Полный текст (319 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
دم السَّيِّد بِذِمَّة الْمَذْكُورين لم ير أولياؤه أَنهم أهل للْقصَاص قَالُوا وَكَانَ الْمُبَاشر ولد ريحَان وَهُوَ فِي حَال الرقم فِي قيد الْوُجُود فأطلقوا عَن الإعتقال بعد وَفَاء الْأَدَب وَأما مَاله الَّذِي كَانَ سَبَب قَتله فَإِنَّهُ استخرج من أَمَاكِن بعد أَن دلّ عَلَيْهِ وَصَارَ إِلَى أَهله وراثة وخسرت صَفْقَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة
وَلم يمض شهر من الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَحْمد بن مُحَمَّد حَتَّى قضي على أَخِيه السَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل ابْن مُحَمَّد بالعدين فذرفت لمصرعه عُيُون الْأَعْيَان وتوالت لفقده مَوَاضِع الأشجان وأصبحت الْعُيُون عبرا والأرجاء غبرا وَكَانَ بَقِيَّة أَعْيَان الدولة العزية بحماه لائذين وَمن طوارق آفَات الإمتهان بجواره عائذين فضوعف لَهُم أجر الصابرين على الْبِلَاد بذهاب وَاسِطَة عقدهم وَولي حلهم وعقدهم وَكَانَ بِمَثَابَة من سَائِر الْعُلُوم فآثاره فِي كتبه تقضي بالوقوع على طائل عَظِيم وحظ جسيم وَله سمط اللآل فِي شعر الْآل وَقعد مَكَان ولَايَته السَّيِّد جَعْفَر بن مطهر بِولَايَة الإِمَام
وَذكر بَعضهم أَن السَّيِّد صارم الدّين فِي هَذِه الْأَحَايِين تحرّك للدعوة بِسَبَب اشْتِبَاه اسْم الإِمَام باسم ذَلِك السَّيِّد الْهمام فَظن أَنه الْمقْضِي عَلَيْهِ والموجه وَجه الْقَضَاء إِلَيْهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة ذَلِك وَكَانَ ملك عز الْإِسْلَام وَأَوْلَاده الْأَعْلَام إِلَى تَارِيخ وَفَاة وَلَده إِسْمَاعِيل فَوق أَرْبَعِينَ عَاما
وَفِي صفر مَاتَ السَّيِّد الْعَارِف الْحُسَيْن بن عَليّ بن صَلَاح العبالي القاسمي وأصل وَالِده من بِلَاد الحرجة بِالشَّام سكن بالعبال من بِلَاد حجَّة وَنسب إِلَى السَّيِّد الْحُسَيْن اختراق التَّشَيُّع وتضليل الْمُعْتَزلَة وَجَمَاعَة من الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ الْمُؤَيد بِاللَّه الهاروني وَالْإِمَام يحيى بن حَمْزَة وَالْإِمَام الْمهْدي وإنكار الدَّجَّال وَقد قَالُوا أَن الْأَحَادِيث بِخُرُوجِهِ آخر الزَّمَان بلغت التَّوَاتُر وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا اعْتِقَاد الحسينية وَقد انقرض مَذْهَبهم السخيف والطعن فِي كتب السّنة النَّبَوِيَّة وَإِن الدَّابَّة لَا تكون على الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هِيَ الْمهْدي وَفتح رَاء الرّوم من قَوْله تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم﴾ وَتَفْسِيره بِمذهب الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَغير ذَلِك فَلَا حول
стр. 212
وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وفيهَا توفّي القَاضِي الْعَارِف بدر بن حميد من ذُرِّيَّة حميد الشَّهِيد كَانَ لَهُ معرفَة بالفقه وَتوجه إِلَيْهِ منصب الْقَضَاء والخطابة فِي جبل عفار وكحلان بدولة مُحَمَّد باشا وَفضل الله باشا وَاسْتمرّ أَيَّامًا على الْقَضَاء بدولة الْمُؤَيد ثمَّ عزل وَكَانَ زاهدا فِي ملبوسه متواضعا مطرحا للمراتب العلوية وَعرف دولة الْوَزير حسن وَكَانَ الباشا سِنَان يَوْمئِذٍ كدخداه وخادمه
وَأخْبر أَنه رأى الْوَزير فِي بعض الأعياد خَارِجا إِلَى الْجَبانَة لصَلَاة الْعِيد وَمَعَهُ أبطال الأجناد والنوبة الَّتِي تأوب لَهَا جبال الْجِيَاد فَلَمَّا نزل الْوَزير عَن الحصان وَدخل بَاب الْجَبانَة احتضنه بِيَدِهِ الْأَمِير سِنَان وَكَانَ فِي نِهَايَة الجسامة والظرافة والوزير فِي نِهَايَة اللطف والنحافة
وفيهَا جَاءَت أَخْبَار حَضرمَوْت بِأَن عشْرين برشة من الفرنج غزوا بِلَاد الْعمانِي مُكَافَأَة لمغزاه الْمَاضِي إِلَى الديو فَدَخَلُوا أَطْرَاف بِلَاده وسواحلها وانتهبوا فِيهَا وَقتلُوا من أَصْحَابه فَوق عشْرين نفسا
وفيهَا رفع الإِمَام الْآدَاب عَن أهل الذِّمَّة بعد أَن مَاتَ بَعضهم من الْجُوع وَأسلم الْبَعْض
وَفِي وسط خريفها درت شأبيب الرَّحْمَة وعاودت الْحَيَاة الْبِلَاد والعباد وَالْحَمْد لله
وفيهَا غزت دهمة إِلَى حُدُود براقش بالجوف فانتهب طرفا من إبلها وَهِي ترعا
وَفِي هَذِه الْأَيَّام عرض الإِمَام على ولد أَخِيه الْقَاسِم بن أَحْمد بن الإِمَام الدُّخُول فِي ولَايَة الْبِلَاد الَّتِي تَحت يَد صنوه مُحَمَّد بن أَحْمد فأباها احتشاما لجَانب أَخِيه فَعظم بذلك عِنْده وَعند النَّاس
وَفِي ربيع الأول وصل إِلَى الإِمَام مَكْتُوب من ملك عمان سُلْطَان بن سيف وَلَفظه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من إِمَام الْمُسلمين سُلْطَان بن سيف رَأس الْعَرَب اليعربي إِلَى عالي ذرْوَة جناب الْمُعظم الْهمام المكرم إِسْمَاعِيل بن قَاسم الْقرشِي الْعَرَبِيّ أما بعد فَإنَّا نحمد الله على سوابغ آلائه وَجَمِيل صنعه وبلائه ونستر شده إِلَى سلوك سَبِيل
стр. 213
رِضَاهُ ونستزيده من خَزَائِن مواهبه وعطاه إِنَّه بِيَدِهِ مَفَاتِيح كل خير وكفاية كل بؤس وضير وَإِن سَأَلت أَيهَا الْمُحب عَنَّا ورمت كنه كَيْفيَّة الْحَال منا فَإنَّا نحمد الله فِي حَال يسر بِهِ الْوَدُود ويسأله الحسود ثمَّ لتعلم أَيهَا الْملك المبجل وَالسَّيِّد المجلل أَنه قد وصل إِلَيْنَا فِي مُدَّة أَيَّام قد تصرمت وشهور قد تخرمت رجل من جنابكم يزْعم أَنكُمْ أرسلتم بِيَدِهِ طروسا بهَا دُرَر من رائق لفضكم وخطابكم غير أَنه يَقُول أَن الْمركب الَّذِي أقبل فِيهِ عابه الإنكسار فغرق فِي اليم فَأدْرك الطروس المصطره حكم التّلف ثمَّ بيد أَنه قد تناها إِلَيْنَا من نتائج لِسَانه واتضح لنا من وَاضح نطقه وَبَيَانه أَنكُمْ علينا عاتبون وَمنا واجدون لأجل قطع خدامنا فِي الْعَام الْمَاضِي للْمُشْرِكين على بَابَكُمْ وَأَخذهم لسفنهم القاصدة إِلَى جنابكم ولعمري إِنَّا نَدْرِي أَن العتاب بَين الأخلا عنوان الْمَوَدَّة الْخَالِصَة والصفاء ورائد مَحْض الْمحبَّة الصادقة وَالْوَفَاء غير أَنه يجب عَن افْتِرَاق الجرائم وانتهاك الْمَحَارِم فَأَما نَحن فَلم نسلك إِلَى ارْتِكَاب ذَلِك سَبِيلا وَلَا نجد لَك على إلزامنا فعل ذَلِك دَلِيلا إِذْ كُنَّا لم نجهز مراكبنا ونحشد مخالبنا لسيارة رعيتك وَلَا لاستباحة أهل حكمك وقضيتك لَكِن جهزنا الجيوش والعساكر وأعددنا اللهاذم والبواتر لتدمير عَبدة الْأَوْثَان واعدا الْملك الديَّان تعرضا منا لرضى رب الْعَالمين وإحياء لسنة نبيه الْأمين ورغبة فِي إِدْرَاك فضل الصابرين الْمُجَاهدين وحاشا مثلك أَن يغْضب لقِتَال عَبدة الْأَصْنَام وأعداء الله وَالْإِسْلَام السِّت من سلالة عَليّ بن أبي طَالب الساقي للْمُشْرِكين وَبِي المشارب وَأَنت تَدْرِي بِمَا جرى بَيْننَا وَبينهمْ من قبل فِي سواحل عمان وَفِي سَائِر الْأَمَاكِن والبلدان من سفك الدِّمَاء وَكَثْرَة الصيال وتناهب الْأَمْلَاك وَالْأَمْوَال وَإِنَّا نأخذهم فِي كل مَوضِع تحل بِهِ مراكبهم وتغشاه حَتَّى من كنح وحميروية بندرى الشاه وَلم يظْهر لنا من أجل ذَلِك عتابا وَلَا نكيرا فَإِن كنت فِي شكّ من ذَلِك
стр. 214
فاسأل بِهِ خَبِيرا إِلَّا وَإِنَّا نذكرك أَيهَا الْملك والذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ وَإِنَّا لَك من الْمُنْذرين وَعَلَيْك من الحذريين إِنَّا لما ملكنا تِلْكَ الْأَيَّام بَلْدَة ظفار وَهِي عَنَّا نازحة الفيافي والقفار لم نر فِي تَملكهَا صلاحا لشَيْء أوجبه منا النّظر وحاكته الأذهان والفكر فتركناها لَا من خوف قُوَّة قاهرة وَلَا لكلمة علينا ظَاهِرَة وَلَا يَد غالبة وَلَا كف سالبة وَسَاعَة مَا خرج مِنْهَا عاملنا خلف خلف بهَا شَيْئا من مدافع الْمُسلمين لغفلة مِنْهُ جرت عَن حملهَا فِي ذَلِك الْحِين وَلما ملكتم أَنْتُم زِمَام عَنْهَا واجتليتم ضوء بدرها وشمسها وَلم تدفعوا إِلَيْنَا تِلْكَ المدافع كَأَن لم يكن من وَرَائِهَا ذَا يَد وَلَا دَافع فَاعْلَم أَيهَا الْملك أَن البعل غيور وَاللَّيْث هصور وَالْحر على غير الإهانة صبور وَمن أنذر فقد أعذر وَمَا غدر من حذر على إِنَّا لإِصْلَاح ذَات الْبَين بَيْننَا وَبَيْنكُم طالبون وَفِي اسْتِيفَاء صحبتك راغبون ولإطفاء الْفِتَن والإحن بَيْننَا وَبَيْنك مؤثرون فَإِن كنت رَاغِبًا فِي الَّذِي فِيهِ رغبتنا وطالبا لمَاله طلبنا إخمادها فأدفع لَك الْخَيْر لنا إِيَّاهَا وَلَا تتحسن بِسُرْعَة الإعتداء حمياها وَإِن أَبيت إِلَّا الْميل لاغتنامها والجزم على نفس امْرِئ على خبط ظلامها فَفِي الإستعانة بِاللَّه مِمَّن اعْتدى فسحة وسعة وَمن كَانَ مَعَ الله كَانَ الله مَعَه وَالسَّلَام وَرَحْمَة الله انْتهى الْمَكْتُوب بِحُرُوفِهِ
وَفِيه من رئاسة الْأَلْفَاظ وتخير كَلِمَات الأنفة والسمو مَا يقْضِي بِأَن عَامله الْمُسَمّى بخلف إِنَّمَا رغب عَن ظفار لرغبة مخدومه وَقد سلف صفة إِخْرَاجه عَنهُ شَيْء من هَذَا وَهَذِه صناعَة فحول الْمُلُوك على أَيدي أكَابِر الدولة وبلغائها فَإِن من الْبَيَان لسحرا وَإِلَّا فَإِن خلفا لم يخرج من ظفار إِلَّا بِمَا دهمه من جَيش السُّلْطَان الكثيري وَلَو كَانَ خُرُوجه رَغْبَة لما رغب عَن المدفعين وَهُوَ أمس مَا يكون إِلَيْهِمَا وَكَيف لَا وهما آيَة الْإِبْقَاء على دولته ورئاسته وَأعظم مَا يتجمل بِهِ عِنْد الْوُفُود على مخدومه الْعمانِي
(وينتحل المقهور كل تعلة ... وَلَا بُد للمغلوب أَن يتعللا)
стр. 215
وَالْإِمَام أَمر بِإِطْلَاق المدفعين وَتَوَلَّى الْجَواب من لَا يحسن الدُّخُول فِي هَذَا الْبَاب ولأمر مَا حَافظ الْمُلُوك على تشييد مناصب كتاب الْإِنْشَاء كالصاحب والصابي وَالْقَاضِي الْفَاضِل وَغَيرهم مِمَّن يكون ترشيحه فِي دست الْكِتَابَة نصف المملكة أَو ثلثيها وأسمج بِملك يطبق الدُّنْيَا ملكه وَلَا يجد إِذْ نابه مَا يَدْعُو إِلَى الْكِتَابَة غير الأفدام
وَفِي نصف ربيع الثَّانِي غزت دهمة من برط وَمَعَهُمْ بَنو نوف إِلَى حُدُود معِين من بِلَاد الْجوف فانتهبوا مَا فِيهَا وأقدموا إِلَى صَافِيَة الصفي أَحْمد فَأرْسل وَلَده الْحُسَيْن بن أَحْمد فِي جمَاعَة إِلَى معِين فَلم يُصَادف أُولَئِكَ الغازين وَكَانُوا قد ارتفعوا قبل وُصُوله وَتعقب ذَلِك مسير جمَاعَة من برط إِلَى أَطْرَاف المراشي وَمَعَهُمْ الدَّاعِي السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الغرباني وطلبوا الْوَاجِبَات من أَهلهَا وَكَانَت قِطْعَة للْقَاضِي عَليّ بن مُحَمَّد الْعَنسِي وَمن إِلَيْهِ فمنعوا عَنْهَا فَاقْتَتلُوا فَذهب وَاحِد من أهل الْقرْيَة فَحمل عَلَيْهِم أهل الْقرْيَة وجنو على جمَاعَة مِنْهُم ثمَّ رَجَعَ السَّيِّد الدَّاعِي إِلَى المرانة
وَفِي هَذِه السّنة صَالح الشريف حمود سعد بن زيد ملك مَكَّة وَلم يدْخل مَكَّة خشيَة غيلَة الأروام فسكن من الْحجاز فِي أمنع مَكَان وجال فِي ميادين
стр. 216
تِلْكَ الوهاد بِمن مَعَه من الفرسان وَكَانَ قد ترك الشُّهُود لأطراف القنا وَأرْسل عنان فرسه إِلَى عنان كل عَنَّا وَمَا اسْتَفَادَ من نجدته غير قرع النجُود والعدول عَن سكنه إِلَى مساكنة السيدان وَالْأسود مصاحبا القرضابة منشدا لأترابه وأحبابه
(ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل)
(هم الْأَهْل لَا مستودع السِّرّ ضايع ... لديهم وَلَا الْجَانِي بِمَا جر يخذل)
والباشا حسن اسْتَقر هَذِه الْأَيَّام بجدة وَأعد بتحويل السِّيَاق إِلَى مَكَّة عدَّة
وفيهَا اتّفق بَين السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله العياني وناظر الْوَقْف بِصَنْعَاء شجار فِي أَمْلَاك فَرفع إِلَى حَاكم الْبَلَد السَّيِّد عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام وَاقْتضى رَأْيه تَأْدِيب جمَاعَة السَّيِّد فاحترقت لذَلِك أنفاسه وأعان على غيظه وسواسه فَلبس الغرارة وَجعلهَا لغيظة أَمارَة واشتعل نَار غيظه حَتَّى رمت بشرر كالقصر لما كَانَ قد أَلفه من نُفُوذ الْكَلِمَة الَّتِي تقدم مَعهَا أَرْبَاب الْأَمر
(وَمَا كل وَقت يمنح الْمَرْء سؤله ... فَخذ عَفْو مَا واتى ودع كلما استعصا)
وَفِي إِحْدَى جماديين مَاتَ حُسَيْن بن أَحْمد الْوَادي وَكَانَ بارعا فِي اسْتِخْرَاج الْكَوَاكِب من جداول الزيجات وترتيب الْأَحْكَام عَلَيْهَا فِي السّكُون والحركات فَلَمَّا أَرَادَ السّفر إِلَى قعار نظر فِي أَحْكَام الْفلك الدوار فَقضى عرفانه بالنقلة من صنعاء إِلَى وهب فِي سَاعَة اخْتَارَهَا وأثاره من علم آثارها
стр. 217
فأمسى هُنَاكَ ثمَّ أصبح مُسَافِرًا وَقد أَطَاعَته أفلاكه وضل عَنهُ ملاكه فَإِنَّهُ مَا اسْتَقر ثمَّ إِلَّا وَقد دَعَاهُ مُدبر الْأَمْلَاك ومدبر الأفلاك فانتظم هَالة محياه برج الضريح قبل أَن يُعِيد فِي تحريكه نظره الصَّحِيح سُبْحَانَ من علم لذاته الْعُظْمَى مَا كَانَ وَمَا يكون وَله الْملك والملكوت ﴿قل لَا يعلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله﴾ ﴿وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ وَشَيْخه فِي الْفلك الْفَقِيه حسن بن عبد الله السرحي صَاحب الزيج الْمَعْرُوف
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وَقعت من الصفي أَحْمد بن الْحسن إِشَارَة إِلَى الإِمَام فِي أَن يُوَجه إِلَيْهِ العدين وَيكون نظره إِلَى وَلَده بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام لِأَنَّهُ حضر موت عَمه ضِيَاء الدّين فرجح نظر الإِمَام اسْتِمْرَار السَّيِّد جَعْفَر بن المطهر على عمله قلت عِنْد كتب هَذَا المسطور وَولده الْمشَار إِلَيْهِ إِمَام هَذَا الْقطر اليمني ومفيض فرات مشرعه الهني وَهُوَ الْمهْدي لدين الله مُحَمَّد بن الْمهْدي لدين الله أَحْمد بن ملك الْيمن الْحسن بن الْمَنْصُور وَسَيَأْتِي عِنْد ذكر دولة وَالِده ودولته اسْتِيفَاء الْكَلَام بعون مفيض الْإِعَانَة العلام
وفيهَا استدعى الإِمَام الْحَاكِم اللِّحْيَة وَالضُّحَى ومور وَهُوَ النَّقِيب سعيد المجربي فَاعْتَذر بضعفه عَن الْوُصُول وناب عَنهُ وَلَده فِي المثول فَصدقهُ فِي قَوْله وعذره وعَلى كمران واللحية قصره وَتوجه الضحي ومور إِلَى غَيره على الْفَوْر
وفيهَا وصلت إِلَى الإِمَام اتحافات وهدايا من الباشا عِيسَى بن الباشا عَليّ
стр. 218
مقدمي الذّكر وفيهَا حِصَّة للصفي أَحْمد بن الْحسن وَشرف الدّين الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد فَعَاد رَسُوله بِثَوَاب الإثابة ورياض المنا المستطابة وَفِي آخر رَجَب سَافر الشريف عَليّ بن حسن الْمَكِّيّ من صنعاء إِلَى مَكَّة وَكَانَ قد أَقَامَ بِالْيمن قدر عشْرين سنة وَلم يتْرك لَهُ الصفي أَحْمد شَيْئا فِي نَفسه مِمَّا يوصله إِلَى بَلَده ويحمله عِنْد الْوُصُول بَين أَهله وَولده فَلبث هُنَالك ثَلَاث سِنِين بعد استقراره وثار بَينه وَبَين قَرِيبه الشريف حيدر خصام خلص فِيهِ عَن قيد الْوُجُود إِلَى فضي الإعدام وأعان حيدر على غلبته الركة الَّتِي لحقته بِسَبَب انكسار إِحْدَى رجلَيْهِ عِنْد خُرُوجه إِلَى الْيمن فِي بِلَاد خمر بسقوطه من على فرسه وَلما قَتله حيدر واستشعر من قرَابَته الشَّرّ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فَفَارَقَ مَكَّة إِلَى الْيمن ومشاها خطا عَلَيْهِ كتبت
وَفِي هَذِه الْأَيَّام اتّفق بَين الْعمانِي والفرنج فِي الْبَحْر قتال شَدِيد وَكَانَ ريح النَّصْر فِي مبادئه مَعَ جند الْعمانِي ثمَّ عطف الفرنج عَلَيْهِم فَقتلُوا مِنْهُم زهاء مِائَتي نفر وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَثَبت الفرنج فِي الْبَحْر يعوثون أَيَّامًا حَتَّى خرج مِنْهُم من خرج إِلَى المخا
وَفِي عَاشر شعْبَان اقْترن زحل والمريخ بِأول برج الْحُوت
وَفِي هَذِه الْأَيَّام غزى قوم لَا يدرى مِنْهُم إِلَى برط فَقتلُوا نَحْو الْمِائَة
وفيهَا اغتال أهل ظفار وَقتلُوا من أَصْحَاب الإِمَام عشْرين من الْخِيَار فانحصر أَمِير الدولة وَهُوَ ولد الشَّيْخ زيد بن خَلِيل واحتار فرجح نظر الإِمَام إرْسَال عَبده الْحَاج عُثْمَان زيد إِلَى حَضرمَوْت لنيابته واستدعاه الشَّيْخ زيد خَلِيل وَلَده من ظفار فَخَرَجَا جَمِيعًا إِلَى الحضرة
فَأَما ظفار فتغلب عَلَيْهِ أحد جند الدولة الكثيرية واستند فِي الظَّاهِر إِلَى الحضرة الْعلية وَكَانَ الإِمَام قد عرض ولَايَة بِلَاد حَضرمَوْت وَمَا يتَعَلَّق بهَا وَالدُّخُول إِلَيْهَا على ابْن أَخِيه شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن فَامْتنعَ عَن ذَلِك بمشاورة صنوه صفي الْإِسْلَام وَأرْسل بعض مقاومته وَلم يتم لَهُ مرام
وَفِي رمضانها توفّي الْعَلامَة الْمُحدث زين العابدين بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ إِمَام مقَام الشَّافِعِيَّة بِالْحرم الشريف وَدفن بِمَكَّة وَهُوَ صَاحب أَسَانِيد عالية فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ
стр. 219
(وَخذ النّوم من جفوني فَإِنِّي ... قد خلعت الْكرَى على العشاق)
فَسَار إِلَيْهَا السُّلْطَان وطلع تحتهَا فِي أشرف طالع وأسعد قرَان فزهر بدره وَنفذ نَهْيه وَأمره
قَالَ الْمُؤلف أبقاه الله فِي نسخته المنقولة هَذِه مِنْهَا من خطه كمل الْجُزْء الأول من طبق الْحَلْوَى فِي اللَّيْلَة المسفرة عَن رَابِع وَعشْرين من شَوَّال أحد شهور سنة خمس عشرَة وَمِائَة وَألف على يَد مُؤَلفه الْفَقِير عَبده بن عَليّ بن الْوَزير غفر الله ذنُوبه وَستر عُيُوب ﷺ سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم
انْتهى كَمَا وجد فِي الْأُم بِلَفْظِهِ
стр. 220
الْجُزْء الثَّانِي من طبق الْحَلْوَى وصحاف الْمَنّ والسلوى
تأليف عبد الله بن عَليّ الْوَزير
стр. 221
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف
سعد فِيهَا الْحَال وطاب الْعَيْش وَطَالَ فَإِن المعصرات حركت غرابيلها وأعادت الأَرْض سرابيلها فدر الضَّرع ونما الزَّرْع وَكَانَت الشدَّة قد أَتَت على الطارف والتلد وأذهلت الْوَالِد عَن الْوَلَد
منازلة الفرنج لبندر المخا
وَفِي غرَّة محرم وصل البرتقال كَذَا إِلَى بَاب المخا فِي سَبْعَة أخشاب مَا بَين برشة وغراب وأذنوا حَاكم المخاء السَّيِّد الْحسن بن المطهر أَن بقلوبهم الوجد عَلَيْهِ مَالا يمحوه الاسْتِغْفَار وَلَا تطفي سعيره الْبحار لِأَنَّهُ لما وَقع بجماعتهم الْعمانِي سلك مَعَهم مَسْلَك التواني وأشعروه أَنهم لَهُ قاصدون وَعَلِيهِ لعدم الْوَفَاء واجدون وَمَا كَرهُوا أَن يطاردهم فِي الْبَحْر الزخار فيظهروا لَهُ الْهَرَب والانكسار ثمَّ ينعطفوا عَلَيْهِ وَقد توَسط لججا وخاض ثبجا فيهلكوه وَمن مَعَه دفْعَة وَاحِدَة ثمَّ يرجِعوا للبندر غنيمَة بَارِدَة وَمَا زَالُوا هُنَاكَ وَقد أخذُوا
стр. 222
اللامة وركزوا الْأَعْلَام عَلامَة وَالسَّيِّد الْحسن عِنْد أَن علم أَن هَذَا حَادث لَا بُد فِيهِ من النّظر واستجماع الأهبة أَخذ يداجيهم ببذل المَال وَهُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك يَسْتَدْعِي الرِّجَال وَأخذ مِنْهُم صلح ثَمَانِيَة أَيَّام حَتَّى ينظر فِي أَمرهم وَكَانَ المخا قد انجفل عَنهُ أَكثر أَهله تخوفا على الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال مَعَ مَا كَانَ قد صدر من الفرنج من قَبِيح الْأَفْعَال فَإِنَّهُم انتهبوا قبل هَذَا الْوُصُول ثَلَاثَة أغربة الْغُرَاب الْخَارِج من عدن إِلَى المخا لصفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام وغرابين آخَرين خرجا إِلَى عدن وَلما استولوا على الأغربة خرقوا الْبَعْض مِنْهَا وَعند أَن وصلت غَارة زبيد وموزع وجحاف اجْتمع بالمخا نِصَاب وافر وسكنت بعد ذَلِك الخواطر وَلما علم الفرتقال كَذَا أَن المخا قد غص بالأبطال بَادر قدر ثَلَاث مائَة نفر إِلَى قلعة فضلي وفيهَا جمَاعَة من الْمُسلمين فنصبوا لَهُم السلاليم وأذاقوهم الْعَذَاب الْأَلِيم وَكَانَ قد هرب مِنْهُم من لم يثبت فِي مَوَاقِف الصدام وَلَا يصده عَن شنار الفضيحة احتشام فَأَما الَّذين ثبتوا فَهَلَك مِنْهُم بِالسُّيُوفِ نفوس وَالْبَاقُونَ مارسوا أحوالا فِيهَا تَعب وبؤس إِلَى أَن لحقهم غوث المخا بغارة شعواء وألوية تذْهب باللأواء فرمت بنادقهم مَا فِي بطونها إِلَى ظُهُورهمْ وَرووا صدا سيوفهم من بحور نحورهم وَبعد أَن أذاقوا أَرْوَاحهم الْأَمريْنِ واحتزوا من رؤوسهم نَحْو الْعشْرين دفت ببقيتهم أَجْنِحَة غربانهم حَتَّى حطوا فِي وكر بَقِيَّة إخْوَانهمْ وَكَانُوا قد أرسو فِي الْبَحْر سفينهم وهيأوا هُنَاكَ كمينهم فَاجْتمعُوا كعصابة الرَّأْس وعادوا فِي ثَانِي يومهم للمراس وطمعوا فِي دُخُول البندر وانتهابه فأرسلوا عَلَيْهِ صواعق المدافع من بَابه وراموا تحريقه من جَانب غير حُصَيْن فانتبه لَهُم رصد ذَلِك الْمحل من الْمُسلمين
стр. 223
ووقعوا من جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال على خراب جَانب من قصر الْإِمَارَة وَقتل شخص وَاحِد من السيارة وَلم يستحسن الَّذين فِي البندر أَن يخوضوا لَهُم اللهام لأَنهم أحذق فِيهِ بمواقع الصدام وَلما استعصى عَلَيْهِم مَا سلكوه واحتقروا غَايَة مَا أدركوه رجعت بهم ظُهُور الأخشاب على متن الخضم الْعباب وَمَا زَالُوا أَرْبَعَة أشهر يتيهون فِي الموج ويستشقون فَوْج الْغرَّة من كل أوج حَتَّى قطع الأياس يافوخ فسادهم وجرهم الغيظ بأنوفهم إِلَى بِلَادهمْ وَأُولَئِكَ القاصدون لقلعة فضلي كَانُوا بعد الوقيعة قد أضاعوا لواءهم لما دهمهم من الرعب وَرَاءَهُمْ فوصل بِهِ إِلَى صنعاء مَأْمُور الإِمَام وركز فِي أعلا خَان جليل بمشهد الْخَاص وَالْعَام
وَكَانَ الإِمَام قد أرسل وَلَده عَليّ بن أَمِير الْمُؤمنِينَ مدَدا لمن فِي المخا من المرابطين وَتوجه إِلَيْهِم أَيْضا صفي الْإِسْلَام وَفِي صحبته عز الْإِسْلَام ولد الإِمَام فَلم يصل عَليّ إِلَى عدن إِلَّا وَقد انطفت نيران الْفِتَن وَأما الصفي أَحْمد وَولد الإِمَام فعادا من ضوران بعد حِين وَالْعود أَحْمد وَهَؤُلَاء الفرنج طوائف مُخْتَلفَة ومذاهب غير مؤتلفة إنقريز ولونده وفرنصيص وفرتقال والفرتقال هم أهل القضا والقضايا وَالْبَاقُونَ لَهُم كالرعايا وَقد ذكر المَسْعُودِيّ فِي مروج الذَّهَب أَن فرنج الْهِنْد أصيلون فِيهِ من قبل الْإِسْلَام وَذكر القطب الْمَكِّيّ فِي تَارِيخ بني عُثْمَان أَن طَائِفَة الفرنج فِي الْهِنْد خَرجُوا فِي الْقرن التَّاسِع وضروا فِي سواحل الْيمن وَكَانَ خُرُوجهمْ من وَرَاء الْقَمَر بِضَم الْقَاف
стр. 224
من خلف بَحر الْحَبَشَة استطرقوا من أصل بَحر الْمغرب من بِلَادهمْ بَحر الْحَبَشَة ثمَّ بَحر الْهِنْد إِلَى هَذَا الْمحل الَّذِي سكنوه فِي الْهِنْد وَلَهُم قلعة فِي الْهِنْد تسمى كوَّة بِضَم الْكَاف هِيَ مَحل سلطانهم
وَفِي صغر أَو ربيع عِنْد رُجُوع الفرنج من بَاب المندب وافقوا جمَاعَة من تجار الْحَصَا وعمان فِي مرسا بروم مَا بَين الشحر وأحور وَفِيهِمْ من عَسْكَر الْعمانِي نَحْو ثَلَاث مائَة نفر فألجأوهم إِلَى الْهَرَب إِلَى بروم بعد أَن انْكَسَرَ غرابهم المشئوم وَتركُوا لَهُم مركبهم بتفاريقه فَلم يتَمَكَّن الفرنج من غير تحريقه كَذَا لِأَن الْعَسْكَر الْعمانِي رما عَلَيْهِ فَمَا جسرت الفرنج تصل إِلَيْهِ وَلم يذهب مَا لمرماه غير وَاحِد من العمانيين
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وَردت الْأَخْبَار عَن حسن باشا أَنه سَار هَذَا الْعَام الْمَاضِي من جدة إِلَى مَكَّة لِلْحَجِّ ورام فِي الْبَاطِن أَن يكون هُوَ زعيم الْبَلَد الْحَرَام وَضَابِط قانونها بيد الْحل والإبرام فَوجدَ لِوَاء السَّعَادَة فِي يَمِين سعد وَلم يتصدر لشَيْء مِمَّا أضمر بعد وَكَانَ قد أرسل إِلَى أَمِير الْحَاج الآغا فرحان وَأَشْعرهُ أَن يدْخل مَكَّة بِأَصْحَابِهِ فِي قالب الْأَفْرَاد وَأَن دُخُولهمْ بلامة سِلَاحهمْ مِمَّا يجر إِلَى فَسَاد فَمَا حرك الآغا لكَلَامه رَأْسا وَلَا رأى من مُخَالفَته بَأْسا ورد عَلَيْهِ أَن سَعْدا هُوَ حَاكم هَذِه الأقطار بقائم السَّيْف البتار وَمَا أَمر بِهِ فَهُوَ الْمُخْتَار فَلَمَّا قضى منسك الْحَج عَاد إِلَى جدة
وَفِي صفر سَار عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد إِلَى عيان وطالب مَشَايِخ برط بِمَا أَخَذُوهُ فِي الْعَام الْمَاضِي على مارة الطَّرِيق إِلَى صعدة فَسَلُوا لَهُ أعواضا بِبَعْض مَا انتهبوه
وَفِي ربيع الأول ظهر نور عَظِيم فِي مَسْجِد النهرين من صنعاء وَاسْتمرّ ضوئه دَاخل الْمَسْجِد من صبح يَوْمه إِلَى الْعَصْر وتواثب عَلَيْهِ عوام الْبَلَد يكتحلون مِنْهُ وَأهل الْمحل يَقُولُونَ هَذَا الْمَسْجِد مبروك عَلَيْهِ ونقلت هَذِه الْأَيَّام
стр. 225
براهين للْوَلِيّ المقبور بسعوان الْمُسَمّى بفليح مِنْهَا أَن رجلا دهن بِشَيْء من سليط مَسْجده فَسَقَطت لحيته إِلَى يَده وَلم نجد لَهُ ذكرا فِي التأريخ اليمنية الْقَدِيمَة والحديثة وَهَذَا الْمقَام العامر الْبُنيان لَا يشاد إِلَّا على من لَهُ شَأْن
وَفِي هَذِه الْأَيَّام اسْتَقر صفي الْإِسْلَام أَحْمد بالغراس بعد طلوعه من ضوران حَضْرَة الإِمَام فتعقب ذَلِك وُصُول السلطانين الواحدي والعولقي إِلَى حَضْرَة شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن برداع ثمَّ إِلَى حَضْرَة الإِمَام فطالبهما بِحَدَث الْعَام الْمَاضِي وانتهاب الْقَافِلَة فأصلحا فِيهَا ثمَّ حصل التَّقَاصّ فِيمَا بَين أصحابهما فِي الْقَتْلَى الَّتِي ذهبت من بعد دُخُول الصفي الْمشرق فَزَاد لِلْوَاحِدِيِّ على العولقي قدر خَمْسَة عشر قَتِيلا فَأَما الْقَتْلَى الَّتِي من قبل فأغلق من دونهَا الْبَاب وَلم يجر فِيهَا قلم الْحساب وَكَانَ العولقي قد خرج فِي نَحْو ألف مقَاتل فَمَنعه السُّلْطَان صَالح الرصاص وَاخْتَارَ مِنْهُم مائَة نفر
وفيهَا وصل إِلَى حَضْرَة الصفي أَحْمد بن الْحسن قَاسم بن عَليّ شيخ ذِي مُحَمَّد كَذَا فِي أَرْبَعِينَ نَفرا وصحبته القَاضِي جمال الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الْعَنسِي ثمَّ نفذ بِمن مَعَه إِلَى حَضْرَة الإِمَام يستعفيه عَن دُخُول مُحَمَّد بن أَحْمد إِلَى بِلَاده
وَلم يسعده الإِمَام وَأَعَادَهُ بِمن مَعَه إِلَى الْبِلَاد بعد أَن أنعم عَلَيْهِم بالكسوة والأعذار وَفِي خلال وصولهم الحضرة وعودهم تعرض جمَاعَة من ذِي حُسَيْن لطريق خيوان فصادفوا بهَا شريفا وَولده من حوث فِي الْجَبَل الْأسود فرموهما فأصيب ولد السَّيِّد
ثمَّ إِن مُحَمَّد بن أَحْمد نقل مخيمه إِلَى بلد الحراب رَأس وَادي المراشي وَهِي بَاب برط وَطَرِيقه فاضطرب حَال أهل بر بَين الرِّضَا بِدُخُولِهِ وَالْكَرَاهَة ثمَّ إِن الصفي أَحْمد بن الْحسن لما استشعر توانى الْأُمُور دهمه من جنسه بالجمهور وَجَاءَت طَريقَة بطن الْجوف وتوسط أَمَاكِن لَا يَأْمَن فِيهَا إِلَّا
стр. 226
الْخَوْف حَتَّى سَار إِلَى معِين ثمَّ مِنْهُ إِلَى أبراد وَوَقع عسكره من بعض مواشي بني نوف على المُرَاد وَكَانَ بَنو نوف من دهمة وَاسْتقر فِي طرفه مِمَّا يَلِي بِلَاد برط قدر شهر لرأي رَآهُ وأحوال مُقْتَضَاهُ وَلم يخل عَن مشقة نَالَتْ من لَدَيْهِ لبعد القوافل والإمداد عَلَيْهِ ثمَّ طلع إِلَى برط وابتدأ بِبِلَاد ذِي حُسَيْن فَدَخلَهَا قهرا وَاسْتقر فِي بِلَاد رجوزة أَيَّامًا ونال من مَعَه التَّعَب بسب توعر الطّرق وَكَثْرَة هوَام تِلْكَ الْأَمَاكِن وأحناشها وَمَات بعض حَرِيم الصفي هُنَاكَ وَجُمْلَة من الْخَيل وَسَائِر الدَّوَابّ وَشرع الْحَال فِي الْفساد وَسَار عَن الأميرين جمَاعَة من الأجناد وَلم يبْق عِنْد الصفي غير خواصه
وَفِي هَذِه الْأَيَّام أخرب عز الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام بَيْتا هُنَالك كَانَ مجتمعا للْفَسَاد وَكَانَ عمره قرا جُمُعَة أَيَّام دُخُوله إِلَى هُنَالك بدولة سِنَان باشا
وفيهَا مَاتَ الْأَمِير مُحَمَّد كاشف ببرط وَكَانَ من أَعْيَان أَصْحَاب الصفي ومبدأ رئاسته مَعَ أَبِيه شرف الْإِسْلَام وَكَانَ قد نَاب على وصاب وَهُوَ الَّذِي خرج مَعَ الصفي إِلَى الْحَوَادِث فِي تِلْكَ القضايا والحوادث
وفيهَا شمر الهمة حَاكم المخا فِي عمَارَة القلاع المخاوية تَحَرُّزًا من فعلات الفرنج الملاعين مَعَ اعتيادهم للوصول فِي كل حِين وَفِي خَامِس عشر جُمَادَى الأولى خسف أَكثر جرم الْقَمَر فِي برج الْحمل وَغرب كاسفا
وَفِي يَوْم السبت ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى مَاتَ السَّيِّد الْعَارِف عَليّ بن يحيى ابْن أَحْمد بن الْمُنْتَصر الغرباني بظفير حجَّة وَكَانَ فِي سنّ الثَّمَانِينَ انْتقل جده الْمُنْتَصر إِلَى ظفير حجَّة فِي دولة الإِمَام شرف الدّين ﵇ وَأَصله من غربان وَله هُنَاكَ دَار وأوطان وَقد ولي الْقَضَاء بُرْهَة فِي أَيَّام الْمُؤَيد بِاللَّه ثمَّ تَركه لحدة طبعه وَأخرجه أهل الظفير فِي بعض الْأَيَّام إِلَى حجَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ وَاعْتَزل فِي بَيته
стр. 227
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل تركي إِلَى الحضرة وأوصل إِلَى الإِمَام هَدِيَّة من صَاحب الْحَبَشَة وطاقا فاخرا فَلبث بالحضرة قدر الشَّهْر وَصَرفه إِلَى بِلَاده بعد أَن عظم لَهُ الوفر
وفيهَا انتدب فَقِيه من بَين حَنش للتدليس على الْعَوام فتسمى بِعَبْد الله وَادّعى أَنه شرِيف وَكَانَ قد قَرَأَ فِي مُدَّة سَابِقَة على القَاضِي الْحسن الحيمي قِرَاءَة لم يحصل فِيهَا على طائل غير أَنه كَانَ يحسن الْإِنْشَاء ويخلب الْعُقُول من حسن بِمَا شَاءَ فوصل كحلان وَطَاف حجَّة وَتلك الْبلدَانِ والعوام تحفه على سَرِير التَّعْظِيم وتقسم بِرَأْسِهِ عِنْد كل أَمر عَظِيم فَصَاحب البخت من حقق أَوْصَافه ومرفوع الرُّتْبَة من انجر لَهُ بِالْإِضَافَة فَلَمَّا تخوف عَامل حجَّة السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الجحافي من تبالغ أَحْوَاله وَطول أذياله استدعاه إِلَى حَضرته وعجم عود نبعته فَوَجَدَهُ فِي زِيّ المدلسين الشطار وَلم ير عِنْده من الْمعرفَة إِلَّا مَا تَخْلُو عَنهُ الأغمار فَصَرفهُ عَن بِلَاده وَقطع بذلك مواد فَسَاده فَركب الْبَحْر وَسَار إِلَى حَضْرَة حسن باشا ثمَّ اسْتَقر بعد ذَلِك بِالطَّائِف وَمَا يعجزه أَن يتَمَسَّك بِشَيْء من تِلْكَ الْوَظَائِف
وَفِي نصف جُمَادَى الأولى عَاد جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد بن أَمْلَح إِلَى صعدة وَخُرُوجه إِلَيْهَا كَانَ بِسَبَب مَا بلغه من دُخُول الأميرين إِلَى برط وَكَانَا قد أشعراه بزيارة بَلَده فَخرج لأخذ الأهبة وَلم يتم دخولهما فَإِن الإِمَام رجح توقفهما عَن الدُّخُول وَأَمرهمَا بالانصراف والقفول وَجَاءَت الْجنُود فِي الرُّجُوع من طَرِيق صعدة مائلين عَن طَرِيق وَادي السَّيْل والمراشي الَّتِي تخرج من عيان لصعوبتها وَقد دخل برط فِي الدولة العباسية ودخله عنْوَة إِمَام الْيمن الْهَادِي
стр. 228
عَلَيْهِ السَّلَام وَالْإِمَام أَحْمد بن سُلَيْمَان وَالْإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَالْإِمَام شرف الدّين ﵈ ودخله قرا جُمُعَة فِي دولة سِنَان باشا وَلما أجمع الصفي بالإرتحال بِمن مَعَه خَاطب أهل برط فِي شَأْن الدَّاعِي السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الغرباني فَأَجَابُوا أَن لَا سَبِيل إِلَى إِخْرَاجه وَضمن كبارهم صغارهم فِي حفظه وَأَن لَا يتَّفق مِنْهُ شَيْء مِمَّا يتشوش مِنْهُ الخاطر وحرر الدَّاعِي عقيب ذَلِك قصيدة إِلَى وَالِده وَهُوَ بِصَنْعَاء مِنْهَا:
(وعج ببني الْقَاسِم الأكرمين ... وَمن لَهُم فِي العلى أوج)
(وأتحفهم بشريف السَّلَام ... وعاتبهم إِن هم عرجوا)
(وَقل مالكم يَا بحور الحجا ... أتيتم بِشَيْء بكم يسمجوا)
(جنودكم كلهَا أَقبلت ... على رجل وَاحِد تزعج)
(وَلَيْسَ لَهُ ثروة لَا وَلَا ... لَهُ ثمَّ أَوْس وَلَا خزرج)
(وَلم يأتكم مِنْهُ مَا تَكْرَهُونَ ... سوا أَنه قَالَ ذَا المدرج)
(وَمَا قَالَ إِنِّي إِمَام وَلَا ... الْإِمَامَة عَنْكُم لَهَا مخرج)
(وَلكنه قَالَ إِن كَانَ مَا ... ذكرت هُوَ الْمنْهَج الأوهج)
(فهبوا إِلَيْهِ إِذا شِئْتُم ... وَإِلَّا فَمَا شِئْتُم فانهجوا)
(ورد عَليّ إِذا شِئْتُم ... مقالي إِن كَانَ يستسمج)
وَفِي هَذِه الْأَيَّام رَجَعَ مَنْدُوب شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن إِلَى حَضرمَوْت
стр. 229
وَلم يحصل على طائل مِمَّا دخل لأَجله وَقيل إِنَّه قتل من أَصْحَابه اثْنَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن أَبنَاء دولة تِلْكَ الْبِلَاد أنسوا إِلَى الاستبداد
وَفِي ثَانِي وَعشْرين من رَجَب وَقع قرَان المريخ وزحل ببرج الْحُوت
وَفِي هَذِه الْأَيَّام غزا الشَّيْخ الْجيد إِلَى أَطْرَاف بِلَاد دثينة فِي جمَاعَة فَقتلُوا نفرين من أَصْحَاب شرف الْإِسْلَام
وفيهَا وصل الْخَبَر أَن سيواجي ملك الرازبوت شاوره بعض أقَارِب سُلْطَان الْإِسْلَام أورنقزيب فِي أَن يكون من حزبه وَأَن يعضده على حزبه فَأَجَابَهُ إِلَى مَا دَعَاهُ واجتمعا على قصد بندر سورت فانتهباه وتشهرا بعد ذَلِك بِالْخِلَافِ وَهُوَ أقرب البنادر فِي سمك الْبَحْر إِلَى بنادر الْيمن والمسافة مَا بَينه وَبَين عدن عِنْد صَلَاح الرّيح مِقْدَار عشْرين يَوْمًا وَمِنْه إِلَى مَحل السُّلْطَان مِقْدَار الشَّهْرَيْنِ فِي الْبر ثمَّ أَن سيواجي بعد ذَلِك سعى فِي مصالحة السُّلْطَان فاصطلحا
وفيهَا اتّفق بِصَنْعَاء أَن بَيْتا بزقاق الغول تسلط وتسلطن على أهلة الغول وأساء الْجوَار وأضر بالجار ومبدأ أمره أَن حَرِيم الْبَيْت تمنعن الحان فِي إِحْضَار شَيْء من الْأَطْعِمَة وتكرر مِنْهُنَّ ذَلِك فَحَضَرَ مَا أردنه على وفْق الاقتراح ثمَّ نَدم ذَلِك المشؤم على إِحْضَاره ذَلِك المطعوم فأفسد على أهل الْبَيْت عدَّة أَيَّام كلما هيأوه من الشَّرَاب وَالطَّعَام ثمَّ عمد إِلَى ملبوسهم الخطير فَفتهُ قطعا ثمَّ رَمَاه فِي البير وَمَا زَالَ يصابحهم ويماسيهم بمسيس الضَّرَر ويرميهم من جحيم تمرده بشرر حَتَّى أتلف مُعظم مَا مَعَهم من الْمَتَاع وأودع نفايسهم حَيْثُ الْإِتْلَاف والضياع
وَأَخْبرنِي أخي ومخدومي عُثْمَان بن عَليّ بَارك الله لي فِي عمره كَمَا شرفني
стр. 230
بِخِدْمَة أَثَره أَنه احْتَاجَ يَوْم أَيَّام طلبه بِصَنْعَاء المحمية بِاللَّه إِلَى بَيت ينْقل إِلَيْهِ أَهله من الجراف فَدلَّ على بَيت بحافة سوح السَّعَادَة من جوَار الإِمَام النَّاصِر صَلَاح الدّين عَادَتْ بركاته وَلما أَرَادَ النقلَة إِلَيْهِ أخبر أَن هَذَا الْبَيْت مُنْذُ أَيَّام يرْجم بِالْحِجَارَةِ السود تَخِر إِلَيْهِ فِي الْهَوَاء من جِهَة جبل نقم قَالَ فطفته فَرَأَيْت فِيهِ جملَة من الْأَحْجَار وَعَلِيهِ دَلَائِل الوحشة والإقفار ثمَّ شاهدت فِيهِ تِلْكَ الْأَحْوَال ورأيته يرْجم مثل قبر أبي رِغَال فنقلت أَهلِي إِلَيْهِ وتعوذت بِاللَّه وتوكلت عَلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ الْحَلَال ذهب عَنهُ ذَلِك الْحَال
وَفِي ذِي الْحجَّة أَمر عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام فِي صنعاء بالتسعير مِمَّا عدا القوتين لضرب من الصّلاح
وَفِي خَامِس عشر من ذِي الْقعدَة كَانَ تَحْويل السّنة الرومية عِنْد دُخُول الشَّمْس أول دَرَجَة فِي الْحمل والمريخ بالثور وزحل بالحوت وَالْمُشْتَرِي بالأسد وَالشَّمْس والزهرة وَعُطَارِد بِالْحملِ والجوزاء بِأول دَرَجَة من الْمِيزَان ثمَّ تدخل السنبلة
وَفِي هَذِه الْأَيَّام بعث صَاحب عمان إِلَى حَاكم المخا بألفي رَطْل من الرصاص مَعُونَة لَهُ فِي دفع الفرتقال كَذَا وفيهَا مَاتَ الشَّيْخ الْعَارِف المتصوف مُحَمَّد بن الشَّيْخ طَاهِر بن بَحر ببلدة المنصورية بتهامة وَكَانَ على طَريقَة وَالِده فِي إكرام الضَّيْف وَبسط الْأَخْلَاق
وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْفَاضِل إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْحَضْرَمِيّ بِبَلَدِهِ أكمة سلم مَا بَين الحيمة وحراز وَكَانَ استوطنها مُدَّة وتصدر لتلقي الْمَارَّة بِالْإِحْسَانِ والأخلاق الحسان وامتد إِلَيْهِ قبائل الْجِهَة بالنذور وَكَانَ لَا يدّخر عَن القصاد وَلَا عَن نَفسه شَيْئا مِنْهَا وَمن كراماته أَن بعض الْمَارَّة رأى بعض جواريه على مورد المَاء فخامره خاطره بِمَا لَا يَلِيق وَعرف الشَّيْخ فانحرف
стр. 231
عَنهُ خاطره فجن فِي الْحَال وَآل بِهِ الْجُنُون إِلَى أَن حط فِي الْحَدِيد وَمَات بعد أَن قاسى الْحَال الشَّديد
وَدخلت سنة إثنتين وَثَمَانِينَ وَألف
فِي مدْخل يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاث من محرم وصل الْخَبَر إِلَى صنعاء من طَرِيق السراة أَنه لما رمى حسن باشا جَمْرَة الْعقبَة اتّفق على رميه من رَأس الأكمة الَّتِي هِيَ جنوبي الْجَمْرَة يقْعد فِيهَا أهل الْيمن للتفرج إثنان أَحدهمَا من بواردية الشريف وَالْآخر من هُذَيْل فأصيب فِي فَخذه فَخر لوجهه فِي آنه وأحاطت بِهِ عِصَابَة فرسانه فأدخلوه التخت وفتكوا بِثَلَاثِينَ رجلا فِي ذَلِك الْوَقْت أغلبهم من لَا يحمل السِّلَاح وَلَا يُطيق النزال والكفاح لما ثار بهم من الشراسة وداخلهم من الغيظ والحماسة واضطرب هُنَالك الحجيج وارتفع الصُّرَاخ والضجيج وَوَقع النَّاس فِي أَمر مريح وَمِنْهُم من أعجزه محموله وَمِنْهُم من اخْتَلَط معقوله
أَخْبرنِي من شَاهد الْحَال أَن أَصْحَاب الباشا مضوا بعد ذَلِك سائرين وأعملوا السَّيْف فِيمَن وجدوا من الْمُسلمين فَلَمَّا مروا بأمير حَاج الْيمن وَرَأى فعلهم السخيف ووضعهم السَّيْف فِي الْقوي والضعيف لَزِمته الأنفة فَصف لَهُم عَسْكَر الإِمَام بِجَانِب الطَّرِيق وَفعل فعل المتحرش فَلَزِمَ لَهُم الْمضيق فأغضوا عَنهُ عَجزا لَا حلما ومضوا بعيون عبرا وأكباد كلما وتسارع النهب فِي أَطْرَاف منى وقاسا ضعفة الْحَج أَشد العناء
والشريف ركب من حِينه بعد أَن لبس لَامة حربه وَحين قرب مِنْهُم وَرَأَوا بريق الصفاح وتعاقب الأرماح وَعرف أَن فِي خوضه لاستفصال الْقَضِيَّة نوعا من الْإِيهَام مَعَ مَا لَا يفوتهُمْ أَن ذَلِك الْأَمر بإشارته وَالسَّلَام رجح للفور الْعود إِلَى
стр. 232
مضربه وانتبه لحفظ حَقِيقَته وَضبط منصبه فَتقدم أَصْحَاب الباشا فِي التختروان ودخلوا مَكَّة فِي النَّفر الأول بالعساكر والركبان والشريف دخل وَحده وَقد أذن بالتحرز والبطش جنده وَكَانَت الْوَقْعَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَقت الظّهْر فِي النَّفر الأول لِأَن عَرَفَة كَانَت الْأَحَد والعيد كَانَ الأثنين وَلم يكن الباشا رما لما رمى غير ثَلَاث حَصَيَات وَبعد ذَلِك انضربت كَذَا أَحْوَال مَكَّة وَبَطل البيع وَالشِّرَاء فِيهَا وَتَأَخر عَن السّفر ركاب الْبَحْر للخوف مَا بَين مَكَّة وَجدّة
وَلما كَانَ ثامن عشر شهر ذِي الْحجَّة سَار الْأَمِير على حَاج الْيمن إِلَى دَار الشريف وتضرر وَمن مَعَه بِسَبَب الْبَقَاء من سَعَة النَّفَقَة وإهمال أَحْوَالهم فَوَعَدَهُمْ بِالْجَوَابِ إِلَى الْيَوْم الثَّانِي ثمَّ استدعى فِيهِ أَمِير الْمحمل الشَّامي وخلى بِهِ وَسَار بعد ذَلِك إِلَى بَيت الباشا حسن وَتعقب ذَلِك إِذْنه للنَّاس وبالانصراف وأصحب حَاج الْيمن من قبله إِنَّمَا فارقهم من جدة وَاسْتقر بِهِ نَائِبا عَن الباشا ثمَّ خرج الباشا مَعَ أَمِير الْمحمل الشَّامي فِي التختروان وَأظْهر للشريف أَنه عازم إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان فَلَمَّا وصل الْمَدِينَة اسْتَقر بهَا واستدعى زِيَادَة من مصر وَرفع الْقَضِيَّة إِلَى الْأَبْوَاب وانتظر هُنَالك الْجَواب
وَيُقَال أَن ذَلِك الصَّوَاب حمل عَلَيْهِ فَهَلَك مِنْهُ قَالُوا وَالسَّبَب فِي الحَدِيث الَّذِي اتّفق مَعَ حسن باشا مَا ذكر للشريف من أَن الباشا موصى من الْأَبْوَاب ومصر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَإِن فرمان الْولَايَة لحسن باشا قد كَانَ بِيَدِهِ وَإِنَّمَا كتمه لعلمه أَنه لَو أظهر مَا عِنْده لعجز عَن مقاومة سعد مَعَ مَا عرفوه من جرأته وَإنَّهُ لَا يُبَالِي أَن يستبد ويستند فِي ملك مَكَّة والحجاز إِلَى نَفسه كَمَا فعل ذَلِك فِيمَا سَيَأْتِي من السِّيرَة
وَفِي هَذَا الشَّهْر ولدت بسعوان امْرَأَة عجلا فَبَقيَ يَوْمَيْنِ وَمَات وَفِي ربيع الآخر طلع جمال الْإِسْلَام عَليّ بن المتَوَكل إِلَى حَضْرَة وَالِده الإِمَام
стр. 233
وَفِيه اتّفق أَن السَّيِّد جَعْفَر بن المطهر نَائِب العدين فر بعض أَصْحَابه إِلَى مشْهد الشَّيْخ صَلَاح فَأمر بِإِخْرَاجِهِ من جورته فَلم يساعده إِلَى ذَلِك أحد فَسَار بِنَفسِهِ وَأَرَادَ إِخْرَاجه فَخرج عَلَيْهِ حَنش عَظِيم وَمَا زَالَ يرَاهُ فِي كثير من أوقاته فَسَار إِلَى المذيخرة فَلم يشْعر بِهِ إِلَّا وَقد أطل عَلَيْهِ من بَاب مَكَانَهُ فصاح واستوحش لذَلِك
وانتهبت هَذِه الْأَيَّام قافلة خرجت من جدة متوجهة إِلَى حسن باشا فِيهَا طَعَام ورصاص وَكَانَ السِّيَاق يخرج من مصر إِلَى يَنْبع فِي الْبَحْر حَتَّى تصل إِلَيْهِ
وَفِي جُمَادَى الأولى استولى الخسوف على جرم الْقَمَر بِالرَّأْسِ بمصاحبة زحل ومقابلة المريخ للكسوف بالسنبلة وَاسْتمرّ خمس سَاعَات
وَكَانَ حِسَاب الْيَهُود لعنهم الله قد تغير فِي هَذِه السّنة فِي تَوْفِيَة أعيادهم على الشُّهُور الرومية فقدموه على وقته بِقدر شهر كَامِل فجعلوه سبت السبوت فِي هَذِه السّنة فِي جُمَادَى الأولى وَهُوَ فِي آخِره وَرَجَعُوا فِي الْعَام الثَّانِي إِلَى الصَّوَاب ثمَّ عَادوا إِلَى التَّقْدِيم
وَفِي جُمَادَى الثَّانِي وصل إِلَى الإِمَام الشريف عبد الْكَرِيم بن باز من عتود وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثِينَ نَفرا يطْلب الْإِمْدَاد بِالْمَالِ وَالسِّلَاح ليستعين بذلك على طرد الْقَبَائِل الثائرين عَلَيْهِ هُنَاكَ وَكَانَ الشريف سعد قد ولاه تِلْكَ الْجِهَات وَأمره بالذب عَنْهَا فَلبث عِنْد الإِمَام نَحْو خَمْسَة أشهر ثمَّ أَعَانَهُ بِالَّذِي طلب وَسَار إِلَيْهَا
وَفِي هَذَا الشَّهْر عرض الإِمَام على وَلَده صفي الْإِسْلَام أَحْمد ولَايَة ذمار فأباها واشتاق إِلَى شهارة وَتلك الديار لِأَنَّهَا أوطانه الْقَدِيمَة ومواضع حل التميمة فولاه نصف بِلَاد عذر فَتَجَاوز عَنْهَا إِلَى غَيرهَا وَنهى وَأمر وعارض شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه حَتَّى وهنت أَحْكَامه واتسعت أَوْهَامه
стр. 234
وضاف صَدره وَاخْتَلَطَ أمره وَلما وَفد عيد الْأَضْحَى خرج الْحُسَيْن بن شهارة وَأقَام الْعِيد فِي قَرْيَة الصاية ثمَّ عَاد وَكتب إِلَى الإِمَام يستعفيه عَن ولَايَة مَا فِي يَده من الْبِلَاد وَكَانَ يرى أَن ذَلِك مُنَبّه على الافتقاد وقامع لِأَحْمَد عَن دَائِرَة الإصدار والإيراد فَلم يعد الْجَواب إِلَّا بِأَمْر أَحْمد باتخاذ الرّيح والطبول والعسكر وَعرض أهل الْعَهْد والجند على الدفتر
وَفِي هَذِه الْأَيَّام سَار إِلَى الإِمَام كثير من أهل شبام وكوكبان وَشَكوا إِلَيْهِ أَن الْأَمِير عبد الْقَادِر بن النَّاصِر أخر عَنْهُم بعض مَا يعتادونه فأرجعهم إِلَيْهِ مصحوبين بالفقيه مُحَمَّد بن عز الدّين الْأَكْوَع الَّذِي كَانَ مَعَ شرف الْإِسْلَام الْحسن بن الْمَنْصُور
عونيا وخازنا
وَفِي خلال ذَلِك سَار السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمفضل إِلَى الْوَادي وَالسَّيِّد الرئيس عماد الدّين يحيى بن أَحْمد الحمزي إِلَى صنعاء قَالَ بعض قرَابَة الإِمَام وَكَانَ فِي خاطرهما شَيْء من ذَلِك فَلَمَّا اسْتَقر الْفَقِيه بكوكبان دفتر الْحُقُوق بقلم التَّحْقِيق وَنظر فِي قانون التقسيط بِنَظَر التدقيق فَرُبمَا عالت الْفَرِيضَة على الكبراء وَدخل النَّقْص على الْأَعْيَان والأمراء فَظهر وَجه الرِّعَايَة للسيدين وقصدهما بعناء قَول بن الْحُسَيْن
(وندعهم وبهم عرفنَا فَضله ... وبضدهما تتبين الْأَشْيَاء)
ووفدت الْأَخْبَار إِلَى هَذِه الديار أَن قصَّة حسن باشا لما اتَّصَلت بالسلطان كدرت أَحْوَاله وشوشت عَلَيْهِ باله وَرُبمَا استنبط فِيهَا تغلب الشريف على مَا دون مصر فبرزت أوامره على صَاحب مصر أَن يُجهز على جدة عَسَاكِر فِيهَا كِفَايَة لحفظها ريثما يفتقد الْأَمر
وَفِي هَذِه الْأَيَّام دخل الفرنج إِلَى جَزِيرَة سقطرى من بِلَاد الْمهرِي فَصَالحهُمْ لعدم الْقُدْرَة على حربهم وَسَكنُوا مِنْهَا بمَكَان يُقَال لَهُ قشن وَكَانَ الإِمَام قد هم بتجهيز الشَّيْخ زيد الْهَمدَانِي عَلَيْهِم فَبَلغهُ تجهيز مُحَمَّد شاويش من مصر إِلَى مَكَّة فَأَضْرب عَن ذَلِك
стр. 235
وَفِي ذِي الْحجَّة جَاءَت كتب من الشَّقِيق وجازان تَتَضَمَّن الْأَخْبَار بِخُرُوج مُحَمَّد شاويش وَجُنُوده قَالُوا وَأَصله من الْيمن
وَفِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة دخل مَكَّة فِي قدر ثَلَاثَة آلَاف وَحط بِالْعُمْرَةِ والشريف سعد عِنْد ذَلِك أَمر بِلَالًا من المماليك بالمرور على الجناب مُحَمَّد شاويش لتسلم الخلعة فَسَار إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ الْمُعْتَاد مِنْهَا
وَكَانَت الْأَخْبَار قد وصلت من جيزان إِلَى هَذِه الْجِهَات وفيهَا أَنهم انفصلوا عَن جدة وَقد وصل إِلَيْهَا خبر تجهيز الْوَزير حُسَيْن باشا على الشريف سعد مَعَ الْمحمل الشَّامي وَكَانَ الإِمَام قد جهز لإمارة الْحَج الآغا فرحان فَفِي منسلخ ذِي الْحجَّة وصل مِنْهُ مَكْتُوب يخبر أَنه وصل بِمن مَعَه إِلَى السعدية مَحل الْإِحْرَام للتوجه إِلَى الْمَنَاسِك الْعِظَام فَجَاءَتْهُ كتب الشريف قاضية بالإرجاف والتخويف آمرة لَهُ وَلمن مَعَه بِالرُّجُوعِ إِلَى الْيمن مخبرة أَنه سيصل إِلَى مَكَّة بيك حُسَيْن فِي خيل وخول وأمراء ودول وَقد تقدمه مُحَمَّد شاويش بِتِلْكَ الْجنُود والعسكر الْمَفْقُود المنقود وَأَن الْخَيل الدَّاخِل إِلَى مَكَّة قدر الْأَلفَيْنِ والعسكر وركاب المطايا زهاء عشرَة آلَاف راجل على خَمْسَة آلَاف مَطِيَّة كل راجل مَعَه بندقان وَمَعَهُمْ الدباب وَهِي آلَة للحرب قد كَانَ بَنو أَيُّوب وَبَنُو رَسُول بِالْيمن يتخذونها واتخذها الإمامان الأعظمان صَلَاح الدّين النَّاصِر وَولده الْمَنْصُور وَأخْبر بعض من حضر دُخُول الْوَزير حُسَيْن إِلَى مَكَّة أَن جملَة الرجالة من عسكره إحد عشر ألفا
وَرجع الآغا فرحان بِمن مَعَه من السعدية رَابِع ذِي الْحجَّة وَكَانَ قد أنفذ بعض مَا عِنْده من الصر إِلَى الشريف سعد فَقَبضهُ وَلما
стр. 236
وصل فِي الرُّجُوع إِلَى الهظب أغار جمَاعَة من قبائل الْبِلَاد على آخر الْقَافِلَة فَمَنعهُمْ أَهلهَا وتراجموا بِالْحِجَارَةِ فَرجع الآغا ورما بالبنادق وَقتل مِنْهُم أَرْبَعَة وهرب الْبَاقُونَ وَتبع حَاج الْيمن فِي الْخُرُوج وَزِير الشريف وَمَعَهُ بعض الحشم والمماليك فأدركهم بحلي وَوصل مَعَ الْأَمِير إِلَى حَضْرَة الإِمَام
وَلما تألبت هَذِه الجموع على الشريف أَخذ حذره وَأحكم أمره فوصل عَرَفَات ثمَّ نزل منا وَأصْبح يَوْم النَّفر الأول عَازِمًا على جبل الطَّائِف وَأعْرض عَن لِقَاء الْأُمَرَاء والبواش فَلَمَّا سَار حصل من هُذَيْل الإنتهاب لمن لحق فِي الأعقاب بوادي نعْمَان وانتهب هُذَيْل بني عصيه وَقتلُوا مِنْهُم من لم يسلم سلبه وَاسْتقر سعد هَذِه الْأَيَّام بِالطَّائِف
وفيهَا جَاءَت الْأَخْبَار بِأَن الفرنج وصلوا إِلَى السَّاحِل وَمنعُوا الْخَارِج والداخل فِي أحد عشر مركبا فاستدعى السَّيِّد الْحسن بن المطهر أَخَاهُ جَعْفَر بن المطهر فوصل إِلَيْهِ من العدين فِي أَربع مائَة مقَاتل واستدعى من زبيد نَحْو الْمِائَة وَعز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام أعد جَيْشًا نَافِعًا لوقت حَاجته وَصرف السَّيِّد الْحسن إِلَى دواير المخا جملَة من الْعَسْكَر وَكَانَ قد أنفذ رُتْبَة إِلَى قلعة فضلي فاستمر الحطاط على المخا قدر شهر ثمَّ وَقعت المراسلة بَين الفرنج وَالسَّيِّد بِالصُّلْحِ على أَن يسْقط على تجارهم الداخلين المخا بِقدر مَا كَانَ أَخذه السَّيِّد زيد بن عَليّ أَيَّام ولَايَته ثمَّ دخل تجارهم بعد ذَلِك إِلَى البندر وَرجع الْآخرُونَ إِلَى بِلَادهمْ
وفيهَا شرع صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن فِي اسْتِخْرَاج غيل بِالْقربِ من الْحَمْرَاء وَلما توَسط الحفارة فِي عمله انْهَدم عَلَيْهِم فَهَلَك نَحْو سَبْعَة فَاضْرب عَن الْعَمَل فِيهِ
وَدخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف
فِي غرَّة محرم مِنْهَا حل زحل آخر برج الْحُوت وَاتفقَ قرَان الزهرة وزحل
стр. 237
ببرج الْحُوت
وَلما استفصل من فِي الْيمن خبر سعد والأروام وَرفع خبر التَّجْهِيز عَلَيْهِ إِلَى مسامع الإِمَام وَكَانَ فِي الْأَخْبَار تهويل يقْضِي بِأَن مَكَّة غير مُنْتَهى سفرهم فَإِنَّهُم لَا يتركون الْيمن وَقد تمكنوا وخاض مَعَ الإِمَام بعض النَّاس فِي الْأَخْذ للأهبة وملاحظة جَانب سعد بالتقوية حَتَّى عَاد جَوَاب صفي الْإِسْلَام أَحْمد ابْن الْحسن وَولده عز الْإِسْلَام بعد استمداد مشورتهما أَن الرَّأْي إِظْهَار الْغَفْلَة فَاسْتحْسن ذَلِك الإِمَام وَرَأى أَن الصّلاح موادعة الأروام وَأَن الرَّأْي كَمَا قَالَ بعض أهل الأحلام
(لَا تصغ إِن شردعا فالشران ... تنهض لَهُ ينْهض وَإِن تسكن سكن)
(وسديد رَأْي لَا يُحَرك فتنه ... سكنت وَإِن هِيَ حركته لَهَا اطْمَأَن)
وَلما لم يتم الْحَج لأهل الْيمن كَمَا وصفناه قَالَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن صَالح فِي ذَلِك
(أظلما عَن الْبَيْت الْحَرَام نذاد ... على مثلهَا الْخَيل الْعتاق تقاد)
(وخسفا يسام الهاشميون إِنَّهَا ... لفادحة فِيهَا الحتوف عتاد)
(فَلَا نَامَتْ الأجفان يَا آل قَاسم ... وَكَيف وفيهن السيوف حداد)
(وَلَا حملتكم من نتايج داحس ... شوازب إِن لم يستشب زناد)
(إِذا لم يصن عرض الْخلَافَة فِيكُم ... فَمن أَيْن مجد طارف وتلاد)
стр. 238
(تدافعت البيد الموامي بقومكم ... تدافع ذل فِي صماة صماد)
(وردوا حيارى خائبين بصفقة ... ينَال بهَا ريح الردى ويفاد)
(وَقد شارفوا أرجاء مَكَّة فانثنوا ... بفاقرة تفري الْأَدِيم وعادوا)
(بني الْقَاسِم الْمَنْصُور هَل تحسبونها ... بهينة لَا بل عناء وعناد)
(فعزما فَأنْتم أسرة السؤدد الَّذِي ... مبانيه فَوق النيرات تشاد)
(ألستم بِأَهْل الرُّكْن وَالْحجر والصفا ... بِلَا وَهِي أوطان لكم وبلاد)
(فَلَا تتركوا الأتراك فِي جنباتها ... على الغي قد ساسوا القروم وسادوا)
(وصولوا مصالا يتْرك الْبَحْر جذوة ... وحزما فَمن فَوق الْجمار رماد)
(وَيَا آل قحطان وَيَا آل حاشد ... وَآل بكيل آن آن جِهَاد)
(يذاد عَن الْبَيْت الْحَرَام حجيجكم ... كَمَا ذيد من ذيب الفلاة نقاد)
(فشدوا حزَام الحزم فالطرف أَن يدع ... مشد حزَام مَال مِنْهُ بداد)
(أَلا أيقظوا نجل الْعُيُون عَن الْكرَى ... فَلَيْسَ بهَا إِلَّا قذا وسهاد)
(إِذا فاتها من أسود الرُّكْن نظرة ... فَلَا دَار فِي أحداقهن سَواد)
(قَلِيل بِأَن تشرى مني بمنية ... ليَالِي لقى تزهوا بِهن سعاد)
стр. 239
(وتجريع كأس الْمَوْت أَن تدر زَمْزَم ... واعوزت الوراد مِنْهُ ثماد)
(وَنحر الْفَتى المكروب فِي عرفاتها ... على وَقفه فِيهَا الحروب ترَاد)
(ألذ وَأحلى للكمي مذاقه ... أَلا انتبهوا يَا قوم طَال رقاد)
(إتقذا عُيُون مِنْكُم بمذلة ... وتغضى عُيُون حشوهن قتاد)
(ويصفوا على ذَا الضَّم للْحرّ مشرب ... وَكَيف وَشرب الْهون مِنْهُ براد)
(دعوتكم هَل تَسْمَعُونَ نِدَاء من ... يحرض لَكِن لَا يُجيب جماد)
(فيا سيف سيف الله من حسن أجب ... فقد لقحت حَرْب وثار نهاد)
(أأحمد مَاذَا الْعود مِنْهُم بِأَحْمَد ... وَلَكِن حَدِيث الضيم مِنْهُ معاد)
(فثر ثورة واغضب لِرَبِّك غضبة ... بعزم لَهُ فَوق النُّجُوم مهاد)
(وَقل لأمير الْمُؤمنِينَ أمثلها ... يُرَاد بِنَا والمقربات جِيَاد)
(لأية مغنى هَذِه الْخَيل تَدعِي ... وبيض المواضي والرماح صعاد)
(وفيم تجر الْجَيْش وَهُوَ عَرَمْرَم ... لهام بِهِ غصت ربى ووهاد)
(أغايته يَوْم الغدير لزينة ... وَغَايَة جرد الْخَيل مِنْهُ طراد)
(أَبَا الله وَالدّين الحنيف وصارم ... على عاتق الْإِسْلَام مِنْهُ نجاد)
(ويأبى أَمِير الْمُؤمنِينَ وبأسه ... وَفِي الثغر والرأي السديد سداد)
(وأنصاره الأساد أقيال يعرب ... غطارف فِي دين الآله شَدَّاد)
(فيا أَيهَا الْمولى الْخَلِيفَة عَزمَة ... فقد شَاب فود واستشب فؤاد)
стр. 240
(فَلَا تبر أقلاما سوى من لهاذم ... لَهَا من دِمَاء المارقين مداد)
(وَلَا كتب إِلَّا الكتايب والظبى ... وَلَا رسل إِلَّا قِنَا وجياد)
(دعى أَحْمد الْهَادِي بِمَكَّة مُفردا ... فَمَال ذووه عَن دَعَاهُ وحادوا)
(وَقَامَ وجنح الْكفْر داج غدافه ... وَمَا الْكَوْن إِلَّا ظلمَة وَفَسَاد)
(وَأَنت لَهُ فِينَا أجل خَليفَة ... بكفك للنصر الْمُبين قياد)
(فسير أَمِير الْمُؤمنِينَ جحافلا ... لَهُنَّ من السحب النقال مُرَاد)
(وحث بخيل الله وأبعث رعالها ... فقد سَاءَ تأليف وَعز وداد)
(وجهز صفي الدّين يمْضِي بهمة ... بأشراكها نسر السَّمَاء يصاد)
(وأيده بالأبطال إبنا عَمه ... وبإبنك عز الْآل تثن وساد)
(وَلَا تطو أحشاء الفخار على جوى ... تاجج مِنْهُ جذوة وزناد)
(أيقصى عَن الْبَيْت الْحَرَام رِكَابنَا ... ويهدم من آل النَّبِي عماد)
(أَلا تذكر الأتراك غارب أثلة ... وأنود إِذْ ذاقوا الوبال وبادوا)
(وَيَا رب يَوْم أدركوا فِيهِ مصرعا ... وللوحش مِنْهُم منهل وزواد)
(فعودوا عَلَيْهِم عودة مضرية ... يصاب سليم عِنْدهَا وَمُرَاد)
стр. 241
(إِذا أَحرمت بيض السيوف محلّة ... وفاض نجيعا أبطح وجياد)
(هُنَالك يشفى غيظ نفس كَرِيمَة ... وَقد حَان من أهل الضلال حصاد)
(ودونكم الحذا من قلب عَارِف ... لَهَا حكم مَا أَن لَهُنَّ نَفاذ)
(لقد أرْسلت أَمْثَالهَا وترسلت ... فواصل فِيهَا للعداة صفاد)
(أصيخوا لَهَا سمعا وعواما يَقُوله ... خطيب بليغ الواعظات جواد)
(سَلام عَلَيْكُم إِن عملتم بحكمها ... وَإِلَّا فَلَا جاد الديار عهاد)
وَكَانَ مَعَ عود الْوَزير حُسَيْن باشا مَعَ الْمحمل الشَّامي تمهيد أَحْوَال الْحجاز وَشد الْوَطْأَة على غَيره بِسَبَب مَا فَعَلُوهُ فِي الْعَام الْمَاضِي وَأخْبر الزوار عِنْد وصولهم أَنهم رجعُوا والعساكر العثمانية متوجهة على الشريف سعد لمناجزته وَإنَّهُ يَوْمئِذٍ يُرِيد الْخُرُوج من الطَّائِف إِلَى بحيلة وَكَانَت الْأَخْبَار قد ارْتَفَعت إِلَى حلب وَغَيره أَن صَاحب الْيمن قد استولى على الْحَرَمَيْنِ بمساعدة الشريف سعد وَأثبت لَهُ المراسيم الإمامية وَزَاد مؤذنه فِي الآذان حَيّ على خير الْعَمَل حَتَّى نفذ مكتوبان من حُسَيْن باشا أَحدهمَا إِلَى حلب وَالْآخر إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان بِمَا يتَضَمَّن إِنَّه بَاقٍ فِي الْمَدِينَة المنورة وَأَن سعد قد تزحلف عَن الْحَرَمَيْنِ اللَّذين هما مُسْتَقر سُلْطَان الْحجاز إِلَى غَيرهمَا من الْبِلَاد وَأَن صَاحب الْيمن بمغزل عَمَّا نقل عَنهُ
وفيهَا انتهب سحار وَآل عمار قافلة خرجت من صعدة فِيهَا نقد كثير مصدر إِلَى صنعاء وبندر المخار قيل أَن سَببه أَن أَمِير تِلْكَ الْجِهَات جمال الْإِسْلَام
стр. 242
عَليّ بن أَحْمد بن الإِمَام كَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام بِحَضْرَة الإِمَام ففارقه بعض مشائخ بِلَاده من غير أَن يُعينهُ على إِحْسَان من الإِمَام ينْفَصل بِهِ إِلَى بِلَاده فَضَاقَ صَدره واستحكم كبره وصنع مَا صنع وَلما سَار جمال الْإِسْلَام إِلَى صعدة اسْترْجع الْبَاقِي ورده على أَهله وَمَا زَالَ عقب ذَلِك يتخطف حول صعدة وَأحمد ابْن الْمُؤَيد وَهُوَ فِي عيان أرسل مَعَ بعض القوافل جمَاعَة من عسكره إِلَى بَاب صعدة وفيهَا جَاءَت الْأَخْبَار من الْجِهَة الشحرية بركَة أميرها أَمِير الدّين الْقرشِي وَأَنه اضْطر إِلَى مصالحة من بهَا من السلاطين
وَفِي ربيع الأول لما بلغ دهمة من برط فعل آل عمار بِبَاب صعدة كَانَ ذَلِك أُسْوَة لَهُم فِي الجرائة غير ملتفتين إِلَى العواقب وَأَن الْمَرْء إِنَّمَا يتغزى للمصائب وَلَا يتأسى بالمعائب فَخرج جمَاعَة مِنْهُم إِلَى رَأس المصراخ ونوروا فِيهِ للسَّيِّد مُحَمَّد ابْن عَليّ الغرباني قيل وَالسَّبَب فِيهِ أَن الإِمَام أَمر ابْن أَخِيه أَحْمد بن الْمُؤَيد بِاللَّه أَن يجمع مواد الْبِلَاد البرطية ويضمها إِلَى مصرف الْأَصْنَاف الثَّمَانِية وَمن لَهُ مَعْلُوم من قُضَاة برط أَخذه من مخزان بَيت المَال فشق ذَلِك على الْقُضَاة وأعوزهم إِلَى التبرم والتجرم وَلَا شكّ أَن تَغْيِير المراسم وانضراب المعالم سِيمَا فِيمَا يعود إِلَى الأرزاق أَمر تنفر عَنهُ الطباع وتنوء عَن حَدِيثه الأسماع وَلم يتم إِلَّا مَا قَالَه الضاة وَأخذُوا حُقُوقهم وَالسُّيُوف منتضاة وَفِي خلال ذَلِك غزاهم قبائل وائلة فانتهبوا شَيْئا من مَوَاشِيهمْ وَقتلُوا مِنْهُم اثْنَيْنِ وغزا برط إِلَى طَرِيق العمشية فنهبوا فِيهَا وعادوا إِلَى بِلَاد دهمة وَلما رأى السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ تسارع الْفساد مَعَ عدم الْحَاصِل فِيمَا أَرَادَ نهاجها لَهُم وشاور فِي ذَلِك عقالهم وَسكن هَذِه الْمدَّة عَن حركات الدعْوَة
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل إِلَى الإِمَام شكاة من أَطْرَاف بِلَاد سنحان فَوجه مَعَهم
стр. 243
على غرمائهم جمَاعَة من الْعَسْكَر فَلَمَّا استقروا حَيْثُ أَمر وأبلغ ذَلِك عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام فاستدعى الْعَسْكَر الواصلين من الحضرة فَوَقع مِنْهُم التلكي فضاعف الرُّسُل لَهُم وأشخصوا إِلَى حَضرته فَأمر بانتهابهم وشدد فِي عقابهم فَعجب من ذَلِك الغبي من النَّاس وخبط فِي الْأَمر من لَا يتفرس مَوَاضِع الالتباس وَجَهل أَن ولَايَة عز الْإِسْلَام فِيهَا التَّفْوِيض فِي جَمِيع المطالب وَأَن الْبناء بَينه وَبَين وَالِده أَن الْحَاضِر يرا مَا لَا يرَاهُ الْغَائِب
وَفِي ربيع الأول وصل إِلَى الإِمَام بعض مشائخ جبل صَبر شاكين من الْعَامِل الشَّيْخ رَاجِح الأنسي وَلما أعرض عَنْهُم الإِمَام لمخامل ظَهرت لَهُ تحزبوا على الْخلاف وساعدهم على ذَلِك أهل الحجرية الأجلاف فكفوا يَد الْعَامِل وأشرعوا أسنة العوامل وحذفوا حَيّ على خير الْعَمَل من الآذان وَقتلُوا من الْعَسْكَر ثلثه
فِي ذَلِك الأوان وَرُبمَا وجهوا شَيْء من المطالب إِلَى حَضْرَة الإِمَام واستعانوا بِالْبَاقِي على حوادث تِلْكَ الْأَيَّام فَوجه إِلَيْهِم الإِمَام السَّيِّد الْمِقْدَام صَالح عقبات واعتنى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن فِي إطفاء شرارهم وقمع أشرارهم وجدد حِينَئِذٍ عمَارَة المنصورة بِرَأْس جبل الحجرية وجر إِلَيْهَا المدافع وَهِي معقل قديم لملوك بني أَيُّوب وَذكرهَا ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان طغتكين صنو السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن أَيُّوب وَأَنه الَّذِي اختطها
стр. 244
وَفِي ربيع الآخر توفّي بحصن مُبين نَائِب حجَّة السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الجحافي وَقعد مَكَانَهُ أَخُوهُ عَليّ بن الْحُسَيْن وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصلت كتب مَكَّة معلنة بِخُرُوج الشريف بَرَكَات وَمَعَهُ جمَاعَة من عَسْكَر السلطنة وَصَاحب الْمحمل الْعِرَاقِيّ إِلَى محروس الْمَبْعُوث وَأَن الشريف سعد بن زيد سَار من الطَّائِف إِلَى بحيلة وَهِي مَا بَين الطَّائِف وبلاد بيشة
وَفِي خَامِس ربيع توجه صفي الدّين أَحْمد بن الْحسن من الْغِرَاس إِلَى صنعاء فَبَاتَ بداره ثمَّ سَار إِلَى ضوران حَضْرَة الإِمَام بعد ان ازعجه الإِمَام للوصول للخوض فِيمَا كَانَ سعد بن زيد ذكره من استدعاء عَسَاكِر لأخذ الْحَرَمَيْنِ وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى مَا أَشَارَ بِهِ الصفي وَولده الْعزي وَفِي أثْنَاء ذَلِك وصل مَكْتُوب السنجق دَار مُحَمَّد شاويش بكر لبكي السلطنة ونائبها فِي الْخُرُوج على سعد يذكر فِيهِ أَنه بلغه رُجُوع بعض حَاج الْيمن وَأَنه سَاءَهُ ذَلِك وَرُبمَا أَن التخوف من جَانب الباشا حُسَيْن وَأَن الشريف سَعْدا إِذا أَرَادَ الْخُرُوج إِلَيْكُم فاحذروا عَن مساعدته واسعوا فِي مباعدته فخروجه إِلَى الْيمن مَظَنَّة لتغير خاطر السُّلْطَان وَالرجل مَرْفُوع خَبره متبوع أَثَره فصادف كَلَامه شَيْئا فِي نفس الصفي وَمن أَشَارَ بشوره
وَفِي جُمَادَى الأولى توفّي السَّيِّد الْعَلامَة صارم الْإِسْلَام إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي بِبَلَدِهِ العشة خَارج صعدة ﵀ وَأعَاد من بركاته وَله الشَّرْح على هِدَايَة سَيِّدي صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وَشرح الكافل وَغير ذَلِك وَقيل أَن لَهُ مؤلفا فِي الْأَنْسَاب سَمَّاهُ الرَّوْض الباسم وَفِي نسب آل الْقَاسِم يَعْنِي الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم وَلم أَقف عَلَيْهِ
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل مُحَمَّد عَامر بن الْحَبَشَة إِلَى سَاحل المخا طريدا من سواكن بعد وُصُول عمر باشا إِلَيْهَا وَكَانَ قد أَسَاءَ إِلَى جَانب مصطفى باشا
стр. 245
نائبها الأول فَأخْرجهُ مِنْهَا ورام التغلب عَلَيْهَا وَلما انْتهى إِلَى السَّاحِل حَار فكره والتبس أمره فعرج عَن البندر وَلم يعلم أَيْن اسْتَقر
وفيهَا وَقع الْمَطَر الْجُود بجبل أرتل وَبَيت بوس جنوبي صنعاء وَاجْتمعت بخندقها السُّيُول وانهدم بهَا أَكثر الغيول سِيمَا غيل الإِمَام وَقد اعْتَادَ ذَلِك مُنْذُ أَيَّام وَكَانَت الشدَّة قد توالت والأسعار قد تعالت وتغالت وَمَا زَالَت تَتَرَدَّد فِي سنة سبع وَسبعين إِلَى تَارِيخ حُدُوث هَذَا الْغَوْث بِهَذَا الْغَيْث من السنين وَللَّه الْأَمر
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة هرب من بيشة مُسْتَقر الشريف سعد بن زيد وزيره الآغا شعْبَان فِي زهاء أَرْبَعِينَ نَفرا من الْعَسْكَر والأعيان فوصلوا إِلَى حَضْرَة الإِمَام بِصَنْعَاء وَقد سلب فِي الطَّرِيق أَكثر سِلَاحهمْ وقاسوا اهوالا فِي مفاداة أَرْوَاحهم وَفِي هَذَا التَّارِيخ وصل الْخَبَر بوصول الجناب مُحَمَّد حبسي إِلَى جده ثمَّ دخل مَكَّة وَكَانَ خُرُوجه من مصر إِلَى الْبَحْر فِي نَحْو ثَلَاث مائَة من الْعَسْكَر وصحبته جوامك الْجند وَلما اسْتَقر ركاب مُحَمَّد شاويش بِالطَّائِف جمع مشائخ هُذَيْل وَغَيرهم وحبسهم واسترهنهم فِيمَا يحصل من التخطف حول الْحرم الشريف من اشرارهم
وَفِي هَذِه الْأَيَّام قبض عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن المتَوَكل على الله مَالا خطيرا أوصى بِهِ الآغا سعيد بن ريحَان لجَانب بَيت المَال وَكَانَ فِي الأَصْل مَمْلُوكا لملك الْيمن الْحسن بن الْقَاسِم فكاتب نَفسه وَلَعَلَّ مُكَاتبَة الْحسن لسَعِيد من بَاب الإسعاد وَإِلَّا فَإِنَّهُ من النَّوْع الْفَائِق فِي الْمُلُوك الأجواد
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ السَّيِّد عَليّ بن حفظ الدّين سحلة بضوران وَكَانَ قد ولي بِلَاد حراز ثمَّ عذر مِنْهَا وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله العياني بالروضة وَدفن بخزيمة وَكَانَ عُمْدَة مَعَ شرف الْإِسْلَام الْحسن فِي كثيرا من أُمُوره وَولي من قبله بِلَاد اليمانية من سنحان فاستمر بهَا إِلَى دولة المتَوَكل على الله وَحين تَوَجَّهت بِلَاده إِلَى صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن زَالَ نظره عَنْهَا
стр. 246
وَفِي رَجَب عَاد مُحَمَّد شاويش من جبل الطَّائِف وَنزل إِلَى مَكَّة بِمن مَعَه من الْجنُود والطوائف وَهُوَ على مَسَافَة يَوْمَيْنِ وَترك فِيهِ عصبَة من الرُّتْبَة وبالقنفذة ايضا قدر مِائَتَيْنِ بِنَظَر الشريف بَرَكَات وَاسْتقر بَرَكَات هَذِه الْمدَّة بِمَكَّة وَثبتت لَهُ الوسادة بعد أَن تحولت أَحْوَال صَاحب دَار السَّعَادَة
أَخْبرنِي بعض من وقف فِي خدمَة سعد دهرا طَويلا أَن بَرَكَات كَانَ فِي أَيَّام مملكة سعد أخص خواصه لأوقات الصفو والإستراحة وَكَانَت الأذهان منصرفة عَن أَن يَنَالهُ حِصَّة من ملك الْحَرَمَيْنِ فَلَمَّا أجلى الشريف سعد عَن مَكَّة تطلعت نفوس أكَابِر الْأَشْرَاف إِلَى خطته فتلطف بَرَكَات فِي أثْنَاء اللَّيْل فِي إرْسَال مَنْدُوب ظريف أَصْحَبهُ أكياسا فِيهَا مَال خطير إِلَى نَائِب السلطنة وَكَانَ الْأَمر بِيَدِهِ فِي نصب من يرَاهُ آهلا بطريقة التَّفْوِيض فَجمع النَّائِب لتسلم الخلعة وَتَقْرِير مراسم المملكة أَعْيَان الْأَشْرَاف وَقرر عَلَيْهِم إمتثال مَا بِيَدِهِ من السلطنة فِي إِقَامَة من يرَاهُ فأذعنوا لأَمره وَفِي بالهم أَن ينص على من عدا بَرَكَات وَلما حصلوا فِي حَضرته قَامَ أَرْبَاب الخلعة وناطوها بعاتق بَرَكَات قَالَ الرَّاوِي فشاهدت من تغير ألوان أُولَئِكَ الْأَعْيَان مَا يدهش لَهُ الْفُؤَاد وينصدع لَهُ الجماد غير أَنه لم يسعهم بعد تقدم المواطأة غير السّمع وَالطَّاعَة وأخفق مسعى أُولَئِكَ الجم الْغَفِير وَلم يتم غير مَا سبق بِهِ علم اللَّطِيف الْخَبِير
وَفِيه حصلت المواحشة بَين جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد وَشرف الْإِسْلَام الْحسن بن المتَوَكل على الْعَزِيز العلام بِسَبَب ان بعض أَصْحَاب عَليّ رما فِي العرضة فَأصَاب لِوَاء الْحسن فَانْكَسَرت صعدته وَكَاد العسكران أَن يفترقا فحبس الرَّامِي فِي الْحَال وحسم بذلك مَادَّة النصال
وَلما اسْتَقر الْحسن بصعدة طَالب مَشَايِخ آل عمار وسحار فِيمَا ذهب على الْقَافِلَة من التُّجَّار فَأَجَابُوا أَن أَكثر الفاعلين هربوا وَهَذِه بُيُوتهم بَين أَيْدِيكُم فَأَمرهمْ بِتَسْلِيم مَا فَرْضه وَالِده من الْآدَاب عَلَيْهِم وسلموه وأخربت بيُوت
стр. 247
الهاربين وَكَانَ قد قبض على سَبْعَة أَنْفَار من الناهبين فَأمر أَن تضرب الرّيح على أكتافهم فِي سوق صعدة وَحين خرج عَنْهَا أَمر بِضَرْب أَعْنَاق ثَلَاثَة مِنْهُم وَأرْسل بباقيهم فِي الأغلال إِلَى حَضْرَة وَالِده وَحصل هزج عَظِيم فِيمَا فعله فيهم سِيمَا عِنْد من طَرِيقَته أَن الْمُحَارب إِنَّمَا يقتل إِذا كَانَ قد قتل وَإِلَّا فقد قَالَ الْحسن وَالنَّخَعِيّ أَن الإِمَام مُخَيّر فِي الْعُقُوبَات الْمَذْكُورَة فِي آيَة الْمُحَارب لكل جَان عملا بظاهرها وَرُوِيَ ذَلِك عَن إِبْنِ عَبَّاس وَعَطَاء وإبن الْمسيب
وَفِي يَوْم الْأَحَد سَابِع شعْبَان وَقع قرَان بَين المريخ وزحل فِي أول برج الْحمل وَكَانَ المريخ حِينَئِذٍ فِي بَيته وقوته وزحل فِي بَيت هُبُوطه وارتفع المريخ على زحل فِي الْأُفق الشمالي بِقدر ذِرَاع على حسب الزيج بتقسيم الْمُتَأَخِّرين وَفِي هَذِه الْأَيَّام أرسل الإِمَام بِصَدقَة الْهِنْد إِلَى الشريف سعد بن زيد بعد وُصُول رَسُول السُّلْطَان أورنقزيت إِلَى حَضْرَة الإِمَام وَكَانَت مصدرة إِلَى الشريف قبل ان يبلغ خبر الْخَارِجَة عَلَيْهِ إِلَى الممالك الْهِنْدِيَّة فَاسْتحْسن الإِمَام إستصاب الْحَال وَكَانَ الْوَاصِل بهَا السَّيِّد عُثْمَان بن عَليّ الْحلَبِي وَادّعى أَنه كَانَ الْعَام الأول بِمَكَّة وَأَنه قدم الشريف جانبا من حِصَّة هَذَا الْعَام فَأخر نصف التصدير وَبعث بِمَا بقى عَلَيْهِ على ذَلِك التَّقْدِير وصادف وُصُول المَال إِلَيْهِ وَهُوَ ببيشة انحصار الْحَال وضيق الْمَعيشَة فَكَانَ لَهُ خطر جسيم وموقع عَظِيم
وَفِي آخر رَمَضَان وصل خبر بِخُرُوج قلياطة من نَائِب مصر من صوب الْبَحْر فِيهَا طَعَام وجوامك عَسْكَر الأروام وخلعتان للشريف والسنجق دَار مُحَمَّد شاويش ونوبة رُومِية ولواء وَزِيَادَة عَسْكَر نَحْو الْمِائَتَيْنِ وإيداع إِلَى الشريف والسنجق أَن يشخصا قُضَاة مَكَّة إِلَى محروسة مصر
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل الْخَبَر ان مَكَّة لبست شعار الْبُشْرَى بصلاح مَا قد كَانَ فسد على صَاحب الْأَبْوَاب فِي أطرف بِلَاده وَوصل إِلَى الإِمَام جَوَاب الشريف بَرَكَات والجناب مُحَمَّد شاويش يتَضَمَّن ان الْحَج ثَابت وَلَا منع لأحد
стр. 248
مِنْهُ خلى أَنَّهُمَا شرطا على الإِمَام أَن لَا يبْعَث بأمير يَصْحَبهُ عَسْكَر وَطلب االشريف من الإِمَام مَا كَانَ يصير إِلَى السُّلْطَان الأول سعد بن زيد فَاجْتمع رَأْي الإِمَام ورأي الصفي أَحْمد بن الْحسن أَن يعدل عَن الآغا فرحان وَأَن يَكْتَفِي بالشريف أَحْمد بن صَلَاح صَاحب أبي عَرِيش وجيزان وَكَانَ قد اعْتَادَ ذَلِك أَيَّام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ﵀ فَلَمَّا اتّفقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَهُوَ بالحضرة نفذ إِلَى مَكَّة المشرفة فِي قدر ثَلَاث مائَة من الْجند وتوابعهم وَمَعَهُ تصدير الصر إِلَى الشريف بَرَكَات قدر أَرْبَعَة عشر ألف قِرْش فَسَار الْمَذْكُور من ضوران طَرِيق تهَامَة فَلَمَّا وصل الْعَسْكَر إِلَى أبي عَرِيش اتّفق بَينهم افْتِرَاق وَحدث بَين خَاصَّة السَّيِّد وَمن عداهم من الْعَسْكَر شقَاق فَرجع بَعضهم إِلَى قريته وَبَعْضهمْ اعتل بحدوث علته فنفذ بِمن بَقِي مَعَه وَكَانَ لَهُ من الْجَمِيع مندوحة وسعة فَإِن التَّخْفِيف كَانَ مقترح الشاويش وَفِي رَابِع وَعشْرين من شَوَّال اتّفق قرَان الزهرة لزحل وَكَانَ على حِسَاب الْمُتَأَخِّرين ببرج الْحمل
وَفِي هَذَا الشَّهْر استخرج عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام بجبل ثايبة من بِلَاد نهم معدنا من الْحَدِيد إِلَّا أَن فِيهِ قساوة مفرطة وأعمال تَحْصِيله عسيرة وَلما جربه الحدادون بِصَنْعَاء لم يحصل للْعَمَل بل تكسر عِنْد صك المطارق واضممل فَترك بعد ذَلِك وَلَعَلَّه من معادن الْفضة لكته فاتهم صفة عقده فَإِنَّهُ قد ذكر صَاحب سيرة الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه عبد الله بن حَمْزَة ﵇ أَنه ظهر هَذَا الْمَعْدن بدولته واستخرج مِنْهُ رَئِيس الْبَلَد الْفضة وحمها الإِمَام ﵇ وَلم يبْق فِي هَذَا الزَّمَان من يعرف ذَلِك وَإِنَّمَا يصنع فِي هَذَا الْجَبَل الرصاص
وَفِيه جَاءَت الْأَخْبَار أَن صَاحب عمان صَالح الفرتقال كَذَا واستراح من شرهم واستقال وبخامس ذِي الْحجَّة كَانَ وَقت تَحْويل سنة الْعَالم بحلول الشَّمْس أول دَرَجَة فِي الْحمل على حِسَاب الْمُتَأَخِّرين وزحل وَعُطَارِد فِي الْحمل أَيْضا والزهرة والأسد وَأعلم أَنه قد تكَرر بِهَذَا الْمَجْمُوع ذكر مثل هَذَا لَا نُرِيد بِهِ إِلَّا تَبْيِين مَوَاضِع الْكَوَاكِب لأمارات ذكرت بِأَن الْمُتَصَرف فِي الكائنات يحدث عِنْد
стр. 249
اخْتِلَاف تِلْكَ الحلولات مقدورات مُخْتَلفَة وَتلك الْكَوَاكِب بحلولها تِلْكَ الْمَرَاتِب مَا هِيَ إِلَّا معالم ولحلول الحادثات مواسم وَإِلَّا فَلهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين
وَمَا وَقع من ذَلِك من كثير من الشُّعَرَاء بل جمَاعَة من عُلَمَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم فِي نظم ونثر فَهُوَ على طَريقَة تقبل التَّأْوِيل وَمَعَ هَذَا فَالْأَمْر خطير والتقصي عَن إِشْكَال مُجَرّد الذّكر عسير غير يسير غير إِنَّا قد رَأينَا من نظر فِي هَذَا الْفَنّ وَهُوَ بِمَنْزِلَة من التَّقْوَى عَظِيمَة ورتبة من الْوَرع جسيمة كَالْقَاضِي عَلامَة الزيدية وشيعها عبد الله بن زيد الْعَنسِي صَاحب المحجة الْبَيْضَاء ذكر عِنْد سَيِّدي الْهَادِي بن إِبْرَاهِيم فِي بعض مصنفاته مَا مَعْنَاهُ أَنه دعى فِي بعض مواقفه بالزيج المظفري لمُحَمد بن أبي بكر الْفَارِسِي فَنظر فِيهِ ثمَّ تغير لَونه واستدعى ورقة يكْتب فِيهَا وَصيته فَلم يتَمَكَّن بِعَدَد ذَلِك على غير خطّ من طرف الورقة إِلَى الطّرف الآخر وَقبض إِلَى رَحْمَة الله هَذَا معنى مَا ذكره أَو أَكثر مَعْنَاهُ وَهَا أَنا أورد فصلا نَافِعًا فِي هَذَا الْكتاب زاجرا لمعتقد التَّأْثِير ومزهدا هَذَا لصَاحب الطّرف الْأَخير الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ وَإِن كنت قد جريت على نمطه ومشيت عَلَيْهِ وَلَا شكّ أَنه أقل شغبا وأهون محذورا والأعمال بِالنِّيَّاتِ فَأَقُول
стр. 250
فصل أخرج رزين الْعَبدَرِي عَن إِبْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من اقتبس بَابا من علم النُّجُوم لغير مَا ذكر الله فقد اقتبس شُعْبَة من السحر المنجم كَاهِن والكاهن سَاحر والساحر كَافِر وَأخرج السِّتَّة إِلَّا التِّرْمِذِيّ عَن زيد بن خَالِد ﵁ قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ الصُّبْح بِالْحُدَيْبِية فِي أثر سَمَاء كَانَت من اللَّيْل فَلَمَّا انْصَرف أقبل على النَّاس فَقَالَ هَل تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا لله وَرَسُوله أعلم قَالَ قَالَ أصبح من عبَادي مُؤمن بِي كَافِر فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بِي وَكَافِر بالكواكب وَأما من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا فَذَلِك كَافِر بِي مُؤمن بالكواكب
النوء هُوَ طُلُوع نجم وغروب آخر قَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه وَإِنَّمَا غلظ النَّبِي ﷺ فِي أمرهَا لِأَن الْعَرَب كَانَت تنْسب الْفِعْل إِلَيْهَا فَأَما من جعل الْمَطَر من فعل الله تَعَالَى وَأَرَادَ بقوله مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا أَي فِي وَقت كَذَا وَهَذَا هُوَ النوء االفلاني فَذَلِك جَائِز انْتهى
وَأخرج النَّسَائِيّ عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أمسك الله تَعَالَى الْقطر عَن عباده خمس سِنِين ثمَّ أرْسلهُ لأصبحت طَائِفَة من النَّاس كَافِرين يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْء المجدح المجدح بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم آخِره حاء نجم يُقَال لَهُ الدبران وَبَعْضهمْ يضم الْمِيم وَعَن قتاده قَالَ خلق الله هَذِه النُّجُوم لثلاث جعلهَا زِينَة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدا بهَا فَمن تَأَول فِيهَا غير هَذَا فقد أَخطَأ حَظه وأضاع نصِيبه وتكلف مَا لَا يعنيه وَمَا لَا علم لَهُ بِهِ وَمَا عجز عَن علمه الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَعَن الرّبيع مثله وَزَاد وَالله مَا جعل الله فِي نجم حَيَاة أحد وَلَا مَوته وَلَا رزقه وَإِنَّمَا يفترون على الله الْكَذِب ويتعلقون بالنجوم وَأخرجه رزين وَهُوَ فِي البُخَارِيّ تَعْلِيقا من أَوله إِلَى قَوْله مَالا علم لَهُ بِهِ وَقد تكلم
следующие страницы →