِلَى البوسفور واحتلال الاستانة عسكريا بِوَاسِطَة الْجَيْش الروسي وكلفته ان يخبر حُكُومَة الروسيا بانها لَا تسمح مُطلقًا باحتلال الاستانة وانه لَو دخلت العساكر الروسية اليها تكون مسؤولة عَمَّا ينجم عَن ذَلِك من الاخطار وَلما وصلت هَذِه الرسَالَة إِلَى مسامع الْبُرْنُس غورشاكوف احجم عَن مشروعه وَبعد مخابرات طَوِيلَة قَالَ انه لَا يدْخل عساكره إِلَى الاستانة الا لَو انزلت انكلترا بعض عساكرها إِلَى الْبر وَمَا دَامَت دولة الملكة لَا ترغب ذَلِك فَلَا خوف على الاستانة من احتلال الروس وَبِذَلِك انْتهى هَذَا الاشكال وَبقيت الْجنُود الروسية معسكرة خَارج الْمَدِينَة لَا تتعدى الْحُدُود الَّتِي
стр. 599
رسمت لَهَا بِمُقْتَضى اتفاقية ٣١ يناير الْمَاضِي
وَفِي اثناء ذَلِك ابتدأت المخابرات بَين الْبَاب العالي والغراندوك نيقولا الَّذِي عَاد من سان بطرسبورغ بِمَدِينَة ادرنه للوصول إِلَى الصُّلْح النهائي وعينت الدولة كلا من صفوت باشا الَّذِي اعيد فِي غُضُون ذَلِك إِلَى نظارة الخارجية وَسعد الله بك سفيرها لَدَى امبراطور المانيا ببرلين لَكِن قبل وصولهما إِلَى ادرنة كَانَ توجه اليها نامق باشا ليطلب من الغراندوك عدم دُخُول الجيوش الروسية إِلَى الاستانة خوفًا من اضْطِرَاب بهَا يقْضِي إِلَى الْحَرْب بداخلها وتدميرها بِمَا ان الْمُسلمين لَا يُمكنهُم رُؤْيَة الاستانة فِي ايديهم بِدُونِ ان يتْركُوا السّكُون ويعولوا على الدفاع عَنْهَا إِلَى آخر رَمق من حياتهم فاظهر لَهُ الغراندوك بعض الصعوبات مَعَ علمه بالمخابرات المتداولة بَين الروسيا وانكلترا بِهَذَا الشَّأْن واخيرا قبل عدم احتلال الاستانة بِشَرْط ان تحتل مُقَدّمَة الْجَيْش الروسي خطّ بيوك جكمجه وكوجك جكمجه من ضواحي الاستانة وان تنسحب العساكر العثمانية إِلَى مَا وَرَاء هَذَا الْخط وان ينْقل مَرْكَز المخابرات من مَدِينَة ادرنه إِلَى قَرْيَة سان اسطفانوس الْوَاقِعَة على بَحر مرمره فَقبلت الدولة هذَيْن الشَّرْطَيْنِ منعا لاحتلال الاستانة وَفِي ٢٤ فبراير سَافر الغراندوك إِلَى هَذِه الْقرْيَة الَّتِي علم اسْمهَا فِي جَمِيع الْعَالم وَلم تكن قبل ذَلِك شَيْئا مَذْكُورا وَصَحبه اليها نَحْو الف جندي بِصفة حرس وَلم يلبث هَذَا الْقدر ان اخذ فِي الازدياد بتوارد عدَّة الايات حَتَّى بلغ من بهَا نَحْو عشْرين الف مقَاتل بِدُونِ ان يكون للدولة سَبِيل لمنعهم
ثمَّ ان المندوبين العثمانيين اتيا إِلَى سان اسطفانوس وابتدأت المداولات بَينهم وَبَين الجنرال اغناتيف الَّذِي انتدبته الروسيا لهَذِهِ الْغَايَة وَبعد عدَّة اجتماعات اخبرهما الْمَنْدُوب الروسي بِوُجُوب التَّصْدِيق على الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة مِنْهُ قبل يَوْم ٣ مارس سنة ١٨٧٨ الْمُوَافق عيد جلالة القيصر كَمَا هِيَ رَغْبَة الغراندوك والا فَتبْطل الْهُدْنَة وتتقدم العساكر الروسية إِلَى الاستانة وَلذَلِك لم يَتَيَسَّر للمندوبين العثمانيين ان يفحصا مَا جَاءَ فِي هَذِه الشُّرُوط فحصا مدققا لضيق الْوَقْت ولتهديد الجنرال اغناتيف لَهُم
стр. 600
وَقطع العلاقات وسوق العساكر عِنْد ادنى مُعَارضَة تبدو مِنْهُمَا وَفِي يَوْم ٣ مارس جمع الغراندوك عساكره الْمَوْجُودَة بسان اسطفانوس للاستعراض احتفالا بعيد الامبراطور وَلما اتت السَّاعَة الْعَاشِرَة صباحا وَلم يَأْتِ اليه خبر امضاء المعاهدة توجه إِلَى قاعة اجْتِمَاع المندوبين وَطلب مِنْهُم التَّصْدِيق عَلَيْهَا فِي هَذَا الْيَوْم والا فتسير العساكر المنتظمة للاستعراض نَحْو الاستانة فِي مسَاء الْيَوْم الْمَذْكُور فاضطر المندوبان العثمانيان إِلَى التوقيع عَلَيْهَا بِدُونِ حُصُول مداولة فِي كثير من بنودها وَفِي السَّاعَة الْخَامِسَة مسَاء خرج الجنرال اغناتيف وَمَعَهُ صُورَة المعاهدة ممضاة من مندوبي الدولة إِلَى الغراندوك وَكَانَ وَاقِفًا امام الجيوش تحف بِهِ اركان حربه وَسلمهُ الصُّورَة فصاح الْجند صَيْحَة الاستبشار واقام لَهُم اُحْدُ القسوس صَلَاة حافلة فِي ميدان الاستعراض نزل فِي اثنائها جَمِيع القواد والضباط عَن ظُهُور خيولهم وجثوا على الارض هم وَجَمِيع الْجنُود شكرا لله على هَذَا الْفَوْز غير المنتظر
وَمن غَرِيب مَا يَحْكِي عَن الجنرال اغناتيف انه طلب فِي ٣ مارس الْمَذْكُور ان يُضَاف إِلَى الشُّرُوط بند يقْضِي بِأَن الدولة الْعلية تكون ملزمة بالدفاع عَن صَالح الروسيا لَو تشبثت الدول فِي عقد مؤتمر لتحوير هَذَا الصُّلْح فرفض المندوبان العثمانيان هَذَا الطّلب بعد ان كتبا بذلك تلغرافيا إِلَى الْبَاب العالي واتاهما الْجَواب بالرفض وَبِذَلِك تمّ الصُّلْح وَفِي مسَاء ذَلِك الْيَوْم كتب جلالة السُّلْطَان تلغرافا إِلَى القيصر يهنئه بعيده وَورد اليه الرَّد من القيصر بالشكر وَالثنَاء وَالدُّعَاء باستمرار الْمحبَّة والاتحاد بَين الدولتين وهاك نَص ماهدة سان اسطفانوس نقلا عَن منتخبات الجوائب
ان حَضْرَة قَيْصر الروسيا وحضرة سُلْطَان المملكة العثمانية قد عين كل مِنْهُمَا مرخصين لاجل تَقْرِير وَعقد مُقَدمَات الصُّلْح رَغْبَة فِي تَأْمِين بلادهما ورعاياهما من وُقُوع مَا يخل بالراحة والإمنية والامنية فِيمَا بعد وطلبا لحُصُول وفو والراحة العمومية حَالا فالمرخصان اللَّذَان نصبهما القيصر احدهما الكونت نقولا اغناتيف وَهُوَ حائز رُتْبَة امير اللِّوَاء وياور القيصر وَمن اعضاء الْمجْلس الخصوصي وَعِنْده نيشان روسي مرصع وَهُوَ نيشان صان علكساندر نويسكي ونياشين اجنبية
следующие страницы →