Полный текст (319 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَفِي رَجَب عَاد مُحَمَّد شاويش من جبل الطَّائِف وَنزل إِلَى مَكَّة بِمن مَعَه من الْجنُود والطوائف وَهُوَ على مَسَافَة يَوْمَيْنِ وَترك فِيهِ عصبَة من الرُّتْبَة وبالقنفذة ايضا قدر مِائَتَيْنِ بِنَظَر الشريف بَرَكَات وَاسْتقر بَرَكَات هَذِه الْمدَّة بِمَكَّة وَثبتت لَهُ الوسادة بعد أَن تحولت أَحْوَال صَاحب دَار السَّعَادَة
أَخْبرنِي بعض من وقف فِي خدمَة سعد دهرا طَويلا أَن بَرَكَات كَانَ فِي أَيَّام مملكة سعد أخص خواصه لأوقات الصفو والإستراحة وَكَانَت الأذهان منصرفة عَن أَن يَنَالهُ حِصَّة من ملك الْحَرَمَيْنِ فَلَمَّا أجلى الشريف سعد عَن مَكَّة تطلعت نفوس أكَابِر الْأَشْرَاف إِلَى خطته فتلطف بَرَكَات فِي أثْنَاء اللَّيْل فِي إرْسَال مَنْدُوب ظريف أَصْحَبهُ أكياسا فِيهَا مَال خطير إِلَى نَائِب السلطنة وَكَانَ الْأَمر بِيَدِهِ فِي نصب من يرَاهُ آهلا بطريقة التَّفْوِيض فَجمع النَّائِب لتسلم الخلعة وَتَقْرِير مراسم المملكة أَعْيَان الْأَشْرَاف وَقرر عَلَيْهِم إمتثال مَا بِيَدِهِ من السلطنة فِي إِقَامَة من يرَاهُ فأذعنوا لأَمره وَفِي بالهم أَن ينص على من عدا بَرَكَات وَلما حصلوا فِي حَضرته قَامَ أَرْبَاب الخلعة وناطوها بعاتق بَرَكَات قَالَ الرَّاوِي فشاهدت من تغير ألوان أُولَئِكَ الْأَعْيَان مَا يدهش لَهُ الْفُؤَاد وينصدع لَهُ الجماد غير أَنه لم يسعهم بعد تقدم المواطأة غير السّمع وَالطَّاعَة وأخفق مسعى أُولَئِكَ الجم الْغَفِير وَلم يتم غير مَا سبق بِهِ علم اللَّطِيف الْخَبِير
وَفِيه حصلت المواحشة بَين جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد وَشرف الْإِسْلَام الْحسن بن المتَوَكل على الْعَزِيز العلام بِسَبَب ان بعض أَصْحَاب عَليّ رما فِي العرضة فَأصَاب لِوَاء الْحسن فَانْكَسَرت صعدته وَكَاد العسكران أَن يفترقا فحبس الرَّامِي فِي الْحَال وحسم بذلك مَادَّة النصال
وَلما اسْتَقر الْحسن بصعدة طَالب مَشَايِخ آل عمار وسحار فِيمَا ذهب على الْقَافِلَة من التُّجَّار فَأَجَابُوا أَن أَكثر الفاعلين هربوا وَهَذِه بُيُوتهم بَين أَيْدِيكُم فَأَمرهمْ بِتَسْلِيم مَا فَرْضه وَالِده من الْآدَاب عَلَيْهِم وسلموه وأخربت بيُوت
стр. 247
الهاربين وَكَانَ قد قبض على سَبْعَة أَنْفَار من الناهبين فَأمر أَن تضرب الرّيح على أكتافهم فِي سوق صعدة وَحين خرج عَنْهَا أَمر بِضَرْب أَعْنَاق ثَلَاثَة مِنْهُم وَأرْسل بباقيهم فِي الأغلال إِلَى حَضْرَة وَالِده وَحصل هزج عَظِيم فِيمَا فعله فيهم سِيمَا عِنْد من طَرِيقَته أَن الْمُحَارب إِنَّمَا يقتل إِذا كَانَ قد قتل وَإِلَّا فقد قَالَ الْحسن وَالنَّخَعِيّ أَن الإِمَام مُخَيّر فِي الْعُقُوبَات الْمَذْكُورَة فِي آيَة الْمُحَارب لكل جَان عملا بظاهرها وَرُوِيَ ذَلِك عَن إِبْنِ عَبَّاس وَعَطَاء وإبن الْمسيب
وَفِي يَوْم الْأَحَد سَابِع شعْبَان وَقع قرَان بَين المريخ وزحل فِي أول برج الْحمل وَكَانَ المريخ حِينَئِذٍ فِي بَيته وقوته وزحل فِي بَيت هُبُوطه وارتفع المريخ على زحل فِي الْأُفق الشمالي بِقدر ذِرَاع على حسب الزيج بتقسيم الْمُتَأَخِّرين وَفِي هَذِه الْأَيَّام أرسل الإِمَام بِصَدقَة الْهِنْد إِلَى الشريف سعد بن زيد بعد وُصُول رَسُول السُّلْطَان أورنقزيت إِلَى حَضْرَة الإِمَام وَكَانَت مصدرة إِلَى الشريف قبل ان يبلغ خبر الْخَارِجَة عَلَيْهِ إِلَى الممالك الْهِنْدِيَّة فَاسْتحْسن الإِمَام إستصاب الْحَال وَكَانَ الْوَاصِل بهَا السَّيِّد عُثْمَان بن عَليّ الْحلَبِي وَادّعى أَنه كَانَ الْعَام الأول بِمَكَّة وَأَنه قدم الشريف جانبا من حِصَّة هَذَا الْعَام فَأخر نصف التصدير وَبعث بِمَا بقى عَلَيْهِ على ذَلِك التَّقْدِير وصادف وُصُول المَال إِلَيْهِ وَهُوَ ببيشة انحصار الْحَال وضيق الْمَعيشَة فَكَانَ لَهُ خطر جسيم وموقع عَظِيم
وَفِي آخر رَمَضَان وصل خبر بِخُرُوج قلياطة من نَائِب مصر من صوب الْبَحْر فِيهَا طَعَام وجوامك عَسْكَر الأروام وخلعتان للشريف والسنجق دَار مُحَمَّد شاويش ونوبة رُومِية ولواء وَزِيَادَة عَسْكَر نَحْو الْمِائَتَيْنِ وإيداع إِلَى الشريف والسنجق أَن يشخصا قُضَاة مَكَّة إِلَى محروسة مصر
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل الْخَبَر ان مَكَّة لبست شعار الْبُشْرَى بصلاح مَا قد كَانَ فسد على صَاحب الْأَبْوَاب فِي أطرف بِلَاده وَوصل إِلَى الإِمَام جَوَاب الشريف بَرَكَات والجناب مُحَمَّد شاويش يتَضَمَّن ان الْحَج ثَابت وَلَا منع لأحد
стр. 248
مِنْهُ خلى أَنَّهُمَا شرطا على الإِمَام أَن لَا يبْعَث بأمير يَصْحَبهُ عَسْكَر وَطلب االشريف من الإِمَام مَا كَانَ يصير إِلَى السُّلْطَان الأول سعد بن زيد فَاجْتمع رَأْي الإِمَام ورأي الصفي أَحْمد بن الْحسن أَن يعدل عَن الآغا فرحان وَأَن يَكْتَفِي بالشريف أَحْمد بن صَلَاح صَاحب أبي عَرِيش وجيزان وَكَانَ قد اعْتَادَ ذَلِك أَيَّام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ﵀ فَلَمَّا اتّفقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَهُوَ بالحضرة نفذ إِلَى مَكَّة المشرفة فِي قدر ثَلَاث مائَة من الْجند وتوابعهم وَمَعَهُ تصدير الصر إِلَى الشريف بَرَكَات قدر أَرْبَعَة عشر ألف قِرْش فَسَار الْمَذْكُور من ضوران طَرِيق تهَامَة فَلَمَّا وصل الْعَسْكَر إِلَى أبي عَرِيش اتّفق بَينهم افْتِرَاق وَحدث بَين خَاصَّة السَّيِّد وَمن عداهم من الْعَسْكَر شقَاق فَرجع بَعضهم إِلَى قريته وَبَعْضهمْ اعتل بحدوث علته فنفذ بِمن بَقِي مَعَه وَكَانَ لَهُ من الْجَمِيع مندوحة وسعة فَإِن التَّخْفِيف كَانَ مقترح الشاويش وَفِي رَابِع وَعشْرين من شَوَّال اتّفق قرَان الزهرة لزحل وَكَانَ على حِسَاب الْمُتَأَخِّرين ببرج الْحمل
وَفِي هَذَا الشَّهْر استخرج عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام بجبل ثايبة من بِلَاد نهم معدنا من الْحَدِيد إِلَّا أَن فِيهِ قساوة مفرطة وأعمال تَحْصِيله عسيرة وَلما جربه الحدادون بِصَنْعَاء لم يحصل للْعَمَل بل تكسر عِنْد صك المطارق واضممل فَترك بعد ذَلِك وَلَعَلَّه من معادن الْفضة لكته فاتهم صفة عقده فَإِنَّهُ قد ذكر صَاحب سيرة الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه عبد الله بن حَمْزَة ﵇ أَنه ظهر هَذَا الْمَعْدن بدولته واستخرج مِنْهُ رَئِيس الْبَلَد الْفضة وحمها الإِمَام ﵇ وَلم يبْق فِي هَذَا الزَّمَان من يعرف ذَلِك وَإِنَّمَا يصنع فِي هَذَا الْجَبَل الرصاص
وَفِيه جَاءَت الْأَخْبَار أَن صَاحب عمان صَالح الفرتقال كَذَا واستراح من شرهم واستقال وبخامس ذِي الْحجَّة كَانَ وَقت تَحْويل سنة الْعَالم بحلول الشَّمْس أول دَرَجَة فِي الْحمل على حِسَاب الْمُتَأَخِّرين وزحل وَعُطَارِد فِي الْحمل أَيْضا والزهرة والأسد وَأعلم أَنه قد تكَرر بِهَذَا الْمَجْمُوع ذكر مثل هَذَا لَا نُرِيد بِهِ إِلَّا تَبْيِين مَوَاضِع الْكَوَاكِب لأمارات ذكرت بِأَن الْمُتَصَرف فِي الكائنات يحدث عِنْد
стр. 249
اخْتِلَاف تِلْكَ الحلولات مقدورات مُخْتَلفَة وَتلك الْكَوَاكِب بحلولها تِلْكَ الْمَرَاتِب مَا هِيَ إِلَّا معالم ولحلول الحادثات مواسم وَإِلَّا فَلهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين
وَمَا وَقع من ذَلِك من كثير من الشُّعَرَاء بل جمَاعَة من عُلَمَاء أَصْحَابنَا وَغَيرهم فِي نظم ونثر فَهُوَ على طَريقَة تقبل التَّأْوِيل وَمَعَ هَذَا فَالْأَمْر خطير والتقصي عَن إِشْكَال مُجَرّد الذّكر عسير غير يسير غير إِنَّا قد رَأينَا من نظر فِي هَذَا الْفَنّ وَهُوَ بِمَنْزِلَة من التَّقْوَى عَظِيمَة ورتبة من الْوَرع جسيمة كَالْقَاضِي عَلامَة الزيدية وشيعها عبد الله بن زيد الْعَنسِي صَاحب المحجة الْبَيْضَاء ذكر عِنْد سَيِّدي الْهَادِي بن إِبْرَاهِيم فِي بعض مصنفاته مَا مَعْنَاهُ أَنه دعى فِي بعض مواقفه بالزيج المظفري لمُحَمد بن أبي بكر الْفَارِسِي فَنظر فِيهِ ثمَّ تغير لَونه واستدعى ورقة يكْتب فِيهَا وَصيته فَلم يتَمَكَّن بِعَدَد ذَلِك على غير خطّ من طرف الورقة إِلَى الطّرف الآخر وَقبض إِلَى رَحْمَة الله هَذَا معنى مَا ذكره أَو أَكثر مَعْنَاهُ وَهَا أَنا أورد فصلا نَافِعًا فِي هَذَا الْكتاب زاجرا لمعتقد التَّأْثِير ومزهدا هَذَا لصَاحب الطّرف الْأَخير الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ وَإِن كنت قد جريت على نمطه ومشيت عَلَيْهِ وَلَا شكّ أَنه أقل شغبا وأهون محذورا والأعمال بِالنِّيَّاتِ فَأَقُول
стр. 250
فصل أخرج رزين الْعَبدَرِي عَن إِبْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من اقتبس بَابا من علم النُّجُوم لغير مَا ذكر الله فقد اقتبس شُعْبَة من السحر المنجم كَاهِن والكاهن سَاحر والساحر كَافِر وَأخرج السِّتَّة إِلَّا التِّرْمِذِيّ عَن زيد بن خَالِد ﵁ قَالَ صلى رَسُول الله ﷺ الصُّبْح بِالْحُدَيْبِية فِي أثر سَمَاء كَانَت من اللَّيْل فَلَمَّا انْصَرف أقبل على النَّاس فَقَالَ هَل تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا لله وَرَسُوله أعلم قَالَ قَالَ أصبح من عبَادي مُؤمن بِي كَافِر فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بِي وَكَافِر بالكواكب وَأما من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا فَذَلِك كَافِر بِي مُؤمن بالكواكب
النوء هُوَ طُلُوع نجم وغروب آخر قَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه وَإِنَّمَا غلظ النَّبِي ﷺ فِي أمرهَا لِأَن الْعَرَب كَانَت تنْسب الْفِعْل إِلَيْهَا فَأَما من جعل الْمَطَر من فعل الله تَعَالَى وَأَرَادَ بقوله مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا أَي فِي وَقت كَذَا وَهَذَا هُوَ النوء االفلاني فَذَلِك جَائِز انْتهى
وَأخرج النَّسَائِيّ عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أمسك الله تَعَالَى الْقطر عَن عباده خمس سِنِين ثمَّ أرْسلهُ لأصبحت طَائِفَة من النَّاس كَافِرين يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْء المجدح المجدح بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم آخِره حاء نجم يُقَال لَهُ الدبران وَبَعْضهمْ يضم الْمِيم وَعَن قتاده قَالَ خلق الله هَذِه النُّجُوم لثلاث جعلهَا زِينَة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدا بهَا فَمن تَأَول فِيهَا غير هَذَا فقد أَخطَأ حَظه وأضاع نصِيبه وتكلف مَا لَا يعنيه وَمَا لَا علم لَهُ بِهِ وَمَا عجز عَن علمه الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَعَن الرّبيع مثله وَزَاد وَالله مَا جعل الله فِي نجم حَيَاة أحد وَلَا مَوته وَلَا رزقه وَإِنَّمَا يفترون على الله الْكَذِب ويتعلقون بالنجوم وَأخرجه رزين وَهُوَ فِي البُخَارِيّ تَعْلِيقا من أَوله إِلَى قَوْله مَالا علم لَهُ بِهِ وَقد تكلم
стр. 251
شرَّاح الحَدِيث فِي هَذِه الْمَادَّة بِمَا يشفي وَيَكْفِي فليؤخذ من مظانه وَقد رَأَيْت بعض متأخري أَصْحَابنَا الزيدية وضع تَارِيخا وَذكر فِي أغلب أَحْوَاله حُلُول الْكَوَاكِب واجتماعها وافتراقها ومعالم خُسُوف النيرين ورتب على ذَلِك حوادث مستقبله يغلب نَفسه على الطّرف الأول فَسَيَأْتِي ذَلِك فَإنَّا لله
وَقد برع من أهل الْوَقْت فِي مدارك الفهوم من مواقع النُّجُوم بعض من جمعني وإياه وشجة الرَّحِم من أَشْرَاف الْعَصْر وصنف كتابا سَمَّاهُ النَّجْم الثاقب فِي حركات الْكَوَاكِب وَكَانَ قد حصل بيني وَبَينه من المكاتبات مَا يلهوان السهير وَمن الوداد مَا يناجى بِهِ الضَّمِير للعلاقات الأدبية والإجتماع فِي السلسلة الذهبية وَكنت كتبت رِسَالَة فِي تقريض مُؤَلفه أودعها إخْوَان الصفاء أصداف الْقُلُوب وصدور كل سطر مَكْتُوب وعندما رَأَيْته يرى أَنَّهَا قَاصِرَة فِي ذَلِك الصِّنْف شفعتها من خُيُول البلاغة بِمَا لَا يسْبق فِي ميدان الْألف فَقلت
(ردوا جدول الْعين الَّتِي طَابَ سقياها ... فقد سلسلت فِي رَوْضَة الخدا مواها)
(وحاكت لآليها ليَالِي بعدكم ... نَظَائِر من زهر النُّجُوم وأشباها)
(فَلَو نظمت زهر الدواري بعاتق ... كفيضان دمعي كَانَ ذَاك قصارها) (سلوا الْفلك لدوار عَن مهجتي الَّتِي ... تمنا حبيبا عِنْده يتمناها)
(مشاشة نفس أثرت بعد بعْدهَا ... سموا فَلم ترض الثراء عَن ثرياها)
(وبالرغم مِنْهَا أَنَّهَا سَافَرت وَمَا ... أراحت يَد الجوزاء رَاحَة يمناها) (تزاحم شمس الْأُفق فِي برجها فَلَا ... يعللها عَن ذَاك برج حمياها)
(وتعبر من نهر المجرة مرتقا ... إِلَى أبرج مِنْهَا لكيوان أسماها)
стр. 252
(فتطلب فِي أَثْنَائِهَا من عُطَارِد ... طَرِيقا إِلَى اسْتِخْرَاج بعض خباياها)
(أحبة قلبِي أَن سمحتم بزورة ... لروحي فمنوا قبل ن تدنوا مناياها)
(إِذا كَانَ هَذَا الْبَين جائزه الْهوى ... فأها لما أسلفت من صبوتي آها)
(أيقضى على روحي وَعِيد مهاتكم ... دُيُون لَهُ من قبل أَن يتقاضاها)
(أوت سرح قلبِي وَهُوَ أَخْضَر نَاظر ... وصيرته بعد الخميلة مأواها)
(فَلَمَّا رعت من زهره كل يَانِع ... لوت جيدها أسرابها نَحْو مرعاها)
(وصاحبها نومي فَإِن عز طيفها ... وَقد سلبت عَيْني الْكرَى كَيفَ أَلْقَاهَا)
(أخوض بدمعي لجة فِي سفينة ... من الشوق بِسم الله فِي اليم مجْراهَا)
(فَلَو أنني القيت نوحًا وَأَهله ... لألقيتها لما اسْتَوَت حَيْثُ أَلْقَاهَا)
(وَلم أتحمل من رواسي صبابتي ... نوا يسْأَل الجودي أَيَّانَ مرْسَاها)
(وَلَا ساهم الشوق المليم عواذلي ... فأدحض فِي أولى السِّهَام وآخراها)
(وَلَا خضت بَحر الْحبّ فالتقم النَّوَى ... فُؤَادِي لَوْلَا أَنه سبح ألاها)
(فأنس بعد الكرب فُرْجَة يُونُس ... بِمن حل أبراج الْكَمَال وحلاها) (بِمن إِن دجت من مُشكل الْخطب ظلمَة ... جلاها بِنور الْفِكر مِنْهُ وجلاها)
(أَضَاء بِنَجْم ثاقب من علومه ... فَدلَّ إِلَيْهِ الزاهرات ودلاها)
(أَفَاضَ على زهر النُّجُوم جداولا ... فأحيا بِهِ تِلْكَ الزهور وحياها)
(وجر على نهر المجرة مطرفا ... يحكم بِهِ سَاس الدراري ورباها)
(وَصرف برجيسا بثاقب رَأْيه ... على راحتي يمنى الأكف ويسراها) (أعَار كسوف الشَّمْس نور ذكائه ... فقد صَار يخشاها الَّذِي كَانَ يَغْشَاهَا)
стр. 253
(وَمَا الزهرة الغرا إِلَّا خريدة ... تروم السَّرَّاء سرا لتستر مغزاها)
(فهيا باسطرلابها برجها الَّذِي ... بِهِ نزلت قبل الشُّرُوع بمسراها)
(رَاء الْقَمَر النوار مِنْهُ بروضة ... تميل على الأغصان مِنْهَا قماراها)
(فأخدمه تِلْكَ الْجَوَارِي الَّتِي سرت ... على رسمه من غير أَن يتسراها)
(وأصحبه فِي سير كل دقيقة ... قيودا إِلَى الإخطاء لَا يتخطاها)
(على نَفسه فليبك حاماس حسرة ... وإياه فِي الْأَحْكَام جهلا وَإِيَّاهَا)
(أيا ابْن عَليّ بن الإِمَام إِبْنِ لنا ... تدلت لَك الأفلاك أم حزت مرقاها)
(فَفِي عَالم الأفلاك خطك نَافِذ ... وَفِي عَالم الأفلاك حظك أَعْلَاهَا)
(فَلَو نطقت زهر الدراري لعطرت ... بشكرك أَفْوَاجًا هُنَاكَ وأفواها)
(لمثل عطاياك الَّتِي عَمت الورى ... وَمن للسحاب الخؤن أَن يتعاطاها)
(ركبت مطا آثَار آبَائِك الأولى ... بهم وخدت للمكرمات مطاياها)
(سلكت حاما كَانَ فِي كف حيدر ... أَبِيك وسلسلت الْكَمَال إِلَى طه)
(لَك الْفَخر بِالْآبَاءِ إِذْ حزت شأوهم ... على كل من بارا كمالك أوباها)
(وَهل خطه الآهلين إِرْث فيزدهي ... بهَا قَاصِر عَنْهَا كمن هُوَ يرقاها)
(بتجديد فولاذ السيوف مضاؤها ... فسقيا لَهُ دهرا بعزمك سقياها)
(وَللَّه نظم أَنْت بَيت قصيده ... وَرَيْحَانَة فِي الْمجد غصنك أَعْلَاهَا)
وَهَذَا عَارض جَرّه ذكر النُّجُوم وَفِي الْعَصْر يبين من لَهُ حِصَّة وافرة فِي معرفَة تَحْرِيك الأفلاك إِن أنجح الله االأمل ببلوغ سير قمر التسطير إِلَى برج التسيير شرحت حَالهم وبينت كمالهم
стр. 254
وَفِي هَذِه الْأَيَّام اسْتَقر سُلْطَان مَكَّة الْقَدِيم وَملك تختها الجسور الجسيم سعد بن زيد بن محسن ببيشة مَكَان ثمال أسودها وعقاب بنودها يظْهر عَن مملكة الْحجاز المجانبة وَلَو شَاءَ لمد إِلَيْهَا مخالبه وَسَيَأْتِي من خَبره مَا يقْضِي بِأَنَّهُ الْمولى عَلَيْهَا وَأَن لَهُ العودة بعد العودة إِلَيْهَا
قلت فِي بعض أشعار الْفَقِيه بن أبي مخرمَة فِي طَرِيق الْكَشْف مَا يقْضِي أَن سَعْدا أخر إمرة يقصا عَن مملكة الْحَرَمَيْنِ وينال مَا نَالَ جده المحسن بن الْحُسَيْن ﴿وَللَّه غيب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
وَاتفقَ بِخَارِج مَكَّة بِهَذَا الْوَقْت حَرْب بَين الشريف أَحْمد بن زيد بن مِمَّن والشريف حمود ذهب فِيهِ جمع من الطَّائِفَتَيْنِ وَفِي خَامِس ذِي الْحجَّة سَار الْحسن ابْن الإِمَام من صعدة إِلَى رازح وَكَانَ قد نقل عَن جنابها وَصَارَ ثَانِي الحسامين فِي قرابها لمزاحمة صَاحب بختها ومدبر تختها
وَفِي هَذِه السّنة عقد الإِمَام محفلا للدرس فِي مشكاة المصابيح لِلْحَافِظِ التبريزي وسرده عَلَيْهِ مَا عدا مَا أَوله الْحفاظ من الْأَحَادِيث المعدودة خشيَة أَن ينطبع ظواهرها فِي أذهان الأغمار الَّذين لَا يعْرفُونَ الْبَاطِن لظواهر الاثار وَهُوَ مقَام خطابي لعذر التارك لتِلْك الْأَحَادِيث فَإِن الْقُرْآن الْمجِيد الَّذِي
стр. 255
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ ﴿مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات﴾ وَقد اسْتَوَى فِي حوار تِلَاوَته الْعَالم بِمَعْنَاهُ وَالْجَاهِل بِهِ وبمبناه من غير نَكِير من فَاضل على قَاصِر فِيمَا عناه وَالْقِيَاس غير مطرود للتشكيك والفارق بَينهمَا رَكِيك رَكِيك وَقد منع بعض أَئِمَّة الزيدية فِي الزَّمن الْمَاضِي من إملاء أَحَادِيث الصِّفَات وَنَحْوهَا فِي مجَالِس التَّعْلِيم لمثل هَذَا وَفِيه مَا قُلْنَاهُ وَقد وطا أكناف هَذِه الساحة بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ من التَّحْقِيق والتدقيق الإِمَام الْحجَّة المتأله الْوَلِيّ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ فِي كِتَابه القواصم والعواصم فِي الذب عَن سنة أبي الْقَاسِم
نعم إِذا تلى مثل ذَلِك بِحَضْرَة من يلبس عَلَيْهِ ظَاهره توجه على خَواص الحضرة إِيصَال وُجُوه التَّأْوِيل الْقَرِيبَة إِلَى ذهنه وَالله الْهَادِي
وَدخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف
فِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس محرم جَاءَت الْأَخْبَار عَن مَكَّة المشرفة بِمَا فِيهِ صَلَاح الْأَحْوَال وَحفظ النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَخرج الباشا مُحَمَّد شاويش إِلَيْهَا بنيابة الْمحمل الشَّامي وصحبته قدر الْأَلفَيْنِ من الأجناد وَخَمْسمِائة من الْخَيل الْجِيَاد وَضربت خيامه ببركة ماجد وَظهر الْمحمل الْمصْرِيّ بِقُوَّة وجنود وألوية وبنود وَكَانَ الْحَال مَظَنَّة الإضطراب لتحلي سعد بِتِلْكَ الْأَسْبَاب فجد الباشا فِي تسكين الْقُلُوب ووعد من غدر من تِلْكَ القبايل والشعوب وأعان على حسن الْحَال رخاء الْبِلَاد وَعُمُوم الخصب للصياصي والوهاد وأخفى الْعَسْكَر السلطاني السُّؤَال عَن الإِمَام وَعَن ملك الْيمن أَحْمد بن الْحسن وشريف جازان أبلغ مَا مَعَه من الصَّدقَات إِلَى نَائِب الْحَرَمَيْنِ الشريف بَرَكَات
стр. 256
وَأخرج الباشا مُحَمَّد بعض من بَقِي بِمَكَّة من بطانة الشريف سعد وَأرْسل الْبَعْض إِلَى حَضْرَة السلطنة وَأسْقط المكوس عَن أسواق مَكَّة وَأثبت المياريث على القانون الشَّرْعِيّ
وَفِي نصف محرم حصل الْقرَان بَين الزهرة والمريخ فِي برج السرطان على مُقْتَضى تَحْرِيك الْمُتَأَخِّرين وَفِي برج الجوزاء عِنْد القدماء وَكَانَ الْمُرْتَفع عِنْد الْقرَان هُوَ المريخ من جِهَة الْجنُوب ثمَّ انفكت الزهرة عَنهُ قَلِيلا فِي البرج فَعَادَت الورى وَرجعت الْقَهْقَرَى فقارنت المريخ أَيْضا الْقرَان الآخر فِي نصف صفر
وَلما انْتهى الشريف صَاحب جيزان إِلَى ذكْوَان تبعه الشريف حُسَيْن بن زيد لاحقا بِهِ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْيمن فَلَمَّا وصل إِلَى اللَّيْث ناوشه بِالْحَرْبِ جمع من الْقَبَائِل وأصابه مِنْهُم قَاتل كتب مِنْهُ مصرعه وَثمّ ثمَّة مضجعه وَقيل أَن ذَلِك بِإِشَارَة من بَرَكَات وَالْعلم عِنْد الله فِي تَحْقِيق الكائنات
وَفِي صفر غزا جمَاعَة من بني نوف إِلَى مهابط بِلَاد الْجوف فسلبوا وَقتلُوا ثمَّ اتَّبعُوهُ الْغَزْو إِلَى بِلَاد بدبدة وخولان وَكَانُوا قد انتجعوا غَيرهَا من الْبلدَانِ واتبعوه الْغَزْو إِلَى براقش فنشب بَينهم حَرْب حنين وَهلك خَمْسَة من الطَّرفَيْنِ فَبعث صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام عِنْد ذَلِك جمَاعَة من الرُّمَاة لحفظ الصوافي وَبَقِي جمَاعَة بِحَضْرَتِهِ من أهل برط وَكَاد أَن يُوقع بهم الشطط وهم أَن يتَوَجَّه بِنَفسِهِ على كَافَّة أهل ذَلِك الْجَبَل فسكن من حفيظته الإِمَام بِأَن هَؤُلَاءِ من اعتامهم ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ مَعَ مَا قد عرف من حَالهم أَن كلا مِنْهُم رمحه على بَابه وزاده فِي غير جرابه وَأَنَّهُمْ لَا يضْبط جَمَاعَتهمْ فِي الْأَغْلَب رَئِيس بل كل وَاحِد مِنْهُم يتسمى بالنقابة والشيخوخة ويدعوا الآخر بهَا وَلَهُم بسالة فِي المعارك وشطارة لَا يشاركهم فِيهَا مشارك
стр. 257
وَفِي عَاشر صفر وصل إِلَى الإِمَام مَنْدُوب الباشا عمر بهدية سنية وَمَعَهُ مَنْدُوب آخر من الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فَطلب من الإِمَام أَن يبْعَث مَعَه إِلَى نائبها بأوقافها اليمنية فَأَجَابَهُ الإِمَام بِأَنا لَا نعلم شَيْئا من ذَلِك فِيمَا تحويه وطأتنا
وَفِي الْعشْر الْآخِرَة مِنْهُ توفّي الشريف الْعَارِف عَليّ بن الْحُسَيْن الْحُسَيْنِي الحوثي وَكَانَ مكفوفا حَافِظًا لتجويد الْقُرْآن نَاقِلا الْكثير من المختصرات مشاركا فِي الحَدِيث سِيمَا سنَن أبي دَاوُود فقد كَانَ يسْرد أَكْثَره ومجموع جده الإِمَام الْأَعْظَم زيد بن عَليّ ﵇ فقد كَانَ على ظهر قلبه وَكَانَ يملي أبحاثا من انتصار جده الإِمَام يحيى بن حَمْزَة لَا يخرم منهاحرفا وشغله التطلع إِلَى الْعَوام عَن التضلع فِي عُلُوم أبائه الْأَعْلَام
وَبَلغت الْأَخْبَار إِلَى الْيمن فِي هَذِه الْأَيَّام أَن سيواجي ملك الرازبوت بِالْهِنْدِ عَاد إِلَى الْخلاف على السُّلْطَان أورنقزيب وأثار فِي جِهَته غُبَار الْفِتْنَة فشق ذَلِك على الْمُسلمين وعظمة الممنة
وفيهَا مَاتَ الْأَمِير الهزبر الصمصام عبد الله العفاري الحمزي وَكَانَ من أَعْيَان شرف الْإِسْلَام الْحسن بن الإِمَام ثمَّ لَازم حَضْرَة وَلَده مُحَمَّد بن الْحسن وَكَانَ الْمَذْكُور قد نافر الْحسن فِي الْمدَّة السالفة إِلَى حَضْرَة الباشا قانصوه ومصطفى بزبيد فلقى مِنْهُمَا من الرحب بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ مزِيد وتصدر هُنَاكَ للإمارة وَنزل من أعيانها منزلَة زحل من السيارة
وفيهَا وصلت كتب من الْمهرِي صَاحب جَزِيرَة سقطرى والساحل الْحَضْرَمِيّ الَّذِي هُوَ بَين بِلَاد الشحر وظفار ويستدعي عينة الإِمَام وَأَنه قد صمم على الإئتمام وَالسَّبَب فِي توسله هَذَا أَنه كَانَ قد انتهب فِيمَا مضى بعض من وصل إِلَى سَاحل جَزِيرَة سقطرى من أَصْحَاب الْعمانِي فَوجه إِلَيْهِ من ينتصف لأَصْحَابه وَلَيْسَ عِنْد كَمَال أنصابه فَإِنَّهُ آل أمره إِلَى الْهَرَب إِلَى سَاحل الشحر وَدخل بِلَاده أَمِير عماني وَلكنه لم يظفر مِمَّا قصد لَهُ بِغَيْر الْأَمَانِي لِأَنَّهُ كَانَ استصحب مَا لَدَيْهِ وَمن لَدَيْهِ وَقدم جَمِيع مَا يهمه بَين يَدَيْهِ وَالْإِمَام أَشَارَ عَلَيْهِ بعض مِمَّا يوبه لَهُ أَن
стр. 258
الرَّأْي الإشتغال بِمَا هُوَ أهم وَأَن الْمهرِي أَنما فزع إِلَيْكُم لمداواة هَذَا الْأَلَم سِيمَا مَعَ تغير أَحْوَال الْأَشْرَاف وَهُوَ يَسْتَدْعِي مِنْكُم الإستئناف بِحِفْظ الْأَطْرَاف
وَفِي أول ربيع الثَّانِي غزا أَصْحَاب صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن إِلَى أَطْرَاف بِلَاد دهمة من بني نوف وَاسْتَاقُوا بعض مَوَاشِيهمْ وَفِيه وصل حَضْرَة الإِمَام جمَاعَة من بِلَاد خولان شكاة بِجَمَال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد فَأمر الإِمَام على بِلَادهمْ السَّيِّد الْعَارِف جمال الدّين عَليّ بن مهْدي النوعة فساس وساد وبلغوا من إمارته المُرَاد وَسقوا بنميرها رياض بواطن الأحقاد وَهَكَذَا الرعايا لَا يسْتَقرّ لَهَا حَال وَلَا يرْتَفع شكايتها عَن الْعمَّال
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وصل إِلَى بندر المخا هَارِبا مُحَمَّد بن عَامر الَّذِي كَانَ خَالف عَسَاكِر السلطنة بسواحل الْحَبَشَة كَمَا مضى فِي قدر خَمْسَة عشر نَفرا من أَتْبَاعه فَتَبِعَهُ فِي الْبَحْر غرابان فَلَمَّا بلغا بَاب المخا تقهقرا رَاجِعين وَكَانَ قد خرج عَلَيْهِ إِلَى سواكن زِيَادَة عَسْكَر أخذُوا جَمِيع خزنته وَآلَة مُعَسْكَره وَهُوَ الَّذِي طرد مصطفى باشا عَن الْحَبَشَة
وفيهَا أطلق الإِمَام للْيَهُود لعنة الله عَلَيْهِم أَمْوَالهم وَرفع عَنْهُم الزَّائِد على الْجِزْيَة وفيهَا أظهر الإِمَام التوجع من برط سِيمَا بني نوف بِسَبَب تِلْكَ الْأَحْدَاث وَعدم توقفهم فِيمَا أَمر بِهِ من مصير نصف الْوَاجِبَات إِلَى حَضْرَة أَحْمد بن الْمُؤَيد بعيان وَنِصْفهَا إِلَى القَاضِي جمال الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الْعَنسِي وقرابته وَكَانَ القَاضِي قد استولى على الْكل بمساعدة أهل جِهَته واعتل فِيمَا فعله عِنْد أَن عوتب بِأَن الْبِلَاد غير دَاخِلَة فِي وَطْأَة االإمام لعدم نُفُوذ أمره فِيهَا فَتوجه العتاب على صنوه الْحسن بن مُحَمَّد فِي الحضرة الإمامية وقر الْأَمر على إرجاع مَا بَقِي فِي أَيدي الْقُضَاة بعد أَن كَانَ الإِمَام هم بالنقلة إِلَى ظفار وذيبين والإطلال على أَحْوَال بني نوف فِيمَا اعتادوه من الصنع مَعَ أهل الْجوف ثمَّ الْعود على مناقشة مشائخ الْبِلَاد بِسَبَب مساعدتهم للقضاة الأمجاد وَتمّ إضرابه عَن قَصده وُصُول جمَاعَة من أَعْيَان برط إِلَى الحضرة السامية باذلين مجهود الطَّاعَة
стр. 259
مَعَ مَا عرفه الإِمَام من اخْتِلَاط أَحْوَال مُلُوك مَكَّة الْأَشْرَاف وتباطئ مُحَمَّد شاويش عَن رفع حَقِيقَة الْأَحْوَال
وَفِي أول شَوَّال وصلت الْأَخْبَار الشامية والحجازية أَن السُّلْطَان ندب وزيره لِلْخُرُوجِ إِلَى مصر وَأمره بِرَفْع يَد الباشا عَنهُ أَو الفتك بِهِ إِن أمكن وَنفذ بعض أعيانه إِلَى يَنْبع فَكَانَ بِسَبَب ذَلِك التفتيش على أَحْوَال بَرَكَات ومحاصرة إِبْنِ مضيان وهرب الشريف أَحْمد الْجَعْد بن زيد بن المحسن
وَفِي الْعشْرَة الْآخِرَة من شَوَّال سقط عَن فرسه نَائِب عدن الآغا فرحان بالغراس حَضْرَة الصفي فَهَلَك من حِينه وَأمر صفي الْإِسْلَام بضبط جَمِيع مَا يحتويه من الْأَمْوَال والنفائس وطبع بَيته بِصَنْعَاء واتصل بِجَمِيعِ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ من مماليكه
وَفِي منسلخ شَوَّال توفّي الشريف الناسك الْعَارِف صَالح بن أَحْمد السراجي وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة فِي أَكثر الْفُنُون وَمن مشائخه الإِمَام الرحلة مُحَمَّد بن عز الدّين الْمُفْتِي
وَفِي ذِي الْقعدَة رَجَعَ السَّيِّد الْحسن بن المطهر إِلَى بندر المخاء مَحل ولَايَته وَفِي الْعشْر الْآخِرَة من ذِي الْقعدَة وفدت على الإِمَام أَخْبَار بِأَن سُلْطَان عمان قد جهز براشا إِلَى المخا فاشتغل لذَلِك خاطره مَعَ تخَلّل فتْنَة حدثت بَين آل عمار ودهمة واضطرب حَال العولقي استقلاله بِنَفسِهِ
وفيهَا أظهر الإِمَام الْجَزْم بتولية وَلَده صفي الدّين للبلاد الَّتِي كَانَت بيد الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه وَكَانَ مَعَ أهل المعاليم رَغْبَة فِي أَن تكون برسم وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن الْحُسَيْن أَو صنوه السَّيِّد الْبر التقي الْعَلامَة الْقَاسِم بن الْمُؤَيد لِأَنَّهُمَا أقرب إِلَى معرفَة مَا كَانَ يصير إِلَى أَعْيَان الْجِهَة السَّادة وَغَيرهم من المقررات واحتدت أمزجة جمَاعَة من الْأَشْرَاف حَتَّى واجهه بَعضهم بِكَلَام فِيهِ قساوة فَاحْتمل الإِمَام كَلَامه
وَفِي سادس عشر ذِي الْحجَّة كَانَ تَحْويل السّنة بِدُخُول الشَّمْس أول دَرَجَة فِي
стр. 260
الْحمل والزهرة وَعُطَارِد والمريخ بِبَيْت شرفة الجدي وزحل بَيت هُبُوطه الْحمل وَالْمُشْتَرِي بالعقرب والجوزاء هِيَ بآخر برج الْأسد وَالرَّأْس مُقَابل لَهُ وبالسابع الدَّلْو
وَفِي نَحْو سَبْعَة أشهر من هَذِه الْأَيَّام وَمَا بعْدهَا ظهر أَنِين موحش من مَقَابِر بَاب الْيمن وَأخْبر عَنهُ من يعْتد بِخَبَرِهِ وَلَعَلَّه بِنَوْع من عَذَاب الْقَبْر نسْأَل الله سَلامَة الدَّاريْنِ
وَدخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف فِي ثَالِث محرم حصلت عِنْد الإِمَام أَخْبَار مَكَّة وفيهَا أَن سَعْدا وَأحمد إبني زيد تحيزا إِلَى بِلَاد نجد الْعليا وبركات عَاد من بدر إِلَى مَكَّة صحبته بن مضيان بعد أَن ألبسهُ خلعة الْأمان واستطرق أَصْحَاب الْعمانِي هَذَا الْعَام جَزِيرَة سقطرى وَقتلُوا من أَهلهَا جمَاعَة صبرا
وَفِي هَذِه الْأَيَّام عاث فِي الْبَحْر أهل عمان وتبعت براشهم إِلَى بَاب المخا البانيان فشرعوا فِي الإنتهاب وأقحموا جمَاعَة مِنْهُم الْعباب فتيقض لَهُم أهل صيرة وعدن فَرَمَوْهُمْ بالبنادق والزبرطانات للحين وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو الْعشْرين فَانْهَزَمَ أُولَئِكَ الأوباش وتلاحق بفلهم بَقِيَّة البراش حَتَّى اجْتَمعُوا فِي بَاب المندب فِي أهبة وعساكر وَمنعُوا بعد ذَلِك الْوَارِد والصادر فَرَمَاهُمْ صفي الْإِسْلَام بِجُنُود منصورة وعضده وَلَده الْعِزّ بِجَيْش المنصورة حَتَّى أطفى الله نوايرهم وَقطع بسيوف الْملكَيْنِ دابرهم وَللَّه الْحَمد
وَفِي أول صفر جَاءَت الْأَخْبَار بوفاة الشريف أَحْمد بن صَلَاح صَاحب
стр. 261
جيزان أَمِير حَاج الْيمن فِي القنفذة أثْنَاء خُرُوجه من مَكَّة المشرفة وَمَعَ خُرُوج حَاج الْيمن وَفد على الحضرة الشريف مُحَمَّد بن يحيى بن زيد آنفة عَن الْكَوْن تَحت وَطْأَة بَرَكَات وتخوفا من جند السُّلْطَان بعد تِلْكَ الفعلات واستصحب حشمه وَثقله وَأَتْبَاعه وَفَارق بِالْكُلِّيَّةِ معاهده وأرباعه وَكَانَ مَعَ الإِمَام فِي أحسن مقَام وَنِهَايَة إجلال وإعظام
وَلما عز جَانب المخا وعدن بعسكري الصفي والعز وَعلم الْعَسْكَر الْعمانِي عدم الطَّاقَة على البندرين فَرَجَعُوا بعد أَن طلعت الثريا من الْمشرق فجرا وَهُوَ موسم منصرفهم وَهَذَا الْبَحْر ينغلق قبل الْبَحْر الْهِنْدِيّ وينفتح قبله بشهرين والشريفان حمود وَأحمد الْحَارِث لم يجد بدا من إصْلَاح جَانب بَرَكَات فسكنت بذلك زعازع الهلكات خلى حدث وَقع بِعَرَفَات من قَبيلَة هُذَيْل فجر عَلَيْهِم بَرَكَات أَسبَاب الويل
تجهيز السُّلْطَان على الْيمن
وَفِي هَذَا الْعَام أحترك خاطر صَاحب التخت على إِمَام الْيمن فندب لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِ وزيره الْأَعْظَم بجيوش قاهرة وأبهة وافرة وَلما انْتَهوا إِلَى حُدُود مصر لحقهم بريد صَاحب الْأَبْوَاب يَأْمُرهُم بالإضراب والإياب وَأَن الفرتقال قد اضطرم شرهم واستفحل أَمرهم وجهادهم أبدر مَا يكون وَأمر الإختلاف بَين الْمُسلمين بِالنِّسْبَةِ إِلَى خلافهم هون واتصل الْخَبَر بِمَكَّة المشرفة فضجت لذَلِك قُلُوب الْمُسلمين ودعوا لصَاحب التخت بالبسطة والمكين
وصمد بَرَكَات والشاويش المبوش على جدة بِمن مَعَهُمَا من الجموع إِلَى بَاب
стр. 262
القلعة وضجوا بِالدُّعَاءِ المقرون بالتأمين فِي نصْرَة الْإِسْلَام وخذلان المبطلين والتجهيز على مَا عدا مالطة فَأَما هِيَ فقد صَارَت تَحت وَطْأَة السُّلْطَان وَهِي بساحل الأندلس بَعْضهَا فَوق الْبَحْر وَكَانَ الفرنج قد حصنوها وَجعلُوا معقلا لسَائِر الْبِلَاد المحيطة بهَا وفيهَا جمع وافر من الْمُسلمين وجوامع ومساجد يجْتَمع بهَا الْإِسْلَام وَلَا يعترضهم فِي ذَلِك الْكَفَرَة الطغام قَالَ ابْن بسام فِي تَارِيخ الجزيرة جَزِيرَة الأندلس آخر الفتوحات الإسلامية واقصى المآثر الغربية لَيْسَ ورأهم وأمامهم إِلَّا الْبَحْر الْمُحِيط وَالروم وأوسط بِلَاد الأندلس مَدِينَة قرطبة والجانب الغربي من جَزِيرَة الأندلس أشبيلية وَمَا اتَّصل بهَا من بِلَاد سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط الرُّومِي والجانب الشَّرْقِي من جَزِيرَة الأندلس هُوَ أعلا الأندلس
وَفِي صفر جهز الإِمَام إِلَى بِلَاد الشحر من سواحل بِلَاد حَضرمَوْت عَبده الْفَتى عُثْمَان زيد فِي ثَلَاث مائَة من الْعَسْكَر واستوثق عَلَيْهِ فِي حفظ البندر من الْعمانِي تخوفا من مثل مَا صدر مِنْهُم فِيمَا مضى وَفِي هَذِه الْأَيَّام توفّي بِصَنْعَاء الْفَقِيه الْعَارِف أَبُو بكر بن يُوسُف بن مُحَمَّد راوع الْخَولَانِيّ الأَصْل ثمَّ الصَّنْعَانِيّ وَهُوَ من مَشَايِخ شرح الأزهار وأصول الْأَحْكَام وَلم يكن لَهُ يَد فِي غير قَوَاعِد الْمَذْهَب من الْفُرُوع أَخذ عَن الإِمَام الْمُفْتِي وَتبع طَرِيقَته فِي أصُول الدّين وَعنهُ أَخذ سَيِّدي عُثْمَان بن عَليّ وَالْقَاضِي حُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وَآخَرُونَ
стр. 263
وَفِي هَذَا الشَّهْر اعتزل القَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن جَابر العيزري صَلَاة الْجُمُعَة بِجَامِع صنعاء بِمَا بلغ إِلَيْهِ من سعي الإِمَام فِي إبِْطَال أَحْكَامه وَأمر الْوُلَاة بِعَدَمِ التعريج على مَا يصدر مِنْهُ من الأوضاع وَقد طنز عَلَيْهِ بعض عُلَمَاء وقته بالحكم بِخِلَاف الْمَذْهَب وبعدم أَخذ الْولَايَة من إِمَام الزَّمَان وَالْمَذْكُور فِي الْفُرُوع آيَة باهرة وَله طَريقَة فِي الزّهْد والجدادة وإطعام الْفُقَرَاء وتعهد ضعفتهم لَا يسلكها غَيره فِي زَمَانه وَمَعَ الْعَوام أَوْهَام إِنَّه يحكم على الروحانيين ويستخدمهم فِي بعض الْأَحَايِين وشاع هَذَا عِنْد كثير من الْخَاصَّة
وَقد أَخْبرنِي شيخى القَاضِي الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي أَنه سَأَلَ عَن شَيْء من ذَلِك فَأنكرهُ وَكَانَ فِي بَدْء أمره بشهارة قد عورض من بعض أَهلهَا بِمَا كره مَعَه الْمقَام فانتقل إِلَى صنعاء
وَفِي هَذَا الْعَام جَاءَت الْأَخْبَار بانكسار برشة عمانية بساحل أحور عِنْد رُجُوع أَهلهَا من سَاحل عدن فَهَلَك أَكثر أَهلهَا وشحنتها وَخرج من سلم مِنْهُم إِلَى السَّاحِل فانتهبهم أهل أحور وَقتلُوا بَعضهم
وَفِيه جَاءَت الْكتب إِلَى عز الْإِسْلَام تشعره بِمَرَض أَبِيه فأشفق عَلَيْهِ الْقطر اليمني وأتسعت دَائِرَة الأراجيف وَظَهَرت تأهبات من مثل وَلَده وَأحمد وشريف برط السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَليّ وَالسَّيِّد الْعَالم يحيى بن الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد وَالسَّيِّد الْعَلامَة الناسك الْقَاسِم بن الْمُؤَيد وَأما الصفي أَحْمد بن الْحسن فبادر
стр. 264
بالكتب إِلَى أَحْمد بن المتَوَكل ليَأْخُذ مَا عِنْده من ذَلِك ويطرح لَهُ النصح على صفة خُفْيَة وجد واجتهد فِي تأليف قُلُوب الْخَاصَّة والعامة بِالْإِحْسَانِ وَاللِّسَان
وَكَانَ أَحْمد بن الإِمَام قد أظهر نوعا من الإستبداد وَقبض من خَازِن الإِمَام الْفَقِيه الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى حَنش مَفَاتِيح المخازين وَأخذ السَّيِّد الْعَلامَة عَليّ ابْن أَحْمد الأهبة فِي حفظ حَقِيقَة حَاله ونظم أَمر الْبِلَاد وَفهم من أنفاس السَّيِّد الْعَلامَة الْكَرِيم أَحْمد بن السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم التطلع إِلَى هَذَا المنصب وَله فِيهِ سلف لَا يخفى وَنور مِصْبَاح لَا يطفى
وَفِي هَذِه الْأَيَّام وفدت الْأَخْبَار بوفاة الشريف الهصور حمود بن عبد الله بِالطَّائِف قَالُوا وَلما قَارب الرحيل وَقطع طمعه عَن القال والقيل وَوضع رمح الرِّئَاسَة عَن عَاتِقه وسكنت عَن همهمة القراع شقاشقه ضج لما ندر مِنْهُ أَيَّام الشرة والنشوة وَنَدم على مَا أسلفه من التكبر والتجبر والنخوة حَتَّى كَانَ آخر وَصيته ان لَا يدْفن ملاصقا لجيرانه من الْمُسلمين كَيْلا يتأذون بِمَا يصدر مِنْهُ من الزَّفِير والأنين وَهُوَ يُرْجَى لَهُ إِن شَاءَ الله بِهَذَا الْقدر السَّلامَة من عَذَابي الْآخِرَة والقبر وَللَّه الْقَائِل
(الْعَفو يُرْجَى من بني آدم ... فَكيف لَا يُرْجَى من الرب)
وَفِي رَابِع عشر ربيع الثَّانِي وَقع خُسُوف قمري فِي برج الجدي بِالرَّأْسِ غشيه بِالسَّوَادِ المظلم والطالع الْحُوت
فِي هَذِه السّنة رُوِيَ أَنه ولد لناظر الْوَقْف بِصَنْعَاء ولد لَهُ رأسان وفمان فسبحان المصور فِي الْأَرْحَام لما يَشَاء
وَفِي آخر جُمَادَى الْآخِرَة كَانَ قرَان الزهرة وَالْمُشْتَرِي فِي آخر برج الْعَقْرَب وَفِيه وصل كتاب الْعمانِي إِلَى الحضرة معاتبا فِيمَا جرا فِي أَصْحَابه بساحل عدن وَغَيره
стр. 265
وَقبل ذَلِك اتّفق بضوران خَاصَّة قريب من ثَلَاثِينَ رَجْفَة قَالَ بعض أقَارِب الإِمَام وَكَانَ قد تضَاعف على أهل الْيمن الْأَسْفَل مطَالب غير الزَّكَاة والعطرة وَالْكَفَّارَة مثل مطلب الصَّلَاة على الْمُصَلِّي وغيرهومطلب التنباق ومطلب الرباح ومطلب الرصاص والبارود ومطلب سفرة الْوَالِي ومطلب الْعِيد فَقَالَ هَذَا الْقَرِيب هَذَا الذَّال
وَللْإِمَام مندوحات بِمَا كَانَ يَأْخُذهُ وَقد كَانَ حازما عَالما متيقظا فَيحمل على السَّلامَة وَلَعَلَّ ذَلِك بِسَبَب التظالم والمعاصي وَقد ذكر السُّيُوطِيّ فِي كتاب الصلصلة فِي الزلزلة مَا يقْضِي بذلك وَقد وَقع فِي الْقُرْآن الْعَظِيم ذكر الرجفة فِي قوم شُعَيْب وَبَعض أَصْحَاب مُوسَى وَغَيرهم لأسباب مُخْتَلفَة يشملها سلوك مَالا يرضاه الله حَسْبَمَا تقضي بِهِ التفاسير
وَفِي هَذِه الْأَيَّام حركت رُؤَسَاء الحجرية رؤوسها للْخلاف فَقتلُوا بعض عبيد عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد
وَفِي غرَّة رَجَب كَانَ وَفَاة السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة مفتي الْيمن ومجتهده مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن أَمِير الْمُؤمنِينَ شرف الدّين أَخذ عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي وَالْقَاضِي الْعَارِف أَحْمد بن صَالح الْعَنسِي وَغَيره وَعنهُ حلق فِي الْفُنُون على الْإِطْلَاق مِنْهُم الْفَقِيه الْعَالم مُحَمَّد بن أَحْمد النزيلي ولخص سيرة جده الإِمَام شرف الدّين ﵇ ونظم الورقات لإِمَام الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيّ وَاجْتمعَ فِيهِ خِصَال الْكَمَال مالم يُوجد فِي أحد من الْمُتَأَخِّرين من السمت وَحسن الشارة وَالصُّورَة وَالْعَظَمَة فِي صُدُور الْخَاصَّة والعامة واستمرار الإفادة للطلبة فِي
стр. 266
الْفُنُون على أَنْوَاعهَا والنسك المرضي والورع فِي الْبَحْث مَعَ المشيخة والطلبة والمنصب الرفيع والجاه الْوَاسِع وَبسط الْأَخْلَاق إِلَى النَّاس على السوية ورشاقة الأسلوب وَحسن الْخط والكفاف الَّذِي يصون بِهِ مَاء الْوَجْه عَن تكفف اللؤماء سِيمَا فِي هَذِه الْأَعْصَار سِيمَا فِي جَانب الْعلمَاء فقد وجدنَا لبسطة الْكَفّ أثرا فِي تشييد جَانب الْعلم وَقد كَانَ فِي السّلف طرف من ذَلِك كَمَا امتاز بِهِ من العظمة مَالك بن أنس صَاحب دَار الْهِجْرَة عَن غَيره من أكَابِر أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَله طَرِيق متين فِي الحَدِيث أَخذه عَن بعض عُلَمَاء بني النزيلي وَشعر يعبق مِنْهُ أعطار الْفضل والسيادة فَهُوَ متوسط فِي بَابه كشعر أكَابِر العلما مِنْهُ مَا وصف بِهِ الْفَوَائِد الضيائية شرح الحاجبية للمحقق الملاجامي
(يَا طَالبا رَاغِبًا فِي حل كَافِيَة ... أعياه تَحْقِيق مَعْنَاهَا وأعضله)
(هذى الْفَوَائِد للجاني فَمَا عسر ... عَلَيْك إِلَّا وَأَدْنَاهُ وسهله) (جمع الْفَوَائِد فِيهِ غير منكسر ... ومجمل الْبَحْث بالتيسير فَصله) (فاسمع لوصفي لَهُ فِي ضمن تورية ... إِن الْفَوَائِد جمع لَا نَظِير لَهُ)
وَفِي شهر رَجَب وصل الْخَبَر بخوض أَصْحَاب الْعمانِي الْبَحْر وخروجهم من مسكت عَن الْبر عِنْدَمَا تحركت لَهُم ريح الشرق فأوجس الإِمَام وصفي الْإِسْلَام أَن قصدهم السواحل اليمنية بعد تقدم تِلْكَ الْقَضِيَّة فَظَاهر العساكر وفعلا فعل المحاذر وَالْحسن بن الإِمَام عاود صعدة هَذِه الْأَيَّام وعهد إِلَى الجمالي عَليّ بن أَحْمد أَن يجْتَمع الْعَسْكَر عِنْد الدُّخُول محاذرة الْفِتْنَة وتذكر الذحول
وَفِي أول شعْبَان كَانَ كسوف الزهرة بِمُقَابلَة الْقَمَر واحتجابها بِالْمُشَاهَدَةِ فِي برج الْقوس وَرجع المريخ بِالْمُشَاهَدَةِ إِلَى برج الثور بعد أَن قَارب سير الثريا وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى ذِي الْقعدَة ثمَّ دخل الجوزاء
وَفِي رَمَضَان جَاءَ الْخَبَر بعزل مُحَمَّد شاويش عَن بندر جدة وكسى على ولايتها
стр. 267
يُوسُف آغا وَفِي أثْنَاء شَوَّال جَاءَت الْأَخْبَار بتوجه الباشا والأمراء إِلَى صوب بَغْدَاد عوضا عَن الرُّتْبَة وصحبتهم إثني عشر ألف انقشاري يتصافون إِلَى البواش والآغوات والسناجق والإمارات
ونجل الْبَحْر هَذِه الْأَيَّام خَزَنَة وافرة فِيهَا رصاص وبارود فَلَمَّا قاربت جدة طَار إِلَيْهَا شرار فَرَفعهَا فِي الْهَوَاء دفْعَة وَاحِدَة وَفِي خَامِس شَوَّال خسف الْقَمَر فِي السرطان وَفِي رَابِع وَعشْرين هوت من السَّمَاء بغضران من أَعمال السِّرّ صَخْرَة كَانَ لَهَا ضجيج عَظِيم سَمعه من بِصَنْعَاء وَتعقبه جَدب أفْضى إِلَى تمزق سكنته فِي الْأَرْضين ﴿أصبح ماؤكم غورا فَمن يأتيكم بِمَاء معِين﴾ وَعز فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَقطعت فِيهِ أصُول الأعناب وَكَانَ أَهله قد انهمكوا فِي الْإِيمَان الْفَاجِرَة وَالطَّرِيق الخاسرة
وَفِي هَذِه الْأَيَّام قَالُوا إِن رجلا مِمَّن يَشْتَرِي الطَّعَام نزل الْيمن الْأَسْفَل فَعِنْدَ أَن بلغ الْجند اضطره الْحَال إِلَى دُخُول بَيت يسْأَل فِيهِ مَا يسد خلته فَوجدَ فِيهِ رجَالًا من أهل الشَّام وَعِنْدهم أسلحتهم فأمروه أَن يحمل شَيْئا على ظَهره فِي غرارة لَا يعلم مَا هُوَ فَلَمَّا انْتَهوا جَمِيعًا إِلَى الْبَريَّة انْكَشَفَ أَنه مقتول وَعند أَن خَافُوا مِنْهُ أَن يخبر بِمَا هم فِيهِ جزموا بِالْفَتْكِ بِهِ فألهمه الله إِلَى التوسل بالشيخ أَحْمد بن علوان فَلم يشعروا إِلَّا بِإِنْسَان قد أقبل عَلَيْهِم مشرعا حربته إِلَى نحورهم فدهمهم من الهول مَا أذهلهم عَن الرجل وخلص من شرهم
وفيهَا انْكَسَرت بساحل جيزان جلبة فِيهَا عَالم من أهل صنعاء نَحْو السّبْعين وَلم ينج غير خَمْسَة عشر نَفرا وَاتفقَ لبَعْضهِم أَنه خلص على لوح مِنْهَا بعد ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَذُوق فِيهَا طَعَاما وَلَا شرابًا فسبحان من إِلَيْهِ تَدْبِير
стр. 268
الْأَحْكَام وَمن أياته الْجَوَارِي فِي الْبَحْر كالأعلام
وَفِي ثامن عشر ذِي الْحجَّة كَانَ شعار غَدِير خم الْمَعْقُود فِيهِ ولَايَة الْوَصِيّ وخطب فِيهِ بليغ الْيمن وعالمه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الشجري السحولي خطْبَة الغدير وَلم يكن قد خطب بهَا قبل غَيره فِي حوزة الزيدية
وَفِي سادس وَعشْرين كَانَ تَحْويل سنة الْعَالم بِدُخُول الشَّمْس أول دقيقة فِي الْحمل والزهرة وَعُطَارِد فِيهِ وَالْمُشْتَرِي بِالْقَوْسِ وَالْقَمَر بالدلو والذنب وَهُوَ الجوزاء وَكَذَا المريخ بالسرطان وزحل فِي أول الثور وَكَانَت السّنة الدَّاخِلَة الْآتِي ذكرهَا من سنة سِتّ وَثَمَانِينَ هِيَ سنة خمس وَسِتِّينَ شمسية بِسَبَب الإزدلاف إِذْ لَا يكون تَحْويل سنة الْعَالم إِلَّا فِي أول محرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهِي مَعَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى القمرية لَا تسْقط بل هِيَ سنة سبع وَثَمَانِينَ بعد الْخمس والثمانين الْمَاضِيَة وَإِنَّمَا هَذَا السُّقُوط بِاعْتِبَار الشمسية والزحلفة بأيام الْبَين وَهِي إِحْدَى عشر يَوْمًا وكسور فِي كل سنة وَالله أعلم بحقائق الْأُمُور
كَرَامَة للشَّيْخ الصفي أَحْمد بن علوان أَيْضا
وَفِي هَذِه الْأَيَّام كَانَ بثلا رجل من فقرا الشَّيْخ أَحْمد بن علوان يتظهر بخوارق فاعتقله القَاضِي الْمهْدي بن عبد الْهَادِي بقلعة ثلا فَوَثَبَ من رَأس القلعة إِلَى سوق ثلا وَلم يضرّهُ ذَلِك فَكَانَ رادعا للْقَاضِي وإضرابه عَن التشكيك فِي كرامات الْأَوْلِيَاء وَفِي ذَلِك بحث خلافي مَعْقُود فِي أصُول الدّين وَثَمَرَة الْخلاف فِيهِ أقل من لَا شَيْء
وَإِلَى هُنَا انْتهى الدّور الثَّالِث من أول الْإِسْلَام الَّذِي يَدُور على ثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ سنة لَكِنَّهَا شمسية فتزيد على هَذَا بِخمْس سِنِين فَيكون انتهاؤه فِي خمس
стр. 269
وَثَمَانِينَ وَعند أهل الْأَحْكَام أَنه يكون فِي انقلاب وانضراب فِيمَا يتَعَلَّق بأحوال الدول واستيلاء بعض الْمُلُوك على بعض وَهُوَ تخمين بحت وَتَحْقِيق الْحق فِي مَعْلُوم من لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء ﴿الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾
وَدخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف
فِيهَا جَاءَ أَخْبَار الْحَج إشتعال نيران الْفِتْنَة بَين الحرامية والحجازيين وَكَانَ فِي ذَلِك قتل جمع من الطَّائِفَتَيْنِ وَالْإِمَام هَذِه الْأَيَّام نقل بعض خَزَنَة ضوران إِلَى صنعاء الْيمن وَأَن سَعْدا نَهَضَ إِلَى الْأَبْوَاب بعد أَن استدعي فسافر بِصُحْبَة أَمِير الشَّام وَفِي محرم قبض وَزِير الإِمَام الشريف مُحَمَّد بن صَلَاح الجحافي الحبوري بضوران وَكَانَ قد بسق فِي الوزارة فَرعه وَنفذ فِيهَا وَصله وقطعه صحب أَولا عَلامَة الْيمن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَعمل لَهُ فِي بِلَاد ظليمة وشظب وَلما دعى أَحْمد بن الإِمَام الْقَاسِم بَايعه وَتَابعه وعندما انتظمت الْأُمُور لِأَخِيهِ وصل إِلَيْهِ وَاقْتصر فِي الْخدمَة عَلَيْهِ وَالْإِمَام إِبْنِ خَالَته وَقد رثاه بعض شعراء الْيمن بِأَبْيَات جردنا هَذَا التوقيع عَنْهَا لما تضمنته من الْقدح وَعَملا بِحَدِيث لَا تسبوا الْأَمْوَات فتؤذوا الْأَحْيَاء
وَفِي آخر الشَّهْر خَالَفت الحجرية وَقتلُوا رَسُول الإِمَام وَكَانَ عز الْإِسْلَام مُحَمَّد ابْن أَحْمد قد هم بالنفوذ إِلَى يفرس من المنصورة ليتبصر فِي أَمرهم وابتدر لإطفاء ثائرة خلافهم أَبوهُ صفي الْإِسْلَام وعضده على ذَلِك عَسْكَر الإِمَام
وَفِي هَذِه الْأَيَّام غزا عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن الزريقة فثارت
стр. 270
نَحوه الحجرية فأوقع بهم وَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة ونكا جمعا وافر مِنْهُم وانتهب طَائِفَة من مَوَاشِيهمْ وَاسْتمرّ الْحَرْب أَرْبَعَة أَيَّام وخلص عَن قتل أَرْبَعَة من أَصْحَابه وَلما لحق عز الْإِسْلَام غوث عَسْكَر الإِمَام انْكَسَرَ المخالفون وَتَفَرَّقُوا فِي الأودية والشعاب وَاتفقَ أثْنَاء هَذِه الْمدَّة قصد من حسن بن الإِمَام إِلَى بعض الْبِلَاد الشامية لحَدث أحدثه أَهلهَا ولمم يَقع على طائل لتوعر المسالك
وَفِي خَمْسَة وَعشْرين من صفر وصل الزوار وأخبروا أَن الباشا حُسَيْنًا لم يعد إِلَى الْأَبْوَاب بل ينْتَقل من مَكَّة إِلَى جدة وَكَانَ وُصُوله من الأروام فِي حَال الأكابر من الْمُلُوك حَتَّى أَن مُجَرّد الْخَيل ثَلَاثَة ألآف وَخَمْسمِائة وَلم يعد إِلَى الْأَبْوَاب إِلَّا بعد زمن طَوِيل قرر فِيهِ مراسم الْحَرَمَيْنِ ونفذت أوامره فِيهِ على من عداهُ من الْمُلُوك مثل بَرَكَات والباشا صَاحب جدة وَفِي ربيع الأول جَاءَت الْأَخْبَار أَن جمَاعَة ذِي مُحَمَّد من برط استخفهم الطيش فقصدوا معقل الْأَشْرَاف الزَّاهِر فنهد لَهُم الْأَشْرَاف وجرعوهم كؤوس السم الزعاف ومحوا رُؤُوس صناد يدهم بألسنة الأسياف وَرجع فَلهم إِلَى بِلَادهمْ مكسورين وانجفلوا عَن قصدهم مقهورين
وَفِي هَذِه الْأَيَّام جَاءَ الْخَبَر بوفاة يُوسُف بيك متولى جدة وخلع القفطان بولايتها على إِبْرَاهِيم بيك وفيهَا اتّفق بَين عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن وشريف من بني عَامر يُسمى حُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَامر مزح أفْضى إِلَى جد فَوَثَبَ الشريف على عَليّ وَقَتله فاعتقله صفي الْإِسْلَام وشفع فِي إِسْقَاط الْقود عَنهُ إِلَى أَبِيه فشفعه
وَفِي ثامن عشر توفّي بِصَنْعَاء بعد وُصُوله من ضوران النَّقِيب سعيد المجزبي مَمْلُوك شرف الْإِسْلَام الْحسن بن الْقَاسِم وناله آخر مدَّته عقيب عَزله وسكونه بضوران إمتحانات مِنْهَا الْمَرَض الَّذِي مَاتَ مِنْهُ وَكَانَ قد ولى بندر
стр. 271
اللحبة وَالضُّحَى نَحْو من أَرْبَعِينَ سنة من أَيَّام الْحسن وَمَا كَانَ قبل ذَلِك إِلَّا حراثا مَعَ سَيّده ابْن مجزب من مَشَايِخ الشَّام
وَفِي هَذَا الْوَقْت مَال أهل البروية عَن الْأَمِير أَحْمد بن الْحُسَيْن إِلَى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن المتَوَكل وطلبوا أَن تكون مطالبهم أَن تكون مطالبهم إِلَيْهِ فثارت لذَلِك نفس الْأَمِير وَرفع الْقَضِيَّة إِلَى الإِمَام فَرَأى من الصّلاح إرجاعهم إِلَى بِلَاد ولَايَته واستمروا فِي ولَايَته من جملَة أهل قطعته
وَفِي غرَّة ربيع الآخر وصل الحضرة خواجا هندي لَهُ أَتبَاع ويحمله على الفالكي أَرْبَعَة أنقريز وَأهْدى للْإِمَام هَدِيَّة سنية فأثابه عَلَيْهَا ثمَّ وصل حَضْرَة صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام
وَفِي هَذِه الْمدَّة وضح تَحْقِيق تجهز صَاحب التخت بِنَفسِهِ على صَاحب بِلَاد الفرتقال كَذَا وَذَلِكَ أَنه لما سرى أَمرهم واستحكم شرهم أفرغ السُّلْطَان مجهوده فحشر الْأَبْطَال من كل أَوب وَجمع البواش كَذَا من كل صوب وواساهم بِنَفسِهِ النفيسة وأسعر جحيم الْحَرْب فأحمى وطيسه ثمَّ دهمهم بأجناد يضج لَهَا الهضب والوهاد ويضيق عَنْهَا السوح ويغبر بعثيرها اللَّوْح وَلما اتَّصل ببلادهم ولاذ بأغوارهم وأنجادهم انحازوا إِلَى قلعة تسمى عمارية قد بسق سمكها فِي الأرتفاع وَبعد عهد حضيضها عَن الْبِقَاع وَاسِعَة الدَّار والدور مدمجة الْأَطْرَاف وَاسِعَة السُّور معمورة بالأبطال المجربة وَالسُّيُوف المدربة والمدافع الدافعة والشحنة النافعة فَقدم بَين يَدَيْهِ الوزراء والأكابر والأتباع والعساكر ووقف بِخَاصَّة ملكه على مَسَافَة ثَلَاثَة أَيَّام بِحَيْثُ يلحقهم غوثه السَّرِيع ويربط أفئدتهم قهره المنيع وَعند إِن اتَّصل آخر المعسكر بأذيال القلعة رَأَوْا أَن فتحهَا بِالْحَرْبِ الزبون مِمَّا لَا يتَصَوَّر وَلَا يكون فدبروا بطريقة التخمين والتقريب إِن حفروا هُنَا السراديب وأفعموها بالبارود واستوثقوا على
стр. 272
أَبْوَاب القلعة بسور من الْجنُود وَعند أَن تمّ لَهُم مَا تمّ ونجح تدبيرهم فِيمَا راموه ثمَّ ألاحوا النَّار فِي أَوَائِل سرداب فَخَاضَ حَولي القلعة لهام الإلتهاب فَكَانَت الْغَنِيمَة الْبَارِدَة وهم غافلون ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذا هم خامدون﴾ وَبعد أَن سعد البخت بِتمَام الدست عَاد السُّلْطَان وَقد فلج سَهْمه وَهلك خَصمه وبوش على تِلْكَ الْبِلَاد سَبْعَة من المقدمين ونال عِنْد الله أجر الصابرين المرابطين وَفِي هَذِه السّنة انحسر بَحر صنعاء فَنزل إِلَيْهَا سيل من جبل الحفا وحدة بني شهَاب وأخرب عرين خندقها الَّذِي أصلحه الإِمَام وفيهَا توجه بعض المراكب الْهِنْدِيَّة إِلَى جدة فرددتها الرّيح من حُدُود جيزان فَرجع أَهلهَا إِلَى المخا وَالسَّبَب أَن أَيَّام الخريف يهيج فِيهَا الْبَحْر الْيَمَانِيّ قدر شَهْرَيْن فتضطرب الْجلاب باضطراب الرّيح
وفيهَا وصل مَكْتُوب من صَاحب سواكن يخبر باستقرار الشريف سعد بِحَضْرَة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَأَن السُّلْطَان رَمَاه بقتل حسن باشا فتنصل عَن ذَلِك واثقا بِالدُّخُولِ فِي الْمَذْهَب الْحَنَفِيّ استدراجا لخاطر السُّلْطَان مُحَمَّد فانعطفت عَلَيْهِ قُلُوب الْخَواص ومهدوا لَهُ الْعذر فَقبله السُّلْطَان
وفيهَا هم الإِمَام بتجهيز هَدِيَّة سنية لصَاحب التخت لتطلع نَفسه مَعَ مَا قد كَانَ رفع إِلَى مسامعه من التَّجْهِيز الْمُتَقَدّم على الْيمن فَخَاضَ مَعَه بعض وزرائه فِي أَن ذَلِك رُبمَا كَانَ محركا على تَمام التَّجْهِيز واستنباط لضعف صَاحب الْيمن فَاسْتحْسن الإِمَام هَذَا الرَّأْي وأضرب عَمَّا أَرَادَهُ
وفيهَا وصل إِلَى الحضرة جمَاعَة من أَطْرَاف بِلَاد عمان من الْمشرق على مطايا
стр. 273
يصفونَ أَنهم كَانُوا عرفا على بِلَادهمْ مستقلين خَارِجين عَن وَلَاء سُلْطَان عمان فنظمهم فِي سلك مَمْلَكَته بيد الْقُوَّة وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَن يمدهُمْ بِمَا يمنعهُم من الرِّجَال وَالْمَال ويكونوا فِي رَعيته فَاعْتَذر الإِمَام عَن هَذَا الْمطلب خَاصَّة موازنة بَين خَيره وشره وفيهَا اتّفق خصام بَين أَصْحَاب الْحسن بن الإِمَام والرعية بجبل رازح أفْضى إِلَى قتل نفر من الْعَسْكَر وَخَمْسَة أَنْفَار من الرّعية وصالت الرّعية على الْعَسْكَر والجأوهم إِلَى القلعة فَصَالحهُمْ الْحسن عِنْدَمَا رأى الْحَال يَقْتَضِي ذَلِك وَسَار إِلَى أبي عَرِيش وَأَرَادَ غَزْو آل حبيب وَنَحْوهم من بِلَاد بني حرَام فصده الإِمَام عَن ذَلِك حَتَّى تحقق خبر الْخَارِجَة إِلَى مَكَّة المشرفة وَكَانَ المشير بذلك صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن
وَفِي نصف جُمَادَى اتّفق أَن جمَاعَة من رعاع أهل صعدة مَا زَالُوا يتجمعون فِي الفندق الَّذِي نظره إِلَى الْفَقِيه عمر الْمولى من الإِمَام ويصدر مِنْهُم مَالا يَلِيق قولا وفعلا فَرفع السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن إِبْرَاهِيم المؤيدي ذَلِك إِلَى مسامع الجمالي عَليّ بن أَحْمد فوضعهم فِي الْحَدِيد فَمَا كَانَ بأسرع من أَن وصل إِلَيْهِ عمر يعاتبه وَيذكر أَن التَّأْدِيب فِيمَا يتَعَلَّق بالفندق إِلَيْهِ فَلم يَسعهُ غير إِطْلَاقهم فَرفع ذَلِك إِلَى السَّيِّد شمس الْإِسْلَام فَلم يلق بدا من الْبِدَايَة بتأديب عمر الَّذِي نهى وَأمر واغتصب وقهر فقصده مَعَ جمَاعَة من السادات وأعيان الطّلبَة فَلم يصادفه فِي غير جَامع صعدة وتضيقت الْحَادِثَة فَضرب هُنَاكَ ضربا مبرحا ثمَّ خرج السَّيِّد عَن صعدة إِلَى مَحَله وطالع حَضْرَة الإِمَام فِي صُورَة مَا صدر فَأَرَادَ إرْسَال القَاضِي عبد الله التهامي لاستفصال الْقَضِيَّة ثمَّ رجح عِنْده التغافل لضرب من الصّلاح
وَفِي رَجَب سَار جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد إِلَى نَجْرَان لتغلب أَهله عَن
стр. 274
المطالب فقبضها مِنْهُم قهرا وَفِيه اتّفقت فرقة بَين عَسْكَر شرف الْإِسْلَام الْحسن ابْن الْحسن برداع فَقتل نفر من أهل الشَّام
وَفِي سلخ شعْبَان طلب إِلَى الحضرة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الإِمَام فبادر وَفِي نصف شَوَّال خسف الْقَمَر فجرا فِي السرطان بعقدة الذَّنب وَغرب خاسفا وَكَانَ خسوفه الْعَام الْمَاضِي بِهَذَا البرج وَقد اجْتمع فِي أَوله ببرج الجدي الْخمس الْكَوَاكِب الشَّمْس وَالْقَمَر والمريخ والزهرة وَعُطَارِد وَلما انْقَضى الشَّهْر جهز الإِمَام لإمارة الْحَج الْحَاج فرحان وَفِي وَقت السحر لَيْلَة ثَالِث شَوَّال كَانَ بِصَنْعَاء وَغَيرهَا زَلْزَلَة عَظِيمَة أيقضت النَّائِم وتبعها مثلهَا
وَفِي هَذِه الْأَيَّام اتَّصَلت الْأَخْبَار بِأَن جلاب الْعمانِي بالبحر وفيهَا عَسَاكِر وفيهَا أَمر الإِمَام أَن تقوم أَمْوَال الذميين فِي جَمِيع الْبِلَاد وَيُؤْخَذ مِنْهُم الْعشْر فَجمع من ذَلِك شَيْء كثير وفيهَا سَار حسن بن الإِمَام إِلَى فيفا فأدب أَهلهَا بِتَسْلِيم شَيْء من الطَّعَام لتغلبهم على الزَّكَاة ثمَّ عَاد إِلَى جبل رازخ
واتصلت بِهَذِهِ الْأَوْقَات الزلازل والرجفات بضوران وَفِي بَعْضهَا انْشَقَّ أَكثر الْبيُوت مِنْهَا دَار الْحصين حَتَّى تناثرت الْحِجَارَة من جبل ضوران وامتدت الرجفة إِلَى صنعاء وَكَانَ دوامها بضوران قدر قِرَاءَة سُورَة يس وَبَعض من فِيهِ اخْتَلَط معقوله وَالْإِمَام انْتقل إِلَى معبر
وَفِي خلال ذَلِك تقرر وُصُول العمانيين إِلَى بَاب المندب فبادر صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بإرسال السَّيِّد الْحسن بن مُحَمَّد الْحرَّة فِي جمَاعَة من الكفاة وَأرْسل ابْن مذيور إِلَى جبل الفضلي وَقد بلغه أَن قبائل الْمشرق رفعت رؤسها سِيمَا بِلَاد العولقي وفيهَا انْتَبَهت دهمه قافلة بالعمشية لتجار صعدة وتعللوا بِأَن الإِمَام قطع الجامكية فَإِن ردهَا أصلحوا مَا فسد فِي العمشية
стр. 275
وَدخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف
وفيهَا توفّي قَاضِي السودة القَاضِي الْعَارِف عبد الله التهامي ﵀ وفيهَا وصل إِلَى مَكَّة رِسَالَة من بعض الحلولية بِالْهِنْدِ فَأجَاب عَنْهَا عُلَمَاء مَكَّة وَكَفرُوا منشئها وأوجبوا على السُّلْطَان أورنقزيب تحريق كتب المنشئ لَهَا
وَفِي سَابِع محرم كَانَ تَحْويل السّنة عِنْد المنجمين وزحل بالثور وَالْمُشْتَرِي بالدلو والمريخ بِأول دَرَجَة من الْأسد وَعُطَارِد مَعَ الشَّمْس إِذْ لَا يفارقها والزهرة بالثور وَفِي نصف ربيع خسف الْقَمَر ببرج الجوزاء وتجلا بِسُرْعَة
وفيهَا وصل الْجَواب من أهل مَكَّة عَن سُؤال بعث بِهِ الإِمَام إِلَى هُنَاكَ فِي سَبَب أَفْرَاد الْعم وَالْخَال والمضاف إِلَيْهِمَا وَجمع العمات والخالات والمضاف إِلَيْهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَبَنَات عمك وَبَنَات عَمَّاتك وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك﴾ وَمِمَّنْ تولى الْجَواب الشَّيْخ الْعَارِف مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْمَالِكِي المغربي
وفيهَا كَانَ وُصُول الْمركب إِلَى بندر المخا وهدية من السُّلْطَان أورنقزيب للْإِمَام وَصدقَة لأشراف الْيمن والعمانيون الشاكون انفصلوا عَن حَضْرَة الإِمَام إِلَى بِلَادهمْ على وَجه جميل غير أَنه اعتذر عَن خُصُوص مطلبهم
وَفِي ربيع الآخر أرسل حسن بن الإِمَام من رازخ إِلَى صعدة بجملة من أَهله وَأمر أَتْبَاعه أَن يسكنوهم بدار المطهر وَكَانَ فِيهَا بعض حشم جمال الْإِسْلَام عَليّ ابْن أَحْمد فَتغير خاطره لذَلِك مَعَ مَا قد سلف بَينهمَا من أَسبَاب الوحشة فَأمر بإرجاع أهل الْحسن وحيرهم فِي بَاب صعدة وَكتب إِلَيْهِ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بمجز بمكتوب يتَضَمَّن إِن أمد الصَّبْر عَلَيْك قد انْتهى فَأَما رجعت من حَيْثُ جِئْت
стр. 276
وَإِلَّا وصلت على شريطة من يصحبك من يمْضِي مَعَك إِلَى حَيْثُ تَأمر وتسير إِلَى حَضْرَة أَبِيك وَإِن أَبيت أحد الْأَمريْنِ فَأذن بِمَا يصدر فِي جَانِبك من الإهتضام وَقلة الإحتشام والمكالمة بِلِسَان الحسام فسعي السَّاعِي بَينهمَا أَن يدْخل أَهله من بَاب صعدة ويسكنوا بدار عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام
وَالْحسن عَاد من مجز يُرِيد ساقين ويلتقي ثقله فَلَمَّا وصل إِلَى عرو لم يرخص لَهُ أَهله فِي غير الْمبيت لأوامر نفذت إِلَيْهِم من جمال الْإِسْلَام وَلما كثرت عَلَيْهِ الأراجيف عرج عَن ساقين وَقصد رازح فَتَبِعَهُ جمال االإسلام حَتَّى وصل ساقين وَوَقع الْحَرْب على خزانَة الْحسن فَذهب من الْفَرِيقَيْنِ خَمْسَة أَنْفَار ثمَّ كَانَ الإستيلاء على خزنته وَمن مَعهَا من أَصْحَابه وَبعد ذَلِك برح الخفا مَعَ الجمالي فَجمع من يعْتد بِهِ من سحار وَآل عمار وَذكرهمْ سيرته المرضية فيهم وَمَا قاسوه من انضراب كَذَا الْحَال بَينه وَبَين الْحسن وَوصف لَهُم مَا صَار إِلَيْهِ حَال الإِمَام من الْمَرَض الْمخوف وَالزَّمَان المفضي حَالهمَا إِلَى خختلال هَذَا الْقطر وَأَنه أجمع رَأْيه على الدعْوَة وَأَنه طَالب مِنْهُم المناصرة على مَا يُريدهُ بالدعوة من نصْرَة الشرعفأجابوه إِلَى طلب وتلقب بالمنصور بِاللَّه ثمَّ قدم لِلْحسنِ جمعا من الأجناد إِلَى رازح وعطل عَن بِلَاده آثَار خلَافَة المتَوَكل فأصفق أهل الشَّام على إجَابَته ونفذت أوامره إِلَى حُدُود سُفْيَان وَوصل مكتوبه إِلَى صفي الْإِسْلَام احْمَد بن الْحسن يشعره بدعوته وأسبابها وَيطْلب مِنْهُ المناصرة ثمَّ أودع مكتوبه إِلْحَاقًا خَاصّا مضمونه أَن الْحَال قد اقْتضى مَا صدر منا فأعمل فِيهِ بِرَأْي الشَّرْع وَلَا تلْتَفت على الْمُحَافظَة على الْملك وَإِن يكن لَك إِلَيْهِ رَغْبَة كنت الْمُقدم وَكُنَّا السيوف المسلولة على من ناوأك فَرَاجعه الصفي بِمَا فِيهِ تمريض لِلْأَمْرِ وَكَانَ السَّيِّد الْعَلامَة الْقَاسِم بن الْمُؤَيد قد كتب إِلَى الصفي بِكِتَاب فِيهِ تأنيس بِمَا أَرَادَهُ الجمالي وَالسَّيِّد الْعَالم يحيى بن الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد كَانَ عِنْد وُصُوله
стр. 277
إِلَى صعدة قد خَاضَ مَعَ الدَّاعِي بعض الْخَوْض فِي شَأْن من يَنْتَظِم بِهِ الْأَمر وَفِي أثْنَاء مَكْتُوب الدَّاعِي إِلَى الصفي أَنه إِن لم يتم الْخَوْض فقد أرفع على استدعاء السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ صاححب برط والمفاوضة فِي الطَّرِيقَة المثلى وَعند ذَلِك ورد مَكْتُوب الإِمَام إِلَى صفي الْإِسْلَام يضيق عَلَيْهِ فِي التَّجْهِيز إِلَى صوب صعدة على الدَّاعِي قبل تفاقم الححادث وانتشار الححال فبادر الصفي إلة أخخذ الأهبة من االغراس المحروس وَنصب الوطاق عَلامَة التجرد والتبريز لمنازلة الدَّاعِي وَمن هُنَا ظهر فَائِدَة رَأْي الصفي فِي متاركة الماليك النائبة على الْقطر اليمني وَإِن الأهم الْمُقدم حفظ الححقيقة فِيهِ بِلَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
(والرأي فِي تثبيت مجد قَائِم ... بِالذَّاتِ لَا تَقْوِيم جد عائر) (وَمن الغباوة بذل كنز ححاصل ... فِي الْحَال لاستصحاب دين داثر) (هَب أَن ترى بَيت الأنيس من الضَّبِّيّ ... شَره فَاتبع القطيع النافر)
وَلما اطلع بعض وزراء الرسوليين على مَا جمعه مخدومه من الخزائن والذخائر الملوكية قَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا هَذِه الْعدة تصلح لفتح مصر أَو كَمَا يُقَال فَأَجَابَهُ بِأبي أحتاج إِلَيْهَا لمن يعارضني فِي اليممن بأقداح الشّعير ويأخخذ مني الْغرَّة عِنْد الإهمال وَالتَّقْصِير فاستصوب الْوَزير على رصانة عقله أكبر آيَة
وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة فاضت روح الإِمَام إِلَى دَار السَّلَام وانقلب إِلَى مَا أعده الله لَهُ من الْكَرَامَة وَالْإِكْرَام وَقد نَالَ أجر من عمل بِسنة جده االأمين وسلك فِي سَبِيل الْحق مَسْلَك أبائه الطيبين السَّابِقين إِلَى الْخيرَات والمقتصدين نور الله مصرعه وَفِي أَعلَى الْجنان أضجعه وَدفن صبح السبت بمحروس جبل ضوران
стр. 278
وَكَانَ مولده الْكَرِيم بِنصْف شعْبَان فِي سنة تسع عشرَة وَألف وَفِي ذَلِك كتب السَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم جحاف
(خَليفَة الله إِسْمَاعِيل مَوْلَانَا ... أوفى الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا) (وَفِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان مولده ... فهاك تَارِيخه فِي شهر شعبانا)
وَكَانَ مدرسا فِي أغلب الْفُنُون آيَة باهرة فِي فن الْفِقْه فَهُوَ يعد فِيهِ من المذاكرين محبا للْعُلَمَاء محببا إِلَيْهِم شفيقا بالرعية سِيمَا ضعفتهم من الطلاب وَغَيرهم وطالما أجتذب بثيابه مِنْهُم حَتَّى يمزق شَيْء مِنْهَا وطالما شافهوه بالقاسي من الْكَلَام فَكَأَنَّهُ لم يسمعهُ وَمن مؤلفاته العقيدة الصَّحِيحَة فِي أصُول الدّين وَقد شرحهاا من العدلية الْفَقِيه الْعَارِف صَالح بن دَاوُود الآنسي وَغَيره وَشَرحهَا من الأشاعرة عَالم مَكَّة القشاشي والشريف مُحَمَّد الحيقردي وَأمين حجازي كَمَا تقدم وَمن فَوَائده الْمسَائِل المرتضاة فِيمَا تعتمده الْقُضَاة وَغير ذَلِك من الْفَوَائِد الْمَعْرُوفَة بأيدي النَّاس والإختبارات فِي مظان الإلتباس وَاتفقَ فِي دولته من تَعْظِيم جَانب الْعلمَاء مَا لم يتَّفق فِي غَيرهَا فعكف أكابرهم فِي مَوَاقِف الدَّرْس عَلَيْهِ وَمَاله إِلَيْهِم بعلاقة الْعلم ومالوا إِلَيْهِ حَتَّى تحبب كل مِنْهُم إِلَيْهِ مجهوده وَمِنْهُم من تيمن باسمه الشريف حَتَّى تسما بِهِ مولوده وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ عَلامَة الْمَعْقُول مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم السحولي وَقد طلبه الرُّخْصَة فِي زِيَارَة أَهله إِلَى صنعاء بعد أَن ولد لَهُ مَوْلُود وَهُوَ الْآن فِي قيد الْوُجُود
(مولَايَ إِسْمَاعِيل لي طِفْل بكم ... متبركا أَدْعُوهُ إسماعيلا)
стр. 279
(قد عيل صبري من مفارقتي لَهُ ... لَا للرباب وَلَا لإسماعيلا) (منوا بإسماعي نعم فِي مطلبي ... لَا تقطعوا طمعي بإسماعيلا)
وَكَانَ لَا يَأْكُل الزَّكَاة وَمن كَلَام لَهُ يُوصي أَوْلَاده وقرابته وأوصيكم أَيهَا الْأَوْلَاد ذكركُمْ وأنثاكم وَسَائِر قَرَابَتي وَسَائِر بني هَاشم أَن تجتنبوا الزكوات وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهَا شَيْئا وَلَو أكلْتُم الشّجر فَإِن الَّذِي خَلقكُم هُوَ الَّذِي يرزقكم وَلَا تَفعلُوا كَمَا يفعل كثير من النَّاس من التَّمَسُّك بالشبه فِي ذَلِك وابتغوا من فضل الله وَلَا يحملكم الثّقل بِالسُّكُونِ فِي الْبيُوت على ذَلِك وافطلبوا الرزق من فضل الله وتنقلوا وَلَا تَتَّخِذُوا السُّؤَال حِرْفَة فبئست الحرفة هِيَ وَإِنَّهَا مُعينَة على االفقر وَلَكِن أطلبوا الرزق الْحَلَال وإحياء الْأَمْوَال وَإِن أمكن أَن تجْعَلُوا لكم نوابا فِي البيع وَالشِّرَاء فَهُوَ حسن نَافِع وَإِن لم يُمكن إِلَّا بِأَنْفُسِكُمْ فافعلوا فَلِأَن يوجر أحدكُم نَفسه خير لَهُ من الْحَرَام
وَلَا يبعد أَن يكون فِي قَوْله وَلَو أكلْتُم الشّجر وَجعله الْمرجع الْأَبْعَد رمز إِلَى تَضْعِيف مسئلة أَن الْمُضْطَر يقدم الْميتَة كَمَا صَدره فِي الأزهار رووجه ضعفها منقدح وَهُوَ أَن تَحْرِيم الْميتَة قَطْعِيّ بِخِلَاف تَحْرِيم الزَّكَاة وَلَا شكّ أَن طَريقَة الْأَخْذ بِالْأُخْرَى مَعْرُوفَة لَكِن دين الله بَين العالي والمقصر وَكَانَ يمِيل فِي الْأُصُول إِلَى التَّكْفِير بالإلزام ورتب على ذَلِك أحكاما فِي أهل الْيمن الْأَسْفَل وعارضه فِي مسئلته بعض من لَا يحسن الْكَلَام وَلَا يتأدب وَهَكَذَا الْحَال فِي صدر كل زمن فكم تحكت فِيهِ بأفعى عقرب
وَمن كَلَام لَهُ يُوصي بِهِ وَلَده عز الْإِسْلَام وأترك الْإِكْثَار من المتعلقين الَّذين هَمهمْ الدُّنْيَا وَيَكْفِيك الْقيام بِأَهْل الْحصين فَإِنَّهُم عدَّة إِن شَاءَ الله واستصلحهم بالرغبة والرهبة وأحبب حَبِيبك وَأبْغض بَغِيضك هونا مَا فَلَعَلَّ الحبيب لَا يَدُوم حبه وَمَا أَكثر ذَلِك فِيمَن محبته لأجل الدُّنْيَا وَلَعَلَّ البغيض يكون حبيبا
стр. 280
وَمَا أَكْثَره فِيمَن كَانَ بغضه لأجل الدُّنْيَا ودع مَا يريبك إِلَى مَالا يريبك واكثر من ذكر الله إنتهى
قلت أنظر إِلَى هَذَا الْكَلَام الْغَيْر متكلف وَمَا عَلَيْهِ من مسحة الْكَلَام النَّبَوِيّ وَمَا ضمن من الاثار الَّتِي فقهها نَافِع وَحَدِيث دع مَا يريبك إِلَى مَالا يريبك فَإِن الصدْق طمأنينة وَالْكذب رِيبَة أخرجه أَبُو دَاوُود الطَّيَالِسِيّ وَأحمد وابو يعلي والدارمي وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَآخَرُونَ وَأخرجه سعبه أَخْبرنِي يزِيد بن أبي مَرْيَم سَمِعت أَبَا الجوزاء السَّعْدِيّ يَقُول لِلْحسنِ بن عَليّ مَا تذكر من رَسُول الله ﷺ قَالَ كَانَ يَقُول فَذكره قَالَ التِّرْمِذِيّ حسن صَحِيح وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الأسناد وَلم يخرجَاهُ
وَمن كَلَام لَهُ يُوصي بِهِ أَوْلَاده وأوصيكم بإصلاح ذَات الْبَين فَإِنَّهُ أفضل من عَامَّة الصَّلَاة وَالصِّيَام كَمَا جَاءَ بذلك الْأَثر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم﴾ وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا بالإحتمال وَالصَّبْر والتغاضي من كَبِير وَالْعَفو وَالله يَأْخُذ بنواصيكم ويتولاهم آمين
الدولة المهدوية وَمَا شجر فِي أَثْنَائِهَا
وَفِي ثَالِث موت الإِمَام جرد الهمة صفي الْإِسْلَام فاستدعى إِلَى الْغِرَاس المحروس عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن المتَوَكل وَولد عَمه بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد والأمير الْمِقْدَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَمن أكَابِر عُلَمَاء صنعاء القَاضِي الْعَلامَة مححمد بن عَليّ الْعَنسِي وَالْقَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَليّ قيس الثلائي وَالْقَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَالْقَاضِي الْعَالم عَليّ بن جَابر الهبل وَالسَّيِّد الْعَالم عبد الله بن مهْدي االكبسي وَالسَّيِّد الفهامة غوث الدّين يحيى بن غوث الدّين ابْن المطهر فبادر الْجَمِيع إِلَى حَضْرَة الصفي وَاجْتمعَ الْكل لَدَيْهِ بعالمه وحاكمه
стр. 281
وَالْقَاضِي البليغ عبد الْوَاسِع عبد الرَّحْمَن الْقرشِي وَكَانَ ميل عز الْإِسْلَام مُحَمَّد ابْن الإِمَام إِلَى صفي الْإِسْلَام ظَاهرا لما يعرفهُ من سالف أَحْوَاله من رِعَايَة الْخَاصَّة والعامة وبذل مهجته فِي رِعَايَة الْإِسْلَام وَعمارَة قُلُوب خَواص الْأمة وهم الْعلمَاء بمزيد الرِّعَايَة وسابق خدمته لِعَمِّهِ المتَوَكل على الله حَتَّى كَانَ لِسَان حَاله مَعَه
(أَخُوك الَّذِي أَن تَدعه لملمة ... يجبك وَإِن تغْضب إِلَى السَّيْف يغْضب)
مَعَ مَا اقْتصر عَلَيْهِ من الجدارة الَّتِي هِيَ سيماء الْمُؤمنِينَ والسعادة المطردة فِي الْحَرَكَة والتسكين والهيبة فِي قُلُوب الرعايا وميل أَكثر أهل الْيمن إِلَيْهِ سِيمَا صنعاء وحوازها وأغلب من ذكر من الْعلمَاء رَأْيه هَذَا الرَّأْي خلى القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ قيس فقد كَانَ مبطنا للميل إِلَى جَانب السَّيِّد الْعَلامَة الْقَاسِم بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُؤَيد بِاللَّه لما تناقلت الأفواه عَنهُ من النشأة الطاهرة والبرارة والشطر الصَّالح من الْعلم وَاتفقَ بعد ذَلِك موقفين للإتفاق بَين من ذكرت عقيب خوض طَوِيل على إِلْزَام الصفي بتحمل الأعباء فبويع بِحَضْرَة من ذكر وَكَانَ الْمُتَقَدّم فِي موقف الْبيعَة إِلَى تَمامهَا السَّيِّد عبد الله الكبسي وعضده فِي انتهاز الفرصة الشَّيْخ الرئيس الْحسن بن أَحْمد بن عواض الْأَسدي وَوَقع من بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَحْمد بعض خوض فِي تقدم دَعْوَة صنوه وَالْإِشَارَة إِلَى الثَّانِي فَلم يساعد إِلَى ذَلِك وَاشْترط الْجَمِيع فِي عقد الْبيعَة عدم قيام من هُوَ أصلح ثمَّ تعقب ذَلِك تسطير ولايات مِنْهَا ولَايَة عز الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن بن الإِمَام ومكتوب إِلَى جمال الْإِسْلَام عَليّ بن أَحْمد ومكتوب إِلَى الْحسن بن الإِمَام ومكتوب إِلَى الْأَمِير الخطير سيف الْإِسْلَام عبد الْقَادِر بن النَّاصِر
стр. 282
وَكَانَت الْبيعَة سَابِع جمادي وك ان الْأَمِير عبد الْقَادِر عِنْد حُدُوث هَذَا الْأَمر الْعَظِيم قد أَخذ اهبته وَجمع حشمه إِلَى حصن كوكبان وَحصل الروع مَعَ أهل صنعاء ظنا مِنْهُم أَن عز الْإِسْلَام سيحدث دَعْوَة مَعَ تَغْلِيب الظَّن أَنه لَا يتم ذَلِك لمَكَان الصفي بالغراس فجبر الله غربَة الْإِسْلَام بانخراط الْكل فِي ألطف نظام وَعند ذَلِك بَادر عز الْإِسْلَام بتعريف أهل الحميتين بِمَا اجْتمع عَلَيْهِ آراء من يعْتد بِهِ من اهل الْحل وَالْعقد وَالْأَخْذ عَلَيْهِم فِي التَّقَدُّم إِلَى صف السَّابِقين فراجعوه فِي مبادئ الْأَمر بِأَنَّهُم تَحت الطوع بعد الإتفاق من الْكل على من يحفظ الْحَقِيقَة ويدعى بأمير الْمُؤمنِينَ
وَاتفقَ اثناء ذَلِك خوض ونزاع بَين أَطْرَاف أهل هَذَا الْقطر بِسَبَب التَّقَصِّي فِي أَشْرَاط كَذَا الإِمَام الَّتِي مِنْهَا الإجتهاد عِنْد الْبَعْض والمسئلة مَعْرُوفَة بأطرافها ودليلها فَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة وَهِي من المطارح الظنية وَغَيرهَا أَجْدَر بالتعمق وَقد ذكرنَا فِي الْجُزْء الأول كلَاما عَن المقريزي صَاحب الخطط والْآثَار يجدر الِاطِّلَاع عَلَيْهِ من هُنَاكَ والمركز الْأَعْظَم مِنْهَا فِي العصور الَّتِي تضاعفت شريتها بمصداق الحَدِيث النَّبَوِيّ هُوَ حقن الدِّمَاء وتسكين الدهماء ومراعاة قانون الشَّرْع جملَة وَقد رَأينَا الشَّرْع قَامَ فِي الصَّدْر الأول بِدُونِ هَذِه التطويلات
وَرجح عَن السَّيِّد الْعَالم عَليّ بن الْحُسَيْن االشامي من أَوْلَاد الإِمَام يحيى بن المحسن مُفَارقَة صنعاء إِلَى خولان مجانبا للخوض فِي خُصُوص هَذَا الحَدِيث
стр. 283
وَظهر فِي هَذِه الْأَيَّام لشريف من آنس يُقَال لَهُ نَاصِر الدّين مَذْهَب خَاص مِنْهُ تَحْرِيم الْخلّ وتقبيل الْكَفّ عِنْد المصافحة وَتَنَاول قهوة البن وإرسال الذوابتين الْعليا والسفلا وَغير ذَلِك وَكتب نسخا من أَحْكَام الْهَادِي ﵇ غير فِيهَا قَوَاعِد الْخط الْمُتَّفق على جُمْلَتهَا وَالَّذِي ظهر من حَاله الغباوة الْكُلية وَأَنه طالع كتاب الْأَحْكَام فِي بَيته وجمد عَليّ مَا فِي نَفسه من عقيب خُرُوجه من الْمكتب من غير أَن ينْهض إِلَى من يرشده إِلَى كَيْفيَّة الترتب وَقد قلعت بِسَبَبِهِ مغارس من البن الْمُتَّصِل بِبَلَدِهِ وأدبه شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن المتَوَكل بالإعتقال فَلم ينجح فِيهِ وَشرع الله أرسخ من ثبير فقد انْقَطَعت بدعته وَلم يُتَابِعه عَلَيْهَا إِلَّا من لَا يلْتَفت عَلَيْهِ من الْعَوام
وتلقب صفي الْإِسْلَام بالمهدي لدين الله وَتعقب دَعوته ظُهُور دَعْوَة السَّيِّد الْعَلامَة الْفَاضِل الْقَاسِم بن الْمُؤَيد بِاللَّه بشهارة وتلقب بالمنصور بِاللَّه فَأَجَابَهُ الأهنوم وَغَيره وَامْتنع عَن إجَابَته الصفي أَحْمد بن المتَوَكل وَظُهُور دَعْوَة شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن بن الإِمَام وتلقب الواثق بِاللَّه وَبَايَعَهُ عَلَيْهَا من حضر من الْأَعْيَان وَكَانَ مِمَّن حضر بيعَة الْقَاسِم بن الْمُؤَيد السَّيِّد الْعَالم يحيى بن أَحْمد الشرفي وَالسَّيِّد الْعَالم الزَّاهِد يحيى بن إِبْرَاهِيم الجحافي وأخوة السَّيِّد الْعَالم إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَالسَّيِّد الْعَالم عَليّ بن صَلَاح الضلعي وَلما وصل إِلَى شهارة
стр. 284
القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ قيس بذل الْبيعَة وَجَاءَت بعد هَذَا أَخْبَار دَعْوَة السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الغرباني ببرط ودعوة السَّيِّد الْعَالم الْكَرِيم أَحْمد بن إِبْرَاهِيم المؤيدي وَاتفقَ عقيب ذَلِك اسْتِيلَاء أَوْلَاد عبد الله بن الْقَاسِم على قصر ذمار وانتهاب مَا فِيهِ وانتهاب أَصْحَاب جمال الْإِسْلَام عَليّ بن المتَوَكل على الله سوق جبلة وَحصل التخوف مَا بَين إب وجبله ونقيل سمارة واتفقت فتْنَة بَين أَصْحَاب السَّيِّد الْحسن بن مُحَمَّد بن أَحْمد المؤيدي وَالسَّيِّد جَعْفَر بن المطهر الجرموزي ذهبت فِيهَا نفوس وبصعدة فتْنَة أُخْرَى من أهل سوقها وقبيلة سحار وانتهب جَانب من السُّوق
وَأما جمال الْإِسْلَام عَليّ بن المتَوَكل فَإِنَّهُ شمر الْعَزْم إِلَى تعز والإطلاع على مَا فِي مخازين الشَّيْخ رَاجِح متوليها وَكَانَ يَوْمئِذٍ ببلاده ثمَّ ان علم الْإِسْلَام الْقَاسِم ابْن االإمام كتب إِلَى الإِمَام أَنه دعى إِلَى الرضى فَرَاجعه الإِمَام بِأَن الأولى الإجتماع وَمن اجْتمع عَلَيْهِ الْخَوْض تُسنم غارب هَذَا الْأَمر وعرفه أَن دَعوته سَابِقَة وَأَغْصَانهَا فِي ربوة النهضة باسقة وَأما شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن المتَوَكل فَإِنَّهُ جمع عِصَابَة نافعة وأمدهم بِبَعْض الخزنة الَّتِي بضوران وَوصل إِلَى الإِمَام نَائِب حجَّة السَّيِّد عَليّ بن الْحُسَيْن الجحافي وتتابع بعد ذَلِك وُرُود من حوالي شهارة إِلَى حَضْرَة الْعلم لأجابة وأعيته مثل بِلَاد الأهنوم ووادعة والشرف وعفار وظفير حجَّة وظليمة وَلما رأى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن المتَوَكل
стр. 285
على الله تباطى وَشرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن بن الْحسن عَن بيعَة أَخِيه الْمهْدي سَار إِلَيْهِ فاتفقا بذمار وَختم القَوْل على أَن الْحُسَيْن لَا يَأْتِي من طرفه إِلَّا كل خير وَلم يصدر مِنْهُ بيعَة وَعَاد إِلَى رداع وَعز الْإِسْلَام إِلَى ضوران ثمَّ عَاد إِلَى صنعاء
وَالْإِمَام ندب الشَّيْخ الْعَلامَة يحيى بن مُحَمَّد بن الْحَاج الْأَسدي إِلَى حَضْرَة الدَّاعِي ثمَّ جَاءَت الإِمَام الْأَخْبَار بِأَن السَّيِّد يحيى بن إِبْرَاهِيم بت القَوْل بإمامة الدَّاعِي واثبت لَهُ الْخطْبَة بحبور بعد أَن توقف فِي الْجُمُعَة السالفة وَالشَّيْخ عَاد بِجَوَاب يتَضَمَّن طلب المناظرة واضطرب الْحَال فِي شَأْن السَّيِّد الْحُسَيْن بن صَلَاح والفقيه الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى حَنش يل أَنَّهُمَا امتنعا عَن بيعَة الْعلم وَوصل إِلَى الإِمَام مَكْتُوب الصفي أَحْمد بن الْمُؤَيد بِاللَّه يشعره بِأَنَّهُ قد انتظم فِي سلك أَخِيه وَاتفقَ اثناء هَذَا الْخَوْض حَرْب بَين أهل خِيَار ذهب فِيهِ سَبْعَة أَنْفَار وَأما السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه فَإِنَّهُ ارتحل من صعدة نافرا خاطرا من جمال الْإِسْلَام بِسَبَب اقتضته ححوادث اليام
وَفِي ثامن وَعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة وصل الشَّيْخ يحيى من حَضْرَة الدَّاعِي إِلَى حَضْرَة الإِمَام يتَضَمَّن العتب على الإِمَام وعَلى من بَايعه من الْعلمَاء الْأَعْلَام
وَالْحسن بن المتَوَكل على الله انْتقل عَن جبل رازح إِلَى أبي عَرِيش فبادر إِلَى رازح جمَاعَة من أَصْحَاب الجمالي وانتهبوا مَا بَقِي من خزانته ثمَّ إِن الْحسن بن مُحَمَّد بن أَحْمد المؤيدي وصل إِلَى حَضْرَة الإِمَام عِنْد أَن رجح لَهُ تَوْلِيَة السَّيِّد جَعْفَر بن المطهر وانتهت إِجَابَة الدَّاعِي إِلَى عمرَان وذيبين وَكَانَ الإِمَام قد
следующие страницы →