Полный текст (336 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مِنْهُم امْرَأَة من نَاس يُقَال لَهُم بَنو الْحداد ثمَّ انْتقل إِلَى قَرْيَة الذِّرَاع الْمَعْرُوفَة بِبَلَد صهْبَان وَتُوفِّي بهَا وَترك وَلَده داؤد الْمَذْكُور فَكَانَ مُبَارَكًا يعْمل بِيَدِهِ فِي الْحَرْث فَحدث لَهُ هَذَا الْوَلَد الصَّالح وَهُوَ الْحَاج شمس الدّين فَتوفي وَالِده وَتَركه ووالدته فَنَشَأَ هَذَا الْحَاج شمس الدّين حراثا وحدادا فحكي عَنهُ مَا تَوَاتر وَكَانَ السَّبَب لصلاحه أَنه قَالَ ذهبت إِلَى بعض الْقرى لآخذ شَيْئا من الطَّعَام أُجْرَة لعملي بشغل الْحَدِيد لبَعض الحراثين وأعطتني والدتي قرصين من الطَّعَام ودابة تحمل ذَلِك الطَّعَام فَلَمَّا كنت فِي أثْنَاء الطَّرِيق سَمِعت صَوتا ضَعِيفا فتبعت الصَّوْت فَنَظَرت رجلا مجذوما وقيحه وصديده يسيل عَلَيْهِ فَقلت مَا حَاجَتك فَقَالَ أُرِيد مَاء أشربه فَجِئْته بِمَاء وسقيته مِنْهُ وَأَطْعَمته من الزَّاد الَّذِي معي فَدَعَا لي فَلَمَّا فرغ من الْأكل هَمَمْت بالانصراف من عِنْده فَوجدت الْمَطَر مُقبلا إِلَيْنَا ففرشت إزَارِي فَوق ظهر حماري وحملت الرجل عَلَيْهِ وَكَانَ قيحه وصديده يسيل على إزَارِي وعَلى ظهر الْحمار فوصلت بِهِ إِلَى مَكَان يكنه من الْمَطَر فتركته ثمَّ انصرفت لحاجتي فَقلت فِي نَفسِي لَعَلَّ يَأْتِي بعض السبَاع فيأكل هَذَا المجذوم فَرَجَعت إِلَى ذَلِك الْمَكَان لأحمله إِلَى مَكَان آخر فَلم أَجِدهُ فتعجبت من ذَلِك ثمَّ ذهبت إِلَى بَيْتِي فَكَانَ كل من لَقِيَنِي قَالَ لي أَمَعَك مسك فَإنَّا نجد رِيحه مَعَك وَلم يكن معي شَيْء مِنْهُ فَذَهَبت بيتنا لأغسل ثِيَابِي من الْقَيْح والصديد الَّذِي وَقع بهَا من ذَلِك المجذوم فَلم نجد شَيْئا سوى رَائِحَة الْمسك فِيهَا فكتمت أَمْرِي ووقفت مُدَّة فِي بَيْتِي فَخرجت فِي بعض اللَّيَالِي إِلَى بعض الْمَسَاجِد فَنَظَرت جمَاعَة بهيئة حَسَنَة لم أعرفهم فَذَهَبت عَنْهُم فَجَاءَنِي بَعضهم وَقَالَ سلم على هَؤُلَاءِ فَسلمت عَلَيْهِم من غير أَن أتحقق حَالهم وهم قريب مَسْجِد قد عَرفته وَلَهُم هَيْئَة حَسَنَة انْتهى كَلَامه
ثمَّ قَالَ وَلَده الْحَاج جمال الدّين ثمَّ أَقَامَ وَالِدي بعد ذَلِك أَيَّامًا مُجْتَهدا بِالْعبَادَة ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة لِلْحَجِّ إِلَى بَيت الله الْحَرَام على طَرِيق ذمار وَصَنْعَاء هُوَ ورفقته
стр. 142
فَبَاتُوا فِي الْمَكَان الَّذِي يُسمى ذِي جزب عِنْد ذمار وَكَانَت اللَّيْلَة لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان قَالَ فعطش الرّفْقَة فَأخذت قربتين وقصدت المَاء فِي ظلمَة اللَّيْل فملأت إِحْدَاهمَا فَنَظَرت فَإِذا نور عَظِيم مَلأ الأَرْض إِلَى السَّمَاء فدعوت الله تَعَالَى بِمَا أردْت من خير الدَّاريْنِ ثمَّ مَلَأت الْقرْبَة الثَّانِيَة فَمَا فرغت من ذَلِك إِلَّا وَقد عَادَتْ الظلمَة فَرَجَعت إِلَى رُفَقَائِي وسقيتهم وَقلت لَهُم بِمَا رَأَيْت وأمرتهم بِالدُّعَاءِ ثمَّ نمنا وَكَانَت لَيْلَة مطيرة دَامَ فِيهَا الْمَطَر إِلَى الْيَوْم الثَّانِي ثمَّ سافرنا فوصلنا مَكَّة المشرفة ثمَّ توجهنا للزيارة فَلَمَّا كنت بَين المدينتين مَرضت فسافرت الرّفْقَة وتركتني فحرت فِي أَمْرِي وأتاني رجل أَخْضَر عَلَيْهِ ثِيَاب خضر فَوضع يَده على رَأْسِي ودعا لي فشفيت تِلْكَ السَّاعَة ثمَّ سرت فأدركت الْقَافِلَة ووصلت الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وزرت قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ رَجعْنَا إِلَى مَكَّة المشرفة وحججنا ثمَّ رجعت بلدي
قلت وَلما رَجَعَ إِلَى بَلَده من مَكَّة الشرفة اشْتهر غَايَة الشُّهْرَة وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَقصد للمهمات وَكَانَ يقْضى على يَده الْحَاجَات باذلا نَفسه لذَلِك غير متكبر وَلَا مستغن عَن عمل الْحَدِيد وَكَانَ يخرج السحب الْحَدِيد من النَّار فيمسحه بِيَدِهِ وَلَا تحرق النَّار يَده وزرته بِحَمْد الله تَعَالَى فَوَجَدته مبتذلا متواضعا وَالنَّاس تزدحم على تَقْبِيل يَده
وَله كرامات كَثِيرَة من ذَلِك أَنه يدْخل بَين القبيلتين وهما فِي الْحَرْب فيصلح بَينهمَا وَتَقَع الْحِجَارَة فِي بدنه فَلَا تُؤثر فِيهِ بِجرح وَلَا ألم
وَمِنْهَا دعاؤه للمرضى فيشفون من وقتهم
وَمِنْهَا مَا أَخْبرنِي وَلَده الْحَاج جمال الدّين أَن امْرَأَة حَائِضًا صنعت طَعَاما فَقرب لَهُ وَلم يعلم فَرفع يَده من الطَّعَام وَقَالَ رَأَيْت الدَّم على الطَّعَام
وَحكي أَنه كَانَ راتبه فِي كل يَوْم يقْرَأ فِيهِ ألف شرف الْفَاتِحَة ومئة شرف وَأحد عشر
стр. 143
شرفا توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بآخر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون وقبره بمقبرة الذِّرَاع يزار ويتبرك بِهِ
وَمن أهل المغربة من نواحي الْجند المقرىء الصَّالح عفيف الدّين مَسْعُود بن عمر الجندي كَانَ مقرئا محققا قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته فِي علم الْقرَاءَات ومشاركا فِي بَاقِي الْعُلُوم وَله معرفَة للأسماء وَله فِي الْأَخْبَار عَن المغيبات حكايات كَثِيرَة وَله تصرف وتحكم على الْجِنّ بِمَا علمه من الْأَسْمَاء وشفي على يَده جمَاعَة مِمَّن يجن ويخالطه الجني من الْأنس وَأثْنى عَلَيْهِ سَيِّدي الشَّيْخ الْوَلِيّ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الجبرتي ثَنَاء مرضيا قَالَ كَانَ لَهُ عبَادَة وَصِيَام وَقيام بِمَا يقرب إِلَى الله وَمن شُيُوخه الشَّيْخ وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عبد الصَّمد الضمرِي وَتُوفِّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبره بمقبرة المغربة وَهُوَ يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم المقرىء جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الجندي كَانَ مقرئا عابدا صَالحا كثير الذّكر والتلاوة تخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء والطلبة وَكَانَ على طَريقَة السّلف الصَّالح يُبَاشر أَعمال الزَّرْع بِيَدِهِ ويجتهد بِالْعبَادَة توفّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الْفَقِيه يُوسُف بن عمرَان بن نعْمَان كَانَ فَاضلا عابدا يقوم اللَّيْل ويصوم النَّهَار وَظَهَرت لَهُ كرامات توفّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم المقرىء جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد القهامي قَرَأَ بالقراءات السَّبع على المقرىء عفيف الدّين جَعْفَر الْآتِي ذكره وَأَجَازَ لَهُ فدرس وَأفْتى بِعلم الْقرَاءَات وَتُوفِّي شَهِيدا من ألم الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة
стр. 144
وَمن أهل الوثب الْفَقِيه شمس الدّين يُوسُف بن عمر بن مقدم العياني كَانَ فَقِيها مُجْتَهدا بِالْعبَادَة والإصلاح بَين النَّاس وَظَهَرت لَهُ كرامات توفّي سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم أَخُوهُ الْفَقِيه عفيف الدّين مُسلم بن عمر كَانَ فَاضلا مُجْتَهدا بِالْعبَادَة فظهرت لَهُ كرامات توفّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن أهل قَرْيَة قرامد القَاضِي الْأَجَل شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الشجاع الوجهي قَرَأَ بالفقه على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَولي الْقَضَاء وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَتُوفِّي بآخر المئة الثَّامِنَة
وَخَلفه بمنصبه ابْن عَمه القَاضِي رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عبد الله الشجاع قَرَأَ على ابْن عَمه الْمُقدم الذّكر وعَلى غَيره ودرس وَأفْتى وَلم تطل مدَّته بل توفّي بعد ابْن عَمه بِمدَّة قَليلَة
وَمن اليهاقر المقرىء الْفَاضِل الصَّالح رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عَليّ الْمَشْهُور بالمقرىء أصل بَلَده حمر فانتقل مِنْهَا للْقِرَاءَة فِي الْقرَاءَات السَّبع فاستوطن اليهاقر واشتهر بِعلم الْقرَاءَات وتجويدها فدرس بهَا وَفتحت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَنسب إِلَى علم الْأَسْمَاء وَظَهَرت لَهُ كرامات وزاره النَّاس وَأَجْمعُوا على صَلَاحه وجلله السُّلْطَان واحترمه فِي مَكَانَهُ وجيرانه وَمن لَجأ إِلَيْهِ أَمن وَقبلت شَفَاعَته فِيهِ ودام على ذَلِك إِلَى أَن توفّي بعد سنة عشر وثمانمئة وقبر بمقبرة اليهاقر عِنْد الْفُقَهَاء من بني التربتي الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ قَدِيما وَالصَّلَاح رَحِمهم الله تَعَالَى ونفع بهم آمين
стр. 145
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَالم الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْمَشْهُور بالفقيه بَيَان حُكيَ أَنه من قَبيلَة يُقَال لَهُم بَنو قَاسم وَأَنه قَرَأَ على عُلَمَاء وقته فَكَانَ مقرئا فَقِيها مدرسا مفتيا عابدا صَالحا اشتهرت لَهُ كرامات وانقاد لَهُ أهل قطره فأتمروا بأَمْره وانتهوا بنهيه وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَنظر على الْمَسْجِد الْأَوْسَط باليهاقر فعمره عمَارَة جَيِّدَة وَقَامَ بِهِ أتم قيام ثمَّ توفّي بعد سنة خَمْسَة عشر وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ
وَمن أهل الْجند القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن حُسَيْن البَجلِيّ كَانَ عَالما عَاملا أصل بَلَده بجيلة انْتقل لطلب الْعلم فَقَرَأَ على جمَاعَة من الْأَئِمَّة وَحضر مجْلِس التدريس للْإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ والفقيه نَفِيس الدّين الْعلوِي فأجازا لَهُ وَتَوَلَّى الْقَضَاء بالجند وَكَانَت سيرته مرضية وَله شمائل مرضية توفّي بالعشر الأول من المئة التَّاسِعَة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَالم وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن غَازِي قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته وأجازوا لَهُ وَكَانَ يخْطب بِجَامِع الْجند إِلَى أَن توفّي بعد سنة عشر وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفُقَهَاء بَنو شقير قد ذكر الجندي المؤرخ الْعلمَاء مِنْهُم وَنسب بِنَاء الْمدرسَة الشقيرية وَمِمَّنْ تَأَخَّرت وَفَاته مِنْهُم الْفَقِيه رَضِي الدّين أَبُو بكر بن شقير وَمن شُيُوخه الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَتُوفِّي فِي المئة التَّاسِعَة بأولها رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم المقرىء وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن شقير قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته فِي الْقرَاءَات السَّبع وَفِي غَيرهَا وانتفع بِهِ وأجازوا لَهُ فَمن شُيُوخه فِي الْقرَاءَات المقرىء الملحاني وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فَكَانَ مقرئا مُحدثا وفقيها مدرسا
стр. 146
مفتيا وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فِي الْجند فَامْتنعَ من قبُوله تورعا وَتُوفِّي بالفناء الْأَكْبَر شَهِيدا من ألم الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ آمين وَبِه انقرض من يذكر من بني شقير
وَمن المتوفين بالجند القَاضِي عفيف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد الجبيلي قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته بِمَدِينَة تعز وزبيد وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء بالجند وأضيف إِلَيْهِ الخطابة بالجامع وَتُوفِّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم المقرىء اللَّيْث البنائي قَرَأَ بالقراءات السَّبع على المقرىء شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الشرعبي ثمَّ رتب إِمَامًا فِي جَامع الْجند وأضيف إِلَيْهِ الخطابة فِيهِ فَكَانَ يدرس بالقراءات السَّبع وَيكرم الضَّيْف ويجتهد بِقَضَاء حوائج الْمُسلمين وَكَانَت لَهُ عبَادَة وزهادة توفّي سنة خمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن أهل السمكرة القَاضِي رَضِي الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد الحصوي حكى لي الثِّقَة أَنه كَانَ فَقِيها عَالما عَاملا يدرس ويفتي وَأَنه تولى الْقَضَاء بالجند وأعماله وَسَار فيهم سيرة حَسَنَة وَتُوفِّي بآخر المئة الثَّامِنَة وقبر بمقبرة السمكر رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم المقرىء رَضِي الدّين أَبُو بكر بن أَحْمد الْهَمدَانِي اشْتهر بِمَعْرِِفَة الْقرَاءَات السَّبع وشارك فِي غَيرهَا من أَنْوَاع الْعُلُوم ودرس وَأفْتى وَكَانَ مبارك التدريس ثَبت فِي الْفَتْوَى وَتُوفِّي بِأول المئة التَّاسِعَة وقبر بمقبرة السمكر رَحمَه الله
стр. 147
وَمن أهل زبران الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن يُوسُف الزبراني قَرَأَ على الإِمَام الريمي ثمَّ الْفَقِيه زين الدّين عمر بن أَحْمد الزبراني كَانَا فاضلين مباركين أثنوا عَلَيْهِمَا بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وتوفيا آخر المئة الثَّامِنَة وَاحِدًا بعد وَاحِد لم أتحقق السَّابِق مِنْهُم موتا رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وللفقيه جمال الدّين الْمَذْكُور مَنَام عَجِيب يدل على خَيره وفضله ذكرت ذَلِك فِي الأَصْل وحذفته هُنَا اختصارا
وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح شمس الدّين يُوسُف بن سعيد الييس السورقي قيل أَنه من تلامذة الْفَقِيه تَقِيّ الدّين عمر بن سعيد بن فاتك تولى الخطابة بِجَامِع الْجند وَكَانَت لَهُ عبَادَة وكرامات وَتُوفِّي بعد سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن أهل البرح تَحت حصن الدملوة القَاضِي الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الصَّمد بن أبي بكر العريقي السكْسكِي البرحي قَرَأَ بفن الْفِقْه على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته وَقَرَأَ بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير وَسمع على الشَّيْخ مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَكَانَ عَالما عَاملا صَالحا سالكا طَرِيق السّلف الصَّالح مجمعا على جلالته وورعه وزهده وأضيف إِلَيْهِ ولَايَة الْقَضَاء فِي بلد الجوه وَمَا إِلَيْهَا ودام على ذَلِك إِلَى أَن غلب عَلَيْهِ الشوق إِلَى بَيت الله الْحَرَام فسافر إِلَيْهِ وَتُوفِّي هُنَالك بعد سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ
وَمن أهل اللفج الْحَاج الصَّالح شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن مكين كَانَ
стр. 148
رجلا مُبَارَكًا كثير التَّرَدُّد للسَّفر إِلَى مَكَّة المشرفة وَإِلَى الْمَدِينَة ويزور الصَّالِحين وَالْفُقَهَاء والأخيار وَأثْنى عَلَيْهِ القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي بعد أَن آخاه ووفد عَلَيْهِ إِلَى مَدِينَة إب بِشَهْر ربيع من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثمانمئة وَلم أتحقق من تَارِيخ وَفَاته وَلَا أَيْن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عَطِيَّة بن عبد الله صَاحب الكبة وَكَانَ من الْعباد والزهاد واشتهرت لَهُ كرامات فجلل واحترم مَكَانَهُ لأَجله وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن ذُريَّته الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ والفقيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام كَانَا فقيهين فاضلين اشتهرا بِالْكَرمِ وإقراء الضَّيْف وقصدا للمهمات وقضيت على يديهما الْحَاجَات وَتُوفِّي الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون والفقيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام قبله بِنَحْوِ سنتَيْن وقبر بمقبرة رِبَاط الكبة رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما آمين
وَمن أهل اللفج الْفَقِيه الصَّالح برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن إِبْرَاهِيم بن يحيى بن مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن مسبح كَانَ فَقِيها عَالما عَاملا درس وَأفْتى إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم وَلَده النجيب الشَّيْخ الصَّالح الْوَلِيّ ذُو الكرامات وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن صَاحب اللفج قَرَأَ بالعلوم الْفِقْهِيَّة على بعض أَئِمَّة وقته وَقَرَأَ بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَقَرَأَ بِعلم الْأَسْمَاء فِي اماكن مُتَفَرِّقَة وَكَانَ ذَا جاه عريض وكرم مستفيض باذلا نَفسه لقَضَاء حوايج الْمُسلمين مَعَ جاهه الْكَبِير عِنْد وُلَاة الْأَمر وَغَيرهم وَكَانَت لَهُ كرامات كَثِيرَة وتواضع واجتهاد بِالْعبَادَة مَعَ الْقيام بِاللَّيْلِ وَالصِّيَام بِالنَّهَارِ وَدُعَاء وتضرع وابتهال وَأخْبر عَن الْيَوْم الَّذِي يَمُوت فِيهِ وَعند قريب وَفَاته ودع أهل بَلَده وَأَهله وَأَصْحَابه وأستبرأ ذمَّته مِنْهُم وَلما قربت وَفَاته كتب إِلَى الإِمَام
стр. 149
نَفِيس الدّين الْعلوِي أَنه يَمُوت قبل وَفَاء سنة من مَوته فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَتُوفِّي بِشَهْر شعْبَان الْكَرِيم سنة أَربع وَعشْرين وثمانمئة
فَلَمَّا توفّي خَلفه بمنصبه ابْن أَخِيه الْفَقِيه الْفَاضِل الْعَالم تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المسبح قَرَأَ بِعلم الحَدِيث على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فِي علم الْفِقْه وعَلى غَيره بِعلم الْفِقْه من أهل وقته وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى فَكَانَ عَالما عَاملا صَالحا يرحل إِلَيْهِ طلبة الْعلم الشريف من أَمَاكِن شَتَّى ويفيدهم الْفَوَائِد الجليلة وَمِمَّنْ تخرج بِهِ بَنو المشملي والفقيه جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن بن عبد الصَّمد وَمن وَفد إِلَيْهِ أكْرمه بأنواع الضيافات وَله كرامات اشتهرت عِنْد أهل تِلْكَ الْجِهَات وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة
وَمن المتوفين بالمنصورة الْفَقِيه الْعَلامَة شمس الدّين يُوسُف بن أَحْمد بن عَطِيَّة الْخياط الجندي قَرَأَ بِالْحَدِيثِ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَغَيره بِمَدِينَة تعز وبمكة المشرفة على الشَّيْخ كَمَال الدّين أبي الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد بن ظهيرة وَقَرَأَ على جمَاعَة من فُقَهَاء الْيمن فِي الْفِقْه فدرس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء فِي منصورة الدملوة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الافتخارية بهَا وَكَانَ ذَا علم وَعمل انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة بالفتوى والتدريس بِتِلْكَ الْجِهَات إِلَى أَن توفّي قريب سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن درسته الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن الْخَطِيب الْمَشْهُور هُنَالك
стр. 150
والفقيه شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن زُرَيْع والفقيه شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الصارم الموزعي وشهاب الدّين وعفيف الدّين عبد الله ابْنا عبد الرَّحْمَن الْخَطِيب فَهَؤُلَاءِ فُقَهَاء تِلْكَ الْبَلدة وَلم أتحقق تَارِيخ وفاتهم وَلَا تَفْصِيل حَالهم رَحِمهم الله تَعَالَى ونفع بهم آمين
وَمن المتوفين بالمنصورة من الوافدين إِلَيْهَا القَاضِي الْعَلامَة صارم الدّين داؤد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الْهَمدَانِي نسبا المقروضي بَلَدا كَانَ عَالما عَاملا ذكيا فَاضلا قَرَأَ على الْفُقَهَاء بِمَدِينَة إب بِعلم الْفِقْه وَأثْنى عَلَيْهِ الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي وَكَانَ قد تولى هَذَا القَاضِي صارم الدّين الْقَضَاء ببعدان ثمَّ انْفَصل عَنهُ فانتقل إِلَى تعز فولاه قَاضِي الْأَقْضِيَة وَهُوَ الشَّيْخ شهَاب الدّين الرداد على قَضَاء المنصورة وَقد كَانَ مُتَوَلِّيًا عَلَيْهَا قبل فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة القَاضِي وجيه الدّين النحواني فانتقل القَاضِي وجيه الدّين مِنْهَا إِلَى مَدِينَة إب وَاسْتمرّ القَاضِي صارم الدّين على الْقَضَاء بذلك الْمَكَان فَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر الْمخوف وَعمر مَا تشعث من الْمَسَاجِد بِتِلْكَ الْجِهَات مِنْهَا جَامع الجؤة وألزم أهل الْبَلَد إِقَامَة الْجَمَاعَة فِي الصَّلَوَات وَالْأَذَان بعد أَن كَانُوا أهملوا ذَلِك أَو بَعضهم وَقد قيل إِن هَذَا الْجَامِع مِمَّا عمره الْحُسَيْن بن سَلامَة وَلِهَذَا القَاضِي صارم الدّين أَبْيَات من الشّعْر ضمنهَا الأبيات الَّتِي للشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر العمراني حَيْثُ يَقُول
(كم حَاجَة بِمحل النَّجْم قربهَا ... طول التَّعَرُّض والروحات وَالْبكْر)
فَقَالَ القَاضِي صارم الدّين مادحا للشَّيْخ عماد الدّين يحيى بن أبي الْخَيْر وللبيان الَّذِي صنفه الشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
стр. 151
(إِن الْبَيَان بَيَان للعلوم وَقد ... خص الْمذَاهب مَا قَالُوا وَمَا سطروا)
(جمع الْأَمَام تَقِيّ الْعدْل صنفه ... لله يحيى فأحيا كلما ذكرُوا)
(وقلد الشَّافِعِي وَاخْتَارَ مذْهبه ... لما رأى قَوْله يَعْلُو إِذا افْتَخرُوا)
(قولا سديدا بِحَبل الله معتصما ... وزانه النَّص وَالْإِجْمَاع والأثر)
(وَقَالَ فِي خَتمه قولا فَصَارَ بِهِ ... الركب يمتثل والبدو والحضر)
(كم حَاجَة بِمحل النَّجْم قربهَا ... طول التَّعَرُّض والروحات وَالْبكْر)
(اشْدُد يَديك بِحَبل الدَّرْس مُجْتَهدا ... وَإِن أمضك طول اللَّيْل والسهر)
(إِن التُّجَّار إِذا جاؤوا وَقد ربحوا ... أنساهم الرِّبْح مَا عناهم السّفر)
هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة للأمام عماد الدّين يحيى بن أبي الْخَيْر وَقد اضاف إِلَيْهَا القَاضِي صارم الدّين مَا تقدم مَعَ زِيَادَة عَلَيْهَا هِيَ مَذْكُورَة فِي الأَصْل وَتركت بَاقِيهَا هُنَا اختصارا وَتُوفِّي هَذَا القَاضِي صارم الدّين سنة تسع وَعشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن بلد الأشعوب جمَاعَة من الْفُقَهَاء والفضلاء أَجلهم الْفَقِيه الْعَلامَة وجيه الدّين عبد الله بن الشَّيْخ الكبيري البرحي الشّعبِيّ الدملوي قَرَأَ على أَئِمَّة وقته بِبَلَدِهِ وبمدينة تعز وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَلم أتحقق وَفَاته
وَمِنْهُم وَلَده أَبُو بكر قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره من أَئِمَّة وقته فدرس وَأفْتى وَتُوفِّي بعد وَالِده بِسنة
وَمن أَوْلَاده القَاضِي برهَان الدّين إِبْرَاهِيم قَرَأَ على وَالِده وَجمع بَين طَريقَة الْفِقْه والتصوف فَمن مشايخه فِي التصوف الشَّيْخ مُحَمَّد المزجاجي وَفِي الحَدِيث الإِمَام نَفِيس الدّين وَالشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَكَانَ آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر وَتُوفِّي سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
стр. 152
وَمِنْهُم الْفَقِيه عبد الصَّمد بن أبي بكر قَرَأَ على وَلَده الْفَقِيه برهَان الدّين الْمُقدم الذّكر وعَلى غَيره وَولده الْفَقِيه شهَاب الدّين وصنوه الْفَقِيه شمال عَليّ بن عبد الصَّمد كَانُوا ذَوي فضل وَعلم وَظَهَرت لبَعْضهِم كرامات
وَمن أهل تِلْكَ الْجِهَات بمعشار الدملوة القَاضِي عفيف الدّين عبد الرَّحِيم بن عبد الله الأصبحي هُوَ من درسة الإِمَام شمال عَليّ بن أَحْمد الأصبحي مُصَنف كتاب الْمعِين قَرَأَ هَذَا الْفَقِيه عبد الرَّحِيم على القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي فِي الْفِقْه وأجازوا لَهُ هُوَ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي
حُكيَ أَن هَذَا الْفَقِيه عبد الرَّحِيم كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة زِيَادَة على مئة رَكْعَة تَطَوّعا واشتهرت لَهُ كرامات وَكَانَ باذلا نَفسه للطلبة وتدريس الْعلم وَتُوفِّي سنة تسع وَسِتِّينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ آمين
وَمن أهل قدس الْفَقِيه الصَّالح تَقِيّ الدّين عمرَان بن عَليّ بن عمرَان السلَامِي كَانَ فَقِيها عَالما عَاملا ورعا زاهدا صَالحا عَلَيْهِ السكينَة وَالْوَقار درس وَأفْتى وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وَكَانَ كثير الصّيام وَالْقِيَام لَا يَأْكُل طَعَاما فِيهِ شُبْهَة وَحصل كتبا كَثِيرَة وَإِذا سَافر حملهَا مَعَه وَقد ضَبطهَا أحسن ضبط توفّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن الْفُقَهَاء بذبحان الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم السمري قَرَأَ على الإِمَام رَضِي الدّين ابْن الْخياط وعَلى غَيره من فُقَهَاء وقته وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَكَانَ
стр. 153
فَقِيها عَالما عَاملا وَحصل كتبا كَثِيرَة أوقفها على طلبة الْعلم هُنَالك وَتُوفِّي بعد سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَأما بَنو المسن من أهل ذبحان فقد ذكر الجندي المؤرخ مِنْهُم الصَّالح شُجَاع الدّين عمر بن المسن وَبَعض ذُريَّته فَمِمَّنْ اشْتهر مِنْهُم من أهل عصرنا الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عمر بن مُحَمَّد بن المسن قَالَ القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النحواني هُوَ صَاحب الطَّرِيقَة وَإِمَام أهل الْحَقِيقَة واستاذ العارفين وَشَيخ الْمُحَقِّقين أخْبرت أَن مولده فِي الرَّابِع عشر من الْمحرم سنة أَربع وَخمسين وسبعمئة قَالَ وَهُوَ مِمَّن جمع صِفَات المحاسن واحتوى على محَاسِن الصِّفَات وكرم الشَّمَائِل وعذوبة الطَّبْع وَحسن الْأَخْلَاق ولين العريكة وَقرب الجناب ولطف الْمَعْنى كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ وَالصَّلَاح متضلعا فِي فنون الْعلم متحريا فِيهَا سِيمَا علم الْعَرَبيَّة فَإِن لَهُ فِيهِ الْيَد الطُّولى والغاية القصوى وَله قريحة مطاوعة وفطنة لامعة وفصاحة رائعة وَقدم فِي الْعُلُوم بارعة وَكَانَ محبوبا إِلَى عَامَّة النَّاس وخاصتهم مَقْبُول الشَّفَاعَة مسموع الْكَلِمَة مجاب الدعْوَة فِي حَال السماع إِذْ كَانَ شاربا من الْمعرفَة بالكأس الأوفى سالكا مَسْلَك الحنفا وَأعْطِي الْحَظ وَالْمشْرَب الأصفى قَالَ النحواني رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت عَلَيْهِ طرفا من علم الْعَرَبيَّة وَغير ذَلِك وعَلى الْجُمْلَة فَكَانَ هَذَا الشَّيْخ مِمَّن جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل فمنحه الله الْخَيْر الدنيوي والأخروي وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة وَكَانَت لَهُ قريحة مطاوعة ينظم بهَا الشّعْر من ذَلِك مَا قرأته مُعَلّقا بِخَط تِلْمِيذه القَاضِي وجيه الدّين النحواني قَالَ أَقمت عِنْد الشَّيْخ الصَّالح الرباني عفيف الدّين عبد الله بن عمر المسن أَيَّامًا ثمَّ أردْت أَن استأذنه بِالسَّفرِ
стр. 154
من عِنْده فَكتبت إِلَيْهِ أبياتا فَأَجَابَنِي بقوله
(يَا سيدا رقت مَعَاني لَفظه ... ومهذبا فاقت علاهُ فخارا)
(الْأذن إذنك لَا جنَاح فَمن يساوره ... المشوق لَا يلذ قرارا)
(وَيكون صبح غَد رحيلك سالما ... وتعود فِي كنف اللقا تسمارا)
وَلما تولى القَاضِي وجيه الدّين النحواني قَضَاء جبلة كتب إِلَيْهِ الشَّيْخ عفيف الدّين مَا مِثَاله من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(سرى ناعم النشر من ذِي سلم ... فَطَافَ بِربع الشجا واستلم)
(وخامرني من شذا طيبه ... ارتياح السلاف وروح النعم)
حَتَّى قَالَ فِي آخرهَا يمدح القَاضِي وجيه الدّين النحواني
(لَعَلَّ الْوَجِيه وَيَا رُبمَا ... لمستعطفيه تَقولُوا نعم)
(فتزهو اللَّيَالِي اللواتي خلفن ... وَترجع بالوصل سود اللمم)
(أحبة قلبِي فَمن لي بكم ... وَكم لي وَكم لي وَكم)
(وَلَوْلَا وَلَوْلَا وَلَوْلَا وَلم ... لحمت على ربعكم والخيم)
(وأزكى التَّحِيَّة تغشاكم ... صباحا مسَاء وأوفى النعم)
وَله غير ذَلِك من القصائد والتواسل
توفّي هَذَا الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله بن عمر الْمُقدم الذّكر فِي أَيَّام التَّشْرِيق من خَاتِمَة شهور سنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وقبره مَشْهُور بزار ويتبرك بِهِ
وَخَلفه بمنصبه الشَّيْخ الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله قَامَ مقَامه فِي إكرام
стр. 155
الضَّيْف وَالْإِحْسَان إِلَى الْوَافِد وَالسَّعْي فِي الْإِصْلَاح بَين النَّاس فَكَانَ مسموع القَوْل مُطَاع الْأَمر لَهُ الجاه العريض وَالثنَاء المستفيض وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى توفّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة
وَخَلفه بعده جمَاعَة من أَهله لم ينالوا رتبته إِلَى أَن نجب فيهم فِي وقتنا الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله هُوَ ابْن عَم الشَّيْخ عفيف الدّين الْمُقدم الذّكر صَاحب الشّعْر الْمُتَقَدّم فأحيا منصبهم مآثرهم وَهُوَ الْآن عُمْدَة للقاصد والوافد ويجتمع عِنْده جمَاعَة للذّكر وَجعل ذَلِك راتبا على الدَّوَام وَظَهَرت لَهُ كرامات ودام على ذَلِك إِلَى أَن توفّي
وَمن المتوفين بذبحان الْمقري عفيف الدّين مَسْعُود بن مُحَمَّد الحسني أَخذ الْعلم عَن المقرىء سعيد بن عَليّ السورقي والمقرىء نَاجِي بن سعيد السورقي وشارك بِشَيْء من علم الْفِقْه وَكَانَ معدودا من أهل بَيت الشَّيْخ الْعَفِيف بن عبد الله بن مُحَمَّد المسن وملازما لَهُ ومؤدبا لأولاده وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسِتِّينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن بلد الأشعوب بعزلة سامع الشَّيْخ عفيف الدّين عَبَّاس بن عَليّ الكريمي كَانَ مِمَّن صحب الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله بن عمر المسن وتأدب بآدابه وتحكم على يَده واجتهد بِالْعبَادَة وَظهر لَهُ كرامات وَتُوفِّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَله ولدان أَحدهمَا اسْمه مُحَمَّد كَانَ سالكا طَرِيق وَالِده فِي الْعِبَادَة وَشهر بِالْخَيرِ وَالثَّانِي اسْمه أَحْمد كَانَ مُبَارَكًا وَظَهَرت لَهُ كرامات وَتُوفِّي مُحَمَّد بعد سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة وَتُوفِّي أَحْمد بعده وَقد نَشأ لَهُ ولد هُوَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أخْبرت أَنه من الأخيار الصَّالِحين وَظَهَرت لَهُ كرامات وَتُوفِّي بِشَهْر جُمَادَى الاخرة سنة أَربع وَسبعين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
стр. 156
القَوْل فِي ذكر من تحققنا حَاله من الْأَعْيَان من أهل قَائِمَة بني حُبَيْش وَجبن والمقرانة ودمت وخبان والربيعين وَحجر وصهيب وَمَا والى ذَلِك
فَمن أهل جبن الإِمَام الْعَلامَة تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد الحبيشي قَرَأَ على الإِمَام عَليّ بن أَحْمد الأصبحي مُصَنف الْمعِين وعَلى غَيره بِسَائِر الْعُلُوم وَكَانَ معاصرا للْإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الخلي وَقد ذكره الجندي المؤرخ وَلما مَاتَ الإِمَام تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد الحبيشي اشْتهر بعده جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الحبيشي كَانَت لَهُ معرفَة جَيِّدَة بِعلم الْفِقْه وَولي الْقَضَاء بجبن وَمَا والاها وَسَار فيهم سيرة حَسَنَة مرضية واشتهر بِالْكَرمِ وتجويد الْفَتْوَى ودام على ذَلِك إِلَى أَن توفّي بعد سنة عشْرين وثمانمئة
وَخَلفه بمنصبه أَوْلَاده النجباء مِنْهُم القَاضِي شرف الدّين أسماعيل بن مُحَمَّد بن أبي بكر قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره بالفقه وَتَوَلَّى الْقَضَاء بعد وَالِده فحسنت سيرته ثمَّ توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة ثمَّ قَامَ بمنصبه بعده أَخُوهُ رَضِي الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد وَكَانَت قِرَاءَته بالفقه على أَبِيه وعَلى غَيره وَتَوَلَّى الْقَضَاء هُنَالك إِلَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة فَتوفي بهَا من ألم الطَّاعُون شَهِيدا
стр. 157
ثمَّ تولى الْقَضَاء بعده أَخُوهُ القَاضِي الْأَجَل عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد وَقد كَانَ قَرَأَ بِمَدِينَة تعز على الْفَقِيه ولي الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد الوحصي ثمَّ بِمَدِينَة إب على الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج ثمَّ رَجَعَ بعد حُدُوث الطَّاعُون بِالْيمن ووفاة الْعلمَاء والأعيان بِالْبَلَدِ فجد واجتهد وَحصل الْكتب النافعة وَقَرَأَ بهَا أَيْضا على الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن مُوسَى الْعَطَّار تلميذ العوادي عِنْد وفوده إِلَى جبن وعَلى المقرىء شمس الدّين يُوسُف الريمي عِنْد وفوده أَيْضا إِلَى جبن وعَلى غَيرهم بالأصول وَالْفِقْه والنحو حَتَّى برع بهَا وانتهت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي الْعلم وَالْقَضَاء وَالْفَتْوَى بجهاته فَكَانَ مُطَاع القَوْل مسموع الْكَلِمَة وَاتفقَ بيني وَبَينه مَوَدَّة عَظِيمَة بعد أَن صحبته فِي حَال طلب الْعلم فَكتبت إِلَيْهِ أبياتا من الشّعْر فجاوب عَلَيْهَا بِمَا قد ذكرت ذَلِك جَمِيعه فِي الأَصْل مِمَّا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمُخْتَصر ودام على الْحَال المرضي حَتَّى مَاتَ من ألم الطَّاعُون شَهِيدا سنة ثَمَان وَخمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَخَلفه بمنصبه فِي الْقَضَاء والتدريس والخطابة بجبن صنوه الْفَقِيه تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد الحبيشي قَرَأَ على أَخِيه القَاضِي عفيف الدّين الْمُقدم ذكره وعَلى غَيره فدرس وَأفْتى وسلك الطَّرِيق المرضية فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والتوسط بِقَضَاء حوائج الْمُسلمين إِلَى المقامين شمس الدّين عَليّ بن طَاهِر وَصَلَاح الدّين عَامر بن طَاهِر وَكَانَ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة ﵀
وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عبد اللَّطِيف بن أَحْمد الجبني قَرَأَ بالنحو وَالْفِقْه على وَالِده وعَلى غَيره من عُلَمَاء وقته ثمَّ تولى الْقَضَاء بدمت وصباح ورداع وَمَا والى
стр. 158
ذَلِك وَقَرَأَ على الْأَئِمَّة فِي علم النَّحْو بِصَنْعَاء هُنَالك وأتقن فن الْأَدَب عِنْدهم من الْمعَانِي وَالْبَيَان وَكَانَ يحفظ كثيرا من أشعار الْعَرَب وَله قريحة ينظم بهَا الشّعْر وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن المتوفين بجبن من الوافدين إِلَيْهَا المقرىء الصَّالح برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عَليّ ابْن مُحَمَّد الْحرَازِي قَرَأَ على الْأَئِمَّة بوقته فِي علم الْقرَاءَات السَّبع مِنْهُم المقرىء شهَاب الدّين الْأَشْعَرِيّ فَجمع عَلَيْهِ وَأَجَازَ لَهُ بِبَلَدِهِ حراز فدرس وَأفْتى وانتفع عَلَيْهِ جمَاعَة كثير فِي جبن وَكَانَ كثير التِّلَاوَة وَالذكر وَالْعِبَادَة ودام على ذَلِك إِلَى أَن توفّي بعد سنة خمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَأما فُقَهَاء المقرانة فَمنهمْ الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الجبني كَانَ رجلا مشاركا فَاضلا لَهُ اجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة ومشاركة بِشَيْء من الْفِقْه وَتُوفِّي قبل تَمام المئة الثَّامِنَة
ثمَّ خَلفه وَلَده الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد كَانَ مُبَارَكًا عابدا زاهدا ملازما على تِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى والتوسط بِقَضَاء حوائج الْمُسلمين إِلَى السَّادة بني طَاهِر مَقْصُودا للمهمات وتقضى على يَدَيْهِ الْحَاجَات وَتُوفِّي سنة خمسين وثمانمئة
وَمن أهل دمت الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد النساخ كَانَ فَاضلا لَهُ مُشَاركَة بِشَيْء من الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة وملازما لمَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي مَعَ كَون أهل الْبَلَد
стр. 159
معظمهم زيدية وَحكي أَن جده هُوَ الَّذِي أنشأ الرسَالَة الْمَشْهُورَة إِلَى بني أَيُّوب مُلُوك مصر يحثهم فِيهَا على دُخُول الْيمن لإِزَالَة بني مهْدي الَّذين ملكوا الْيمن وأحدثوا فِيهَا الْمُنْكَرَات توفّي هَذَا الْفَقِيه شهَاب الدّين الْفَقِيه قبل وَفَاء المئة الثَّامِنَة بِقَلِيل أَو فِيهَا أَو بعْدهَا بِقَلِيل
وَمن المتوفين هُنَاكَ الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد الجبني قَرَأَ بالنحو وَالْفِقْه على وَالِده الْمُتَوفَّى بِمَدِينَة إب وعَلى غَيره من الْفُقَهَاء من بني البريهي وَبني الْكَاهِلِي هُنَالك وَلم يزل قَائِما فِيهَا حَتَّى توفّي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن المتوفين بخبان الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ بن علوي أَبَا علوي هُوَ من قوم صوفية كَانَ رجلا فَاضلا عابدا يحفظ من الْفَوَائِد وعقيان القلائد مَا يشْرَح الصُّدُور ويكسب السرُور وَفد هَذَا الشَّيْخ من بَلَده إِلَى عدن فَعرض لَهُ عَارض بقدومه إِلَى بلد خبان فعاجلته الْمنية وَتُوفِّي فِيهَا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن أهل الربيعين الْفُقَهَاء من بني الخلي فَمن الْمُتَقَدّم وَفَاته من ذكره الجندي المؤرخ وَهُوَ جدهم الإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أَحْمد الخلي فقد أثنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ نَشأ بعده من ذُريَّته الْفَقِيه تَقِيّ الدّين عمر بن إِسْمَاعِيل بن عمر بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد تصدر للتدريس وَالْفَتْوَى وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِتِلْكَ الْجِهَات فَكَانَت
стр. 160
سيرته محمودة ويقصد للمهمات وَتُوفِّي سنة
وَلما توفّي خَلفه بمنصبه الْفَقِيه الْمُبَارك عبد الله بن إِسْمَاعِيل كَانَت لَهُ مُشَاركَة بِشَيْء من الْفِقْه وَتَوَلَّى الْقَضَاء بعد أَخِيه أَيَّامًا ثمَّ أرْسلهُ الشَّيْخ جمال الدّين طَاهِر بن معوضه إِلَى عدن إِلَى السُّلْطَان فِيهَا لبَعض الْمُهِمَّات فعاجلته الْمنية فَتوفي هُنَالك قريب سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة
وَمِنْهُم أَخُوهُ الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن إِسْمَاعِيل أثنوا عَلَيْهِ ثَنَاء مرضيا وَكَانَ من الْعلمَاء العاملين وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته
وَمِنْهُم الْفَقِيه شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن عمر انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة من أهل هَذَا الْبَيْت بعد وَفَاة أَبِيه وَعَمه عبد الله واشتهر بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة وَالْكَرم وإقراء الضَّيْف وَله أَفعَال حَسَنَة يذكر فِيهَا توفّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة
وَمِنْهُم أَخُوهُ الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر قَرَأَ على الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي بِمَدِينَة إب وعَلى غَيره وَكَانَ ذَا ورع وَدين متين فَرجع إِلَى بَلَده وَتَوَلَّى الْقَضَاء فِي بَلَده وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي من مرض الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْفَاضِل عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر سلك طَريقَة الْفُقَهَاء العاملين وَلم يزل يدرس ويفتي غير مشتغل بِغَيْر ذَلِك فِي مُعظم أوقاته وَكَانَ ذَا دين متين وورع بَين وزهادة وَعبادَة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وثمانمئة
وَأما حجر فَمن المتوفين بالرباط الْمُسَمّى رحب الشَّيْخ الصَّالح كَمَال الدّين
стр. 161
مُوسَى بن عمر الْحَضْرَمِيّ أصل بَلَده حَضرمَوْت وَهُوَ فِيمَا حكى لي الثِّقَة من الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة ببني عباد فانتقلوا إِلَى الْيمن واشتهر مِنْهُم هَذَا الشَّيْخ كَمَال الدّين اجْتهد بِالْعبَادَة وَقصد للزيارة وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي بِهَذَا الْمَكَان الْمُسَمّى رحب فقبره يزار ويتبرك بِهِ فجلل هَذَا الْمَكَان واحترم لأَجله ثمَّ قَامَ بمنصبه بعده أَخُوهُ الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ بن عمر فَقَامَ بِهِ أتم قيام إِلَى أَن توفّي سنة
فَلَمَّا توفّي قَامَ بمنصبه وَلَده الشَّيْخ وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عَليّ فسكن الْمَكَان الْمُسَمّى خوبر واجتهد بِالْعبَادَة وإكرام الضَّيْف والتوسط بِقَضَاء حوائج الْمُسلمين فجلل هَذَا الْمَكَان واحترم لأَجله وَظَهَرت للشَّيْخ وجيه الدّين كرامات وَتُوفِّي بعد سنة خمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن المتوفين بصهيب القَاضِي شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الحصوي قَرَأَ على جمَاعَة من الْفُقَهَاء الأكابر بِمَدِينَة زبيد وَغَيرهَا وأجازوا لَهُ ثمَّ سكن صُهَيْب فأضيف إِلَيْهِ ولَايَة الْقَضَاء بهَا فَحكم ودرس وَأفْتى وَسَار بِأَهْل تِلْكَ الْبَلدة سيرة حَسَنَة إِلَى أَن توفّي سنة خمسين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ آمين
وَفِي سليك الْمَكَان الْمَشْهُور قريب صُهَيْب جمَاعَة من الأخيار من بني أَبَا عباد فَمنهمْ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عمر بن أبي بكر كَانَ عبدا صَالحا وَظَهَرت لَهُ الكرامات توفّي سنة رَحمَه الله
стр. 162
وَمن رِبَاط الحجفر الشَّيْخ الصَّالح الْوَرع الْفَقِيه الْعَالم جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الدريبي الطيار اشْتهر لهَذَا الشَّيْخ جمال الدّين فَضَائِل وكرامات واجتهاد بِالْعبَادَة وَالصِّيَام وإكرام الضَّيْف فجلل واحترم مَكَانَهُ فَمن قَصده فِي حَيَاته أَو بعد مَوته لأخذ شَيْء مِنْهُ ظلما من أعوان السُّلْطَان أَو غَيرهم تعجلت عُقُوبَته من الله تَعَالَى وَلم يزل هَذَا الشَّيْخ جمال الدّين على الْحَال المرضي من شدَّة الْوَرع والجاه العريض وَالْكَرم المستفيض إِلَى أَن توفّي سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن أهل المردع بِحجر الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن ظفر كَانَ من الْعباد والزهاد واشتهر بذلك وَقصد للمهمات وجلل واحترم مَكَانَهُ لأَجله
وَأما بَنو سُفْيَان فأولهم الَّذِي اشْتهر بِالْيمن هُوَ الْعَالم الصَّالح الْمَشْهُور سُفْيَان بن عبد الله قيل إِن أَصله من الْعرَاق وَإنَّهُ سكن عدن فِي زِيّ الْفُقَرَاء الترابية وَكَانَ مُجْتَهدا بِالْعبَادَة مَشْهُورا بالكرامات ويحكى أَن سُلْطَان الْيمن بوقته جعل التَّصَرُّف فِي أَمْوَال عدن لبَعض الْيَهُود وَأَن هَذَا الْيَهُودِيّ هُوَ الَّذِي أحدث الضرائب من التُّجَّار بِأَمْوَالِهِمْ ظلما وَكَانَ يشغل النَّاس عَن صَلَاة الْجُمُعَة بعدن فَأتى إِلَيْهِ هَذَا الصَّالح سُفْيَان وَقَالَ لَهُ أسلم فَامْتنعَ فَقتله فَلَزِمَهُ السُّلْطَان وحبسه فَلَمَّا طَال عَلَيْهِ الْحَبْس صنع مركبا صَغِيرا فِي الْحَبْس وَقَالَ لأهل الْحَبْس من ركب معي مِنْكُم فِي هَذَا الْمركب نجا فَلم يصدقوه فَركب فِيهِ وَغَابَ عَن أَعينهم هُوَ ومركبه فَقيل أَنه وجد فِي الْبَحْر يحملهُ المَاء بذلك الْمركب وَأَنه ذهب إِلَى بعض الْبلدَانِ الْبَعِيدَة ثمَّ عَاد
стр. 163
بعد موت السُّلْطَان وَسكن لحج فَتوفي بهَا فقبره هُنَاكَ يزار ويتبرك بِهِ
وَحكي أَنه من ذُريَّته أهل المرياح فَمنهمْ إِسْمَاعِيل بن أَحْمد وَكَانَ من الصَّالِحين وَمن عباد الله العارفين
وَمِنْهُم وَلَده بدر الدّين سعيد كَانَ عابدا صَالحا زاهدا مجاب الدعْوَة وَقصد للمهمات وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَلما توفّي خَلفه بمنصبه وَلَده الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد سلك سَبِيل وَالِده وَنسب إِلَيْهِ شَيْء من الكرامات واشتهر لَهُ ولدان أَحدهمَا الشَّيْخ إِسْمَاعِيل وَهُوَ الْأَكْبَر وَالثَّانِي الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد فظهرت لَهُ كَرَامَة وسلمت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة
وَمِمَّنْ سكن جحاف مِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح صارم الدّين دَاوُد بن أَحْمد هُوَ أَخُو الشَّيْخ سُفْيَان بن أَحْمد الْآتِي ذكره كَانَ فَاضلا عابدا فِي عقله خفَّة فَمن قَصده لحَاجَة قضيت ببركته وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَتُوفِّي بعد سنة عشْرين وثمانمئة
وَمِنْهُم الشَّيْخ معمر صَاحب حبيل بدر ثمَّ وَلَده مُحَمَّد وَعلي أَخْبرنِي بعض الثِّقَات أَنهم من الْفُضَلَاء والصلحاء من أهل الْعَصْر
وَمِنْهُم بحبيل الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد كَانَ فَاضلا مَقْصُودا للمهمات وتقضى عِنْد الْحَاجَات وَمن أهل الظبيات مِمَّن اشْتهر بعصرنا الشَّيْخ جمال الدّين الَّذِي اشْتهر عِنْد الْعَامَّة بسفيان بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عِيسَى بن سُفْيَان الْمُقدم الذّكر المدفون بلحج وَقيل غَيره وَكَانَ رجلا فَاضلا عابدا تحكم على يَده جمَاعَة من الْفُقَرَاء وسلمت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة وَكَانَ يجْتَمع عِنْده قدر ألف فَقير يقرؤون يس والفاتحة وَيدعونَ الله ويستجاب لَهُم وَكَانَ كَرِيمًا مكرما للضيف وَإِذا قل عِنْده الْوَافِد بَكَى وَكَانَ ذَا مَال كثير وَأَحْيَا أَرضًا ميتَة فعمرها وَكَانَ يصرف مغلها
стр. 164
طَعَاما للوافدين فجلل الشَّيْخ شُجَاع الدّين معوضة بن تَاج الدّين مَكَانَهُ واحترمه النَّاس بِزَمَانِهِ وَبعد وَفَاته وَظَهَرت لَهُ الكرامات ثمَّ خَلفه بمنصبه وَلَده الشَّيْخ بدر الدّين أسماعيل فَقَامَ بمنصبه أتم قيام إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَخمسين وثمانمئة
ثمَّ لما توفّي قَامَ بمنصبه أَخُوهُ الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ بن سُفْيَان إِلَى أَن توفّي مقتولا بتهامة بِشَهْر الْمحرم سنة خمسين وَسبعين وثمانمئة
وَمِمَّنْ تقدّمت وَفَاته وَلم يذكرهُ المؤرخون الشَّيْخ الصَّالح الْوَلِيّ تَقِيّ الدّين عمر بن الرَّاعِي أخْبرت أَنه من تلامذة الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله بن عمر المسن وَأَنه وَفد إِلَى ذبحان هُوَ وَالشَّيْخ الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن عبد الله الْعَدوي نِسْبَة إِلَى عدي الْمَشْهُور من ذُرِّيَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ وتحكما على يَد الشَّيْخ عفيف الدّين المسن الْمَذْكُور فَأَما الشَّيْخ عمر الرَّاعِي وَكَانَ يُسمى البدوي فَإِنَّهُ سكن خربة الحوش بِبَلَد العذارب وَظَهَرت لَهُ الكرامات واشتهر بِالْفَضْلِ وَالصَّلَاح وَغَايَة الشُّهْرَة وَرَأى بعض الْفُضَلَاء فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ الشَّيْخ عمر الرَّاعِي وَقد صَار هَذَا الْمَكَان لَهُ الْجَلالَة والاحترام ويقصد قبر هَذَا الشَّيْخ للزيارة فَهُوَ فِي الْمَسْجِد فِي الْقرْيَة الْمَذْكُورَة وزرته بِحَمْد الله تَعَالَى وَعِنْده كثير من الْأَمْتِعَة وَالثيَاب لَا حارس لَهَا
وَأما الْعَدوي وَهُوَ الشَّيْخ عمر بن عبد الله فَإِنَّهُ سكن الْمَكَان الْمُسَمّى الصلول بَين جبل يراخ وحصن فتر وَأقَام بِهِ زَمَانا يعبد الله تَعَالَى ويجتهد بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَام والتلاوة فجلل هَذَا الْمَكَان واحترم وَمن وَفد إِلَيْهِ أكْرم بأنواع الضيافات والصيانة واللطافة فَمَا أنفقهُ هَذَا الشَّيْخ الْمَذْكُور طعما للوافدين من الْأَرَاضِي الجليلة وَلم
стр. 165
يزل فِي هَذَا الْمَكَان من هُوَ قَائِم فِيهِ كَمَا ذَكرْنَاهُ وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاة هَذَا الشَّيْخ الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَفِي حبيل الأملوك الرِّبَاط الْمُسَمّى تبه للمشايخ الصلحاء من بني المسن وَقد سكن فِيهِ من ذُرِّيَّة الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ المسن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ عَليّ وَالشَّيْخ أَحْمد وَالشَّيْخ عفيف الدّين عبد الْعَزِيز وَهُوَ أكبرهم وأشهرهم وَكَانَ لَهُم عبَادَة وَفضل واشتهر مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور وَلما توفّي خَلفه بمنصبه أَوْلَاده الثَّلَاثَة جمال الدّين مُحَمَّد سكن الرِّبَاط الْمَشْهُور بالعشوة مِمَّا يوالي بلد الجحادر وَكَانَ مَقْصُودا للمهمات مكرما للضيف وَالثَّانِي هُوَ أَبُو الْقَاسِم وَالثَّالِث أَحْمد فاشتهر مِنْهُم بِالْكَرمِ أَبُو الْقَاسِم وَتُوفِّي بِأول المئة التَّاسِعَة
وَمِمَّنْ أغفل المؤرخون ذكره الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عبد الْأَكْبَر بن صَاحب رِبَاط ذِي عسل قيل إِنَّه من بني المسن وَقيل بل من فقرائهم وَحكي عَنهُ أَنه كَانَ ذَا فضل عَظِيم وَعبادَة وَصِيَام وَقيام بِاللَّيْلِ وَظَهَرت لَهُ كرامات فجلل مَكَانَهُ واحترم لأَجله
وَخَلفه بمنصبه وَلَده الشَّيْخ جمال الدّين فَقَامَ بمَكَان وَالِده أتم قيام وحذا حذوه بِأَفْعَال الْخَيْر فَلَمَّا توفّي قَامَ مقَامه وَلَده الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد قَامَ بِالْمَكَانِ أتم قيام ثمَّ خَلفه وَلَده أَبُو بكر فَقَامَ بِهِ أتم قيام ثمَّ وَلَده حَمْزَة ثمَّ بعده عبد الْوَهَّاب ثمَّ بعده عبد الصَّمد ولبعضهم كرامات رَحِمهم الله تَعَالَى ونفع بهم
стр. 166
القَوْل فِي ذكر من تحققنا حَاله من الْعلمَاء والصلحاء من أهل مَدِينَة تعز وصبر وَذخر وَمَا والاها والوافدين إِلَيْهَا من الْعلمَاء المتوفين بهَا
أما مَدِينَة تعز فَهِيَ الْبَلدة الْمَشْهُورَة الَّتِي جمعت فِي المئة الثَّامِنَة وَصدر من المئة التَّاسِعَة أعيانا من الْقُرَّاء وَالْفُقَهَاء والمحدثين من الْأَئِمَّة المبرزين
فَقبل أَوَاخِر المئة الثَّامِنَة كَانَ المتصدر للتدريس جمَاعَة أَجلهم الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي بكر بن أبي السُّعُود الحثيثي النزاري اشْتهر بالريمي فَهُوَ الَّذِي سلمت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي الْعلم فقصدته الطّلبَة من جَمِيع أقطار الْيمن وَغَيره واعترفوا بفضله واغترفوا من فَوَائده وفهمه فَكَانَ مَجْلِسه جَامعا للمبتدي والمنتهي يفيدهم من نخب علمه وَيفِيض عَلَيْهِم من جوده قَالَ فِيهِ بَعضهم
(عَلامَة الْعلمَاء واللج الَّذِي ... لَا يَنْتَهِي وَلكُل لج سَاحل)
فمعظم من اشْتهر من الْعلمَاء بعده من تلامذته وتلامذة تلامذته وَتُوفِّي بِمَدِينَة زبيد سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسبعمئة
وَأَخْبرنِي جمَاعَة من تلامذته أَنه قَلما يَأْتِي فِي تدريسه بِمَسْأَلَة إِلَّا ويستحضر فِيهَا نَص الشَّافِعِي ﵁ مَعَ مَا يذكر عَلَيْهَا الْعلمَاء من بعده وَأما مصنفاته فَهِيَ
стр. 167
كَثِيرَة مِنْهَا الشَّرْح الْكَبِير للتّنْبِيه الْمُسَمّى بالتفقيه نَحْو سِتَّة عشر مجلدا والمعاني البديعة فِي معرفَة اخْتِلَاف أهل الشَّرِيعَة وَكتاب الْإِجْمَاع وَكتاب بغية الناسك فِي معرفَة الْمَنَاسِك وَكتاب الغوامض المشروح فِي معرفَة الْإِنْسَان وَالنَّفس وَالروح وَكتاب الِانْتِصَار لعلماء الْأَمْصَار وَكتاب مطالع الْإِشْرَاق فِي اخْتِلَاف الْغَزالِيّ وَأبي إِسْحَاق وَكتاب الدّرّ النظيم الْمُنْتَقى من كتاب التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم وَله غير ذَلِك مِمَّا يطول تعداده مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي الأَصْل وَقد ذكر الخزرجي المؤرخ رَحمَه الله تَعَالَى بتاريخ فَضَائِل هَذَا الإِمَام مِمَّا يُغني عَن إِعَادَة ذَلِك هُنَا وَإِنَّمَا قصدت التَّبَرُّك بِذكرِهِ فِي كتابي وَذكر بعض مصنفاته رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن الوافدين إِلَى الْيمن أَيَّام شهرة الإِمَام الريمي القَاضِي الْعَلامَة الْمجمع على جَلَاله وعلو قدره وفضله من أَنْوَاع الْعُلُوم النافعة شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن صقر الغساني الدِّمَشْقِي كَانَ فَقِيها أصوليا مُحدثا أَخذ الْعلم عَن الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين كالشيخ نجم الدّين الأصفوني وَالْإِمَام جمال الدّين الأسنوي وَهُوَ أول من أَدخل كتاب الْمُهِمَّات إِلَى الْيمن ورزق الجاه وَالْقَبُول عِنْد الْعَامَّة وقربه السُّلْطَان الْمُجَاهِد إِلَيْهِ وولاه الْقَضَاء الْأَكْبَر وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من الْعُلُوم وَجعله من خواصه وَأهل حَضرته وَمد الله فِي عمره فَبَقيَ على الْقَضَاء الْأَكْبَر مُدَّة من أَيَّام الْمُجَاهِد وَمُدَّة ولَايَة الْملك الْأَفْضَل
стр. 168
وصدرا من أَيَّام الْملك الْأَشْرَف وَلما لزم أَمِير صَاحب مصر السُّلْطَان الْمُجَاهِد ثمَّ أطلق وَدخل الشَّام وَاجْتمعَ بِجَمَاعَة من كبار الصُّوفِيَّة وشيوخ الْعلم وَكتب إِلَى الإِمَام ابْن صقر كتابا بليغا يُعلمهُ بذلك وَبِمَا وجده فِي سَفَره من فَوَائِد وعجائب وغرائب مِمَّا قد ذكرته فِي الأَصْل بِكَمَالِهِ وَقد كَانَ السُّلْطَان الْمُجَاهِد جعل للْإِمَام ابْن صقر النّظر على الْمدَارِس فَبَقيَ على حَاله بذلك وبالتدريس وَالْفَتْوَى بِمدَّة الإِمَام جمال الدّين الريمي ودولة الْملك الْأَفْضَل إِلَى أَن توفّي بِمَدِينَة تعز سنة خمس وَثَمَانِينَ وسبعمئة وقبر بالأجيناد رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمن أهل مَدِينَة تعز المقرىء الصَّالح شمس الدّين عَليّ بن عَبَّاس السكْسكِي قَرَأَ بالقراءات السَّبع على المقرىء الصَّالح عَليّ بن مُسلم الْخَولَانِيّ وَقَرَأَ على غَيره من سَائِر فنون الْعلم حَتَّى تأهل للتدريس فدرس وَأفْتى وَأفَاد ثمَّ ندب لتأديب أَوْلَاد الْأَفْضَل بن الْمُجَاهِد مِنْهُم إِسْمَاعِيل الْأَشْرَف فَانْتَفع على يَده وَكَانَ المقرىء شمس الدّين عابدا صَالحا مَقْصُودا للمهمات واشتهرت لَهُ الكرامات فَكَانَ يزار وَيطْلب مِنْهُ الدُّعَاء وَكَانَ السُّلْطَان إِذا مر فِي طَرِيقه على بَاب دَاره وقف حَتَّى يلقاه المقرىء وَيَدْعُو لَهُ ثمَّ ينْصَرف السُّلْطَان ورزقه الله تَعَالَى ولدا نجيبا هُوَ الْفَقِيه وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن كَانَ فَاضلا برع فِي علم الْفِقْه والنحو والفرائض بعد قِرَاءَته على وَالِده وعَلى جمَاعَة من شُيُوخ عصره فنجب وأعجب ولي كِتَابَة الْإِنْشَاء فِي الدولة الْأَفْضَلِيَّة ثمَّ ولي الْقَضَاء الْأَكْبَر بعد موت الإِمَام ابْن صقر ثمَّ تولى الوزارة ومدحه الشُّعَرَاء بغرر المدائح فأجازهم الجوائز السّنيَّة وَمِمَّنْ مدحه الْوَزير التقي ابْن معيبد بقصيدة كَبِيرَة
стр. 169
(سميري فِي الدياجر والدجنة ... بِنَفس فِي الْمحبَّة مطمئنة)
(أعد ذكر الْأَحِبَّة لي فَإِنِّي ... عَليّ بذكرهم أَمن ومنة)
وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل توفّي المقرىء شمس الدّين عَليّ بن عَبَّاس وَولده الْوَزير وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن فِي سنة وَاحِدَة وَهِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وسبعمئة رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما آمين
وَمِنْهُم القَاضِي الْعَلامَة الإِمَام صفي الدّين أَحْمد بن مُوسَى بن عمرَان الشَّافِعِي قَرَأَ على ابْن المكرم وَابْن الدمتي وَغَيرهمَا من أَئِمَّة وقته وبرع فِي زمن الإِمَام الريمي فكاد يبلغ دَرَجَته وَتَوَلَّى الْقَضَاء فِي ثغر عدن ثمَّ انْفَصل عَنهُ وَتَوَلَّى الْقَضَاء لمدينة تعز ثمَّ انْفَصل عَنهُ وتصدر للتدريس والفتيا بهَا فَكَانَ يحل المشكلات وَجعل لَهُ النّظر على الْمدرسَة الشمسية والمدرسة السابقية والتدريس فيهمَا وَكَانَ يُقَال لَهُ شَافِعِيّ الزَّمَان فاشتهر بِهَذَا الِاسْم وَلَيْسَ هُوَ من ذُرِّيَّة الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ وَكَانَ يخْدم كتبه وَيجْعَل عَلَيْهَا الْحَوَاشِي المفيدة والاستدراكات العجيبة فَمن نظر فِيهَا شهد لَهُ بالتحقيق والتدقيق وصنف كتبا مِنْهَا كتاب مُخْتَصر لشفاء السقام فِي زِيَارَة خير الْأَنَام للْإِمَام تَقِيّ الدّين عَليّ بن عبد الْكَافِي السُّبْكِيّ وَاخْتصرَ شَيْئا من تَفْسِير الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ وَلم يتمه بل اخترمته الْمنية فَتوفي قبل كَمَال المئة الثَّامِنَة أَو فِيهَا أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى قد اعْترض على الإِمَام الريمي فِي مسَائِل كَلَامه باعتراض مُصِيب
وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز الإِمَام الْعَلامَة الصَّالح الْفَاضِل عفيف الدّين عبد الله بن صَالح بن عمر البريهي قَرَأَ على ابْن عَمه الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن البريهي وعَلى غَيره من عُلَمَاء وقته فَكَانَ فَقِيها عَالما عابدا صَالحا خَاشِعًا استدعي من بَلَده ذِي السفال للتدريس بِالْمَدْرَسَةِ الْأَفْضَلِيَّة بِمَدِينَة تعز فانتقل إِلَيْهَا لذَلِك
стр. 170
وأضيفت إِلَيْهِ الْخطْبَة بِجَامِع المغربة فَكَانَ يخْطب فِيهِ فترق الْقُلُوب لوعظه وتسكب عِنْد ذَلِك الدُّمُوع لِخُرُوجِهِ من قلب محشو بالمعارف الربانية والعلوم القدسية والأنوار الإلهية أجمع أهل عصره على صَلَاحه وتبركوا بمواقع أنامله وَأخْبر كل من عرفه أَنه ولي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَكَانَ مِمَّن تصدر للْفَتْوَى بحياة الإِمَام الريمي وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء فَقدم سَائل بسؤال على الإِمَام الريمي فَأمره أَن يتَقَدَّم بِهِ إِلَى الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن صَالح فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أَمر برده إِلَى الإِمَام الريمي وَاعْتذر عَن الْجَواب فتشفع صَاحب السُّؤَال وَأقسم على الْفَقِيه عفيف الدّين أَنه يُجيب عَلَيْهِ فَأجَاب لَهُ جَوَابا شافيا فَرجع بِهِ إِلَى الإِمَام الريمي فنظره وَاسْتَحْسنهُ وَقَالَ الْفَقِيه عفيف الدّين قَلِيل الْقِرَاءَة ثَبت فِي الْجَواب موفق للصَّوَاب وَالظَّاهِر أَن مَعَه ملكا يلقنه الْحق وَظَهَرت لَهُ كرامات فِي حَيَاته وَبعد مَوته فَأَما فِي حَيَاته فَمن ذَلِك مَا أَخْبرنِي القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن داؤد الوحصي قَالَ أَخْبرنِي الثِّقَة أَن الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن صَالح جَاءَ رجل إِلَيْهِ يشكو عَلَيْهِ الْحمى فَدَعَا لَهُ وَنفخ عَلَيْهِ فشفي تِلْكَ السَّاعَة وَأَخْبرنِي الثِّقَة عَن القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد العرشاني قَالَ كُنَّا نَقْرَأ كتابا عِنْد الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن صَالح البريهي فَقَالَ لنا اجتهدوا نختم كتابكُمْ يَوْم الْخَمِيس الْأَقْرَب فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى التدريس بعده يُشِير بذلك أَنه يَمُوت قَالَ فاجتهدنا وختمنا الْكتاب يَوْم الْخَمِيس وَلَيْسَ بِهِ مرض ثمَّ توفّي فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة من ذَلِك الْيَوْم رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَأما بعد مَوته فَمن ذَلِك مَا أخبر بِهِ الثِّقَة أَنهم لما فرغوا من غسله وتكفينه أجلسوه فَبَقيَ جَالِسا وَحده بِغَيْر إمْسَاك لَهُ إِلَى أَن قَرَأَ الْحَاضِرُونَ سُورَة يس وتبارك وَأَنه لما توفّي صَار فِي لحده موجها إِلَى الْقبْلَة سَمعه بعض من حضر قَبره أَنه أَو جمَاعَة
стр. 171
يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله أُلُوف الألوف أَو قَالَ لكوك اللكوك وَكَانَت وَفَاته سنة ثَمَان وَتِسْعين وسبعمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين وَأعَاد على الكافة من بركته آمين
وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح الْوَلِيّ المجذوب عفيف الدّين عبد الله اشْتهر بالشيخ الْعَفِيف كَانَ رجلا صَالحا خالطته محبَّة الله تَعَالَى فاختل عقله وَنسب إِلَى الْجُنُون فِي بعض الْحَالَات وَقد أخبر بعض الثِّقَات أَن هَذَا الشَّيْخ كَانَت لَهُ معرفَة جَيِّدَة بعلوم كَثِيرَة وَأَنه كَانَ يخبر بالمغيبات وَكَانَ مِمَّن يعرف علم الْأَسْمَاء وَقد قيل إِن الْجِنّ كَانَت تأتمر بأَمْره وتنتهي بنهيه وَكَانَ أَكثر وُقُوفه عِنْد جَامع المغربة بالريشة الَّتِي تَحت السيفية بِمَدِينَة تعز وَقد يقف عِنْد مستوقد الحمامات وَعند الْمَزَابِل حَال جُنُونه وَكَانَ يَقُول فلَان من أهل الْجنَّة وَفُلَان من أهل النَّار وَإِن بعض النَّاس امْتنع عَن الْمَشْي عِنْده خوفًا من أَن يَقُول من أهل النَّار فَلَمَّا علم الشَّيْخ الْعَفِيف بذلك أرسل إِلَيْهِ وَقَالَ للرسول قل لَهُ إِنَّه من أهل الْجنَّة وَقد كَانَ اصطحب الْمُمْتَنع من الْوُصُول عِنْد عزمه على الْوُصُول إِلَيْهِ بِشَيْء من الفل المشموم ليجعله لَهُ هَدِيَّة وَجعله فِي عمَامَته فنسي بعد وُصُوله إِلَيْهِ أَن يُعْطِيهِ الفل فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف من عِنْد الشَّيْخ الْعَفِيف وَكَانَ عِنْد مستوقد الْحمام أَخذ الشَّيْخ الْعَفِيف رَمَادا وَطَرحه إِلَيْهِ وَقَالَ هَذَا مثل الفل الَّذِي مَعَك فَتَأمل ذَلِك فَوجدَ الرماد قد اسْتَحَالَ فَلَا عجيبا وتذكر نسيانه للفل الَّذِي كَانَ أهداه فَكَانَت هَذِه بعض كرامات الشَّيْخ وَله كرامات كَثِيرَة غير ذَلِك بعد مَوته مِمَّا اجْمَعْ أهل الْبَلَد على اعْتِقَادهم بِهِ فهم يزورونه ويلتمسون الْبركَة وَقَضَاء الْحَوَائِج لَهُم مَعَ الدُّعَاء عِنْد قَبره وَكَانَت وَفَاته قريب آخر المئة الثَّامِنَة وقبره بالأجيناد بالحياط الَّذِي بني على قَبره هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْوَلِيّ الصَّالح الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الْعَلِيم بن عبد الله المغربي لم أتحقق نسبه وَإِنَّمَا قلت المغربي لِأَنَّهُ أخبر الثِّقَة أَنه سُئِلَ عَن بَلَده فَقَالَ شعرًا
(الغرب أحسن شَيْء ... وَالنَّفس تحنو عَلَيْهِ)
(الْبَدْر يطلع مِنْهُ ... وَالشَّمْس تأوي إِلَيْهِ)
стр. 172
وَحكى الثِّقَة أَن سَبَب انْتِقَاله إِلَى الْيمن أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَأمره أَن ينْتَقل إِلَيْهِ وَخص بذلك مَدِينَة تعز وَكَانَت لَهُ معرفَة فِي علم الْأَسْمَاء وَيحكم على الْجِنّ فَمن ذَلِك مَا قيل أَن مَسْجِد دَار الدملوة الْمَشْهُور بمغربه تعز حدثت فِيهِ وَحْشَة على أَهله فَلم يستطيعوا دُخُوله لَيْلًا فشكوا ذَلِك إِلَى الشَّيْخ عبد الْعَلِيم فَكتب لَهُم حروفا مقطعَة بِوَرَقَة وَأمرهمْ أَن يلصقوها بِبَعْض جدران الْمَسْجِد فَفَعَلُوا ذَلِك وزالت الوحشة من ذَلِك الْمَسْجِد وَقيل إِن ذَلِك فعل ابْن فاتك الْآتِي ذكره
وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ عبد الْعَلِيم من الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين لعلوم كَثِيرَة وَمن الصَّالِحين المفتوح عَلَيْهِم بالمعارف والكرامات مَخْصُوص من الله تَعَالَى بسر يحصل لَهُ مِنْهُ الْكَشْف فَكَانَت تلْتَقط كَلِمَاته فتظهر على الصَّوَاب فِي كل الْحَالَات وَإِذا أخبر عَن شَيْء فَكَأَنَّهُ يرى بِنور الله تَعَالَى لصِحَّة مَا يخبر بِهِ
وَمن كراماته مَا أَخْبرنِي سَيِّدي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الجبرتي قَالَ أخبرهُ وَالِده عَن وَالِده عَليّ الجبرتي قَالَ كنت أصحب الشَّيْخ عبد الْعَلِيم وَأتبعهُ بِالْمَشْيِ حَيْثُ يمشي وأتخلق بأخلاقه وَكَانَ عِنْده بُسْتَان فِي المداجر حوله شَيْء من شجر العرصم فَوجدت الشَّيْخ عفيف الدّين يَأْكُل العرصم فَقلت لَهُ يَا شيخ لَا تَأْكُل هَذَا فَإِنَّهُ مر لَا يصلح للْأَكْل فَقَالَ الشَّيْخ عبد الْعَلِيم هُوَ حُلْو فَكل معي وَأَعْطَاهُ ثَلَاث حبات فَقَالَ الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ الجبرتي فتكلفت على أكلهَا طَاعَة لَهُ فَأَكَلتهَا فَوَجَدتهَا أحلى من الْعَسَل وَأطيب من كل شَيْء من الْفَوَاكِه فلازمته ليزيدني فَامْتنعَ فاقتطفت لنَفْسي مِنْهُ حَبَّة وأكلتها فَوجدت طعمها مرا كالعلقم
وَمن كراماته مَا حكى الثِّقَة أَنه كَانَ بِمَدِينَة تعز رجل ينم على النَّاس إِلَى السُّلْطَان فشكوه إِلَى الشَّيْخ عبد الْعَلِيم فَطَلَبه وألزمه يطلع المنارة وينعي نَفسه لليوم الثَّانِي
стр. 173
فنعى نَفسه لليوم الثَّانِي فَأصْبح النمام فِي الْيَوْم الثَّانِي مَيتا
وَحكى أَيْضا أَنه لما كَانَ الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ أَمر بإحضار كَفنه وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمَيِّت فَفَعَلُوا واستقبل الْقبْلَة ورقد فحركوه فوجدوه مَيتا رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَكَانَت وَفَاته بآخر المئة الثَّامِنَة وَله كرامات كَثِيرَة فِي حَيَاته وَبعد مَوته رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن المتوفين الوافدين إِلَى مَدِينَة تعز الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الرّحال شرف الدّين مُوسَى بن مري الغزولي وصل إِلَى الْمدرسَة المجاهدية فِي مَدِينَة تعز سنة خمس وَتِسْعين وسبعمئة فَقَرَأَ على الإِمَام نَفِيس الدّين سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي صَحِيح البُخَارِيّ وختمه فِي ثَلَاثَة وَعشْرين مَجْلِسا وَحضر الْقِرَاءَة جمع من الْعلمَاء الأكابر فَأجَاز لَهُم الشَّيْخ الْمَذْكُور وأرخ الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي الْقِرَاءَة وَالْإِجَازَة وَترْجم للشَّيْخ شرف الدّين فَقَالَ هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الصَّالح العابد الناسك شرف الدّين مُوسَى بن عمر بن مري بن رماح الغزولي الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي الزبيدِيّ مَنْسُوب إِلَى الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة غزولة بِبَلَد الشَّام وَقيل غَيرهَا وَهُوَ من الْعلمَاء الصَّالِحين وَالْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين المبرزين توفّي بِمَدِينَة تعز فِي الْمدرسَة المجاهدية وقبر بالأجيناد وشيعه خلق كثير وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَتِسْعين وسبعمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من أَهلهَا القَاضِي الْأَجَل الْعَلامَة تَقِيّ الدّين عَليّ الْجُنَيْد كَانَ إِمَامًا فَاضلا ورعا تولى الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز فَسَار بِالنَّاسِ سيرة حَسَنَة وَقد قيل أَنه إِذا حلف عِنْده الْخصم يَمِينا زورا لم يمض عَلَيْهِ أُسْبُوع إِلَّا وَقد أُصِيب فِي أَهله أَو مَاله أَو وَلَده وَقد ذكر الإِمَام الجندي أَهله وحقق وَفَاة أَخِيه القَاضِي جمال الدّين
стр. 174
مُحَمَّد بن عَليّ الْجُنَيْد وَكَانَت وَفَاة هَذَا القَاضِي تَقِيّ الدّين فِي الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة وَدفن بالأجيناد رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من الوافدين إِلَيْهَا الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين مسبح بن عبد الله الجبرتي أصل بَلَده مَكَان يُقَال لَهُ مسك بِعرْض الْحَبَشَة فَقدم إِلَى الْيمن وَاعْتَكف بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي بالمداجر بِمَدِينَة تعز وَلزِمَ عبَادَة الله تَعَالَى واجتهد بذلك وَكَانَت نَفَقَته من الشَّيْخ الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الجبرتي وَاشْترط عَلَيْهِ أَن لَا يعْمل لَهُ شَيْئا من الْعَيْش حَتَّى يَسْتَأْذِنهُ فَبَقيَ على ذَلِك مُدَّة
وَحكى عَنهُ الشَّيْخ جمال الدّين الْمَذْكُور أَنه أخبر عَن الْيَوْم الَّذِي يَمُوت فِيهِ وَقيل لَهُ مَا يكون غداؤك فَقَالَ لَا غداء لي عنْدك بل غداي فِي الْجنَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَوقف بعض ذَلِك النَّهَار ثمَّ تَوَضَّأ وَصلى فقبضت روحه وَهُوَ ساجد لله تَعَالَى وقبر بالأجيناد وَكَانَت وَفَاته لسنة أَربع وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح الْفَاضِل عفيف الدّين عبد الله بن عمر بن مَنْصُور الصراري نسبا الشَّافِعِي مذهبا الشنيني بَلَدا وَقد يُقَال السّني نِسْبَة إِلَى السّنة لملازمته لَهَا هُوَ المقرىء الزَّاهِد العابد الْمُجَاهِد لنَفسِهِ حَامِل راية الْإِسْلَام غامر أندية أهل الْفَضَائِل المضاهي بورعه الجلة من الْأَوَائِل الموضح منهاج الْقِرَاءَة بِنور مشكاة فهمه وذكائه فَوق لَهَا سِهَام الطّلب حَتَّى أصَاب الْغَرَض وَتَنَاول مِنْهَا الْجَوْهَر وَترك الْعرض فَأصْبح منبسطا للتدريس مستنبطا مِنْهَا كل معنى نَفِيس كَانَت قِرَاءَته بمواضع مُتَفَرِّقَة فِي الْيمن على أَئِمَّة الْعلمَاء أسانيدهم فِي الصَّحِيح متفقة أَجلهم عِنْده المقرىء الإِمَام الْحَافِظ رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عَليّ بن نَافِع العمدي
стр. 175
الْحَضْرَمِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأَ عَلَيْهِ فَأجَاز لَهُ بِجَمِيعِ فنون الْعلم ثمَّ سكن المقرىء بقرية شنين مُدَّة يسيرَة وانتقل مِنْهَا إِلَى مَدِينَة إب فأضيف إِلَيْهِ إِمَامَة الْجَامِع والتدريس فِيهِ وَفِي بعض الْمدَارِس هُنَالك وانتهت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي علم الْقرَاءَات السَّبع لبلده
وَأَخْبرنِي من يعرفهُ أَنه كَانَ لَا يمر عَلَيْهِ وَقت من النَّهَار غَالِبا إِلَّا وَهُوَ يقْرَأ فِيهِ أَو يحصل شَيْئا من كتب الْعلم أَو ينْسَخ كتاب الله تَعَالَى وَأَن جمَاعَة من الدرسة كَانَت قراءتهم عَلَيْهِ لَيْلًا لما لم يَتَّسِع لَهُم النَّهَار وَلما أضيف إِلَيْهِ الْإِمَامَة بالجامع كَانَ يصرف مَا حصل لَهُ من الْمَشْرُوط للدرسة وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَكَانَت تحمل إِلَيْهِ الزَّكَاة وَالصَّدَََقَة فيأمر الَّذِي يَأْتِي بهَا يصرفهَا على الْفُقَرَاء والأرامل والمحتاجين وعَلى الْيَتَامَى وَلَا يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا مَعَ شدَّة فقره وَحَاجته وَكَانَ قوته من أُجْرَة نسخه وَمن مغل أَرض قَليلَة كَانَ يملكهَا ويسكن بَيْتا صَغِيرا هُوَ وَأَوْلَاده وَقد عرض عَلَيْهِ السُّكْنَى فِي الدّور الْكِبَار فأباها وَقَالَ الْقَبْر أضيق من ذَلِك وَكَانَ قد يَشْتَهِي من لذيذ الْأَطْعِمَة فَإِذا حضر شَيْء مِنْهَا تَركه وَقَالَ لَا أعطي النَّفس هَواهَا ثمَّ إِنَّه سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار مرَارًا وَاجْتمعَ بالشيوخ الْكِبَار هُنَاكَ فَأخذ عَنْهُم وَمِنْهُم من أَخذ عَنهُ كالمقرىء شهَاب الدّين بن عَبَّاس الْآتِي ذكره
وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة مِنْهَا مَا أَخْبرنِي المقرىء تَقِيّ الدّين عمر بن عِيسَى الْخَطِيب بِمَدِينَة إب وَغَيره قَالُوا كَانَ للمقرىء عفيف الدّين صَاحب من أكَابِر الْبَلَد وَكَانَ تَحْتَهُ زَوْجَة تقهره فاقترحت عَلَيْهِ شَيْئا من الْفَوَاكِه فِي الشتَاء عجز عَن تَحْصِيله فَلم يقدر يدْخل عَلَيْهَا بِغَيْر ذَلِك الشَّيْء فجَاء إِلَى المقرىء وشكا إِلَيْهِ وَهُوَ يعلم أَن المقرىء لَيْسَ مَعَه شَيْء مِنْهُ وَأَنه لَا يُوجد تِلْكَ السَّاعَة بِتِلْكَ الْبَلَد فَدخل
стр. 176
المقرىء بَيته وَأخرج لَهُ ذَلِك الشَّيْء من الْفَوَاكِه وَأَعْطَاهُ ذَلِك فَخرج بِهِ إِلَى زَوجته فرضيت
وَمِمَّا قرأته بِخَط القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن بكر البريهي قَالَ مَا مِثَاله
أَخْبرنِي شَيْخي الصَّالح المقرىء عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الشنيني نفع الله بِهِ قَالَ أَخْبرنِي رجل من بني الْأسد يُقَال لَهُ أَحْمد بن حسن أَنه حضر فِي مجْلِس مطهر الشريف الْمَشْهُور وَكَانَ صديقا لَهُ فَقَالَ لَهُ مَا حملك على سبّ الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر فَقَالَ لأجل فَاطِمَة ﵂ لَكِن أعلمك أَنِّي تائب من ذَلِك فَقلت لَهُ مَا سَبَب التَّوْبَة فَقَالَ اعْلَم أَنِّي صنفت كتابا فِي سبهما كنت بَين النَّائِم وَالْيَقظَان إِذْ دخل عَليّ شيخ صبيح الْوَجْه فَسلم عَليّ ووقف أَمَامِي فَفَزِعت مِنْهُ ثمَّ دخل بعده شيخ فَسلم عَليّ بِكَلَام فظ غليظ كَاد فُؤَادِي أَن يطير من هيبته ثمَّ وقف خَلْفي فَقَالَ مَا حملك على سبنا يَا مَلْعُون وَأخذ بحلقي فخنقني خنقا ثمَّ أرسل يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ تب إِلَى الله من سبنا ثمَّ خنقني ثَانِيَة أعظم من الأولى حَتَّى كَادَت روحي تخرج ثمَّ أَرْسلنِي فعل ذَلِك مرَارًا كَثِيرَة حَتَّى قلت أَنا من التائبين لَا أَعُود إِلَى سبكما فأطلقني فانتبهت مَرْعُوبًا وتبت إِلَى الله تَعَالَى من سبهما
وَمن كرامات المقرىء عفيف الدّين مَا تقدم ذكره فِي تَرْجَمَة القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي فِي ذكره مَعَ أهل مَدِينَة إب رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما توفّي المقرىء عفيف الدّين يَوْم الْأَحَد وَدفن يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من شهر صفر سنة أَربع وثمانمئة وقبر بالأجيناد وَلم يكن لَهُ من عقبه من يسْتَحق الذّكر
стр. 177
سوى ولد لَهُ مُشَاركَة بِشَيْء من الْفِقْه وَتُوفِّي بعده بِمَدِينَة إب وَقد رأى جمَاعَة للمقرىء عفيف الدّين بعد مَوته رُؤْيا تدل على خير كثير لَهُ ﵀ ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الْفَقِيه الإِمَام الصَّالح عفيف الدّين عمر بن عِيسَى العماكري كَانَ عَالما عَاملا خَاشِعًا زاهدا قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي وَأَجَازَ لَهُ وَكَانَ من أكبر أَصْحَابه وَسمع الحَدِيث وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأجازوا لَهُ وَكَانَ الإِمَام عفيف الدّين من الْفُضَلَاء العارفين وَمن عباد الله الصَّالِحين وَمِمَّنْ انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي التدريس وَالْفَتْوَى بعد الإِمَام جمال الدّين الريمي وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين بعده وَكَانَ يتورع من قبض الْعَطاء من الْمُلُوك وَلَا يَأْكُل من طعامهم وَكَانَ لَهُ أَسبَاب من الْوَقْف فَيعْمل بِمَا شَرطه الْوَاقِف وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا بل مَا حصل مِنْهُ صرفه للدرسة ولغيرهم وَكَانَ يَأْكُل من أَرض لَهُ وَامْتنع من ولَايَة الْقَضَاء بتعز بعد عرضه عَلَيْهِ
توفّي الإِمَام عفيف الدّين فِي الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة وَدفن بالأجيناد وقبره مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد نجباء
مِنْهُم الْفَقِيه شرف الدّين قَاسم قَرَأَ على وَالِده وانتفع وَأَجَازَ لَهُ ودرس وَأفْتى وَحصل كتبا كَثِيرَة فاجتهد بضبطها وتصحيحها حَتَّى توفّي بعد وَفَاة وَالِده بِمدَّة يسيرَة وقبر عِنْد وَالِده ﵀ ونفع بِهِ
وَمن أَوْلَاده الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره من الْعلمَاء بالفقه وَقَرَأَ وَسمع الحَدِيث وَالتَّفْسِير عِنْد الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَأَجَازَ لَهُ ثمَّ اسْتمرّ إِمَامًا ومعيدا فِي الْمدرسَة المظفرية واجتهد بِالْعبَادَة وَكَانَ من الْعلمَاء الزاهدين وَمن عباد الله الصَّالِحين
وَكَانَ يَصُوم الْأَيَّام الْبيض وكل اثْنَيْنِ وخميس وَكَانَ لَهُ تهجد بِاللَّيْلِ وتلازم على التِّلَاوَة وَالذكر إِلَى أَن يُصَلِّي الضُّحَى
وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة ومكاشفات كَثِيرَة
стр. 178
ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر بالأجيناد فقبره يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْجَلِيل الإِمَام العابد الزَّاهِد وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الزوقري الْهِلَالِي هُوَ من ذُرِّيَّة الإِمَام أَحْمد بن حميد الزوقري وَقد ذكره الجندي وَقَالَ تربته بِذِي المليد بِرَأْس قياض وَقَالَ عِنْدهَا تنجح الْمَقَاصِد أَخذ هَذَا الْفَقِيه وجيه الدّين الْفِقْه عَن الإِمَام جمال الدّين الريمي وَغَيره وَأخذ الحَدِيث عَن الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأجازوا لَهُ وَكَانَ أماما فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَمِمَّنْ عَلَيْهِ مدَار الْفَتْوَى والتدريس فِي مَدِينَة تعز وَكَانَ باذلا نَفسه لإِفَادَة الْعلم الشريف يتلَقَّى الطّلبَة مِنْهُ الْفَوَائِد الجليلة لَا يَخْلُو وَقت من أوقاته عَن تدريس أَو قيام بِعبَادة أَو فَتْوَى وَهُوَ من الْوَرع على جَانب عَظِيم وَحصل من الْكتب النافعة شَيْئا كثيرا وَكَانَ يصحب الْفُقَهَاء وَالصَّالِحِينَ ويؤاخيهم وَلَا يَأْكُل شَيْئا فِيهِ شُبْهَة وَلَا يقبل شَيْئا من الْمُلُوك وَلَا يَأْكُل من زادهم وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة عشر وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَدفن بالأجيناد ورثاه بَعضهم بقصيدة طَوِيلَة مِنْهَا
(إِلَى رَحْمَة الله انْتَقَلت مكرما ... وَفِي جنَّة الفردوس صرت مخيما)
(قدمت على الرَّحْمَن يَا عَبده الَّذِي ... على كل عبد فِي الصّلاح تقدما) وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل وَكَانَ لَهُ ولد يُسمى عمر برع بفن الْأَدَب وَالشعر ورتب فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة كَاتبا للإنشاء فَمن شعره مَا يفتخر بِهِ ويمدح أَبَاهُ مِنْهَا
стр. 179
(أَنِّي أَنا الْجَبَل الرفيع فَمَا الَّذِي ... أخشاه مِمَّن فِي الحضيض الْأَسْفَل)
(أَنا من هِلَال فِي أعز ذؤابة ... من آل زوقر فِي الرعيل الأول)
(وَأبي فقيههم الَّذِي عرفُوا بِهِ ... فِي الدّين كل محرم ومحلل)
وَله غير ذَلِك من الشّعْر البليغ وَتُوفِّي ﵀ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثمانمئة
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة النَّحْوِيّ البارع برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الجحافي كَانَ إِمَامًا محققا بِعلم النَّحْو واللغة ومشاركا بِعلم الْفِقْه والْحَدِيث والفرائض قَرَأَ على الشُّيُوخ الْكِبَار من السَّادة الْعلمَاء كالشيخ مجد الدّين الصديقي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين بن حجر وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَغَيرهم وَغلب عَلَيْهِ فصاحة الشّعْر حَتَّى سمي حريري الزَّمَان وَلما وَفد الشَّيْخ شهَاب الدّين بن حجر كتب إِلَيْهِ الْفَقِيه برهَان الدّين الجحافي مَا مِثَاله يمدحه بقصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(شكرا لسير السابقات العراب ... الأعوجيات بَنَات العراب)
(وللمهارى الَّتِي لم تزل ... تخوض فِي السبسب لج السراب)
إِلَى آخرهَا وَكَانَ ذَلِك سنة ثمانمئة
فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ استحسنها وَأجَاب عَنْهَا فَقَالَ
(أَهلا بهَا حسناء رَود الشَّبَاب ... وافت لنا سافرة للنقاب)
(مفترة عَن جَوْهَر رائع ... لَكِن مَأْوَاه نحور الْعَذَاب)
وَهِي طَوِيلَة وَقد ذكرت القصيدة الَّتِي للْإِمَام الجحافي جَمِيعهَا وَالْجَوَاب عَنْهَا
стр. 180
للْإِمَام شهَاب الدّين بن حجر جَمِيعه فِي الأَصْل فَتركت ذكر ذَلِك هُنَا اختصارا وَقد ذكر الإِمَام شهَاب الدّين بن حجر بقصيدته شَيْئا من اللغز فَعرفهُ الجحافي وَأجَاب عَلَيْهِ على غير هَذِه القافية مِمَّا ترَاهُ مَبْسُوطا فِي الأَصْل مَعَ غَيره فِي قصائد كَثِيرَة مِمَّا يفتخر بِهِ على الشُّعَرَاء وَمِمَّا كتبه إِلَى الْفَقِيه للْإِمَام صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي على لِسَان الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الشنيني فِي قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
(دع الدَّهْر فِيمَا يَشَاء يجْرِي مشاقه ... فسيان عِنْدِي بَينه واتساقه)
(وَلَا تعجبن من دَهْرنَا واتفاقه ... فَمَا عجب فِي الدَّهْر إِلَّا وفاقه)
توفّي الْفَقِيه برهَان الدّين الجحافي فِي مَدِينَة تعز قريب سنة عشر وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين صَالح بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمرَان الْحِمْيَرِي الدمتي قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي وعَلى غَيره فِي الْفِقْه وَقَرَأَ وَسمع على الشَّيْخ مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَكَانَ عَالما عَاملا صَالحا لَا يَأْكُل إِلَّا مَا تَيَقّن حلّه من أَرض يملكهَا فينفق على نَفسه وعَلى عِيَاله من مغلها وَيتَصَدَّق بِالْبَاقِي وَاسْتمرّ بِأَسْبَاب وَالِده وجده إِذْ كَانَا من الْفُقَهَاء المجودين وَالْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين وَكَانُوا ملازمين للتدريس فِي مدرسة المحاريب الَّتِي أنشاها المظفر حسن بن دَاوُد بن يُوسُف بن عمر بن عَليّ بن رَسُول والأسدية الَّتِي فِي الميهال وَغير ذَلِك وَكَانَ محققا لدقائق الْفِقْه ثبتا فِي
следующие страницы →