Полный текст (661 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
عزل السُّلْطَان عبد الْعَزِيز
هَذَا ولنأت هُنَا على ذكر هَذِه الْحَادِثَة المفجعة مَعَ بَيَان الاسباب الَّتِي تنْسب لَهَا بِقدر مَا وصل اليه بحث هَذَا الْعَاجِز فَنَقُول
بعد الْحَوَادِث الَّتِي مر ذكرهَا اقتنع السُّلْطَان ﵀ ان تحالف الدول مَعَ الدولة فِي حَرْب القرم وَمَا بعْدهَا لم تكن نتيجة الا اضعافها بالتدخل فِي شؤونها الداخلية ومساعدة الطوائف المسيحية الخاضعة لَهَا على الانشقاق عَنْهَا وَبث روح الْفِتَن وَالْفساد فِي ممالكها تَحت غطاء الْحُرِّيَّة وَنشر الْعُلُوم وان كل ذَلِك يعود بالنفع على الروسيا جارتها القوية وعدوتها الْقَدِيمَة لَا سِيمَا وَقد عدل الدول بعد الْحَرْب الفرنساوية الالمانية اهم بنود معاهدة باريس الَّتِي ابرمت بعد حَرْب القرم لحفظ التوازن فِي الْبَحْر الاسود وَعدم مراعاتها عقب ابرامها فِي حق ولايتي الافلاق والبغدان فلهذه الاسباب علم جلالة السُّلْطَان ان الاولى والانجح لسياسة الدولة هُوَ التباعد عَن الدول الغربية والتحالف مَعَ الروسيا وعضده فِي هَذَا الْفِكر الصَّدْر الاعظم مَحْمُود نديم باشا فاكثر السُّلْطَان من الِاجْتِمَاع مَعَ الجنرال اغناتيف سفير الروسيا بالاستانة والمتواتر وان لم تثبته اوراق رسمية انهما كَانَا يسعيان لوضع اساس معاهدة هجومية ودفاعية يكون من اهم بنودها الِاخْتِصَاص بِجَمِيعِ بِلَاد الشرق وتتبع الولايات الاسلامية اَوْ الَّتِي يغلب فِيهَا العنصر الإسلامي للدولة الْعلية الإسلامية وَضم جَمِيع الأقاليم المسيحية أَو الني يسود فِيهَا هَذَا العنصر للدولة الروسية وَلما شاع هَذَا الْمَشْرُوع لم يرق فِي اعين الدول الاوروبية الَّتِي لَهَا مصَالح فِي الشرق وخصوصا انكلترا فاخذ عمالهم وسفراؤهم الظاهرون والسريون يلقون الوساوس فِي عقول السذج من اهل الاستانة وينسبون السُّلْطَان للتبذير والاسراف
стр. 527
وَعدم الاهلية لادارة مهام الْملك وَرُبمَا اسْتَعَانَ هَؤُلَاءِ المعررون بطرق اخرى الْمطَالع بهَا ادرى وَمَا زَالُوا يوسوسون ويلقون بذور الْفساد حَتَّى اقنعوا الوزراء بِوُجُوب عَزله وان اقالته من الاعمال وَاجِبَة لانتظام الدولة وسيرها على المحور الْمُسْتَقيم وصادفت دسائسهم اذن صاغية عِنْد بعض الْعلمَاء لما خالج صُدُورهمْ من عدم الْميل للسُّلْطَان بِسَبَب عدم اتِّبَاعه بعض العوائد المألوفة لديهم مثل خُرُوجه من ممالكه وزيارة معرض باريس وحضوره التشخيصات التياترية والباللوات المراقص وَكَيْفِيَّة خلعه على اصح الرِّوَايَات ان المؤامرة الَّتِي اوصلت إِلَى هَذِه النتيجة حصلت بَين كل من مُحَمَّد رشدي باشا الصَّدْر الاعظم وحسين عوني باشا نَاظر الحربية وَاحْمَدْ باشا قيصرلي نَاظر البحرية وَاحْمَدْ مدحت باشا وَشَيخ الاسلام حسن خير الله افندي وَقبل الشُّرُوع فِي تَنْفِيذ مَا صمموا عَلَيْهِ اصدر شيخ الاسلام فَتْوَى بِوُجُوب ذَلِك هَذَا نَصهَا
الْفَتْوَى بعزله
إِذا كَانَ زيد الَّذِي هُوَ امير الْمُؤمنِينَ مختل الشُّعُور وَلَيْسَ لَهُ المام فِي الامور السياسية وَمَا برح ينْفق الاموال الميرية فِي مصارفه النفسانية فِي دَرَجَة لَا طَاقَة للْملك وَالْملَّة على تحملهَا وَقد اخل بالامور الدِّينِيَّة والدنيوية وشوشها وَخرب الْملك وَالْملَّة وَكَانَ بَقَاؤُهُ مضرا بهَا فَهَل يَصح خلعه الْجَواب يَصح كتبه الْفَقِير حسن خير الله عفى عَنهُ
ثمَّ اناطوا حُسَيْن عوني باشا بامر خلع السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَشَيخ الاسلام وَبَاقِي الوزراء بمبايعة السُّلْطَان مُرَاد وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ٦ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٣ ٣٠ مايو سنة ١٨٧٦ اخذ نَاظر البحرية فِي تجهيز المراكب لحصر السَّرَايَة السُّلْطَانِيَّة بحرا فاستغرب السُّلْطَان حُصُول المناورات بالبحر تَحت شبابيكه بِدُونِ سَابِقَة علمه فارسل يستعلم عَن السَّبَب فاجيب بَان دواعي الْحَال اوجبت ذَلِك ثمَّ اخبر احْمَد باشا قيصرلي الصَّدْر الاعظم ومدحت باشا بسؤال السُّلْطَان فعزموا
стр. 528
على تَنْفِيذ مشروعهم فِي مسَاء ذَلِك الْيَوْم خوفًا من ان يكون السُّلْطَان قد شعر بسيئ قصدهم وَاتَّفَقُوا على تَكْلِيف من يَدعِي رَدِيف باشا بحصر السَّرَايَة برا وتعهد احْمَد باشا قيصرلي بحصرها بحرا وَفِي السَّاعَة الثَّانِيَة بعد غرُوب ذَلِك الْيَوْم اجْتمع المتآمرون فِي ديوَان السِّرّ عسكرية وَتوجه رَدِيف باشا مَعَ الاي من الْجند مؤلف من ٢٥٠٠ عسكري وامر سُلَيْمَان باشا رَئِيس الْمدرسَة الحربية بخفر بَاب السراي مَعَ مائَة من تلامذة هَذِه الْمدرسَة راكبين خيولهم ومسلحين بالبنادق الجديدة وَلما تمّ حصارها برا وبحرا وَاخْبَرْ المتآمرون بذلك توجه حُسَيْن عوني باشا فِي عربة إِلَى مقرّ السُّلْطَان مُرَاد واركبه مَعَه وعادا مَعًا إِلَى السِّرّ عسكرية حَيْثُ كَانَ بانتظارهما شيخ الاسلام والشريف عبد الْمطلب وَجَمِيع اعيان الدولة من عسكريين وملكيين وَلما دخلاها احاطت بِالسّرَايَةِ فرقة من الْجنُود لمنع من فِيهَا من الْخُرُوج ثمَّ حصلت الْمُبَايعَة للسُّلْطَان الْجَدِيد مُرَاد خَان الْخَامِس من جَمِيع الْحَاضِرين على الاسلوب المتبع
стр. 529
٣٣
- السُّلْطَان مُرَاد خَان الْخَامِس
وَهُوَ ابْن السُّلْطَان عبد الْمجِيد وَكَانَت وِلَادَته فِي ٢٥ رَجَب سنة ١٢٥٦ ٢٢ سبتمبر ١٨٤٠
هَذَا وَلما تمّ امْر الْمُبَايعَة ارسل مَخْصُوص إِلَى رَدِيف باشا يُخبرهُ بذلك ويسلمه صُورَة الْفَتْوَى القاضية بعزل السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فقصد رَدِيف باشا بَاب الْحَرِيم واستدعى جَوْهَر آغا رَئِيس آغاوات السراي وكلفه بَان يبلغ السُّلْطَان ان الامة قد عزلته وانه مَأْمُور بتوصيل السُّلْطَان المخلوع إِلَى سراي طوبقبو وَسلمهُ صُورَة الْفَتْوَى ليطلعه عَلَيْهَا فَلم يصدق السُّلْطَان الْخَبَر الا بعد ان نظر من الشبابيك وَرَأى العساكر مُحِيطَة بسرايته برا وبحرا احاطة السوار بالمعصم
وَعند ذَلِك ايقن ان التَّوَقُّف لَا يكون وَرَاءه الا الاكراه على الْخُرُوج فَنزل مستسلما وبمجرد خُرُوجه احاطت بِهِ العساكر وانزلوه مَعَ ابْنه يُوسُف عز الدّين افندي فِي زورق ووالدته فِي ثَان وَبَاقِي اولاده وامهاتهم فِي ثَالِث ثمَّ خفرتهم الزوارق الحربية إِلَى ان اوصلتهم إِلَى سراي طوبقبو حَيْثُ كَانَت العساكر مصطفة على حافتي الطَّرِيق من الْبر إِلَى بَاب السراي
وَفِي السَّاعَة الْحَادِيَة عشرَة لَيْلًا اطلقت المدافع من الْبر وَالْبَحْر ايذانا بخلع السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وتنصيب السُّلْطَان مُرَاد الْخَامِس ونادى المنادون بذلك فِي الشوارع فهرع الاهالي افواجا إِلَى سراي السِّرّ عسكرية وَبَايَعُوا السُّلْطَان مُرَاد وَلم يحصل ادنى مقاومة من اُحْدُ وَلم تحتج احدى الدول على هَذِه الثورة الداخلية وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيّد ان جَمِيع القناصل كَانَ عِنْدهم علم بِمَا حصل قبل وُقُوعه وانه
стр. 530
رُبمَا كَانَ ذَلِك باتفاقهم
وَفِي السَّاعَة الثَّالِثَة صباحا ذهب السُّلْطَان مُرَاد فِي عربة بَين صُفُوف الاهالي إِلَى سراي بشكطاش حَيْثُ استمرت الْمُبَايعَة ثَلَاثَة ايام مُتَوَالِيَة
وَفَاة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز
وَلَقَد اخْتلفت الاقوال فِي كَيْفيَّة موت هَذَا السُّلْطَان وَكَثُرت الرِّوَايَات عَن ذَلِك فَمن قَائِل انه قتل نَفسه لعدم انتظام قواه الْعَقْلِيَّة بعد خلعه وَمن قَائِل ان الَّذين تَآمَرُوا على خلعه ارتكبوا هَذَا الامر الفظيع فَقَتَلُوهُ خيفة ان يسْعَى فِي الرُّجُوع إِلَى منصة الاحكام اما الْحَقِيقَة فمغمضة نَتْرُك كشف الستار عَنْهَا لمن يَأْتِي بَعدنَا ونكتفي بِذكر الرِّوَايَة الَّتِي تناقلتها الالسن والجرائد فِي ذَلِك الْحِين
وَذَلِكَ انه شاع اَوْ اشاع ارباب الغايات ان قد اصابته ﵀ امراض دماغية يَوْم خلعه فاضطربت احواله وَكَانَ يتخيل ان البواخر الراسية فِي البوغاز تطلق النَّار على الْعَدو فزاده ذَلِك قلقا وَلم يسْتَطع الرقاد فِي لَيْلَة الاحد التالية لعزله فَلَمَّا اصبح الصَّباح ذهب إِلَى الْحمام كعادته ثمَّ إِلَى الْبُسْتَان ثمَّ رَجَعَ إِلَى حجرته وَصَارَ يَأْمر بِفَتْح الشبابيك والابواب ثمَّ يخرج إِلَى الْبُسْتَان وَيعود ثمَّ يخرج ثَانِيًا كَأَن الدُّنْيَا ضَاقَتْ امامه برحبها ثمَّ حاول الْخُرُوج إِلَى شاطئ الْبَحْر فَرَآهُ الضَّابِط الَّذِي كَانَ يحرس الْبَاب فَقَالَ لَهُ بلطف لَا اذن بِالْخرُوجِ ياسيدي فهدده بغدارة كَانَت فِي يَده ثمَّ دخل وَيُقَال ان هَذِه الْحَادِثَة كَانَت سَببا فِي ازدياد اعراض الْخلَل وَاسْتشْهدَ اصحاب هَذَا الرَّأْي بِبَعْض خُدَّامه وحجابه فَقَالُوا انه ﵀ كَانَ يتَوَهَّم ان عدوا هاجم عَلَيْهِ وانه يجب على العساكر ان تمانعه وتطارده وعَلى البواخر ان توجه نيرانها على هَذَا الْعَدو المفاجئ
واخيرا طلب من احدى الْجَوَارِي مقصا ومرآة ليقص اطراف لحيته كَمَا كَانَت عَادَته فاحضرتهما لَهُ من والدته وانصرفت ثمَّ رأى والدته تنظره من وَرَاء فَغَضب وامرها بالانصراف وَبعد ذَلِك حضر اُحْدُ اعوانه فَأخذ يحادثه فِي مَسْأَلَة مهاجمة الْعَدو الَّتِي كَانَ يتخيلها وَفِي اثناء الحَدِيث اخذ المقص وَقطع بِهِ عرقا من ذراعه الايمن فحاول العون مَنعه وَلما لم يتَمَكَّن ذهب وَاخْبَرْ والدته وَلما خرج العون قفل السُّلْطَان الشبابيك والابواب وَقطع عرق ذراعه الايسر واضطجع
стр. 531
على متكأ حَتَّى تصفى دَمه وَلما شاع هَذَا الْخَبَر وَعلا صريخ الْجَوَارِي اتى الوزراء وَبعد ان شاهدوا الْحَالة استدعوا لجنة طبية من مشاهير الاطباء وَمن ضمنهم اطباء سفراء الدول وَبعد الْكَشْف عَلَيْهِ طبع الْكَشْف ووزع على الْعُمُوم وَنشر فِي الجرائد ليعلم النَّاس كَيْفيَّة مَوته
وَفِي السَّاعَة الْخَامِسَة عَرَبيا نقلت جثته إِلَى سراي طوبقبو وَكَانَ ﵀ قد نقل مِنْهَا إِلَى سرَايَة اخرى فِي يَوْم السبت السَّابِق لوفاته بِنَاء على طلبه وَهُنَاكَ غسلت وجهزت
وَفِي السَّاعَة الْعَاشِرَة شيعت جنَازَته وَدفن بجوار ابيه السُّلْطَان مَحْمُود رحمهمَا الله
وَمِمَّا يُوجد شكا فِي انه قتل نَفسه بِسَبَب اختلال قواه الْعَقْلِيَّة مَا كتبه للسُّلْطَان مُرَاد قبل وَفَاته بِيَوْم وَاحِد يطْلب مِنْهُ الِانْتِقَال من طوبقبو فانه لَا يُؤْخَذ من عِبَارَته ان بِهِ اقل اضْطِرَاب عَقْلِي واليك صُورَة هَذِه الْكِتَابَة نقلا عَن منتخبات الجوائب
بعد اتكالي على الله تَعَالَى وجهت اتكالي عَلَيْك فاهنئك بجلوسك على تخت السلطنة وابين لَك مَا بِي من الاسف على اني لم اقدر على ان اخدم الامة حسب مرادها فأؤمل انك انت تبلغ هَذِه الارب وانك لَا تنسى اني تشبثت بالوسائل الفعالة لصيانة المملكة وَحفظ شرفها واوصيك بَان تتذكر ان من صيرني إِلَى هَذِه الْحَالة هم العساكر الَّذين سلحتهم انا بيَدي وَحَيْثُ كَانَ من دأبي دَائِما الرِّفْق بالمظلومين وشملهم بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي تَقْتَضِيه الانسانية ارغب اليك ان تنقذني من هَذَا الْمَكَان الضّيق الْمَعْنى بتَشْديد النُّون الَّذِي صرت اليه وَتعين لي محلا اكثر ملاءمة لي واهنئك بِأَن الْملك انْتقل إِلَى ذُرِّيَّة اخي عبد الْمجِيد خَان الامضاء عبد الْعَزِيز
وَمن جِهَة اخرى فَإِن استدعاء الوزراء لاطباء القناصل يدل ايضا انهم كَانُوا معتقدين ان الامة تصدق قَوْلهم بانه قتل نَفسه فعمدوا إِلَى تَقْوِيَة قَوْلهم بِهَذَا الْكَشْف الطبي الْموقع عَلَيْهِ اطباء السفارات مِمَّا يعْتَبر اقرارا من الدول وَتَصْدِيقًا لروايتهم وَمَعَ ذَلِك فَلَا يُمكن الْجَزْم الْآن بانه قتل شَهِيد الدسائس اَوْ انتحر تخلصا من الْحَيَاة بعد خلعه لعدم وجود الادلة الكافية على الْقطع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى الْيَوْم
стр. 532
قتل حسن بك لكل من حُسَيْن عوني باشا وَمُحَمّد رَاشد باشا
حسن بك الْمَذْكُور هُوَ ابْن اسماعيل بك اُحْدُ اعيان الجراكسة الْمُهَاجِرين من بِلَادهمْ بعد دُخُولهَا ضمن املاك الروسيا وَكَانَ ياورا ليوسف عز الدّين افندي نجل السُّلْطَان عبد الْعَزِيز الَّذِي كَانَ مُشِيرا للاوردي الهمايوني الْخَاص وَلما توفّي السُّلْطَان عبد الْعَزِيز اراد حُسَيْن عوني باشا السِّرّ عَسْكَر ابعاده عَن الاستانة فألحقه باحد الالايات بِمَدِينَة بَغْدَاد وامره بِالسَّفرِ على عجل فَامْتنعَ فحبس بِحَسب الْأُصُول العسكرية ثمَّ أظهر الرَّغْبَة فِي السّفر وَطلب امهاله يَوْمَيْنِ لَا غير للتأهب للسَّفر فأفرج عَنهُ وَفِي مسَاء يَوْم الْخَمِيس ٢٣ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٣ ١٦ يونيه سنة ١٨٧٦ تسلح باربعة مسدسات وخنجر مَاض وَقصد منزل عوني باشا فَقيل لَهُ انه بمنزل مدحت باشا فَذهب اليه وَلما سَأَلَ الخدم عَن حُسَيْن عوني باشا قَالُوا لَهُ انه مَعَ سَائِر الوكلاء النظار فِي مجْلِس مَخْصُوص فأوهمهم ان مَعَه تلغرافا مهما يخْتَص بالحربية يُرِيد توصيله فَوْرًا للسر عَسْكَر ثمَّ انْتظر بُرْهَة وطلع إِلَى الْمحل الْمُجْتَمع فِيهِ الوكلاء فَوجدَ حارسا بِالْبَابِ مَنعه عَن الدُّخُول فَقَالَ لَهُ من انت قَالَ سَالم آغا خَادِم الصَّدْر الاعظم فَقَالَ اذْهَبْ وناد خَادِم حُسَيْن عوني باشا لِأَنِّي مستعجل فَنزل سَالم آغا وَعِنْدهَا دخل حسن بك الغرفة واطلق غدارته على حُسَيْن عوني باشا فاصابه برصاصتين فَقَامَ للدفاع عَن نَفسه فاجهز عَلَيْهِ بالخنجر واصاب مُحَمَّد رَاشد باشا نَاظر الخارجية برصاصة فِي عُنُقه افقدته الْحَيَاة ثمَّ قَامَ احْمَد باشا قيصرلي نَاظر البحرية وَقبض على يَد حسن بك فاثخنه جراحا حَتَّى فر مَعَ بَاقِي الوزراء إِلَى غرفَة اخرى تَابِعَة لدائرة الْحَرِيم وَوَضَعُوا خلف الْبَاب بعض امتعة ثَقيلَة ثمَّ جَاءَ احْمَد آغا رَئِيس خدم مدحت باشا واراد الْقَبْض عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ حاول
стр. 533
فتح الْبَاب الَّذِي اختفى بَاقِي الوزراء خَلفه وَلما لم يُمكنهُ اطلق رصاصتين نفذتا من الْخشب بِدُونِ ان تصيبا احدا ثمَّ اخذ كرسيا وَصَارَ يكسر فِي الثريات لاطفاء النُّور واخذ شمعدانا ليحرق بِهِ الاستار ويوقد النَّار فِي الْمنزل ليمكنه الهروب لَكِن لم يتَمَكَّن من ذَلِك اذ حضرت عدَّة من عَسَاكِر الضبطية فقبضوا عَلَيْهِ بعد ان قتل شكري بك ياور الصَّدْر الاعظم وَاحِد انفار العساكر ثمَّ سيق إِلَى ديوَان السِّرّ عسكرية وَفِي صباح الْجُمُعَة تشكل مجْلِس حَرْبِيّ تَحت رئاسة رَدِيف باشا فَحكم عَلَيْهِ بالتجريد من الرتب وَالْقَتْل شنقا وجرد فِي الْحَال من الرتب وعلامات الشّرف وَفِي فجر يَوْم السبت شنق على شَجَرَة فِي ساحة بايزيد وَبَقِي مشنوقا إِلَى صباح الِاثْنَيْنِ وعَلى صَدره ورقة تبين اسباب شنقه ليَكُون عِبْرَة لغيره وَيُقَال انه عِنْد استجوابه امام الْمجْلس لم يبد اقل تأسف على قتل عوني باشا وَرَاشِد باشا بل على من قَتلهمْ من الْجند والضباط وَعدم تمكنه من قتل نَاظر البحرية احْمَد باشا قيصرلي
هَذَا وَلَا يعقل ان الْبَاعِث لحسن بك على قتل الوزراء مُجَرّد الانتقام لارساله إِلَى بَغْدَاد اذ لَو كَانَ الامر كَذَلِك لاكتفى بقتل نَاظر الحربية مَعَ ان هَذَا الامر
стр. 534
بعيد الِاحْتِمَال ايضا ويغلب على الظَّن ان مَا حمله على هَذَا الْفِعْل الا تعلقه بالسلطان الشَّهِيد وعائلته ولتواتر الاشاعات ان السُّلْطَان عبد الْعَزِيز مَاتَ مقتولا بدسيسة هَؤُلَاءِ الوزراء بايعاز من بعض الدول ذَوَات الصَّالح الاكبر فِي الشرق اراد قَتلهمْ انتقاما لسلطانه المرحوم الَّذِي ذهب فريسة الدسائس الاجنبية
عزل السُّلْطَان مُرَاد
السُّلْطَان مُرَاد الْخَامِس هُوَ ابْن السُّلْطَان عبد الْمجِيد خَان ولد فِي ٢٥ رَجَب سنة ١٢٥٦ وارتقى منصب الْخلَافَة فِي ٧ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٣ ٣١ مايو ١٨٧٦ وَكَانَ متعلما مهذبا ميالا للاصلاح محبا للمساواة بَين جَمِيع اصناف رَعيته مقتصدا فِي مصرفه غير ميال للسرف والترف يشْهد بذلك الفرمان الَّذِي ارسله إِلَى الْبَاب العالي بابقاء الوزراء وَجَمِيع المأمورين فِي وظائفهم ومبينا فِيهِ خطة الاصلاح الَّذِي يُرِيد اجراؤه وَهَا هُوَ بنصه
وزيري سمير الحمية مُحَمَّد رشدي باشا
انه لما وَقع الان بارادة جناب مَالك الْملك الازلية وباجماع الرّعية ورغبتها جلوسنا على تخت اجدادنا الْعِظَام جددنا ابقاء خدمَة الصدراة فِي عهدتكم اعْتِمَادًا على مَا جرب من رؤيتكم وحميتكم واقررنا جَمِيع الوكلاء والمأمورين فِي مأموريتهم وَخدمَتهمْ وَقد عرف النَّاس اجْمَعْ ان مَا طَرَأَ من مشكلات الاحوال على الدولة فِي امورها الداخلية والخارجية ولد فِي افكار الْعَامَّة قلَّة الامنية فافضى ذَلِك لمضرتهم مَالا وملكا وتنوعت بِنَاء عَلَيْهِ اشكال عدم استراحتهم فَكَانَ من الْوَاجِب ان نتَّخذ على الْفَوْر طَرِيقا لاستئصال هَذِه الْحَال واصلاحها تامينا وتنشيطا للملكة وَعُمُوم تبعة الدولة فِي صُورَة تتكفل ماديا ومعنويا بسعادتهما وسلامتهما وَلَا شكّ ان هَذَا يتَوَقَّف على تاسيس اصول ادارة الدولة على اساس صَحِيح ومتين وَهُوَ الَّذِي مَا بَرحت افكارنا محصورة فِي النّظر اليه ونوايانا معطوفة عَلَيْهِ فَلِذَا كَانَ جلّ ماثورنا الْخَالِص اولا اجراء الاحكام الشَّرْعِيَّة وَتَقْيِيد ادارة الدولة العمومية بقوانين قَوِيَّة مُوَافقَة لنَفس الامر ولقابلية الاهالي وَالْحَالة هَذِه ان يتذاكر الوكلاء فِي كَيفَ يلْزم ان تكون تِلْكَ الْقَاعِدَة السالمة الثَّابِتَة وَمَا هُوَ الاساس الَّذِي تبنى عَلَيْهِ لتَكون
стр. 535
كافلة لعُمُوم رعيتنا السُّلْطَانِيَّة التَّمَتُّع بِتمَام الْحُرِّيَّة بِدُونِ اسْتثِْنَاء وتؤهلهم لانواع الترقي وتميل كل فَرد مِنْهُم للاتحاد بالفكر وَالنِّيَّة على الْمحبَّة والمحافظة على الوطن والدولة وَالْملَّة فيبادرون للاستئذان على مايقر عَلَيْهِ الْقَرار ثَانِيًا ان المهم اللَّازِم نظرا لهَذِهِ النِّيَّة الاساسية انما هُوَ تَجْدِيد تنظيم نظامات وادارات شُورَى الدولة والاحكام العدلية والمعارف العمومية وامور الْمَالِيَّة وَسَائِر الماموريات فَيَنْبَغِي إِذا النّظر فِي تنظيم ذَلِك بالتتابع ثَالِثا لما كَانَت الْمصَالح الاميرية هِيَ احدى الاحوال المعظمة الَّتِي اوقعت امور الدولة فِي اشكال كَانَ من الْوَاجِبَات وعَلى حِسَاب مَا سيشرع بِهِ من التنظيمات ادخال الْمُعَامَلَات الْمَالِيَّة تَحت التَّأْمِين أَي انها ترْبط بقاعدة وَثِيقَة وتوضع تَحت نظارة قويمة تمنح الْعُمُوم تأمينا على عدم وُقُوع مَصْرُوف خَارج عَن الميزانية واعانة لهَذَا التَّدْبِير قد نزلنَا من تخصيصات خزينتنا الْخَاصَّة سِتِّينَ الف كيس وَتَركنَا كَذَلِك إِلَى خزينة الْمَالِيَّة ادارة مَعْدن الفحم فِي اركلي وَسَائِر الْمَعَادِن وَبَعض المعامل وحاصلاتها باجمعها فبناء عَلَيْهِ يلْزم الاعتناء كَذَلِك باجراء مثل هَذِه التعديلات والتصرفات فِي سَائِر الْجِهَات تسهيلا ولحصول الموازنة فِي الامور الْمَالِيَّة رَابِعا فلتدم كَافَّة معاهداتنا مَعَ الدول المتحابة مرعية الاجراء وَيصرف المجهود بتأكيد الْحبّ والموالاة وتزييد المصافاة فِيمَا بَين دولتنا الْعلية وَجَمِيع الدول فنسأل جناب الْحق الْمعِين ان يوفقنا للخير اجمعين فِي ١٦ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٣ ٩ يونيو ١٨٧٦ اهـ
لَكِن لم يتح لَهُ الدَّهْر اتمام هاتيك المشروعات الجليلة ذَات الْفَوَائِد الجزيلة بل ظَهرت عَلَيْهِ عَلَامَات الِاضْطِرَاب العصبي عقب تَوليته بِنَحْوِ اسبوع ثمَّ ازدادت شَيْئا فَشَيْئًا خُصُوصا بعد مَا بلغه خبر قتل حُسَيْن عوني باشا وَمُحَمّد رَاشد باشا بِالصّفةِ الَّتِي سبق شرحها حَتَّى لم يتَمَكَّن من تَمْيِيز الوزراء عَن بَعضهم وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ الصَّدْر الاعظم يخفي هَذَا الامر عَن الْعُمُوم لَكِن ذاع خَبره لعدم اجراء الاحتفال بِتَسْلِيمِهِ السَّيْف السلطاني فِي جَامع ابي ايوب الانصاري حسب الْعَادة وَلعدم مُقَابلَته قناصل الدول ليقدموا اليه اوراق تَجْدِيد تعيينهم لَدَى حكومته واخيرا لما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَال استدعى الوزراء الطَّبِيب ليدزورف النمساوي الشهير بمداواة الامراض الْعَقْلِيَّة فَحَضَرَ وَبعد ان فحص جلالته ولازمه عدَّة ايام متفرسا
стр. 536
كل مَا يَبْدُو مِنْهُ من الاقوال والاشارات واستعلم عَن عاداته وَكَيْفِيَّة معيشته قَالَ بتعسر برئه من هَذَا الْمَرَض فتشاور الوزراء فِي الامر ثمَّ عرضوا على اخيه عبد الحميد افندي ان تسلم اليه مقاليد الاحكام حَيْثُ حكم الاطباء بِعَدَمِ لياقة اخيه السُّلْطَان مُرَاد لادارة مهامها فاجابهم حفظه الله واطال عمره ان الاولى عدم التسرع فِي الامور رُبمَا يمن الله عَلَيْهِ بالشفاء وَيعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من شدَّة الذكاء وتوقد الذِّهْن فامتثل الوزراء لَكِن لما رَأَوْا ان الْحَالة فِي ازدياد اجْتَمعُوا فِي يَوْم الاربعاء ١٠ شعْبَان سنة ١٢٩٣ ٣١ اغسطس سنة ١٨٧٦ وقرروا بِوُجُوب الْمُبَايعَة لمولانا السُّلْطَان عبد الحميد خَان الثَّانِي ادامه الله وارسلوا رقيما لوالدة السُّلْطَان مُرَاد يخبرونها بذلك فاجابت باستحسان مَا قرروه ثمَّ فِي صباح يَوْم الْخَمِيس اجْتمع الوزراء ثَانِيَة واستدعوا شيخ الاسلام خير الله افندي وَجَمِيع الذوات وَالْعُلَمَاء والامراء والاعيان واستفتوا مَوْلَانَا شيخ الاسلام فِي الامر فافتى بِوُجُوب عَزله وهاك نَص الْفَتْوَى
صُورَة استفتاء الوزراء فِي وجوب خلع السُّلْطَان مُرَاد خَان الْخَامِس
إِذا جن امام الْمُسلمين جنونا مطبقا ففات الْمَقْصُود من الامامة فَهَل يَصح حل الامامة من عهدته الْجَواب يَصح وَالله اعْلَم كتبه الْفَقِير حسن خير الله عفى عَنهُ
стр. 537
٣٤
- السُّلْطَان الْغَازِي عبد الحميد خَان الثَّانِي
وَبعدهَا ارسلوا فِي طلب مَوْلَانَا الْجَدِيد فَحَضَرَ إِلَى سراي طوبقبو وَبَايَعَهُ الْحَاضِرُونَ وَمِنْهَا إِلَى سراي بشكطاش حَيْثُ بَايعه جَمِيع من حضر من رُؤَسَاء روحانيين وَغَيرهم
اما السُّلْطَان مُرَاد فَتوجه إِلَى سراي جراغان الَّتِي كَانَ بناها المرحوم السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَاسْتشْهدَ بهَا ثمَّ اخطرت الولايات وزينت الْمَدِينَة ثَلَاثَة ايام توالى فِيهَا اطلاق المدافع فِي الاوقات الْخمس من الطوابي والمراكب الحربية
وَفِي يَوْم ١٨ شعْبَان سنة ١٢٩٣ ٧ سبتمبر سنة ١٨٧٦ تقلد مَوْلَانَا السُّلْطَان اعزه الله السَّيْف المنيف فِي جَامع ابي ايوب الانصاري على ماجرت بِهِ الْعَادة وَكَانَ ذَهَابه إِلَى هَذَا الْجَامِع فِي موكب حافل لم يسْبق لَهُ مثيل وزار جلالته اثناء عودته جدث وَالِده المرحوم السُّلْطَان الْغَازِي عبد الْمجِيد المدفون بِجَامِع السُّلْطَان سليم ثمَّ زار ضريح السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح ﵀ فقبر جده السُّلْطَان مَحْمُود مبيد الانكشارية طيب الله ثراه واخيرا قبر عَمه شَهِيد الشُّهَدَاء السُّلْطَان عبد الْعَزِيز غفر الله لَهُ
وَبعد ذَلِك اسْتَلم ادارة الاعمال بهمة ونشاط واظهر للوزراء رغبته فِي اصلاح الامور فِي خطّ همايوني ارسله جلالته إِلَى الْبَاب العالي اشعارا بجلوسه مؤرخا ٢١ شعْبَان سنة ١٢٩٣ ١٠ سبتمبر سنة ١٨٧٦ واليك نَصه
وزيري سمير الْمَعَالِي مُحَمَّد رشدي باشا
انه لما اعتزل اخي الاكرم حَضْرَة السُّلْطَان مُرَاد الْخَامِس عَن مشاغل السلطنة والخلافة وَفرغ مِنْهَا جلسنا بِمُوجب القانون العثماني على تخت اجدادنا الْعِظَام
وَقد وجهنا لعهدتكم مُسْند الصدارة الْعُظْمَى ورئاسة مجْلِس الوكلاء ابقاء
стр. 538
وتجديدا بِنَاء على مَا لذاتكم من الروية الْمُسلم بهَا وَالْحمية المجربة وَمَا لكم من الْوُقُوف والاطلاع على مهام امور الدولة وَكَذَلِكَ اقررنا جَمِيع الوكلاء فِي مناصبهم
وانني شَدِيد الاتكال فِي جَمِيع الاحوال على تسهيلات جناب موفق الامور وتوفيقاته الصمدانية وقصارى آمالي ومقاصدي معطوفة بالحصر لتأييد اساس شَوْكَة دولتنا ومكانتها بِحَيْثُ تنَال صنوف تبعتنا بِلَا اسْتثِْنَاء الْحُرِّيَّة وَيَتَنَعَّمُونَ جَمِيعًا بِنِعْمَة الْعَدَالَة والرفاهية فأؤمل فِي هَذَا الاثر ويعاونوننا عَلَيْهِ وَقد عرف النَّاس اجْمَعْ بَان حَال البحران والاغتشاش والملم بدولتنا لَهُ جِهَات واسباب متنوعة وصور واشكال مُتعَدِّدَة فاذا امعنا النّظر فِي ذَلِك من أَي جِهَة كَانَت تَجْتَمِع مباديه واسبابه فِي نقطة وَاحِدَة وَهِي عدم جَرَيَان القوانين والنظامات المؤسسة على الاحكام الجليلة والشرعية الَّتِي هِيَ الْمسند الاساسي فِي دولتنا على حَقّهَا وتمامها وَاتِّبَاع كل فَرد اهواء نَفسه فِي ادارة الامور اما اتساع ميدان عدم الانتظام الطَّارِئ على ادارة دولتنا ملكاومالا وَمَا حصلت عَلَيْهِ امور ماليتنا من عدم الامنية فِي الافكار العمومية وَتعذر وُصُول المحاكم إِلَى الدرجَة المتكفلة بتأمين حُقُوق النَّاس وَتَأَخر استفادة مملكتنا حَالَة كَونهَا قَابِلَة لانواع وَسَائِل الْعمرَان كالحرف والصنائع وَالتِّجَارَة والزراعة كَمَا هُوَ مُسلم فَهُوَ من عدم الثَّبَات الَّذِي وَقع على كل مَا شرع بِهِ من الاجراءآت وكل مَا حصل من التشبثات الصادرة عَن نِيَّة خَالِصَة لمقصد اعمار مملكتنا ورفاهية حَال رعايانا وتبعتنا وسعادة حَالهم ونوالهم بِدُونِ اسْتثِْنَاء الْحُرِّيَّة الشخصية وَكَون ذَلِك باجمعه صَار عرضة لتغييرات متنوعة منعت انتاج الْمَقْصد الاصلي فَلَا ريب فِي انه تولد وَنَشَأ عَن عدم الثَّبَات بِاتِّبَاع القانون والنظام وَإِذا كَانَ من اهم مَا يلْزم ان التدابير الْوَاجِب وَضعهَا اولا فاولا فِي مطلب قوانين المملكة الْمُقْتَضى وَضعهَا وتنظيمها فِي صُورَة تتكفل بامنية الْعُمُوم وثقتهم يَنْبَغِي ان يبتدأ بهَا من هَذِه النقطة المهمة وَهِي ان يَتَرَتَّب مجْلِس عمومي تكون افعاله وآثاره مستوجبة لثقة الْعُمُوم واعتمادهم وَيكون مُوَافقا لقابلية مملكتنا واخلاق اهلها كافلا بالتمام تَأْمِين اجراء القوانين حرفا فحرف سَوَاء اكانت القوانين الْمَوْجُودَة اَوْ الَّتِي تتأسس
стр. 539
من الْآن فَصَاعِدا تَوْفِيقًا لاحكام الشَّرْع الشريف المقدسة وَلما هُوَ بِالْحَقِيقَةِ ضَرُورِيّ ومشروع لمملكتنا وملتنا وناظرا فِي موازنة واردات الدولة ومصاريفها فليبحث الوكلاء فِي هَذَا الْمطلب ويتذاكروا فِيهِ بتدقيق وَتَأمل ويعرضوا قرارهم لدينا ويستأذنوا عَنهُ ثمَّ لما كَانَت مَسْأَلَة توديع المأموريات إِلَى غير اهلها من المأمورين وتبدلاتهم المتوالية من غير سَبَب مَشْرُوع هِيَ من جملَة الامور الباعثة على ايقاع جَرَيَان القوانين والنظامات كَمَا يَنْبَغِي فِي حيّز الاشكال وَهَذَا مِمَّا يَأْتِي بكبير الْمضرَّة ملكا ومصلحة فَيَنْبَغِي ان يتَعَيَّن من الْآن فَصَاعِدا مَسْلَك مَخْصُوص لكل نوع من الخدم والمأموريات وتتخذ قَاعِدَة ثَابِتَة ليستخدم بمقتضاها فِي كل عمل من يكون اهلا لَهُ وَلَا يعْزل اُحْدُ اَوْ يُبدل من ماموريته بِلَا مُوجب على وَجه ان تكون كَافَّة الوكلاء وماموري الدولة كبارًا وصغارا مسؤولين عَن الْوَظَائِف الموكولة لَهُم كل بِحَسب دَرَجَته وكما هُوَ مَعْلُوم لَدَى الْخَافِقين ان ترقيات ملل اوروبا المادية والمعنوية انما هِيَ حَاصِلَة بِقُوَّة الْفُنُون والمعارف وَلما كَانَ استعداد كَافَّة صنوف تبعتنا وَمَا فطروا عَلَيْهِ من الذكاء وَالْحَمْد لله يؤهلهم من كل وَجه للترقيات واهم مَا لدينا من الامور الاسراع بتعميم المعارف فاخص مَا نتمناه وَالْحَالة هَذِه ان يحصل الِاجْتِهَاد بابلاغ تخصيصات المعارف إِلَى الدرجَة الكافية حَسْبَمَا يساعد الامكان وان تستحصل الْوَسَائِل الموصلة لتعميم نشر اصول المعارف على الْفَوْر ويبادر عَاجلا لاصلاح الاصول الملكية والمالية والضبط فِي الولايات بِحَيْثُ تُوضَع ضمن دَائِرَة الانتظام فِي صُورَة مُنَاسبَة للقاعدة الَّتِي تتَّخذ فِي المركز وَحَيْثُ ان الْحَادِثَة الَّتِي ظَهرت فِي الْعَام الْمَاضِي فِي اطراف هرسك وبوسنه باغراء ارباب الاغراض قد انْضَمَّ لَهَا ايضا مَسْأَلَة عصيان الصرب وَالدَّم المهرق من الطَّرفَيْنِ انما هُوَ دم اولاد وَطن وَاحِد وَكَانَ دوَام هَذِه الْحَال الَّتِي يرثى لَهَا مُوجبا لكدرنا وتأثرنا الشَّديد يلْزم التشبث بالتدابير المؤثرة المفضية لاستئصالها وَفِيمَا نؤيد مجددا كَافَّة احكام المعاهدات المنعقدة مَعَ الدول المتحابة نؤثر رعايتها على الْوَجْه الْحسن فَيَنْبَغِي المثابرة بِالِاجْتِهَادِ على ازدياد روابط الْحبّ والمسالمة المتبادلين بَيْننَا وَبَين الدول ونسأل حَضْرَة الرب المتعال ان يقرن مساعينا جَمِيعًا بتوفيقاته السبحانية فِي كَافَّة الاحوال امين فِي يَوْم الاحد ٢١ شعْبَان سنة ١٢٩٣
стр. 540
ثمَّ اصغى لمشورة نبهاء وزرائه الميالين لمنح الدولة العثمانية نظاما دستوريا شورويا يحفظ لجَمِيع رعايا الدولة حُقُوقهم وَيكون بِمَثَابَة رابطة بَين جَمِيع الشعوب والملل المكونة مِنْهَا الممالك العثمانية فَيكون الْجَمِيع سَوَاء فِي الْحُقُوق والواجبات وَتبطل بذلك المنافسات والضغائن الجنسية العرقية والدينية لاشتراك الْجَمِيع فِي نظر شؤون الدولة وَوضع القوانين الملائمة لحالة الاهالي ودرجة ارتقائهم فِي سلم المدنية والعمران ويتنبه كل مِنْهُم إِلَى الدسائس الاجنبية وَلَفظ الخائنين من بَينهم لفظ النواة
ولهذه الدَّوَاعِي اصدر حفظه الله ارادة سنية بِمُوجب قَرَار سَائِر الوكلاء النظار فِي ٥ شَوَّال سنة ١٢٩٣ ٢٤ اكتوبر سنة ١٨٧٦ بتنظيم مجْلِس عمومي برلمان يكون من مجلسين احدهما ينتخب الاهالي اعضاءه وَيُسمى مجْلِس المبعوثان وَالْآخر تعين اعضاؤه من طرف الدولة وَيُسمى مجْلِس الاعيان
وَقد ازْدَادَ تعلق جلالة السُّلْطَان الاعظم بتأييد النظامات الجديدة الشوروية ووثق الاهالي ببلوغ امانيهم وَلم شعث الامم الْمُخْتَلفَة وايجاد امة وَاحِدَة عثمانية تكون كَرجل وَاحِد امام الْعَدو وحاجزا حصينا ضد تدخل الدول بِحجَّة اصلاح احوال الشعوب المسيحية بِمَا ان كل شعب يسن لَهُ بِمَعْرِِفَة النواب عَن الْجَمِيع قوانين تلائم احواله المذهبية ويعيش الْكل فِي رَاحَة بَال ورغد عَيْش ثمَّ لما استعفى مُحَمَّد رشيد باشا من منصب الصدارة بِسَبَب تقدمه فِي السن ووهن قواه عَن مزاولة الاعمال فِي هَذِه الظروف المهمة وجهت الصدارة إِلَى احْمَد مدحت باشا اول الْقَائِلين بِهَذِهِ الاصلاحات فِي ٤ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٩٣ ٢١ دسمبر سنة ١٨٧٦ وَبعد تَعْيِينه باربعة ايام صدر اليه فرمان سلطاني مرفق مَعَه القانون الاساسي للدولة مُشْتَمل على مائَة وتسع عشرَة مَادَّة يامره بنشر هَذَا القانون فِي جَمِيع أنحاء الدولة ومباشرة الْعَمَل بأحكامه من يَوْم نشره وأعلن القانون الاساسي بالاستانة وَقُرِئَ فِي مجمع حافل فِي يَوْم ٢٣ دسمبر سنة ١٨٧٦ واطلقت المدافع من جَمِيع القلاع والمراكب استبشارا وَهُوَ قانون قد جمع فاوعى اهم مَا بِهِ انه ضمن لجَمِيع رعايا الدولة الْحُرِّيَّة والمساواة امام القانون واباح حريَّة التَّعْلِيم مَعَ جعله اجباريا على جَمِيع
стр. 541
العثمانيين وحرية المطبوعات وَبَين اختصاصات مجلسي المبعوثان والاعيان وَكَيْفِيَّة الانتخاب وَمن يجوز ان ينتخب اَوْ ينتخب وان جَمِيع الرعايا يُطلق عَلَيْهِم اسْم عثماني وَمن هُوَ ذَاك العثماني وان الدّين الرسمي هوة دين الاسلام واللغة الرسمية اللُّغَة التركية وان الدولة جسم وَاحِد لَا يُمكن تفريقه اَوْ تجزيئه وَمِمَّا فِيهِ ايضا ابطال المصادرة فِي الاموال على الْعُمُوم والتعذيب فِي التَّحْقِيق والسخرة على وَجه الْعُمُوم وَوضع ميزانية سنوية تعرض على هَيْئَة المبعوثان ثمَّ الاعيان وَإِذا اقر كِلَاهُمَا عَلَيْهَا تكون وَاجِبَة الاجراء وَعدم جَوَاز عزل الْقُضَاة الا بِسَبَب شَرْعِي وَكَيْفِيَّة نظام الولايات وحدود المأمورين الخ مِمَّا يطول ذكره هُنَا وهاك صُورَة الْخط الشريف الهمايوني الصَّادِر بتنفيذ القانون الاساسي
وزيري سمير الْمَعَالِي مدحت باشا
ان التدنيات الْعَارِضَة مُنْذُ ازمان على قُوَّة دولتنا الْعلية قد نشأت من الانحراف عَن الطَّرِيق المستقيمة فِي ادارة الامور الداخلية اكثر مِمَّا نَشأ من الغوائل الخارجية وَمن ميل الاسباب الكافلة امنية التبعة من حكومتهم المتبوعة إِلَى الانحطاط فَلِذَا كَانَ وَالِدي الْمَاجِد المرحوم عبد الْمجِيد خَان اعلن مُقَدّمَة للاصلاحات خطّ التنظيمات الَّذِي منح فِيهِ للْعُمُوم الامن على نُفُوسهم واموالهم واعراضهم وناموسهم كَمَا يُوَافق احكام الشَّرْع الشريف المقدسة فَمَا عشناه إِلَى الْآن ضمن دَائِرَة الامن وَمَا وفقنا بِهِ الْيَوْم بِوَضْع واعلان هَذَا القانون الاساسي الَّذِي هُوَ ثَمَرَة الآراء والافكار المتداولة بِالْحُرِّيَّةِ المستندة على تِلْكَ الامنية مَا هُوَ الا من جملَة آثَار تِلْكَ التنظيمات الْخَيْرِيَّة فَلذَلِك ارْدُدْ خَاصَّة فِي هَذَا الْيَوْم المسعود اسْم المرحوم الْمشَار اليه وموفقيته بعنوان محيي الدولة وَلَا ريب بانه لَو كَانَ الاوان الَّذِي تأسست فِيهِ التنظيمات الْمَذْكُورَة مُوَافقا لاستعداد زَمَاننَا هَذَا والجاآته لَكَانَ المرحوم الْمشَار اليه اسس اذ ذَاك احكام هَذَا القانون الاساسي الَّذِي نشرناه الْآن واجراه وَلَكِن جناب الْحق علق حُصُول هَذِه النتيجة المسعودة الكافلة باتمام سَعَادَة حَال ملتنا لعهد سلطنتنا فنقدم بِنَاء على هَذِه الدّلَالَة لجناب الرب الْكَرِيم الْحَمد وَالشُّكْر الْعَظِيم على ان التغييرات الَّتِي وَقعت بالطبع فِي احوال داخلية دولتنا الْعلية والتوسعات الَّتِي حصلت فِي مناسباتها الخارجية اوصلت عدم كفاءة شكل ادارة الْحُكُومَة
стр. 542
لدرجة البداهة وَلما كَانَ اقصى مقاصدنا الْخَيْرِيَّة ازالة الاسباب الْمَانِعَة للآن الاستفادة الْوَاجِبَة من ثروة ملكنا وملتنا الطبيعية وَمن قابليتها الفطرية وَتقدم صنوف التبعة فِي طرق الترقي بالتعاون والاتحاد اقْتضى لاجل الْوُصُول إِلَى هَذَا الْمَقْصد ان تتَّخذ الْحُكُومَة قَاعِدَة سَالِمَة ومنتظمة وَهَذَا ايضا يتَوَقَّف على تامين هَذِه الْفَوَائِد وتقريرها بِمَعْنى ان قُوَّة الْحُكُومَة تحافظ على حُقُوقهَا المقبولة والمشروعة وعَلى منع الحركات غير الْمَشْرُوعَة اعني بهَا منع ومحو الخطيئات وَسُوء الاستعمالات المتولدة من الحكم الاستبدادي الفردي اَوْ الافراد القلائل ليستفيد جَمِيع الاقوام المركبة هيئتنا مِنْهُم نعْمَة الْحُرِّيَّة وَالْعَدَالَة والمساواة بِلَا اسْتثِْنَاء وَذَلِكَ حق وَمَنْفَعَة حريان بالهيئة الاجتماعية المدنية
وَلما كَانَ ربط القوانين والمصالح العمومية بقاعدتي المشورة والمشروطية المشروعتين وَالثَّابِت خيرهما مِمَّا تحْتَاج اليه هَذِه الاصول اوعزنا فِي خطنا الَّذِي اذعنا بِهِ جلوسنا لُزُوم تَرْتِيب مجْلِس عمومي وَبِمَا ان القانون الاساسي اقْتضى بتنظيمه فِي هَذَا الْمطلب قد ترَتّب بالمذاكرة فِي الجمعية الْمَخْصُوصَة الَّتِي تعيّنت مركبة من متخيري الوزراء وصدور الْعلمَاء وَمن سَائِر رجال وماموري دولتنا الْعلية وَجرى عَلَيْهِ التَّصْدِيق فِي مجْلِس وكلائنا بعد امعان نظر التدقيق وَكَانَت الْموَاد المندرجة فِيهِ انما هِيَ مُتَعَلقَة بِحُقُوق الخلاقة الاسلامية الْكُبْرَى والسلطنة العثمانية الْعُظْمَى وحرية العثمانيين ومساواتهم وصلاحية الوكلاء والمامورين ومسؤوليتهم وَبِمَا للمجلس العمومي من حق الْوُقُوف وباستقلال المحاكم الْكَامِل وبصحة الموازنة الْمَالِيَّة وبالمحافظة على مَرْكَز الْحُقُوق فِي ادارة الولايات واتخاذ اصول توسيع الماونية وَكَانَ جَمِيع مَا ذكر مطابقا لاحكام الشَّرْع الشريف ولاحتياج الْملك وَالْملَّة وقابليتهما فِي يَوْمنَا هَذَا وَكَانَت اخص آمالنا فِي طلب سَعَادَة الْعَامَّة وترقياتها مساعدة لهَذَا الْفِكر الخيري وموافقة لَهُ فاستنادا على عون الله وامداد روحانية جناب رَسُول الله قد قبلنَا هَذَا القانون الاساسي وارسلنا بِهِ لطرفكم بعد ان صادقنا عَلَيْهِ فبادروا لاعلانه فِي جَمِيع انحاء الممالك العثمانية واطرافها ليَكُون
стр. 543
دستورا للْعَمَل إِلَى ماشاء الله وباشروا باجراء احكامه مُنْذُ الْيَوْم متخذين اسرع التدابير لتنظيم مَا تقرر فِيهِ وتسطر من النظامات والقوانين كَمَا هُوَ مطلوبنا الْقطعِي ونسأل جناب الْحق المتعال ان يَجْعَل مساعي الْمُجْتَهدين فِي سَعَادَة حَال ملكنا وملتنا مظْهرا للتوفيق فِي كل الاعمال
تحريرا فِي ٧ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٩٣ ٢٤ دسمبر ١٨٧٦
لَكِن لم ير احْمَد مدحت باشا هَذِه الْهَيْئَة الشوروية الَّتِي بذل جهده لمنحها الْبِلَاد فانه عزل من منصب الصدارة فِي ٢١ محرم سنة ١٢٩٤ ٥ فبراير سنة ١٨٧٧ اعني بعد تَعْيِينه بَاقِل من شَهْرَيْن وَنفي خَارج الممالك المحروسة بِنَاء على مَا القي فِي حَقه من الدسائس لَدَى جلالة السُّلْطَان الاعظم من انه يود ارجاع السُّلْطَان مُرَاد إِلَى عرش الْخلَافَة الْعُظْمَى بِدَعْوَى ان عَزله كَانَ على غير وَجه شَرْعِي وانه حَافظ لقواه الْعَقْلِيَّة لَا يمنعهُ مَانع عَن الْقيام بمهام الدولة وعزى اليه ايضا انه يسْعَى فِي فصل السلطة الدِّينِيَّة عَن السلطة الدُّنْيَوِيَّة أَي الْخلَافَة الاسلامية عَن السلطنة العثمانية بِحَيْثُ لَا يكون السُّلْطَان خَليفَة جَمِيع الْمُسلمين فِي المعمورة بل يكون سُلْطَانا على الامة العثمانية لَيْسَ الا وَبني نَفْيه بِنَاء على الْمَادَّة ١١٣ من القانون الاساسي الَّتِي جَاءَ فِي آخرهَا بعد التَّكَلُّم على اعلان الادارة الْعُرْفِيَّة أَي تَعْطِيل القوانين والنظامات الملكية مؤقتا فِي كل جِهَة ظَهرت فِيهَا امارات الاختلال والعبث بالامن الْعَام مَا نَصه وَمن ثَبت عَلَيْهِم بتحقيقات ادارة الضابطة الموثوقة انهم اخلوا بامنية الْحُكُومَة يكون اخراجهم من الممالك المحروسة وتبعيدهم عَنْهَا منحصرا بيد اقتدار الحضرة السُّلْطَانِيَّة ثمَّ وجهت الصدارة إِلَى مُحَمَّد ادهم باشا مَعَ تَغْيِير وتبديل فِي اغلب الوكلاء وارباب الْوَظَائِف المهمة
البرلمان العثماني الاول
وَفِي ٤ ربيع الاول سنة ١٢٩٤ ١٩ مارس سنة ١٨٧٧ فتح البرلمان العثماني الاول فِي سراي بشكطاش وَعند افتتاحه تليت خطْبَة انيقة عَن لِسَان جلالة السُّلْطَان وبحضوره شرحت فِيهَا جَمِيع الاسباب الَّتِي ادت إِلَى انحطاط الدولة وتأخرها سلميا وسياسيا وَبعد تشخيص الدَّاء بَين فِيهَا الدَّوَاء وَمَا يلْزم للملكة من الاصلاحات
стр. 544
وَنشر التَّعْلِيم والمساواة بَين الْجَمِيع وَالْعدْل فِي الاحكام ولاهميتها فِي بَابهَا وَجَمعهَا كل مَا يُمكن ان يُقَال فِي مثل هَذَا الْحَال اتينا على درجها هُنَا وَقد صدق من قَالَ ان كَلَام الْمُلُوك مُلُوك الْكَلَام وَهَا هِيَ
يَا ايها الاعيان والمبعوثان
انني ابث الممنونية بافتتاح الْمجْلس العمومي الَّذِي اجْتمع الْمرة الاولى فِي دولتنا الْعلية وجميعكم تعلمُونَ ان ترقي شَوْكَة واقتدار الدول والملل انما هُوَ قَائِم بِوَاسِطَة الْعَدَالَة حَتَّى ان مَا انْتَشَر فِي الْعَالم من قُوَّة دولتنا الْعلية وقدرتها فِي اوائل ظُهُورهَا كَانَ من مُرَاعَاة الْعدْل فِي امْر الْحُكُومَة ومراعاة حق وَمَنْفَعَة كل صنف من صنوف التبعة وَقد عرف النَّاس اجْمَعْ تِلْكَ المساعدات الَّتِي ابداها اُحْدُ اجدادنا الْعِظَام المرحوم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الفاتح فِي مطلب حريَّة الدّين وَالْمذهب وكافة اسلافنا الْعِظَام ايضا قد سلكوا على هَذَا الاثر فَلم يَقع فِي هَذَا الْمطلب خلل بِوَقْت من الاوقات وَغير مُنكر ان الْمُحَافظَة مُنْذُ سِتّمائَة عَام على السّنة صنوف تبعتنا ومليتهم ومذاهبهم كَانَت النتيجة الطبيعية لهَذِهِ الْقَضِيَّة العادلة وَالْحَاصِل بَيْنَمَا كَانَت ثروة الدولة وَالْملَّة وسعادتهما صاعدتين فِي دَرَجَة الترقي فِي تِلْكَ الاعصار والازمان بِظِل حماية الْعَدَالَة ووقاية القوانين اخذنا بالانحطاط تدريجيا بِسَبَب قلَّة الانقياد للشَّرْع الشريف والقوانين الْمَوْضُوعَة وتبدلت تِلْكَ الْقُوَّة بالضعف وقصارى الامر ان المرحوم وَالِدي الاكبر السُّلْطَان مَحْمُود خَان ازال عدم الانتظام الَّذِي هُوَ الْعلَّة الْكُبْرَى للانحطاط الَّذِي طَرَأَ مُنْذُ اعصار على دولتنا وَرفع من الْوُجُود عائلة الانكشارية المتولدة مِنْهُ وَقلع شوك الْفساد والاختلال الَّذِي مزق جسم الدولة وَالْملَّة وَكَانَ هُوَ السَّابِق لفتح بَاب ادخال مَدَنِيَّة اوروبا الْحَاضِرَة إِلَى ملكنا وَهَكَذَا وَالِدي الْمَاجِد المرحوم عبد الْمجِيد خَان قد اقتفى هَذَا الاثر فاعلن اساس التنظيمات الْخَيْرِيَّة المتكفلة بالمحافظة على نفوس اهالينا واموالهم واعراضهم وناموسهم ومنذ ذَلِك الْيَوْم اتسعت تِجَارَة ممالكنا وزراعتهاوزادت واردات دولتنا اضعافا فِي امد قَلِيل وَمن ثمَّ وضعت القوانين والنظامات الَّتِي هِيَ مدَار لما يعوزنا من الاصلاحات واخذ تَحْصِيل المعارف والفنون بالامتداد وبينما شب فِي دولتنا
стр. 545
امل النجاح بِنَاء على هَذِه الْمُقدمَات الْحَسَنَة وَلَا سِيمَا بِنَاء على الامنية الداخلية ظَهرت حَرْب القريم فَكَانَ ظُهُورهَا مَانِعا لدوام المساعي بتنظيم احوال الْملك والتبعة وَمَعَ ان خزينة دولتنا كَانَت حَتَّى ذَلِك الْوَقْت غير مديونة للْخَارِج بقرش وَاحِد اضطررنا للاستقراض الْخَارِجِي دفعا للاحتياج والضرورة فَتعذر وَالْحَالة هَذِه تقَابل وارداتنا مَعَ مصاريف الْحَرْب المبرمة وَبِهَذَا السَّبَب فتح بَاب الدّين نعم انه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِوَاسِطَة اتِّفَاق الدول المفخمة الَّتِي صادقت على مَشْرُوعِيَّة حقوقنا وبانضمام معاوناتها الْكَامِلَة الفعلية الَّتِي لَا تَبْرَح مدى الدَّهْر زِينَة لصحائف التواريخ قد انتجت الْحَرْب تِلْكَ الْمُصَالحَة الَّتِي وضعت تَمام ملكية دولتنا واستقلالها تَحت ضَمَان دوَل اوروبا العهدي وَغلب على الظَّن ان هَذِه الْمُصَالحَة قد مهدت لمستقبلنا زَمَانا مساعدا على وضع اعمالنا الداخلية فِي طريقها وسلوك جادة الترقي الْحَقِيقِيّ انما الاحوال المتعاقبة ساقتنا بكليتنا إِلَى عكس ذَلِك الِانْتِظَار والامل ان توالي الْحَوَادِث الداخلية المتتابعة الظُّهُور بمفاعيل التحريكات والتسويلات لم تخولنا وقتا للنَّظَر فِي اصلاحات ملكنا وتنظيماته بل اوقعت زراعتنا وتجارتنا فِي وقُوف عَظِيم لاضطرارنا فِي كل عَام لجمع معسكرات فَوق الْعَادة فِي انحاء مُخْتَلفَة وَوضع الصِّنْف الاكثر نفعا من اهالينا تَحت السِّلَاح وامر مُسلم وَمَعْلُوم انه مَعَ كل مَا صادفنا من المشاكل والموانع قد قَطعنَا ماديا وادبيا مَسَافَة كُلية فِي سَبِيل النجاح وتزايد وارداتنا على التوالي مُنْذُ عشْرين عَاما دَلِيل على ترقي المملكة وازدياد رفاهية حَال الاهالي ثمَّ وان كَانَت المضايقة الْحَاضِرَة قد تولدت من الاحوال الَّتِي عددناها فَمَعَ هَذَا كَانَ مُمكنا تَخْفيف غائلة الضَّرُورَة وَحفظ الِاعْتِبَار المالي لوسلكنا فِي الادارة الْمَالِيَّة طَرِيقا قويما بيد انه كل مَا اتخذ من التَّدْبِير المالي فِي صُورَة الاصلاحات لم يصلح الْحَال وانما زَاد الْعَمَل اثقالا وَقد طلبت الاستفادة من الْحَال قبل التفكر مَاذَا يكون الِاسْتِقْبَال فدوام هَذِه الغوائل وتعاقبها من الْجِهَة الْوَاحِدَة ومداركة وانشاء الادوات والاسلحة الجديدة الحربية الَّتِي هِيَ اعظم اسباب شَوْكَة دولتنا واقتدارها وَعدم وضع وارداتنا ومصاريفنا تَحت موازنة اقتصادية من الْجِهَة
стр. 546
الاخرى افضتا إِلَى انْتِقَاض ادارتنا الْمَالِيَّة دَرَجَة فدرجة فانتجت مَا نَحن فِيهِ الْآن من المضايقة الخارقة للْعَادَة واعقب ذَلِك ظُهُور وقوعات هرسك المنبعثة من اثر الْفساد والتحريك الَّتِي تجسمت اخيرا ثمَّ افتتحت بَغْتَة محاربات بِلَاد الصرب والجبل الاسود وَظَهَرت فِي عَالم السياسة ايضا فتن واختلالات كَبِيرَة وَفِي ذَلِك الزَّمَان الَّذِي فِيهِ تهورت دولتنا فِي بحران عَظِيم وَقع جلوسنا بارادة جناب الْحق الازلية على تخت اجدادنا الْعِظَام وَلما كَانَت دَرَجَة المخاطر والمشكلات الَّتِي حاقت باحوالنا العمومية غير قَابِلَة الْقيَاس مَعَ مَا تقدمها من الغوائل الَّتِي تهورت بهَا دولتنا حَتَّى الْآن قد اضطررت لاجل الْمُحَافظَة قبل كل شَيْء على حقوقنا ان ازيد معسكراتنا فِي جَمِيع الْجِهَات حَتَّى وضعت تَحت السِّلَاح نَحْو سِتّمائَة الف عسكري لاعتقادي بِأَن ملاشاة هَذِه الاختباطات بِالْكُلِّيَّةِ واستئصالها بعون الله تَعَالَى والتفتيش على طَريقَة لاصلاحات مهمة فِي دولتنا نضع بواسطتها مستقبلنا تَحت الامنية المتمادية انما هُوَ فرض على ذِمَّتِي وامر وَاضح بانه إِذا نهجنا فِي الادارة سَبِيلا حسنا ستتقدم باقرب وَقت تقدما كَبِيرا فِي النجاح بِحَسب القابلية الَّتِي احسن بهَا الْحق تَعَالَى على ملكنا وبحسب الاستعداد المتصفة بِهِ اهالينا وامر مُحَقّق ان تأخرنا عَن اللحوق والترقيات الْحَاضِرَة فِي عَالم المدنية كَانَ لاهمالنا المداومة على الاصلاحات الْمُحْتَاج ملكنا اليها وَلعدم المثابرة على القوانين والنظامات الْمُتَعَلّقَة بهَا ومنشأ ذَلِك لَيْسَ هُوَ الا صُدُور هَذِه الاشياء من يَد الْحُكُومَة الاستبدادية بِدُونِ استناد على قَاعِدَة المشورة وَالْحَال ان ترقي الدول المتمدنة ونجاحها وامنية الممالك وعمرانها انما هُوَ ثَمَرَة تأسيس مصالحها وقوانينها العمومية بالِاتِّفَاقِ واجماع الآراء كَمَا هُوَ مُسلم فبناء عَلَيْهِ رَأَيْت ان تحري اسباب الترقي فِي هَذِه الطَّرِيق واستناد قوانين المملكة على الآراء العمومية هُوَ الزم مَا لدينا فَلِذَا قد اعلنت القانون الاساسي اما مقصدنا من تأسيسه فَلَيْسَ هُوَ عبارَة عَن دَعْوَة الاهالي للحضور فِي رُؤْيَة الْمصَالح العمومية وانما بالاحرى
стр. 547
لاعتقادنا الْقطعِي بِأَن هَذِه الاصول هِيَ وَسِيلَة مُسْتَقلَّة لاصلاح ادارة ممالكنا ومحو سوء الاستعمالات واستئصال قَاعِدَة الاستبداد وفضلا عَمَّا فِي هَذَا القانون الاساسي من الْفَوَائِد الاصلية فَهُوَ كَذَلِك مهد لاساس حُصُول الِاتِّحَاد والاخوة بَين الانام وجامع لمقصد تاسيس امْر الائتلاف والسعادة بَين الْخَاص وَالْعَام اما اجدادنا الْعِظَام فَفِي الفتوحات الَّتِي وفقوا اليها قد جمعُوا تَحت حكومتهم فِي هَذِه الدولة الوسيعة الممالك اقواما عديدة فَلم يبْق سوى امْر وَاحِد فَقَط وَهُوَ ربط هَذِه الاقوام الْمُخْتَلفَة اخْتِلَافا كليا فِي الاديان والاجناس بقانون مُفْرد وَحسن مُشْتَرك وَحَيْثُ قد تيَسّر الْآن هَذَا الامر بعون جناب الْحق الَّذِي لَا نِهَايَة لالطافه ومقدرته الالهية فَيَقْتَضِي إِذا من الْآن فَصَاعِدا ان تكون كَافَّة تبعتنا اولاد وَطن وَاحِد يعيشون باجمعهم تَحت جنَاح حماية قانون وَاحِد وينعتون بالعنوان الْمَخْصُوص مُنْذُ مَا ينيف عَن سِتّمائَة سنة لاهل بَيت سلطنتنا السّنيَّة المسطر كثير من آنار شوكتهم فِي صحف تواريخ الْبَريَّة مؤملا ان الِاسْم العثماني الَّذِي مَا برح حَتَّى الْآن علم الْقُوَّة والاقتدار المشتهر يكون من بعد الْآن شَامِلًا لدوام الْمَنَافِع الْمُخْتَلفَة الْمَوْجُودَة بَين جَمِيع تبعتنا وحفظها وَحَيْثُ انني بِنَاء على مَا ذكر من الاسباب والمقاصد قد عزمت عزما ثَابتا على ان انهج السَّبِيل الَّذِي سلكته وَلَا آلو جهدا فِي توطيده وتشييده فاترقب مِنْكُم إِذا المعاونة فعلا وعقلا للاستفادة من مَشْرُوع القانون الاساسي الَّذِي بني على قاعدتي الْعدْل والسلامة والمفروض عَلَيْكُم إِذا الْقيام بأعباء الْوَظَائِف القانونية المحولة لعهدتكم وحميتكم بصداقة واستقامة بِدُونِ احْتِرَاز من أحد غير ملتفتين إِلَى شَيْء آخر سوى سَلامَة دولتنا ومملكتنا وسعادتهما لَان مَا يعوزنا الْيَوْم من الاصلاحات وَمَا يترقب الْجَمِيع اتِّخَاذه فِي ملكنا من التنظيمات هُوَ فِي غَايَة الاهمية والاعتناء وَبِمَا ان وضع ذَلِك على الْفَوْر فِي موقع الاجراء مَرْهُون على اتفاقكم بالافكار والآراء فَلِذَا شُورَى الدولة مثابر الْآن على تنظيم لوائح القوانين اللَّازِمَة لكَي تتحول فِي اجتماعكم فِي هَذِه السّنة إِلَى مجلسكم لاجل المذاكرة
стр. 548
وَهِي لائحة نظامات داخلية مجلسكم ولوائح قانون الانتخاب وقانون الولايات وادارة النواحي العمومي وقانون الدَّوَائِر البلدية وقوانين اصول المحاكمات المدنية وترتيب المحاكم وَصُورَة ترقي الْحُكَّام وتقاعدهم ووظائف عُمُوم المامورين وَحقّ تقاعدهم وقوانين المطبوعات وديوان المحاسبات ولائحة قانون ميزانية السّنة السَّابِقَة فمطلوبنا الْقطعِي وَالْحَالة هَذِه مطالعة هَذِه القوانين بالتتابع والمذاكرة عَلَيْهَا واعطاء قراراتها وكما ان النّظر عَاجلا فِي اصلاحات وتنظيمات المحاكم والعساكر الضبطية اللَّتَيْنِ هما الْوَاسِطَة المستقلة لتأمين حُقُوق الْعُمُوم من اهم مَا يلْزم فَوضع ذَلِك فِي موقع الاجراء ايضا مُتَوَقف على توسيع مخصصاتهما المقررة وتزييدها وَمن حَيْثُ ان ادارتنا الْمَالِيَّة قد امست عرضة للعسر والمشاكل الْكَثِيرَة حَسْبَمَا يَتَّضِح لديكم من الميزانية المعطاة إِلَى مجلسكم فاوصيكم ان تسعوا مهتمين بالِاتِّفَاقِ لتعيين التدابير الَّتِي تهدينا قبل كل شَيْء إِلَى التَّخَلُّص من هَذِه المشاكل والى وَسَائِل اعادة اعْتِبَار ماليتنا وَمن ثمَّ لتعيين تِلْكَ التخصيصات الَّتِي تخرج هَذِه الاصلاحات المستعجلة إِلَى الْفِعْل وَلما كَانَ ترقي الزِّرَاعَة والصناعة اللَّتَيْنِ هما من اعظم الاصلاحات والاحتياجات فِي ملكنا وتبعتنا وايصال المدنية والثروة إِلَى دَرَجَة الْكَمَال مَوْقُوفا على قُوَّة المعارف والعلوم فستعطى بمنه تَعَالَى إِلَى مجلسكم فِي اجْتِمَاع السّنة الْآتِيَة لوائح القوانين الْمُتَعَلّقَة باصلاح الْمكَاتب وبتنظيم دَرَجَات لتَحْصِيل وَبِمَا ان حُصُول تأثيرات احكام القوانين على الْوَجْه الاتم سَوَاء اكانت القوانين الْمَذْكُورَة اعلاه اَوْ القوانين الَّتِي تُوضَع من الْآن فَصَاعِدا فِي موقع الاجراء يتَوَقَّف على وضع اقضية انتخاب ماموري الادارة تَحت اهمية عَظِيمَة فهيئة دولتنا ستمعن نظر التدقيق الْمَخْصُوص فِي هَذَا الْمطلب وَفِي مطلب صُورَة مُكَافَأَة وحماية المأمورين المتصفين بالعفة والاستقامة اللَّتَيْنِ ضمنهما القانون الاساسي وَحَيْثُ كَانَت قَضِيَّة انتخاب المامورين ذَات بَال واهمية لدينا اعتمدنا على تأسيس مكتب مَخْصُوص تكون مصاريفه من خزينتنا الْخَاصَّة لمقصد الْحُصُول على مامورين جديرين بالادارة العمومية على وَجه ان تلامذته تقبل فِي ماموريات الادارة والسياسة
стр. 549
حَتَّى الدرجَة الْعليا وَيدخل اليه من كل صنوف تبعتنا بِدُونِ اسْتثِْنَاء مذهبي وترقيهم يكون بِحَسب دَرَجَة اهليتهم كَمَا يَتَّضِح من نظامه الاساسي الْمُعْلن قبلا وَقد وَقع لدينا موقع التَّقْدِير والتحسين فِي صُورَة خارقة للْعَادَة مَا ابدته عُمُوم تبعتنا الصادقة من آثَار الحمية وَمَا تحملته جنودنا من انواع المتاعب والمشاق المشفوعة بالغيرة والبسالة فِي اثناء الغوائل الداخلية الَّتِي تهورنا بهَا مُنْذُ عَاميْنِ تَقْرِيبًا وَلَا سِيمَا فِي اثناء الْحَرْب مَعَ الصرب والجبل الاسود على ان تشبثاتنا الْمُجَرَّدَة لمحافظة حقوقنا فِي هَذِه الْحَوَادِث قد انتجت استحصال قَرَار مصلحَة الصرب والمذاكرات الْجَارِيَة مَعَ الْجَبَل الاسود وسيتحول لمطالعتكم فِي اجْتِمَاع مجلسكم الْمرة الاولى مَا تتخذه من الْمُعَامَلَات بِنَاء على تِلْكَ المذكرات فاوصيكم إِذا بتعجيل قراراتها اما السلوك مَعَ الدول المتحابة بالصداقة وَالرِّعَايَة لما كَانَ من اهم الْمُعَامَلَات المالوفة والمعتنى بهَا لَدَى دولتنا فَلم نزل الْيَوْم حريصين على مُرَاعَاة هَذِه الْقَاعِدَة الودادية وَلما طلبت انكلترا مُنْذُ بضعَة شهور عقد مؤتمر فِي مقرّ سعادتنا لاجل الْمسَائِل الْحَاضِرَة وروجت كَافَّة الدول المعظمة ايضا اساسات هَذَا الطّلب والاقتراح وَافق بابنا العالي على عقده نعم انه لم يَأْتِ هَذَا الِاجْتِمَاع بِاتِّفَاق قَطْعِيّ وَلَكِن مَا تأخرنا عَن اثبات نوايانا الْخَالِصَة واظهارها باجراء ماثوراتهم ونصائحهم الْمُوَافقَة لاحكام معاهدات الدول ولقواعد الْملَل وحقوقها ولمقتضيات احوالنا وحقوقنا المبرمة اما اسباب عدم الِاتِّفَاق فَلم تكن فِي الاساس وانما بالاحرى كَانَت فِي صور الاجراءآت واشكالها لاستحساننا اساسيا لُزُوم ايصال الترقيات الْكُلية الَّتِي وَقعت مُنْذُ بداية التنظيمات حَتَّى الْآن فِي احوال مملكتنا العمومية وَفِي ادارة كل شُعْبَة من شعب دولتنا إِلَى حَال اكمل وَلم تزل مساعينا حَتَّى الْيَوْم مصروفة لهَذَا الْمَقْصد على ان وضيفتي التوقي من الاحوال الَّتِي تخل بشأن مملكتنا واستقلالها وَقد تركت اثبات صدق نيتي وسلامتها لَدَى الْجَمِيع إِلَى تمادي الايام وَالزَّمَان اما النتائج الَّتِي ولدتها هَذِه الْحَال فقد افضت بِي إِلَى زِيَادَة التأسف وزوالها سَرِيعا مِمَّا يكفل بِكَمَال ممنونيتي على ان مقصدنا فِي جَمِيع الاوقات مَقْصُور على دوَام السلوك فِي مَنْهَج الْمُحَافظَة على استقلالية حقوقنا وسيكون هَذَا المسلك مَرْكَز النّظر فِي تصرفاتنا الْآتِيَة واؤمل ان مآثر الِاعْتِدَال وَحسن النِّيَّة الَّتِي اظهرتهما دولتنا قبل انْعِقَاد المؤتمر وَبعده تتكفل
стр. 550
بمضاعفة حسن المعاشرة والمناسبات الودادية الرابطة سلطنتنا السّنيَّة بجمعية الدول الاوروباوية ونسأل حَضْرَة الْحق المتعال ان يَجْعَل مساعينا جَمِيعًا مظْهرا للتوفيق فِي كَافَّة الاحوال اهـ
стр. 551
حَرْب الروسيا وَبَيَان اسباب لائحة الكونت اندراسي
وَفِي اوائل سنة ١٨٧٥ هَاجَتْ الخواطر فِي بِلَاد الهرسك بِنَاء على تحريض مجاوريها من الصرب وسكان الْجَبَل الاسود طلبا للاستقلال الاداري مثل الامارتين المذكورتين وَرُبمَا كَانَ للنمسا يَد فِي هَذِه الْفِتْنَة اذ كَانَ مطمح انظارها الِاسْتِيلَاء على ولايتي البوسنة والهرسك مَعًا لمجاورتهما لبلادها فَقدم اهالي الهرسك اولا عريضة للباب العالي يطْلبُونَ تخفيض الضرائب الحالي عُمُوما وبدلية العسكرية
стр. 552
خُصُوصا وان يعدهم السُّلْطَان وَعدا صَرِيحًا بِعَدَمِ تَرْتِيب ضَرَائِب جَدِيدَة عَلَيْهِم فِي الْمُسْتَقْبل وان يشكل لبلادهم بوليس خصوصي جندرمة من اهالي الْبِلَاد فَلم يجبهم الْبَاب العالي لطلباتهم بل عززالحامية وَلما تظاهر الاهالي بالعصيان واشهروا السِّلَاح ضد عَسَاكِر الدولة اصدرت اوامرها بقمعهم فَوْرًا فاخمدت الثورة رغما عَن مساعدة الصرب والجبليين لَهُم سرا وعلنا وتعضيد جمعيات الصقالبة اياهم بِالْمَالِ السِّلَاح
وَفِي ١٢ دسمبر سنة ١٨٧٥ قَضَت المراحم السُّلْطَانِيَّة بتسكين خاطرهم فاصدر فرمانا بفصل السلطة القضائية عَن السلطة التنفيذية وَتَعْيِين قُضَاة من الاهالي بطرِيق الانتخاب وتوحيد الضرائب والمساواة فِيهَا بَين المسيحيين وَالْمُسْلِمين لَكِن ابت الدسائس الخارجية وَعصب الصقالبة الا اسْتِمْرَار الْقِتَال لاشتغال الدولة فِي الدَّاخِل واضعاف جيوشها فَلم يذعن الثائرون بل تَمَادَوْا فِي غيهم وطلبوا اول كل شَيْء انجلاء العساكر التركية عَن جَمِيع بِلَادهمْ كَمَا انجلت عَن بِلَاد الصرب وَاسْتمرّ الْقِتَال بَينهم وَبَين الْجنُود العثمانية الَّتِي كَانَ يَقُودهَا دولتلو الْغَازِي مُخْتَار باشا إِلَى النَّصْر حَتَّى لم يقو الثائرون على الْوُقُوف امامهم وَلما رات النمسا ان الثورة قد انطفأت اَوْ كَادَت وَلم يعد لَهَا سَبِيل للتدخل عسكريا تنفيذا لمآربها كَمَا سترى اوعز الكونت اندراسي وزيرها الاول إِلَى المانيا والروسيا بالاشتراك مَعهَا فِي تَحْرِير لائحة سياسية إِلَى الْبَاب العالي بتعضيد طلبات الثائرين
وَبعد تبادل المخابرات بَين هاته الدول اتّفق رأيها على تَحْرِير هَذِه اللائحة الْمُسَمَّاة فِي كتب السياسة بلائحة الكونت اندراسي لَكِن تقرر ان يكون ارسالها للدول الغربية اعني فرنسا وانكلترا لَا للباب العالي وارسلت لَهما فعلا مؤرخة ٣٠ دسمبر سنة ١٨٧٥ فطلبت الدولة الْعلية من انكلترا تبليغها الصُّورَة الْمُرْسلَة اليها لترى فِيهَا
стр. 553
رأيها فبلغتها اليها سفارة انكلترا فِي الاستانة بِصفة غير رسمية
واهم مَا جَاءَ بهَا ان الدول ترغب تشكيل قومسيون من اهالي الهرسك يكون نصفه من المسيحيين وَالْآخر من الْمُسلمين لمراقبة تَنْفِيذ مَا جَاءَ فِي الفرمان السلطاني المؤرخ ١٢ دسمبر السَّابِق ذكره وان يتعهد السُّلْطَان لجَمِيع الدول باجراء مَا ذكر فِي الفرمان الْمَذْكُور من الاصلاحات
وَبعد اطلَاع ارباب السياسة فِي الاستانة على هَذِه اللائحة ارتأى السُّلْطَان الْمُوَافقَة على مَا بهَا حسما للنزاع وَحَتَّى لَا يكون للدول سَبِيل للتدخل بِصفة اشد وَزِيَادَة على ذَلِك فقد اصدر الْخَلِيفَة الاعظم عفوا عَاما عَن جَمِيع المتهمين والمشتركين فِي هَذِه الثورة وَمن الْغَرِيب ان اهالي البوسنة والهرسك لم يقبلُوا هَذَا الْعَفو العمومي بل اصروا على طلب انجلاء الْجنُود الشاهانية عَن بِلَادهمْ اَوْ بالاقل يكون احتلالها قاصرا على بعض قلاع وحصون مُعينَة وان يملك ثلث الاراضي للمسيحيين وان يعفوا من الضرائب مُدَّة ثَلَاث سنوات وان تدفع لَهُم الْحُكُومَة العثمانية تعويضا عَمَّا هدم من الْبيُوت وَالْكَنَائِس اثناء الْحَرْب بِشَرْط ان يكون دفع هَذِه التعويضات للجنة اوروباوية
وعقب ذَلِك بِقَلِيل حدث بِمَدِينَة سلانيك حَادِثَة نَسَبهَا الاوروبيون إِلَى تعصب الاسلام الديني مَعَ ان منشأها تعصب المسيحيين ضد الْمُسلمين وتعرضهم للحرية الدِّينِيَّة الَّتِي يتظاهرون دَائِما بالدفاع عَنْهَا ايهاما وتغريرا لتَكون لَهُم حجَّة للتدخل فِي بِلَاد الشرق وتفريق الْكَلِمَة بَين الشرقيين فيسهل استيلاؤهم على بِلَادهمْ
حَادِثَة سلانيك ولائحة برلين
وتفصيل هَذِه الْحَادِثَة ان فتاة بلغارية مسيحية اعتنقت الدّين الحنيفي الاسلامي طَائِعَة مختارة واتت إِلَى سلانيك فِي ٥ مايو سنة ١٨٧٦ لاثبات اسلامها شرعا فتعرض لَهَا بعض اوباش الاروام فِي الطَّرِيق حِين توجهها إِلَى دَار الْحُكُومَة واختطفوها من ايدي المحافظين عَلَيْهَا بِالْقُوَّةِ واخفوها اولا فِي مَحل قنصلاتو امريكا ثمَّ فِي
стр. 554
اُحْدُ بيُوت كبرائهم وَلما اشْتهر هَذَا الْخَبَر بَين الْمُسلمين هاجوا وماجوا وتجمعوا فِي فسحة دَار الْحُكُومَة طَالِبين الْبَحْث عَن الْبِنْت وتخليصها من ايدي المخفين لَهَا فَوَعَدَهُمْ الْوَالِي باجراء شؤون وظيفته ثمَّ لما رأى الْمُسلمُونَ عدم نجاح بحث الْحُكُومَة تجمعُوا ثَانِيًا فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي اُحْدُ الْجَوَامِع مشددين النكير على الْحُكُومَة وَفِي اثناء هَذَا الْهياج حضر قنصلا فرنسا والمانيا وَيُقَال انهما دخلا الْجَامِع ولتواتر الاشاعة بِأَن الْبِنْت فِي بَيت قنصل المانيا ازْدَادَ الْهياج وَفِي اقل من الْقَلِيل بلغت الحدة مُنْتَهَاهَا من المجتمعين وتعدوا على القنصلين بِالْقَتْلِ
وَلما وصل خبر هَذِه الْحَادِثَة إِلَى الدول اضْطربَ وزراؤها وتبادلوا المخابرات البرقية للاتفاق على اتِّخَاذ سَبَب للتدخل
وَفِي ١١ مِنْهُ اجْتمع الْبُرْنُس غورشاكوف وَزِير الروسيا والكونت اندراسي وَزِير النمسا بالبرنس دي بسمارك بِمَدِينَة برلين واخذوا فِي المداولة مَعًا يومي ١١ و ١٢ مِنْهُ وَفِي ١٣ مِنْهُ حرروا لائحة إِلَى الْبَاب العالي مَعْرُوفَة فِي كتب السياسة بلائحة برلين وصدقت عَلَيْهَا دولتا ايتاليا وفرنسا مفادها التَّشْدِيد على الْبَاب العالي بتنفيذ مَا جَاءَ فِي الفرمان السلطاني المؤرخ ١٢ دسمبر سنة ١٨٧٥ وَتَعْيِين مجْلِس دولي لمراقبة تنفيذه واجراء كل مَا فِيهِ اصلاح حَال المسيحيين فِي هَذِه الولايات وَأَن تبرم الدولة مَعَ الثائرين هدنة قدرهَا شَهْرَان اَوْ سِتَّة اسابيع على الاقل للوصول إِلَى اتِّفَاق مرض لَهُم وانه ان لم تتفق مَعَ الثائرين فِي خلال هَذِه الْهُدْنَة تكون الدول الموقعة عَلَيْهَا مضطرة لاستعمال الْقُوَّة لاجبار الْبَاب العالي على تَنْفِيذ هَذِه اللائحة فَيرى فِي ذَلِك الْمطَالع ان الدول كَانَت متفقة على محاربة الدولة لتقسيم املاكها فِيمَا بَينهم اَوْ بالاقل سلخ جَمِيع الولايات الَّتِي بهَا مسيحيون اذ ان الدول المسيحية لَا يُمكنهَا ان تخفي تألمها من وجود بعض المسيحيين تَحت سلطة الْمُسلمين فَالْمَسْأَلَة اذن كَمَا ذكرنَا وكررنا سياسية دينية اَوْ بالحري دينية اكثر مِنْهَا سياسية
هَذَا اما الْبَاب العالي فَلم يقبل هَذِه الطلبات المجحفة بحقوقه على رعاياه وَلم يرعه هَذَا التهديد والوعيد لعلمه انه يبعد اتِّفَاق الدول على الْعَمَل لاخْتِلَاف اطماعها وَلعدم مُوَافقَة انكلترا على هَذِه اللائحة
стр. 555
ثورة البلغار وَجَوَاب اللورد دربي
لَا يخفى ان كثيرا من اعيان الروس واعضاء العائلة الملوكية بهَا شكلوا عدَّة جمعيات لنشر النّفُوذ الروسي بَين الطوائف الَّتِي تنْسب حَقِيقَة اوقولا إِلَى العنصر الصقالبي السلافي وَمن اكبر رؤسائها الجنرال اغناتيف الشهير وَقد بذلت هَذِه الجمعيات المعضدة من نفس الامبراطور والحكومة مساعيها لاثارة البوسنة والهرسك فنجحت كَمَا رَأَيْت وسترى وَكَانَ لَهَا عدَّة فروع فِي بِلَاد البلغار لتوزيع المَال وَالسِّلَاح سرا على المسيحيين من سكانها وتحريضهم على عصيان الدولة وَطلب الِاسْتِقْلَال وَلها ايضا مَرْكَز مُهِمّ فِي مَدِينَة ويانة عَاصِمَة النمسا كَانَت ترسل مِنْهَا الأسلحة وَغَيرهَا عَن طَرِيق رومانيا مِمَّا يثبت أَن للنمسا ضلعا فِي هَذِه الحركات العصيانية وبهذه المساعي الخبيثة الشيطانية كفر البلغاريون نعْمَة الدولة عَلَيْهِم الَّتِي لم تتصد لَهُم فِي بادئ الامر بتغيير دينهم اَوْ اماتة لغتهم بل ساعدتهم بِعَدَمِ تعرضها لَهُم على حفظ جنسيتهم قوميتهم وَقَامُوا يطالبون بالاستقلال بِنَاء على ايعاز ارباب الدسائس من الاجانب وَحَيْثُ كَانَت الدولة انزلت بِبِلَاد البلغار بعض عائلات الجركس الْمُهَاجِرين هربا من حُكُومَة الروسيا والاحتماء تَحت ظلّ جلالة الْخَلِيفَة الاعظم فقد افهم المهيجون البلغاريين ان الدولة تبغي اقطاع اراضيهم لهَؤُلَاء الجراكسة واسبتعاد المسيحيين لَهُم فحصلت عدَّة حركات عصيانية فِي سبتمبر واكتوبر سنة ١٨٧٥ اطفئت بِسُرْعَة وارسلت الدولة عدَّة الايات من الباشبوزوق منعا لعودة الثائرين للعصيان وَفِي اوائل شهر ابريل سنة ١٨٧٦ اتى إِلَى البلغار عدد عَظِيم من دعاة الثورة وَالْفساد وعقدوا اجتماعا فِي احدى مدنها حَضَره مندبون من اللجان المركزية فِي ويانة وبخارست عَاصِمَة رومانيا الَّتِي كَانَت لم تزل تَحت
стр. 556
سيادة الدولة الْعلية وقرروا جَمِيعًا فِي هَذَا النادي وجوب الْمُبَادرَة إِلَى اثارة الْعِصْيَان مغررين البلغاريين بَان الروسيا مستعدة لمدهم بالجيوش لَو تغلبت عَلَيْهِم جيوش الدولة وتدفع لَهُم ايضا قيمَة مَا يتْلف من مساكنهم ومزروعاتهم وان يكون ابْتِدَاء الثورة قتل الْمُسلمين وايقاد النَّار فِي مَدِينَة ادرنة فِي مائَة مَوضِع وَفِي مَدِينَة فيليبه فِي سِتِّينَ موضعا ثمَّ يهجم ثَلَاثَة آلَاف نفر على مَدِينَة بازار جق
وَفِي اول مايو سنة ١٨٧٦ نفذ اغلب هَذَا الْقَرار وحصلت عدَّة مذابح فِي كثير من الْقرى قتل فِيهَا كثير من الْمُسلمين لتجردهم عَن السِّلَاح وَعدم امكانهم رد الْقُوَّة بِمِثْلِهَا وَلما وصل هَذَا الْخَبَر إِلَى الْوَالِي ارسل إِلَى الاستانة يطْلب الجيوش لاتساع نطاق الثورة شَيْئا فَشَيْئًا وَعدم كِفَايَة العساكر الْمَوْجُودَة تَحت امْرَهْ ثمَّ وزع كثيرا من الاسلحة على الْمُسلمين ونظمهم بهيئة رَدِيف وَلما اتى اليه المدد أمكنه قمع الثورة بِوَاسِطَة الالايات المنتظمة والباشبوزوق والرديف وَاسْتِعْمَال الشدَّة مَعَ من يضْبط من الثائرين وَلما كَادَت تخيب مساعي دعاة الْفساد اشاعوا باوروبا ان العساكر العثمانية ارتكبت مَالا يرتكبه المتبربرون واسدلوا عَطاء الْغَرَض على مَا اقترفه البلغاريون من قتل الْمُسلمين فِي بادئ الامر وهولوا فِي الْمَسْأَلَة وَجعلُوا الْحبَّة قبَّة ليستميلوا الرَّأْي الاوروبي اليهم وَفتح الْمَسْأَلَة الشرقية وَتكلم بعض وزراء الدول بِمَا يمس كَرَامَة الدولة الْعلية فِي مجَالِس نوابهم وشددوا عَلَيْهَا النكير خُصُوصا المستر غلادستون زعيم حزب الاحرار بِبِلَاد الانكليز فانه القى الْخطب الرنانة والف الرسائل المطولة طَعنا على الدولة ناسبا اليها مَا لم يسمع بِمثلِهِ فِي التَّارِيخ نَاسِيا مَا فعلته حُكُومَة بِلَادهمْ مَعَ الايرلانديين واهالي اوستراليا الاصليين الَّذين اعدمتهم عساكرها والمهاجرون من سكانها رميا بالرصاص وبهذه المساعي الخبيثة هاج الرَّأْي الْعَام خُصُوصا فِي انكلترا ضد الدولة الْعلية حَتَّى ارسل اللورد دربي نَاظر خارجية انكلترا رقيما إِلَى السّير هنري لُيُوث سفيرها بالاستانة بتاريخ ١٨ سبتمبر سنة ١٨٧٦ ضمنه خُلَاصَة تَقْرِير كَانَ ارسله المستر بارنج سكرتير سفارة انكلترا بالاستانة الَّذِي كلف بتحقيق مَا نسب للْمُسلمين
стр. 557
وامره فِي آخر هَذَا الرقيم بعد لوم الدولة على مَا ينْسبهُ الاجانب اليها من التَّقْصِير ان يطْلب مُوَاجهَة السُّلْطَان عبد الحميد الَّذِي جلس مُنْذُ قريب على تخت السلطنة العثمانية وَيطْلب مِنْهُ باسم ملكة دولة انكلترا التعويض على الثائرين وَبِنَاء مَا هدم من الْكَنَائِس والبيوت على مصاريف الدولة ومساعدة الاهالي الَّذين اشْتَدَّ بهم الْفقر على اعادة الاعمال ومجازاة المامورين الَّذين امروا باجراء هَذِه الفظائع واناطة ادارة هَذِه الْبِلَاد لوال عَادل ذِي همة ونشاط بِشَرْط ان يكون مسيحيا وان كَانَ مُسلما فَيكون لَهُ مستاشرون من المسيحيين يُمكن النَّصَارَى من السكان الِاعْتِمَاد عَلَيْهِم والثقة بهم إِلَى آخر مَا جَاءَ بِهَذَا الرقيم المسطر فِي الْكتاب الازرق واليك نَصه نقلا عَن مَجْمُوعَة الجوائب
قد وصل إِلَى دولة سَعَادَة الملكة محرراتكم عدد ٩٦٤ فِي خَامِس هَذَا الشَّهْر جُمْلَتهَا نُسْخَة من تَقْرِير مستر بارنغ الْمُشْتَمل على اسْتِقْصَائِهِ عَن الْمُنكر الَّذِي جرى مُنْذُ قريب على النَّصَارَى سكان البلغار وَكَانَت الدولة مترقبة من سباق تَقْرِير المومأ اليه الَّذِي بعثتم بِهِ ان تسمع بِأَن الجرائر الَّتِي اقترفها الباشبوزوق والجراكسة فِي تِلْكَ الْبِلَاد كَانَت فظيعة فيسؤها الْآن ان تعلم من هَذَا التَّقْرِير التَّام ان مَا كَانَت تترقبه كَانَ فِي مَحَله ثمَّ ان بعض الاخبار الَّتِي شاعت بِخُصُوص هَذِه الجرائم وان كَانَ غير صَحِيح الا انه لم يبْق ريب فِي ان تصرف وَالِي ادرنه بِكَوْنِهِ امْر جَمِيع الْمُسلمين بَان يتقلدوا السِّلَاح هُوَ الَّذِي سَبَب حشد قوم من الفتاك واللصوص فارتكبوا الجرائم بِدَعْوَى انهم يحاولون اطفاء الْفِتْنَة وَهَذِه الجرائم وصفهَا المستر بارنغ بانها افظع شَيْء شان تواريخ هَذَا الْقرن وَقد تبين ايضا ان اكثر اصحاب الامر وَالنَّهْي فِي الْولَايَة قد اجازوا هذاالمنكر اَوْ غضوا النّظر عَنهُ فَلم يبالوا باصلاح الْحَال اَوْ انهم اصلحوا مَالا يعبأ بِهِ وَمَعَ انه قبض على ١٩٥٦ نفس من البلغاريين لاشتراكهم فِي الْعِصْيَان الَّذِي لم يقارنه خطر فَلم تجر عُقُوبَة على قَتله الرِّجَال الَّذين لم يُوجد مَعَهم سلَاح وعَلى قتلة النِّسَاء والاولاد الا عشْرين نفسا مِنْهُم فَالظَّاهِر ان اصحاب الامر وَالنَّهْي فِي الاستانة لم يطع لَهُم امْر وانهم لم يطلعوا على حَقِيقَة الْحَال وَمَا كَانَ لدولة الملكة ان تظن انه من الْمُمكن ان الْبَاب العالي يرقي اولئك
стр. 558
المامورين الَّذين افعالهم معرة وضرر على المملكة العثمانية اَوْ انه يمنحهم نياشين وَقد رُوِيَ ان الْقَتْل الَّذِي جرى فِي باتاق كَانَ فِي ٩ مايو الْمَاضِي وَبَقِي إِلَى ٢١ من جولاي تموز مكتوما عَن الْبَاب العالي اَوْ غير مبال بِهِ فَلم يعرف هَذَا الامر الا من تَقْرِير مستر بارنغ الْمَذْكُور حَيْثُ علم مِنْهُ ان ثَمَانِينَ نفسا من النِّسَاء وَالْبَنَات اخذن إِلَى قرى الْمُسلمين وَذكر اسماءها وَلم يزلن فِيهَا وان جثث المقتولين بقيت غير مدفونة وَمَا اُحْدُ بذل الْجهد فِي الِاطِّلَاع على مرتكب هَذِه الشرور وَلَا حَاجَة لي هُنَا إِلَى ايراد مَا فَصله مستر بارنغ فِي تَقْرِيره مِمَّا يدل على ان اهل هَذِه الْولَايَة المنحوسة كَانُوا هدفا للاعمال الصادرة عَن غلو وَنهب وسلب وَمَا بدا حَتَّى الْآن سعي بليغ فِي تعويض هَؤُلَاءِ المضيمين عَن الضَّرَر الَّذِي لحق بهم وَلَا فِي تامينهم فِي الْمُسْتَقْبل اذ لم يرجع اليهم مَا فقدوه من الْمَاشِيَة والامتعة وَلم تزل كنائسهم وَبُيُوتهمْ خرابا وهم يتضورون جوعا وَقد هلك عَنْهُم رزقهم من الْحَرْث والاعمال وَمَا بَقِي من قراهم سالما يامن من ان يَأْتِي عَلَيْهِ مَا اتى على الْقرى الخربة وَلم يزل الْعدوان فاشيا كَمَا اعْترف بِهِ مدير عورت الْآن وَالْبَاب العالي عَاجز اَوْ متقاعس وَقد اخبرت جنابكم بِمَا احدثه شيوع هَذِه الشنائع من اهل بريطانيا من الغيظ المحنق وَعِنْدِي من الْيَقِين ان مثل هَذَا الاحساس سرى ايضا إِلَى جَمِيع سكان اوروبا فَالْآن اقول ان الْبَاب العالي لَيْسَ فِي وَسعه ان يغالب الافكار العمومية فِي غير ممالكه وَلَا ان يظنّ ان دولة بريطانيا اَوْ غَيرهَا من الدول الَّتِي وَقعت على معاهدة باريس تظهر عدم المبالاة بِمَا اصاب فلاحي البلغار من الرزء والجور النَّاشِئ عَن الانتقام وَمهما يكن من الملاحظات السياسية فَلَا يُمكن اباحة هَذِه الافعال فَلَا بُد من التعويض على من اصيبوا بِهَذَا الرزء وكفالة تامينهم وسلامتهم فِي الْمُسْتَقْبل وَهَذَا اُحْدُ الشُّرُوط الَّتِي يَنْبَغِي عَلَيْهَا حل الْمسَائِل المعترضة الْآن فَمن اجل ابلاغ رَأْي دولتنا بِنَوْع مُؤثر إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان الَّذِي جلس مُنْذُ قريب على
стр. 559
تخت سلطنة العثمانية يَنْبَغِي ان تَطْلُبُوا مواجهته وتبلغوه على وفْق مُرَاد الدولة خُلَاصَة تَقْرِير مستر بارنغ وتذكروا لَهُ اسماء شوكت باشا وحافظ باشا وطوسون بك وَاحْمَدْ اغا وَغَيرهم من المامورين الَّذين صرح باعمالهم الْمُنكرَة واطلبوا باسم الملكة ودولتها التعويض وَالْعَدَالَة والحوا ببناءما هدم من الْكَنَائِس والبيوت وباسداء المساعدة اللَّازِمَة لاعادة الاعمال والاشغال ولاغاثة الَّذين حاق بهم الْفقر واذْكُرُوا على الْخُصُوص انه لَا بُد من الْبَحْث عَن الثَّمَانِينَ امْرَأَة واعادتهن إِلَى اهلهن وَكَذَلِكَ الحوا باجراء عِبْرَة على الَّذين اشْتَركُوا فِي تِلْكَ الافعال الشنيعة اَوْ تساهلوا فِيهَا وَيَنْبَغِي ان يمْتَحن اولئك الَّذين اعطوا نياشين ورتبا لاوهام بَاطِلَة فِي حَقِيقَة سلوكهم وتصرفهم ويجردوا عَن مَنْزِلَتهمْ ان كَانَ ذَلِك لم يَقع فعلا ويبذل السَّعْي البليغ فِي اعادة الثِّقَة والامن ولهذه الْغَايَة يظْهر من الصَّوَاب ان تِلْكَ الْجِهَات الَّتِي جرى فِيهَا الْهَرج والمرج تجْعَل تَحت مامور ذِي همة واقدام يعين لهَذَا الْخُصُوص فاذا لم يكن من النَّصَارَى يلْزم ان يكون مَعَه مشيرون مِنْهُم بِحَيْثُ تركن اليهم النَّصَارَى وتثق بهم وَهَذَا الامر يكون مؤقتا من دون ان يكون مَانِعا لما تتفق عَلَيْهِ الدول فِي الْمُسْتَقْبل واذْكُرُوا ايضا بِكَلَام اكيد بليغ تهامل المامورين فِي تِلْكَ الْجِهَات وَعدم الْكِفَايَة من استقصاء اديب افندي وَمن تَقْرِيره الَّذِي ابلغ إِلَى الدول ابلاغا رسميا اذ لَا يعْتَمد عَلَيْهِ وَمن اجل ان يكون طَلَبكُمْ مفهوما اتْرُكُوا مَعَ الصَّدْر الاعظم عِنْد انْتِهَاء محاورتكم مَعَه تذكره هَذِه الملاحظات الَّتِي فوضت اليكم بامر الملكة لتعرضوها على مسامع السُّلْطَان الامضاء دربي
فَلْيتَأَمَّل الْقَارئ إِلَى نِسْبَة التوحش للدولة الَّتِي لم تأت غير مَا تَأتيه غَيرهَا من الدول لَو حصلت بهَا ثورة داخلية مَعَ ان الروسيا ارتكبت وَمَا زَالَت إِلَى الْآن ترتكب مَعَ يهود بلادها مَا لم يسمع بِهِ ايام تيمورلنك من الطَّرْد والنهب والمصادرة وَكَذَلِكَ مَعَ اهالي بولونيا وليتذكر الْمطَالع مَا فعلته فرنسا فِي الجزائر والنمسا والروسيا مَعًا فِي بِلَاد المجر سنة ١٨٤٨ وَمَا فعلته انكلترا نَفسهَا فِي ايرلاندا وَيحكم بعد ذَلِك بَان دَعْوَى دوَل اوروبا بنشر الْحُرِّيَّة والمدافعة عَنْهَا حَقِيقَة بِالِاعْتِبَارِ اَوْ انها مُجَرّد شباك لَا تقصد بهَا الا التدخل فِي الشرق والتهامه قِطْعَة بعد اخرى
стр. 560
وتخليص المسيحيين مِنْهُم من سُلْطَان الْمُسلمين الَّذين مَا ارتكبوا مَعَهم اثما الا عدم التَّعَرُّض لدينهم ولغتهم والمحافظة على جنسيتهم فقوبلوا بالكفران
حَرْب الصرب والجبل الاسود
قد علم الْقَارئ مِمَّا سلف ان الروسيا كَانَت تسْعَى بالاشتراك مَعَ بَاقِي الدول المسيحية لايجاد الاضطرابات الداخلية فِي بِلَاد الدولة الْعلية الاسلامية لاضعافها وَلما رَأَتْ ان مساعيها فِي البوسنه والهرسك من جِهَة وبلاد البلغار من جِهَة اخرى كَادَت تعود بالخيبة والفشل اوعزت إِلَى اميري الصرب والجبل الاسود باعلان الْحَرْب على الدولة حَتَّى إِذا حارباها وفازا عَلَيْهَا بالغلبة الامر لَا يتصوره الْعقل دخلت بجيوشها الجرارة فِي ميدان الْقِتَال واتمت اذلال الدولة الْعلية حماها الله من مكايدهم وان نصر الله الجيوش الاسلامية على الصرب والجبل الاسود تدخلت الروسيا بجيوشها لمساعدتها ضد الدولة صَاحِبَة السِّيَادَة عَلَيْهِمَا فَكَانَ قصد الروس حِينَئِذٍ اعلان الْحَرْب على الدولة بِاتِّفَاق الدول ان لم تكن جَمِيعهَا فالمانيا والنمسا بالتحقيق اذ كَانَت انظار الاخيرة تطمح إِلَى توسيع حُدُودهَا من جِهَة بِلَاد البوسنه والهرسك ويساعدها الْبُرْنُس دي بسمارك وَزِير المانيا الاول على ذَلِك ليوجد للنمسا مصَالح فِي الشرق وَيجْعَل لَهَا فَائِدَة فِي المدافعة عَن الاستانة من ان تحتلها الروسيا وَلَا يظنّ الْقَارئ ان عمل بسمارك هَذَا مَبْنِيّ على اخلاص للدولة الْعلية معَاذ الله بل انه يُرِيد معاكسة الروسيا فِي الشرق وَعدم تمكينها من احتلال الاستانة انتقاما مِنْهَا لمَنعه عَن محاربة فرنسا ثَانِيًا سنة ١٨٧٥ للاجهاز عَلَيْهَا حِين مَا رأى نشأتها بعد حَرْب سنة ١٨٧٠ وَسنة ١٨٧١ وقيامها بِدفع الغرامة الحربية الْبَالِغ قدرهَا مِائَتي مليون جنيها قبل المواعيد المحددة فِي معاهدة فرانكفورت هَذَا وَلما اوعز إِلَى الصرب والجبل الاسود باعلان الْحَرْب على الدولة اخذ اميراهما بالاستعداد وَشِرَاء الاسلحة والمدافع وَجمع الجيوش وتدريبها وارسلت الروسيا اُحْدُ قوادها الجنرال تشرنايف الَّذِي فتح مَدِينَة تشقاند فِي
стр. 561
اواسط بِلَاد آسيا إِلَى بِلَاد الصرب ليقود زِمَام جيوشها فَذهب اليها مَعَ كثير من الضباط الروسيين الموظفين فِي الْجَيْش الْعَامِل وَكَانُوا يقالون مؤقتا من خدمَة الْجَيْش الروسي للالتحاق بالجيش الصربي وبذا كَانَت الروسيا هِيَ الَّتِي تحارب الدولة الْعلية باسم الصرب وَكَانَ الْحَال كَذَلِك فِي امارة الْجَبَل وَلما رات الدولة هَذِه الاستعدادات جمعت جَيْشًا جرارا مؤلفا من اربعين الف مقَاتل بِمَدِينَة نيش لصد الصربيين لَو تعدوا الْحُدُود
وَفِي ٨ يونيه سنة ١٨٧٦ ارسل الْبَاب العالي إِلَى اميري الصرب والجبل يطْلب مِنْهُمَا الافادة عَن سَبَب جمع هَذِه الجيوش فاجابه بَان ذَلِك لمنع تعدِي قبائل الارنؤود على حدودهم وَحفظ الامن فِي الدَّاخِل من جِهَة ولجمع الدولة جيوشها على حُدُود بلادهما من جِهَة اخرى مَعَ ان الدولة لم تجمع عساكرها الا بعد ان آنست مِنْهُمَا العداء وَمَعَ ذَلِك فاكتفت الدولة بِهَذَا الْجَواب الركيك الْمَعْنى والمبنى
ثمَّ لما كملت استعدادت الامارتين الحربية طلب الْبُرْنُس ميلان امير الصرب من الدولة ان تناط جيوشه باخماد الثورة فِي البوسنه والهرسك بِمَا ان وجود العساكر العثمانية بهما مهدد لامن بِلَاده وَطلب الْبُرْنُس نقولا امير الْجَبَل ان تتنازل لَهُ الدولة عَن جُزْء من اراضي الهرسك وَلما لم تقبل الدولة هَذِه الطلبات الَّتِي لم يقدم على طلبَهَا الا كل عَالم برفضها جاعلها سَببا للحرب المصمم عَلَيْهَا اجتازت الجيوش الصربية الْحُدُود تَحت قيادة الجنرال تشرنايف الروسي فِي اول يوليه سنة ١٨٧٦ وَكَذَلِكَ جيوش الْجَبَل الاسود بِدُونِ ان تتعرض لَهُم الدول بَان تقيم الْحجَّة على هَذَا الْعَمَل العدائي بل تربصت حَتَّى إِذا فَازَ اعداء الدولة عضدت الدولة طلباتهم وان باؤوا بالخسران حفظت لَهُم بِلَادهمْ ومنعت الدولة من مجازاتهم على تعديهم بِدُونِ سَبَب الا دسائس الروسيا والدول المعضدة لَهَا
ولنذكر هُنَا بِكُل اخْتِصَار ملخص الاعمال الحربية والوقائع العسكرية الَّتِي حصلت بَين جيوش الدولة المظفرة والعساكر المصرية الَّتِي ارسلت للاشتراك
стр. 562
مَعهَا فِي الْحَرْب ومقاسمتها النَّصْر وَالْفَخْر من جِهَة وعساكر الثائرين وضباطهم الروسيين من جِهَة اخرى فَنَقُول
ان الْحَرْب مَعَ الْجَبَل الاسود لم يَتَّسِع نطاقها لوعورة جبالها وَلعدم امكان حُصُول وقائع مهمة بهَا بَين جيوش منتظمة بل كَانَ كل مَا حصل بهَا عبارَة عَن مناوشات يكون فِيهَا كل من الفريقيين طورا غَالِبا وَتارَة مَغْلُوبًا فانه كَانَ يتَعَذَّر على الجيوش العثمانية اقتفاء اثر الثائرين فِي المفاوز الوعرة ويستحيل على الجبليين اجتياز صُفُوف الجيوش المحدقة ببلادهم من كل فج وَلذَلِك فَلم تعد مساعدة الجبليين بفائدة تذكر على الصرب اما من جِهَة الصرب فقد اجْمَعْ المؤرخون العسكريون ان الجنرال تشرنايف ارْتكب خطأ عَظِيما واثما كَبِيرا فِي عدم جمع جيوشه فِي النقطة الوحيدة الَّتِي تصل بِلَاد البوسنه والهرسك بباقي بِلَاد الدولة الْعلية فيتحد مَعَ ثائري هَاتين الولايتين ويمكنه بِكُل سهولة الانضمام إِلَى عَسَاكِر الْجَبَل الاسود الا انه لم يتبع هَذِه الخطة الَّتِي اشار بهَا عَلَيْهِ بعض القواد بل جزأ قوته إِلَى ارْبَعْ فرق اغار هُوَ باحداها على الطَّرِيق المؤدية إِلَى صوفية عَاصِمَة بِلَاد البلغار الْآن وَكَانَ ينْسب اليه انه يُرِيد ان يعين واليا مُخْتَارًا عَلَيْهَا لَكِن مَا شهده البلغاريون من بسالة رجال الدولة مَنعهم عَن مساعدته فخاب مسعاه وبسبب تَفْرِيق جيوشه لم يَأْتِ يَوْم عَاشر يوليه الا وَقد انْهَزَمت الْفرق الاربع بهمة وشجاعة عُثْمَان باشا الْغَازِي وَعبد الْكَرِيم باشا السردار الاكرم
وَبعد ان ردَّتْ جيوش الثائرين على عَقبهَا فكر عبد الْكَرِيم باشا فِي تَوْجِيه قواه لافتتاح مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة الصرب وَلذَلِك صمم اولا على احتلال مدينتي الكسيناس ودليجراد الواقعتين على طَرِيق العاصمة وَفصل الْفرْقَة الْقَائِد لَهَا
стр. 563
تشرنايف عَن الْفرْقَة الَّتِي كَانَت معسكرة بِمَدِينَة زايتسا وَتَحْت قيادة لاشانين وَحَيْثُ ان فصل هَاتين الْفرْقَتَيْنِ وَقطع كل اتِّصَال بَينهمَا لَا يكون الا باحتلال مَدِينَة نياشيواز صدر اوامره إِلَى احْمَد ايوب باشا وَسليمَان خيري باشا بالتوجه نَحْوهَا من جِهَتَيْنِ مختلفتين وَفتحهَا بعد الانضمام إِلَى بعضهما فصدعوا بامره وفتحوا الْمَدِينَة عنْوَة فِي يَوْم ٣ اغسطس بعد ان انتصروا فِي عدَّة وقائع مَشْهُورَة ثمَّ استراحت الجيوش نَحْو اسبوعين بِدُونِ محاربات مهمة
وَمن ٢٠ اغسطس استؤنفت الْحَرْب ثَانِيَة بِكُل شدَّة واستمرت اربعة ايام مُتَوَالِيَة لم يُمكن الجيوش المظفرة فِي اثنائها فتح مَدِينَة الكسيناس وَلذَلِك اقر رايه بعد مُشَاورَة من مَعَه من القواد على عدم اضاعة الْوَقْت امام هَذِه الْمَدِينَة الحصينة ومدينة دليجراد وانتقال الجيوش على ضفة نهر موراوا الْيُسْرَى بِدُونِ ان يشْعر بهم الْعَدو وَالسير نَحْو مَدِينَة بلغراد توا وَبعد هَذَا الْقَرار امْر احْمَد ايوب باشا بعبور هَذَا النَّهر
وَفِي اثناء هَذِه المناورة المهمة الَّتِي رُبمَا كَانَ يتَوَقَّف عَلَيْهَا النجاح استمرت المناوشات مَعَ الْجَيْش الصربي من ٢٥ إِلَى ٢٩ اغسطس حَتَّى تمت بِدُونِ ان يشْعر الْعَدو مُطلقًا بذلك الا لما اجتازت جَمِيع الجيوش العثمانية النَّهر وَلم يجد امامه احدا فَلَمَّا علم باتمام هَذِه الْحَرَكَة العسكرية المهمة عبر النَّهر بجيوشه خلف العثمانيين فِي اول سبتمبر سنة ١٨٧٦ فلاقوه لِقَاء الْعَدو الْقَادِر وصوبوا اليه مدافعهم حَتَّى اوقعوا الفشل فِي صُفُوف الصربيين وَولى كثير مِنْهُم الادبار وركنت الايات برمتها إِلَى الْفِرَار قبل ان يصاب مِنْهَا نفر وَاحِد
وَفِي مسَاء هَذَا الْيَوْم الَّذِي لم يقم بعده للصرب قَائِمَة وَالَّذِي جعل الجيوش على مقربة من بلغراد اذ لم يعد يمْنَعهَا مَانع عَن الْوُصُول اليها واحتلالها وَردت اوامر سَرِيَّة من الاستانة إِلَى عبد الْكَرِيم باشا بتوقيف الْقِتَال وَعدم الزَّحْف على
стр. 564
عَاصِمَة الصرب ريثما تاتيه اوامر جَدِيدَة لتدخل الدول بَين الْفَرِيقَيْنِ وَبَيَان ذَلِك ان الْبُرْنُس ميلان امير الصرب طلب من قناصل الدول لَدَيْهِ فِي ٢٤ اغسطس سنة ١٨٧٦ مخابرة دولهم بِأَن تتوسط بَينه وَبَين الدولة الْعلية منعا لسفك الدِّمَاء وخوفا من ان يلْحقهُ عَار الْغَلَبَة فابلغت القناصل دولهم هَذَا الطّلب وَهِي فاتحت الْبَاب العالي فِي هَذَا الْخُصُوص فَلم يجبها حَتَّى فرق عبد الْكَرِيم باشا جَمِيع الجيوش الصربية وَلم يبْق لَهُ معَارض فِي طَرِيق بلغراد فاوعز اليه سرا بالتوقف مؤقتا وابلغ سفراء الدول فِي ١٤ سبتمبر سنة ١٨٧٦ انه لَا يقبل الصُّلْح الا بعدة شُرُوط اهمها اولا ان ياتي امير الصرب إِلَى مقرّ الْخلَافَة الْعُظْمَى ليقدم وَاجِبَات الخضوع والعبودية إِلَى السدة الْعلية السُّلْطَانِيَّة ثَانِيًا أَن القلاع الاربع الَّتِي دُخُول حق احتلالها إِلَى الصرب فِي سنة ١٨٥٢ م ١٢٨٣ هـ مَعَ بَقَائِهَا تَابِعَة للدولة تحتلها ثَانِيًا الجيوش العثمانية ثَالِثا ان يلغى الرديف فِي بلادالصرب وان لَا يزِيد عدد الْجَيْش الصربي عَن عشرَة آلَاف مقَاتل وبطاريتي مدافع لحفظ الامن الداخلي لَيْسَ الا فَلَمَّا وصل هذاالجواب إِلَى الدول لم تقبل هَذِه الاقتراحات قولا بانها مجحفة بامتيازات الصرب اجحافا كليا وَزِيَادَة على رفضها زَادَت على مااقترحته بِخُصُوص الصرب طلبات اخرى بِخُصُوص البوسنه والهرسك والبلغار الَّتِي اطفئت ثورتهم من مُدَّة وَبعد ان اتّفقت جَمِيع الدول السِّت الموقعة على معاهدة سنة ١٨٥٦ القاضية بالمحافظة على سَلامَة الدولة الْعلية الَّتِي مَعْنَاهَا فِي عرفهم تقسيمها ارسل اللورد دربي وَزِير خارجية انكلترا إِلَى السّير هنري ليوت سفيرها فِي الاستانة رِسَالَة بامضائه امْرَهْ بتوصيلها إِلَى الْبَاب العالي فاوصلها اليه فِي ٢٥ سبتمبر الْمَذْكُور مضمونها ان طلبات الدولة الْعلية لَا يُمكن قبُولهَا بِالْكُلِّيَّةِ وان الدول ترغب ارجاع حَالَة الصرب والجبل الاسود إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل الْحَرْب وان تمْضِي الدولة مَعَ الدول السِّت اتِّفَاقًا بتأسيس ادارة وطنية مُسْتَقلَّة فِي البوسنه والهرسك حَتَّى يكون للاهالي حق مراقبة اعمال ماموري الْحُكُومَة وموظفيها وَكَذَلِكَ فِي بِلَاد البلغار وايقاف الْحَرْب فَوْرًا مَعَ الصرب وَبعد ان تداول وزراء الدولة فِي هَذِه الطلبات الَّتِي لَا تقبلهَا أَي دولة فازت على عدوها بالنصر فِي ميادين الْقِتَال واهرقت دِمَاء رجالها حفظا لكرامتها وشرفها من تعدِي هَذَا الْعَدو تخومها بِدُونِ ان تبدي الدول حراكا اجاب الْبَاب العالي
стр. 565
على هَذِه المذكرة السياسية بانه لَا يرى وَجها لاعطاء هَذِه الولايات امتيازات ادارية بِمَا ان مجْلِس المبعوثان سيشكل قَرِيبا وَيكون فِيهِ مندوبون منتخبون من جَمِيع الولايات بِدُونِ اسْتثِْنَاء وان الدولة لَا ترى ضَرُورَة لابرام اتِّفَاق جَدِيد مَعَ الدول لهَذَا الْخُصُوص وَلم تذكر شَيْئا عَن الْهُدْنَة مُطلقًا وَلما لم تصغ الدول لهَذِهِ الطلبات العادلة اوعز الْبَاب العالي إِلَى السِّرّ عَسْكَر عبد الْكَرِيم باشا باستمرار الْقِتَال فاستدعى السِّرّ عَسْكَر الْقَائِد درويش باشا الَّذِي كَانَ معسكرا بفرقته فِي نيش وَلما حضرت العساكر على مَدِينَة جونيس الَّتِي جعلهَا الجنرال تشرنايف مقرا لمعسكره فهجمت عَلَيْهَا الليوث الاسلامية فِي ٢٩ اكتوبر سنة ١٨٧٦ وَبعد قتال عنيف تقهقر الصربيون وانصارهم واخلوا هَذِه الْمَدِينَة ومدينة دليجراد وزحفت الجيوش العثمانية محفوفة بالنصر على مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة بِلَاد الصرب
وَلما وصل خبر هَذَا الْفَتْح الْمُبين إِلَى آذان وُلَاة الامور فِي الروسيا وَهُوَ خلاف مَا كَانُوا يتوقعونه ارسل الْبُرْنُس غورشاكوف إِلَى الجنرال اغناتيف بالاستانة بعد ان اتّفق مَعَ بَاقِي الدول رِسَالَة برقية فِي مسَاء ٣٠ اكتوبر يامره بَان يطْلب من الْبَاب العالي ايقاف الْحَرْب فَوْرًا ومهادنة الصرب والجبل الاسود مُدَّة سِتَّة اسابيع اَوْ شَهْرَيْن وان لم يجب هَذَا الطّلب فِي مَسَافَة ثَمَانِيَة واربعين سَاعَة ينسحب هُوَ وَجَمِيع موظفي السفارة من الاستانة فَقبلت الدولة هَذَا الطّلب منعا للعراقيل السياسية ومنحت لمحاربيها هدنة مُدَّة شَهْرَيْن مدت فِيمَا بعد إِلَى شهر مارس سنة ١٨٧٧
مؤتمر الاستانة
وَفِي ٥ اكتوبر سنة ١٨٧٦ عرض وَزِير خارجية انكلترا على بَاقِي الدول المنتحلة لنَفسهَا حق التدخل فِي شؤون الدولة الْعلية اجْتِمَاع مؤتمر فِي مَدِينَة الاستانة لتسوية حَالَة مسيحيي الدولة بكيفية ثَابِتَة منعا لحُصُول الْحَرْب بَينهَا وَبَين الروسيا الَّتِي كَانَت شارعة فِي جمع جيوشها والاستعداد للحرب فَلم تجاوب الدول على هَذَا الاقتراح بِجَوَاب صَرِيح لخوفها من عدم امْتِثَال اُحْدُ الطَّرفَيْنِ لقرارات المؤتمر فتضطر للتالب ضِدّه كَمَا حصل فِي حَرْب القرم سنة ١٨٥٦ م لَكِن لما رات ان الْخطر قد ازْدَادَ والحروب قربت حَتَّى صَارَت قاب قوسين اَوْ ادنى خُصُوصا وان قَيْصر الروسيا القى فِي مَدِينَة
следующие страницы →