Полный текст (319 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بِالْقَلْبِ والقالب فجلا فِي ميدانه وَملك مقبض عنانه وَله الْبَدْر الساري فِي أصُول الدّين وَشَرحه وَاسِطَة الدراري وَقد سلك مَسْلَك الْحجَّة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي الإيثار والعواصم وَالرَّوْض الباسم إِلَّا أَنه لم يُصَرح بمذهبه وَقد أفْصح عَن بعض مطلبه فَإِنَّهُ قوى مَا يعْتَمد إِلَيْهِ فِي الْبَاطِن وَترك مَكَان مَا لَا يُريدهُ من التفتيح والتنقيح من بَاب المساكن وَهِي صناعَة تدل على غور حصيف وذهن شرِيف وملاحظة لأحوال الزَّمَان ومداراة حَسَنَة للأخوان وَله شرح تَكْمِلَة الْأَحْكَام للْإِمَام الْمهْدي ﵇ وَله مَنْهَج الْإِنْصَاف فِي النَّهْي عَن سبّ الصَّحَابَة وَله غير ذَلِك من الأنظار الَّتِي عجز عَنْهَا النظار بِعِبَارَة قَصِيرَة وفوائد غزيرة وَكَانَ يُفْتِي بِمَا لَا يلائم خاطر الباشا فِي بعض الْأَحْوَال وينتظم لَهُ مَا أَرَادَ وَلَا يتَغَيَّر لَهُ حَال
اتّفق فِي مُدَّة جَعْفَر باشا أَنه أفتى بِيَوْم الْفطر فَأفْطر من أفطر بفتواه فَطَلَبه الباشا وعاتبه فِي ذَلِك وَقَالَ لَهُ كَانَ عَلَيْك أَن تشعر الأفندي فَقَالَ السَّيِّد قد أشعرناه فَطلب الأفندي إِلَى حَضْرَة الباشا وَسُئِلَ فِي ذَلِك فَقَالَ كلَاما مَعْنَاهُ أفتى السَّيِّد بِشَاهِدين مَا يكمل بهما الحكم على مَذْهَب أبي حنيفَة لأَنهم لَا يعْملُونَ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ شَاهدا حَيْثُ الْأُفق لَا عِلّة فِيهِ من سَحَاب وَلَا غَيره فَتغير خاطر الباشا وَقَالَ للسَّيِّد ليكن حَبسك بَيْتك فانفصل عَن حَضرته وَبَقِي ببيته أَيَّامًا ثمَّ أَن الباشا استدرك هَذِه الهفوة فاستطاب خاطر السَّيِّد وَنَوع لَهُ الْإِحْسَان وَقد كَانَ ينْسب إِلَى جَعْفَر باشا الْميل إِلَى جَانب الْعلمَاء بِسَبَب أَنه كَانَ لَهُ حِصَّة وافرة فِيهِ سِيمَا علم الْمَعْقُول
وَدخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف فِيهَا جهز السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد خَان على مالطة من بِلَاد الفرنج بأطراف جَزِيرَة الأندلس مِمَّا يَلِي الْحَرْب فَمَا زَالَت سراياه تناوش تِلْكَ الديار بحروب تذهل عِنْدهَا الْقُلُوب واستفتح
стр. 37
كثيرا مِمَّا فِي أَيدي الفرنج من الْبلدَانِ وَاسْتمرّ وَلَده بعد وَفَاته على ذَلِك الشَّأْن
وقْعَة نقِيل الشيم
وَفِي شهر ربيع الأول من هَذَا الْعَام وصلت إِلَى الصفي أَحْمد بن الْحسن كتب من الإِمَام يستكشفه فِيهَا عَن شَأْن خزانَة وَالِده وَيطْلب مِنْهُ أَن يُوضح لَهُ فِي التَّصَرُّف فِيهَا صَحِيح مقاصده وَيَقُول لَهُ إِن كَانَت بَيت مَال فَلَيْسَ لَك عَلَيْهَا يَد بِحَال وان كَانَت تَرِكَة لوالدك الْحسن فَأَنت فِيهَا أُسْوَة الْغُرَمَاء وكلكم فِي سنَن فَمَا بَال الاستبداد الَّذِي خَفِي علينا فِيهِ المُرَاد وَلَا بُد من إعداد الْجَواب يكون إِلَى اسْتِدَامَة الْمَوَدَّة من أقوى الْأَسْبَاب وَكَانَ صفي الْإِسْلَام يرى فِي ذَلِك الأوان مَعَ تعقب طيبَة نفس إِمَامه إِن مَا تصرف فِيهِ من الخزانة فيده فِيهِ أَمَانَة مَعَ مَا فِي وَجهه من الواردات وَله فِيمَا يفعل أوجه من التأويلات وَعند ذَلِك جَاشَتْ نفس الصفي وَقدر فِي خاطره أَن غير المباينة بكفاية هَذَا الْجَواب لَا يَفِي فَتحَرك من حصن ذِي مرمر لِلْخُرُوجِ ووكل الْجَواب إِلَى بطُون الأغماد وَظُهُور السُّرُوج فَتوجه إِلَى بِلَاد خولان فِي جمَاعَة من الرِّجَال وجريدة من الفرسان وَقد ضم إِلَيْهِ الذَّخَائِر النفيسة والنقد الْكَبِير وغمر أَصْحَابه بأنواع الْإِحْسَان ونفحهم بِكُل خطير وَلما وصل إِلَى بِلَاد خولان وصل إِلَيْهِ مشايخها والأعيان وبذلوا وُجُوه الرِّعَايَة وصنوف الْإِحْسَان ثمَّ ارتحل الى بِلَاد
стр. 38
عنس ثمَّ إِلَى جِهَة قايفه وَعند ذَلِك تبِعت فِي اثره الرسائل الإمامية واخذ فِيهَا بحفظه على عُمَّال الأقطار اليمنية ووصلت إِلَى عَمه إِسْمَاعِيل بن الإِمَام رِسَالَة من الْمُؤَيد بِاللَّه وَكَانَ يَوْمئِذٍ قي ضوران من ايام اسْتِخْلَاف الْحُسَيْن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُ يتَضَمَّن إِيجَاب الْحَرَكَة عَلَيْهِ إِلَى ولد أَخِيه وارصاد المكاض لَهُ فِي كل وَجه والإستيثاق من أَحْوَاله حَتَّى يُؤْتى بِهِ إِلَى الحضرة المؤيدية فَحَث إِلَيْهِ الركاب وصحبته عبد الله بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أَحْمد بن الْحسن قد قصد قعطبة فتبعوه إِلَى نقِيل الشيم فَوَقع الْحَرْب فِي تِلْكَ الْعقبَة واصطدم الْفَرِيقَانِ وَاخْتَلَطَ الفيلقان وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُورا تثبت فِيهِ أَقْدَام وتزلزلت فِيهِ أَحْلَام وَبعد أَن تتَابع الْقَتْل فِي الْفَرِيقَيْنِ وَاخْتَلَطَ على البطل المدجج أهْدى الطَّرِيقَيْنِ رأى أَحْمد بن الْحسن أَن من إِلَى جَانِبه قد ادركه الضلع واستخلص نَفسه وَمن مَعَه بلطف وارتفع فانتهبت الْعَسْكَر جَمِيع خزانَة صفي الْإِسْلَام وتبعتها بالإتيان عَلَيْهَا أنفاس الإِمَام وَرجح لِأَحْمَد بن الْحسن الْعَزْم بِوُجُوه أعيانه الى حَضْرَة الْحُسَيْن بن عبد الْقَادِر صَاحب عدن فَبَقيَ عِنْده زَمَانا وَلَقي مِنْهُ إحسانا وَإِسْمَاعِيل بن الإِمَام بعد تقضي الْوَقْعَة اسْتخْلف بقعطبة السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام الْحسن وعزم إِلَى تعز لتقرير أحوالها وَلم يزل أَحْمد بن الْحسن بِمحل رفيع عِنْد صَاحب عدن إِلَى أَن وَردت عَلَيْهِ إِشَارَة الْمُؤَيد يَقُول لَهُ أرسل إِلَيْنَا الْوَلَد أَحْمد وَكَانَ عرض عَلَيْهِ وَمَا لَقِي الإِمَام إِلَيْهِ فَلم يمتثل وأحس بعد ذَلِك بعض انحراف من الْأَمِير الْحُسَيْن وَنَوع ترفع دون احْتِمَاله عِنْد الصفي ملاقاة الْحِين ففارقه عجلا وَأنْشد لِسَان حَاله متمثلا
(وَلَا يُقيم على ضيم يُرَاد بِهِ ... إِلَّا الأذلان غير الْحَيّ والوتد)
(هَذَا على الْخَسْف مربوط برمتِهِ ... وَذَا يشح فَلَا يرثى لَهُ أحد)
стр. 39
وَقصد بِلَاد يافع فَرَأى مِنْهُم غَايَة الْإِكْرَام وَنِهَايَة الاعزاز والإعظام فاطمأن خاطره وقر ناظره وَطلب مِنْهُم الْمُصَاهَرَة فَفَعَلُوا ثمَّ طلب مِنْهُم الْغَارة على قعطبة فاسعدوه وَقصد أَهلهَا على حِين غَفلَة فَوَقع حَرْب شَدِيد يشيب مِنْهُ الْوَلِيد وَكَانَ يافع قد أشرفوا على الإستيلاء لأَنهم أحاطوا بهَا لَكِنَّهَا خفت صولتهم آخر المعركة فصَال أهل الْبَلَد عَلَيْهِم حَتَّى انْهَزمُوا إِلَى بِلَادهمْ فَلَمَّا أبلغ الإِمَام علم أَن هَذَا شُرُوع من يافع فِي الْقَصْد إِلَى أَطْرَاف بِلَاده فاستدرج قُلُوبهم بالملاطفات وإرسال الصلات والكسوات فكفوا عَن ذَلِك الرَّأْي وَمنعُوا جَانب الصفي أَحْمد بن الْحسن وَقَالُوا لَا يُمكن الخلوص إِلَيْهِ لكنه مَتى بدى لَهُ رَغْبَة فَهُوَ ولدكم وَأَنْتُم أولى بِهِ
وَفِي هَذِه السّنة أذن الإِمَام الْمُؤَيد لعَلي شمسان بِالْحَجِّ فعزم وَمَات فِي أثْنَاء الطَّرِيق وَكَانَ هَذَا مِقْدَام الْحسن بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وواحده وَله رئاسة وأقدام تصحبه عجلة فِي الإنتقام حَتَّى نسب إِلَيْهِ قتل جماعات من عَسْكَر السلطنة بعد تأمينهم واستنكر مِنْهُ ذَلِك
وَفِي أثْنَاء هَذَا الْعَام خَالف بعض الْجِهَات النجدية على الشريف زيد بن المحسن فقصدها بِنَفسِهِ وأخرب بعض قراها وأجلا عَنْهَا أَهلهَا وَهِي طَريقَة السراة
стр. 40
وَدخلت سنة إثنتين وَخمسين وَألف وَفِي الْمحرم مِنْهَا استولى الخسوف على الْقَمَر فِي برج الْمِيزَان
خلاف آنس وفيهَا نجم خلاف الشَّيْخ عَليّ بن نَاصِر بن رَاجِح الآنسي بعد عوده من حَضْرَة الإِمَام وانضاف إِلَيْهِ جماعات من أهل جبل الشرق وَهِي الروية وَمَا والاهم من تِلْكَ الأكام مثل بعض أَطْرَاف ريمة وكسمة وتعللوا بِأَن الْأَكْوَع عَامل ضوران عاملهم بالحقارة والإمتهان وَاسْتولى على الْقطع والحقوق وَلم يبْق لنفاق رئاستهم عِنْده سوق وأضافوا إِلَى ذَلِك شَيْئا من دَعْوَى الْجور وتبادروا إِلَى طمس الرسوم الأمامية على سَبِيل الْفَوْر فسلطنوا على نَاصِر وأشرعوا الأسنة والبواتر وَمنعُوا عينة الدولة واشتدت مِنْهُم الصولة فَانْتدبَ ابْن الْأَكْوَع عَامل ضوران وَعلم أَن هَذِه الفعلة إِنَّمَا ترخص بِالسِّنَانِ لَا بالأسنان وَإِن مصابها الى رَأسه وَأَن جناها ثَمَر غراسه وَأَنه ان لم يسْرع حسمها بسعير الْحَرْب نبضت عروق فَسَادهَا فِي احنا الشرق والغرب فَجمع الْجمع الموفور من الرِّجَال المختارة وَالْخَيْل الكرارة وإليهم عَسْكَر ضوران وهم أحابيش الضَّرْب والطعان وَلما وصلوا الْبِلَاد وتلاحم الجلاد انكشفت المعركة عَن قتل جمَاعَة رقم الْقَتْل عَلَيْهَا وانتهاب بيُوت كَانَت ذخرهم قد جمعت إِلَيْهَا وَاسْتولى أَصْحَاب الإِمَام على تِلْكَ الْحُصُون والأكام وَمِنْهَا حصن بني رَاجِح الْمُسَمّى حِرْفَة وَهُوَ معقلة ومصنعته وموئله الَّذِي فِيهِ ذخيرته ومنفعته وفر بعد ذَلِك فقيدا وَذهب على غير طَرِيق شَرِيدًا حَتَّى اتَّصل بِحَضْرَة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام وَطلب مِنْهُ أَن يجيره وَأَن
стр. 41
يَأْخُذ لَهُ الذمام فرأها لَهُ عز الْإِسْلَام جميلَة وفيأه من الْأمان فِي خميلة وَأكْرم نزله وسد خلله
وَكَانَ جمَاعَة مِمَّن استعصاه وَضرب بعصاه قد أطالوا الْحصار على يفعان ودبوا إِلَيْهِ دَبِيب الأفعوان فانسلوا عقيب فتح الْبِلَاد وَتَفَرَّقُوا فِي كل وَاد وَلما انْقَضى الْفَتْح وصل إِلَى تِلْكَ الْجِهَة مَأْمُور الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه السَّيِّد الْكَرِيم النجيب صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد عَامر وَمَعَهُ جمَاعَة من الْجند وَاسْتقر أَيَّامًا فِي الْبِلَاد لِاسْتِيفَاء التَّأْدِيب بِالْمَالِ وتمهيدها وتصحيحها عقيب ذَلِك الإستعصاء والإعتلال ثمَّ عَاد الى ضوران وَأمر فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْعِصْيَان وَظهر مِنْهُ من مخائل النجابة وَالْكَرم ومحاسن الْأَخْلَاق والشيم مَا يقْضى لَهُ بِأَنَّهُ من صميم السَّادة وَأَبْنَاء ذَوي المجادة والسيادة وَلم يعد الى حَضْرَة الإِمَام إِلَّا وَقد علقت بِهِ الدُّيُون وعلقت فِيهَا ذمَّته غلاق الرهون فَشكر الإِمَام أَفعاله وروح بتحمل دُيُونه حَاله وَهَكَذَا الْكَرِيم يُقَال عثاره وتحسن أثاره
حِصَار ذِي مرمر
وَلما رأى الإِمَام ولد أَخِيه صفي الْإِسْلَام جانحا الى الغربة سكنه جامحا فِي ميدان الْإِعْرَاض رسنه وَكَانَ فِي يَد أَصْحَابه مُنْذُ خرج عَن الْغِرَاس حصن ذِي مرمر وَهُوَ قفل بِلَاد خولان وكالحاكم على مَا تَحْتَهُ من الْبلدَانِ أزمع على حصاره وطمس آثاره فَأمر على محاصرته الشَّيْخ حسن بن الْحَاج أَحْمد بن عواض الْأَسدي فاستمر على حصاره سنة كَامِلَة حَتَّى خرج من فِيهِ على رسمه وهم الآغا فرحان وَمن مَعَه من المماليك وَكثير من الْأَعْيَان وَجَمِيع الحشم الَّذين كَانُوا بِهِ أَيَّام بَقَاء أَحْمد بن الْحسن بالغراس ثمَّ أَمر الإِمَام بخراب مسَاكِن الْحصن وتحويل أبوابه وأخشابه وحملت أَبْوَاب الْحصن إِلَى محروسة شهارة
стр. 42
وَكَانَ هَذَا الْفِعْل مطلب بني حشيش وَمَا لاصقهم لكراهتهم تشييد الْحُصُون الدولية بَين أظهرهم
وَهَذَا المعقل حصن حُصَيْن وَعلم شامخ الْعرنِين نسيم أعاليه سَجْسَج ومصباح علاليه من قناديل المجرة مسرج لَهُ لون يَدْعُو الأفراح إِلَى الْأَرْوَاح ويكسبها نشوة الراح كإنما عجنت طينه بِمَاء الصبهاء اَوْ علقت عَلَيْهِ طلاسم الْكَنْز المخبأ وَفِي أثانية غارات مخروطة رائعة وَهِي مِمَّا عملته الصناع للتبابعة وَلِلنَّاسِ فِيهَا مقَال مُضْطَرب وَأَنَّهَا مِمَّا صَنعته الْجِنّ لأسعد ذِي كرب
(وَقد كَانَ أَرْبَاب الفصاحة كلما ... رَأَوْا حسنا عدوه من صَنْعَة الْجِنّ (
وَقد تداولته فِي الْإِسْلَام ايدي الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وانتقل مرّة إِلَى نوبه الباطنية الطغام وَمَا زَالَ من ايام الإِمَام شرف الدّين الى هَذِه السنين فِي أَيدي الْأَئِمَّة الهادين وَحَال الرقوم وَهُوَ من جملَة الرسوم فقد أغلق على مَجْمُوعه الْبَاب الْأُخَر وانتحت مِنْهُ الدعاثر فسبحان الله الْوَارِث القاهر
وَفِي هَذَا الْعَام أرسل الإِمَام الى بِلَاد يافع القَاضِي شرف الدّين الْحسن بن
стр. 43
أَحْمد الحيمي للسعاية فِي استمالة ابْن أَخِيه حَتَّى يسْعد للرُّجُوع إِلَى دياره فأسعد أَحْمد وَالْعود أَحْمد وَلما وصل حَضْرَة الإِمَام ظهر مِنْهُ الإبتهاج واستقام الاعوجاج وزوجه بِإِحْدَى بَنَاته وَحمد مَسْعُود حركاته ثمَّ اسْتَأْذن للعام الْقَابِل فِي حج بَيت الله الْحَرَام فَأذن لَهُ مَعَ جملَة من الْأَعْيَان والأهل والأرحام
وَفِي هَذَا الْعَام أَو الَّذِي قبله من الأعوام اتّفق أَن بعض السادات الثِّقَات سَار إِلَى بِلَاد شمات فَنزل إِلَى بركَة للشُّرْب مِنْهَا فِي تِلْكَ الْجِهَات فَوجدَ بهَا جمجمة ملقاة على الأَرْض وَفِي فمها لجام من الْحَدِيد فخاطبها السَّيِّد بمقال يستكشف فِيهِ الْأَمر بِلِسَان الْحَال فَلم يشْعر إِلَّا بِصَوْت عَظِيم من تِلْكَ الجمجمة دَاخله من الْفَزع مَا خر مَعَه لوجهه ملقى على المَاء خَارِجا عَن طور الْعقل لَا يفرق بَين الأَرْض وَالسَّمَاء وَلما حَان مِنْهُ أَن يفِيق واستأنس بمارة الطَّرِيق دفنُوا تِلْكَ الجمجمة وَقد صَارَت لسوادها كالحممة فَمَا تمّ الدّفن وانطبقت عَلَيْهَا الحفرة انطباق الجفن حَتَّى لفظتها الأَرْض وقذفها طولهَا وَالْعرض فَتركت كَمَا هِيَ وتفطن السَّيِّد أَن هَذَا وَالْعِيَاذ بِاللَّه من نمط عَذَاب الْقَبْر الَّذِي يظهره الله أَحْيَانًا للزجر
وَفِي هَذَا الْعَام تجهز جمَاعَة للتِّجَارَة من الحساء والبحرين وَالْبَصْرَة
стр. 44
وعبروا الْبَحْر الْفَارِسِي فَلَمَّا عارضوا بندر مسكت وَكَانَ يَوْمئِذٍ بيد الفرنج انتهبوهم فخاف بعد ذَلِك الْمَارَّة وَانْقطع العبور عَن الْبَحْر الزخار إِلَى أَن استولى الْعمانِي على بندر مسكت كَمَا سَيَأْتِي تَارِيخه فسلك النَّاس فِي الْبحار وَأمن التُّجَّار من أُولَئِكَ الْفجار
وَفِي هَذَا الْعَام أَو الَّذِي قبله وَقع إِفْسَاد فِي بَحر القلزم وَهُوَ بَحر الْيمن من قبل الفرنج فَجهز عَلَيْهِم أَمِير اللِّحْيَة وَهُوَ النَّقِيب سعيد المجزبي عِصَابَة من أولي الفتك والممارسة للحروب فقبضوا عَلَيْهِم وأرسلهم الْأَمِير إِلَى حَضْرَة الإِمَام وَهُوَ بوادي أقرّ فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَعرض عَلَيْهِم الإِمَام الْإِسْلَام وهم زها سبعين نَفرا فأسعدوا إِلَى الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَفعل بهم شعار الْإِسْلَام وَهُوَ الْخِتَان
وَفِي هَذَا الْعَام وفدت الْأَخْبَار الى الْيمن أَن بلادا من البربر فِي بِلَاد الْعَجم استولى عَلَيْهَا خسف عَظِيم شقق الأَرْض وَهدم الْعمرَان وعطل عَنْهَا السكان وَهُوَ لَا شكّ من أَمَارَات السَّاعَة بِالنِّسْبَةِ الى صَنِيع الْعَجم وَفِي التِّرْمِذِيّ وَغَيره مَا مَعْنَاهُ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يلعن آخر هَذِه الْأمة أَولهَا فَإِذا فعلوا ذَلِك فليرتقبوا ريحًا حمرا وسخا وخسفا
وَدخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف فِيهَا أذن الإِمَام لولد أَخِيه أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام بالإنتقال الى مَدِينَة صنعاء والإستقرار بهَا وَقرر لَهُ مَا يقوم بِهِ
стр. 45
وبخاصته وَرُوِيَ أَنه اعتذر عَن خُرُوجه على الإِمَام لعدم ممارسة أَحْوَال الْأَيَّام مَعَ تربيه فِي حجر أَبِيه ونشأته تَحت ظلّ نعْمَة الْأمان والحداثة وَالسُّلْطَان وَقد قيل
(سَكَرَات خمس إِذا منى الْمَرْء ... بهَا صَار نهبة للزمان)
(سكرة المَال والحداثة والعشق ... وسكر المدام وَالسُّلْطَان)
حَتَّى روى عَنهُ أَنه قَالَ لهَذَا قبضنا على أَوْلَادنَا وقصرناهم عَن تَطْوِيل إحساننا وإمدادنا وفيهَا أَمر ضِيَاء الْإِسْلَام إِسْمَاعِيل بن الإِمَام بِقطع شَجَرَة الشَّيْخ صفي الدّين أَحْمد بن علوان وَكَانَ المحرص على الْقطع الشريف مُحَمَّد بن أَحْمد المحنكي فاستدامت بِهِ عِلّة دائمة وَأَيْقَظَ لنَفسِهِ من الْعِلَل فتْنَة نَائِمَة نسْأَل الله السَّلامَة عَن مُوجب الندامة
وفيهَا طلع إِسْمَاعِيل بن الإِمَام عَن رَأْي الْمُؤَيد بِاللَّه من الْيمن إِلَى ضوران وَاسْتقر بِهِ لولاية الْبِلَاد والإصدار فِيهَا والإيراد فَعمل بِالْعَدْلِ وَحكم بِالْفَصْلِ وَصَارَ مَسْعُود الحركات فِي الْأَفْعَال والأقوال وَالْأَحْوَال فَإِنَّهُ وصل إِلَى دور شيدها غَيره ومملكة زجر سعدها طيره مَعَ بِلَاد مطمئنة إِلَى إمارته عَلَيْهَا ضامية الأكباد إِلَى وُرُوده إِلَيْهَا فطلع فِيهَا نجما زاهرا ونبع فِيهَا غصنا نَاظرا وَأَحْيَا فِيهَا معالم الْعُلُوم ونعش فِيهَا من مآثر الْأَئِمَّة قديم الرسوم وجاد حَتَّى تميزت مَاهِيَّة الْجُود كَمَا يتَمَيَّز الْمَعْرُوف بالرسوم وَالْحُدُود
(وَكَذَا الْكَرِيم إِذا أَقَامَ ببلدة ... سَالَ النظار بهَا وَقَامَ المَاء)
стр. 46
وَلم ينْفَصل عَن مَدِينَة تعز إِلَّا وَقد أحرز الْمجد الْأَصْلِيّ والعز بِمَا اقتناه من ذخائر الْعُلُوم ورحل بِهِ من خَزَائِن الْمَعْلُوم سمع بِمَدِينَة تعز تيسير الديبع على الشَّيْخ الْمُحدث عبد الْعَزِيز الجيشي الْمُفْتِي الشَّافِعِي وَحصل ثمَّ سنَن الْبَيْهَقِيّ الْكُبْرَى واستجاز عَن الْمَذْكُور مَاله إِجَازَته من الحَدِيث النَّبَوِيّ وَفِي هَذَا الْعَام وَقع بِمصْر فنَاء عَام وَخرج عَنهُ الباشا وجلا ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله كتابا مُؤَجّلا﴾ قيل إِن الَّذِي هلك يَوْمئِذٍ أَرْبَعَة لكوك
وفيهَا اتَّصَلت الْأَخْبَار إِلَى الْيمن أَن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد خَان وَجه إِلَى جدة والحجاز بعساكر فِي سِتَّة غربان وَيكون هبوطهم إِلَى مصر ثمَّ إِلَى جدة ثمَّ هَذَا الْقطر فَلَمَّا عبروا من بَحر الرّوم بِتِلْكَ النِّيَّة واتصلوا ببندر اسكندرية مَاتَ مِنْهُم الْكثير واضمحل من التَّفْسِير وَخرج الْبَاقُونَ إِلَى السويس بندر الْبعد الْيمن فَركب مِنْهُم من ركب وَتَفَرَّقَتْ جلابهم وَجَهل ذهابهم
وَفِي رَمَضَان من هَذَا الْعَام على مُضِيّ ساعتين من لَيْلَة الْخَمِيس خسف الْقَمَر ببرج الدَّلْو وَالرَّأْس فِيهِ وَفِيه أَو فِي غَيره توفّي الْفَقِيه الْعَارِف مُحَمَّد بن عبد الله الهتار المحالبي فَقِيه الشَّافِعِيَّة بِمَدِينَة زبيد وَهُوَ أحد من كَانَ أَخذ عَنهُ الْعَلامَة الْحُسَيْن بن الإِمَام واستجاز مِنْهُ بمحروس الْحمى خلال فتح زبيد فِي شمائل التِّرْمِذِيّ وَغَيرهَا
стр. 47
وَدخلت سنة أَربع وَخمسين وَألف فِي ثَانِي عشر محرم كَانَ تَحْويل سنة الْعَالم فَكَانَ زحل فِي برج الْحمل بِآخِرهِ وَالْمُشْتَرِي فِي أول الجوزاء والمريخ بِأول دَرَجَة من الْأسد والجوزاء هِيَ ببرج الْأسد
وفيهَا ساخ جبل الأهجر وتدعثر من أَعْلَاهُ بعض الْحِجَارَة والطين وكبس بعض مَا يَلِيهِ من الْحَدث والبساتين وفيهَا كتب الإِمَام إِلَى الشريف المحسن بن الْحُسَيْن أَمِير مَكَّة يطْلب مِنْهُ الإنتماء إِلَيْهِ ويرغبه فِي الإقبال عَلَيْهِ وَأَن يضْرب برسمه السِّكَّة ويخطب لَهُ بمنبر مَكَّة وَضمن ذَلِك رِسَالَة مشحونة بدلائل محبَّة الْبَيْت النَّبَوِيّ والجناب المصطفوي وَحسن الإنتماء إِلَى الْأَئِمَّة وَمَا لَهُم من المزية على سلاطين الْأمة فَأجَاب الشريف بالإمتثال وَأَنه يُبَادر بِالْإِرْسَال فَركب رَسُوله الْبَحْر فِي غير موسم الْحَج حَتَّى انْتهى إِلَى جدة وَهُنَاكَ بلغه أَن مرسله بلغ من الْحَيَاة حَده وتأهب للمعاد ورحل بِمَا مَعَه من الزَّاد فَعَاد من حَيْثُ وصل واتصل بِهِ من الاكتئاب مَا اتَّصل وَالَّذِي عرف من قَرَائِن أَحْوَال الْأَشْرَاف أَن ذَلِك الْجَواب إِنَّمَا هُوَ تأدب لَا إعتراف واستخراج لدرر الْفَوَائِد من الأصداف واجتناء لثمر العوائد من أَغْصَانهَا بلطف الإقتطاف وَإِلَّا فَإِنَّهُ قد كَانَ سبق من الإِمَام إِلَى أهل مَكَّة رِسَالَة يحثهم فِيهَا على تَسْلِيم الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة إِلَى من يُرْسِلهُ إِلَيْهِم ويؤمره فِي قبضهَا عَلَيْهِم فَمَا كَانَ جوابهم عَن ذَلِك القيل بِغَيْر قَول إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم يشكرون﴾ ثمَّ استمدوا من الإِمَام صنوف التفضل والإنعام
стр. 48
وَأَنَّهُمْ منتظرون لرفده ناظرون فِي الْمَعْرُوف جِهَة قَصده فقبلوا دست الطّلب وغصبوا منصب الْبَحْث مَعَ لطف وأدب
(وَمن يَجْعَل الضرغام بازا لصيده ... تصيده الضرغام فِيمَا تصيدا)
وَكَانَ الشريف المحسن قد وعد الإِمَام بذلك المرام لكنه بِسَبَب مَا وَقع بَينه وَبَين الإشراف آل الْأَمر إِلَى خُرُوجه عَن مَكَّة بعد طول نزاع وَخلاف
تجلي الشريف محسن إِلَى بِلَاد الْيمن واستيلاء أَحْمد بن عبد الْمطلب عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ حكى بعض من لَازم حَضْرَة الشريف سعد مُدَّة من السنين أَن الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب الْمُسَمّى بِأبي حمارة كَانَ مِمَّن لَا يؤبه لَهُ فِي الاشراف وَلَا يظنّ أَن الدَّهْر يمِيل إِلَيْهِ بانعطاف خلا أَنه كَانَ مقداما متلافا وَكَانَ الْعَامَّة وَأهل الجذب بِمَكَّة لَا يزالون يعدونه بإمارتها وَطَالَ هَذَا الْكَلَام حَتَّى خرج مخرج الهزأ الْخَارِج عَن الإحتشام فَكَانَ يَقُول لَهُ الْقَائِل أَيهَا الشريف مَتى وليت الْمقَام المنيف فَاجْعَلْ لى من الْعهْدَة كَذَا وَافْعل لي من التَّأْدِيب كَذَا وكل يطْلب على مَا يَبْدُو لَهُ فِي الْحَال وَهُوَ يعدهم بانجاح تِلْكَ الآمال ثمَّ أَنه اتّفق مِنْهُ غرَّة من الشريف محسن فِي بعض الحضرات وانفلت إِلَيْهِ على غَفلَة من الْحجاب والأغواب فَشكى إِلَيْهِ مَا صَار يعانيه من شَدَائِد الْحَاجة وَبسط ذيول القَوْل وَأطَال فِي اللجاجة فزبره الشريف وَأطَال لَهُ التعنيف وَذكره بسيرة غير مرضية وَبت لَهُ فِي الحرمان الْقَضِيَّة فَخرج من حَضرته لَا يلوي على غير الْخُرُوج من الْبَيْت الْعَتِيق واللحوق بِالْيمن أَو أَي مَكَان سحيق ملتهب الأنفاس مُخَاطبا لنَفسِهِ بقول أبي فراس شعرًا
стр. 49
(وَمن كَانَ غير السَّيْف كافل رزقه ... فللذل مِنْهُ لَا محَالة جَانب)
ثمَّ توجه إِلَى جدة بخاطر مكلوم وقلب مَسْمُوم وَكَانَ بهَا يَوْمئِذٍ من قبل الشريف والأتراك بعض القواد العبيد فحاول الولوج عَلَيْهِ والوصول لَدَيْهِ ثمَّ رَجَعَ بصفقة حِين وخفي حنين وَاتفقَ أَن الباشا الموجه إِلَى بعض بِلَاد السُّلْطَان وصل إِلَى جدة وَلَقي مصرعه وَنزل مضجعه فاتصل الشريف أَحْمد بأعيان الباشا كالآغا والبيرق دَار والخازن والدفتر دَار وعرفهم نسبه ومجادته وحسبه وشكى من الشريف مَا أصدره إِلَيْهِ واستنجد بهم فِي النُّصْرَة عَلَيْهِ وبذل لَهُم الْعَهْد الأكيد فِي عدم الإستبداد بالفائدة وَأَن يَده وأيديهم بعد الظفر وَاحِدَة فَأَجَابُوا عَلَيْهِ بِالتَّلْبِيَةِ والإسعاد وأنشدوه قَول بعض الشُّعَرَاء الأمجاد
(لَا تحسبن ذهَاب نَفسك مَوتهَا ... مَا الْمَوْت إِلَّا أَن تعيش مذللا)
(فَارق ترق كالسيف سل فَبَاتَ فِي ... متنيه مَا أخْفى القراب وأخملا)
ثمَّ أَنه واعدهم على وَقت فِي اللَّيْل يدْخل فِيهِ على الْقَائِد ويكونوا فِيهِ على أهبة المراصد فَدخل إِلَيْهِ لذَلِك الْوَقْت وَقد ألوت جمَاعَة من أَصْحَاب الباشا بداره آخذين أسلحتهم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ وَوَقعت عينه عَلَيْهِ طلب مِنْهُ خلْوَة ليذكر فِيهَا بعض حاجاته فصرف الْقَائِد بِوَجْه طلق وَلم يكن بَينه وَبَين الأول فرق ثمَّ قرب مِنْهُ ليوهمه الْخطاب ويمت إِلَيْهِ من الشكوى بِأَسْبَاب ثمَّ أَخذ سيف الْقَائِد من وتده وأطار بِهِ عُنُقه عَن جسده وَفتح إِحْدَى طاقات الْمَكَان ورما بِرَأْسِهِ إِلَى الباشا والأعوان وَأمرهمْ بِالدُّخُولِ على سَبِيل البدار والفتك بِمن وجدوه فِي صحن الدَّار فَدَخَلُوا إِلَيْهِ مبادرين وفتكوا بِمن وجدوه فِي الدَّار فِي الْحُسَيْن وألقوا مقاليد الْأَمر إِلَيْهِ ونادوه باسم الْملك وبركوا عَلَيْهِ ثمَّ بَادر إِلَى مخازين الدَّار ففك أقفالها وَأخرج أموالها وفيهَا ذخائر الْقَائِد وخزنته ونادى
стр. 50
بالشمع دَان وَأمر بإحضار التفنقية والفرسان وَمد الانطاع وصير إِلَيْهِم الجوامك الغامرة وخلع عَلَيْهِم الْخلْع الفاخرة كل ذَلِك من خزانَة الْقَائِد ورزق السَّاعِي للقاعد وَأما أَصْحَاب الباشا فهم خلاصته الأقدمون وَأهل بيعَته الْأَولونَ ثمَّ أنفذ فِي أثْنَاء اللَّيْل رسلًا خفافا إِلَى أَعْيَان الْأَشْرَاف بِمَكَّة وحرك نُفُوسهم على الشريف المحسن وأودع الرُّسُل إِلَيْهِم جملَة مِمَّا خف من المَال الَّذِي يمِيل بقلوب الرِّجَال ورغبهم فِي الدُّخُول تَحت سنجقه الخافق ورهبهم أَن لم يقطعوا عَن المحسن العلائق ثمَّ أَنه بعد ذَلِك توجه فِي أقرب حَال على مَكَّة المشرفة فِي زِيّ عَجِيب وجيش مهيب فَلَمَّا شَارف دورها وقارب معمورها خرج إِلَى حربه جمَاعَة من الاشراف بنية فَاسِدَة وَقُلُوب مائدة
(وخيل مَا يخر لَهَا طعين ... كَانَ قِنَا فوارسها ثمام)
وانجلى الْأَمر عَن تخلي المحسن وَولده زيد إِلَى الْيمن وَاسْتقر أَحْمد بن عبد الْمطلب بِمَكَّة وقطن وَلما وصل المحسن وَولده زيد إِلَى حَضْرَة الإِمَام لم يتْرك مَا يتَوَجَّه لَهما من الإجلال والاعظام وتقلبت الْأَحْوَال من حَال إِلَى حَال وَمَات الشريف المحسن بِصَنْعَاء الْيمن وَدفن بَقِيَّة الْإِسْكَنْدَر الْمَعْرُوفَة
وَأما أَحْمد بن عبد الْمطلب فَأَنَّهُ اقتعد كرْسِي المملكة الحجازية ونبذ جلال السُّلْطَان خلف ظهرة كَمَا تصنع الجلالية وَأَقْبل على تفقد أَحْوَال مَكَّة وَأعْطى كلا من السَّائِلين مقترحه على قدر أسئلتهم حَتَّى أَن بَعضهم اقترح عَلَيْهِ الْقَتْل على
стр. 51
هَيْئَة مَخْصُوصَة فَقتله كَذَلِك وَبَعْضهمْ اقترح خدمَة مَخْصُوصَة فمكنه مِنْهَا تَمْكِين الْمَالِك وَمَا زَالَ نَافِذ الْكَلِمَة بِمَكَّة وَمَا إِلَيْهَا من الْبلدَانِ حِصَّة من الأعوام والأزمان وَالسُّلْطَان ترد عَلَيْهِ أخباره وَلَا تخفي عَلَيْهِ آثاره حَتَّى حَان الإفتضاح وهبطت أوَامِر الْقَضَاء المتاح بوفود سنجق الساطنة الى مَكَّة والفتك بِهِ وَحصل لأسباب تصدر أَخِيه بعد أَيَّام لمملكة مَكَّة فنحا إِلَى قريب من فعله فَنُوديَ للسُّلْطَان بالباشا قَاسم فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ ذكر لَهُ أَحْوَال الشريف وَمَا تَوَاتر عَنهُ من الْإِلْحَاد فِي الْحرم المنيف ثمَّ شدّ عَلَيْهِ بندا بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ عزمت عَلَيْك أَن لَا تحل هَذَا البند حَتَّى توثق أَخَاهُ أَحْمد بن عبد الْمطلب فِي الْحَدِيد وتأتيني بِهِ على سَبِيل الْمُبَادرَة بِلَا مزِيد بعد أَن تقر ولَايَة الشريف زيد بن المحسن على ولَايَة بَيت الله الْحَرَام وتوافيني بِهَذَا الطاغية فِي أَسْوَأ حَال وأهون مقَام فَانْطَلق الباشا قَاسم بِمُقْتَضى تِلْكَ المراسم مُتَوَجها على الشريف بنية كَافِيَة وهمة عالية فَلَمَّا وافى حرم الله استوثق مِنْهُ أَطْرَافه وضيق عَلَيْهِ أكنافه حَتَّى تَركه فِي دَائِرَة الْمِيم وانسلخ عَنهُ كل صديق حميم وَمَا زَالَ فِي دولاب حصاره حَتَّى قضى مِنْهُ كل أوطاره فَوَضعه فِي السلسلة واستملى من أهل مَكَّة أَحَادِيث خلاعاته المسلسلة وصادف يَوْمئِذٍ دُخُول الشريف زيد بن المحسن الى مَكَّة عقيب موت وَالِده فنصبه الباشا فِي دست أَبِيه المكلوم وخلع عَلَيْهِ الخلعة الَّتِي وصل بهَا من الرّوم ثمَّ انْفَصل بالشريف أَحْمد تِلْقَاء الْأَبْوَاب وتوهم أَن دُخُوله حَيا سويا مِمَّا سيدخل لَهُ فِي حِسَاب فَلَمَّا ضرب بِهِ قَارِعَة الطَّرِيق تبعه جمَاعَة من أَصْحَابه يُرِيدُونَ إستنقاذه من يَد الباشا فَأَشَارَ بعض الْحَاضِرين بِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِع أياس أَصْحَاب الشريف إِلَّا بعد أَن يضْرب رَأسه ويبان وَيدخل فِي خبر كَانَ فَضرب الباشا عُنُقه فِي الْحَال وَرجع إِلَى الْأَبْوَاب وَقد قضى الأراب وَحل البند الْمَعْقُود وانقلب فِي االطالع المسعود هَكَذَا روى لي بعض من اتَّصل بالاشراف هَذِه الْقَضِيَّة وفيهَا زِيَادَة من غير طَريقَة والعهدة عَلَيْهِ
стр. 52
وَفِي أثْنَاء هَذِه الْأَيَّام نقل بَعضهم عَن الإِمَام أَنه أَرَادَ رفع يَد أَخِيه إِسْمَاعِيل عَن بِلَاد ضوران وريمة وَمَا إِلَيْهَا فَتغير خاطر أَخِيه إِذْ كَانَ الْعَزْل بِلَا سَبَب يَقْتَضِيهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال
وَفِي شهر رَجَب مِنْهَا توفّي الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ بمحروس حصن شهارة وَاجْتمعَ عِنْد ذَلِك أَعْيَان النَّاس من آل الإِمَام وَغَيرهم وَاقْتضى رَأْي وَصِيّ الإِمَام القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن سعد الدّين أَن المهم أَن لَا يوارى الإِمَام حَتَّى ينظر فِيمَن يخلفه فِي الْأَنَام خشيَة مِمَّا يدعوا إِلَى النزاع وحسما لعروق الأطماع فأجمع رَأْيه مَعَ مُلَاحظَة آراء أَكثر النَّاس أَن يعقدوا لصنوه الإِمَام السَّيِّد صفي الدّين أَحْمد بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ فَفَعَلُوا ذَلِك ثمَّ واروا الإِمَام
وَكَانَ الْمُؤَيد ذَا سيرة حَسَنَة وَطَرِيقَة مستحسنة ملاحظا لتوظيف النَّاس على قدر مَرَاتِبهمْ قريب الجناب شرِيف الْخطاب لَا ينْقض لَهُ مَعْلُوم وَلَا ينْسَخ لَهُ مرسوم كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَخَوَاهُ الحسنان فَكَانَت الأرزاق فِي وقته هامية والبركات ببركته نامية وَكَانَ على مَذْهَب حَده الْهَادِي ﵇ إِلَّا أَنه كَانَ لَا يُورث ذَوي الْأَرْحَام وَيَأْخُذ الزَّكَاة من الْقَلِيل وَالْكثير ويجيز صرف زَكَاة
стр. 53
الْهَاشِمِي فِي الْهَاشِمِي الْفَقِير وَغير ذَلِك من الاختيارات وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وشهران لِأَن مولده فِي شهر رَمَضَان سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وشهران وكسور وَمن مأثره إصْلَاح سمسرة القبتين بطرِيق بَاب الْيمن بعد أَن كَانَ أخر بهَا الْحَاج أَحْمد الْأَسدي والمدرج الى شهارة من الْجِهَة الجنوبية إِلَى وَادي أقرّ وَغير ذَلِك
وَلما ظَهرت دَعْوَة صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الإِمَام وصل إِلَيْهِ من أَعْيَان دولة المحسن بن الْقَاسِم الْفَقِيه الرئيس يحيى بن أَحْمد البرطي وأفهمه أَن عَمُود الْخلَافَة الْمُلُوك لَهُ لَا يَنْتَظِم حَال بِغَيْر المَال وَعمارَة قُلُوب الرِّجَال وَأَن الرَّأْي اقطاع أَوْلَاد أخوته نَفِيس الْبِلَاد وَإِطْلَاق أَيْديهم فِي الإصدار والإيراد وَأَن بِهَذَا تنتصب رايته وتستقر غَايَته وتستحكم يَده ويشتد عضده ثمَّ هُوَ بعد أَن يستحكم لَهُ الْأَمر ينظر فِي تَحْرِير الولايات بِالْمدِّ وَالْقَبْض فَقَالَ لَهُ أَحْمد بن الإِمَام جوابي عَلَيْك جَوَاب الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه لمُحَمد باشا حِين وَقع الْخَوْض فِي إِطْلَاق الْحسن بن الإِمَام على إرجاع مَا افتتحه الإِمَام من الْبِلَاد على جَعْفَر باشا إِلَى يَد نَائِب السلطنة وَكَانَ جَوَاب الإِمَام أَنه لَا يسعني عِنْد الله ذَلِك وَلَا تجمل بِي تِلْكَ المسالك فَعَاد الْمَذْكُور من حَيْثُ جَاءَ وَعلم أَن قَائِم هَذَا الْأَمر الصعيب بِغَيْر هَذَا السَّيِّد النجيب
خلَافَة الإِمَام الْأَعْظَم المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ
وَعند أَن بلغ الْخَبَر إِلَى صنوه إِسْمَاعِيل بن الإِمَام وَهُوَ بضوران فاجمع رَأْيه ورأي من لَدَيْهِ من الْعلمَاء والأعيان كَالْقَاضِي مُحَمَّد السلَامِي وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم
стр. 54
ابْن حسن العيزري على أَنه الأنهض بِهَذَا الْمقَام وَالْأولَى بسياسة الْأَنَام فبرز الى مَسْجِد الْحصين وَطلب الْبيعَة مِمَّن يعْتد بِهِ من النَّاس فَدَخَلُوا فِيهَا أَفْوَاجًا وسلكوا إِلَيْهَا فجاجا مَعَ مَا كَانُوا قد عرفُوا مِنْهُ أَيَّام السِّيَادَة من مُلَاحظَة جَانب الشَّرْع وَالْكَرم الَّذِي تميل إِلَيْهِ الخواطر بالطبع
وَكَانَ قد أظهر دَعْوَة هَذِه الْأَيَّام السَّيِّد الْعَلامَة صارم الْإِسْلَام إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي فِي جِهَات الشم وَثبتت دَعْوَة أُخْرَى للسَّيِّد الْعَلامَة ملك الْيمن عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن وَكَانَ فِي جِهَة إب من الْيمن الْأَسْفَل فِي تِلْكَ الْأَيَّام
ثمَّ إِن المتَوَكل على الله كتب إِلَى صنوه أَحْمد يعاتبه فِي العجلة بالدعوة وَرجح المتَوَكل من رجح لرسوخ قدمه فِي الْعُلُوم سِيمَا الْفِقْه وَرجح أَخَاهُ من رجح لتقدم دَعوته وتوسم أَنه أنهض ثمَّ إِنَّه التئم الْحَال فِيمَا بَين عز الْإِسْلَام وَعَمه الإِمَام وَكَانَ ذَلِك مستهل السَّعَادَة المتوكلية فَإِن دولة عز الْإِسْلَام يَوْمئِذٍ كَانَت موازية لدولة أَبِيه الْحسن بن الإِمَام وأقطعه الإِمَام جَمِيع الْيمن الْأَسْفَل وفوضه فِيمَا يصير إِلَى أَخِيه صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام والتقيا بعد ذَلِك فِي رَأس القفر وانفصلا وَقد تقررت الْأُمُور وَصلح بصلاح ذَات بَينهمَا أَمر الْجُمْهُور فَإِنَّهُ مَال إِلَى المتَوَكل بذلك أَكثر الْيمن من ضوران إِلَى عدن وَكَذَا الْمشرق وذمار وخولان والحدا وَعند ذَلِك خرج من صنعاء صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن قَاصِدا لِأَخِيهِ عز الْإِسْلَام وَخرج مِنْهَا بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام قَاصِدا حَضْرَة الإِمَام وَلما اسْتَقر
стр. 55
كل مِنْهُمَا حَيْثُ وصل أنعم الإِمَام عَلَيْهِمَا بالبلاد واستقرت أمورهما على نمط السداد فاتصل أَحْمد بن الْحسن بِنصْف بِلَاد الْيمن الْأَسْفَل واتصل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بِبِلَاد الشّرف وحفاش وملحان وبلاد الْبُسْتَان ثمَّ أبدل عَن الشّرف بحراز وَكَانَ بِيَدِهِ من قبل بِلَاد الْبُسْتَان فَقَط وَكَانَ تَقْرِير هَذِه الْأُمُور بشعبان وَأكْثر رَمَضَان
ثمَّ إِنَّه تقدم الْعَسْكَر الَّذِي بِصَنْعَاء إِلَى خدار بِأَمْر أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم وَكَانَ نَائِبه بِصَنْعَاء يَوْمئِذٍ وَلَده السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد مَعَ واليها من قبل الإِمَام السَّيِّد جمال الدّين عَليّ بن الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه فَصَارَ
стр. 56
خدار هُوَ المركز للجلاد ومجري العوالي ومجرى الْجِيَاد وَكَانَ الْأَمِير على الْجَيْش السَّيِّد عز الدّين دريب وَشَعْبَان آغا القارني فَتَقَدما إِلَى خدار بِجَيْش جرار فَلَمَّا وصلوا واستقربهم الْمقَام طردوا عَنهُ عَامل الإِمَام وَلما علم الإِمَام جهز السَّيِّد الْمِقْدَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَمَعَهُ النَّقِيب سرُور شلبي فتوجها إِلَى خدار فِيمَن مَعَهُمَا من الْجند الْمُخْتَار وحملوا على الْقرْيَة حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى بلغ أوائلهم الْمَسْجِد الَّذِي فِي الْبَلَد وَلم يخرج أَصْحَاب السَّيِّد عز الدّين وَشَعْبَان آغا من الْبيُوت بل رموا بالبنادق من قرب مِنْهُم فَقتل بِالْقربِ من الْمَسْجِد ثَلَاثَة أَنْفَار وَآل الْأَمر إِلَى انهزام عَسَاكِر الإِمَام إِلَى أَن بلغُوا رَأس نقِيل يسلح ثمَّ ثبتوا هُنَاكَ وبنوا المتاريس وَبَات الْبَعْض مِنْهُم بقرية النقيل وَأهل خدار لما شاهدوا الْفِرَار تَآمَرُوا فِيمَا بَينهم على عدم اللحوق وَقَالُوا الْكل أَخَوان ونرجوا أَن يلتئم الجانبان ويصطلح الْفَرِيقَانِ
وَلما اتّفقت هَذِه المناوشة بَادر بدر الْإِسْلَام وصنوه أَحْمد بن الْحسن وهما يَوْمئِذٍ بذمار بالعزم إِلَى جِهَات صنعاء وَجَمِيع قبائل الْمشرق وخولان والحداء وَمن بطريقهما من قبائل سنحان وكتبا إِلَى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن يلقاهما إِلَى الطَّرِيق وَيكون الإجتماع على الْمَدِينَة فَإِنَّهَا كالرأس وَتَقْدِيم فتحهَا بِنَاء على اساس فَاجْتمعُوا كَذَلِك وَكَانَ الشَّيْخ حسن بن الْحَاج أَحْمد قد ترَتّب فِي ريمة بعسكر فَرَأى من الصَّوَاب الْخُرُوج إِلَى يَد الثَّلَاثَة الْأُمَرَاء وَعند أَن بلغ الْأَمِير الْهَادِي بن الشويع مُوَاجهَة الشَّيْخ رَجَعَ إِلَى صنعاء وَاتفقَ رَأْي من فِيهَا على تغليقها وفيهَا الأميران مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام وَعلي بن الْمُؤَيد بِاللَّه وَاسْتقر أَحْمد بن الْحسن وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن بِمن مَعَهُمَا من الأجناد المتوكلية ببير العزب وَأمر صفي الْإِسْلَام بخراب بَيت القَاضِي
стр. 57
صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي ببقعة السَّعْدِيّ لِأَنَّهُ الْخَطِيب فِي صنعاء للداعي أَحْمد بن الإِمَام وعمره لَهُ فِيمَا بعد وَلما بلغ أهل خدار هَذَا الخطاط على الْمَدِينَة خَرجُوا عَنهُ إِلَى حُضُور وتحرك بعد ذَلِك صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الإِمَام من حصن شهارة يُرِيد الْوُصُول إِلَى صنعاء ثمَّ مِنْهَا يعسكر العساكر ويشن الغواير فَلَمَّا وصل الطَّرِيق بلغه الْحصار على الْمَدِينَة والتضييق فَتوجه إِلَى مَدِينَة ثلاء وَلم يدخلهَا إِلَّا بِبَعْض الْعَسْكَر وَلما اسْتَقر بثلاء وعساكره الَّذين كَانُوا بخدار فِي حُضُور طلع عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن إِلَى بَيت ردم فأرعد وأبرق وحذرهم عواقب النَّدَم فواجهه العساكر عَن آخِرهم وَمِنْهُم أهل خدار ثمَّ وصلت بيعَة الْأَمِير النَّاصِر بن عبد الرب وتبعتها بيعَة الْحُسَيْن بن الإِمَام الْمُؤَيد وَكَانَا قد أجابا صفي الْإِسْلَام لَكِن رَأيا حركات التَّمام فِي غير انتظام فأخذا بقائم الْأَمر كَمَا يَفْعَله أَرْبَاب الأحلام ثمَّ تقدم عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن إِلَى كوكبان وثلأ فالقاه الْأَمِير بعسكره إِلَى حوشان وَسَارُوا جَمِيعًا إِلَى ثلأ وَلما شارفوها شرع الْحَرْب مِمَّن بهَا وَكَانَ أَحْمد بن الْحسن قد بعث بياقوت شلبي إِلَى بني مَيْمُون ليصد من وصل من تِلْكَ الْجِهَة فَمنع الصَّادِر والوارد وتمم لَهُ الْمَقَاصِد وَلما انْفَتح الْحَرْب بثلاء جد واجتهد الصفي على الإبلأ وحرض على الثَّبَات وَفعل فعل الكماة الاثبات وَقتل من الْجَانِبَيْنِ زهاء سَبْعَة أَنْفَار وخلص الْأَمر عَن هزيمَة جَيش الصفي وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار فانحاز
стр. 58
صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي ببقعة السَّعْدِيّ لِأَنَّهُ الْخَطِيب فِي صنعاء للداعي أَحْمد بن الإِمَام وعمره لَهُ فِيمَا بعد وَلما بلغ أهل خدار هَذَا الخطاط على الْمَدِينَة خَرجُوا عَنهُ إِلَى حُضُور وتحرك بعد ذَلِك صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الإِمَام من حصن شهارة يُرِيد الْوُصُول إِلَى صنعاء ثمَّ مِنْهَا يعسكر العساكر ويشن الغواير فَلَمَّا وصل الطَّرِيق بلغه الْحصار على الْمَدِينَة والتضييق فَتوجه إِلَى مَدِينَة ثلاء وَلم يدخلهَا إِلَّا بِبَعْض الْعَسْكَر وَلما اسْتَقر بثلاء وعساكره الَّذين كَانُوا بخدار فِي حُضُور طلع عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن إِلَى بَيت ردم فأرعد وأبرق وحذرهم عواقب النَّدَم فواجهه العساكر عَن آخِرهم وَمِنْهُم أهل خدار ثمَّ وصلت بيعَة الْأَمِير النَّاصِر بن عبد الرب وتبعتها بيعَة الْحُسَيْن بن الإِمَام الْمُؤَيد وَكَانَا قد أجابا صفي الْإِسْلَام لَكِن رَأيا حركات التَّمام فِي غير انتظام فأخذا بقائم الْأَمر كَمَا يَفْعَله أَرْبَاب الأحلام ثمَّ تقدم عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن إِلَى كوكبان وثلأ فالتقاه الْأَمِير بعسكره إِلَى حوشان وَسَارُوا جَمِيعًا إِلَى ثلأ وَلما شارفوها شرع الْحَرْب مِمَّن بهَا وَكَانَ أَحْمد بن الْحسن قد بعث بياقوت شلبي إِلَى بني مَيْمُون ليصد من وصل من تِلْكَ الْجِهَة فَمنع الصَّادِر والوارد وتمم لَهُ الْمَقَاصِد وَلما انْفَتح الْحَرْب بثلاء جد واجتهد الصفي على الإبلأ وحرض على الثَّبَات وَفعل فعل الكماة الاثبات وَقتل من الْجَانِبَيْنِ زهاء سَبْعَة أَنْفَار وخلص الْأَمر عَن هزيمَة جَيش الصفي وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار فانحاز
стр. 59
إِلَى قلعة ثلاء وَبَقِي فِيهَا لَيْلَة وَاحِدَة ثمَّ خَاطب بِالْخرُوجِ والوصول والمسير الى حَضْرَة أَخِيه والمثول ثمَّ تَوَجَّهت بِهِ العساكر والأعيان إِلَى حَضْرَة أَخِيه المتَوَكل على الله بضوران واستراح الْإِسْلَام من عواقب الوبال وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَصَحبه قاضيه وخطيبه وعوينه وحبيبه أَحْمد بن سعد الدّين وَالسَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَامر وَسَائِر خواصه وَلما أتضح للَّذين بِصَنْعَاء تَسْلِيم صَاحبهمْ لِلْأَمْرِ خاطبوا بِالطَّاعَةِ فَدخل صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن إِلَى صنعاء وَأثبت الْخطْبَة للْإِمَام على لِسَان القَاضِي صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي وَكَانَ عوام الْبِلَاد قد تأهبوا لإنتهاب الْمَدِينَة كَمَا هُوَ شَأْن الْعَوام الطغام فَلَمَّا حصل هَذَا الإلتئام رَجَعَ كل إِلَى مَحَله وَلما انتظمت الْأُمُور فِيمَا بَين الصفي وصنوه الإِمَام وَجهه إِلَى صعدة وَمَا إِلَيْهَا وَأطلق يَده فِي واجباتها وَجعله عَاملا عَلَيْهَا
وَفِي هَذَا الْعَام خَالَفت المعازبة بتهامة فَسَار إِلَيْهِم عينة الإِمَام فصلحوا وانتظم أَمرهم أحسن الإنتظام وَلما اسْتَقر أَحْمد بن الإِمَام بصعدة وَكَانَ وَلَده مُحَمَّد بن أَحْمد قد انْفَرد بالرئاسة وَظهر عَنهُ مَحْمُود السِّيَادَة والسياسة وَجه إِلَيْهِ الإِمَام جَمِيع بِلَاد البون والقبلة إِلَى خمر وَسكن مَحل وَالِده بالروضة وَأما الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه فَوجه إِلَيْهِ الإِمَام ولَايَة بِلَاد عفار وشهارة والشرف الْأَسْفَل
وَفِي هَذَا الْعَام تاقت نفس السَّيِّد عبد الله صبح إِلَى الزعامة والتسمي
стр. 60
بِمنْصب الْإِمَامَة فَتقدم من حوث إِلَى وَادعَة وَأظْهر الْخلاف والمنازعة فَجهز إِلَيْهِ الإِمَام ولد أَخِيه الجثام مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام وَكَانَ يَوْمئِذٍ بِخَمْر فَسَار مِنْهَا إِلَى الحص مجمع وادعه وسوقها فاستدرك الْأَمر بعد قتال هلك فِيهِ رجل من أهل وَادعَة وَثَلَاثَة نفر من الْعَسْكَر وعقرت أَربع من الْخَيل وهرب السَّيِّد بِلَاد شاطب وَسلم من الْوُقُوع فِي لَهَوَات المعاطب
وَفِيه مَاتَ الشَّيْخ المعتقد أَبُو بكر الْحُسَيْنِي ينتسب إِلَى الْحُسَيْن بن عَليّ بمساقط بِلَاد حراز وَكَانَ ذَا براهين قَاطِعَة وأنوار ساطعة وَفِيه مَاتَ الشَّيْخ المؤرخ طَاهِر بن يحيى بِبَلَدِهِ المنصورية بتهامة أَسْفَل وَادي سِهَام بمساقط بِلَاد ريمة وهم يذكرُونَ أَنهم سادة حسينية وَلَهُم هُنَاكَ جاه وَاسع وأفضال وإستقامة بَاطِن ونمو حَال وَكَانَ الْمَذْكُور قد عاون فِي فصل الشَّرِيعَة ثمَّ عذر نَفسه وَخَلفه فِي زاويته مُحَمَّد بن طَاهِر وَيذكر عَنهُ أَنه زجر الباشا قانصوه عَن الْيمن وَأَهله حَال خُرُوجه إِلَيْهِ فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامه فَلَمَّا وَقع فِيمَا وَقع فِيهِ مر عَلَيْهِ وَطلب الْعَفو وأعترف وأهدا لَهُ نُسْخَة من الْقَامُوس وحياة الْحَيَوَان الْكُبْرَى وَلما مر عَلَيْهِ شرف الْإِسْلَام الْحسن بن الإِمَام أَضَافَهُ إِضَافَة سنية وَقَامَ بِسَائِر خاصته وَفرق عساكره فِي الْبِلَاد وَفعل فعلات الأجواد
وفيهَا ملك صَاحب عمان الْخَارِجِي الأباضي بندر مسكت الَّذِي فِي سواحل
стр. 61
بِلَاده وَكَانَ فِي أَيدي الفرنج وَمَا كَانَ يظنّ إستيلاءه عَلَيْهِ وَلكنه دب بالحيلة إِلَيْهِ بِأَن أنفذ إِلَيْهِ جماعات فِي قالب الدراويش فَلَمَّا علم أَنهم قد صَارُوا أنصابا لرتبة القلعة أَمرهم بِالْفَتْكِ بِمن فِيهَا بسكاكين معدة مَعَهم ففتكوا بِمن فِي القلعة عَن آخِرهم وَلما تَوَجَّهت إِلَى نظره أَمن التُّجَّار الَّذين يخرجُون من الْبَحْرين وَالْعراق إِلَى الْيمن وَهَذَا الْخَارِجِي لَهُ مَذْهَب لَيْسَ من الشَّرْع فِي شَيْء مثل التَّكْفِير بالمعصية وَعدم قبُول الشَّهَادَة بِمَا أدعاه الْمُدَّعِي إِذا لم يصدقها المدعا عَلَيْهِ وَإِذا أنْكرت الزَّوْجَة الزَّوْجِيَّة فرق بَينهَا وَبَين زَوجهَا بِمُجَرَّد دَعْوَاهَا وَكَذَا الْمَمْلُوك إِذا أدعا عدم الملكية وَهَذَا كُله رد لِلْقُرْآنِ وجنوح إِلَى شرعة الشَّيْطَان وَقد علم أَنهم من أهل الْبدع لَا يلْتَفت إِلَى أفعالهم وَلَا يجنح إِلَى أَقْوَالهم
وفيهَا مَاتَ عبد القيوم الرغيلي المنجم وفيهَا مَاتَ الشريف الرئيس هَاشم بن حَازِم بقطعته بَلَده زبيد وَلما مَاتَ وجد فِي وَصيته أَن خيله تكون بَيت مَال وَله تعلق بِالْعلمِ وَأَهله
فتح بِلَاد الْأَمِير حُسَيْن صَاحب عدن
وَفِي شَوَّال من هَذَا الْعَام سَار الإِمَام من ضوران إِلَى صنعاء فاستقر بهَا أَيَّامًا وجهز ابْن أَخِيه صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام على بِلَاد الْأَمِير الْحُسَيْن ابْن عبد الْقَادِر صَاحب عدن وَأبين وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى إنفصال الصفي عَنهُ بخاطر مقهور وَجَنَاح مكسور وَيذكر أَنه فِي أثْنَاء ذَلِك الْمقَام أطلع من سيرة الْمَذْكُور على مَا يقبح من الْأُمُور فأسرها لهَذَا الْوَقْت وزحزحه عَن ذَلِك التخت وَلما وصل الصفي إِلَى تِلْكَ الديار شب على الْأَمِير سعير النَّار وأحاطت ببلاده أجناده وَضَاقَتْ بهَا أغواره وأنجاده فاقتدح الْأَمِير زندا وَلم يتْرك من الجلاد جهدا وأصدق أَصْحَابه السَّيْف فِي عَسْكَر الصفي حَتَّى أفرد
стр. 62
لَهُم مَقْبرَة تعرف الْآن بمقبرة أَحْمد بن الْحس ثمَّ أَن الصفي شدّ لَهُ شدَّة الهصور وأحاطت بِهِ أجناده إحاطت السُّور فَكَانَت الْهَزِيمَة فِيهِ وَفِي حزبه وَخرج عَن مَمْلَكَته مصاحبا لكربه وَاسْتولى صفي الْإِسْلَام على ذخائره وخزنته وَملك تخته وَاسْتولى على بقعته وَهُوَ لَجأ بعد ذَلِك إِلَى يافع بعد أَن علم أَن لَيْسَ لَهُ عَاصِم وَلَا نَافِع ثمَّ أَن الصفي قرر وُلَاة على الْبِلَاد بعد أَن كمل لَهُ المرام وَتمّ لَهُ المُرَاد وَعَاد إِلَى صنعاء حَضْرَة الإِمَام وَقد وَقع على الرِّكَاز وظفر بالمرام وَلما شَارف الدُّخُول وَقع بَين مُعَسْكَره وَأهل كوكبان مَا لَا يزَال بَين الْعَسْكَر من المنافسة على البيارق فَوَقع بعض خصام وترام بالبنادق وَذهب من عَسْكَر كوكبان ثَلَاثَة أَنْفَار وَلما وافى حَضْرَة الإِمَام قر نظره وطاب من الصفي خَبره وَخَبره
وَفِي شعْبَان هَذَا الْعَام أَو الَّذِي قبله كَانَ رخص الأسعار وتفجر الْأَنْهَار وصفاء الْأَحْوَال ونمو الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال وَفِيه كَانَ بِمَكَّة المشرفة السَّيْل الرَّابِع والزجر الْعَظِيم الفاجع طَاف حرم الله من أمواجه بِكُل كثيب مهيل وتخلل الْكَعْبَة المشرفة وَصعد جدارها حَتَّى حَاذَى الْقَنَادِيل وأخرب جَانِبي الْبَيْت الْمَعْمُور وأزاح تِلْكَ المحاس وزحزح تِلْكَ الستور وَفِيه قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الجحافي
(أَتَى السَّيْل مجتازا بِمَكَّة موهنا ... فطهرها واجتاح مِنْهَا أباطيلا)
(وَمَا قصد الضّر الشنيع وَإِنَّمَا ... أَرَادَ من الْبَيْت الْمُعظم تقبيلا)
(يَقُولُونَ أرخ كَونه قلت فاحسبوا ... سَمِعت بِأَن المآء لَاقَى القناديلا (
стр. 63
وللحافظ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحميمي
(إِن شِئْت تَدْرِي لطيف صنع ... قضى بِهِ الله فِي بناه)
(فِي حرم الْأَمْن حَيْثُ يعْطى ... لطَالب الْأَمر مَا رجاه)
(إِذْ طَاف بِالْبَيْتِ طائف المَاء ... وخر إِذْ ذَاك جانباه)
(بِشَهْر شعْبَان جَاءَ سيل ... فَذَاك تَارِيخ مَا ترَاهُ)
وَفِي هَذَا الْعَام مَاتَ السَّيِّد الْعَلامَة الأديب صَلَاح بن عبد الْخَالِق الجحافي وَكَانَ ذَا دراية بأصول الْفِقْه والنحو شَاعِرًا محاضرا وَله شرح على تكمله الْأَحْكَام وَمن شعره القصيدة الَّتِي نقم فِيهَا على الهر لما أكل الْحمام وجرعها كأس الْحمام
(يَا هر فِي غير حفظ الْوَاحِد الصَّمد ... أحثثت سيرك عَن دَاري وَعَن بلدي)
(وَقد نزلت فأحسنا جوارك لم ... نبخل عَلَيْك بِمَا تحويه ذَات يَد)
(رَجَوْت أَنَّك تكفيني أذية مَا ... فِي الْبَيْت من جرذ عَاد وَمن خلد)
(فَلم ترعها بِشَيْء بل عَمَدت إِلَى ... حمامة ضعفت فِي الْبَطْش وَالْجَلد)
(ضَعِيفَة لم تكن تَدْرِي بفتكك يَا ... أعق مَا خلق الرَّحْمَن من ولد)
(أبديت رعشة منهوك فحين دنت ... فعلت مَا يفعل الضرغام ذُو اللبد)
(أما نظرت إِلَى أطواقها وَلها ... تلون الدّرّ فَوق الْجيد ذِي الْجيد)
стр. 64
(أعضضت نابك جيدا لَو علمت بِمَا ... حوى لما عثت فِيهِ غير متئد)
(كَأَنَّهُ خَارِجا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عِنْد مفتاد)
(وَحين رَابَك مَا فِي النَّفس من جزع ... رحلت غَضْبَان لم تعطف وَلم تعد)
(وَلم تطف بِفنَاء الدارقط وَسوى ... فِي الْأَرْبَعَاء لأجل اللَّحْم والأحد)
(هَذَا جَزَاء امرىء غذاك نعْمَته ... بالمخض تكشف عِنْد رغوه الزّبد)
(فَالْآن ثَبت إِلَى بيداء بلقعة ... أَو مهمة فِي أقاصي الأَرْض منجرد)
(وَحقّ من قَالَ أَن الطير آمِنَة ... فِي وَكرها فِي أداني الأَرْض والبعد)
(وَالْمُؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مَكَّة بَين الغيل والسند)
(لَو أَنَّهَا علمت هَذَا إِذا لنجت ... فالطير تنجو من الشؤبوب ذِي الْبرد)
стр. 65
(وَقد رضيت بِأَن الفار يفْسد فِي ... دَاري وَيسْعَى لضري سعي مُجْتَهد)
(فخلنا غير مأسوف عَلَيْك وَلَا ... بَرحت مَا عِشْت فِي هم وَفِي نكد)
(فَمَا أَقُول لنَفْسي فِيك مبتئسا ... إِحْدَى يَدي أصابتني وَلم تزد)
(كلا كَمَا خلف من بعد صَاحبه ... هَذَا أخي حِين أَدْعُوهُ وَذَا ولد)
(بل سَوف أنْشد تسكيتا لخاطرها ... لله يبقي على الْأَيَّام ذُو حيد)
وَلما اطلع السَّيِّد الإِمَام الْحسن بن أَحْمد الْجلَال على هَذَا العتاب نَاب عَن الهر فِي لطيف الْجَواب فَقَالَ
(سَمِعت عتبك والتأنيب يَا سندي ... فهاج لي حسرة أَوْهَى بهَا جلدي)
(وصرت أعجب من دعواك أَنَّك لم ... تبخل على بِمَا تحويه ذَات يَد)
(إِذْ تِلْكَ دَعْوَى وَلَا برهَان يصحبها ... وَمثل ذَاك لأهل الْحق لم يفد)
(فَمَا أَقُول كَمَا قُلْتُمْ إِلَيّ جَفا ... يَا هر فِي غير حفظ الْوَاحِد الصَّمد)
(لكنني مظهر مَا كنت أستره ... كَيْلا لخلي كَمَا قد كال لم أَزْد)
(خدمتكم غير وان فِي منافعكم ... وَلَا لأعدائكم أبقيت من سبد)
(وبالخصاصة أرضي فِي محبتكم ... مَالِي سوى قِطْعَة فِي الْوَعْد من كبد)
(دَلِيله قَوْلكُم مَا جِئْت قطّ سوى ... فِي الْأَرْبَعَاء لأجل اللَّحْم والأحد)
(على م تهضم قدري بَين أظْهركُم ... وصغح رَأْسِي من شيخ وَمن ولد)
(أَقُول للنَّفس أَن الرب سطوته ... كالدهر لَا عَارِف رضيها وَلَا تحد)
(حَتَّى غَدا دابكم كفران منفعتي ... لنظمك الزُّور قولا غير مُعْتَقد)
стр. 66
(لَكِن وَمن لَك بِالْحرِّ الشكُور لمن ... يُولى الصنايع لَا يعدوه حفظ يَد)
(فَقلت للنَّفس أَرض الله وَاسِعَة ... وكل موت وَلَا موت على الكمد)
(وخدمة الْمَرْء مولى لَيْسَ يعرفهَا ... وَلَا يقر بهَا من أعظم النكد)
(وَلَا يُقيم على ضيم يُرَاد بِهِ ... سوى الأذلين غير الْحَيّ والوتد)
(فجد جدي وَلَا زَاد وَلَا سغب ... وَلَيْسَ إِلَّا بِهِ الْإِمْضَاء إِلَى الْأَبَد)
(وَقد تصبرت حَتَّى لات مصطبر ... فَالْآن أجهد حَتَّى لات مُجْتَهد)
(حَتَّى عَمَدت ولي فِي ذَاك مأربة ... إِلَى الْحَمَامَة ذَات الْمنطق الغرد)
(لَا ذهب الْجُوع إِذا نفذت فأركم ... وتعلموا سطوتي فيهم بِلَا عدد)
(إِذْ تِلْكَ تشبههم بل هِيَ أَحَق كَمَا ... قد قلت تنجو من الشؤبوب ذِي الْبرد)
(وَلَو رعيت حقوقي مِنْك أجمعها ... وَحقّ مثلي حق هَين المدد)
(مَا إِن أتيت بِشَيْء أَنْت تكرههُ ... إِذا فَلَا رفعت سَوْطِي إِلَى يَد)
(هَا أَن تا عذره إِن لم تكن نَفَعت ... فَإِن صَاحبهَا قد تاه فِي الْبَلَد)
(بعد السَّلَام عَلَيْكُم مَا غشى جرذ ... ثمَّ الصَّلَاة على الْهَادِي إِلَى الرشد)
وَقد أورد ابْن خلكان والدميري فِي حَيَاة الْحَيَوَان قصيدة نَفسهَا هَذَا النَّفس فِي غير الْوَزْن
(يَا هر فارقتنا وَلم تعد ... وَكنت عِنْدِي بمنزل الْوَلَد)
وَهِي لأبي بكر بن الْحُسَيْن بن العلاف الْمقري
وفيهَا توفّي السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن شمس الدّين جحاف وَكَانَ ذَا دراية بالْمَنْطق وعلوم الْعَرَبيَّة خاملا زاهدا وَهُوَ خَال الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل
стр. 67
ابْن الْقَاسِم أَقَامَ أعواما بِمَسْجِد الْأَخْضَر من صنعاء وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَلَاح الشَّرْقِي القاسمي بِبَلَدِهِ معمرة رَأس جبل الأهنوم وقبر هُنَالك وَكَانَ مفتيا بِصَنْعَاء وَله شرح على الأزهار نقل فِيهِ أَكثر الدَّلِيل وَلَا يخلوا عَن الْفَائِدَة وَله الشرحان على الأساس وَشرح البسامة الصُّغْرَى فِي ثَلَاثَة جُلُود بلغ فِيهِ إِلَى آخر دولة الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم
وفيهَا خرج أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام بِأَمْر عَمه الإِمَام إِلَى بِلَاد ملاحا من أَطْرَاف بِلَاد خولان فأخرب فِيهَا الْبَعْض وَقطع شَيْئا من أعنابها وَكَانَ الطاغوت قد فشى فيهم وتقلبوا على الْحُقُوق الْوَاجِبَة وصرفوها فِيمَن يُرِيدُونَ وَسَائِر بِلَاد خولان كَانُوا قد أهموا بذلك فَلَمَّا أوقع بهم الصفي حذر الْكل
وفيهَا مَاتَ القَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد السلَفِي وَكَانَ لَهُ معرفَة تَامَّة بِعلم الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول وَكَانَ نَاقِلا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم يتلوه سفرا وحضرا ولي مخلاف حراز مُدَّة ثمَّ عرض لَهُ أخر مدَّته ألم استعطاش فَترك الْولَايَة وطلع صنعاء وَسكن بداره ببير العزب حَتَّى توفّي آخر هَذَا الْعَام وَجمع من الْكتب النفيسة فِي الحَدِيث وَسَائِر الْفُنُون وَله إجَازَة فِي الحَدِيث من بعض عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة وقبر بخزيمة وَمن مآثره الْبناء بِمقدم مَسْجِد قَرْيَة الْقَابِل بوادي ظهر
وفيهَا أَمر عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بعمارة مشْهد على قبر الإِمَام الْأَعْظَم أَبى الْفَتْح الديلمي شَرْقي ذمار بِنَجْد الجاح طرف قاع القعودين فَأمرت زَوجته
стр. 68
الشَّرِيفَة الدهماء بنت الْمُؤَيد بِاللَّه بِبِنَاء سمسرة هُنَالك للمسافرين فَكَانَ تتميما للمقصد الأول جزى الله الْمُحْسِنِينَ خيرا
حَرَكَة السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المؤيدي لما قد كَانَ قدمه من الدعْوَة وَدخلت سنة سِتّ وَخمسين وَألف فِيهَا أعلن السَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بدعوته ودعا النَّاس إِلَى بيعَته وَهُوَ من الْعلم بمَكَان وَمن المنصب بِحَيْثُ لَا يخْتَلف إثنان
(من آل يحيى مساميح قساور فِي ... الهيجاء سنع الْأَسَامِي مسبلي أزر)
وَله هُنَاكَ أَتبَاع وَأَعْوَان قد حل مِنْهُم مَحل الرّوح من الْأَبدَان فَهُوَ أنفس عِنْدهم من الزمرد الْأَخْضَر وأعز على خواطرهم من الكبريت الْأَحْمَر يودعون دراري فَتَاوَاهُ أصداف قُلُوبهم ويحملون أثقال جذابه على عيونهم فضلا عَن جنُوبهم كَلَامه أندى على قُلُوبهم من الْقطر ومفاكهته ألطف على خواطرهم من مغازلة النَّهر بعيون الزهر فبمجرد أَن يُشِير يأتمرون وعَلى تقلب أنفاسه يميلون وَلما استفاض هَذَا الْخَبَر وشاع وَكَاد أَن يتَعَدَّى أمره إِلَى غَيره من الْبِقَاع بَادر الإِمَام إِلَى من يقوم بكفايته من الْأَعْلَام فَوجه كِفَايَة هَذَا المهم وَدفع هَذَا الملم إِلَى السَّيِّد الْعَلامَة الْمِقْدَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي جَيش كثير وزي كَبِير وجأش مربوط وعزم بِأَكْنَافِ المجرة مَنُوط وَلما تخَلّل بِلَاده
стр. 69
وأوردها أجناده استوثق عَلَيْهِ من الْجِهَات وسلك فِي اسباب قنصه كل الطرقات فَهَيَّأَ الله أَسبَاب الصّلاح ونادي مُنَادِي الظفر حَيّ على الْفَلاح وانقلب بِهِ عز الْإِسْلَام إِلَى حَضْرَة عَمه الإِمَام وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِصَنْعَاء المحروسة بِاللَّه وَلما نجز أمره وأشرق بِحَضْرَة الإِمَام بدره جمع الْأَعْيَان بديوان الْقصر الدَّاخِل وواجه لَهُ على كرْسِي الباشا ثمَّ تقدم إِلَيْهِ السَّيِّد مُؤديا لبيعته ملاطفا للحضرة بِمَا حَضَره من لطيف الْمقَال وَجَمِيل الْحَال ثمَّ طلب الرُّخْصَة من الإِمَام فِي الْعَزْم إِلَى الشَّام والعودة إِلَى مَحل حشمه والأرحام فأنعم عَلَيْهِ بذلك الْمطلب وساعده إِلَى مَا أحب وَلما وصل الصارم إِلَى عيان واتصل بِبِلَاد سُفْيَان اتّفق بِهِ الْقُضَاة من العنوس وَغَيرهم مِمَّن يلمح إِلَيْهِ ويعول فِي الْمُهِمَّات عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاضَ إِلَيْهِم أَن فِي نَفسه غير قَلِيل فَأَنَّهُ إِنَّمَا تخلص بذلك القيل وَلم تكن بيعَته عَن إعتقاد صَحِيح وللتقية فِيهَا مسرح فسيح فَلم يحصل مِنْهُم على مَا يشفي الْفُؤَاد وَلَا ظفر مِنْهُم بِبَعْض المُرَاد فنفذ إِلَى بعض الشَّام وأفاض عَلَيْهِم ذَلِك الْكَلَام فَقَالُوا لَهُ الْأَمر إِلَيْك فانهض وَلَا بَأْس عَلَيْك فَأَعَادَ ذَلِك النداء حَتَّى عَاد الْأَمر كَمَا بدى وشرعت قضاياه وَالْأَحْكَام تُفْضِي إِلَى طَرِيق الإنتظام ووفدت الأراجيف إِلَى صنعاء وأصغى لَهَا كل من يمِيل إِلَيْهِ سمعا فَفَزعَ الإِمَام إِلَى ابْن أَخِيه الْمِقْدَام الهصور فِي مَوَاطِن الصدام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام وَعقد لَهُ البنود وحشد لَهُ الْجنُود فَتوجه تلقا مَدين ذَلِك الْمَطْلُوب وانفصل فِي أبهى زِيّ وأبهج أسلوب وَحين ضربت فِي بوصان خيامه ونصبت فِي ذَلِك الْمَكَان أَعْلَامه تفرق شَمل أَصْحَاب الصارم وَعَلمُوا أَنه لَا قدرَة لَهُم على ذَلِك الضبارم وَلما تكدرت عَلَيْهِ الْحِيَاض أنحاز إِلَى أَطْرَاف بِلَاد قِرَاض
стр. 70
ووطن نَفسه على الإضراب والإعراض وَقد مَالَتْ وُجُوه أماله وَأنْشد لِسَان حَاله
(هُوَ الْحَظ خُذْهُ إِن أردْت مُسلما ... وَلَا تطلب التَّعْلِيل فَالْأَمْر مُبْهَم)
وَكَانَ من أمارته على الْيَأْس فحرر بِهِجْرَة باقم من بِلَاد قِرَاض هَذِه الرسَالَة ولفظها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله مُدبر الْأُمُور على مُقْتَضى إِرَادَته كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن الْمُتَصَرف فِي مصَالح خلقه على مر الدهور بلطيف حكمته من غير موازر وَلَا ثَان المملك الْملك من عبيده من ملكه فِي الْكتاب مسطور فِي سالف أزليته فَأَنِّي لغيره سُلْطَان وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْهدى والنور الْمَبْعُوث لإعلاء كَلمته فِي الْأنس والجان وعَلى اله المطهرين أحسن طهُور من الشَّيْطَان والمنزهين عَن مَعْصِيَته فهم لأهل الأَرْض أَمَان وَبعد فَليعلم من على البسيطة من أداني الأَرْض وأقاصيها من أتهم بغورها وأنجد بصياصيها أَن الدَّاعِي إِلَى الله بالمغفرة وراجيها إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن عز الدّين ثبته الله على قَوَاعِد الشَّرِيعَة ومبانيها يَقُول لما ظَهرت الدعْوَة المتوكلية ظُهُور الشَّمْس عقيب ليل الْفِتَن خار فِيهَا ذَوُو الْأَلْبَاب ودان لَهَا ذَوُو الْعُقُول وخضعت لَهَا خضوع الذَّلِيل غلب الرّقاب ورفعها الْمُسلمُونَ معزين لَهَا ومكرمين وذهبوا إِلَيْهَا ثبات وعزين ووكل بهَا قوم لَيْسُوا بهَا بكافرين حَتَّى صَارَت مَاضِيَة لشأنها قَاطِعَة بعنانها قائلة بلسانها دَعونِي أجوب الأَرْض فِي طلب الْعلَا وَعقد الْمُسلمُونَ أَفْوَاجًا وَمَا ذَاك إِلَّا أَن متحملها ينبوع الْعلم الفوار وغيث الْفَضَائِل المداراة وزبرقان الْفلك الدوار وطراز الْمَعَالِي والفخار
стр. 71
حذف ن أردْت مُسلما ... وَلَا تطلب التَّعْلِيل فَالْأَمْر مُبْهَم)
وَكَانَ من أمارته على الْيَأْس فحرر بِهِجْرَة باقم من بِلَاد قِرَاض هَذِه الرسَالَة ولفظها بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله مُدبر الْأُمُور على مُقْتَضى إِرَادَته كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن الْمُتَصَرف فِي مصَالح خلقه على مر الدهور بلطيف حكمته من غير موازر وَلَا ثَان المملك الْملك من عبيده من ملكه فِي الْكتاب مسطور فِي سالف أزليته فَأَنِّي لغيره سُلْطَان وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْهدى والنور الْمَبْعُوث لإعلاء كَلمته فِي الْأنس والجان وعَلى اله المطهرين أحسن طهُور من الشَّيْطَان والمنزهين عَن مَعْصِيَته فهم لأهل الأَرْض أَمَان وَبعد فَليعلم من على البسيطة من أداني الأَرْض وأقاصيها من أتهم بغورها وأنجد بصياصيها أَن الدَّاعِي إِلَى الله بالمغفرة وراجيها إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ابْن عز الدّين ثبته الله على قَوَاعِد الشَّرِيعَة ومبانيها يَقُول لما ظَهرت الدعْوَة المتوكلية ظُهُور الشَّمْس عقيب ليل الْفِتَن خار فِيهَا ذَوُو الْأَلْبَاب ودان لَهَا ذَوُو الْعُقُول وخضعت لَهَا خضوع الذَّلِيل غلب الرّقاب ورفعها الْمُسلمُونَ معزين لَهَا ومكرمين وذهبوا إِلَيْهَا ثبات وعزين ووكل بهَا قوم لَيْسُوا بهَا بكافرين حَتَّى صَارَت مَاضِيَة لشأنها قَاطِعَة بعنانها قائلة بلسانها دَعونِي أجوب الأَرْض فِي طلب الْعلَا وَعقد الْمُسلمُونَ أَفْوَاجًا وَمَا ذَاك إِلَّا أَن متحملها ينبوع الْعلم الفوار وغيث الْفَضَائِل المداراة وزبرقان الْفلك الدوار وطراز الْمَعَالِي والفخار
стр. 72
(عليم رست للْعلم فِي بَحر صَدره ... جبال جبال الأَرْض فِي جنبها قف)
ذَلِك فاتح الارتاج وذروة التَّاج الْمولى أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله رب الْعَالمين إِسْمَاعِيل بن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَعِنْدَ أَن اختصه الله بالخصائص الجليلة ودأبت الْمصلحَة فِي مُخَالفَة مثله قَليلَة وَكَانَ الله قد أَمر بالوفاق وَرغب فِيهِ وحث عَلَيْهِ وَقَالَ إِن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين مَا تدعوهم إِلَيْهِ سلمت مَا كنت تحملته من الأعباء الثَّقِيلَة تَسْلِيم رَاض لَا شُبْهَة فِيهِ وَلَا حِيلَة ووليه وَابْن الإِمَام الْمَذْكُور المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل إِلَى قَوْله فَليعلم من وقف على مكتوبي هَذَا مَا التزمته من أَحْكَام الطَّاعَة للْإِمَام وَأَن مَا تقدم مني من مقتضيات النّظر الَّذِي اعتقدت فِيهِ الْمُطَابقَة لمراد الْملك العلام فَإِن كنت فِي ذَلِك مُوَافقا لمراد الله فقد مضى بِمَا فِيهِ من الْأجر وَإِلَّا فَأَنا أسْتَغْفر الله وأسأله حسن الْعَاقِبَة وَإِلَيْهِ يرجع الْأَمر وَالْإِنْسَان مَحل الْخَطَأ وَالنِّسْيَان والكريم مَحل الْمُسَامحَة والغفران وَقد ألزمت نَفسِي طَريقَة الإقتصاد والتمسك بالوفاق وأوقفتها فِي حلبة السباق على قَصَبَة الْمُصَلِّين وجذبتها عَن شأو السباق إِلَى قَوْله فَعلمت بِمَا كنت جهلته قبل الدُّخُول فِيهِ وأيقنت الْخُرُوج مِنْهُ إِن الله وَله الْحَمد قد خفف عني الأصر وَاخْتَارَ لي مَا أخْتَار وَمن سبقت مِنْهُ أساة إِلَيّ وَظن أَنِّي بهَا قمين فَأَنا اسْتغْفر الله لَهُ وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ وَجل من لَا عيب فِيهِ وَعلا عَن كل قوم ذميم وَقل مَا يسلم من الْحَسَد جَسَد
(إِلَّا لَا أُبَالِي من رماني بريبة ... إِذا كنت عِنْد الله غير مريب)
﴿رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين﴾ وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم حررت هَذِه الرسَالَة فِي يَوْم الْجُمُعَة من شهر جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَخمسين وَألف
стр. 73
وَكتب القَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن يحيى حَابِس على هَذِه الرسَالَة إسمه وحرر فِيهَا لمزيد التَّأْكِيد رسمه وَالسَّيِّد صارم الدّين قد كَانَ يذكر سبق دَعوته فَسَيَأْتِي فِي حوادث سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ مَا يُضَاف إِلَى هَذَا الْكَلَام وَالْحمل فِيهِ على السَّلامَة من شعار أهل الْإِسْلَام
وفيهَا توفّي الْأَمِير الْمِقْدَام الْهَادِي بن المطهر بن الشويع بِصَنْعَاء الْيمن وَكَانَ إِلَيْهِ ولَايَة نهم فِي ذَلِك الزَّمن وَالسَّيِّد صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَامر بشهارة وَكَانَ مَعَ مَا عرف بِهِ من محَاسِن الْأَوْصَاف خَالِيا عَن عرفان فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَله خطب نافعة ومواعظ وزاعة وَالسَّيِّد زين العابدين العيدروس الشَّافِعِي وَكَانَ ذَا عرفان بِمذهب الشَّافِعِي وَله رسائل ومسائل
وفيهَا اتّفق بَين أهل صنعاء وَبَين أهل برط خصام أفْضى الى قتل رجلَيْنِ من برط وَخَرجُوا عَن صنعاء هاربين إِلَى فَوق مصلى الْعِيد ثمَّ أَن الإِمَام عطف عَلَيْهِم وَأحسن بالْقَوْل وَالْفِعْل إِلَيْهِم وفيهَا سَار الإِمَام الى شهارة وفيهَا أَمر أَن لَا توخذ زَكَاة السوائم إِلَّا من النّصاب التَّام فَفعل ذَلِك فِي بعض الْجِهَات دون بعض وفيهَا أَمر الإِمَام بِقطع شَجَرَة فِي بِلَاد عذر أعتقد فِيهَا الْعَوام ورشحوها بالتعظيم والتكليم وَالنُّذُور على حد ترشيح الْأَصْنَام وكادت أَن تصير كشجرة ذَات أنواط الَّتِي كَانَت فِي وَقت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 74
وفيهَا نزلت بِجَامِع صنعاء الْكَبِير صَاعِقَة من آيَات القاهر الْقَدِير فَأخذت جانبا من المنارة الشرقية فِي وَسطهَا وَفتحت بَابا فِي عرضهَا ونفذت إِلَى آخر الْمُؤخر فأهلكت رجلَيْنِ كَانَا فِي الصَّلَاة وفيهَا فِي شهر ذِي الْحجَّة وَقعت زَلْزَلَة بِصَنْعَاء وَغَيرهَا ﴿وَمَا نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا تخويفا﴾
وَدخلت سنة سبع وَخمسين وَألف وفيهَا وَفد على الإِمَام رَسُول ملك النَّصَارَى بِالْحَبَشَةِ وَكَانَ قد أرسل الى الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه عَام اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَوجه صحبته هَدِيَّة من الرَّقِيق والزباد وَسلَاح الْحَبَشَة وَضمن كِتَابيه جَمِيعًا إستدعا رَسُول من الإِمَام لإفاضة مَا فِي نَفسه من الْكَلَام فطمع الإِمَام فِي إِسْلَامه وَأنس إِلَى ظَاهر كَلَامه وأنفذ إِلَيْهِ القَاضِي الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الحميمي صُحْبَة رَسُوله فوصل إِلَيْهِ بعد مشاق هائلة ومسافة طائلة وانعكس ذَلِك الأمل وَبَطل ذَلِك الْعَمَل وَلم يستفد القَاضِي غير عجايب رَوَاهَا وفزعات اشْتَمَل عَلَيْهِ مُؤَلفه واحتواها وفيهَا أَو الَّتِي تَلِيهَا أَمر مُتَوَلِّي عدن بِالْأَخْذِ على جمَاعَة من يافع وتجريعهم من الْمَوْت مَا هُوَ أَمر من السم الناقع بِضَرْب أَعْنَاقهم وإخراجهم عَن قيد الْحَيَاة بإطلاقهم لخلل وَقع فِي الطَّرِيق وَمنع للمارة وتعويق
وفيهَا مَاتَ بالظفير السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن عَليّ بن صَلَاح العبالي وَكَانَ مبرزا فِي الْأَصْلَيْنِ والنحو والمنطق ترَتّب على الشَّيْخ الْعَلامَة لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وَهُوَ صهر الإِمَام الْقَاسِم وَكَانَ مِمَّن تَأَخّر عَن بيعَة السَّيِّد صفي الدّين
стр. 75
أَحْمد بن الْقَاسِم وحث على مُفَاوَضَة أَخِيه إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم فَلم يساعد إِلَى مَا اخْتَار وقبضت بيعَته على وَجه الْإِجْبَار وفيهَا أرسل الإِمَام ولد أَخِيه الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه إِلَى جِهَات صعدة وَكَانَت قد نجم بهَا الْخلَل وَنزع فِيهَا الخطل فَلَمَّا اسْتَقر أصلح ذَلِك الْفساد وَحمد عَاقِبَة الْمعَاد
وفيهَا ارتحل عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام عَن الْيمن الْأَسْفَل وذمار إِلَى محروس صنعاء فوصلها فِي ملك جسيم وَقدر عَظِيم وابهة مَشْهُودَة وجيوش محشودة وَلما اسْتَقر فِي برج طالعه الْأَغَر سكن فِي دَار مَسْجِد الْأَزْهَر وانتقل فِي سَائِر الأبراج تنقل الْبَدْر وَمد يَده إِلَى الْحل وَالْعقد وَالنَّهْي وَالْأَمر وابتهجت بمقدمه السعيد بَلْدَة سَام وانتظمت اسْمه الشريف خطب الْجُمُعَة مَعَ أسم الإِمَام وفيهَا أَمر الإِمَام بِإِبَاحَة المراعي فِي الْأَمْلَاك وَأَن يزْجر عَن تحجرها الْملاك
وَدخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وفيهَا حصل فِي الْبَحْر زِيَادَة وازدلاف وَظهر أَثَره بِصَنْعَاء وَمَا حوليها كالروضة والجراف وَظهر غيل الجراف بأيسر حفر وَجرى من أعلا السد بشعوب واستدام وانتفع بِهِ أهل الجراف النَّفْع التَّام واستراح النَّاس عَن المساني باستطلاع الْعُيُون الغوارات ومعاناة الدوالي والخطارات والساعي فِي اسْتِخْرَاج هَذَا النَّهر واستنباطه من
следующие страницы →