Полный текст (319 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله الَّذِي وعد الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليستخلفهم فِي بِلَاده وَجعلهَا دولا بَين خليقته وَالْأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَأشْهد أَن الله الْوَارِث لكل حَيَوَان وجماد القاهر فَلَا معاند لجبروته وَلَا عناده وأصلي على هَذَا النُّور المتنقل فِي الأصلاب الطاهرة والمخترع من أَجله الْكَوْن فإليه رئاسة الدُّنْيَا وَبِيَدِهِ زِمَام أَمر الْآخِرَة وعَلى آله جمال الْكتب وَالسير مَرْكَز دَائِرَة الْعِزّ الأطهر
وَبعد فَيَقُول المفتقر إِلَى مَوْلَاهُ الْعَزِيز الْقَدِير عبد الله بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الاله بن الْوَزير جملَة الله بملبوس الْعَافِيَة وَالتَّقوى وَنزع عَن خاطره مخائل الأهوا هَذَا كشكول لطيف ومحمول على الْأَرْوَاح خَفِيف حاولت فِيهِ الْكَشْف عَن الْحَوَادِث الَّتِي مبتداها سنة سِتّ وَأَرْبَعين بعد الْألف لِأَنِّي رَأَيْت مَا سبقها من السنين قد انتظمها التسيير بِلِسَان المؤرخين وَأخذت الْعَفو فِي التَّرْتِيب والرفو فَلم أحفل بالشهر وتسيير أَيَّامه ولف الدَّهْر وتفتيش أعوامه لعلمي وكل من برع فِي التسيير إِن هَذَا يصدر لأمر عسير وَتعرض لما لَيْسَ من الصدْق
стр. 2
فِي قبيل وَلَا دبير وَقد عزي إِلَى بعض مؤرخي الْيمن أَنه وضع برسم بعض البواش مؤلفا جعله على تَرْتِيب أَيَّام الشُّهُور وأعوام العصور مكيفا وَلما فتشت مسوداته وتتبعت ورقاته وجد مِنْهُ نسختان احداهما المقتصر عَلَيْهَا والمرجوع فِي التسيير إِلَيْهَا وَحين قوبل بَين محصوليهما وجد الِاضْطِرَاب بَين منقوليهما فترى فِي إِحْدَاهمَا النُّكْتَة الْفُلَانِيَّة فِي الشَّهْر الْفُلَانِيّ وتراها فِي الْأُخْرَى قد رتبت للشهر الثَّالِث أَو الثَّانِي وَمن هَذَا الإضطراب الَّذِي يقْضِي بِأَن الْقَصْد الْخدمَة بذلك الْكتاب فترى الْكتاب لَا بسا لتِلْك الأساليب وَالله يعلم مَا تَحت الجلابيب
وَقد اطَّلَعت على تَارِيخ لبَعض أَبنَاء مُلُوك الْيمن اوعب فِيهِ مَا وصل إِلَى علمه الشريف وفكره اللَّطِيف فاعتمدت فِي الْقَصَص عَلَيْهِ وَأحلت جلّ مَا نقلته إِلَيْهِ وَمَا زِدْته مني فَإِن عزوته فقد خرجت عَن عهدته وان أطلقته فَهُوَ إنْشَاء الله بَرِيء عَن الْكَذِب ووصمته وَلم أتكلف لَا كَثْرَة سجعا مطبوعا وَلَا أحللته من مسَاكِن التنطع ربوعا لِأَنِّي قصدت من مَوْضُوعه الْعلَّة المنسوبة إِلَى الْغَايَة وَأَن يشْتَرك فِي الْميل إِلَى توقيعه أهل الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة وَقد رَأَيْت كثيرا من المؤلفات مَهْجُورًا مَنْبُوذًا إِلَى حيّز الإهمال مَدْحُورًا بِسَبَب مَا تحمله من النكات والمعارف وتجمل بِهِ من قطائف اللطائف
(توقى البدور النَّقْص وَهِي أَهله ... ويدركها النُّقْصَان وَهِي كوامل (فَأَقُول دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف كَانَ فِيهَا ملحمة الغرب الَّتِي
стр. 3
جرى لمصابها من كل عين غرب وَذَلِكَ أَن الْمُلُوك الحسنية بِتِلْكَ الديار تجاذبوا أهداب النزاع والشجار وكادت بحبوحة مملكتهم أَن تنهار وَجُمْهُور مملكتهم فاس فَأَما تونس وجزيرة الأندلس فَهِيَ إِلَى صَاحب الْأَبْوَاب ابْن عُثْمَان وَيُقَال أَن أنتماهم إِلَيْهِ وخلاصة مَا شجر بَينهم أَنه لما فَارق الْحَيَاة أَمِيرهمْ الشريف أَبُو عبد الله القايم بِأَمْر الله الْحُسَيْن طلع تخت مَمْلَكَته أَخُوهُ الْأَكْبَر وَملك الْقَضِيب والمنبر وَضربت برسمه السِّكَّة وَعقد عَلَيْهِ اللوآ الْأَزْهَر ثمَّ أَنه بعد ذَلِك جنح إِلَى اقتعاد مملكة الْعُلُوم واستخدام عَسَاكِر منطوقها وَالْمَفْهُوم وَلم يلبث أَن خلع خلعته هَادِم اللَّذَّات وطمع وَلَده فِي أَن تكون مَمْلَكَته من سَائِر الموروثات فرام وضع السَّيْف فِيمَن بقى من أَعْمَامه وقرطس من كنانه غدره نصال سهامه طَمَعا فِي تفرده بِتِلْكَ الْجِهَات ولهجا فِي أَن تصفو لَهُ بتفرده الكدورات
وَلما علم بذلك عَمه الشريف أَحْمد أقبل على حربه بخاطر مؤلم وقلب مكمد فَرَجَفَ عَلَيْهِ جرار ورماه من رجال الرّوم بمارج من نَار فمرج عَلَيْهِ بحرين مؤجر عَلَيْهِ خمسين وانكشفت الوقيعة عَن أقحامه الْبَحْر الزخار وَهَكَذَا يكون دفع الْعَار بالعار فتقرر ملكه على قَاعِدَة الغرب واستراح
стр. 4
واستلم خلعه السلطنة بشفار الصفاح وأطراف الرماح وَهَكَذَا عَاقِبَة من جنح الى الْملك العضوض غير ملاحظ قَاعِدَة مسنون وَلَا مَفْرُوض وَقد ألم بِبَعْض الْقِصَّة الشهَاب الأفندي فِي رَيْحَانَة الألبا وَهِي من محَاسِن مَا صنف فِي العصور الْمُتَأَخِّرَة وَمن البلغاء من يرجح نَفسه على نفس قلائد العقيان وَأما شعراؤها ففيهم الْمجِيد والمتوسط وَفِيهِمْ من لَا يدون لَهُ شعره إِلَّا متسامح وَهَذَا الْكتاب الْيَوْم قد انتشرت نُسْخَة فِي هَذَا الْقطر ومؤلفه عَلامَة نَفسه يقْضِي بِأَنَّهُ من أَرْبَاب الِاجْتِهَاد وَمَا صان لِسَانه فِي رسائل أطلقها على أَعْرَاض جمَاعَة من أكَابِر الرّوم وَقد كَانَ يُسمى بالولي فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَمن مؤلفاته شرح شِفَاء القَاضِي عِيَاض وَغَيره وَمِمَّا قلته فِيهِ وفيهَا
(إِذا تنبأ أَحْمد بَيْنكُم ... يَا أهل مصر غير منكور)
(فقد تحداكم بريحانة ... أوراقها جآت بمنثور) وفيهَا خرج الحداء عَن مَذْهَب الشَّافِعِيَّة إِلَى مَذْهَب الزيدية ولتقارب الديار أثر فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَيُقَال أَن أصل هَذَا الْبَطن من الحدادين بِمصْر
стр. 5
الْقَدِيم وَأَن نسبتهم إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة وَالله أعلم بحقائق الْأُمُور
وفيهَا كتب الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم إِلَى صنوه امام الإجتهاد الْحُسَيْن رِسَالَة تكْتب من الْعُيُون بِالسَّوَادِ وتفدي من المهج بسويدا الأكباد تلِيق بِكُل أَمِير ومؤمر ان لَا يفارقها فِي سفر وَلَا حضر يربطها فِي زنده ويدرسها مَعَ ورده يحث فِيهَا على التَّوَاضُع وَترك المباهي من التطاول وَمَا يَلِيهِ من الديانَات الظَّاهِرَة والباطنة وَإِعْطَاء ذَوي الْحُقُوق الْحُقُوق وَالنَّهْي عَن
стр. 6
القطيعة والعقوق وتوظيف مَرَاتِب أهل الْحُقُوق على طبقاتهم بمراعاة الْعَالم بتوفير حَقه وتوقيره وَالْجَاهِل بمواساة فقيره الْمُطِيع وزجر عاصيه وتحذيره وافتقاد الْأُمَرَاء والأجناد وعرضهم فِي أغلب الْأَحْوَال على دفاتر الْإِمْدَاد وكف الْجند سِيمَا حَاشِيَة الْملك فِي كل وَقت عَن التخطي إِلَى طرق الْمَظَالِم وَوضع أَنْوَاع بَيت المَال خلف أَبْوَاب وأقفال فعمارة المنصب بِالْمَالِ وعَلى قدره يكون قدر الحياطة من الإضمحلال وَفِي هَذِه الرسَالَة مَا هُوَ أَكثر من هَذَا المرقوم فليطلب من مَحَله
وفيهَا أوفى الَّتِى قبلهَا كَانَ وَفَاة السَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن أَحْمد السراجي الْمَعْرُوف بالحاضري وَكَانَ فِي لطف المحاضرة وَحسن الْجَواب ورشاقة الأسلوب أشبه شَيْء بالسيد الإِمَام صَلَاح بن أَحْمد بن عبد الله بن الْوَزير وَقد كَانَت لَهُ الْمنزلَة الرفيعة عِنْد الباشا الْعَارِف جَعْفَر والحاجى مُحَمَّد فضل الله باشا فَإِنَّهُ تمكن من قلب الرجلَيْن مَا شَاءَ وَلما كتب إِلَيْهِ جَعْفَر يسْأَله بقوله
(مَاذَا يَقُول إِمَام الْعَصْر فِي رجل ... أضحى قَتِيل الْهوى بالأعين النجل)
(هَل يستباح لَهُ أَحيَاء مهجته ... برشف محبوبه وَالضَّم والقبل)
(أم هَل يجوز لَهُ يَوْمًا يعانقه ... ويشفي النَّفس من قَول بِلَا عمل (
وَفِي قَوْله ويشفي النَّفس من قَول بِلَا عمل مقَال وَقد وَقع لَهُ نَظِير فِي شعر القدماء وشعراء المولدين كَأبي الطّيب وَغَيره ووجهة تَقْدِير أَن أَجَابَهُ بقوله
стр. 7
(إِن صَحَّ دَعْوَاهُ فِي إِتْلَاف مهجته ... وَأَن رشف اللمى يشفي من الْعِلَل)
(فليرشفن رضاب الثغر ملتمسا ... من ريق محبوبه أحلى من الْعَسَل)
(فالرشف فِي شرعة الْإِسْلَام أَهْون من ... قتل امرء مُؤمن بِاللَّه وَالرسل)
وَظَاهر هَذَا مُوَافق لمَذْهَب الظَّاهِرِيَّة ان التَّقْبِيل وَالنَّظَر لشَهْوَة وَسَائِر الْمُقدمَات جَائِزَة وَقد تعدى الْحَال بِسَبَب هَذَا الْمقَال فِي أَيَّام حيدر الْمَغْرُور إِلَى مَا هُوَ فِي سيرته وسيرة حَاشِيَته مَشْهُور ذكر بعض العارفين أَنه كَانَ إِذا قصد المنتزهات إنهمك فِي أَنْوَاع الْمَفَاسِد وَاللَّذَّات وَبيع الْخمر فِي سوقه واستوى زرع الْمُنكر على سوقه وَقد قطع هَذَا الْعرق الظَّالِم بدولة الفواطم بعد حصد تِلْكَ الرّقاب العواصي بالقواصم فَالْحَمْد لله
وفيهَا قتل شرِيف مُعْتَقد من بني العيدروس بحدود خثعم قَاصِدا لبيت الله الْمُعظم فَضرب الله أهل تِلْكَ الْبَلدة الَّتِي قتل فِيهَا بالجذام عقيب ذَلِك الْمُنكر وَظهر عِنْد الْخَاص وَالْعَام وفيهَا كَانَ وَفَاة السَّيِّد الأديب مُحَمَّد بن
стр. 8
مقاطع جي وَله شعر متوسط مدح بِهِ الشريف المسعود صَاحب مَكَّة وَملك الْيمن الْحسن ابْن الْقَاسِم والأمير حُسَيْن بن عبد الرب وَله مكاتبات مَعَ إِمَام الْفلك عِيسَى ابْن لطف الله ومعارضات لشعر السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن المتَوَكل على الله يحيى شرف الدّين
وفيهَا وَفَاة وَاحِد عصره فِي التنجيم والخط القويم عبد الله بن صَلَاح عنقوب وَله مَجْمُوع كتاب الزيج وتكميل فِي الشُّهُور الْعَرَبيَّة واليزدجردية لكتاب الشَّيْخ باغوث الْحَضْرَمِيّ بلغ فِيهِ إِلَى سنة ألف وَمِائَة وثماني وَسِتِّينَ
стр. 9
وفيهَا مَاتَ الْفَقِيه الفلكي عبد القيوم الرغيلي وَكَانَ من الإتقان بِمحل أول وَهُوَ الَّذِي وضع الْمدْخل الْمُخْتَصر لزيج بن الشاطر الْمُسَمّى بالدر النظيم وَقد وقفت على هَذَا المُصَنّف فرأيته جداول ساذجة خلاف مَا عَلَيْهِ كتب هَذَا الْفَنّ من تخَلّل رِسَالَة المداخل وَنَحْوهَا وَهُوَ لطول مصر
وَدخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف
فِيهَا ارتحل الْملكَانِ الْحسن وَالْحُسَيْن من ضوران متوجهين إِلَى صنعاء الْيمن فِي أبهة حيدرية ومملكة رُومِية وخيول كالسعالي وجنود يدكدك لَهَا
стр. 10
الشم العوالي وتلقاهم من بِصَنْعَاء من طَائِفَة الْعَسْكَر فَدَخَلُوهَا فِي وَقت مَسْعُود الطالع أغر وَكَانَ يَوْمًا مشهودا انبهر لَهُ عَسْكَر الأروام الَّذين رَغِبُوا إِلَى خدمَة آل الإِمَام وَرَأى النَّاس مَا هالهم من الشارة الملوكية والسناجق السلجوقية والنوبة الَّتِي رجفت لأصواتها قُلُوب المرجفين واستحكمت بهَا قُوَّة أَفْئِدَة الَّذين كَانُوا مستضعفين وَلما قر قَرَار الْملكَيْنِ انْفَصل الْحسن إِلَى رَوْضَة حَاتِم البهية بِمن مَعَه من القواد والأتابكية وَرجع أَخُوهُ إِلَى ضوران وَأَحْيَا معالمها بِعُلُومِهِ وأعلامه حِصَّة من الزَّمَان
وفيهَا وصل الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم إِلَى صنوه الْحسن إِلَى صنعاء وَكَانَ قد ناله مشقة التَّكْلِيف بشهارة هُوَ وَمن مَعَه بِسَبَب تحري الإِمَام الزَّاهِد الإِمَام الْمُؤَيد فِي حَاله مثله فَصنعَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْحسن من أَصْنَاف الْمَعْرُوف مَا هُوَ بِهِ مَذْكُور لَهُ مألوف وَحضر قِرَاءَة الْفُصُول اللؤلؤية مَعَ أَخِيه الْحُسَيْن على إِمَام
стр. 11
الْعَصْر الْأَخير مُحَمَّد بن عز الدّين الْمُفْتِي وأتفقت الْمُرَاجَعَة الطَّوِيلَة بَينه وَبَين شَيْخه فِي مسئلة الرَّجَاء عِنْد إملاء مَا نَقله صَاحب الْفُصُول عَن الْفَقِيه قَاسم الْمحلي من قَاعِدَة بنآ الْعَام على الْخَاص وَقد وقفت على أجوابه عَن السُّؤَال ورايتها لَا تحل ذَلِك الْإِشْكَال وأشفها أَن التوعد على كل كَبِيرَة بِعَينهَا لَا يجلب إِلَيْهِ تطرق الإحتمال وَهُوَ بعد ذَلِك مطروق بمناقشة صعبة الإضمحلال وَهِي أَن التوعد كَذَلِك لَا يخرج الْمعْصِيَة الْمعينَة من عُمُوم الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال وَرَأَيْت الْجد صارم الْإِسْلَام قد ترك الْإِشْكَال مَفْتُوحًا ولأمر مَا خلاه عَن طرق النّظر مطروحا وَهُوَ الَّذِي عض فِي الْعُلُوم بناجذ وتلمح من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول خفيات المأخذ
وَلما اسْتَقر حَال الْمُؤَيد بِاللَّه بضبطه مملكة الْيمن وقوى جَانِبه لمهابة جَانب أَخَوَيْهِ الْحُسَيْن وَالْحسن انْقَطع بإرسال البواش طمع السُّلْطَان مُرَاد وَعلم أَنه لَا يَنْتَظِم لَهُ مرام وَلَا يتم لَهُ مُرَاد مَعَ مَا كَانَ قد أتْلفه قواده فِي الْأَيَّام السَّابِقَة من الخزاين المشحونة والذخائر المصونة وَالْخَيْل المسومة والأبطال المعلمة
стр. 12
وانضاف إِلَى ذَلِك اشْتِغَاله باستدراك الْعرَاق من يَدي سُلْطَان الْعَجم الشاه عَبَّاس بعد مُتَابعَة المراس وَإِتْلَاف النفائس والأنفاس وَلما اقتعد أَخُوهُ السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ملكه الْعَقِيم جنح إِلَى سد هَذَا الْبَاب وأطفأ سعير السيوف والحراب واشتغل بِبَقِيَّة عمل الْعرَاق حَتَّى طرد عَنهُ الشاه وَاسْتقر دُخُوله فِي قَاعِدَة مملكة الأروام وَقد صَحَّ عَن الباشا قانصوه مَا يفهم إضراب صَاحب اصطنبول عَن الْيمن فَإِنَّهُ لما فر الى مليك الْيمن الْحسن فِي أَيَّام منازلة المخا وزبيد وَرَأى من الْحسن الْإِحْسَان الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مزِيد صرح لَهُ بذلك حَتَّى قَالَ مَا مَعْنَاهُ أَنا الَّذِي اخْتَرْت الْخُرُوج الى الْيمن وَكَانَ الي نِيَابَة مصر قصر وَحين رَأَيْت كَثْرَة أَمْوَالِي طمعت فِي الْيمن فتحملت مونة العساكر الرومية من مَالِي وَأما السُّلْطَان فَمَا كَانَ لَهُ نهج الى التَّخْرِيج وَفِي هَذِه أَو الَّتِي تَلِيهَا كتب الْمُؤَيد بِاللَّه إِلَى أَخَوَيْهِ رِسَالَة جَامِعَة وَكَلمه وازعة وَأمر فِيهَا بِأخذ الزَّكَاة من
стр. 13
الْقَلِيل وَالْكثير أخذا بِظَاهِر عُمُوم الحَدِيث الشهير وَذكر فِيهَا أَن على النَّاس تضمينات وَأَنه لَو علم التَّخَلُّص عَنْهَا لما فعل مَا فعل
وَفِي هَذِه السّنة ظَهرت آيَة من الْآيَات الموقظة وَهِي نَار على بِلَاد حجَّة بمَكَان مُرْتَفع واستمرت أَيَّامًا فسبحان من عظمت قدرته وبهرت صَنعته وفيهَا رأى بعض السَّادة طفلة لَهَا ثديان ولحية مسترسلة فسبحان الْقَادِر على مَا يَشَاء
وَفِي شعْبَان هَذَا الْعَام اقْترن المُشْتَرِي والمريخ ولتطلب منزلَة الإقتران من مُصَنف ابْن عنقوب فقد قررها وحررها وَفِي هَذَا الْعَام لَا أَدْرِي فِي أَي شهر مِنْهُ عَاد الْحسن ابْن الإِمَام إِلَى مُسْتَقر ملكه ضوران وَأطَال فِيهِ البنان والبنيان فَإِنَّهُ كَانَ أكْرم من الْغَيْث الهامع وَلَا أَقُول كالرسم الَّذِي لَيْسَ بِجَامِع وَلَا مَانع وَمَعَ استقراره أمنت قبائل تِلْكَ الْجِهَات وَكَانَت الحداء قد أخلتها عَن تِلْكَ الساحات واستولت على أَكثر أَمْوَالهم نهبا وغصبا واستقوى كَذَا جَانب هَذِه الْقَبِيلَة وَصَارَت لِلْحسنِ حزبا
وَفِي ضوران الْجَبَل الْمُسَمّى الدامغ وَهُوَ من المعاقل الجسيمة والأعلام المنيعة الْعَظِيمَة حميري الأساس مليح الأنفاس وَقد ذكره الْملك الرائش ذُو مراثد فِي شعره وَهُوَ الَّذِي أسس بناه وشيده وانتماه وَهُوَ من الْأَعْلَام المشمخرة والمنصات الَّتِي تمسح مِنْهَا للشمس الْغرَّة يسترسل بَين أكتافه ذوائب
стр. 14
الغيوم وَتحمل الْمَرْأَة مكتلها لما يتساقط إِلَيْهِ من ذَرَارِي النُّجُوم قد امتزج طينه من عنبر النسيم بِطيب وَأخذ نسيمه من الشَّفَاعَة إِلَى المزن بِنَصِيب حَتَّى أطار الْقُلُوب إِلَى بَيْتِي حبيب فِي ذكرى منزل حبيب
(ربى شفعت ريح الصِّبَا بنسيمها ... إِلَى المزن حَتَّى جادها وَهُوَ هامع)
(كَأَن السَّحَاب الغر غيبن تحتهَا ... حبيبا فَمَا ترقى لَهُنَّ مدامع)
وَهُوَ وَاسع الْمزَارِع كثير المنابع لَهُ عُيُون تسرح إِلَى تِلْكَ الغصون وتزداد بنزول مَاء المعاصرات الجون وَلما صعد إِلَيْهِ السَّيِّد الأديب المؤرخ عِيسَى بن لطف الله صُحْبَة الْحسن بن الإِمَام وَرَأى رحابة أَعْلَاهُ وَمَا فِيهِ من الْأَرَاضِي المثمرة والعيون المتفجرة قَالَ هَذَا أَرض فِي سَمَاء
وَهُوَ حَاكم على تِلْكَ الْبِقَاع متسنم على صياصيها والتلاع وازداد بهجة وحسنا بِأَن كَانَ فِيهِ ضريح الْإِمَامَيْنِ السعيدين الإِمَام الْجواد المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل وَالْإِمَام القطب الزَّاهِر الْمُنْقَطع النظير فِي الْأَوَائِل والأواخر الْمُؤَيد بِاللَّه قدس الله روحيهما
وَفِي هَذَا الْعَام أَو الَّذِي قبله توفّي الشَّيْخ الْعَارِف الأصولي على رأى الْمُعْتَزلَة عَليّ بن الْحَاج وَهُوَ من مشائخ القَاضِي عبد الْهَادِي الثلائي وَقد كَانَ من عجائبه حَسْبَمَا حُكيَ عَنهُ أَنه لَا يَقُول بإمامة الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَفِي هَذَا
стр. 15
الْعَام اجْتمع الْحسن وَالْحُسَيْن بضوران مَعَ أَن الْحُسَيْن كَانَ يتَرَدَّد الى وَادي النائجة وَإِلَى صَافِيَة ذِي بهلان وَلم يكن خاطره يَوْمئِذٍ بِمحل من الإطمئنان لعوارض بَينه وَبَين إِمَام الْوَقْت الْمُؤَيد بِاللَّه
وفيهَا وَفد على الْحسن بن الإِمَام ولد أَخِيه الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه يشكو تقلص مواده وَقلة إعداده وإمداده فَأمر المدفتر بإدخاله فِي زمرة الأكابر وأجرى عَلَيْهِ من سني الأرزاق مَا يفوت حصر الحاصر ولازم حَضْرَة بَابه وَأخذ فِي الْخدمَة بركابه وَلم يُفَارِقهُ إِلَى أَن فَارق الْحسن الْحَيَاة ثمَّ عَاد إِلَى حَضْرَة وَالِده وَعَلِيهِ أحسن الشارات
وَدخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف فِيهَا وصل إِلَى الْحسن بن الإِمَام السَّيِّد الطَّاهِر المغربي الْمَكِّيّ وأهدي إِلَيْهِ مُخْتَصره من كتاب الجفر فقابله الْحسن بِالْفِعْلِ الْحسن وخلع عَلَيْهِ الْخلْع الفاخرة وأجرى عَلَيْهِ الأرزاق المتكاثرة وجهز برفد كثير ونوال غزير
وَفِي شوالها توفّي الْحسن بن الإِمَام بالحصين من ضوران وَحضر وَفَاته صنوه الْحُسَيْن ﵀ وَكَانَ عمره أحدى وَخمسين سنة عِنْده وَكَانَ يَوْمئِذٍ وَلَده أَحْمد بن الْحسن بِأول الْبلُوغ وَكَانَ وَلَده مُحَمَّد بن الْحسن هُوَ الْكَبِير بعد
стр. 16
أَن قضى زِيَارَة وَالِده قد عَاد إِلَى قطعته وبلد ولَايَته مَدِينَة صعدة وَمَا إِلَيْهَا فوصل إِلَى حَضْرَة عَمه الْمُؤَيد بِاللَّه شهارة ثمَّ سَار إِلَى حبور وبلغه وَفَاة أَبِيه فَعَاد من حبور مبادرا إِلَى حَضْرَة عَمه الْحُسَيْن بضوران وَكَانَ يظنّ أَن الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه سَيجْعَلُ إِلَيْهِمَا أَمر بِلَاد أَبِيهِمَا لما فِي وُجُوههمَا وانصباب أَصْحَاب والدهما إِلَيْهِمَا فَاقْتضى نظره أَن الْبِلَاد الَّتِي كَانَت مَعَ شرف الْإِسْلَام بأجمعها تصير إِلَى صنوه الْحُسَيْن وَإِلَيْهِ تَدْبِير إمداد حاشيتهما وَأمر وَلَدي أَخِيه بالتوقف على رَأْي عَمهمَا الْحُسَيْن
وَكَانَ الْحسن بن الإِمَام مَعَ شجاعته وَنِهَايَة كرمه وصفاء بَاطِنه وسلامة جَمِيع أَحْوَاله متمسكا بِحِصَّة نافعة من الْعلم وَله حَظّ فِي البلاغة جيد وَله بأيدي النَّاس قصائد مَشْهُورَة وَمِنْهَا القصيدة الَّتِي يحث وَالِده فِيهَا على الصُّلْح الَّتِي طالعها
(مولَايَ ان الصُّلْح أعذب موردا ... فاسلك لَهُ جددا سويا أجردا)
وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ الْحُسَيْن شريفي الطَّرفَيْنِ فَإِن جدهما من قبل الْأُم السَّيِّد الناسك عَليّ بن إِبْرَاهِيم العابد رَأَيْت لبَعض الْفُضَلَاء كلَاما فِيهِ يَقُول فِيهِ مَا لَفظه كَانَ قوته فِي كيسه بالميزان عونة وَاحِدَة فِي الْيَوْم فرغ نَفسه لعبادة الله فِي الْمَسَاجِد الخالية ورفض الدُّنْيَا وَبعد عَن أَهلهَا حَتَّى عَن أَهله وَأَوْلَاده فَكَانَ يوتى فِي بعض الْأَحْوَال بقوته من كوَّة الْمَسْجِد إِلَى أَن قَالَ وَقد قَامَ بالحسبة لما قَالَ لَهُ أهل الشّرف الْأَسْفَل أَن الشاوش مرجان وغوث الدّين دخلُوا على
стр. 17
الشرايف فِي بِلَاد نوسان وَغَيره وَجعلُوا وَجعلُوا وفعلوا وفعلوا فَقَامَ بالحسبة هُوَ وَالسَّيِّد عَليّ إِبْرَاهِيم صَاحب الجاهلي وَقَامَ مَعَهم قبائل الشّرف الْأَسْفَل وقاتلوا مرجان شاوش وعسكر غوث الدّين فِي مَوضِع يُسمى الفايش فَوق جبل بني جلّ وَتَحْت المحابشة فَانْهَزَمَ الْقَبَائِل وَلم يصدقُوا وَقتل مِنْهُم جمَاعَة وَلَا همة لَهُم فِي نصْرَة الدّين إِنَّمَا همتهم إِزَالَة مطَالب الدولة وظلمهم لمن استضعفوا مِنْهُم أَكثر من ظلم الدولة فَلَمَّا عرف ذَلِك مِنْهُم رفضهم بِالْكُلِّيَّةِ واعتزلهم اعتزالا كليا وَلم ينله من الدولة الَّذِي حاربهم مَكْرُوه خوفًا لجانبه وَكَانَ كَمَا قيل
(يدع الْعَظِيم فَلَا يُرَاجع هَيْبَة ... والحاضرون نواكس الأذقان)
(أدب الْوَقار وَعز سُلْطَان التقا ... فَهُوَ المطاع وَلَيْسَ ذَا سُلْطَان)
فَبَقيَ يتَرَدَّد فِي الْمَسَاجِد لِلْعِبَادَةِ حَتَّى مَاتَ ﵀ وَهُوَ يَتْلُو سُورَة يس انْتهى
وفيهَا مَاتَ السَّيِّد الْعَارِف البليغ الفلكي روح الله عِيسَى بن لطف الله بن المطهر بن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحيى شرف الدّين بن شمس الدّين بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي لدين الله بِصَنْعَاء الْيمن عقيب دُخُوله إِلَيْهَا رَاجعا من جِهَة الْيمن وَكَانَ على مَا قيل توخى دُخُول تِلْكَ السَّاعَة اسْتِعْمَالا لحصة من البضاعة فسبحان من وسع كل شَيْء رَحْمَة وعلما وَكَانَ فِي سَفَره هَذَا مُنْفَصِلا من حَضْرَة الْملك الْعَظِيم مُحَمَّد بن الْحسن من ذمار وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور الْمُسَمّى بِروح الرّوح
стр. 18
وَهِي تَسْمِيَة فِي أعلا طَبَقَات الْمُنَاسبَة والرامن روح الْمُضَاف مَفْتُوحَة وَمن الْمُضَاف إِلَيْهِ مَضْمُومَة وَهُوَ من رَأس الْمِائَة التَّاسِعَة إِلَى زَمَانه ذكر فِيهِ دولة بني طَاهِر وجده الإِمَام شرف الدّين وَمَا تعقب دولته وَكَيْفِيَّة زَوَال تِلْكَ الدول وَفصل مَا شجر بَين جده المطهر وَبَين أُمَرَاء الأروام من تِلْكَ الْمَلَاحِم الَّتِي طحنت الرؤوس وأفنت النُّفُوس وأنست حَرْب داحس والبسوس وقضت أَن المطهر بن الإِمَام فرع من تِلْكَ الشَّجَرَة العلوية وافتخار عِنْد مقارعة الحروب ومنازلة الخطوب للحوزة اليمنية وَله كتاب النفحة اليمنية فِي دولة المحمدية جعله خدمَة لحضرة مُحَمَّد باشا لمزيد اخْتِصَاصه بِهِ وإحسانه إِلَيْهِ وَله قصائد مدونة فِي مُحَمَّد باشا وَغَيره وَله ديوَان حميني مُخْتَصر وَهُوَ الَّذِي جمع الشّعْر الحميني والموشح للسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن
стр. 19
الإِمَام شرف الدّين وَذكر الْأَسْبَاب وليته لم يذكرهَا وَذكر فِي ديباجة الدِّيوَان أَن أول من تكلم فِي الحميني أَحْمد فليته ثمَّ الْفَقِيه فَخر الدّين عبد الله المزاح ثمَّ الْفَقِيه إِمَام الطَّرِيقَة عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي وَكَانَ هَذَا السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله بن الإِمَام من محَاسِن السادات علما وَعَملا مَعَ ورع شَدِيد ويكفيه حَدِيث الْجَارِيَة فَإِنَّهُ اشْترى جَارِيَة وعلق بهَا إِلَى النِّهَايَة فَذكرت لَهُ مرّة أَنه اشْتَرَاهَا مُشْتَر وَولدت لَهُ ولدا ثمَّ غَابَ عَنْهَا فَخرجت من بَلَدهَا فانتهبت وبيعت إِلَيْهِ فتكدر باله وتشوش حَاله وَمنع نَفسه مِنْهَا مصادقة لَهَا بِمُجَرَّد قَوْلهَا
стр. 20
وتحرجا عَن الْوُقُوع فِي الْمَحْظُور وَكَانَ الْفَقِيه الشكايذي قد أفتاه بِأَن الْيَد لَهُ وَالْملك ملكه فِي الظَّاهِر فَرجع إِلَى تَرْجِيح التعمق فِي الدّيانَة الباطنية فَأمرهَا بالإحتجاب وسد عَنْهَا الْأَسْبَاب مَعَ طرف مسفوح وقلب مقروح وزفرات تَغْدُو وَتَروح وَهِي أَيْضا قد كَانَ وَقع مِنْهَا الْموقع الْعَظِيم من الولوع فاشتركا فِي تصعيد الزفرات وإرسال الدُّمُوع ثمَّ ظهر بعد فَتْرَة أَنَّهَا فرت إِلَى بلادها وَأَنَّهَا ارْتَدَّت فانتهبت بعد الرِّدَّة وَلَكِن هَذَا لم ينجح فِي إِزَالَة الشُّبْهَة عَن خاطر سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بل اسْتمرّ على الْفِرَاق وَبت حَبل التلاق وَهَذَا قسم من الْوَرع قد ألم بِهِ الْغَزالِيّ فِي إحيائه والديلمي فِي تصفيته وَغَيرهمَا رزقنا الله تَعَالَى حسن الاستعداد فلسنا من أهل هَذَا الْمقَام
وَوَقع بَينه وَبَين الإِمَام الْأَعْظَم الْقَاسِم بن مُحَمَّد مشاعرات تتَعَلَّق بِمذهب التصوف وَغير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي جمادي الأولى سنة عشر وَألف بِالذنُوبِ من حجَّة ﵀ وَذكره وَذكر وَفَاته هُنَا عَارض وَإِلَّا فَهُوَ من وضائف مَا سلف
وفيهَا مَاتَ القَاضِي الْعَلامَة عبد الْهَادِي بن أَحْمد الثلائي الحسوسة الْحَاكِم بِمَدِينَة صنعاء وَكَانَ مبرزا فِي أصُول دين الْمُعْتَزلَة البهشمية أَخذ عَنهُ القَاضِي الْعَلامَة صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي ﵀ وَالْقَاضِي أَحْمد بن صَالح
стр. 21
الْعَنسِي وَغَيرهمَا وَخَلفه فِي الْقَضَاء بِولَايَة الْمُؤَيد بِاللَّه القَاضِي إِبْرَاهِيم بن يحيى مقدم الذّكر ووجهت إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك المخاطبة
وفيهَا أَو الَّتِي قبلهَا مَاتَ القَاضِي الْعَارِف البليغ عبد الله بن حسن البشاري العذري وَله قصائد كَثِيرَة مدح بهَا شرف الْإِسْلَام الْحسن بن الإِمَام وَغَيره وَله ديوَان مَجْمُوع
وَدخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف فِيهَا كَانَ زحل بالحوت وَاسْتقر بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم بذمار بِأَكْثَرَ أَعْيَان وَالِده وَلما تلمح فِي الْقَضِيَّة وَعلم أَن الإِمَام قد أدرج يَده عَن الْبِلَاد بِالْكُلِّيَّةِ وَكَانَ فِي بَاب تَدْبِير الْملك خريتا ماهرا لَا يدْرك لَهُ غور وَلَا يُوقف لَهُ على طور انبعثت همته إِلَى فتح الدَّوَاوِين وَمد الانطاع وأشخص نَفسه للإنصاف بَين المتظالمين وَقرب من قربه وَالِده من السادات والأعوان ورؤساء العبيد وَسَائِر المعاونين وَكَانَ وَالِده قد ضم من أَعْيَان الدولة جملَة يفتح بهَا الْأَمَاكِن القاصية ويقتنص بهَا الرّقاب العاصية وَلما فتح نَفسه للوافدين وَطعم النَّاس حلاوة عدله مَعَ مَا رزق من كيمياء السَّعَادَة وانجذاب خواطر الْعَالم إِلَيْهِ بِمَا يخرج عَن طَرِيق الْعَادة حصل من أداب الْبِلَاد بِمَا كَاد أَن يَفِي بأرزاق الأجناد وَتزَوج يَوْمئِذٍ ببنت الْأَمِير سنبل وَسكن بدار أَبِيهَا
وَأما صنوه صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن فَإِنَّهُ عَاد إِلَى ذِي مرمر
стр. 22
وَالْغِرَاس وَعِنْده جملَة من الْأَبْطَال الْمَعْدُودين ليَوْم النزال وَعَلِيهِ لوائح الْجَلالَة تلوح وطيور الإقبال تَغْدُو عَن ميامنه وَتَروح ثمَّ أَن بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد ابْن الْحسن بن الإِمَام جمع رَأْيه عِنْدَمَا كثرت الأجناد بِحَضْرَتِهِ وتضاعفت النَّفَقَات أَن يتَقَدَّم إِلَى عَمه الْحُسَيْن بضوران فوصل إِلَيْهِ بأبهة ملوكية وشارة حسنية وَلَا طفه فِي أَن يفرده بِبِلَاد تكون إِعَانَة فِي عمل الأجناد وَيقوم بِبَعْض السداد فبادر إِلَى أسعاده وَمد يدا إِلَى أمداده وأقطعه بِلَاد الشوافي وخبان وَبني سرحة ويريم والتعكر ثمَّ عَاد إِلَى ذمار مجبورا محبورا وَتعقب ذَلِك تقدم شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن إِلَى محروسة ذمار فوصلها بزِي عَظِيم وجيش جرار وَأَرَادَ لما وصل النُّزُول بدار التكية فِي حوطة حسن البابا فَلم تطب نفس ابْن أَخِيه عز الْإِسْلَام بذلك وَقَالَ لَا يصلح السّكُون إِلَّا فِي دَاري وَالْبَيْت بَيْتك وَالْولد ولدك
فساعده شرف الْإِسْلَام وَسكن فِي بَيته على أحسن مقَام ثمَّ عَاد الْحُسَيْن إِلَى ضوران وَاسْتقر ولد أَخِيه مُحَمَّد بذمار
стр. 23
قصَّة الْحَوَادِث
وَأما صفي الْإِسْلَام أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام فَإِنَّهُ بعد ذَلِك تجرد من ذِي مرمر عَن أَسد يفترس ويهمهم ويزأر وَاسْتقر بِهِ السّفر الْقَرِيب إِلَى حَضْرَة أَخِيه مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَكَانَ شرف الْإِسْلَام قد عرض عَلَيْهِ ولَايَة أصَاب فامتثل فِي المبادىء وَإِلَى الْقبُول أجَاب ثمَّ أرجعها لحقارتها بِالنّظرِ إِلَى تَكْلِيفه وَأما الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه فَلم يسمح للْجَمِيع بِقَيْد شبر وَأجَاب لما سُئِلت الْولَايَة للأخوين بِأَنَّهَا لَيست من جملَة المياريث
ثمَّ أَن أَحْمد بن الْحسن تقدم من ذمار إِلَى أصَاب فِي شهر شعْبَان من هَذَا الْعَام ورحل برحلته من جنح إِلَيْهِ من فرسَان الصدام وأساد الإلتحام ثمَّ انْتقل عَنْهَا إِلَى بِلَاد عتمة فَخرج عَنْهَا واليها السَّيِّد الرئيس المطهر بن مُحَمَّد الجرموزي وَوصل إِلَى حَضْرَة الْحُسَيْن وَهُوَ بجبل ضوران فَرفع الْأَمر من حِينه إِلَى صنوه الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه وَأخْبرهُ أَن أَحْمد بن الْحسن قد رفع وَالِي الْجِهَة وَأَن قصبتها صَارَت فِي بَاب الإستيلاء وَأَن الرجل متبوع وَأَن رأية لهيبته مسموع وَأَن المطالب قد انساقت من أَهلهَا إِلَيْهِ وَأَنَّهُمْ انثالوا رَغْبَة وَرَهْبَة عَلَيْهِ وَأَن عَليّ بن شمسان وَهُوَ الْوَالِي يَوْمئِذٍ بجهات الْيمن إب وبعدان قد مَال إِلَى
стр. 24
جَانب أَحْمد بن الْحسن ثمَّ تقدم شرف الْإِسْلَام لإستدراك فعلة ذَلِك الهصور القمقام قبل أَن يطير فِي الْيمن شِرَارهَا ويملأ الْكَوْن غبارها
(فَإِن النَّار بالزندين تورى ... وَأَن الْحَرْب أَولهَا كَلَام (
وَكَانَت طَرِيقه وَادي النايجه واستناب وَلَده بدر الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام فَبَاتَ بِبَلَد يُقَال لَهَا ذَاهِب أَسْفَل وَادي النايجة من أَطْرَاف بِلَاد آنس فَوق مَدِينَة العبيد على يسَار الذَّاهِب ثمَّ أحضر الْعَسْكَر الَّذين مَعَه ووجوه النَّاس إِلَى صرح مَسْجِد ذَلِك الْبَلَد وأفهمهم سَبَب التَّجْهِيز ووطنهم على الثَّبَات وعرفهم مَا هم قادمون عَلَيْهِ وَمن الَّذِي هم قادمون إِلَيْهِ وَكَانَ الْحُسَيْن أسدا من أسود الله وسيفا من سيوف الله المنتضاة تتجلى على يَدَيْهِ المعارك السود وتنجذ بروعة براثن الْأسود وَهُوَ كَأَنَّهُ فِي محاضرة صديق أَو مطالعة بحث غير عويق فَأجَاب عَلَيْهِ الْعَسْكَر بِلِسَان وَاحِدَة أَنا تَحت رَايَتك الْعقَاب الخافقة بنسيم الصَّوَاب وَلَو إِلَى مطالع الشَّمْس فأصدع بِأَمْرك وأفلج بقهرك
ثمَّ انْتقل الْيَوْم الثَّانِي إِلَى بلد مياس وَهُوَ مَزَار هُنَاكَ طيب الأنفاس وَأمر عِنْد وُصُوله لحفظ مغربة عتمة وبابها قبل أَن يقدم ذَلِك الهصور عيونه إِلَى ثناياها وشعابها فَيملك صوبي الطَّرِيق وَيكثر عِنْد ذَلِك التعويق
وَلما عرف أَحْمد بن الْحسن أَن أَصْحَاب عَمه قد استقروا بذلك الْمَكَان هيأ فرسَان
стр. 25
العراك وأسود الطعان وَتقدم عَمه الْحُسَيْن إِلَى إسعار نَار الْحَرْب وَإِقَامَة سوق الطعْن وَالضَّرْب فَلم يشْعر أَصْحَاب الْحُسَيْن إِلَّا وَقد طلع عَلَيْهِم بيرق دَار من تِلْقَاء ابْن أَخِيه وورأه الْجَيْش الجرار عَلَيْهِ الْمِقْدَام عطيه
وَأحمد بن الْحسن اسْتَقر فِي بلد الْحَوَادِث وَأَرَادَ أَن يكون مهبط الوقائع ومنبع الْحَوَادِث وَلما تلاحم الْفَرِيقَانِ واصطدم الخصمان كَاد أَصْحَاب الْحُسَيْن أَن يولوا الأدبار لَكِن وَإِلَى أَيْن فالتجأوا بعد ذَلِك إِلَى الْجَبَل بعد أَن أعوزتهم الْحِيَل ثمَّ أرْسلُوا مَا فِي بطُون البنادق فأنهلت على المعسكر الْأَسْفَل بصواعق وَأخذت الْأَرْوَاح واجتذت العلايق وانصرفت إِلَى عطيه وَهُوَ مقدم الْقَوْم رصاصة دعت إِلَيْهِ حِينه وخلاصه وَعند ذَلِك حانت هزيمَة عَسْكَر صفي الْإِسْلَام وَأخذُوا النجا بِرَفْع السَّاق عَن ذَلِك الْمقَام وَشرف الْإِسْلَام خرج أول اللَّيْل من مياس وَصعد الْعقبَة فِي الديماس وَبَقِي بَقِيَّة اللَّيْل فِي بلد سوق الربوع وَلما أصبح الصُّبْح بَادر إِلَى تِلْكَ الْقرْيَة الخراب الَّتِي وَقع فِيهَا الْحَرْب والحراب وَضربت هُنَاكَ خيامه وركزت ثمَّ أَعْلَامه
ثمَّ أَن جمَاعَة من أَصْحَاب السَّيِّد مطهر ثارت أحقادهم وتطلع إِلَى الشَّقَاء أحادهم انشمروا إِلَى حَضْرَة الصفي محاربين من غير أَن يشْعر بهم شرف الدّين فحاول رجوعهم بعد أَن علم فَلم يمتثلوا وَلم يَلْبَثُوا أَن سمعُوا تحضيره الْحَرْب بالحوادث فَعَلمُوا أَنه الْخطب الكارث وَكَانَ بِحَضْرَة الْحُسَيْن السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة أَحْمد بن عَليّ الشَّامي فَقَالَ لشرف الْإِسْلَام أما بعد
стр. 26
التحضيرة وعزم تِلْكَ الطَّائِفَة الْيَسِيرَة فَلَا يصلح مِنْكُم التواني فبادروا قبل أَن تتخطفهم الرماح الشواجر ويلحقوا بأمس الدابر فَتغير وَجه الْحُسَيْن لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيد أَن تنحسم فتْنَة ابْن أَخِيه بِدُونِ هَذَا شَفَقَة عَلَيْهِ ومحبة فِي حقن الدما وتسكين الدهماء ثمَّ أَنه أَمر بعد ذَلِك بِأخذ الأهبة والتعبئة لِلْقِتَالِ وَركب واحترك الْعَسْكَر بأجمعه وَتقدم بيرق أَحْمد الحاشي صَاحب الشّرف فشارف الْوُصُول وَقد التحم الْحَرْب واتصل الطعْن وَالضَّرْب وَقتل جمَاعَة وَأسر آخَرُونَ ثمَّ تراجع الْفَرِيقَانِ بِسَبَب البنادق وحجزها مَا بَين الفيالق وَكَانَ النَّقِيب سرُور شلبي من أَصْحَاب صفي الْإِسْلَام وَمن انضاف إِلَيْهِ قد ترَتّب فِي المغربة وَطَرِيق الْحَوَادِث والنقيب حسن البحش قد أَخذ راس الأكمه وَعمر المتاريس فاتصل الْحَرْب بالبنادق من ضحوة النَّهَار إِلَى الظّهْر وبسبب إصْلَاح التعبئة من أَصْحَاب الصفي أَحْمد بن الْحسن استعلوا على أَصْحَاب عَمه وانهمكوا فيهم جرحا وقتلا فَلَمَّا استرسل ذَلِك أَمر الْحُسَيْن البيرقدار وَهُوَ صَلَاح الحملاني أَن يتَوَجَّه بِمن بَقِي من الْعَسْكَر إِلَى الْقرْيَة الَّتِي هِيَ أيسر الأكمة الْمَمْلُوكَة وَقَالَ لَهُ إِذا دَخَلتهَا واستوليت عَلَيْهَا فَاطلع على الَّذين فِي الأكمة من ورائهم ليَكُون ذَلِك نفسا على من تَحْتهم من أَصْحَابنَا فعزم الْمَذْكُور فِي الْحِين وَمَعَهُ نَحْو الْعشْرين وَدخل الْقرْيَة بِغَيْر شجار وأحرق ثلثهَا بالنَّار وَتجَاوز عَنْهَا للتفتيش على أُولَئِكَ من مضيق الْحصار فَلَمَّا رَآهُ أهل الأكمة لم يَلْبَثُوا أَن ولوا الأعقاب وَكَانَ ذَلِك النّظر الشرفي من أقوى الْأَسْبَاب وَأُصِيب النَّقِيب ياقوت شلبي فِي يَده وَإِنَّمَا كَانَ جُمْهُور الضَّرَر من قبل مدده فَتَبِعهُمْ
стр. 27
الْعَسْكَر فِي الْأَثر وطلع بدر النَّصْر وزهر وَقتل من قتل مِنْهُم حَال الْهَزِيمَة واتصلت بمسامع صفي الْإِسْلَام هَذِه الفعلة الجسمية ثمَّ أَن شرف الْإِسْلَام لحق بآخر الْوَقْعَة وَشَاهد الْقَتْلَى مجدلين وبدمائهم مجللين وَأَكْثَرهم من أَصْحَابه وَأما الْعَسْكَر فَإِنَّهُم اشتغلوا بالإنتهاب فِي محطة صفي الْإِسْلَام وَهُوَ إنحاز بعد ذَلِك إِلَى الْقرْيَة السفلا وَقد فَازَ عَمه بالقدح المعلا
ثمَّ أَن الْحُسَيْن أرسل إِلَى ابْن أَخِيه السَّيِّد عبد الله بن أَمِير الدّين وَأمره بالوصول إِلَيْهِ فوصل وخلع عَلَيْهِ وَوجه أَسبَاب الْأنس إِلَيْهِ وَأمسى الْكل بالحوادث وَكَانَ قد اتّفق فِي خلال هَذَا الكارث حَرْب آخر فِي بني بَحر من عتمة بَين جمَاعَة من الْعَسْكَر وَأهل الْبِلَاد وَأَصْحَاب أَحْمد بن الْحسن ويروى أَن بدر الْإِسْلَام كَانَ قد جهز إِلَيْهِ جمَاعَة من عَسَاكِر الصدام فصادف ذَلِك أَن الْحَرْب قد وضعت أَوزَارهَا وأطفئت بيد الْحُسَيْن شِرَارهَا وَالْحَمْد لله
وَأما حَدِيث عَليّ بن شمسان فَإِنَّهُ كَانَ قد جهز مدَدا لِأَحْمَد بن الْحسن من الْيمن وَأَرَادَ الإرتحال فَبَلغهُ انجلاء المعركة عَن قبض مخدومه فتشوش خاطره وحار وَمَا زَالَ يدبر حِيلَة للفرار ثمَّ آل بِهِ الْحَال إِلَى أَنه استجار بِابْن عبد الْقَادِر صَاحب عدن وَقد حكى من عرف أنفاس الْحُسَيْن يَوْمئِذٍ أَنه لَو وصل لما ناله إِلَّا كل خير وَكَانَت وقْعَة الْحَوَادِث يَوْم الْخَمِيس فِي الْعشْر الْآخِرَة من شعْبَان هَذِه السّنة
وَفِي آخر هَذَا الشَّهْر وصل شرف الْإِسْلَام إِلَى محروس إب وصحبته ولد أَخِيه أَحْمد بن الْحسن وَوصل عقب ذَلِك كتاب الْمُؤَيد بِاللَّه إِلَى صنوه الْحُسَيْن باستدعاء ولد أَخِيه وَعلي بن شمسان إِلَى حَضرته فَسَار إِلَيْهِ وَلما وصلا قابلهما بالإجلال والإعظام والتبجيل والاحتشام فَأَما أَحْمد بن الْحسن فاستقر عِنْد الإِمَام مَا شَاءَ الله وَعَاد عَن أمره إِلَى صنعاء على أوضاع جعلهَا بِيَدِهِ فِيهَا
стр. 28
كِفَايَته وكفاية من إِلَيْهِ من أَصْحَابه وأخدانه وأحبابه وَأما عَليّ بن شمسان فَإِن الإِمَام رجح بقاه ذَلِك الأوان وَعمر لَهُ دَارا فاخرة وأجرى عَلَيْهِ الإنعامات الغامرة وَبعد ذَلِك وصل السَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم إِلَى جبل ضوران إِجَابَة لداعي أَخِيه الْحُسَيْن فَإِنَّهُ كَانَ قد استدعاه لينوب فِي تِلْكَ الْجِهَات مَا دَامَ بِالْيمن الْأَسْفَل وَلما وصل انتهض السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن الْحُسَيْن إِلَى حَضْرَة وَالِده متوخيا التتميم لمقاصده فوصل وَبَقِي شهر رَمَضَان وَعَاد إِلَى صنعاء فِي شَوَّال
وفيهَا تقدم عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن من ذمار إِلَى حَضْرَة عَمه الْحُسَيْن فوافاه بإب ثمَّ نزلا إِلَى تعز وَمَا زَالَ عز الْإِسْلَام يلاطف عَمه الْحُسَيْن فِي زِيَادَة قطعته وَيذكر لَهُ أَنَّهَا قَاصِرَة عَن الْوَفَاء بِمَا عَلَيْهِ وَفِي أثْنَاء هَذِه السّنة ذكر بعض السادات أَن السَّيِّد أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم أصَاب فِي دَار الكيخيا كنزا عَظِيما من الذَّهَب الْأَحْمَر وَلَعَلَّه كَانَ من دَفِين عبد الله شلبي لِأَنَّهُ كَانَ مستقره لما حاصره حيدر باشا ايام الباشا جَعْفَر
وَدخلت سنة خمسين وَألف
فِيهَا تهَيَّأ شرف الْإِسْلَام للطلوع من الْيمن الْأَسْفَل الى ضوران ثمَّ الزِّيَارَة لحضرة الإِمَام فَسَار فِي شهر ربيع من السّنة الْمَذْكُورَة
فتح بَغْدَاد
وفيهَا وصلت الْأَخْبَار من تِلْقَاء الرّوم أَن السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد خَان بن
стр. 29
عُثْمَان قصد محاصرة بَغْدَاد واقتلاع تِلْكَ الأفلاذ والشاه كَانَ قد استولى عَلَيْهِ وسَاق شحنته وَسَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكَانَ فِي الأَصْل من قَاعِدَة مَمْلَكَته إِنَّمَا وثب عَلَيْهِ الشاه بِقُوَّة جرأته فأحاط بِهِ من جَمِيع الجوانب ورتب عَلَيْهِ البواش والأغوات والمرازب وكل مقدم من أُولَئِكَ الْأَعْيَان ضبط تَحْتَهُ عُمْدَة من الرِّجَال والفرسان وَيُقَال إِنَّه كَانَ جملَة الخارجين مَعَ السُّلْطَان فِي ذَلِك الصوب أَرْبَعَة عشر لكا وَكَانَ جملَة أَيَّام الحطاط أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَعظم على السُّلْطَان الْخطب واستتب سعير هَذِه الْحَرْب بِسَبَب قُوَّة أَصْحَاب الشاه وَمَا كَانَ قد اخترعه من التَّرْتِيب وأنشأه فقصد الشَّيْخ الْأَعْظَم عبد الْقَادِر الكيلاني واستمد مِنْهُ الأنفاس وَأَن تكون جائلة أثْنَاء الصدام والمراس ثمَّ أَمر الْحداد أَن يصنع لَهُ مدفعا من الخوارق ليطلق على سور بَغْدَاد من جَوْفه صواعق وَفعل كَمَا أَمر وَوجه إِلَى السُّور فِي الْأَثر فَلَمَّا انْتَهَت حجره إِلَى الدائر انعكست على أَصْحَاب السُّلْطَان مُرَاد فأهلكت مِنْهُم جملَة من الْأَعْدَاد ثمَّ رمى بِهِ أُخْرَى فَفتح جانبا من السُّور وَكَانَ بِسَبَبِهِ الْفَتْح الْمَشْهُور لِأَنَّهُ انهار جانبا من ذَلِك الدائر فتبادرت إِلَى الدُّخُول مِنْهُ العساكر وَقتلُوا فِي بَغْدَاد عددا لَا يضبطه قلم وَكَانَ الشاه بِنَفسِهِ فِي جَانب من الْقصر ففر بِنَفسِهِ بعد تَدْبِير الْحِيلَة الْعَظِيمَة فِي ذَلِك فصادف هربه إشتغال النَّاس بِالْقَتْلِ وَالسَّلب والنهب وَلما أدْرك النجَاة كتب إِلَى السُّلْطَان مُرَاد يطْلب مِنْهُ الصُّلْح على
стр. 30
مَا عدى هَذِه الْبِلَاد وَأَن يَأْمَن كل فِي سربه ويشتغل بطائفته وَحزبه فَأَجَابَهُ إِلَى مَا رام وَلم يكن فِي خلده غير فتح مَدِينَة السَّلَام واستقرت يَد الشاه على بِلَاده الَّتِي هُوَ فِيهَا من جبال فَارس وَمَا إِلَيْهَا وَاقْتصر بعد أَن عاين ذَلِك الهول عَلَيْهَا مَعَ أَنه لم يتْرك أثْنَاء حصاره مجهودا فِي إذهاب ريح السُّلْطَان فقد دبر الْحِيلَة الغريبة لَو كَانَت تصرف عَن الْحدثَان حكى أَنه ربى هرا وربط بِذَنبِهِ فتائل النَّار ثمَّ أرْسلهُ بعد التَّرْتِيب الى جبخانة البارود مَعَ غَفلَة بواردية السُّلْطَان مُرَاد فولج ذَلِك الهر وأحرق الجبخانة وَلم يَتَعَدَّ الْحَرِيق إِلَى غَيرهَا وَلما فتحت بَغْدَاد أَمر السُّلْطَان بعمارة قبر أبي حنيفَة رضى الله عَنهُ بِبَغْدَاد وَكَانَ الشاه قد أَمر بخرابه واعتل بِأَن أَبَا حنيفَة كَانَ يُعَارض الإِمَام جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق رضى الله عَنهُ بالفتوى الى غير ذَلِك وَأمر السُّلْطَان أَيْضا بعمارة قبر الإِمَام عَليّ بن مُوسَى الرضي فاصلح القبرين وَعمر المشهدين وَعظم الْإِمَامَيْنِ وَهَذِه من مناقبه قيل وَكَانَ مُرَاد السُّلْطَان مُرَاد
стр. 31
التَّجْهِيز على الْيمن بعد فتح بَغْدَاد فَلَمَّا تمّ لَهُ ذَلِك الْمطلب وتهيأ للتوجه على الْيمن وتأهب بلغه أَن صنوه إِبْرَاهِيم بن أَحْمد خَان قد خَالفه إِلَى إِرَادَة الاستبداد وخان وتغلب على مملكة الرّوم وَتمّ لَهُ الدست فِيمَا يروم فداخله من الضّيق مَا صده عَن تِلْكَ الطَّرِيق وأسرع بِهِ إِلَى طَرِيق الْمنية وعاون عَلَيْهِ سُلْطَان الْأَغْرَاض النفسانية فَفَاضَتْ روحه وخلا عَنهُ سوحه وَلما ثَبت أَخُوهُ السُّلْطَان إِبْرَاهِيم على كرْسِي السلطنة تحركت نَفسه لفتح مالطة وَمَا وَرَاءَهَا من تِلْكَ الممالك الشاحطة وَيَأْتِي فِيمَا بعد عَام خَبره وَكَيْفِيَّة نَصره وظفره
وَلم يفْتَتح السُّلْطَان مُرَاد مَدِينَة السَّلَام إِلَّا بعد إفناء الْأَمْوَال العديدة والذخائر العتيدة والأبطال الكرارة وَالْخَيْل المختارة وَأول جَيش توجه على بَغْدَاد من قبل السُّلْطَان جَيش الباشا حَافظ أَحْمد وَرجع بعد حروب طَوِيلَة بقلب مكمد وَتَبعهُ إرْسَال الْوَزير الْأَعْظَم والجناب الْمُقدم فطال حصاره للمدينة وَضرب خيامه بمشهد الْحُسَيْن وَرجع عَن فتح الْمَدِينَة بخفي حنين لكنه فتح كثيرا مِمَّا حولهَا وَتعقبه هَذَا المركز الْكَبِير الَّذِي كَانَ فِيهِ هَذَا الْفَتْح الشهير وَلما اسْتَقر الصُّلْح كَمَا سلف بَين السُّلْطَان مُرَاد والشاه قرر أَخُوهُ على مراسمه وَمَشاهُ برسوم رسمت على الشاه مِنْهَا إتاوة يحملهَا إِلَى السُّلْطَان فِي كل عَام فِيهَا الْحَرِير وَغَيره وَلم تطب حَال الشاه بعد غخراجه عَن الْعرَاق واستيلاء السلطنة على تِلْكَ الْآفَاق وَتعقب ذَلِك خُرُوجه عَن دَائِرَة الْحَيَاة وَدخُول مَمْلَكَته فِي يَد وَلَده صفي شاه ثمَّ إِن ابْن أَخِيه عَبَّاس شاه ثار عَلَيْهِ وَأخذ المملكة من يَدَيْهِ وجرعه كأس الْمنية وأعدمه تِلْكَ الأمنية
ولسلاطين الْعَجم هولاء حَسْبَمَا تَوَاتر أَحْوَال حكمُوا فِيهَا الْملك الَّذِي عاقبته إِلَى زَوَال مثل فرش الْأَبْنِيَة بخالص الْحَرِير وَاسْتِعْمَال أنية الذَّهَب
стр. 32
وَالْفِضَّة المرصعة بالجواهر النفيسة وَإِطْلَاق رسن البطالين فِي مدنهم مَعَ البغايا تعللا بِشُبْهَة الْمُتْعَة وتسليط بعض الْأَنْعَام على بعض بالإغراء بَينهَا للتفرج والتفكه بِمَا يتَّفق مِنْهَا وَقد يسمون مارك فِي النطاح بِمن يغمصون جَانِبه من الصَّحَابَة وَإِذا غلب صالوا على من هُوَ فِي ملكه وَذكر بعض السادات عَمَّن روى لَهُ أَو شَاهد أَنهم يرقمون أَسمَاء مشاهير الصَّحَابَة فِي نعَالهمْ ويرفعون أَصْوَاتهم بلعنهم ويجعلون ذَلِك نوعا من التَّقَرُّب إِلَى الله وَهَذِه خَاصَّة لَيْسَ بنكير من مَذْهَبهم وَمن هُوَ على طرزهم إِنَّمَا العجيب إنهماكهم عَن آخِرهم فِي تِلْكَ الْأَحْوَال الَّتِي تدل على الْخُلُو عَن الْعقل والحشمة بِكُل حَال وَعدم الْإِلْمَام بِشَيْء من شَرِيعَة الْملك المتعال فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وَفَاة الْحُسَيْن بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَاسِم
وَفِي شهر ربيع الآخر من هَذِه السّنة طلع شرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن من الْيمن الْأَسْفَل إِلَى ذمار وَاتفقَ فِيهِ بَين مُعَسْكَره وَبَين أهل الْمَدِينَة شجار لِأَن عَسْكَر الحيمة الَّذين كَانُوا صحبته أَرَادوا دُخُول الْبيُوت وَلم يكن قد سبق مثل ذَلِك من الْعَسْكَر فاحتركت نفوس أهل ذمار وَأَقْبلُوا عَلَيْهِم بالحجار وَكَانَ فِيهَا يَوْمئِذٍ عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام فَكَأَنَّهُ كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِم رمز لطيف إِن ذبوا عَن أَنفسكُم وَلَو بِالدفع العنيف قبل أَن تثبت عَادَة ويعسر تغييرها عِنْد الْإِرَادَة فَيثبت مَا رسموه وَلم ينْحل مَا أبرموه
وَأما الْحُسَيْن فَإِنَّهُ علق بِهِ الْأَلَم من ذَلِك الْحِين وَيُقَال أَنه ذَات الْجنب فَفَارَقَ الْحَيَاة فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس الشَّهْر الْمَذْكُور وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور وَكَانَ قد قَامَ بكفاية بِلَاد الْحسن بن الإِمَام فدبر الْأُمُور وساس الْجُمْهُور وَكَانَ رَحمَه
стр. 33
الله بعد وَفَاة صنوه وتحمله لعهدته قد ظهر مِنْهُ الْخلق الْوَاسِع وَالعطَاء النافع وَحضر دَفنه ولد أَخِيه عز الْإِسْلَام وقبر حول حوطة الإِمَام المتَوَكل على الله المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحمزي وَأما علمه فَهُوَ الَّذِي طبق الْآفَاق وانعقد عَلَيْهِ الإتفاق ويكفيه تَحْقِيقا وتدقيقا وترصيفا وتنميقا مُؤَلفه فِي أصُول الْفِقْه الْمُسَمّى غَايَة السول وَشَرحه الْمُسَمّى هِدَايَة الْعُقُول وَقد كتبت مِمَّا قلته فِي ديباجة غَايَة السول
(لله من غَايَة أعوذها ... بِاللَّه من عين كل ذِي حسد)
(كم كللت للفصول جَوْهَرَة ... وَكم لَهَا من يَد على الْعَضُد)
وَقد اشْتغل آخر مدَّته بِالْحَدِيثِ وَسمع الْجُزْء الأول من صَحِيح مُسلم على الْفَقِيه الْحَافِظ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي ﵀ وَله مُصَنف فِي عدم اشْتِرَاط الإِمَام الْأَعْظَم فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَهُوَ لقَوْل الشَّافِعِي وَللسَّيِّد الإِمَام الْحسن الْجلَال مُصَنف فِي نهجه وأصل هَذَا الْبَحْث للأمير الْحُسَيْن وَقد زَاد عَلَيْهِ مَا لَا معدل عَنهُ للنظار الإِمَام الْحجَّة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن
стр. 34
المرتضى فِي رِسَالَة مَشْهُورَة وَله رِسَالَة فِي النَّهْي عَن منع الشَّافِعِيَّة من القادمين فِي الصَّلَاة لما مَنعهم بعض وُلَاة الْيمن الزيدية جهلا مِنْهُ وَنَهَاهُ الْحُسَيْن عَن التَّعَرُّض للنَّهْي عَن الْمسَائِل الخلافية وَلما وصلت الرسَالَة إِلَى الْيمن أثنوا عَلَيْهِ خيرا وَله مُخْتَصر أدب الْعَالم والمتعلم وَله حَوَاشِي على أساس أَبِيه الإِمَام الْأَعْظَم وَشَرحه للسَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الشرفي ﵏ وَكَانَ لَهُ من شدَّة الْبَأْس مَا يخرج عَن طور الْبشر ومواطنه مَعَ شجعان الأتراك أَيَّام الحطاط على حيدر وَغَيرهَا مَعْرُوفَة وَمِمَّا اتّفق لَهُ من الشدائد الْعَظِيمَة أَنه سبح فِي بعض الْأَيَّام فِي غَدِير الرصدين من جِهَات البطنة من بِلَاد عذر فَغمسَ فِي المَاء كَمَا يَفْعَله الماهر فِي عمل السباحة فقذفه المَاء عِنْد إرتفاعه إِلَى جَانب شَدِيد الظلمَة فانحسر عَنهُ المَاء لِأَن الغدير بَين جبلين فَبَقيَ فِي ذَلِك الْجَانِب متحيرا فِي أمره من نَهَار ذَلِك الْيَوْم الى صباح الْيَوْم الثَّانِي فَعِنْدَ ذَلِك ظهر لَهُ شُعَاع الشَّمْس عِنْده شروقها وَأدْركَ ضوءها بَين المَاء فَغمسَ فِي المَاء تخيتا وتخمينا لمصعد النجَاة فخلصه الله وبرز من ذَلِك الخضم بعد أَن حصل الْإِيَاس عَنهُ ثمَّ
وَكَانَ ﵀ يرى أَن الْخلاف بَين الْعلمَاء فِي أصُول الدّين لَفْظِي وَأَنه
стр. 35
لَا يجوز التَّكْفِير والتفسيق بالإلزام وَمِمَّا ذكره فِي شرح غَايَة السُّؤَال أَن تَرْجِيح الدَّاعِي يكون بالإرادة وَهُوَ قَول السَّمرقَنْدِي وَغَيره وَمن مآثره ﵀ الْمَسْجِد الْمَشْهُور بِبَاب السبحة ووقف عَلَيْهِ مَا يَكْفِيهِ وَقد زَاده وَحسنه وَلَده الْعَلامَة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الإِمَام وَلم يلبث بعد صنوه الْحسن غير سنة وَكَانَ أَخُوهُ الْمُؤَيد بِاللَّه ﵀ قد جعل إِلَيْهِ مَا كَانَ إِلَى الْحسن بأجمعه وَلما مَاتَ شرف الْإِسْلَام توجه مَا كَانَ إِلَيْهِ من أَعمال العساكر إِلَى عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن وَقَررهُ الإِمَام على الْقطعَة الَّتِي بِيَدِهِ من عَمه الْحُسَيْن وَاقْتصر عَلَيْهَا خلى انه أمده من بَقِيَّة الْبِلَاد بأرزاق من انضاف إِلَيْهِ من الأجناد هَذَا وَيَد عز الْإِسْلَام مُطلقَة فِي تَنْفِيذ الْأَوَامِر والإنصاف من الْمَظَالِم وَإِصْلَاح قوانين الْبِلَاد اليمنية
وَفِي شعْبَان هَذَا الْعَام توفّي السَّيِّد الْمُجْتَهد عز الدّين مُحَمَّد بن عز الدّين الْمُفْتِي ﵀ وَكَانَ وَفَاته بذهبان وَنقل إِلَى خُزَيْمَة غربي صنعاء وقبر إِلَى جنب وَالِده فِي مدفنهم الْمَعْرُوف بخزيمة وَكَانَ هَذَا السَّيِّد زِينَة الْأَيَّام بركَة فِي الْأَنَام وَجه إِلَيْهِ منصب الْفتيا من الباشا فَأفْتى فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة مَعَ ورع شحيح وَدين قويم صَحِيح وَمن مشايخه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن أَحْمد المؤيدي وَالسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن عبد الله الْوَزير وَلم يتَخَرَّج فِي الْفِقْه إِلَّا فِي آخر الْأَمر فَإِنَّهُ أنْفق جُمْهُور شبابه فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية ثمَّ اقبل على الْفِقْه
стр. 36
بِالْقَلْبِ والقالب فجلا فِي ميدانه وَملك مقبض عنانه وَله الْبَدْر الساري فِي أصُول الدّين وَشَرحه وَاسِطَة الدراري وَقد سلك مَسْلَك الْحجَّة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي الإيثار والعواصم وَالرَّوْض الباسم إِلَّا أَنه لم يُصَرح بمذهبه وَقد أفْصح عَن بعض مطلبه فَإِنَّهُ قوى مَا يعْتَمد إِلَيْهِ فِي الْبَاطِن وَترك مَكَان مَا لَا يُريدهُ من التفتيح والتنقيح من بَاب المساكن وَهِي صناعَة تدل على غور حصيف وذهن شرِيف وملاحظة لأحوال الزَّمَان ومداراة حَسَنَة للأخوان وَله شرح تَكْمِلَة الْأَحْكَام للْإِمَام الْمهْدي ﵇ وَله مَنْهَج الْإِنْصَاف فِي النَّهْي عَن سبّ الصَّحَابَة وَله غير ذَلِك من الأنظار الَّتِي عجز عَنْهَا النظار بِعِبَارَة قَصِيرَة وفوائد غزيرة وَكَانَ يُفْتِي بِمَا لَا يلائم خاطر الباشا فِي بعض الْأَحْوَال وينتظم لَهُ مَا أَرَادَ وَلَا يتَغَيَّر لَهُ حَال
اتّفق فِي مُدَّة جَعْفَر باشا أَنه أفتى بِيَوْم الْفطر فَأفْطر من أفطر بفتواه فَطَلَبه الباشا وعاتبه فِي ذَلِك وَقَالَ لَهُ كَانَ عَلَيْك أَن تشعر الأفندي فَقَالَ السَّيِّد قد أشعرناه فَطلب الأفندي إِلَى حَضْرَة الباشا وَسُئِلَ فِي ذَلِك فَقَالَ كلَاما مَعْنَاهُ أفتى السَّيِّد بِشَاهِدين مَا يكمل بهما الحكم على مَذْهَب أبي حنيفَة لأَنهم لَا يعْملُونَ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ شَاهدا حَيْثُ الْأُفق لَا عِلّة فِيهِ من سَحَاب وَلَا غَيره فَتغير خاطر الباشا وَقَالَ للسَّيِّد ليكن حَبسك بَيْتك فانفصل عَن حَضرته وَبَقِي ببيته أَيَّامًا ثمَّ أَن الباشا استدرك هَذِه الهفوة فاستطاب خاطر السَّيِّد وَنَوع لَهُ الْإِحْسَان وَقد كَانَ ينْسب إِلَى جَعْفَر باشا الْميل إِلَى جَانب الْعلمَاء بِسَبَب أَنه كَانَ لَهُ حِصَّة وافرة فِيهِ سِيمَا علم الْمَعْقُول
وَدخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف فِيهَا جهز السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن أَحْمد خَان على مالطة من بِلَاد الفرنج بأطراف جَزِيرَة الأندلس مِمَّا يَلِي الْحَرْب فَمَا زَالَت سراياه تناوش تِلْكَ الديار بحروب تذهل عِنْدهَا الْقُلُوب واستفتح
стр. 37
كثيرا مِمَّا فِي أَيدي الفرنج من الْبلدَانِ وَاسْتمرّ وَلَده بعد وَفَاته على ذَلِك الشَّأْن
وقْعَة نقِيل الشيم
وَفِي شهر ربيع الأول من هَذَا الْعَام وصلت إِلَى الصفي أَحْمد بن الْحسن كتب من الإِمَام يستكشفه فِيهَا عَن شَأْن خزانَة وَالِده وَيطْلب مِنْهُ أَن يُوضح لَهُ فِي التَّصَرُّف فِيهَا صَحِيح مقاصده وَيَقُول لَهُ إِن كَانَت بَيت مَال فَلَيْسَ لَك عَلَيْهَا يَد بِحَال وان كَانَت تَرِكَة لوالدك الْحسن فَأَنت فِيهَا أُسْوَة الْغُرَمَاء وكلكم فِي سنَن فَمَا بَال الاستبداد الَّذِي خَفِي علينا فِيهِ المُرَاد وَلَا بُد من إعداد الْجَواب يكون إِلَى اسْتِدَامَة الْمَوَدَّة من أقوى الْأَسْبَاب وَكَانَ صفي الْإِسْلَام يرى فِي ذَلِك الأوان مَعَ تعقب طيبَة نفس إِمَامه إِن مَا تصرف فِيهِ من الخزانة فيده فِيهِ أَمَانَة مَعَ مَا فِي وَجهه من الواردات وَله فِيمَا يفعل أوجه من التأويلات وَعند ذَلِك جَاشَتْ نفس الصفي وَقدر فِي خاطره أَن غير المباينة بكفاية هَذَا الْجَواب لَا يَفِي فَتحَرك من حصن ذِي مرمر لِلْخُرُوجِ ووكل الْجَواب إِلَى بطُون الأغماد وَظُهُور السُّرُوج فَتوجه إِلَى بِلَاد خولان فِي جمَاعَة من الرِّجَال وجريدة من الفرسان وَقد ضم إِلَيْهِ الذَّخَائِر النفيسة والنقد الْكَبِير وغمر أَصْحَابه بأنواع الْإِحْسَان ونفحهم بِكُل خطير وَلما وصل إِلَى بِلَاد خولان وصل إِلَيْهِ مشايخها والأعيان وبذلوا وُجُوه الرِّعَايَة وصنوف الْإِحْسَان ثمَّ ارتحل الى بِلَاد
стр. 38
عنس ثمَّ إِلَى جِهَة قايفه وَعند ذَلِك تبِعت فِي اثره الرسائل الإمامية واخذ فِيهَا بحفظه على عُمَّال الأقطار اليمنية ووصلت إِلَى عَمه إِسْمَاعِيل بن الإِمَام رِسَالَة من الْمُؤَيد بِاللَّه وَكَانَ يَوْمئِذٍ قي ضوران من ايام اسْتِخْلَاف الْحُسَيْن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُ يتَضَمَّن إِيجَاب الْحَرَكَة عَلَيْهِ إِلَى ولد أَخِيه وارصاد المكاض لَهُ فِي كل وَجه والإستيثاق من أَحْوَاله حَتَّى يُؤْتى بِهِ إِلَى الحضرة المؤيدية فَحَث إِلَيْهِ الركاب وصحبته عبد الله بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أَحْمد بن الْحسن قد قصد قعطبة فتبعوه إِلَى نقِيل الشيم فَوَقع الْحَرْب فِي تِلْكَ الْعقبَة واصطدم الْفَرِيقَانِ وَاخْتَلَطَ الفيلقان وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُورا تثبت فِيهِ أَقْدَام وتزلزلت فِيهِ أَحْلَام وَبعد أَن تتَابع الْقَتْل فِي الْفَرِيقَيْنِ وَاخْتَلَطَ على البطل المدجج أهْدى الطَّرِيقَيْنِ رأى أَحْمد بن الْحسن أَن من إِلَى جَانِبه قد ادركه الضلع واستخلص نَفسه وَمن مَعَه بلطف وارتفع فانتهبت الْعَسْكَر جَمِيع خزانَة صفي الْإِسْلَام وتبعتها بالإتيان عَلَيْهَا أنفاس الإِمَام وَرجح لِأَحْمَد بن الْحسن الْعَزْم بِوُجُوه أعيانه الى حَضْرَة الْحُسَيْن بن عبد الْقَادِر صَاحب عدن فَبَقيَ عِنْده زَمَانا وَلَقي مِنْهُ إحسانا وَإِسْمَاعِيل بن الإِمَام بعد تقضي الْوَقْعَة اسْتخْلف بقعطبة السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن الإِمَام الْحسن وعزم إِلَى تعز لتقرير أحوالها وَلم يزل أَحْمد بن الْحسن بِمحل رفيع عِنْد صَاحب عدن إِلَى أَن وَردت عَلَيْهِ إِشَارَة الْمُؤَيد يَقُول لَهُ أرسل إِلَيْنَا الْوَلَد أَحْمد وَكَانَ عرض عَلَيْهِ وَمَا لَقِي الإِمَام إِلَيْهِ فَلم يمتثل وأحس بعد ذَلِك بعض انحراف من الْأَمِير الْحُسَيْن وَنَوع ترفع دون احْتِمَاله عِنْد الصفي ملاقاة الْحِين ففارقه عجلا وَأنْشد لِسَان حَاله متمثلا
(وَلَا يُقيم على ضيم يُرَاد بِهِ ... إِلَّا الأذلان غير الْحَيّ والوتد)
(هَذَا على الْخَسْف مربوط برمتِهِ ... وَذَا يشح فَلَا يرثى لَهُ أحد)
стр. 39
وَقصد بِلَاد يافع فَرَأى مِنْهُم غَايَة الْإِكْرَام وَنِهَايَة الاعزاز والإعظام فاطمأن خاطره وقر ناظره وَطلب مِنْهُم الْمُصَاهَرَة فَفَعَلُوا ثمَّ طلب مِنْهُم الْغَارة على قعطبة فاسعدوه وَقصد أَهلهَا على حِين غَفلَة فَوَقع حَرْب شَدِيد يشيب مِنْهُ الْوَلِيد وَكَانَ يافع قد أشرفوا على الإستيلاء لأَنهم أحاطوا بهَا لَكِنَّهَا خفت صولتهم آخر المعركة فصَال أهل الْبَلَد عَلَيْهِم حَتَّى انْهَزمُوا إِلَى بِلَادهمْ فَلَمَّا أبلغ الإِمَام علم أَن هَذَا شُرُوع من يافع فِي الْقَصْد إِلَى أَطْرَاف بِلَاده فاستدرج قُلُوبهم بالملاطفات وإرسال الصلات والكسوات فكفوا عَن ذَلِك الرَّأْي وَمنعُوا جَانب الصفي أَحْمد بن الْحسن وَقَالُوا لَا يُمكن الخلوص إِلَيْهِ لكنه مَتى بدى لَهُ رَغْبَة فَهُوَ ولدكم وَأَنْتُم أولى بِهِ
وَفِي هَذِه السّنة أذن الإِمَام الْمُؤَيد لعَلي شمسان بِالْحَجِّ فعزم وَمَات فِي أثْنَاء الطَّرِيق وَكَانَ هَذَا مِقْدَام الْحسن بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وواحده وَله رئاسة وأقدام تصحبه عجلة فِي الإنتقام حَتَّى نسب إِلَيْهِ قتل جماعات من عَسْكَر السلطنة بعد تأمينهم واستنكر مِنْهُ ذَلِك
وَفِي أثْنَاء هَذَا الْعَام خَالف بعض الْجِهَات النجدية على الشريف زيد بن المحسن فقصدها بِنَفسِهِ وأخرب بعض قراها وأجلا عَنْهَا أَهلهَا وَهِي طَريقَة السراة
стр. 40
وَدخلت سنة إثنتين وَخمسين وَألف وَفِي الْمحرم مِنْهَا استولى الخسوف على الْقَمَر فِي برج الْمِيزَان
خلاف آنس وفيهَا نجم خلاف الشَّيْخ عَليّ بن نَاصِر بن رَاجِح الآنسي بعد عوده من حَضْرَة الإِمَام وانضاف إِلَيْهِ جماعات من أهل جبل الشرق وَهِي الروية وَمَا والاهم من تِلْكَ الأكام مثل بعض أَطْرَاف ريمة وكسمة وتعللوا بِأَن الْأَكْوَع عَامل ضوران عاملهم بالحقارة والإمتهان وَاسْتولى على الْقطع والحقوق وَلم يبْق لنفاق رئاستهم عِنْده سوق وأضافوا إِلَى ذَلِك شَيْئا من دَعْوَى الْجور وتبادروا إِلَى طمس الرسوم الأمامية على سَبِيل الْفَوْر فسلطنوا على نَاصِر وأشرعوا الأسنة والبواتر وَمنعُوا عينة الدولة واشتدت مِنْهُم الصولة فَانْتدبَ ابْن الْأَكْوَع عَامل ضوران وَعلم أَن هَذِه الفعلة إِنَّمَا ترخص بِالسِّنَانِ لَا بالأسنان وَإِن مصابها الى رَأسه وَأَن جناها ثَمَر غراسه وَأَنه ان لم يسْرع حسمها بسعير الْحَرْب نبضت عروق فَسَادهَا فِي احنا الشرق والغرب فَجمع الْجمع الموفور من الرِّجَال المختارة وَالْخَيْل الكرارة وإليهم عَسْكَر ضوران وهم أحابيش الضَّرْب والطعان وَلما وصلوا الْبِلَاد وتلاحم الجلاد انكشفت المعركة عَن قتل جمَاعَة رقم الْقَتْل عَلَيْهَا وانتهاب بيُوت كَانَت ذخرهم قد جمعت إِلَيْهَا وَاسْتولى أَصْحَاب الإِمَام على تِلْكَ الْحُصُون والأكام وَمِنْهَا حصن بني رَاجِح الْمُسَمّى حِرْفَة وَهُوَ معقلة ومصنعته وموئله الَّذِي فِيهِ ذخيرته ومنفعته وفر بعد ذَلِك فقيدا وَذهب على غير طَرِيق شَرِيدًا حَتَّى اتَّصل بِحَضْرَة عز الْإِسْلَام مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام وَطلب مِنْهُ أَن يجيره وَأَن
следующие страницы →