← История

История · id 6641

طبقات صلحاء اليمن = تاريخ البريهي

عبد الوهاب البريهي

Полный текст (336 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المقرىء بَيته وَأخرج لَهُ ذَلِك الشَّيْء من الْفَوَاكِه وَأَعْطَاهُ ذَلِك فَخرج بِهِ إِلَى زَوجته فرضيت وَمِمَّا قرأته بِخَط القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن بكر البريهي قَالَ مَا مِثَاله أَخْبرنِي شَيْخي الصَّالح المقرىء عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الشنيني نفع الله بِهِ قَالَ أَخْبرنِي رجل من بني الْأسد يُقَال لَهُ أَحْمد بن حسن أَنه حضر فِي مجْلِس مطهر الشريف الْمَشْهُور وَكَانَ صديقا لَهُ فَقَالَ لَهُ مَا حملك على سبّ الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر فَقَالَ لأجل فَاطِمَة ﵂ لَكِن أعلمك أَنِّي تائب من ذَلِك فَقلت لَهُ مَا سَبَب التَّوْبَة فَقَالَ اعْلَم أَنِّي صنفت كتابا فِي سبهما كنت بَين النَّائِم وَالْيَقظَان إِذْ دخل عَليّ شيخ صبيح الْوَجْه فَسلم عَليّ ووقف أَمَامِي فَفَزِعت مِنْهُ ثمَّ دخل بعده شيخ فَسلم عَليّ بِكَلَام فظ غليظ كَاد فُؤَادِي أَن يطير من هيبته ثمَّ وقف خَلْفي فَقَالَ مَا حملك على سبنا يَا مَلْعُون وَأخذ بحلقي فخنقني خنقا ثمَّ أرسل يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ تب إِلَى الله من سبنا ثمَّ خنقني ثَانِيَة أعظم من الأولى حَتَّى كَادَت روحي تخرج ثمَّ أَرْسلنِي فعل ذَلِك مرَارًا كَثِيرَة حَتَّى قلت أَنا من التائبين لَا أَعُود إِلَى سبكما فأطلقني فانتبهت مَرْعُوبًا وتبت إِلَى الله تَعَالَى من سبهما وَمن كرامات المقرىء عفيف الدّين مَا تقدم ذكره فِي تَرْجَمَة القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي فِي ذكره مَعَ أهل مَدِينَة إب رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما توفّي المقرىء عفيف الدّين يَوْم الْأَحَد وَدفن يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من شهر صفر سنة أَربع وثمانمئة وقبر بالأجيناد وَلم يكن لَهُ من عقبه من يسْتَحق الذّكر

стр. 177

سوى ولد لَهُ مُشَاركَة بِشَيْء من الْفِقْه وَتُوفِّي بعده بِمَدِينَة إب وَقد رأى جمَاعَة للمقرىء عفيف الدّين بعد مَوته رُؤْيا تدل على خير كثير لَهُ ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم الْفَقِيه الإِمَام الصَّالح عفيف الدّين عمر بن عِيسَى العماكري كَانَ عَالما عَاملا خَاشِعًا زاهدا قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي وَأَجَازَ لَهُ وَكَانَ من أكبر أَصْحَابه وَسمع الحَدِيث وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأجازوا لَهُ وَكَانَ الإِمَام عفيف الدّين من الْفُضَلَاء العارفين وَمن عباد الله الصَّالِحين وَمِمَّنْ انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي التدريس وَالْفَتْوَى بعد الإِمَام جمال الدّين الريمي وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين بعده وَكَانَ يتورع من قبض الْعَطاء من الْمُلُوك وَلَا يَأْكُل من طعامهم وَكَانَ لَهُ أَسبَاب من الْوَقْف فَيعْمل بِمَا شَرطه الْوَاقِف وَلَا يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا بل مَا حصل مِنْهُ صرفه للدرسة ولغيرهم وَكَانَ يَأْكُل من أَرض لَهُ وَامْتنع من ولَايَة الْقَضَاء بتعز بعد عرضه عَلَيْهِ توفّي الإِمَام عفيف الدّين فِي الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة وَدفن بالأجيناد وقبره مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد نجباء مِنْهُم الْفَقِيه شرف الدّين قَاسم قَرَأَ على وَالِده وانتفع وَأَجَازَ لَهُ ودرس وَأفْتى وَحصل كتبا كَثِيرَة فاجتهد بضبطها وتصحيحها حَتَّى توفّي بعد وَفَاة وَالِده بِمدَّة يسيرَة وقبر عِنْد وَالِده ﵀ ونفع بِهِ وَمن أَوْلَاده الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره من الْعلمَاء بالفقه وَقَرَأَ وَسمع الحَدِيث وَالتَّفْسِير عِنْد الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَأَجَازَ لَهُ ثمَّ اسْتمرّ إِمَامًا ومعيدا فِي الْمدرسَة المظفرية واجتهد بِالْعبَادَة وَكَانَ من الْعلمَاء الزاهدين وَمن عباد الله الصَّالِحين وَكَانَ يَصُوم الْأَيَّام الْبيض وكل اثْنَيْنِ وخميس وَكَانَ لَهُ تهجد بِاللَّيْلِ وتلازم على التِّلَاوَة وَالذكر إِلَى أَن يُصَلِّي الضُّحَى وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة ومكاشفات كَثِيرَة

стр. 178

ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر بالأجيناد فقبره يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه الْجَلِيل الإِمَام العابد الزَّاهِد وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الزوقري الْهِلَالِي هُوَ من ذُرِّيَّة الإِمَام أَحْمد بن حميد الزوقري وَقد ذكره الجندي وَقَالَ تربته بِذِي المليد بِرَأْس قياض وَقَالَ عِنْدهَا تنجح الْمَقَاصِد أَخذ هَذَا الْفَقِيه وجيه الدّين الْفِقْه عَن الإِمَام جمال الدّين الريمي وَغَيره وَأخذ الحَدِيث عَن الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأجازوا لَهُ وَكَانَ أماما فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَمِمَّنْ عَلَيْهِ مدَار الْفَتْوَى والتدريس فِي مَدِينَة تعز وَكَانَ باذلا نَفسه لإِفَادَة الْعلم الشريف يتلَقَّى الطّلبَة مِنْهُ الْفَوَائِد الجليلة لَا يَخْلُو وَقت من أوقاته عَن تدريس أَو قيام بِعبَادة أَو فَتْوَى وَهُوَ من الْوَرع على جَانب عَظِيم وَحصل من الْكتب النافعة شَيْئا كثيرا وَكَانَ يصحب الْفُقَهَاء وَالصَّالِحِينَ ويؤاخيهم وَلَا يَأْكُل شَيْئا فِيهِ شُبْهَة وَلَا يقبل شَيْئا من الْمُلُوك وَلَا يَأْكُل من زادهم وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة عشر وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَدفن بالأجيناد ورثاه بَعضهم بقصيدة طَوِيلَة مِنْهَا (إِلَى رَحْمَة الله انْتَقَلت مكرما ... وَفِي جنَّة الفردوس صرت مخيما) (قدمت على الرَّحْمَن يَا عَبده الَّذِي ... على كل عبد فِي الصّلاح تقدما) وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل وَكَانَ لَهُ ولد يُسمى عمر برع بفن الْأَدَب وَالشعر ورتب فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة كَاتبا للإنشاء فَمن شعره مَا يفتخر بِهِ ويمدح أَبَاهُ مِنْهَا

стр. 179

(أَنِّي أَنا الْجَبَل الرفيع فَمَا الَّذِي ... أخشاه مِمَّن فِي الحضيض الْأَسْفَل) (أَنا من هِلَال فِي أعز ذؤابة ... من آل زوقر فِي الرعيل الأول) (وَأبي فقيههم الَّذِي عرفُوا بِهِ ... فِي الدّين كل محرم ومحلل) وَله غير ذَلِك من الشّعْر البليغ وَتُوفِّي ﵀ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة النَّحْوِيّ البارع برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الجحافي كَانَ إِمَامًا محققا بِعلم النَّحْو واللغة ومشاركا بِعلم الْفِقْه والْحَدِيث والفرائض قَرَأَ على الشُّيُوخ الْكِبَار من السَّادة الْعلمَاء كالشيخ مجد الدّين الصديقي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين بن حجر وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَغَيرهم وَغلب عَلَيْهِ فصاحة الشّعْر حَتَّى سمي حريري الزَّمَان وَلما وَفد الشَّيْخ شهَاب الدّين بن حجر كتب إِلَيْهِ الْفَقِيه برهَان الدّين الجحافي مَا مِثَاله يمدحه بقصيدة طَوِيلَة أَولهَا (شكرا لسير السابقات العراب ... الأعوجيات بَنَات العراب) (وللمهارى الَّتِي لم تزل ... تخوض فِي السبسب لج السراب) إِلَى آخرهَا وَكَانَ ذَلِك سنة ثمانمئة فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ استحسنها وَأجَاب عَنْهَا فَقَالَ (أَهلا بهَا حسناء رَود الشَّبَاب ... وافت لنا سافرة للنقاب) (مفترة عَن جَوْهَر رائع ... لَكِن مَأْوَاه نحور الْعَذَاب) وَهِي طَوِيلَة وَقد ذكرت القصيدة الَّتِي للْإِمَام الجحافي جَمِيعهَا وَالْجَوَاب عَنْهَا

стр. 180

للْإِمَام شهَاب الدّين بن حجر جَمِيعه فِي الأَصْل فَتركت ذكر ذَلِك هُنَا اختصارا وَقد ذكر الإِمَام شهَاب الدّين بن حجر بقصيدته شَيْئا من اللغز فَعرفهُ الجحافي وَأجَاب عَلَيْهِ على غير هَذِه القافية مِمَّا ترَاهُ مَبْسُوطا فِي الأَصْل مَعَ غَيره فِي قصائد كَثِيرَة مِمَّا يفتخر بِهِ على الشُّعَرَاء وَمِمَّا كتبه إِلَى الْفَقِيه للْإِمَام صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي على لِسَان الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الشنيني فِي قصيدة طَوِيلَة أَولهَا (دع الدَّهْر فِيمَا يَشَاء يجْرِي مشاقه ... فسيان عِنْدِي بَينه واتساقه) (وَلَا تعجبن من دَهْرنَا واتفاقه ... فَمَا عجب فِي الدَّهْر إِلَّا وفاقه) توفّي الْفَقِيه برهَان الدّين الجحافي فِي مَدِينَة تعز قريب سنة عشر وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين صَالح بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمرَان الْحِمْيَرِي الدمتي قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي وعَلى غَيره فِي الْفِقْه وَقَرَأَ وَسمع على الشَّيْخ مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَكَانَ عَالما عَاملا صَالحا لَا يَأْكُل إِلَّا مَا تَيَقّن حلّه من أَرض يملكهَا فينفق على نَفسه وعَلى عِيَاله من مغلها وَيتَصَدَّق بِالْبَاقِي وَاسْتمرّ بِأَسْبَاب وَالِده وجده إِذْ كَانَا من الْفُقَهَاء المجودين وَالْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين وَكَانُوا ملازمين للتدريس فِي مدرسة المحاريب الَّتِي أنشاها المظفر حسن بن دَاوُد بن يُوسُف بن عمر بن عَليّ بن رَسُول والأسدية الَّتِي فِي الميهال وَغير ذَلِك وَكَانَ محققا لدقائق الْفِقْه ثبتا فِي

стр. 181

الْفَتْوَى مبارك التدريس وَله فِي الْأَدَب الْيَد الطُّولى وقريحة فِي الشّعْر فَمن ذَلِك مَا أجَاب بِهِ للفقيه صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي نِيَابَة عَن المقرىء عفيف الدّين الشنيني لما وصلت إِلَيْهِ القصيدة الَّتِي من الْفَقِيه صفي الدّين الْمَذْكُور الَّتِي أَولهَا (أَمن بعد التباعد والتنائي ... يجود الدَّهْر يَوْمًا باللقاء) (وَهل للوصل بعد الْبعد قرب ... وَهل للسخط يَوْمًا من رِضَاء) وَهِي طَوِيلَة مِنْهَا فِي مدح الإِمَام المقرىء الشنيني ﵀ وفيهَا يشكو من خوفهم بِمَدِينَة إب وَطَلَبه الدُّعَاء من المقرىء بِإِزَالَة ذَلِك فَأجَاب الْفَقِيه عفيف الدّين صَالح الدمتي نِيَابَة عَن المقرىء الشنيني بِمَا مِثَاله (شكا ألم التباعد والتنائي ... لنا شيخ صَدُوق فِي الإخاء) (فحرك كامنا من حر شوق ... ووجدا سَاكِنا وسط الحشاء) وَهِي طَوِيلَة مثبتة بكمالها فِي الأَصْل توفّي الْفَقِيه عفيف الدّين صَالح بعد الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة وقبر بالأجيناد وقبره يزار ويتبرك بِهِ ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم وَلَده الْفَقِيه الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن صَالح الدمتي قَرَأَ على وَالِده وعَلى الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن صَالح البريهي وعَلى غَيرهمَا فِي الْفِقْه وَقَرَأَ وَسمع الحَدِيث على الشَّيْخ مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى بِالْمَدْرَسَةِ المظفرية بعد موت وَالِده ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة لِلْحَجِّ فَتوفي بساحل عَازِب غَرِيبا وَذَلِكَ سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة وَقد كَانَ حصل بَينه وَبَين ابْن روبك الشَّاعِر الْمَعْرُوف شَحْنَاء على بعض الْأَسْبَاب فهجاه ابْن روبك

стр. 182

وَكَانَ شَاعِرًا فصيحا فَلَمَّا علم بِمَوْتِهِ تَابَ وَنَدم على مَا حصل مِنْهُ فَأتى بقصيدة يعْتَذر فِيهَا ويرثى بهَا الْفَقِيه جمال الدّين من ذَلِك مَا قَالَه فِيهَا (ولي هفوات فِيهِ بالْأَمْس قلتهَا ... إِلَى الله قد اصبحت مِنْهُنَّ تَائِبًا) (فَإِنِّي فِي مدحي لَك الْيَوْم صَادِق ... كَمَا كنت فِي ذمِّي لَك الأمس كَاذِبًا) (فَقل لِذَوي الْحَاجَات موتوا مجاعَة ... فقد مَاتَ عَنْكُم من يُمِيت المساغبا) وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ على يَدَيْهِ قَضَاء حوائج لِأُنَاس كثيرين عِنْد سُلْطَان الْوَقْت وَمِنْهَا (فاصبر فَإِن الصَّبْر لِلْأجرِ جالب ... فدونكم مَا كَانَ لِلْأجرِ جالبا) (سقى الله مثواه حَيا مُتَتَابِعًا ... وَأَعْطَاهُ فِي أَعلَى الْجنان مراتبا) وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الله الْحرَازِي كَانَ من عباد الله الصَّالِحين وَالْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين العارفين قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي فِي فنون الْعلم فَأجَاز لَهُ وَخلف الإِمَام الريمي بعد مَوته بالتدريس بِالْمَدْرَسَةِ المؤيدية وَبِه تخرج جمَاعَة من الْفُقَهَاء مِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد الوحصي وزوجه ابْنَته وَأوصى لما خصّه من السَّبَب للتدريس بالمؤيدية للفقيه عبد الْوَلِيّ وَخَلفه بالتدريس بهَا توفّي الْفَقِيه شهَاب الدّين فِي الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة وقبر بالأجيناد ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من الوافدين إِلَيْهَا القَاضِي الْأَجَل الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي الْأَجَل الْعَالم قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين بن عَليّ بن القَاضِي الْعَالم شرف الدّين أَحْمد عرف بالجنيد وَنسبه يلتقي إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ كَمَا وجدته مُعَلّقا بِخَط الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء حسنا وَقَالَ إِنَّه من

стр. 183

الْعلمَاء العاملين وَالْأَئِمَّة الصَّالِحين وَفد إِلَى مَدِينَة تعز للإفادة والاستفادة فعاجلته الْمنية فَتوفي بهَا لَيْلَة الْجُمُعَة سادس رَمَضَان الْمُعظم قدره سنة خمس عشرَة وثمانمئة وَدفن بالأجيناد بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَحضر دَفنه جمع كَثِيرُونَ بعد أَن صلي عَلَيْهِ فِي جَامع المغربة ثمَّ فِي ظَاهر الْمَدِينَة ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمن المتوفين من أهل مَدِينَة تعز الإِمَام الْعَلامَة القَاضِي الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر العوادي نِسْبَة إِلَى الْقرْيَة الَّتِي بَين شنين والمخادر من نواحي السحول أَخذ الْعلم عَن الْمَشَايِخ من الْعلمَاء من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة مِنْهُم الإِمَام رَضِي الدّين الشنيني وَالْفُقَهَاء من بني سَالم ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز فَقَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي بالفقه وعَلى الإِمَام مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى بِمَدِينَة تعز وانتفع بِهِ جمَاعَة من طلبة الْعلم كالفقيه شرف الدّين الدمتي والفقيه عبد الْوَلِيّ الوحصي والفقيه صَالح الحضار وَغَيرهم وَكَانَ إِمَامًا عَالما زاهدا ورعا وامتحن بِولَايَة الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز بعد أَن اعتذر فَلم يقبل السُّلْطَان عذره فَقبل الْقَضَاء سالكا لطريق الْحق لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر من ذَلِك هَدمه لبَعض الْكَنَائِس المحدثة بِمَدِينَة تعز للْيَهُود وإلزامهم لبس الزنار والتستر بالحمام وَغير ذَلِك وَكَانَ لَهُ وَقت معِين يحضر فِيهِ للْحكم فَإِذا انْقَضى ذَلِك الْوَقْت ينْصَرف لقَضَاء حَوَائِجه بِنَفسِهِ وَلَا يتْرك أحدا يُعينهُ

стр. 184

بهَا ثمَّ إِنَّه طلب من السُّلْطَان أَن يعذرهُ عَن ولَايَة الْقَضَاء فعذره وَترك الحكم وَلزِمَ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد لِلْعِبَادَةِ والتدريس وَحصل كتبا نافعة اجْتهد بخدمتها وسارع النَّاس بعد مَوته إِلَى الْمُبَالغَة فِي أثمانها من ورثته مِمَّن لم يشْتَغل بِالْقِرَاءَةِ بهَا وَحكي أَنه أَرَادَ فِي أَيَّام ولَايَته للْقَضَاء منع الَّذين يحْضرُون السماع فِي بعض الرباطات الَّتِي تنْسب إِلَى الشَّيْخ أَحْمد بن علوان بتعز وعزم على ذَلِك عِنْد شروعهم فِي ذَلِك فَنَامَ فَرَأى فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول احضر فِي الرِّبَاط وَأمن على دُعَاء الشَّيْخ أَحْمد بن علوان فانتبه القَاضِي من نَومه وَخرج من فوره من الرِّبَاط فَوَجَدَهُمْ قد أفرغوا السماع وهم فِي الدُّعَاء فأمن على دُعَائِهِمْ وَانْصَرف مُتَعَجِّبا على مَا رأى وَلم يمنعهُم من السماع ودام القَاضِي جمال الدّين على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع من شهر جُمَادَى الأولى سنة عشر وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من الوافدين إِلَيْهَا الإِمَام الْعَلامَة حسام الدّين الأبيوردي وَقيل الْمَاوَرْدِيّ كَانَ هَذَا الإِمَام من الْأَئِمَّة الْكِبَار بحرا من بحور الْعلم خُصُوصا فِي الْعُلُوم العقليات وَله مصنفات كَثِيرَة فِي ذَلِك وَأثْنى عَلَيْهِ الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط ثَنَاء مرضيا وَأحسن إِلَيْهِ السُّلْطَان وأضاف إِلَيْهِ أَمر الْمدرسَة المظفرية والأشرفية فَلم يقبل ذَلِك بل ترك ذَلِك زهدا فَبَقيَ أَيَّامًا ثمَّ لحق بِاللَّه تَعَالَى بعد موت الإِمَام جمال الدّين العوادي وقبر بالأجيناد عِنْد قبر وَالِد الْعَفِيف المغسل فقبره يزار ويتبرك بِهِ وجرب استجابة الدُّعَاء عِنْد قَبره ﵀ ونفع بِهِ وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من الوافدين إِلَيْهَا أَيْضا الْفَقِيه الْعَلامَة نور الدّين سليم بن دَاوُد بن عبد الله الوشاح الطياري نسبا القيداني مولدا النظاري بَلَدا وَقيل إِن

стр. 185

بَلَده فِي حراز قَرَأَ على الإِمَام الريمي فِي الْفِقْه وَفِي الحَدِيث على جمَاعَة من الْأَئِمَّة بوقته ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الجديدة بِمَدِينَة تعز وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن حسن البريهي وَولده مُحَمَّد فَأجَاز لَهما سنة اثْنَتَيْ عشرَة وثمانمئة إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم البريهي الْمَشْهُور بالسني أصل بَلَده إب نَشأ بهَا ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة فرزق مِنْهَا رزقا كثيرا فَكَانَ يصل الرَّحِم وَيتَصَدَّق على الْأَقَارِب والأجانب ويعين ذَا الْحَاجة ثمَّ انْتقل من مَدِينَة إب فسكن مَدِينَة تعز وتأهل من بني الرميمة وَكَانَ كثير التَّرَدُّد لِلْحَجِّ وَهُوَ الَّذِي عمر الزِّيَادَة الَّتِي فِي مَسْجِد الإِمَام سيف السّنة على يَد وَالِده الْفَقِيه إِبْرَاهِيم فَزَاد فِي الْمُقدم نَحْو ثَلَاثَة أَذْرع وَرفع سقفه وَجعل لَهُ مُؤَخرا وبركة صَغِيرَة للْمَاء وزين الْمَسْجِد بقناديل حلبية عَجِيبَة لَا يُوجد مثلهَا فِي الْبَلَد وَاشْترى كتبا كَثِيرَة وأوقفها على من يقْرَأ بهَا فِي الْمَسْجِد الْمَذْكُور ووسع تربة الشَّيْخ الصَّالح أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَشْهُور بِسيف السّنة وأوقف عَلَيْهَا وعَلى الْمَسْجِد أَرضًا وجدد بِنَاء قبر الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد وَمِمَّا أَمر أَن يكْتب بِالْحِجَارَةِ المبنية على الْقَبْر هَذَا الْبَيْت (أيا قبر ضَاعَ الْعلم فِيك وَرُبمَا ... يكذب فِي هذي الْمقَالة جَاهِل) واشتهر لهَذَا الْفَقِيه كرامات مِمَّا يدل على خَيره وفضله وَتُوفِّي بِمَدِينَة تعز سنة عشر وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة شمس الدّين عَليّ بن أَحْمد الأصبحي كَانَ إِمَامًا محققا لعلم الْفَرَائِض والنحو مشاركا بِغَيْرِهِمَا من سَائِر الْعُلُوم قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته وأجازوا لَهُ فدرس بالفرائض والنحو وانتفع بِهِ جمَاعَة من الطّلبَة وَكَانَ لَهُ عبَادَة

стр. 186

وزهد وصبر وقريحة ينظم بهَا الشّعْر مِنْهَا قصيدته الْمَشْهُورَة عِنْد ختم كتاب السّنَن لِابْنِ مَاجَه عِنْد الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي الَّتِي أَولهَا (أَمن دمع فتحت لَهُ رتاجه ... بسفح محجر يسْقِي فجاجه) وَمِنْهَا بعد التغزل (أَلا لله مَا يبْقى محب ... إِذا مَا الشوق بلبله وهاجه) (وَلَا لله يَوْم كَانَ فِيهِ ... فِرَاق أحبة ضمن انزعاجه) (فقد وكلوا بِهِ دَاء عياء ... جعلت دواءه سنَن ابْن مَاجَه) توفّي هَذَا الْفَقِيه سنة ثَمَانِي عشرَة وثمانمئة وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن صَالح بن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي الرخَاء من الْفُقَهَاء الْعلمَاء من أهل الْعقر قَرَأَ على الْأَئِمَّة من أَهله بالعقر مِنْهُم وَالِده وَغَيره ثمَّ على الشَّيْخ مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بالتفسير والْحَدِيث وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى ثمَّ تولى الْقَضَاء فِي معشار التعكر بالعقر وَذي السفال وجبلة وَمَا والى ذَلِك ثمَّ تولى الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز وَكَانَ من الأخيار الصَّالِحين وَهُوَ مِمَّن تولى غسل السُّلْطَان الْأَشْرَف وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي بِمَدِينَة تعز فِي سنة أحدى وَعشْرين وثمانمئة وَدفن بالأجيناد رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن المتوفين بتعز من الوافدين إِلَيْهَا المقرىء الْوَلِيّ الصَّالح الزَّاهِد صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَليّ بن عَيَّاش الدِّمَشْقِي كَانَ من عباد الله الصَّالِحين دأبه تِلَاوَة كتاب الله وتعليمه تجرد عَن أَهله وبلده واجتهد بِعبَادة

стр. 187

الله تَعَالَى فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَاجْتمعَ بالمقرىء الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الشنيني الْمُقدم الذّكر فتحابا فِي الله واستفاد كل من صَاحبه بِمَكَّة المشرفة فَرجع المقرىء عفيف الدّين إِلَى بَلَده فَلحقه المقرىء شهَاب الدّين إِلَى الْيمن فَأَقَامَ بتعز أَيَّامًا ثمَّ رَحل إِلَى مَدِينَة إب فَاجْتمع بالفقهاء والصلحاء من أَهلهَا فَشَهِدُوا لَهُ بِالْفَضْلِ وَالصَّلَاح وقرؤوا عَلَيْهِ كتاب الله تَعَالَى ثمَّ انْتقل إِلَى بلد وصاب وَاجْتمعَ بالمقرىء عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد البعيثي فَأكْرمه وأقامه عِنْده سِنِين فوصل إِلَيْهِ وَلَده من الشَّام وحثه عل الرُّجُوع إِلَى دمشق فوعده بذلك وَأَعْطَاهُ وَلَده ذَهَبا فَاشْترى بِهِ أَرضًا وأوقفها على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وعَلى بعض الْمَسَاجِد فِي وصاب ثمَّ رَحل من وصاب بعد أَن ظهر لَهُ كرامات كَثِيرَة فِيهَا فوصل إِلَى شنين وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى تعز ثمَّ إِلَى زبيد على قصد الْعَزْم إِلَى بَلَده فاستغاث بِهِ أهل وصاب وطلبوا مِنْهُ الرُّجُوع إِلَى عِنْدهم فأجابهم إِلَى ذَلِك فوصل إِلَى تعز وَقد كَانَ رأى فِي النّوم المقرىء عفيف الدّين عبد الله الشنيني وَقَالَ لَهُ أَنه قد تهَيَّأ لَهُ قصر عَظِيم عِنْده وَأَنه فِي انْتِظَاره فزار قبر المقرىء عفيف الدّين الشنيني بتعز فَمَرض سِتَّة أَيَّام ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى بِشَهْر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمانمئة فقبر بالأجيناد عِنْد قبر المقرىء عفيف الدّين الشنيني فهما يزاران ويتبرك بهما جَمِيعًا رحمهمَا الله ونفع بهما وَقد قَرَأت فِي إب فِي بعض التَّعَالِيق للْقَاضِي وجيه الدّين النحواني مَا مِثَاله رَأَيْت فِي الْمَنَام لَيْلَة الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمانمئة أَن المقرىء شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَيَّاش مستلق على جنبه الْأَيْمن وَقد علمت بِمَوْتِهِ فَأَرَدْت الصَّلَاة عَلَيْهِ فرأيته وَهُوَ حَيّ يَأْكُل شَيْئا من التَّمْر وَهُنَاكَ من يطعمهُ تَمرا كثيرا فَقلت فِي نَفسِي أَلَيْسَ قد قَالُوا أَنه مَاتَ ثمَّ فَكرت وَقلت فِي نَفسِي الْأَوْلِيَاء وَالشُّهَدَاء أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي يَأْكُلهُ رزق من

стр. 188

الله تَعَالَى يَأْتِيهِ بعد مَوته ثمَّ استيقظت وَصليت عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي جمَاعَة صَلَاة الْمَيِّت الْغَائِب انْتهى ذَلِك وَهَذِه من بعض كراماته ﵀ ونفع بِهِ وَمن أهل مَدِينَة تعز الْفَقِيه برهَان الدّين إِبْرَاهِيم العزيزي أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه كَانَ فَقِيها محققا وَأَنه حضر مجْلِس السماع فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ وَالتَّفْسِير عِنْد الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وأنهما أجازا لَهُ وَتُوفِّي فِي الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة ﵀ وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الله بن الإِمَام جمال الدّين الريمي قَرَأَ على وَالِده فِي الْفِقْه وَأَجَازَ لَهُ وَحضر السماع بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وعَلى الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وعَلى الإِمَام مجد الدّين فأجازوا لَهُ وَتُوفِّي فِي الْعشْر الأول من المئة التَّاسِعَة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح الْوَلِيّ ركن الدّين حاجي الْحَنَفِيّ الْهِنْدِيّ كَانَ عَالما عَاملا صَالحا اعْتكف فِي الْمدرسَة الأشرفية الجديدة فعبد الله تَعَالَى فِيهَا بالتلاوة وَالذكر وَالْقِيَام بِاللَّيْلِ وَالصِّيَام بِالنَّهَارِ وَكَانَ يزور الأكابر والأصاغر وَظَهَرت لَهُ كرامات مِنْهَا أَنه أَتَى إِلَيْهِ بعض زواره وَهُوَ يَأْكُل شَيْئا من عَيْش الذّرة ثرده بِمَاء الْحمر فَقَالَ لَهُم كلوا معي من هَذَا فَقَالُوا لَا نَأْكُل إِلَّا الْحَلْوَى فَمد يَده إِلَى مَكَان عِنْده لم يكن فِيهِ شَيْء فاختطف طبقًا قربه لَهُم فِيهِ حلوى حارة فَأَكَلُوا مِنْهَا وَله غير ذَلِك من الكرامات وَتُوفِّي بآخر سنة أَربع وَعشْرين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وقبر بالأجيناد وقبره يزار ويتبرك بِهِ وَمن المتوفين فِي مَدِينَة تعز المقرىء الْعَلامَة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن هبة الله بن

стр. 189

عبد الرَّحْمَن الْعَبْسِي نسبا ثمَّ الملحاني بَلَدا أَخذ الْقرَاءَات السَّبع عَن جمَاعَة من الأكابر مِنْهُم الْمقري الشارفي من أهل حراز وَأخذ النَّحْو واللغة عَن جمَاعَة من أَئِمَّة وقته وشارك فِي غير هَذِه الْعُلُوم فرتب إِمَامًا فِي الْمدرسَة الأشرفية الجديدة فِي مَدِينَة تعز فدرس فِيهَا وَتخرج بِهِ جمَاعَة وانتفعوا بِعُلُومِهِ وَكَانَ لَهُ شعر حسن مِنْهُ مَا قَالَه متوسلا (أَنا فِي أمانك حفيظ من الورى ... متلزم متمسك متوكل) (ومفوض أَمْرِي إِلَيْك ولاجىء ... لَك خاضع لَك ضارع متذلل) (بك واثق يَا عدتي فِي شدتي ... بك لائذ لَك مخبت متململ) (صني وحطني واحمني وأعزني ... وتولني لَا عَن جلالك أهمل) (وأمدني بالنصر مِنْك ونجني ... مِمَّا تحار بِهِ الْعُقُول وتذهل) وَله غير ذَلِك من الشّعْر الرَّائِق توفّي بعد سنة خمس عشرَة وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن حسن بن مُحَمَّد بن عمر البريهي كَانَ من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وَالْفُقَهَاء الزاهدين وَالْعُلَمَاء الراسخين قَرَأَ على أَئِمَّة وقته كالعماكري والزوقري والعوادي وَابْن الوشاح وَغَيرهم وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ بعد قِرَاءَته عَلَيْهِ وسماعه مِنْهُ كثيرا من كتب التَّفْسِير والْحَدِيث واللغة وَغَيرهَا وَقَرَأَ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي كتب الحَدِيث وَأَجَازَهُ وَكتب لَهُ مَا رَأَيْته بِخَط الإِمَام نَفِيس الدّين بعد الاستدعاء للإجازة من صَاحب التَّرْجَمَة

стр. 190

مَا مِثَاله أجزت لَهُ ذَلِك لعلمه وبراعته فَإِنَّهُ الْفَقِيه الْعَالم النجيب وفْق الله أَحْوَاله ونفع بِهِ وبسلفه فَهُوَ مبارك عَالم عضده الله وَكَانَ لَهُ وليا وَبِه حفيا ورحم الله وَالِده وأرخ الْإِجَازَة بِسنة اثْنَتَيْ عشرَة وثمانمئة وَبَقِي هَذَا الإِمَام وجيه الدّين يدرس ويفتي ويفيد الطّلبَة وَحصل كتبا كَثِيرَة ضَبطهَا أحسن ضبط وحوشاها فَصَارَت كتبه من الْأُمَّهَات ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ توفّي رَاجعا فِي جدة فختم الله لَهُ بِأَن توفّي مطهرا من الذُّنُوب سنة سبع عشرَة وثمانمئة وَلما توفّي رثاه الْفَقِيه الصَّالح الْعَالم جمال الدّين مُحَمَّد الحجي بقصيدة طَوِيلَة قد أثبتها فِي الأَصْل وَمِنْهُم الْفَقِيه رَضِي الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد الصبري كَانَ فَقِيها نحويا ومشاركا بِسَائِر الْعُلُوم قَرَأَ وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته فَجعله السُّلْطَان معلما لأولاده ومؤدبا لَهُم وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب بِمَدِينَة تعز دَار المضيف وَغَيره وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي بِمَدِينَة زبيد بعد سنة عشر وثمانمئة بعد أَن حج وزار قبر النَّبِي ﷺ ونجب لَهُ من الْأَوْلَاد القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته بفنون الْعلم فاشتهر بالأدب وَالشعر ورزق الْحَظ عِنْد السُّلْطَان النَّاصِر وَعند وَالِده الْمَنْصُور والأشرف ثمَّ صَدرا من ولَايَة الظَّاهِر ثمَّ سَار مَعَه إِلَى المهجم فَتوفي بهَا سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَمن شعره قصيدة تغزل بهَا مِنْهَا من قَوْله فِي أول القصيدة (ألب هواكم بالصبابة من لبي ... فسرت وَلم أحفل بِمَا قَالَ لي صحبي) (وَقد قيل قلب الْمَرْء فِيهِ تقلب ... وَلم يَنْقَلِب عَن حفظ ودكم قلبِي) وَهِي عشرَة أَبْيَات قد أثبتها فِي الأَصْل وَرُبمَا تزيد على ذَلِك لكني لم أَقف على تَمامهَا

стр. 191

وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة الْحَافِظ قطب الْعلمَاء الرَّاشِدين وَنِهَايَة المسترشدين ولي الله والمحدث عَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم بن عمر الْعلوِي كَانَ ﵀ مَالك أزمة المعارف والطرائف الْحَائِز فضيلتي التالد والطارف أَحْيَا بِهِ من الْعُلُوم دارسها وَأَعْمر بِهِ معالمها ومدارسها وَفك مَا استعجم من الْأَحَادِيث فشرحها وَأَبَان مَا استبهم من الْعُلُوم فأوضحها فَهُوَ فِي الْعلم كوكبه الْمُنِير وَصَوَّبَهُ العذب النمير وَله فِي البلاغة الْيَد الطُّولى والطريقة المثلى مولده بِمَدِينَة زبيد بِشَهْر رَجَب سنة خمس وَأَرْبَعين وسبعمئة وَرُوِيَ أَنه لما ولد اخْتلف الْحَاضِرُونَ فِي تَسْمِيَته من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَانَ وَالِده الإِمَام برهَان الدّين غَائِبا فَلَمَّا بلغه الْوَضع وصل إِلَيْهِم فَقَالَ سموهُ سُلَيْمَان ثمَّ قَالَ يكون هَذَا عَالما أَو وَارِثا لعلمي فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقد كَانَ وَالِده فِي زبيد إِمَام الحَدِيث فِي وقته وَله مكاشفات يضيق عَنْهَا هَذَا الْمَجْمُوع وَقد أثنى الْعلمَاء كَافَّة من أهل الْوَقْت على الإِمَام نَفِيس الدّين وَأجْمع من كَانَ من أهل غير وقته من بعدهمْ على أَنه لم يكن فِي الْيمن أعلم مِنْهُ فِي الحَدِيث وطرقه وَمَعْرِفَة رِجَاله وَكَانَ من مشايخه الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَأَبُو الْفضل مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز النويري ونسر بن عمرَان المقرىء وَأما تلامذته فكثير كَمَا قَالَ التقي بن معيبد فِي مرثاة لَهُ رثاه بهَا زِيَادَة على ثَلَاثِينَ بَيْتا إِلَى أَن قَالَ فِيهَا (ويكفيه فخرا أَن كل مدرس ... من الْعلمَاء فِي قطره درسيه)

стр. 192

وَكَانَ ﵀ حَنَفِيّ الْمَذْهَب وَقد يُفْتِي بِمذهب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ لتحقيقه الْمذَاهب كلهَا فَهُوَ عَالم مُحَقّق وفوائده الَّتِي نقلتها عَنهُ الْعلمَاء كَثِيرَة وَلَا تَنْحَصِر فِي مُجَلد وَكَانَت لَهُ الرّفْعَة الْعُظْمَى عِنْد كَافَّة النَّاس يجلونه ويحترمونه ويتبعون أمره وَلَا يخالفون نَهْيه وَكَانَ مَجْلِسه يجمع الْمُبْتَدِي والمنتهي ويستفيد مِنْهُ كل مِنْهُم مَا يأمل ويشتهي وَكَانَت الْفَتَاوَى ترد عَلَيْهِ من أقطار الْيمن وَغَيره فَيحل مشكلها ويوضح مبهمها قلمه يجْرِي سَرِيعا بنخب علومه وَلسَانه تعبر بِأَحْسَن الْعبارَات بِمَا يشفي من مَنْطُوق كَلَام الْعلمَاء وَمَفْهُومه اعْترف بفضله الْمُوَافق والمخالف من ذَلِك مَا رَأَيْته مُكَاتبَة إِلَيْهِ من بعض فُقَهَاء الزيدية بِمَا تقر بِهِ الْعُيُون بِمَا لَا يحْتَمل بَسطه هَذَا الْمُخْتَصر وَكَانَت مجالسه مشحونة بِأَهْل الْبر وَالتَّقوى والمراقبة لعالم السِّرّ والنجوى وَأما كراماته فَأكْثر من أَن تحصر وَأشهر من أَن تذكر مِنْهَا مَا حكى لي الْفَقِيه رَضِي الدّين أَبُو بكر الصّديق بن مُحَمَّد الوائلي قَالَ اجْتمعت بِالْإِمَامِ نَفِيس الدّين الْعلوِي بِمَدِينَة تعز فَسَأَلَنِي عَن اسْمِي ونسبي فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ مَا وظيفتك فأعلمته بوظيفتي فَلم يستحسنها فَقلت أُرِيد أَن أنعزل عَنْهَا وأتخلى للْقِرَاءَة فَقَالَ لي عزلتك من وظيفتك كَمَا عزلت خَاتمِي هَذِه من يَدي وَأخرجه من يَده قَالَ فَرَجَعت إِلَى بَيْتِي وأعلموني بعزلي من وَالِي بلدي فلحقتني مشقة من ذَلِك فَرَجَعت إِلَى الإِمَام نَفِيس الدّين وشكوت عَلَيْهِ ضرورتي وَمَا نالني بِسَبَب الْعَزْل فَقَالَ تحب رُجُوع وظيفتك فَقلت نعم فَقَالَ رددتك على وظيفتك كَمَا رددت خَاتمِي هَذَا إِلَى يَدي قَالَ فَعَادَت إِلَيّ وظيفتي وانتظم أَمْرِي وَمِنْهَا مَا أَخْبرنِي بعض تلامذته أَنه كَانَ لَهُ أَرض يملكهَا بِذِي أشرق وَله أعوان يعينونه على عَملهَا فاتفق عَلَيْهِم ظلم من بعض أعوان الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن

стр. 193

زِيَاد وَتشفع بِالْإِمَامِ نَفِيس الدّين إِلَى الظَّالِم بِإِزَالَة الظُّلم فَلم يمتثل وَلَا قبل الشَّفَاعَة وَلَا سلمُوا من الظُّلم فجَاء بَعضهم وَقَالَ لَهُ الْأَمِير بدر الدّين لم يقبل شفاعتك وَكَانَ الإِمَام نَفِيس الدّين حِينَئِذٍ بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الجديدة بِمَدِينَة تعز فَأمر الدرسة بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة ودعا على الْأَمِير وقطرت دمعة من عينه فعزل السُّلْطَان الْأَمِير من ولَايَة تِلْكَ الْبَلَد وَجرى عَلَيْهِ أُمُور متعبة وَلم يزل حَاله غير مُنْتَظم إِلَى أَن مَاتَ وَحكى لي القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن حسن الصباحي قَالَ أَخْبرنِي الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عبد الْقَادِر من فُقَهَاء شريج المهجم قَالَ وفدت إِلَى مَدِينَة تعز أَنا والفقيه الصَّالح عَليّ بن عبد الله بن أبي بكر بن أبي حَرْبَة وَنحن لَا نَعْرِف تعز وَلَا فقهاءها فَدَخَلْنَا الْمدرسَة الأشرفية الجديدة فَوَجَدنَا شَيخا مدرسا وَحَوله نَحْو أَرْبَعِينَ طَالبا فَقَامَ ذَلِك الشَّيْخ الْمدرس إِلَيْنَا فَسلم علينا وآنسنا وَأخْبرنَا بأسمائنا وَأَسْمَاء آبَائِنَا وَبَلَدنَا ثمَّ أَمر بِنَا إِلَى بَيته فأضافنا وَنحن لَا نعرفه فسألنا بعض تلامذته عَنهُ فَقَالَ لنا هَذَا الإِمَام نَفِيس الدّين سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم فَسَأَلْنَاهُ عَن سَبَب مَعْرفَته لنا فَقَالَ إِن الإِمَام نَفِيس الدّين يكاشف بعض الوافدين عَلَيْهِ بِمثل ذَلِك فيعرفهم وهم لَا يعرفونه وَله غير ذَلِك من الكرامات مِمَّا قد ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل وَتُوفِّي ﵀ سنة خمس وَعشْرين وثمانمئة وَدفن بالأجيناد وقبره مَقْصُود للتبرك بِهِ وَقَضَاء

стр. 194

الْحَوَائِج ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن عبد الْحق بن عَليّ بن عَبَّاس السكْسكِي كَانَ رجلا مُبَارَكًا لَهُ مُشَاركَة بِشَيْء من الْعُلُوم يَتْلُو كتاب الله تَعَالَى بِصَوْت حسن ورتب إِمَامًا بِجَامِع ذِي عدينة بِمَدِينَة تعز وأضيف إِلَيْهِ شَيْء من الْأَسْبَاب ودام على الْحَال المرضي بِالْعبَادَة وَالصِّيَام وَالْقِيَام فَلَمَّا قربت وَفَاته رأى بعض الدرسة بالجامع النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ قل لإسماعيل ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ فَقَالَ الدرسي للنَّبِي ﷺ من إِسْمَاعِيل الصبري أم غَيره فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ هُوَ إِمَام جَامع عدينة فَذهب ذَلِك الدرسي إِلَى الْفَقِيه شرف الدّين يبشره بذلك ففرح وَبكى وَمكث أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ توفّي ﵀ سنة سِتّ وَعشْرين وثمانمئة فرثاه القَاضِي شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عمر بني معيبد بمرثاة أَولهَا (أياك لَا حرج عَلَيْك وَلَا عتب ... مَا كنت مرتقبا لهبات الْكتب) حَتَّى قَالَ فِيهَا (بِشِرَاك والبشرى لمثلك حَقّهَا ... شكرا لما أَعْطَاك رَبك أَو وهب) وَهِي طَوِيلَة تزيد على ثَلَاثِينَ بَيْتا قد ذكرتها فِي الأَصْل وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عمر بن أبي الْقَاسِم بن معيبد

стр. 195

اليشكيري الْأَشْعَرِيّ القحطاني كَانَ لَهُ اجْتِهَاد فِي صغره بِطَلَب الْعلم الشريف فحفظ منهاج النَّوَوِيّ وشيئا من كتب النَّحْو وَقَرَأَ على الْأَئِمَّة بوقته فِي الْفِقْه والْحَدِيث واللغة ولي الِاسْتِيفَاء للسُّلْطَان فدبر قوانينه تدبيرا حسنا وَبلغ مَا لم يبلغهُ غَيره بوظيفته وَهُوَ مَعَ ذَلِك جَار على سنَن الشَّرِيعَة المطهرة ومجاهدا لصالح الْمُسلمين وناصح لَهُم وَصَحب جمَاعَة من الشُّيُوخ الصُّوفِيَّة وتأدب بآدابهم كَانَ لَهُ شعر رايق فِي مدحهم ومدح النَّبِي ﷺ والكعبة المشرفة قد ذكرت جملَة مِنْهُ فِي الأَصْل وَتُوفِّي بِشَهْر شعْبَان سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بالأجيناد ورثاه وَلَده التقي بن معيبد بمرثاة أَولهَا (قفا فانظرا حَالي فَلَيْسَ لَهُ وصف ... ) وَهِي طَوِيلَة وَمن وَسطهَا (فآه على تِلْكَ الشَّمَائِل زانها ... مَعَ الْخلق الْأَسْنَى التَّوَاضُع واللطف) (فحلم وَعلم راسخ وَكِتَابَة ... وَفضل وآداب يزينها ظرف) وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز الْفَقِيه الْفَاضِل رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عُثْمَان بن عَليّ الورلي نسبا الشَّافِعِي مذهبا العدلي بَلَدا قدم إِلَى مَدِينَة تعز رَسُولا من صَاحب الْحَبَشَة الْمُسلم بالهدايا إِلَى الْملك الْمَنْصُور ابْن النَّاصِر الغساني فَكَانَ هَذَا الرجل

стр. 196

مشاركا بِشَيْء من الْعلم مخالطا للفقهاء توفّي هَذَا الْفَقِيه رَضِي الدّين بِمَدِينَة تعز سنة تسع وَعشْرين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من الوافدين إِلَيْهَا القَاضِي الْأَجَل وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن الحبيشي الجبني قدم إِلَى مَدِينَة تعز برسالة من الشَّيْخ جمال الدّين طَاهِر بن معوضة إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فَأكْرمه وَكَانَ فَقِيها مُبَارَكًا كَرِيمًا حصل كتبا كَثِيرَة نافعة وَتُوفِّي بعد سنة عشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز الإِمَام شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الربيعي الْحِمْيَرِي الْمَشْهُور بالشلفي نسب إِلَى الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بمعشار السارة بشلف قَرَأَ الْقرَاءَات السَّبع برواياتها على المقرىء الصَّالح الْوَلِيّ عفيف الدّين عَطِيَّة بن أبي بكر العيسوي وَقَرَأَ بالفقه على الإِمَام جمال الدّين الريمي وعَلى تِلْمِيذه رَضِي الدّين بن الْخياط وَقَرَأَ فِي النَّحْو على الْفَقِيه سراج الدّين عبد اللَّطِيف الشرجي الْحَنَفِيّ وَفِي الْفَرَائِض على الإِمَام برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن أبي بكر الْأَسَامِي الْأَشْعَرِيّ وَفِي الحَدِيث على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فَأجَاز لَهُ هَؤُلَاءِ وَغَيرهم من الْأَئِمَّة كالشريف الفاسي وَالْإِمَام الْجَزرِي فدرس وَأفْتى وَكَانَ منقوله الْحَاوِي الصَّغِير واستدعاه الْملك النَّاصِر إِلَى مَدِينَة تعز فانتقل إِلَيْهَا وَأقَام بِالْمَدْرَسَةِ المجاهدية وعكفت عَلَيْهِ الطّلبَة للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِيهَا وَفِي غَيرهَا وصنف مصنفا فِي علم الْفَرَائِض منظومة سَمَّاهَا كِفَايَة الرائض فِي علم الْفَرَائِض وَشَرحهَا سَمَّاهُ نِهَايَة الخائض فِي شرح كِفَايَة الرائض فِي علم

стр. 197

الْفَرَائِض جمع فِيهِ من الْفَوَائِد جملَة كَثِيرَة ثمَّ صنف فِي مَنَاسِك الْحَج كتابا سَمَّاهُ هِدَايَة السالك إِلَى مَقَاصِد الناسك وَنقل فِيهِ مسَائِل نفيسة غَرِيبَة وفروعا فِي الْفِقْه مفيدة وَكَانَ معاصروه من الْعلمَاء وَغَيرهم يجلونه ويعظمونه وَكَانَ ينظم الْفَوَائِد لتحفظ من ذَلِك مَا ذكره الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي الرونق فِي الْعُقُود اللَّازِمَة والجائزة حَيْثُ قَالَ الْفَقِيه شهَاب الدّين فِي نظمه لذَلِك (جَمِيع عُقُود الْفِقْه ضَرْبَان لَا سوى ... أَبُو حَامِد فِي الرونق الْكل قد حوى) وَذَلِكَ مُثبت فِي الأَصْل وَمن نظمه القصيدة الطَّوِيلَة الَّتِي تغزل بهَا فِي الْكَعْبَة المشرفة فِي مدح النَّبِي ﷺ وَهِي نَحْو سِتِّينَ بَيْتا مِنْهَا (فيا كعبة الله الْمُعظم شَأْنهَا ... تملكت صبا والها أبدا قِنَا) وَمن شعره جَوَابه على اللغز الَّذِي أَلْقَاهُ الإِمَام الْجَزرِي على القَاضِي شرف الدّين بِمَدِينَة زبيد عَن لَفْظَة الْقُرْآن وَذَلِكَ مَشْهُور وَكَانَ هَذَا الإِمَام شهَاب الدّين يكرم الضَّيْف ويعين الْمِسْكِين إِذا حصل لَهُ شَيْء من الْأَسْبَاب أَو من الْمُلُوك والأمراء أفرغه بأقرب مُدَّة وَكَانَ كثير التَّزَوُّج والتسري وَحدث لَهُ أَوْلَاد كَثِيرُونَ وَلَزِمتهُ دُيُون عجز عَن أَدَائِهَا سمعته يسْأَل من الإِمَام الْجَزرِي ﵀ الدُّعَاء بِأَن يقْضِي الله دُيُونه فَقلت لَهُ كم دينك قَالَ

стр. 198

أُلُوف وَلم يزل على الْحَال المرضي يدرس ويفتي إِلَى أَن توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر بالأجيناد قَرِيبا من قبر الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وحواليه قُبُور جمَاعَة من الْعلمَاء الْفُضَلَاء الصَّالِحين وَقد رثاه التقي بن معيبد بمرثاة طَوِيلَة مِنْهَا (ذهب الْفَلاح تَتَابَعَت أحزابه ... وَمضى الصّلاح مَضَت بِهِ أَصْحَابه) (لما فَقدنَا أَحْمد بن مُحَمَّد ... مفتي الْأَنَام تغلقت أبوابه) وَهِي طَوِيلَة تركتهَا اختصارا وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة شرف الدّين قَاسم بن عمر الدمتي كَانَ إِمَامًا فَاضلا قَرَأَ على الإِمَام وجيه الدّين الزوقري وَالْإِمَام عفيف الدّين عُثْمَان العماكري بالفقه وعَلى غَيرهمَا وَقَرَأَ وَسمع الحَدِيث على الشَّيْخ شمس الدّين الْجَزرِي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين فَكل هَؤُلَاءِ أَجَازُوا لَهُ واشتهر بِمَعْرِِفَة الْفِقْه وتحقيقه وتدقيقه وَكَانَت ترد عَلَيْهِ الْفَتَاوَى من جَمِيع الْجِهَات فيشفي بِالْجَوَابِ ويجود بالعبارة وَكَانَ لَا يقنع السَّائِل الْعَارِف إِلَّا بِجَوَاب هَذَا الْفَقِيه مَعَ كَثْرَة الْفُقَهَاء بِالْبَلَدِ وَكَانَ باذلا نَفسه للطلبة وَعَلِيهِ السكينَة وَالْوَقار مُجْتَهدا بِالْعبَادَة معدودا من الصلحاء الْعلمَاء وَمن الْمُحدثين الَّذين ينظرُونَ بِنور الله وَكَانَ لَا يسْتَحل أَن يَأْخُذ شَيْئا من الْوَقْف إِلَّا إِذا قَامَ بِمَا شَرطه الْوَاقِف وَتُوفِّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بالأجيناد ورثاه الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله بن دَاوُد بن مَنْصُور بمرثاة قَالَ فِي أَولهَا (موت الْأَئِمَّة ثلمة الْإِسْلَام ... لَا ثلمة تطرا كموت إِمَام) (فَإِذا سَمِعت بِمَوْت حبر فابكه ... وابك الْأَنَام ونح على الْإِسْلَام) حَتَّى قَالَ فِيهَا (أَو مَا ترى الْآفَاق كَيفَ تكدرت ... لما قضى لإمامنا بحمام) (قَاسم حزت الْعلم ثمَّ قسمته ... فجزاك رَبك أوفر الْأَقْسَام)

стр. 199

وَهِي طَوِيلَة قد أثبتها فِي الأَصْل وَمِنْهُم القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ التباعي تخرج على جمَاعَة من الْفُقَهَاء بِمَدِينَة تعز وَغَيرهَا فَمن شُيُوخه فِي الْفِقْه الإِمَام الريمي وَفِي الْقرَاءَات الإِمَام عفيف الدّين الشنيني وَفِي الحَدِيث الإِمَام مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فأجازوا لَهُ وتصدى للتدريس وَالْفَتْوَى وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز سنة سبع وثمانمئة ثمَّ انْفَصل عَنهُ وَتَوَلَّى تدريس الْمدرسَة السابقية ودرس بالجامع المظفري وَكَانَ من أهل بَيت فقه ورئاسة وأصل بَلَده السحول تَحت جبل بعدان وَتَوَلَّى أَخُوهُ القَاضِي عفيف الدّين عبد الصَّمد التباعي الْقَضَاء بِمَدِينَة إب مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ تولى هَذَا القَاضِي الْقَضَاء بالمنصورة والجوة وَمَا والاها فسكن هُنَاكَ مُدَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة تعز فسكن بهَا خاملا إِلَى أَن توفّي بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح بدر الدّين حسن بن أبي بكر الصبري كَانَ مقرئا مُحدثا قَرَأَ بالقراءات السَّبع على بعض أَئِمَّة وقته وَقَرَأَ بالتفسير والْحَدِيث على الْإِمَامَيْنِ مجد الدّين الصديقي ونفيس الدّين الْعلوِي فأجازوا لَهُ وَلما توفّي الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي اسْتمرّ ثَابتا بِقِرَاءَة الحَدِيث النَّبَوِيّ لأَوْلَاد الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بِبَعْض الْأَسْبَاب وَكَانَ حسن الصَّوْت وَله عبَادَة واجتهاد وَأثْنى عَلَيْهِ الإِمَام نَفِيس الدّين ثَنَاء مرضيا وَتُوفِّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر بالأجيناد وَمِنْهُم المقرىء بدر الدّين حسن بن مُحَمَّد اليافعي أصل بَلَده قَرْيَة حبيل بعزلة مطاية بجبل بعدان قَرَأَ على الإِمَام عفيف الدّين الشنيني بالقراءات وَغَيرهَا وَجعله من خواصه وزوجه ابْنَته ودعا لَهُ بِالْخَيرِ فَفتح عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَاشْترى أَرضًا جليلة بِبَلَدِهِ وَعمر مَسْجِدا وأوقف عَلَيْهِ من هَذِه الأَرْض الَّتِي اشْتَرَاهَا وَهُوَ مَسْجِد قديم قد قيل إِنَّه من الْمَسَاجِد الَّتِي بنيت فِي زمن رَسُول الله ﷺ ثمَّ امتحن هَذَا بظُلْم من السُّلْطَان

стр. 200

النَّاصِر وَأخذ مِنْهُ مَالا كثيرا فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة ثمَّ توفّي سنة ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم المقرىء الْعَلامَة شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ بن مُحَمَّد الأصبحي الْوَاعِظ الْمَشْهُور ب عِيَاض قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته بالقراءات السَّبع وبالفقه وَقَرَأَ الحَدِيث على الإِمَام نَفِيس الدّين وَأَجَازَ لَهُ ثمَّ تصدى للتدريس بِمَدِينَة تعز فاشتهر بتحقيق علم الحَدِيث ورتب إِمَامًا فِي الْمدرسَة الشمسية الْمَعْرُوفَة قرب جَامع ذِي عدينة وَاسْتمرّ بالخطابة فِي جَامع ذِي عدينة وَكَانَت لَهُ عبَادَة وزهادة أثنى عَلَيْهِ الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فَبَقيَ على الْحَال المرضي أَيَّام شَيْخه الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فَلَمَّا توفّي شَيْخه تصدر لنشر الحَدِيث بعده فَلم تطل مدَّته بل توفّي قبل سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة وَقد حقق الشَّيْخ الصَّالح الْوَزير تَقِيّ الدّين بن معيبد أَحْوَاله فِي مرثاة رثاه بهَا بعد وَفَاته فَقَالَ من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا (تشوقنا الْبَقَاء من العجاب ... إِذْ الأتراب تنقل للتراب) حَتَّى قَالَ فِي مدحه (فَمن للمسندات وللعوالي ... من الْأَخْبَار والكلم الْعَذَاب) (وَمن ذَا للسؤال وكشف خطب ... وَمَا لَك لَا تَقول وللجواب) (وللطلاب بعد عياضهم فِي ... الإعاضة بالفوائد والطلاب) وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز الشَّيْخ نَاصِر الدّين بن عبد الله الشِّيرَازِيّ قَالَ فِيهِ الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد الْأَكْبَر بن الْخياط هُوَ الشَّيْخ الْأَجَل الأورع الْجَلِيل النَّبِيل حَسَنَة

стр. 201

الزَّمَان وفائق الأقران قدم ديار تعز فِي خدمَة شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة عَلامَة الْمشرق وَالْمغْرب مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وانثالت عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَأَقْبَلت إِلَيْهِ الإقبال الْكُلِّي وَكسب فِي الْبِلَاد المَال والعيال فَكَانَ المَال كَمَا قيل مَا أسْرع ذهَاب الذَّهَب وانفضاض الْفضة ثمَّ ضعف الشَّيْخ عَن الِاضْطِرَاب وضاق عَلَيْهِ الْوَقْت وتنكرت عَلَيْهِ وُجُوه المطالب وَكَانَ هُوَ الْحول الْقلب فَمَا رَأينَا فِي الْعلم العملي من يدانيه فضلا عَن شبهه انْتهى كَلَام الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط وأخبرت أَنه كَانَ لَهُ اجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة وَظَهَرت لَهُ كرامات وَتُوفِّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْحَاج شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الله الْخَولَانِيّ كَانَ يسكن حافة المغربة بِمَدِينَة تعز وَهُوَ من الْعباد والزهاد ويصحب الصَّالِحين ويهتدي بهديهم فَمن أَصْحَابه الْحَاج الصَّالح مفضل الزُّهْرِيّ كَانَ يصل إِلَيْهِ فيخلي لَهُ بَيْتا فِي دَاره وَأخْبر عَنهُ بكرامة عَظِيمَة ذكرتها فِي الأَصْل وَذَلِكَ مِمَّا يدل على فضلهما رحمهمَا الله ونفع بهما وَتُوفِّي الْحَاج أَحْمد الْخَولَانِيّ بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْأَمِير الْعَلامَة الطَّبِيب صارم الدّين دَاوُد بن عَليّ بن أبي بكر بن قايماز الأصغري أصل بَلَده بعدان قَرَأَ فِي الطِّبّ وَالْحكمَة على جمَاعَة أَجلهم الْعَلامَة رَضِي الدّين أَبُو بكر بن رَبَاح الْمصْرِيّ وَكَانَ حكيما طَبِيبا عَارِفًا بِعلم الْفلك وشارك بِعلم الْفِقْه والْحَدِيث فَمن شُيُوخه الشَّيْخ مجد الدّين الصديقي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين

стр. 202

الْعلوِي فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير واشتغل بِعلم التصوف وأتقنه وَلزِمَ طريقهم وَكَانَ كثير التِّلَاوَة وَالذكر والملازمة على الصَّلَوَات فِي أول وَقتهَا وقف بِمَدِينَة إب أَيَّامًا ورتب لَهُ من الْأَسْبَاب فِيهَا من الْوَقْف شَيْئا ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز فسكن بهَا ورتب لَهُ السُّلْطَان النَّاصِر من وقف دَار المضيف وَغَيره مَا كَفاهُ وَكَانَت جِهَة فرحان تنْفق عَلَيْهِ أَيْضا إِلَى أَن غضب عَلَيْهَا النَّاصِر فآنسه القَاضِي وجيه الدّين العرشاني وَقَامَ بِحَالهِ أتم قيام وَكَانَ لَهُ اجْتِهَاد بِالْعبَادَة ويصحب الصَّالِحين وَعمر عمرا طَويلا وَكَانَ كثيرا مَا يرى للنَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَقد ذكرت فِي الأَصْل رُؤْيا لَهُ وَمَا حكى مِمَّا قَالَ النَّبِي ﷺ وَسَأَلَهُ وَمَا أَجَابَهُ ﷺ فِي الرُّؤْيَا فَتركت ذكرهَا هُنَا لطولها اختصارا وَلم يزل الْأَمِير صارم الدّين على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر الأجيناد ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين أَبُو السُّعُود بن مُحَمَّد المقرىء السحولي كَانَ مُجْتَهدا بِطَلَب الْعلم دأبه الِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد لتلاوة كتاب الله تَعَالَى ومطالعة كتب الْعلم وَقد قَرَأَ وَسمع فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَقَرَأَ بالفقه على الْفَقِيه شهَاب الدّين الشلفي بِمَدِينَة تعز وعَلى الْفُقَهَاء من بني البريهي وَبني الْكَاهِلِي بِمَدِينَة إب وَكَانَ لَهُ قيام بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ وَله شعر جيد من ذَلِك مَا كتبه إِلَى بعض أصدقائه لطلب عود من أَرَاك فَقَالَ (مَا فِي الورى أحد يجود سواك ... فَامْنُنْ وَأعْطِ أَبَا السُّعُود سواكا) (إِنِّي بِكُل أراكة لمتيم ... فَمَتَى بعيني يَا أَرَاك أراكا) وَله من قصيدة طَوِيلَة كتبهَا إِلَى القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد البريهي وَهِي طَوِيلَة أَولهَا

стр. 203

(قُلُوب فِي محبتكم أُسَارَى ... مدى الْأَزْمَان لَا تبغي الفرارا) حَتَّى قَالَ فِي مدح القَاضِي الْمَذْكُور فِيهَا (أَبَا الْعَبَّاس يَا بن مُحَمَّد يَا ... إِمَامًا فِي الْمَعَالِي لَا يجارى) (ظمئت إِلَى الْعُلُوم وَأَنت بَحر ... وَحبر فِي المحافل لَا يمارى) (فارو العاطش الملهوف علما ... فقد ناداك يشكو الافتقارا) (وَلَوْلَا أَنْت فِي يمن لطارت ... بِي الهمم الْكِبَار إِلَى بُخَارى) وَله غير ذَلِك من الشّعْر الرَّائِق توفّي بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن الإِمَام الريمي ﵀ قَرَأَ بِالْحَدِيثِ على الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط الْأَكْبَر وعَلى الإِمَام عفيف الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد الوحصي وعَلى غَيرهمَا وَكَانَ يَنُوب بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة للْقَاضِي وجيه الدّين العرشاني وَاسْتمرّ بعد القَاضِي وجيه الدّين فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وألزم الْيَهُود الزنار وإخراب مَا أَحْدَثُوا من الْكَنَائِس وسدد فِي الْأَحْكَام وسلك بِالنَّاسِ سيرة شاقة لَا يحتملها الْوَقْت فَعَزله السُّلْطَان فَلَزِمَ بَيته واجتهد بِالْعبَادَة ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله بعد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَظَهَرت لَهُ كرامات بعد مَوته رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد العرشاني كَانَ إِمَامًا فَاضلا عَالما قَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن صَالح البريهي بالفقه وعَلى الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بِالْحَدِيثِ ثمَّ تولى الْقَضَاء بِمَدِينَة جبلة وانفصل عَنهُ ثمَّ ولاه الإِمَام مجد الدّين الْقَضَاء بثغر عدن إِذْ كَانَ قَاضِي الْأَقْضِيَة ثمَّ عزل عَنهُ وَرجع على

стр. 204

ولَايَة الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز ودام بهَا إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَكَانَت سيرته حَسَنَة بِالْقضَاءِ وَكَانَ ذَا مروة وَحسن خلق وكرم يعول بُيُوتًا كَثِيرَة من أَقَاربه وأهليه وَكَانَت لَهُ عبَادَة وَقيام وَصِيَام يَصُوم فِي كل سنة رجبا وَشَعْبَان وَالْأَيَّام الْمَنْدُوب إِلَى صيامها فِي السّنة وَقَرَأَ على الإِمَام الْجَزرِي عِنْد وُصُوله إِلَى مَدِينَة تعز بِالْحَدِيثِ وَأَجَازَ لَهُ وَكَانَ يدرس ويفتي وَخَلفه بِولَايَة الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز صنوه الْفَقِيه رَضِي الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد العرشاني وَلم تطل مدَّته بل توفّي أول سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَكَانَ لَهما أُخْت فاضلة عابدة اسْمهَا سيدة الْقَضَاء بنت مُحَمَّد العرشاني تَصُوم النَّهَار وَتقوم اللَّيْل واشتهر لَهَا كرامات وَلم تتَزَوَّج إِلَى أَن توفيت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵏ ونفع بهم وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز الْفَقِيه الْفَاضِل رَضِي الدّين أَبُو بكر بن إِبْرَاهِيم بن صَالح بن إِبْرَاهِيم بن صَالح بن عمر البريهي كَانَ فَقِيها مُجْتَهدا محصلا يطْلب الْعلم موفقا لم أتحقق من حَاله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم المقرىء الشَّيْخ الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن سعيد بن فاتك قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته فِي مُعظم فنون الْعلم وَكَانَ لَهُ الباع الأطول فِي علم الْأَسْمَاء ويستخدم الْجِنّ ويحرز المجانين وَحكي عَنهُ أَنه صحب جمَاعَة من شُيُوخ الصُّوفِيَّة الأكابر مِنْهُم الشَّيْخ الْعَفِيف بن عمر بن المسن وترافقا فِي السّفر إِلَى مَكَّة المشرفة فحجا وزارا قبر النَّبِي ﷺ وَتَأَخر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَن الزِّيَارَة لعذر فَأعْطَاهُ الشَّيْخ الْعَفِيف شَيْئا من الدَّرَاهِم لينفقها على نَفسه فأنفق بَعْضهَا ثمَّ ضَاعَت الدَّرَاهِم فَوقف أَيَّامًا جائعا ثمَّ دخل الْحرم الشريف للطَّواف وأضمر أَنه إِذا وجد شخصا فِيهِ أَمَارَات الْخَيْر طلب مِنْهُ شَيْئا من النَّفَقَة فَطَافَ فَلَمَّا فرغ من الطّواف لَقِي رجلا عَلَيْهِ أَمَارَات الْخَيْر قَالَ فَقَالَ لي ذَلِك الرجل ارحب يَا من لَهُ جَائِع أَيَّامًا قف عِنْدِي فلي أَيَّام جَائِع

стр. 205

مثلك وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة قَالَ فوقفنا كَذَلِك فِي الْحرم الشريف سَاعَة ثمَّ نمنا فَلم نشعر إِلَّا وَرجل ينبهني فتنبهت فَقَالَ قُم واكشف عَن زَاد الْغَيْب قَالَ فَقُمْت فَوجدت طبقًا وَعَلِيهِ مكبة فكشفتها فَوجدت أرزا حارا وَسمنًا وَعَسَلًا وزنجبيلا أَخْضَر قَالَ فَأكلت أَنا وَذَلِكَ الرجل حَتَّى شبعنا وَبَقِي مِنْهُ بَقِيَّة ثمَّ نمنا فَلَمَّا انتبهنا لم أر الطَّبَق وَلَا شَيْئا مِمَّا بَقِي فِيهِ فصلينا الصُّبْح مَعَ الْجَمَاعَة فصلى عِنْدِي رجل وَصلى عِنْده رجل فَأَعْطَانِي الَّذِي صلى عِنْدِي صرة وَأَعْطَاهُ الَّذِي صلى عِنْده صرة قَالَ ففتحت الصرة الَّتِي لي فَوجدت فِيهَا عشرَة دَرَاهِم وَذَلِكَ الرجل فتح الصرة الَّتِي مَعَه فَوَجَدَهَا عشرَة دَرَاهِم وكل منا أفرغ مَا عِنْده ثمَّ جعنا ثَلَاثَة أَيَّام فَبعد ذَلِك اتّفق مثل مَا اتّفق فِي الْمرة الأولى وَكَذَلِكَ مرّة ثَالِثَة بت فِيهَا ساهرا لأرى من يَأْتِي بالطبق فانتبه صَاحِبي فَرَأى الطَّبَق بِمَا فِيهِ وسألني هَل نمت أم لَا فَقلت لم أنم بل أَنا بانتظار الَّذِي يَأْتِي بالطبق فَقَالَ تأدب وارفع نظرك عَن الْإِنَاء واصرفه إِلَى مَكَان آخر فَصَرَفته إِلَى مَكَان آخر ثمَّ عدت لأنظر الطَّبَق فَلم أجد شَيْئا قَالَ فَلَمَّا صلينَا صَلَاة الصُّبْح جَاءَ الشَّيْخ الْعَفِيف بن المسن فَلَقِيته فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام وَقَالَ مرْحَبًا بِمن جَاع ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ فعجبت على ذَلِك ثمَّ رجعت إِلَى بلدي صُحْبَة الشَّيْخ الْعَفِيف وَقد ظهر لهَذَا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كرامات ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل وَكَانَ وَفَاته سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَدفن بالأجيناد وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَقِيه بدر الدّين حسن بن مُحَمَّد بن سعيد الشظبي الْحَارِثِيّ المحرزي كَانَ ﵀ إِمَامًا أنارت بِهِ بدور الْعلم وشموسها ودان لَهُ مِنْهَا

стр. 206

حرونها وشموسها فألف وصنف كتبا قر بهَا آذان الْبَيَان وشنف وَله نظم هُوَ السحر والحلال والعذب السلسال هَكَذَا قَالَ فِيهِ الْفَقِيه وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عمر العطاب وأصل بَلَده سَوْدَة شظب ثمَّ انْتقل إِلَى صنعاء فَقَرَأَ فِي النَّحْو واللغة والْحَدِيث على الْأَئِمَّة المجودين لهَذِهِ الْفُنُون مِنْهُم الإِمَام جمال الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن سليم الْمَعْرُوف بِابْن هطيل فَلَمَّا بلغ مَعَ اشْتِغَاله بِعلم الحَدِيث على الشريف السَّيِّد جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الحسني نزل إِلَى مَدِينَة تعز فَقَرَأَ بهَا الحَدِيث على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي ثمَّ سَافر لِلْحَجِّ فحج وزار قبر سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَقَرَأَ على الْأَئِمَّة بالحرمين الشريفين شَيْئا من كتب الحَدِيث مِنْهُم القَاضِي زين الدّين أبي بكر بن الْحُسَيْن العثماني الْقرشِي المراغي وَغَيره فأجازوا لَهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده أَقَامَ بهَا اياما ثمَّ طلع إِلَى مَدِينَة صنعاء فدرس فِي النَّحْو واشتهر بهَا وصنف بهَا مصنفا فِي النَّحْو مُخْتَصرا جَامعا سَمَّاهُ تبصرة أولي الْأَلْبَاب فِي ضوابط الْإِعْرَاب استحسنه عُلَمَاء النَّحْو بِمَدِينَة صنعاء وَغَيرهَا ومدحه السَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن نَاصِر فَقَالَ

стр. 207

(مَا كنت أَحسب أَن النَّحْو ينظمه ... فِي سلك كراسة شخص من النَّاس) (حَتَّى وقفت على عقد جواهره ... منظومة كلهَا فِي بطن كراس) (فَإِن عجبت فأحرى فِي تعجبها ... من يبسها وَهِي بَحر موجه راسي) (لله در موشيها فَإِن لَهُ ... فكرا يلين بِهِ المستصعب القاسي) (مَا سِيبَوَيْهٍ وَلَا عَمْرو وَإِن عظما ... قدرا وجلا لمنشيها بمقياس) وَهُوَ مَعَ ذَلِك ملازم للسَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يتضلع من علومه ويقتبس من فَوَائده فَلَمَّا علم بوصول الإِمَام الْجَزرِي إِلَى مَدِينَة تعز نزل إِلَيْهِ من صنعاء وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الحَدِيث وَأَجَازَ لَهُ وَلما ختم قِرَاءَة صَحِيح مُسلم أَي عِنْد الإِمَام الْجَزرِي بِمَدِينَة تعز أنشأ الشَّيْخ بدر الدّين الشظبي قصيدة تَتَضَمَّن مدح النَّبِي ﷺ ومدح الحَدِيث النَّبَوِيّ ومدح الشَّيْخ الْجَزرِي ونظم سَنَده فِي الْكتاب وَهِي طَوِيلَة مثبتة فِي الأَصْل بكمالها أَولهَا (تنعم بِذكر الْمُصْطَفى فَهُوَ أنعم ... يلذ بِهِ عَيْش الْمُحب وينعم) (وصل عَلَيْهِ فَهُوَ أشرف مُرْسل ... وَكرر فَمَا هَذَا المكرر يسأم) إِلَى آخرهَا توفّي هَذَا الْفَقِيه بتعز سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم وَلَده الْفَقِيه الْعَالم جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن الشظبي كَانَ إِمَامًا فَاضلا عَالما عابدا زاهدا تولى الْقَضَاء بجهات صهْبَان فحسنت سيرته واشتهر صيته ودرس وَأفْتى هُنَالك ثمَّ حدث مَا أوجب انْتِقَاله إِلَى مَدِينَة تعز فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا يدرس ويفتي ثمَّ توفّي فِي شهر شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثمانمئة وقبر بالأجيناد عِنْد قبر وَالِده أَو قَرِيبا مِنْهُ ﵀ ونفع بِهِ وَمن أهل مَدِينَة تعز الشَّيْخ الصَّالح الْوَزير تَقِيّ الدّين أَبُو حَفْص عمر بن أبي الْقَاسِم بن معيبد قد تقدم رفع نسبه عِنْد ذكر وَالِده رَحِمهم الله تَعَالَى قَرَأَ

стр. 208

هَذَا الشَّيْخ على جمَاعَة من الشُّيُوخ أهل الْفِقْه والْحَدِيث ثمَّ سلك طَريقَة التصوف وتأدب بآدابهم واجتهد بِالْعبَادَة وَلبس الْخِرْقَة الْمَشْهُورَة عِنْد أهل التصوف من بعض مشايخهم وسافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ وجاور هُنَاكَ نَحْو سنتَيْن ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده فاعتكف فِي الْمَسَاجِد وَعبد الله تَعَالَى خَاشِعًا باكيا من خشيَة الله وَقد يحضر السماع فَيفتح عَلَيْهِ فِيهِ بِأَبْيَات عَجِيبَة وَيلْزمهُ حَال فَيذْهب إِلَى عِنْد قُبُور بعض الصَّالِحين والأماكن الْمَشْهُورَة الْبركَة فيقف هُنَاكَ أَيَّامًا ثمَّ يعود وَكَانَت لَهُ قريحة مطاوعة ينظم بهَا الشّعْر مِنْهَا القصيدة الْكَبِيرَة الَّتِي أَولهَا (لم لَا يحن فُؤَادك الْمَجْرُوح ... وَيفِيض دمعا جفنك المقروح) وَهِي مَذْكُورَة فِي الأَصْل بكمالها وَله قصائد كَثِيرَة فِي مدح أبي الْعَبَّاس الْخضر وصنف فِيهِ مصنفة سَمَّاهَا الخدم الخضرية فِي الشيم الخضرية تحتوي على نظم ونثر من ذَلِك مَا قرأته من خطه مِمَّا قَالَه لما مِثَاله يسر الله وُرُود بِشَارَة هنيَّة ومكرمة سنية من سَيِّدي الْخضر صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم وَهُوَ أَنه جرى ذكرى ابْتِدَاء على لِسَانه الشريف لبَعض

стр. 209

السادات ذَوي المقامات المنيفة فروى ذَلِك عَنهُ لي وَهُوَ مِمَّن يدين بروايته ويؤمن بكرامته ويؤتمن بحكايته ولقبني بالتقوى وَذَلِكَ عِنْدِي أحلى من الْمَنّ والسلوى فمما مدح بِهِ سيدنَا أَبُو الْعَبَّاس الْخضر ﵇ مِنْهَا قصيدة أَولهَا (يَا سيدا مذهبي محبته ... فحبه عمدتي ومنهاجي) (وَهُوَ ملاذي لكل معظلة ... فِي رفع همي وَمَا رمت من حاجي) وَهِي طَوِيلَة وَله أَيْضا فِي مدحه ﵇ من قصيدة أَولهَا (جمالك لَا يُقَاس بِهِ جمال ... وفضلك لَا يماثله مِثَال) (وَإِن ذكر الْكِرَام بِكُل أَرض ... كمالك لَيْسَ يبلغهُ كَمَال) وَهِي طَوِيلَة أَيْضا مثبتة هِيَ وَمَا قبلهَا فِي الأَصْل وَكَانَ هَذَا التقي فِي مُعظم عمره مشتغلا بمطالعة الْكتب فِي الْوَعْظ وَيكثر ذكر الله تَعَالَى فِي التفكر كَمَا كَانَ السّلف الصَّالح قَائِلا فيهم (أحب الصَّالِحين وَلست مِنْهُم ... لَعَلَّ الله يَرْزُقنِي الصلاحا) (ولي فيهم ظنون قاطعات ... بِأَن الْحبّ يُوجب لي الفلاحا) وَمن شعره من قصيدة طَوِيلَة متوسلا فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى مَا مِثَاله (يَا رب خُذ بيَدي إِلَيْك فإنني ... أَصبَحت فِي أسر الذُّنُوب لزيما) (مَالِي سوى فقري إِلَيْك وفاقتي ... فاقبل شَفِيعًا مِنْهُمَا وحميما) وَله تخميس بَيْتَيْنِ من أَبْيَات الْفرج قدم عَلَيْهَا مُقَدّمَة وَزَاد زِيَادَة بعد ذَلِك فَقَالَ (وجهت وَجْهي لمن ألطافه جاهي ... وَقلت إِنِّي لأرجو عطفة الله) (مكررا إِنَّمَا أَشْكُو إِلَى الله ... وقائلا فِي الْأُمُور الْحَمد لله)

стр. 210

وسَاق على مثل تِلْكَ قدر عشْرين بَيْتا وشعره كثير يبلغ مجلدات وَرَأى لَهُ سَيِّدي شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الجبرتي فِي الْمَنَام رُؤْيا حَسَنَة تدل على خَيره مِمَّا قد ذكرتها فِي الأَصْل وَذَلِكَ بعد مَوته وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الجبرتي الْعقيلِيّ الْقرشِي من أهل بَيت مبارك أَخْبرنِي الثِّقَة أَن جد الشَّيْخ جمال الدّين الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن كَانَ لَهُ سَبْعَة أَوْلَاد نجباء خرج من بَلَده من مَكَان يُسمى مسك خلف الْبَحْر من أَرض الْحَبَشَة فَدخل الْيمن وَأقَام فِيهِ يعبد الله تَعَالَى وَأقَام بِمَدِينَة زبيد أَيَّامًا فَتوفي فِيهَا وَأقَام وَلَده عَليّ بعده فِيهَا أَيَّامًا ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز فاستوطنها وَهُوَ أول من سكن المداجر مِنْهُم وَكَانَ يصحب الشَّيْخ الصَّالح الْوَلِيّ عبد الْعَلِيم الَّذِي سبق ذكره ونال ببركته خيرا كثيرا واشتهر للشَّيْخ شمس الدّين كرامات كَثِيرَة وَحدث لَهُ أَوْلَاد نجباء مِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الشَّيْخ جمال الدّين كَانَ مُبَارَكًا عابدا مُلْتَزما طَريقَة الصُّوفِيَّة متأدبا بآدابهم يجود بِمَا فِي يَده من الْأَمْوَال على الْفُقَرَاء وَغَيرهم وَله مُشَاركَة بِشَيْء من الْعُلُوم وَأَجَازَ لَهُ بهَا جمَاعَة من الْعلمَاء الأكابر وَعمر فِي المداجر مدرسة ورباطا وأضاف إِلَيْهَا السُّلْطَان من الْأَسْبَاب من الْوَقْف شَيْئا كثيرا وَكَانَ لَهُ مِنْهُ وَمن أَصْحَابه صلات كَثِيرَة متتابعة ينفقها فِي وُجُوه المكرمات وَأَخْبرنِي وَلَده الشَّيْخ شهَاب الدّين الجبرتي عَن وَالِده الْمَذْكُور أَنه رأى النَّبِي ﷺ وَكَانَ مَرِيضا بعد أَن تداوى بأَشْيَاء كَثِيرَة لم تَنْفَعهُ فرتب قِرَاءَة الْفَاتِحَة كل يَوْم ألف شرف وَألف شرف قل هُوَ الله أحد فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ قد عوفيت من ذَلِك الْمَرَض وَقد أطلق الله الْأَمِير مُحَمَّد بن زِيَاد من الْحَبْس فِي حصن تعز قَالَ فَقُمْت من سَاعَتِي وَزَالَ عني الْمَرَض وَلم تمض ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا وَقد جَاءَ رَسُول من السُّلْطَان بِخَطِّهِ إِلَى مُتَوَلِّي الْحصن بِإِطْلَاق الْأَمِير الْمَذْكُور فَكَانَ ذَلِك تَصْدِيقًا للرؤيا

стр. 211

وَأخْبر أَيْضا أَن وَالِده الْمَذْكُور سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة هُوَ وَجَمَاعَة نَحْو عشْرين رجلا فَكَانُوا يصلونَ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة جمَاعَة فِي أَوْقَاتهَا وركبوا الْبَحْر بجلبة مَعَ جمَاعَة فصاروا نَحْو سبعين نَفرا فَمروا فِي بعض السواحل فوجدوا رجل مجذوبا وَاقِفًا فِي الشَّمْس قَالَ فتقدمت إِلَيْهِ وسلمت عَلَيْهِ وَسَأَلته الدُّعَاء فَقَالَ لي سَلامَة بر وبحر فكررت لَهُ طلب الدُّعَاء فَقَالَ لي لكل وَافد قَرَأَ وقرأكم على الله تَعَالَى الْمَغْفِرَة ثمَّ سألناه ليزدنا من الدُّعَاء فَلم يتَكَلَّم قَالَ فشريت لَهُ شَيْئا من الزَّاد وقربته إِلَيْهِ فَأكل بعضه ثمَّ طرح بَاقِيه للطيور حواليه ثمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرت من بَيْتِي لَهُ عَرِيشًا يكنه من الْمَطَر ويظله من الشَّمْس ثمَّ انصرفت عَنهُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي جِئْت لأزوره وأودعه فَوَجَدته فِي الشَّمْس كَمَا وجدته فِي الْيَوْم الأول وَقد تَفَرَّقت الأخشاب وَمَا إِلَيْهَا الَّذِي جعلت لَهُ عَرِيشًا فطلبت مِنْهُ الدُّعَاء فَتكلم بِمَا تكلم بِهِ الْيَوْم الأول لم يزدْ عَلَيْهِ شَيْئا فسافرنا حَتَّى وصلنا جدة وَكَانَ ناظرها يَوْمئِذٍ الشريف بدر الدّين حُسَيْن بن عجلَان وَهُوَ أَمِير مَكَّة فقابلنا مُقَابلَة حَسَنَة وأعفانا وأعفى التُّجَّار الَّذين صحبونا عَمَّا يعْتَاد عَلَيْهِ من العشور من تجاراتهم وجللنا واحترمنا وكتبت إِلَيْهِ ثَلَاثَة أَبْيَات هِيَ (بِمَا أجازيك مَا قولي وَمَا عَمَلي ... وَكَيف سعيي وَمَا قوسي وَمَا الْوتر) (فَإِن مدحت فَإِن النَّاس قد مدحوا ... وَإِن شكرت فَإِن النَّاس قد شكروا) (لَكِن أمد إِلَى رب السَّمَاء يَدي ... بِأَن يجازيك عني فَهُوَ مقتدر) ثمَّ إِن الشَّيْخ جمال الدّين الْمَذْكُور قدم مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة تعز وَبَقِي على الْحَال المرضي من الْعِبَادَة إِلَى أَن توفّي ﵀ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون ﵀ ونفع بِهِ

стр. 212

وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن المقرىء عفيف الدّين عبد الله الْحرَازِي الْمُتَقَدّم ذكره مَعَ الْفُقَهَاء أهل معشار التعكر كَانَ هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين رجلا فَاضلا عَالما قَرَأَ فِي الْفِقْه على الْفَقِيه شرف الدّين قَاسم الدمتي وعَلى غَيره وَبِالْحَدِيثِ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَالشَّيْخ شمس الدّين الْجَزرِي وبالفرائض والجبر والمقابلة على الإِمَام جمال الدّين الضراسي وَأثْنى عَلَيْهِ وَحدثت لَهُ فِي الْجَبْر والمقابلة مَسْأَلَة أشكلت عَلَيْهِ وعَلى شَيْخه الإِمَام جمال الدّين الضراسي فَنَامَ الْفَقِيه جمال الدّين الْحرَازِي فَرَأى النَّبِي ﷺ وَعلمه وَجه الْعَمَل بهَا وَأخْبر شَيْخه بِتِلْكَ فَضرب الْمَسْأَلَة فَصحت كَمَا قَالَ الْفَقِيه جمال الدّين مِمَّا علمه النَّبِي ﷺ فَكَانَ الْفَقِيه جمال الدّين الضراسي يَقُول لمن قَرَأَهَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة نبوية فتح بهَا على الشَّيْخ جمال الدّين الْحرَازِي وَقد سَأَلت بعض تلامذة الْفِقْه جمال الدّين عَنهُ فَقَالَ هُوَ الإِمَام الأوحد الصَّدْر الأمجد الْمُحَقق للمنقول والمعقول إِمَام زَمَانه وَسيد أقرانه يضيق وقته عَن تعداد مناقبه فسبحان الله مَا أَجود خاطره وأثقب ذهنه وَأحسن تصرفه لَا يُوَجه خاطره إِلَى شَيْء من عويص الْعلم فِي الْفِقْه والفرائض إِلَّا اقتنصه وَكنت أساله عَن الشَّيْء فَيحسن نظره فِيهِ وَهُوَ يقرب الْبعيد للمستفيد بل الله ثراه بوابل الرَّحْمَة وَأَسْكَنَهُ فسيح جنته انْتهى كَلَام تِلْمِيذه وعَلى الْجُمْلَة فَكَانَ هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين جَامعا للْعلم وَالْعَمَل مُفِيدا فِي التدريس ثَابتا فِي الْفَتْوَى قَائِما مقَام شَيْخه شرف الدّين الدمتي كَامِلا فِي النّظر فِي الْمسَائِل المشكلة شملته بركَة دُعَاء وَالِده لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ مجاب الدعْوَة وَقد قَالَ الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط لما مَاتَ الْفَقِيه جمال الدّين المقرىء تَيَقنا ذهَاب الْعلم الْآن وأظلمت الدُّنْيَا ثمَّ توفّي بعده ابْن الْخياط بذلك الشَّهْر رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة ولي الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد بن عبد الله بن

стр. 213

حسن بن صَالح الوحصي بَلَدا الْخَولَانِيّ نسبا قَرَأَ على الإِمَام الصَّالح صفي الدّين أَحْمد النَّاشِرِيّ وعَلى الإِمَام رَضِي الدّين بن الْخياط وعَلى غَيرهمَا بالفقه وعَلى الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بِالْحَدِيثِ وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ شمس الدّين الْجَزرِي وَالْإِمَام زين الدّين المراغي وَبَنُو ظهيرة بِمَكَّة المشرفة وَقَرَأَ بالنحو على الإِمَام جمال الدّين الْمَقْدِسِي فدرس وَأفْتى وَكَانَ نَائِبا بِالْمَدْرَسَةِ المؤيدية عَن الْفُقَهَاء من بني النَّاشِرِيّ فَكَانَ الْفَقِيه ولي الدّين عَالما عَاملا متواضعا آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر لَا يَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم كريم النَّفس حسن الْأَخْلَاق وأضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز فَأَقَامَ على ذَلِك شهرا ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى شَهِيدا من ألم الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ ثمَّ خَلفه من بعده وَلَده الْفَقِيه الصَّالح الْفَاضِل شهَاب الدّين أَحْمد كَانَ لَهُ مُشَاركَة بِعلم الْفِقْه قَرَأَ على وَالِده وعَلى ابْن عَمه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن دَاوُد الوحصي وأضيف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب الْمدرسَة السابقية وَغَيرهَا وَكَانَ آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر ذَا خير وَدين صلب وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وثمانمئة وَدفن بالأجيناد عِنْد قبر وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وَمِنْهُم الإِمَام حَافظ الزَّمن وحامل لِوَاء السّنة المصطفوية فِي الْيمن جمال الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد الْأَكْبَر بن شيخ الْإِسْلَام فَقِيه الْمَذْهَب أبي بكر بن مُحَمَّد بن صَالح الْهَمدَانِي الشهير بِابْن الْخياط كَانَ شيخ الْعُلُوم وإمامها وَمن فِي يَدَيْهِ زمامها لَهُ فِيهِ الباع المديد والشأو الْبعيد الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مزِيد أخْبرت أَنه لما حفظ كتاب الله تَعَالَى على يَد الْفَقِيه الصَّالح عفيف الدّين عَطِيَّة بن عبد الرَّزَّاق ذهب بِهِ وَالِده إِلَى الشَّيْخ عفيف الدّين صَالح الْيمن ذِي الكرامات عبد الله بن يحيى الشعراني فَدَعَا لَهُ فَمن دُعَائِهِ لَهُ أَن قَالَ اللَّهُمَّ أثقب قلبه بمعرفتك فاستجيب لَهُ الدُّعَاء وسبقت لَهُ الْعِنَايَة

стр. 214

وَقيل أَن هَذَا الدُّعَاء من الشَّيْخ الْوَلِيّ جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر الشبيبي فَقَرَأَ هَذَا الإِمَام جمال الدّين على وَالِده رَضِي الدّين فِي الْفِقْه وَغَيره وعَلى الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ وَأخذ على الْأَئِمَّة هُنَالك كالمراغي والكازروني وَبني ظهيرة وَغَيرهم ثمَّ على الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الْجَزرِي وَالْإِمَام أبي الْخَيْر بن الزين وَالشَّيْخ أبي طَاهِر بن مُحَمَّد بن أبي الْيمن الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ أبي بكر الْأمَوِي وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر وَغَيرهم فَأَجَازَهُ هَؤُلَاءِ بِجَمِيعِ فنون الْعلم وَقد جمع شُيُوخه وأنسابه فِي كراسة كَانَت عِنْده فكمل للفقيه جمال الدّين معرفَة جَمِيع الْعُلُوم من الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والنحو وَكَانَ يُسمى الباقر لسعة علمه وفهمه واستنباطه وَحفظه والتفرد بِزِيَادَة المتخصص لتحقيق علم الحَدِيث سلمت لَهُ الرِّئَاسَة فِيهِ فَكَانَ لَا يُمَارِي بِشَيْء مِنْهُ وَخلف الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بعد مَوته بتدريس الحَدِيث النَّبَوِيّ وَكَانَ يتَكَلَّم على معنى الحَدِيث وَرِجَال الْإِسْنَاد بِكَلَام نَافِع بِمحضر شَيْخه الإِمَام نَفِيس الدّين فيصوب كَلَامه وَنقل عَنهُ الْمُحَقِّقُونَ من الْفَوَائِد فِي حَيَاة الإِمَام نَفِيس الدّين أَشْيَاء كَثِيرَة وَمِمَّا أسْندهُ إِلَى بعض أَئِمَّة الحَدِيث أَنه قَالَ أَخْبرنِي بعض شيوخي مُسْندًا قَول بَعضهم مَا أقبح الْجَهْل بالألباء وَالْمَرَض بالأطباء والجفاء بالأحباء وَلما انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة بِعلم الحَدِيث وَانْفَرَدَ بذلك تزاحمت عَلَيْهِ الطّلبَة فَكَانَ يحضر عِنْده جمع كثير فَكَانَ مَجْلِسه حافلا للْعُلَمَاء والمتعلمين وَكَانَ لَهُ حسن أَخْلَاق وَمَكَارِم لم تكن لغيره من أَبنَاء جنسه فِي وقته لَا يستكثر عَطاء يُعْطِيهِ من جَاءَ إِلَيْهِ يطْلب رفده وكل من وَفد إِلَيْهِ من الْفُقَهَاء والمحدثين والبلغاء المبرزين يشْهد لَهُ بِأَنَّهُ فَخر الْيمن وبهجة الزَّمن وَأَنه الْقدح الْمُعَلَّى لشربه من الْعُلُوم المشرب الْأَسْنَى

стр. 215

واختص بشرف النَّفس وعلو الهمة وَسُرْعَة الْحِفْظ وَوصف بالذكاء وَقد أثنى عَلَيْهِ الإِمَام الْجَزرِي ومدحه ببيتين بعد أَن سَأَلَهُ السُّلْطَان النَّاصِر من رَأَيْت كَامِلا من عُلَمَاء الْيمن فَقَالَ (إِن الإِمَام فَتى الْخياط أفضل من ... رَأَيْت فِي الْيمن الفيحاء من رجل) (قل عَنهُ واسمع بِهِ وَانْظُر إِلَيْهِ تَجِد ... ملْء المسامع والأفواه والمقل) وَهَذَا أبلغ شَاهد على فضل الإِمَام جمال الدّين وعَلى الْجُمْلَة فقد فاق أهل زَمَانه وأربى على أقرانه يحفظ بِقِرَاءَة الْمرة الْوَاحِدَة أَكثر مَا يقْرَأ وَيسمع ويستحضر مُعظم مَا يطالع فيجريه على لِسَانه كالسيل الْوَارِد وَله تدقيق عَجِيب واعتراضات لَازِمَة على شَيْء من المصنفات من ذَلِك أَنه وَصله سُؤال من مَدِينَة زبيد مضمونه أَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا كم بنيت الْكَعْبَة المشرفة مَرَّات فأجابهم بِجَوَاب شاف أظهر فِيهِ الدَّلَائِل على صِحَة بنائها إِحْدَى عشرَة مرّة وَذكر من بناها وَجعل فِي ذَلِك مصنفا سَمَّاهُ عين التَّحْقِيق فِي عدد بِنَاء الْبَيْت الْعَتِيق وَقَالَ فِي آخِره جمعت ذَلِك فِي لحظات يَوْم من يَوْم وَاحِد وَاتفقَ بَينه وَبَين فُقَهَاء الْبَلَد اخْتِلَاف فِي فَتْوَى وَهِي أَن امْرَأَة اتّفقت هِيَ وَرجل على أَن يَتَزَوَّجهَا بعد أَن رغبته بنكاحها حَتَّى قَالَت لَهُ تزوج عَليّ وَعلي نذر لله إِن نكحتني وَكتب الله بَيْننَا فراقا أَبْرَأتك من مهري فَهَل يلْزمهَا الْوَفَاء بِالنذرِ إِذا فَارقهَا فَأجَاب بَعضهم بِلُزُوم الْوَفَاء وَبَعْضهمْ بِعَدَمِ صِحَة النّذر فصنف الإِمَام جمال الدّين تصنيفه يَقْتَضِي صِحَة النّذر وَلُزُوم الْوَفَاء بذلك وَأقَام الدَّلِيل عَلَيْهِ وَقد ذكرت بعض ذَلِك فِي الأَصْل مَعَ زِيَادَة فَوَائِد وقصائد من كَلَام الإِمَام جمال الدّين ﵀ وَغَيره وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى من ألم الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَلم يكن لَهُ من الْأَوْلَاد من يسْتَحق الذّكر وَتَفَرَّقَتْ كتبه الَّتِي جمعهَا واجتهد بتحصيلها وضبطها وَذَلِكَ زِيَادَة على سبعمئة مُجَلد فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
следующие страницы →