← История

История · id 6641

طبقات صلحاء اليمن = تاريخ البريهي

عبد الوهاب البريهي

Полный текст (336 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَأخْبر أَيْضا أَن وَالِده الْمَذْكُور سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة هُوَ وَجَمَاعَة نَحْو عشْرين رجلا فَكَانُوا يصلونَ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة جمَاعَة فِي أَوْقَاتهَا وركبوا الْبَحْر بجلبة مَعَ جمَاعَة فصاروا نَحْو سبعين نَفرا فَمروا فِي بعض السواحل فوجدوا رجل مجذوبا وَاقِفًا فِي الشَّمْس قَالَ فتقدمت إِلَيْهِ وسلمت عَلَيْهِ وَسَأَلته الدُّعَاء فَقَالَ لي سَلامَة بر وبحر فكررت لَهُ طلب الدُّعَاء فَقَالَ لي لكل وَافد قَرَأَ وقرأكم على الله تَعَالَى الْمَغْفِرَة ثمَّ سألناه ليزدنا من الدُّعَاء فَلم يتَكَلَّم قَالَ فشريت لَهُ شَيْئا من الزَّاد وقربته إِلَيْهِ فَأكل بعضه ثمَّ طرح بَاقِيه للطيور حواليه ثمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرت من بَيْتِي لَهُ عَرِيشًا يكنه من الْمَطَر ويظله من الشَّمْس ثمَّ انصرفت عَنهُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي جِئْت لأزوره وأودعه فَوَجَدته فِي الشَّمْس كَمَا وجدته فِي الْيَوْم الأول وَقد تَفَرَّقت الأخشاب وَمَا إِلَيْهَا الَّذِي جعلت لَهُ عَرِيشًا فطلبت مِنْهُ الدُّعَاء فَتكلم بِمَا تكلم بِهِ الْيَوْم الأول لم يزدْ عَلَيْهِ شَيْئا فسافرنا حَتَّى وصلنا جدة وَكَانَ ناظرها يَوْمئِذٍ الشريف بدر الدّين حُسَيْن بن عجلَان وَهُوَ أَمِير مَكَّة فقابلنا مُقَابلَة حَسَنَة وأعفانا وأعفى التُّجَّار الَّذين صحبونا عَمَّا يعْتَاد عَلَيْهِ من العشور من تجاراتهم وجللنا واحترمنا وكتبت إِلَيْهِ ثَلَاثَة أَبْيَات هِيَ (بِمَا أجازيك مَا قولي وَمَا عَمَلي ... وَكَيف سعيي وَمَا قوسي وَمَا الْوتر) (فَإِن مدحت فَإِن النَّاس قد مدحوا ... وَإِن شكرت فَإِن النَّاس قد شكروا) (لَكِن أمد إِلَى رب السَّمَاء يَدي ... بِأَن يجازيك عني فَهُوَ مقتدر) ثمَّ إِن الشَّيْخ جمال الدّين الْمَذْكُور قدم مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة تعز وَبَقِي على الْحَال المرضي من الْعِبَادَة إِلَى أَن توفّي ﵀ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون ﵀ ونفع بِهِ

стр. 212

وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن المقرىء عفيف الدّين عبد الله الْحرَازِي الْمُتَقَدّم ذكره مَعَ الْفُقَهَاء أهل معشار التعكر كَانَ هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين رجلا فَاضلا عَالما قَرَأَ فِي الْفِقْه على الْفَقِيه شرف الدّين قَاسم الدمتي وعَلى غَيره وَبِالْحَدِيثِ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَالشَّيْخ شمس الدّين الْجَزرِي وبالفرائض والجبر والمقابلة على الإِمَام جمال الدّين الضراسي وَأثْنى عَلَيْهِ وَحدثت لَهُ فِي الْجَبْر والمقابلة مَسْأَلَة أشكلت عَلَيْهِ وعَلى شَيْخه الإِمَام جمال الدّين الضراسي فَنَامَ الْفَقِيه جمال الدّين الْحرَازِي فَرَأى النَّبِي ﷺ وَعلمه وَجه الْعَمَل بهَا وَأخْبر شَيْخه بِتِلْكَ فَضرب الْمَسْأَلَة فَصحت كَمَا قَالَ الْفَقِيه جمال الدّين مِمَّا علمه النَّبِي ﷺ فَكَانَ الْفَقِيه جمال الدّين الضراسي يَقُول لمن قَرَأَهَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة نبوية فتح بهَا على الشَّيْخ جمال الدّين الْحرَازِي وَقد سَأَلت بعض تلامذة الْفِقْه جمال الدّين عَنهُ فَقَالَ هُوَ الإِمَام الأوحد الصَّدْر الأمجد الْمُحَقق للمنقول والمعقول إِمَام زَمَانه وَسيد أقرانه يضيق وقته عَن تعداد مناقبه فسبحان الله مَا أَجود خاطره وأثقب ذهنه وَأحسن تصرفه لَا يُوَجه خاطره إِلَى شَيْء من عويص الْعلم فِي الْفِقْه والفرائض إِلَّا اقتنصه وَكنت أساله عَن الشَّيْء فَيحسن نظره فِيهِ وَهُوَ يقرب الْبعيد للمستفيد بل الله ثراه بوابل الرَّحْمَة وَأَسْكَنَهُ فسيح جنته انْتهى كَلَام تِلْمِيذه وعَلى الْجُمْلَة فَكَانَ هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين جَامعا للْعلم وَالْعَمَل مُفِيدا فِي التدريس ثَابتا فِي الْفَتْوَى قَائِما مقَام شَيْخه شرف الدّين الدمتي كَامِلا فِي النّظر فِي الْمسَائِل المشكلة شملته بركَة دُعَاء وَالِده لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ مجاب الدعْوَة وَقد قَالَ الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط لما مَاتَ الْفَقِيه جمال الدّين المقرىء تَيَقنا ذهَاب الْعلم الْآن وأظلمت الدُّنْيَا ثمَّ توفّي بعده ابْن الْخياط بذلك الشَّهْر رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة ولي الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد بن عبد الله بن

стр. 213

حسن بن صَالح الوحصي بَلَدا الْخَولَانِيّ نسبا قَرَأَ على الإِمَام الصَّالح صفي الدّين أَحْمد النَّاشِرِيّ وعَلى الإِمَام رَضِي الدّين بن الْخياط وعَلى غَيرهمَا بالفقه وعَلى الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بِالْحَدِيثِ وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ شمس الدّين الْجَزرِي وَالْإِمَام زين الدّين المراغي وَبَنُو ظهيرة بِمَكَّة المشرفة وَقَرَأَ بالنحو على الإِمَام جمال الدّين الْمَقْدِسِي فدرس وَأفْتى وَكَانَ نَائِبا بِالْمَدْرَسَةِ المؤيدية عَن الْفُقَهَاء من بني النَّاشِرِيّ فَكَانَ الْفَقِيه ولي الدّين عَالما عَاملا متواضعا آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر لَا يَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم كريم النَّفس حسن الْأَخْلَاق وأضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز فَأَقَامَ على ذَلِك شهرا ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى شَهِيدا من ألم الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ ثمَّ خَلفه من بعده وَلَده الْفَقِيه الصَّالح الْفَاضِل شهَاب الدّين أَحْمد كَانَ لَهُ مُشَاركَة بِعلم الْفِقْه قَرَأَ على وَالِده وعَلى ابْن عَمه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن دَاوُد الوحصي وأضيف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب الْمدرسَة السابقية وَغَيرهَا وَكَانَ آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر ذَا خير وَدين صلب وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وثمانمئة وَدفن بالأجيناد عِنْد قبر وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وَمِنْهُم الإِمَام حَافظ الزَّمن وحامل لِوَاء السّنة المصطفوية فِي الْيمن جمال الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد الْأَكْبَر بن شيخ الْإِسْلَام فَقِيه الْمَذْهَب أبي بكر بن مُحَمَّد بن صَالح الْهَمدَانِي الشهير بِابْن الْخياط كَانَ شيخ الْعُلُوم وإمامها وَمن فِي يَدَيْهِ زمامها لَهُ فِيهِ الباع المديد والشأو الْبعيد الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مزِيد أخْبرت أَنه لما حفظ كتاب الله تَعَالَى على يَد الْفَقِيه الصَّالح عفيف الدّين عَطِيَّة بن عبد الرَّزَّاق ذهب بِهِ وَالِده إِلَى الشَّيْخ عفيف الدّين صَالح الْيمن ذِي الكرامات عبد الله بن يحيى الشعراني فَدَعَا لَهُ فَمن دُعَائِهِ لَهُ أَن قَالَ اللَّهُمَّ أثقب قلبه بمعرفتك فاستجيب لَهُ الدُّعَاء وسبقت لَهُ الْعِنَايَة

стр. 214

وَقيل أَن هَذَا الدُّعَاء من الشَّيْخ الْوَلِيّ جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر الشبيبي فَقَرَأَ هَذَا الإِمَام جمال الدّين على وَالِده رَضِي الدّين فِي الْفِقْه وَغَيره وعَلى الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ وَأخذ على الْأَئِمَّة هُنَالك كالمراغي والكازروني وَبني ظهيرة وَغَيرهم ثمَّ على الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام الْجَزرِي وَالْإِمَام أبي الْخَيْر بن الزين وَالشَّيْخ أبي طَاهِر بن مُحَمَّد بن أبي الْيمن الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ أبي بكر الْأمَوِي وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر وَغَيرهم فَأَجَازَهُ هَؤُلَاءِ بِجَمِيعِ فنون الْعلم وَقد جمع شُيُوخه وأنسابه فِي كراسة كَانَت عِنْده فكمل للفقيه جمال الدّين معرفَة جَمِيع الْعُلُوم من الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والنحو وَكَانَ يُسمى الباقر لسعة علمه وفهمه واستنباطه وَحفظه والتفرد بِزِيَادَة المتخصص لتحقيق علم الحَدِيث سلمت لَهُ الرِّئَاسَة فِيهِ فَكَانَ لَا يُمَارِي بِشَيْء مِنْهُ وَخلف الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بعد مَوته بتدريس الحَدِيث النَّبَوِيّ وَكَانَ يتَكَلَّم على معنى الحَدِيث وَرِجَال الْإِسْنَاد بِكَلَام نَافِع بِمحضر شَيْخه الإِمَام نَفِيس الدّين فيصوب كَلَامه وَنقل عَنهُ الْمُحَقِّقُونَ من الْفَوَائِد فِي حَيَاة الإِمَام نَفِيس الدّين أَشْيَاء كَثِيرَة وَمِمَّا أسْندهُ إِلَى بعض أَئِمَّة الحَدِيث أَنه قَالَ أَخْبرنِي بعض شيوخي مُسْندًا قَول بَعضهم مَا أقبح الْجَهْل بالألباء وَالْمَرَض بالأطباء والجفاء بالأحباء وَلما انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة بِعلم الحَدِيث وَانْفَرَدَ بذلك تزاحمت عَلَيْهِ الطّلبَة فَكَانَ يحضر عِنْده جمع كثير فَكَانَ مَجْلِسه حافلا للْعُلَمَاء والمتعلمين وَكَانَ لَهُ حسن أَخْلَاق وَمَكَارِم لم تكن لغيره من أَبنَاء جنسه فِي وقته لَا يستكثر عَطاء يُعْطِيهِ من جَاءَ إِلَيْهِ يطْلب رفده وكل من وَفد إِلَيْهِ من الْفُقَهَاء والمحدثين والبلغاء المبرزين يشْهد لَهُ بِأَنَّهُ فَخر الْيمن وبهجة الزَّمن وَأَنه الْقدح الْمُعَلَّى لشربه من الْعُلُوم المشرب الْأَسْنَى

стр. 215

واختص بشرف النَّفس وعلو الهمة وَسُرْعَة الْحِفْظ وَوصف بالذكاء وَقد أثنى عَلَيْهِ الإِمَام الْجَزرِي ومدحه ببيتين بعد أَن سَأَلَهُ السُّلْطَان النَّاصِر من رَأَيْت كَامِلا من عُلَمَاء الْيمن فَقَالَ (إِن الإِمَام فَتى الْخياط أفضل من ... رَأَيْت فِي الْيمن الفيحاء من رجل) (قل عَنهُ واسمع بِهِ وَانْظُر إِلَيْهِ تَجِد ... ملْء المسامع والأفواه والمقل) وَهَذَا أبلغ شَاهد على فضل الإِمَام جمال الدّين وعَلى الْجُمْلَة فقد فاق أهل زَمَانه وأربى على أقرانه يحفظ بِقِرَاءَة الْمرة الْوَاحِدَة أَكثر مَا يقْرَأ وَيسمع ويستحضر مُعظم مَا يطالع فيجريه على لِسَانه كالسيل الْوَارِد وَله تدقيق عَجِيب واعتراضات لَازِمَة على شَيْء من المصنفات من ذَلِك أَنه وَصله سُؤال من مَدِينَة زبيد مضمونه أَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا كم بنيت الْكَعْبَة المشرفة مَرَّات فأجابهم بِجَوَاب شاف أظهر فِيهِ الدَّلَائِل على صِحَة بنائها إِحْدَى عشرَة مرّة وَذكر من بناها وَجعل فِي ذَلِك مصنفا سَمَّاهُ عين التَّحْقِيق فِي عدد بِنَاء الْبَيْت الْعَتِيق وَقَالَ فِي آخِره جمعت ذَلِك فِي لحظات يَوْم من يَوْم وَاحِد وَاتفقَ بَينه وَبَين فُقَهَاء الْبَلَد اخْتِلَاف فِي فَتْوَى وَهِي أَن امْرَأَة اتّفقت هِيَ وَرجل على أَن يَتَزَوَّجهَا بعد أَن رغبته بنكاحها حَتَّى قَالَت لَهُ تزوج عَليّ وَعلي نذر لله إِن نكحتني وَكتب الله بَيْننَا فراقا أَبْرَأتك من مهري فَهَل يلْزمهَا الْوَفَاء بِالنذرِ إِذا فَارقهَا فَأجَاب بَعضهم بِلُزُوم الْوَفَاء وَبَعْضهمْ بِعَدَمِ صِحَة النّذر فصنف الإِمَام جمال الدّين تصنيفه يَقْتَضِي صِحَة النّذر وَلُزُوم الْوَفَاء بذلك وَأقَام الدَّلِيل عَلَيْهِ وَقد ذكرت بعض ذَلِك فِي الأَصْل مَعَ زِيَادَة فَوَائِد وقصائد من كَلَام الإِمَام جمال الدّين ﵀ وَغَيره وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى من ألم الطَّاعُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَلم يكن لَهُ من الْأَوْلَاد من يسْتَحق الذّكر وَتَفَرَّقَتْ كتبه الَّتِي جمعهَا واجتهد بتحصيلها وضبطها وَذَلِكَ زِيَادَة على سبعمئة مُجَلد فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم

стр. 216

وَمِنْهُم شَيخنَا الصَّالح الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عِيسَى بن عمر الْحرَازِي الْمَشْهُور بالرعياني كَانَ ﵀ رجلا عَالما عابدا صَالحا ورعا زاهدا أخبر أَنه كَانَ قبل قِرَاءَته زراعا فَنَامَ فِي بعض اللَّيَالِي وَهُوَ يحفظ الزَّرْع فَرَأى فِي النّوم رُؤْيا هاله أمرهَا فانزعج من ذَلِك وَسَأَلَ المعبرين فَلم يشفوه فِي الْجَواب فأهمه ذَلِك وَكَانَ يسكن الْقرْيَة الَّتِي نسب إِلَيْهَا وَهِي رعيان تَحت حصن الحمرا بمخلاف جَعْفَر قَالَ وَكنت وليا لامْرَأَة أَذِنت لي بتزويجها فسرت إِلَى بعض قُضَاة ذِي جبلة لأزوجها عِنْده فَقيل لَهُ أَنِّي أؤخر الصَّلَاة عَن وَقتهَا بِغَيْر عذر شَرْعِي فَقَالَ لي لَا ولَايَة لَك عَلَيْهَا فَقطعت العلائق والعوائق وَطلقت زَوْجَتي وَهِي حَامِل بولدي عبد الرَّحْمَن ولزمت الِاعْتِكَاف والدراسة وَالصَّلَاة بأوقاتها فِي الْجَامِع ونقلت الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة ثمَّ لَزِمت الإِمَام رَضِي الدّين بن الْخياط فَقَرَأت وَسمعت عَلَيْهِ التَّنْبِيه وَالْحَاوِي وَغَيره من المسموعات الْفِقْهِيَّة ثمَّ سَافَرت مَكَّة المشرفة فحججت واعتمرت وزرت قبر النَّبِي ﷺ وجاورت فِي الْمَدِينَة الشَّرِيفَة نَحْو سنة ثمَّ رجعت إِلَى ذِي جبلة انْتهى كَلَامه فَلَمَّا توفّي شَيْخه الإِمَام رَضِي الدّين بن الْخياط انْتقل إِلَى مَدِينَة إب فَقَرَأَ على القَاضِي ابْن صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي والفقيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي وَحصل كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ ضَبطهَا أحسن ضبط وَكَانَ يَصُوم الدَّهْر لَا يفْطر إِلَّا الْأَيَّام الْمنْهِي عَن صَومهَا وَلَا يَأْكُل فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة سوى أَكلَة وَاحِدَة عِنْد الْإِفْطَار وَكَانَ قوته من عمل يَده من تَحْصِيل الْكتب والمصاحف وَكَانَ النَّاس يرغبون إِلَى مَا كتبه ويبالغون فِي ثمنه تبركا بِهِ وَطلب مِنْهُ أهل الْمَدِينَة أَن يقوم بإمامة الْجَامِع فصلى بِهِ إِمَامًا قدر سنة يتَوَضَّأ لكل فَرِيضَة وَعرض عَلَيْهِ مَا شَرطه

стр. 217

الْوَاقِف من الْوَقْف لإِمَام الْجَامِع فَامْتنعَ من قَبضه وَأمر أَن يعمر بِهِ الْجَامِع فعمر بِهِ وَاعْتذر عَن الْإِمَامَة فعذر ودام على حَاله فِي الْعِبَادَة وَالِاعْتِكَاف بالجامع وَطلب مِنْهُ أَن يقوم بإمامة مدرسة أَنْشَأَهَا وَالِي الْبَلَد فَامْتنعَ وانتقل عَنْهَا إِلَى ذِي جبلة ثمَّ إِلَى وقير بالشوافي فَأَتَتْهُ طلبة الْعلم الشريف فدرس هُنَالك وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرَة ثمَّ عَاد إِلَى مَدِينَة إب بعد وَفَاة الْوَالِي الَّذِي أمره بِالْإِمَامَةِ بمدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا وَأقَام بالجامع لَا تمر عَلَيْهِ سَاعَة من نَهَاره إِلَّا وَهُوَ يدرس أَو يحصل الْكتب النافعة مَعَ قِيَامه فِي اللَّيْل لِلْعِبَادَةِ فَلَمَّا كبر وَلَده عبد الرَّحْمَن وَحفظ كتاب الله تَعَالَى وَقَرَأَ بِالْعلمِ الشريف على وَالِده وَبلغ الْحلم اشتاق لسفر الْحَج فوافقه وَالِده على ذَلِك وسافرا مَعًا فحجا وزارا وَوَافَقَ سفرهما وُصُول بعض ثِقَات قَاضِي مصر كتاب التَّحْرِير وَشرح الْمَنْظُومَة لأبي زرْعَة من رجل يُسمى الْفَقِيه أَبَا بكر السحولي قد أوقف هذَيْن الْكِتَابَيْنِ على من يقْرَأ فيهمَا بمدرسة شنين وبمدينة إب فَأرْسل بهما الثِّقَة مَعَ هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين فحملهما وَوصل بهما إِلَى مَدِينَة إب وَلم يكن بِالْيمن شَيْء من هذَيْن الْكِتَابَيْنِ فَانْتَفع بهما الطّلبَة فِي المكانين ثمَّ انْتقل الْفَقِيه جمال الرعياني إِلَى مَدِينَة تعز فَتَبِعَهُ وَلَده الْفَقِيه وجيه الدّين وَأَقَامَا بهَا على التدريس وَالْفَتْوَى وَالْعِبَادَة وأضيف إِلَيْهِمَا من الْأَسْبَاب الْمدرسَة الشمسية فِي مَدِينَة تعز فأقاما بهَا على الْحَال المرضي مجتهدين بنشر الْعلم إِلَى أَن توفّي الْفَقِيه جمال الدّين الرعياني إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى سنة إِحْدَى وَخمسين وثمانمئة وَدفن بالأجيناد وَقد اشتهرت لَهُ كرامات كَثِيرَة فِي حَيَاته

стр. 218

مِنْهَا مَا أَخْبرنِي الثِّقَة أَن السُّلْطَان المسعود لما دخل مَدِينَة تعز وَبنى أكمة السِّرَاجِيَّة ورتب بهَا جمع المظفر أهل صَبر وَمن أطاعه وقصدوا السِّرَاجِيَّة ليحرقوا مَا بهَا وَكَانَ بَيت الْفَقِيه جمال الدّين الرعياني على طريقهم فهم الْعَسْكَر بِنَهْب الْبَيْت ورموه بِالْحِجَارَةِ فلمع الْبَرْق فِي وسط النَّهَار من غير سَحَاب وَرَأى ذَلِك من حضر وَانْهَزَمَ أَصْحَاب المظفر فاحترم بَيت الْفَقِيه جمال الدّين من ذَلِك الْيَوْم فَلَمَّا توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى قَامَ وَلَده النجيب الْعَالم وجيه الدّين مقَامه فِي التدريس وَالْفَتْوَى بِمَدِينَة تعز وَكَانَ يحفظ كتاب التَّنْبِيه للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ ومنهاج الإِمَام النَّوَوِيّ ومنظومة الْحَاوِي لِابْنِ الوردي والشاطبية وألفية ابْن مَالك وَقرأَهَا على وَالِده وعَلى الْفَقِيه جمال الدّين الْأَكْبَر ابْن الْخياط وأجازوا لَهُ واستقام لولاية الْقَضَاء بجهات جبا وَمَا والاها ثَلَاث سِنِين وَأقَام فِيهَا ودرس وَأفْتى وَقبض أوقافها ثمَّ اعتذر عَن الْقَضَاء بهَا إِلَى من ولاه وَهُوَ السُّلْطَان المسعود فعذره وَرجع إِلَى مَدِينَة تعز وَقد كَانَت ولَايَة الْقَضَاء بالجانب الْأَسْفَل من مَدِينَة تعز للْقَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر الحريري فَلَمَّا توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى استقام بِولَايَة الْقَضَاء فِي الْموضع الْمَذْكُور هَذَا القَاضِي وجيه الدّين بِأَمْر السُّلْطَان الْمَذْكُور فحسنت سيرته وَأقَام بِالْمَدْرَسَةِ الفرحانية يدرس ويفتي وَيحكم على الْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة إِلَى أَن ملكت السَّادة بَنو طَاهِر الْمَدِينَة جَمِيعهَا فاستقام بِولَايَة الْقَضَاء بهَا القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن دَاوُد الوحصي فَتبقى الْفَقِيه وجيه الدّين الرعياني فِي التدريس وَالْفَتْوَى وَالْعِبَادَة أَيَّامًا إِلَى أَن توفّي بعد وَالِده بأيام قَليلَة وَذَلِكَ سنة أثنتين وَخمسين وثمانمئة ﵀ وَقد كَانَ رأى وَالِده فِي الْمَنَام وَقَالَ لَهُ يَا عبد الرَّحْمَن انْتقل إِلَى عِنْدِي فَمَرض بذلك الْأُسْبُوع أَيَّامًا ثمَّ توفّي وقبر عِنْد وَالِده رحمهمَا الله ونفع بهما

стр. 219

وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل تَقِيّ الدّين عمر بن الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ المسلمي الْمَشْهُور باليريمي قَرَأَ على وَالِده الْمُقدم ذكره بالفقه بقرية يريم ثمَّ انْتقل إِلَى تعز فَقَرَأَ بالقراءات السَّبع على المقرىء وجيه الدّين الملحاني وبالفقه على الإِمَام جمال الدّين العوادي وَبِالْحَدِيثِ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي ثمَّ طلع إِلَى مَدِينَة إب فتأهل بهَا ورتبه الشَّيْخ الْجلَال السيري إِمَامًا فِي الْمدرسَة الَّتِي أَنْشَأَهَا فَوقف مُدَّة طَوِيلَة يقرىء ويدرس ويفتي ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة تعز وَحج بَيت الله الْحَرَام ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَلَمَّا وصل الإِمَام شمس الدّين الْجَزرِي وَالْقَاضِي تَقِيّ الدّين الشريف الفاسي إِلَى تعز نزل إِلَيْهِمَا فَقَرَأَ عَلَيْهِمَا بِعلم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وأجازا لَهُ ثمَّ إِنَّه خالط بعض المتصرفين بِمَدِينَة تعز للسُّلْطَان الطَّاهِر فَلَزِمَهُ وعبث فِي الْعرض وَالْمَال بِسَبَب ذَلِك فَبَقيَ فِي بعض الْمَسَاجِد معتكفا يدرس ويفتي ثمَّ أضيف إِلَيْهِ قَضَاء الْجند وانفصل عَنهُ وأضيف إِلَيْهِ نِيَابَة الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز ثمَّ انْفَصل عَن ذَلِك وَرجع إِلَى ولَايَة الْقَضَاء بالجند فَبَقيَ على ذَلِك إِلَى أَن توفّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر شهر صفر سنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة وَكَانَ ينظم الشّعْر من ذَلِك جَوَابه على اللغز الَّذِي أبداه الإِمَام الْجَزرِي رَحمَه الله تَعَالَى على طلبته حَيْثُ قَالَ (أخي إِن رمت تَدْرِي من حَبِيبِي ... وتعرف مَا اسْمه وتحيط علما) (خُذ اسْما من أسامي الْمَوْت واقلب ... وَصغر ذَلِك المقلوب حتما) (وصحف ذَلِك التصغير وَاجعَل ... لمن أحببته من ضِدّه اسْما) فَأجَاب القَاضِي تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد اليريمي الْمَذْكُور أَولا فَقَالَ (أَتَت أحجية من بَحر علم ... لتعريف الحبيب وَمَا يُسمى) (باسم الْمَوْت واقلب ثمَّ صغر ... وَصغر ذَلِك التصغير حتما) (فَفتح قلب حتف ثمَّ صغر ... وصحفه قَبِيح حزت علما) (وَمَا ضد الْقَبِيح سوى مليح ... وَذَاكَ الْقَصْد وَالْحب الْمُسَمّى) وَله شعر غير ذَلِك مِنْهُ مَا نظمه فِي شُرُوط القَاضِي مِمَّا هُوَ مُثبت فِي الأَصْل

стр. 220

حذفته هُنَا اختصارا وَمِنْهُم الْفَقِيه الْمُحدث شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الشّعبِيّ قَرَأَ على الإِمَام جمال الدينن بن الْخياط الحَدِيث وعَلى الإِمَام جمال الدّين الضراسي فِي الْفَرَائِض وعَلى غَيرهمَا فأجازوا لَهُ وتصدر لإسماع الحَدِيث النَّبَوِيّ بعد وَفَاة شَيْخه الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط وَنقل عَنهُ فَوَائِد جليلة ثمَّ تولى الْقَضَاء بِبَلَد صهْبَان ثمَّ انْفَصل عَنْهَا وقطن بِمَدِينَة تعز وَاسْتمرّ مدرسا بِجَامِع ثعبان واشتغل بِشَيْء من علم الْفلك وَكَانَت الدُّنْيَا منزوية عَنهُ وَكَانَ خطه حسنا توفّي سنة خمس وَخمسين وثمانمئة وقبر بالحياط ملاصقا لقبر شَيْخه الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط رحمهمَا الله تَعَالَى وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة شمس الدّين عَليّ بن عمرَان الْحميدِي كَانَ مِمَّن فض لَهُ عَن أبكار الْمعَانِي الختام وارتقى بمعارفه مرتبَة الجلة من ذَوي الأفهام قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط وعَلى الْفَقِيه ولي الدّين عبد الْوَلِيّ الوحصي وعَلى الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن الْمقري وعَلى غَيرهم بالأصول وَالْفِقْه والفرائض والنحو وَغير ذَلِك فأجازوا لَهُ اجْتهد فِي طلب جَمِيع الْعُلُوم حَتَّى انْكَشَفَ لَهُ مَا كَانَ عَن غَيره من الوعيض مَكْتُوم وحقق الْمَذْهَب والنصوص وَالْقَوَاعِد والمراتب حَتَّى صَار إِمَامًا محققا فاق أهل زَمَانه وأربى على أقرانه وَفضل على بعض مشايخه واشتهر بِحل المشكلات وإيضاح المبهمات وَقصد للمعضلات مَعَ حَدَاثَة سنه واشتهر بذلك شهرة سَارَتْ مسير الشَّمْس لما أعطي من الْفَهم الثاقب والإصابة فِي الحدس

стр. 221

واستنبط مسَائِل عَجِيبَة وحرر قَوَاعِد صَحِيحَة غَرِيبَة فَمن بعض نتائج فكره الشاهدة بعلو قدره مَا جمعه وصنفه وسطره فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه الْمُسَمّى الانتخاب فِي حِسَاب الْفِقْه وَفقه الْحساب فَإِنَّهُ أَتَى فِيهِ مَا شفى وَكفى قَالَ بعض من وقف عَلَيْهِ من الْفُضَلَاء هُوَ جدير بِأَن يشد إِلَيْهِ الرّحال ويجعله المحصلون معتمدهم فِي كل حَال وَأنْشد فِيهِ بَعضهم شعرًا (إِلَيْك يسير أهل الْعلم طرا ... لِأَنَّك كَامِل فِي كل فن) (وَلَا يغنون مهما غبت عَنْهُم ... وَإِن غَابَ الْجَمِيع فَأَنت تغني) وَلما نظره الْفَقِيه جمال الدّين الضراسي وَهُوَ شيخ شَيْخه لِأَن شَيْخه الْفَقِيه جمال الدّين المقرىء وَشَيخ الْفَقِيه جمال الدّين المقرىء الْفَقِيه جمال الدّين الضراسي فِي فن الْجَبْر والمقابلة وعلوم الْحساب والفرائض وَاسْتَحْسنهُ وشكر مُؤَلفه واستقصر الْمدَّة الْمَاضِيَة عَن اتساعها لمثل هَذَا الاختراع وَكتب فِي مُؤَلفه كِتَابَة أثنى عَلَيْهِ وَبَالغ فِي شكره على مَا اخترعه وألفه وَجمعه وصنفه وأجابه بِجَوَاب مطول مِمَّا قَالَ فِيهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَة مغترف من بحرك وَلم يُشَاهد إِلَّا بعض آيَات مجدك وآثار فخرك وَلِهَذَا الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن عمرَان مُصَنف آخر فِيمَن ترك شَيْئا من سُجُود الصَّلَاة الرّبَاعِيّة وَجَهل تَعْيِينه جعل هَذَا المُصَنّف فِي مُقَدّمَة وبابين وخاتمة وَجعل احتمالات الْمَسْأَلَة مئة ألف احْتِمَال وَخَمْسَة آلَاف احْتِمَال ومئة وَخَمْسَة واستدرك فِي بعض الِاحْتِمَالَات على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الدَّارمِيّ والمحب الطَّبَرِيّ

стр. 222

والشاشي والإسنوي والسبكي وَغَيرهم بِشَيْء يقبله الْعقل ويساعده النَّقْل مِمَّا يعجز بعض الإفكار عَن إِدْرَاكه فضلا عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَله غير ذَلِك من التدقيق على مسَائِل كَثِيرَة وَمَا ذَكرْنَاهُ من مؤلفاته فَهُوَ الشَّاهِد الْعدْل على جلالته وأجادته وإفادته وَقد أحسن إِلَيْهِ السُّلْطَان الظَّاهِر إحسانا كليا وَوَصله بصلات كَثِيرَة وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب بتعز مَا يَلِيق بِحَالهِ وأقامه السُّلْطَان الْأَشْرَف ولد الظَّاهِر بِولَايَة الْقَضَاء بتعز فَأَقَامَ على ذَلِك أَيَّامًا فَلَمَّا توفّي الْأَشْرَف واستقام المظفر وَظهر فِي السَّادة المشائخ بني طَاهِر فِي طلب الرِّئَاسَة وَالْولَايَة على الْيمن سعى لَهُم الْفَقِيه شمس الدّين بذلك فَأوجب ذَلِك الِانْتِقَال إِلَيْهِم إِلَى بلدهم لمعاندة حصلت عَلَيْهِ من المظفر وَأَصْحَاب المسعود بعد أَن ناله وعث شَدِيد وَأسر معاهم أَيَّامًا ثمَّ أَطْلقُوهُ فانتقل ذِي حراب من بلد السَّادة بني طَاهِر فَأحْسنُوا إِلَيْهِ إحسانا كليا وصنف فيهم رِسَالَة سَمَّاهَا الْمسك الفتيق فِي فضل حر الأَصْل على الرَّقِيق ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة بِقصد الْحَج فاخترمته الْمنية فِي الطَّرِيق من الْوُصُول إِلَى بَيت الله الْعَتِيق قد رجح إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى مكرما مُعظما وَكَانَت وَفَاته بمَكَان يُسمى اللِّحْيَة وَذَلِكَ سنة سِتّ وَخمسين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ

стр. 223

وَمِنْهُم الْفَقِيه حسام الدّين عَبَّاس بن طَلْحَة قَرَأَ على الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد الوحصي وعَلى غَيره من فُقَهَاء وقته حَتَّى انْتفع بأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى واستقامه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن داؤد الوحصي فِي بعض الْأَوْقَات بِشَيْء من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَأثْنى عَلَيْهِ النَّاس بكفاءته وتسديد نظره وثاقب مَعْرفَته ومشيه على مَا يحْتَمل الْوَقْت فَكَانَ حكمه صَوَابا لَا يسْتَدرك بحكومة عَلَيْهِ وَلَا يطْمع طامع بحيلة بَين يَدَيْهِ يعرف الْحق فيقتفيه ويعدل عَن الْبَاطِل فيتقيه وَتُوفِّي سنة تسع وَخمسين وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن مهْدي بن سبا المرشى بَلَدا وَهِي قَرْيَة بجبل بعدان قَرَأَ بالقراءات على المقرىء شمس الدّين الشرعبي وشارك بِسَائِر علم الْفِقْه والْحَدِيث وأضيف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب بِمَدِينَة تعز إِمَامَة الظَّاهِرِيَّة والشمسية وَكَانَ مَعَه كتب نفيسة حصلها وضبطها أحسن ضبط وَكَانَ قوته من شخص يُسمى عمر الأديب لَهُ فضل وصدقات كَثِيرَة توفّي بِمَدِينَة إب ثمَّ إِن المقرىء شمس الدّين سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ فَوَافَقَ الْمقَام شمس الدّين عَليّ بن طَاهِر بِالْمَدِينَةِ المشرفة فَقَامَ بكفايته وَجعله من أَصْحَابه فَرَجَعَا إِلَى الْيمن بعد إقامتهما جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة قدر ثَلَاث سِنِين فَكَانَ الْمقَام شمس الدّين يحسن إِلَيْهِ ويواسيه بِمَا يَحْتَاجهُ فِي مَدِينَة تعز إِلَى أَن توفّي بهَا بِشَهْر رَجَب سنة تسع وَسِتِّينَ وثمانمئة وَدفن بالأجيناد قَرِيبا من قبر الإِمَام مُحَمَّد بن أبي بكر الْخياط رحمهمَا الله ونفع بهما وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز الْفَقِيه البليغ وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عمر الرَّاعِي الْمَشْهُور بالعطاب كَانَ لَهُ معرفَة بِعلم الْعَرَبيَّة وَكَانَ محققا لعلم الْمعَانِي وَالْبَيَان وأوزان الشّعْر وبحوره أَخذ ذَلِك عَن أَخِيه الْفَقِيه الصَّالح شمس الدّين يُوسُف بن عمر العطاب وَالْقَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي وَكَانَت لَهُ قريحة مطواعة

стр. 224

وَخط حسن وَكَانَ فِي شبابه فَقِيرا فحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ رَجَعَ على طَرِيق درب الْمَاشِي فسبقه الرّفْقَة فضل عَن الطَّرِيق وَعجز عَن الْمَشْي وَعظم عَلَيْهِ الْحر والعطش وأيس من الْحَيَاة فاستسلم لله الْوَاحِد القهار وَجلسَ تَحت ظلّ شَجَرَة ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا فَألْقى الله على لِسَانه الاستنصار بِاللَّه تَعَالَى فَأَنْشد بَيْتا شعرهما (وَإِذا ضللت عَن الرشاد وَلم تكن ... أَبَد الزَّمَان على العدا منصورا) (فاستهد واستنصر بِرَبِّك ذِي العلى ... وَكفى بِرَبِّك هاديا ونصيرا) قَالَ فوَاللَّه مَا استتممت قَوْلهمَا حَتَّى سَمِعت صَوت الْمُنَادِي باسمي فَقُمْت فَرحا وَوجدت أَصْحَابِي ثمَّ إِنَّه قصد الأكابر ومدحهم بغرر القصائد وكتبها بِخَطِّهِ الْحسن فأجازوا لَهُ وأثرى وَكثر مَاله وَقد كَانَت عَلَيْهِ دُيُون فقضاها واشتهر بالفصاحة وَعرف بذلك وَأنكر بَعضهم قَوْله وفصاحته فِي قصيدة كتبهَا إِلَى الإِمَام الشريف عَليّ بن صَلَاح الحسني وَقَالَ إِن ذَلِك لغيره فَكتب إِلَيْهِ أبياتا مِنْهَا (وَقَالُوا سنه سنّ صَغِير ... وَلَيْسَ يجيد فِي الشّعْر النظاما) (وَمَا علمُوا بِأَنِّي نلْت فخرا ... أَوَان بلغت من عمري الفطاما) (وَإِنِّي الْيَوْم أفحم كل فذ ... وَمَا وفيتها عشْرين عَاما) وَهِي طَوِيلَة وَله شعر حسن غير ذَلِك مِنْهُ ثَلَاثَة أَبْيَات أضافها إِلَى الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين للوأواء الدِّمَشْقِي وَهِي (وَلما حدا الركْبَان للبين عيسهم ... وأموا بهَا الْبَيْت الْعَتِيق المسترا)

стр. 225

(أتيت إِلَى هِنْد اريد وداعها ... ونار الجوى فِي الْقلب تذكو تسعرا) (فراعت فُؤَادِي بالبكاء وأنشدت ... وأدمعها تحكي الْحيَاء المتحدرا) (أيا زائر الْبَيْت الْعَتِيق وتاركي ... أقاسي الْهوى لَو زرتني كَانَ أجدرا) (تحج احتسابا ثمَّ تقتل عَاشِقًا ... فديتك لَا تحجج وَلَا تقتل الورى) وَله يمدح الْكتب والدفاتر وَهُوَ أحسن مَا قَالَ (وصامتات حضرت عندنَا ... تطوى على كل عَجِيب غَرِيب) (لَو نطقت يَوْمًا بِمَا أودعت ... مَا سمع الدَّاعِي جَوَاب الْمُجيب) وَله فِي أَسمَاء مَا قيل إِن السَّمَوَات السَّبع مِنْهَا على رَأْي بعض الْعلمَاء وَالْخلاف فِي ذَلِك مَشْهُور عِنْدهم بَيت شعر هُوَ (تموج صَخْر من حَدِيد نحاسه ... عدى فضَّة والتبر من تَحت ياقوت) (سَمَاء الدُّنْيَا الثَّانِيَة الثَّالِثَة الرَّابِعَة ... الْخَامِسَة السَّادِسَة السَّابِعَة) (موج مكفوف من صَخْر من حَدِيد من نُحَاس ... من فضَّة من ذهب من ياقوت) انْتقل هَذَا الْفَقِيه وجيه الدّين من مَدِينَة إب إِلَى مَدِينَة تعز قريب وَفَاته فَأَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ توفّي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثمانمئة ورثاه بَعضهم بِشعر تركت ذكره اختصارا وَهُوَ فِي الأَصْل مُثبت مَعَ زِيَادَة شعر من كَلَام الْفَقِيه وجيه الدّين الْمَذْكُور وَمن أهل مَدِينَة تعز المقرىء الْعَلامَة شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الرفدي الْمَشْهُور بالشرعبي قَرَأَ بالقراءات السَّبع على المقرىء الصَّالح عفيف الدّين جَعْفَر الْهمام المقبور بقحاف الدمنات وَمِنْه جَاءَتْهُ الْبركَة ثمَّ على المقرىء الصَّالح مُحَمَّد بن

стр. 226

يحيى الشارفي فَكَانَ أَكثر انتفاعه عَلَيْهِ وَقَرَأَ بالنحو على الإِمَام الْمَقْدِسِي وَغَيره وبالفقه على الإِمَام ابْن فَخر بزبيد وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من الشُّيُوخ الْكِبَار بِمَكَّة وَالْمَدينَة ومصر ثمَّ اجْتمع بالمقرىء شمس الدّين الْجَزرِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ بالقراءات الْعشْر وَأَجَازَ لَهُ ثمَّ عَاد إِلَى الْيمن فتصدر للتدريس بالقراءات وَسمع الحَدِيث وَالتَّفْسِير على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وعَلى الإِمَام جمال الدّين بن الْخياط وَكَانَ وحيد عصره فِي علم الْقُرْآن وَفِي إِيضَاح مَا أشكل مِنْهُ ورتب خَطِيبًا بِجَامِع ذِي عدينة وَمد الله فِي عمره حَتَّى أَنه لم يبْق بِمَدِينَة تعز وَمَا قاربها مقرىء إِلَّا وَهُوَ من درسته أَو درسة درسته وَكَانَ جَهورِي الصَّوْت لافظا حَافِظًا ثبتا محققا وَإِذا وعظ وجلت الْقُلُوب لوعظه وشفيت الصُّدُور ببليغ لَفظه وأسكبت الدُّمُوع وَحصل الْخُشُوع ودام على الخطابة والإمامة فِي جَامع ذِي عدينة نَحْو أَرْبَعِينَ سنة يتَوَضَّأ لكل صَلَاة مَفْرُوضَة وَلما اسن وَكبر وَضعف استناب وَلَده بذلك وَأخْبر بعض أَوْلَاده أَنه لما قربت وَفَاته لم يزل يَتْلُو آيَات من الْقُرْآن ويكرر قِرَاءَة قل هُوَ الله أحد ويعلن بِالشَّهَادَتَيْنِ إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بِشَهْر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسبعين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الْأَجَل الصَّالح الْعَلامَة شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الْعقيلِيّ الْقرشِي الْمَشْهُور بالجبرتي ذُو المناقب الْمَشْهُورَة والكرامات الْمَذْكُورَة والمآثر المحمودة والخيرات الْمَوْجُودَة الْجَامِع بَين طريقتي الشَّرِيعَة والحقيقة المتمسك من تقوى الله بالعروة الْوَثِيقَة مَحل محط الرّحال ومنتهى الآمال السائر ذكره فِي أقطار الْأَرْضين الطَّائِر ذكره بالكرامات فِي الْآفَاق على مر السنين أوحد الْعباد الْمُجْتَهدين وَأجل الْأَئِمَّة المبرزين وَالْعُلَمَاء الصَّالِحين نَشأ فِي عبَادَة الله تَعَالَى فِي صباه إِلَى أَن أرْضى أَبَاهُ ووفقه الله واجتباه فاق ببراعته وتحقيقه الْأَوَائِل والأواخر وَأقر لَهُ بِالْفَضْلِ الْخَاص وَالْعَام من أهل الدفاتر والمحابر جبلت الْقُلُوب على محبته الَّتِي يُرْجَى بهَا خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ومنح النَّاس من فَضله ومروءته شجرات إحسانه أجمع أهل الْعَصْر على صَلَاحه وَقَطعُوا من كرم الله بفلاحه وَأَنه

стр. 227

قطب الْوُجُود وبركة كل مَوْجُود مولده لَيْلَة الثَّلَاث وَالْعِشْرين من رَمَضَان الْكَرِيم من سنة اثْنَتَيْ عشرَة وثمانمئة فَنَشَأَ وَلسَانه معتقل من صَحِيح الْكَلَام إِلَى أَن بلغ عمره سَبْعَة أَعْوَام فَكَانَ وَالِده يرحمه وَيَأْتِي بِهِ إِلَى الْعلمَاء والصلحاء وَيطْلب مِنْهُم الدُّعَاء هَكَذَا أَخْبرنِي من لَفظه وَأَنه قَالَ رَأَيْت فِي النّوم شخصا جَاءَنِي فأطعمني شَيْئا فانتبهت وَأَنا أَتكَلّم كأفصح النَّاس وزالت العجمة الَّتِي كَانَت بلساني فَجئْت إِلَى وَالِدي وقصصت لَهُ مَا رَأَيْت ففرح بذلك وأدخلني إِلَى الْمُؤَدب ليعلمني الْقُرْآن الْعَظِيم فعلمني شهرا فَلم يفتح عَليّ شَيْئا فعذرني الْمعلم عَن الْقِرَاءَة تِلْكَ السَّاعَة إِلَى وَقت آخر فَنمت مهموما فَرَأَيْت فِي الْمَنَام الشَّخْص الَّذِي أَطْعمنِي بِمَا أَزَال عجمتي فأطعمني شَيْئا آخر فنبهت من نومي وَقد فتح الله بصيرتي فَكنت أَقرَأ فِي الْمُصحف الْكَرِيم من سُورَة الْبَقَرَة ولوحي فِي سُورَة ياسين ثمَّ بعد مُدَّة عوضني الله تَعَالَى عوض تِلْكَ العجمة الَّتِي لزمتني فِي صغر السن معرفَة لُغَة أَربع ألسن من ألسن الْعَجم قَالَ وَلما حفظ كتاب الله تَعَالَى قَرَأَ فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَغير ذَلِك من سَائِر الْعُلُوم على الْأَئِمَّة كَالْإِمَامِ جمال الدّين مُحَمَّد الْأَكْبَر الْخياط وَالْإِمَام بدر الدّين الشظبي وَغَيرهمَا فَشهد لَهُ فِي صباه بالنجابة كل من عرفه وَأَجَازَ لَهُ الإِمَام ابْن الْخياط وَكتب لَهُ بِخَطِّهِ بذلك وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء مرضيا ومدحه مدحا عَظِيما بِمَا هُوَ أَهله هَذَا وعمره حِينَئِذٍ نَحْو عشْرين سنة ثمَّ قَرَأَ فِي علم الْأَسْمَاء والحقيقة على الإِمَام ابْن فاتك وتهذب على يَده ثمَّ أوفى حسن الْخط فَلَيْسَ فِي الْيمن جَمِيعه لَهُ نَظِير يحسن فِيهِ قَول البستي (إِذا بَرى قَلما يَوْمًا ليعمله ... يَقُول هز غَدَاة الروع غائله) (وَإِن أَمر على رق أنامله ... أقرّ بِالرّقِّ كتاب الْأَنَام لَهُ)

стр. 228

فَهُوَ يُحَقّق السَّبْعَة الأقلام وَيكْتب بهَا ويفرعها فروعا كَثِيرَة ويذاكر عَلَيْهَا وَلَو شَاءَ يصنف كتابا فِي علمهَا لصنف وَقد وفدت عَلَيْهِ البلغاء وَأهل الصِّنَاعَة وَالْكِتَابَة من الشَّام ومصر والعجم ويتواضع للْفُقَرَاء وَيُؤْنس الْغَرِيب ويواسي الْفَقِير ويتفقد الْأَصْحَاب بِالْإِحْسَانِ ويعم بالهدايا الأباعد وَالْجِيرَان يفد عَلَيْهِ المبتدئون والمنتهون كل يلْتَمس ببركاته وَيطْلب مِنْهُ صَالح دعواته وجزيل صدقاته وَذَلِكَ لما ظهر لَهُ من الكرامات واشتهر لَهُ من المكرمات فَهُوَ جَامع بَين الْعلم وَالْعَمَل جَار على سنَن السّلف الصَّالح لَا يُؤثر عَنهُ زيغ وَلَا زلل وَقد قيل بِأَن الْجِنّ تأتمر بأَمْره وتذعن لقَوْله وَهُوَ منزه عَن مُخَالطَة الْمُلُوك وَأهل الْأَمر متعفف عَن أَمْوَالهم مُحْتَرز بِدِينِهِ عَن شبهاتهم أرسل إِلَيْهِ بعض الْمُلُوك بِذَهَب وفضه فَرده من بَابه وقنع باليسير من اكتسابه وتورع عَن الْأَسْبَاب وَترك مَا كَانَ لوالده مِنْهَا وَكَانَ اشْتِغَاله أَولا بالنسخ مَعَ الْقِرَاءَة وَكَانَ يكْتب الْمُقدمَات والمصاحف الْكَرِيمَة فيبالغ النَّاس فِي استهدائها بالأثمان الجزيلة وَكَانَ لَا يرضى يهدي شَيْئا مِنْهَا إِلَى من فِي مَاله شُبْهَة وعَلى الْجُمْلَة فَهَذَا الشَّيْخ شهَاب الدّين كَانَ جَامعا للخصال الثَّلَاث الَّتِي ذكرهَا

стр. 229

سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ مَعَ غَيرهَا وَهِي خمس نذْكر مِنْهَا عَالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وَقد ظَهرت لَهُ كرامات كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا مَا شاهدته فِي الأَصْل مَعَ ذكر مَا أعْمرهُ من مَسَاجِد وَإِخْرَاج مياه سبلها وَصرف على ذَلِك أَمْوَالًا جزيلة وَمَا كتبه بِخَطِّهِ وَأَوْقفهُ من الْكتب والمقدمات والمصاحف وَمَا مدح فِيهِ الشُّعَرَاء وأثنوا عَلَيْهِ وَمَا رثوه مِمَّا يضيق عَنهُ هَذَا الْمَجْمُوع فِي أوراق كَثِيرَة رَحمَه الله تَعَالَى وَتُوفِّي الْيَوْم السَّادِس عشر من شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثمانمئة وَمِنْهُم القَاضِي الْعَالم الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن دَاوُد الوحصي بَلَدا الْخَولَانِيّ نسبا قَرَأَ على عَمه الْفَقِيه ولي الدّين عبد الْوَلِيّ بن مُحَمَّد الوحصي وزوجه ابْنَته وَكَانَ محفوظه بهجة الْحَاوِي ثمَّ قَرَأَ القَاضِي جمال الدّين على غير عَمه من الْعلمَاء بِمَدِينَة تعز وَسكن بهَا وَتَوَلَّى الْقَضَاء بهَا فَكَانَت سيرته مرضية وأضيف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب مَا قَامَ بأَمْره وَأمر عائلته فِي مُدَّة السُّلْطَان الظَّاهِر ثمَّ عَزله وَلَده الْأَشْرَف بعد موت وَالِده وصادره بِأخذ شَيْء من المَال عَلَيْهِ ثمَّ عَاد القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد على ولَايَة الْقَضَاء بالمدة الَّتِي استقام بهَا الْملك الْمفضل عِنْد اخْتِلَاف الْجند على الْملك المظفر من العبيد بزبيد وطلوعهم إِلَى تعز أَيَّامًا ثمَّ لما استقام السَّادة بَنو الطَّاهِر بِالْأَمر فِي الْبَلَد مَعَ المظفر وَخُرُوج الْمفضل والمسعود بعده من عدينة دَامَت ولَايَة القَاضِي جمال الدّين على ولَايَة الْقَضَاء بتعز وَمَا إِلَيْهَا وانتظم حَاله بالأسباب النافعة كالسيفية والمؤيدية وَدَار المضيف الْأَعْلَى والتابكية وَغير ذَلِك

стр. 230

مِمَّا لم يسْبقهُ أحد إِلَى هَذِه الْأَسْبَاب باجتماعها فَصَارَت ولَايَته مضبوطة وَأَحْكَامه نَافِذَة وَلَا يعْتَرض بِحكم وَلَا ينازعه فِيهِ مُنَازع مَعَ اشْتِغَاله بالتدريس وَالْفَتْوَى وإفادة الطّلبَة وَكَانَ ذَا سكينَة ووقار وهيبة وَلم يزل على الْحَال المرضي يدرس ويفتي مَعَ كبر سنه وَضَعفه مُطَاع القَوْل مسموع الْكَلِمَة إِلَى أَن توفّي سنة تسع وَثَمَانِينَ وثمانمئة وَمن شعره ملغزا باسم الزراع (أحاجيكم يَا أهل ودي بتحفة ... بهَا عجب للسامعين مدى الدَّهْر) (بِكَافِر قد صلى إِمَامًا لجمعة ... فَصحت صَلَاة المقتدين مَعَ الْكفْر) وَمِنْهُم المقرىء الْفَقِيه الْعَلامَة شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبئي الجابري نِسْبَة إِلَى جَابر بن سَمُرَة الصَّحَابِيّ ﵁ قَرَأَ على هَذَا المقرىء شمس الدّين بالقراءات السَّبع على المقرىء عفيف الدّين عُثْمَان النَّاشِرِيّ وبالنحو على الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْوَهَّاب الشراقي وبالفقه على الْفَقِيه شهَاب الدّين الضراسي وَغَيره ثمَّ بعدن فِي الْفِقْه على القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن وَأَجَازَ لَهُ هَؤُلَاءِ فدرس وَأفْتى واشتهر وَأخْبر أَنه جائته الْبركَة وَفتح عَلَيْهِ بِالْعلمِ ببركة دُعَاء الْحَاج الصَّالح مفضل الزُّهْرِيّ فَإِنَّهُ دَعَا لَهُ وأطعمه شَيْئا من الزَّاد فَكَانَ ذَلِك سَبَب الْخَيْر وَأخْبر أَنه مرض فَرَأى فِي الْمَنَام الشَّيْخ عفيف الدّين المسن وَكَانَ شيخ وَالِده فِي التصوف وَأَنه رأى وَالِده عِنْده قَالَ فَدَعَا لَهُ الشَّيْخ الْعَفِيف بن المسن فَأصْبح بارئا من ذَلِك الْمَرَض وَأَنه أرق لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان فِي بعض السنين فاجتهد بِتِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى فَرَأى السَّمَاء انْشَقَّ مِنْهَا

стр. 231

نور سَاطِع أَضَاء مِنْهُ جَمِيع الأَرْض فَدَعَا إِلَى الله تَعَالَى وَسَأَلَ مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة حصلت لَهُ وَلما كَانَ بعد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمانمئة استدعاه الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ بن الحسام الزَّاهِر فطلع وأقامه مدرسا وإماما فِي الْمدرسَة الَّتِي أَنْشَأَهَا وَالِده بالدنوه بالشوافي فانتقل إِلَيْهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ نَقله إِلَى عيقره وَجعله مدرسا فِي الْمدرسَة الَّتِي أَنْشَأَهَا فِيهَا وَسكن فِيهَا وقصدته الطّلبَة للْعلم الشريف فدرسهم وأفادهم وانتفع عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة وَكَفاهُ الشَّيْخ شمس الدّين أَمر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ جَمِيعه فَصَارَ المقرىء شمس الدّين ذَا شهرة عَظِيمَة وجاه كَبِير ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز فعكفت عَلَيْهِ الطّلبَة من أهل مَدِينَة تعز فأفادهم الْفَوَائِد السّنيَّة بِجَمِيعِ الْعُلُوم ونال الرُّتْبَة الْعَالِيَة عِنْد النَّاس وَعند السَّادة بني الطَّاهِر بعد توسطه لَهُم إِلَى أهل بَلْدَة صَبر وَمَا والاها وَالسَّعْي مِنْهُ لصلاح الْبِلَاد وإخماد الْفِتَن حَيْثُ صَار ذَلِك مُتَعَيّنا عَلَيْهِ فاستقام بِدَرَجَة الوزارة وَاسْتمرّ بِقَضَاء الْأَقْضِيَة فِي قطر الْيمن وأضيف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب الْمَعْرُوفَة فِي تعز وزبيد وحيس وموزع فَانْتَفع بهَا هُوَ ودرسته وَاشْترى الْكتب النافعة وَالْأَرْض الجليلة وغرس فِيهَا النّخل وَزرع فِيهَا أَنْوَاع الْحُبُوب وَأَخْبرنِي الثِّقَة أَن الْكتب بلغ مجموعها زِيَادَة على الف مُجَلد كلهَا شِرَاء أَو نسخ وَأخْبر بعض تلامذته أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَأَنه بمَكَان مُرْتَفع وَعِنْده جمَاعَة مِنْهُم المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي وَأَن تَحْتَهُ جمَاعَة كثير قد أحاطت بهم النَّار فَقَالَ النَّبِي ﷺ للمقرىء يُوسُف انْزِلْ فأزل هَذِه النَّار عَن النَّاس فَنزل وأزالها فَقيل إِن هَذِه النَّار هِيَ ظلم مُلُوك بني الرَّسُول وأعوانهم الظلمَة والمعتدين الَّذين ظَهَرُوا فِي ذَلِك الْوَقْت وأزالها هُوَ بإعانته السَّادة بني الطَّاهِر

стр. 232

بولايتهم على الْيمن وَأمرهمْ لَهُ بِإِزَالَة الْمُنْكَرَات وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ ثمَّ أَخْبرنِي الثِّقَة عَنهُ أَنه قَالَ طلع شَرْقي مَدِينَة ذمار عِنْد أَن كَانَ فِي رِبَاط عيقرة بعد شهرته بِالْعلمِ وَقبل استاقمته مَعَ السَّادة بني طَاهِر وَقبل ولايتهم على الْيمن وَاجْتمعَ بِبَعْض فُقَهَاء الزيدية بِتِلْكَ الْبَلَد فَسَأَلَ مِنْهُ بَعضهم أَن يقرئه كتابا من كتب النَّحْو فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فشرع بِقِرَاءَة الْكتاب فَرَأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَعِنْده الإِمَام الشَّافِعِي وَجَمَاعَة فَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي للنَّبِي ﷺ هَذَا الْفَقِيه وَأَشَارَ إِلَى المقرىء يُوسُف يقرىء الْعلم المبتدعة فَنَهَاهُ النَّبِي ﷺ فَلَمَّا انتبه المقرىء من النّوم وَجَاء الْفَقِيه ليقْرَأ عَلَيْهِ اعتذره فَلم يقرئه ثمَّ خرج من تِلْكَ الْبَلَد وَرجع إِلَى رِبَاط عيقرة وَلم يزل المقرىء الْمَذْكُور آخِذا بالترقي إِلَى الْمَرَاتِب الْعَالِيَة وَالْمحل الْأَعْلَى وَالْمَكَان الْأَسْنَى وَفِي الْجُمْلَة أَنه كَانَ قطب الْوُجُود وبركة كل مَوْجُود إِلَى ان توفّي ﵀ رَابِع عشر شهر صفر سنة أَربع وتسعمئة بعد أَن بلغ من الرتب أقصاها وَمن الْمَعيشَة أصفاها وَدفن فِي تربة الشَّيْخ الصياد نفع الله بهما وَأعَاد على الْجَمِيع من بركتهما بِمُحَمد وَآله آمين وَمِنْهُم الْفَقِيه النجيب الْعَالم جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن الْحلْوانِي قَرَأَ أَولا على الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الرعياني وعَلى وَلَده الْفَقِيه وجيه الدّين فَكَانَ الْفَقِيه جمال الدّين الرعياني يثني عَلَيْهِ بجودة الْفَهم وَصِحَّة الذِّهْن ويتخيل فِيهِ النجابة فَمِنْهُ جائته الْبركَة فَلَمَّا توفى الله جمال الدّين الرعياني وَولده قَرَأَ على المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي فِي الْفِقْه وعَلى الْفَقِيه جمال الدّين الضراسي فِي الْفَرَائِض والجبر والمقابلة وَقَرَأَ على غير هَؤُلَاءِ فَانْتَفع وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى بِمَدِينَة تعز وَله نظر تَامّ وَفهم حسن فِي الْعُلُوم وَقد يستنبط

стр. 233

مَا يستحسن ذكره ويليق سطره ويعذب إِيرَاده واستنابه المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي فِي التدريس وَفِي الْقَضَاء فِي جباء وصبر وَمَا والى ذَلِك إِلَى أَن توفّي سنة خمس وَسبعين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ ثمَّ خَلفه بمنصبه صنوه الْفَقِيه شهَاب أَحْمد بن عَليّ بن حُسَيْن الْحلْوانِي فدرس وَأفْتى بعد استفادته وقرائته بأنواع الْعُلُوم على المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي فِي الْفِقْه والْحَدِيث والنحو وَغير ذَلِك وَأَجَازَ لَهُ ذَلِك واستنابه فِي التدريس بوظائفه بِمَدِينَة تعز وبالقضاء فِي جبا وَمَا والاها وللفقيه شهَاب الدّين نجابة وفضائل مَعْلُومَة وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَالم الْفَاضِل شمس الدّين عَليّ بن سعيد الزبيدِيّ بِضَم الزَّاي الجبزي نِسْبَة إِلَى بَلْدَة الجبزية فِي بِلَاد زبيد بالمعافر وَكَانَ إِمَامًا فَاضلا عَالما بانواع الْعُلُوم من الْفِقْه والْحَدِيث والعربية والحساب والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَغير ذَلِك وَكَانَت قِرَاءَته بِمصْر وَالشَّام وَمَكَّة وَالْمَدينَة الشَّرِيفَة على فقهائها وعلمائها وَقد انْتفع عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ من الطّلبَة بِمَدِينَة تعز بِهَذِهِ الْعُلُوم الْمُقدم ذكرهَا وأضيف إِلَيْهِ مَا كَفاهُ من الْأَسْبَاب بِالْمَدْرَسَةِ الفرحانية والمجاهدية وَلم يزل على الْحَال المرضي يدرس ويفتي إِلَى أَن توفّي بِشَهْر محرم الْحَرَام سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه بدر الدّين حسن بن عبد الرَّحْمَن الصباحي قَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الضراسي فِي الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة وَغير ذَلِك ثمَّ على القَاضِي جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ والفقيه تَقِيّ الدّين عمر الْفَتى بِمَدِينَة زبيد بالفقه وعَلى غَيرهم فدرس وَأفْتى بعد إجازتهم لَهُ وَله قريحة ينظم بهَا الشّعْر وَلم يزل

стр. 234

يدرس ويفتي فِي مَدِينَة تعز إِلَى قيام دولة مَوْلَانَا صَلَاح الدّين عَامر بن عبد الْوَهَّاب فَبعد قيام دولة مَوْلَانَا صَلَاح الدّين ترك التدريس وَنشر الْعلم لاشتغاله بالوزارة مَعَ السُّلْطَان الْمَذْكُور إِلَى أَن توفّي وَهُوَ على الْحَال الْمَذْكُور سنة ثَمَان وَتِسْعين وثمانمئة نسْأَل الله حسن الخاتمة وَمن المتوفين قَدِيما بِمَدِينَة تعز من الَّذين لم يذكرهم المؤرخون جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح رَضِي الدّين أَبُو بكر بن أَحْمد الْبَزَّاز الشهير بِابْن قرينع اشتهرت عَنهُ فَضَائِل وبراهين بعد وَفَاته وَفِي الْحَيَاة وقبره بالأجيناد مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ رَضِي الدّين أَبُو بكر بن أَحْمد الجبرتي اشْتهر بِصَاحِب ذِي النُّون وَظَهَرت لَهُ فَضَائِل وبراهين وَلم يزل أهل تعز يقصدون قَبره للتبرك بِهِ وَهُوَ بالأجيناد ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة عفيف الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ بن الْأَحْمَر الخزرجي كَانَ فَقِيها عَالما مدرسا مفتيا محققا مدققا توفّي بتعز وَدفن بالأجيناد ﵀ ونفع بِهِ وَأما المتوفين بجبل صَبر وحوالي مَدِينَة تعز وَذخر وَمَا والى ذَلِك فَمنهمْ الْمَشَايِخ الصلحاء بَنو الرميمة قد ذكر الجندي أَكْثَرهم واقدمهم وَهُوَ الشَّيْخ عَليّ الرميمة وَقَالَ إِنَّه تلميذ الشَّيْخ مدافع وحقق لَهُ وللشيخ مدافع كرامات وَأما ذُرِّيَّة الشَّيْخ عَليّ فَمنهمْ الشَّيْخ الصَّالح إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود أخْبرت أَنه كَانَ

стр. 235

من الْأَوْلِيَاء الصَّالِحين من عباد الله الزاهدين وَأَنه كَانَ فِي الْحَيَاة عِنْد أَن خرج أهل صَبر عَن طَاعَة السُّلْطَان الْمُجَاهِد مَعَ خوفهم مِنْهُ فَقَالَ لَهُم الشَّيْخ إِبْرَاهِيم مَا دمت حَيا بَيْنكُم فَلَا سَبِيل للسُّلْطَان الْمُجَاهِد عَلَيْكُم فَإِذا مت فَإِن السُّلْطَان الْمُجَاهِد يطلع الْجَبَل قهرا وَيقتل مِنْكُم جمعا كثيرا فتوفاه الله تَعَالَى واجتمعوا للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فطلع الْمُجَاهِد وَعَسْكَره وَأخذ الْجَبَل قهرا وَقتل من أَهله جمعا كثيرا فَكَانَ ذَلِك تَصْدِيقًا لما قَالَه الشَّيْخ إِبْرَاهِيم وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسبعمئة وَمِنْهُم وَلَده الشَّيْخ بدر الدّين حسن أخْبرت أَنه كَانَ عابدا صَالحا مكرما للضيف مُطَاع القَوْل مَفْتُوحًا عَلَيْهِ بالمعارف مَقْصُودا للمهمات تقضى على يَدَيْهِ الْحَاجَات وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَتُوفِّي سنة أَربع وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَله أَوْلَاد نجباء أكبرهم الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد أخْبرت أَنه نَشأ أحسن نشوء فاجتهد بِالْعبَادَة وَتُوفِّي وَهُوَ شَاب وَلم أتحقق من تَارِيخ وَفَاته وَالثَّانِي الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله كَانَ من الأخيار والعباد مَقْصُودا للمهمات سلك سَبِيل وَالِده وَأَهله بِقَضَاء الْحَوَائِج لأهل قطره وانتهت رئاسة أهل هَذَا الْبَيْت إِلَيْهِ وجلل واحترم وَكَانَ مُطَاعًا عِنْد أهل بَلَده فنم عَلَيْهِ من لَا خير فِيهِ إِلَى سُلْطَان الْوَقْت فألزمه السُّكْنَى بِمَدِينَة تعز فسكن بهَا أَيَّامًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيته فَأَقَامَ فِيهِ وَكَانَ يكْتب الرقى والعزائم للمرضى وَغَيرهم فَيكون فِيهَا الشِّفَاء بِإِذن الله تَعَالَى وَلما قربت وَفَاته اشتاق إِلَى مَكَّة المشرفة فسافر لِلْحَجِّ ثمَّ توفّي هُنَالك

стр. 236

بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ شُجَاع الدّين عمر بن مُحَمَّد بن حسن كَانَت الرياسة لِعَمِّهِ الشَّيْخ عفيف الدّين الْمُقدم الذّكر وَكَانَ هَذَا مشتغلا بِالتِّجَارَة فِي زمَان عَمه فَلَمَّا توفّي عَمه ترك ذَلِك وَاعْتَكف واجتهد بِالذكر وَالدُّعَاء والتلاوة. وَأَخْبرنِي القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن دَاوُد الوحصي أَنه حكى لَهُ الشَّيْخ شُجَاع الدّين أَنه رأى النَّبِي ﷺ فِي آخر عمره وَأَنه استجار بِهِ من النَّار وَلَزِمَه قَالَ فَدَعَا لَهُ بِدُعَاء كثير وَقبل يَده ثمَّ توفّي قريب سنة أَرْبَعِينَ وثمانمئة وَمن المتوفين بجبل صَبر الشَّيْخ عفيف الدّين عبد الله بن عُثْمَان الْمَشْهُور جفيقة كَانَ عابدا زاهدا مُجْتَهدا بِأَفْعَال الْخَيْر وَظَهَرت لَهُ كرامات مِنْهَا دعاؤه على من مَنعه إِجْرَاء المَاء إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ فَاسْتَجَاب الله دعاءه وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته وَمن المتوفين هُنَالك الْحَاج الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْخُرَاسَانِي هُوَ من الْعباد والزهاد والطوافين فِي الْبلدَانِ لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة وزيارة قبر النَّبِي ﷺ وَدخل الْقُدس وَرَأى من الْعَجَائِب أنواعا وَلما وَفد الْيمن لم يكن لَهُ مَكَان يسْتَقرّ بِهِ بل دأبه التنقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَظَهَرت لَهُ كرامات وَكَانَ لَا يفتر لِسَانه عَن ذكر الله تَعَالَى والتلاوة قَاعِدا وماشيا وَفِي سفر وَحضر إِلَّا نَادرا كمحادثة صديق وَنَحْو ذَلِك وَلما قربت وَفَاته اعْتكف بِبَعْض الْمَسَاجِد بجبل صَبر نَحْو ثَلَاث سِنِين مُجْتَهدا بِالذكر وَالدُّعَاء مَعَ الْخُشُوع والخضوع ثمَّ توفّي سنة خمسين وثمانمئة أَو قبلهَا بِقَلِيل رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن المتوفين بعبدان القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْخَطِيب أخْبرت أَنه كَانَ فَقِيها وَأَنه تولى الْقَضَاء بعبدان وَمَا والاها وَسَار فيهم سيرة مرضية

стр. 237

ثمَّ توفّي هُنَالك وقبر بمقبرة أرومة بعبدان وَذَلِكَ بِشَهْر جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين وَمن المتوفين بثعبات من الوافدين إِلَيْهَا المقرىء الصَّالح الْعَالم أَبُو عبد الله جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَيْمُون الغرناطي الأندلسي كَانَ إِمَامًا فَاضلا عَالما نحويا قَرَأَ على الْعَلامَة أبي حَامِد مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة بِمَكَّة المشرفة وَقدم مِنْهَا صُحْبَة الشَّيْخ الصَّالح أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله البريهي الْمَشْهُور بالمرقد إِلَى الْيمن فنشر علمه فدرس وافتى واشتهر بالصلاح وَصَحب جمَاعَة من الأخيار وآخوه مِنْهُم القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي وَحكي عَن عباداته وجودة حفظه وذكائه مَا يدل على صَلَاحه وفلاحه وَأَنه وحيد عصره وزمانه وَمِمَّنْ يشد إِلَيْهِ الرّحال ورتب مدرسا فِي مَدِينَة ثعبات وَقصد إِلَيْهَا للإفادة أَخْبرنِي المقرىء شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الشرعبي قَالَ نقل إِلَيّ من فَوَائِد المقرىء جمال الدّين الغرناطي فِي علم الْقرَاءَات مَا يعجز عَنهُ أكَابِر الْوَقْت وَأَنا أتحسر على عدم الِاجْتِمَاع بِهِ فَلَقَد اضاعه أهل وقته كَمَا أَنهم لم ينصفوه توفّي هَذَا المقرىء جمال الدّين سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسبعمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ

стр. 238

وَمن أهل حَسَنَات الَّتِي يسمونها الحرازية عِنْد مَدِينَة ثعبات الشَّيْخ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْعِرَاقِيّ أخبر بعض تلامذته أَنه انْتقل وَالِده من الْعرَاق إِلَى الْيمن وخدم فِي الدولة الْأَفْضَلِيَّة الغسانية مَعَ الأصبهانية فَتزَوج امْرَأَة قيل إِنَّهَا من بني الْجَعْد وَسكن مَدِينَة ثعبات فولد لَهُ هَذَا الشَّيْخ إِبْرَاهِيم فَتوفي وَالِده وَهُوَ صَغِير فَبَقيَ مَعَ والدته وَكَانَت من الأخيار فربته أحسن تربية فَكَانَ يُجَالس أهل الْخَيْر وَيتَصَدَّق بِمَا مَعَه ثمَّ بعد بُلُوغه سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وخدم الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عبد الله المغربي الْمَشْهُور بالبجاوي المنتسب إِلَى الشَّيْخ الرِّفَاعِي فهذبه وَحكمه وَعلمه طَرِيق الصُّوفِيَّة ثمَّ إِن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم خرج على قدم التجرد من مَكَّة فَوقف نَحْو سنتَيْن ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فَلَمَّا نظره شَيْخه الْمَذْكُور شهد لَهُ بالتمكن وَأَنه قد فتح عَلَيْهِ وَأمره بِالرُّجُوعِ إِلَى بَلَده فَرجع وَمر بِذِي سفال بمَكَان يُسمى الثجة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا يضع الزنبيل على عُنُقه وَيقبل الصَّدَقَة فَمَا اجْتمع لَهُ تصدق بِهِ على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَكَانَ يلبس الخشن من الثِّيَاب ويؤثر الخمول وَالْعُزْلَة ثمَّ وصل إِلَى والدته بِمَدِينَة تعز فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يزور قُبُور الصَّالِحين وَيعْتَبر بهَا ودأبه ذكر الله تَعَالَى سرا وجهرا ثمَّ نزل مَدِينَة زبيد فَأَقَامَ بهَا يزور الصَّالِحين فِي قُبُورهم واشتهر وقصده النَّاس للزيارة فَأرْسل لَهُ السُّلْطَان الْأَشْرَف ابْن الْأَفْضَل فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ سَأَلَهُ الدُّعَاء وَعرض عَلَيْهِ شَيْئا من المَال فَلم يقبله فَلَمَّا توفّي

стр. 239

السُّلْطَان الْأَشْرَف واستقام وَلَده النَّاصِر أحسن إِلَى هَذَا الشَّيْخ إِبْرَاهِيم ووهبه أَرضًا جليلة فَجَلَسَ فِي الأجيناد بمقبرة تعز يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْمَشْهُور بِمَسْجِد تعز هُنَالك فَأمر السُّلْطَان وجهة موفق بعمارة الْمَسْجِد وَدَار هُنَالك وأسكن بهَا الشَّيْخ إِبْرَاهِيم وجر إِلَيْهِمَا المَاء فَأَقَامَ هُنَالك سِنِين فاشتهر غَايَة الشُّهْرَة وَكَانَ يسير مَعَ السُّلْطَان النَّاصِر إِلَى زبيد وَإِلَى غَيرهَا مكرما مَقْبُول الشَّفَاعَة يدْخل على السُّلْطَان بِغَيْر إِذن فَإِذا خاطبه خاطبه باسمه يَا أَحْمد لَا يزِيد على ذَلِك ثمَّ انْتقل من الأجيناد إِلَى الْمَكَان الْمُسَمّى حَسَنَات عِنْد ثعبات فأعمر هُنَاكَ بُيُوتًا وَسكن هُوَ وَالْأَوْلَاد فِيهَا فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان النَّاصِر واستقام الظَّاهِر ثمَّ بعده وَلَده الْأَشْرَف كَانَ مَعَهُمَا فِي حَالَة متوسطة فَلَمَّا توفّي الْأَشْرَف خمل ذكر هَذَا الشَّيْخ وَضعف حَاله وانتزعت الأَرْض الَّتِي كَانَ وَهبهَا لَهُ النَّاصِر وَقل مَا بِيَدِهِ من الدُّنْيَا وشاخ وَنسب إِلَى كَثْرَة الْكَلَام وَإِلَى خلل فِي عقله وَهُوَ مَعَ ذَلِك كثير الذّكر لله وللدعاء إِلَى الله تَعَالَى لمن قَصده زَائِرًا ثمَّ توفّي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثمانمئة وعمره حِينَئِذٍ سِتّ وَتسْعُونَ سنة بِتَقْدِيم التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق على السِّين وَقد حُكيَ عَنهُ كرامات ذكرتها فِي الأَصْل وَله شعر حسن فِي الزّهْد مِنْهُ من قصيدة أَولهَا (دع التباطر فِيمَا لست تملكه ... واقنع بقوتك يَوْمًا فَهُوَ يكفيكا) (وخل عَنْك بني الدُّنْيَا وصحبتهم ... فَإِن صحبتهم يَا صَاح ترديكا)

стр. 240

(وآخ فِي الله إخْوَانًا تصان بهم ... عِنْد انتقالك عَن قوم يعادوكا) (واقنع بمولاك عَن كل الْأَنَام وَلَا ... تسل سواهُ أُنَاسًا فَهُوَ يغنيكا) (واسأله مَا شِئْت إِن الله ذُو كرم ... وَإِن سَالَتْ سواهُ لَيْسَ يعطيكا) (واسأله عفوا وغفرانا وعافية ... فَهُوَ باريكا) (واخضع لمولاك إذعانا لقدرته ... فَهُوَ اللَّطِيف الَّذِي للخير يهديكا) وَله غير ذَلِك من الشّعْر مِمَّا قد ذكرته فِي الأَصْل وَقد نسب إِلَيْهِ من الشّعْر وَمن الحكايات بِمُقْتَضى مَا تقدم ذكره شَيْء كثير فَلَا نطيل ذكره وَمن قَرْيَة بشيط بالقصيبة الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين مقبل هُوَ مِمَّن لم يذكرهُ المؤرخون وَلم أتحقق نسبه لتقدم وَفَاته وَقد أجمع أهل قطره على صَلَاحه فهم يزورون قَبره ويروون لَهُ كرامات مِنْهَا مَا أخبر الثِّقَة أَن اثْنَي عشر رجلا اختفوا لشخص فِي مَكَان يُرِيدُونَ قَتله فِي بعض الْأَمَاكِن المنسوبة إِلَى الشَّيْخ مقبل قَرِيبا مِنْهُ فَكَانَ السيوف والعيدان فِي أَيْديهم فَلم يشعروا إِلَّا وَالسُّيُوف والعيدان تلتهب نَارا فَأَخَذتهم بهتة وألقوا السِّلَاح من أَيْديهم وتحيروا فِي أُمُورهم فَمر الشَّخْص الَّذِي هموا بقتْله عِنْدهم فَلم يقدروا يحدثوا بِهِ حَادِثا وَمِنْهَا مَا أخبر الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الجبرتي أَنه أَرَادَ تَجْدِيد بِنَاء على

стр. 241

قَبره وَلم يكن عِنْدهم مَاء فَأَمرهمْ أَن يحفروا حفيرا يجْتَمع بِهِ المَاء عِنْد حُصُول الْمَطَر ليأخذوا مِنْهُ المَاء للْبِنَاء فَمَنعهُمْ رجل آخر وَقَالَ إِن الْمَكَان لَهُ فَقَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين يَا شيخ مقبل بَين فعصفت ريح شَدِيدَة على الَّذين كَانُوا شرعوا فِي ذَلِك الْحفر منعتهم مِنْهُ فانتقلوا إِلَى مَكَان آخر فتسهل لَهُم بعد ذَلِك الْمَكَان وَجَاء الْمَطَر وَحصل مِنْهُ مَا كفاهم بِفضل الله تَعَالَى وبركة هَذَا الشَّيْخ ﵀ ونفع بِهِ وَمن المتوفين قَدِيما فِي الْقرْيَة الَّتِي تسمى جبيل الحنش الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين سلمَان بن عمر أخْبرت أَنه كَانَ عَالما زاهدا صَالحا ظَهرت لَهُ الكرامات فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته من ذَلِك مَا أَخْبرنِي بِهِ الشَّيْخ الصَّالح شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الجبرتي نفع الله بِهِ قَالَ زرت هَذَا الشَّيْخ مرَارًا فَدخلت مرّة الْقبَّة الَّتِي بنيت على قبر هَذَا الشَّيْخ وأغلقت الْبَاب وتلوت سُورَة يس وَأَنا فِي ذَلِك الْمَكَان وحدي ثمَّ جَاءَ رجل مَعْرُوف ففتحت لَهُ فَوقف عِنْدِي فَقَرَأت سُورَة تبَارك فَرَأَيْت نورا فِي الْمِصْبَاح من غير أَن يسرجه أحد من النَّاس ثمَّ رَأَيْته مرّة أُخْرَى كَذَلِك وَحكي أَن هَذَا الشَّيْخ كَانَ فِي أَيَّام الْمَنْصُور أول ملك من مُلُوك بني رَسُول فوفد إِلَيْهِ جمَاعَة يَشكونَ من ظلم الْمَنْصُور وَكَانَ فِي الْمَكَان الَّذِي سكنه هَذَا الشَّيْخ جمَاعَة يصلونَ الْجُمُعَة فطلع الْخَطِيب يخْطب للْجُمُعَة وَأَرَادَ أَن يذكر الْمَنْصُور كعادة الْوَقْت فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ سلمَان اخْطُبْ للمظفر بن الْمَنْصُور والمنصور فِي الْجند حَيّ ثمَّ الْتفت الشَّيْخ سلمَان إِلَى الْحَاضِرين عِنْده فَقَالَ لَهُم قد زَالَ ملك الْمَنْصُور وَولى الله وَلَده المظفر وسيقتل الْمَنْصُور هَذِه اللَّيْلَة فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَلِهَذَا الشَّيْخ كرامات كَثِيرَة نفع الله بِهِ آمين

стр. 242

وَمن المتوفين بِنَاحِيَة جبا القَاضِي الْعَالم رَضِي الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عمر القليصي الصُّوفِي كَانَ عَالما عَاملا لَهُ الباع الطَّوِيل فِي علم النَّحْو وَالْفِقْه واللغة والفرائض وَأخذ ذَلِك عَن الشُّيُوخ الْكِبَار فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَتخرج بِهِ جمَاعَة من طلبة الْعلم الشريف وأصل بَلَده تهَامَة فانتقل إِلَى هَذِه النَّاحِيَة مستمرا بِالْقضَاءِ وَجمع بَين طريقتي الشَّرِيعَة والحقيقة وَكَانَ كثير السّفر إِلَى مَكَّة المشرفة وَرَأى الْعَجَائِب وَذكر قصَّة عَجِيبَة مَذْكُورَة فِي الأَصْل وَذَلِكَ مِمَّا وجده وَشَاهده من رجل مبارك يُسمى الْحَاج مُحَمَّد الْكرْمَانِي وَتُوفِّي هَذَا القَاضِي رَضِي الدّين بعد سنة عشر وثمانمئة وَخَلفه وَلَده الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد فشارك بِشَيْء من الْفِقْه وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِتِلْكَ النَّاحِيَة وَكَانَت سيرته فيهم بِالْقضَاءِ محمودة وَذكر عَن وَالِده أَنه صحب بموزع الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن سَلامَة فَأَقَامَ عِنْده أَيَّامًا وطلعا إِلَى قَرْيَة الْمِقْدَار وَأقَام الشَّيْخ رَضِي الدّين فِيهَا وَكَانَ ينْسب إِلَى بني السراج وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُم وَإِنَّمَا تزوج امْرَأَة مِنْهُم وَمن أهل جبا القَاضِي تَقِيّ الدّين عمر بن إِسْحَاق ذكره المؤرخون الْأَولونَ من بني إِسْحَاق وَالَّذين اشْتهر بعصرنا مِنْهُم هَذَا القَاضِي تَقِيّ الدّين الَّذِي كَانَ فَقِيها مشاركا بِشَيْء من الْعُلُوم المعقولة وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِنَاحِيَة جبا وأضيف إِلَيْهِ الْوَقْف هُنَالك فَكَانَ يصرفهُ مصرفه وَلَا يَكْفِي فيزيد زِيَادَة على ذَلِك من مَاله وينفقه فِي وُجُوه الْخَيْر وللضيف فاشتهر بِالْكَرمِ وَتُوفِّي سنة سِتّ وَعشْرين وثمانمئة فخلفه بمنصبه وَلَده شمس الدّين عَليّ وَقد يُسمى مَحْفُوظ واشتهر لَهُ هَذَانِ

стр. 243

الاسمان وَكَانَ ذَا معرفَة تَامَّة قَرَأَ على أَئِمَّة وقته وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَتَوَلَّى الْقَضَاء وَحسنت سيرته وَقَامَ بِأَمْر الضَّيْف والوافد إِلَيْهِ ثمَّ توفّي بعد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ثمَّ خَلفه أَخُوهُ مُحَمَّد الْأَكْبَر وَكَانَ ذَا معرفَة بِعلم الْفَرَائِض ودقائقه ثمَّ توفّي سنة سبع وَأَرْبَعين وثمانمئة ثمَّ خَلفه صنوه مُحَمَّد الْأَصْغَر كَانَ مشاركا بِعلم الْفِقْه واشتهر بِالْكَرمِ وَتُوفِّي بِشَهْر رَمَضَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثمانمئة وَمن أهل هَذَا الْبَيْت الْفَقِيه عفيف الدّين إِسْحَاق بن عمر قَرَأَ بفن الْفِقْه على جمَاعَة من أَهله وعَلى الْفُقَهَاء بِمَدِينَة تعز فأجازوا لَهُ فَكَانَ فَقِيها مُبَارَكًا لم يتَزَوَّج وَكَانَ مُجْتَهدا بِالْعبَادَة إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثمانمئة وَمِمَّنْ تولى الْقَضَاء بِنَاحِيَة جبا وَمَا إِلَيْهَا القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن علوان الموزعي أَخذ الْعلم عَن المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي وَالْقَاضِي وجيه عبد الرَّحْمَن بن عبد الْعَلِيم من بني سَالم وَعَن غَيرهمَا وَله ذهن صَاف واجتهاد فِي الْبَحْث على دقائق الْعلم ودرس وَأفْتى وَكَانَت سيرته فِي الْقَضَاء سيرة مرضية وَلم يكن فِي قطره من تأهل لذَلِك غَيره ومسكنه فِي أكمة البويب وَهُوَ قريب من الحجرية وَأَخْبرنِي أَنه رأى النَّبِي ﷺ وَأَنه بشره بشارات سارة ونال بَعْضهَا وَحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وزار قبر النَّبِي ﷺ وَأَجَازَ لَهُ بعض الْفُقَهَاء هُنَالك بعض الْعُلُوم وَلم يزل على الْحَال المرضي وَمن أهل جبا الْحَاج يحيى بن يُونُس بن يحيى بن عبد الله بن جَابر بن عبد الله بن يحيى بن يَعْقُوب الجابري نسبته إِلَى جَابر بن سَمُرَة الصَّحَابِيّ ﵁ وَهُوَ وَالِد المقرىء يُوسُف الْمُقدم الذّكر كَانَ رجلا فَاضلا عابدا مُجْتَهدا بِأَفْعَال الْخَيْر

стр. 244

أَقَامَ فِي جَامع جبا معتكفا دأبه تِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى وَالْعِبَادَة وَأنْفق من مَاله على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين بِشَيْء كثير من الطَّعَام عِنْد عزة الطَّعَام فَلم يبع شَيْئا مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِمَّن بَاعَ وادخر ثمنه بل أنفقهُ فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَلم يدّخر شَيْئا وَتُوفِّي بعد سنة عشْرين وثمانمئة وَمن دمنات القحاف المقرىء الصَّالح عفيف الدّين جَعْفَر بن الْهمام الشرعبي الجبري بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء مُهْملَة نِسْبَة إِلَى قَبيلَة هُنَالك كَانَ هَذَا المقرىء لَهُ معرفَة تَامَّة فِي الْقرَاءَات السَّبع وَشَيْخه فِي ذَلِك المقرىء جمال الدّين الشارقي فسكن هَذَا الْمَكَان واشتهر بِالْعبَادَة وَالصَّلَاح وَتخرج على يَده جمَاعَة مِنْهُم المقرىء شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الشرعبي وَغَيره وَكَانَ يقْصد للمهمات وتقضى على يَدَيْهِ الْحَاجَات واشتهرت لَهُ كرامات وَتُوفِّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمن الْمُتَقَدّمَة وفاتهم وَلم يذكرهُ المؤرخون الشَّيْخ الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن سُلَيْمَان الْبراق وَهُوَ مِمَّن سكن الجبى بِبَلَد ذخر كَانَ لَهُ عبَادَة واجتهاد بافعال الْخَيْر دأبه الْإِصْلَاح بَين النَّاس وَالنَّظَر بمصالحهم وَظَهَرت لَهُ كرامات مِنْهَا مَا حُكيَ عَنهُ أَنه حضر بَين جمَاعَة يتنازعون فِي أَرض فتوسط فِي الْإِصْلَاح بَينهم فَكَانَ كلما أَمرهم بِشَيْء امْتَنعُوا من فعله فَدَعَا بتلاف الأَرْض الَّتِي بتنازعون عَلَيْهَا فابترقت فَلذَلِك سمي الْبراق وَكَانَت وَفَاته بآخر المئة الثَّامِنَة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن بلد الأخلود الْمَشَايِخ أهل الكدهية هم من قَبيلَة يسمون بني

стр. 245

غلاب أصل بلدهم المعافر فَأول من اشْتهر مِنْهُم الشَّيْخ غلاب بن عَليّ وَهُوَ الَّذِي جعل الكدهية رِبَاطًا وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَكَانَ يحدث بِشَيْء من المغيبات وَيظْهر صدق قَوْله فجلل مَكَانَهُ واحترم وَمن كراماته مَا حُكيَ أَنه جَاءَ شخص على فرس خضراء فَقَالَ لَهُ أخرج امْرَأَتك إِلَى عِنْدِي فأخرجها وَهِي حَامِل فَقَرَأَ ودعا لَهَا وبشرها وَزوجهَا بالذرية الصَّالِحَة فَأول مَا حدث لَهما الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ جرى على طَرِيق وَالِده بِالْعبَادَة وإكرام الضَّيْف وانقاد لَهُ أهل قطره بِالطَّاعَةِ بعد موت أَبِيه وَظَهَرت لَهُ كرامات فَلَمَّا توفّي خَلفه وَلَده الشَّيْخ بدر الدّين حسن مَشى على طَريقَة وَالِده بِفعل الْخَيْر وَالْعِبَادَة وإكرام الضَّيْف واتسعت دُنْيَاهُ فَاشْترى الأَرْض فعمرها وَكَانَ يتَصَدَّق بمعظم مَا يحصل من مغلها وَظَهَرت لَهُ الكرامات فَلَمَّا توفّي قَامَ بمنصبه ولداه برهَان الدّين إِبْرَاهِيم وعفيف الدّين سُلَيْمَان واشتهر بِالْعبَادَة وَقَضَاء حوائج الْمُسلمين وَزَاد الشَّيْخ إِبْرَاهِيم زِيَادَة فِي مَسْجِد الكدهية فَجعله جَامعا وَكَانَ يصحب الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ الْقرشِي الشاذلي وَالشَّيْخ الْعَفِيف ابْن المسن وَقَرَأَ بِعلم التصوف وَكَانَ لَهُ راتب هُوَ وَأَصْحَابه يقرؤون فِي كل يَوْم ختمة شريفة من الْقُرْآن وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثمانمئة وَتُوفِّي صنوه عفيف قبله بعد سنة عشْرين وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الْملك بن أَحْمد بن عمر وَهُوَ رجل مبارك لَهُ مُشَاركَة بِشَيْء من الْعِبَادَة

стр. 246

وَمن أهل ذخر الْفَقِيه الْعَلامَة برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عِيسَى الشرعبي قَرَأَ فِي الْقرَاءَات وَفِي النَّحْو والْحَدِيث وَالْفِقْه بِمصْر وَالْعراق وديار بكر ودمشق على الْأَئِمَّة هُنَالك حَتَّى انْتفع ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْيمن فدرس وَأفْتى بِمَدِينَة تعز وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر ثمَّ انْتقل إِلَى عدن وتلقاه الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ بن سُفْيَان فَأحْسن إِلَيْهِ إحسانا تَاما حَتَّى صَار ذَا مَال جزيل وَقد كَانَ أَقَامَ بلحج أَيَّامًا ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة وَله شعر حسن وَقد عكفت عَلَيْهِ الطّلبَة فأفادهم الْفَوَائِد السّنيَّة وَهُوَ فِي قيد الْحَيَاة حَال جمع هَذَا الْكتاب وَمن المتوفين بِمَدِينَة تعز من الوافدين إِلَيْهَا الْفَقِيه الْأَجَل الْفَاضِل تَقِيّ الدّين عمر بن عبد الرَّحْمَن الْحَضْرَمِيّ ابا علوي وَكَانَ رجلا فَاضلا مشاركا فِي الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة وبالنحو وَصَحب الْفَقِيه الْعَالم عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ أَبَا مخرمَة الْآتِي ذكره من أهل عدن وَقَرَأَ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ وَأثْنى عَلَيْهِ بِحسن الْأَخْلَاق وجودة الْفَهم والفطنة واشتهر لَهُ كرامات وَكَانَت لَهُ وجاهة عِنْد النَّاس وعلو مرتبَة عِنْد السَّادة أُمَرَاء الْمُؤمنِينَ بني طَاهِر وَكَانَت وَفَاته بِشَهْر رَمَضَان الْمُعظم سنة تسع وَثَمَانِينَ وثمانمئة وَدفن بِطرف الأجيناد

стр. 247

وَكَانَ الْفَرَاغ من رقم هَذَا الكراس صبح يَوْم الْجُمُعَة من شهر ربيع الآخر سنة ١١٢٧ انْتهى مَا ذكره رَاقِم الأَصْل الْمَنْسُوخ مِنْهَا وَكَانَ الْفَرَاغ من رقم مَا ذكر بِشَهْر رَجَب فِي الْيَوْم الثَّامِن مِنْهُ أحد شهور سنة تسع وَثَلَاثِينَ ومئة وَألف سنة ١١٣٩

стр. 248

القَوْل فِيمَن تحققنا حَاله من أهل موزع والمخا والعارة وحيس والسلامة والحلبوبي وهقرة وَمَا والى ذَلِك فَأَما سكان المخا فَمنهمْ الشَّيْخ الصَّالح الْوَلِيّ شمس الدّين عَليّ بن عمر الْقرشِي الشاذلي كَانَ من الْعلمَاء الْعباد والصلحاء الزهاد والسادة الأمجاد أَصله من الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة بِأَهْل القرشية سَافر إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ سَافر إِلَى الْقُدس الشريف فاجتهد بِالْعبَادَة وَالْقِرَاءَة وتهذيب نَفسه وصحبته للصالحين حَتَّى أنار قلبه وَلزِمَ طريقتي الشَّرِيعَة والحقيقة وَكَانَ مِمَّن جمع الْعلم وَالْعَمَل أما الْعلم فَإِنَّهُ كَا يحفظ من كتب الحَدِيث المصابيح للْإِمَام الْبَغَوِيّ وَغير ذَلِك وَمن كتب الْفِقْه الْوَسِيط للغزالي والمنهاج للنووي وَغير ذَلِك وَمن كتب النَّحْو التسهيل ومقدمة ابْن الْحَاجِب وَكتب الشَّيْخ أثير الدّين

стр. 249

أبي حَيَّان والتبديل والتعميل والتذكرة وَكَانَ لَا يفارقها سفرا وَلَا حضرا وَمن كتب الْقرَاءَات الشاطبية والعقيلة وَغير ذَلِك وَأما الْعِبَادَة فَإِنَّهُ كَانَ كثير الصّيام وَالْقِيَام حَتَّى كَأَن الْقِيَامَة بَين يَدَيْهِ وَالنَّار نصب عَيْنَيْهِ أخْبرت أَنه لما اجْتهد بِالْعبَادَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَلزِمَ طَريقَة الشاذلية وَكَانَ شيخها حِينَئِذٍ الشَّيْخ نَاصِر الدّين الميلقاني وَكَانَ يُقَال لَهُ الطقب بوقته وَكَانَ تولى الْقَضَاء الْأَكْبَر بِمصْر ثمَّ عزل نَفسه واشتهر بِالْفَضْلِ غَايَة الشُّهْرَة فقصده الشَّيْخ شمس الدّين من بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا كَانَ بَينه وَبَين مصر مرحلتان تَلقاهُ بعض أَصْحَاب الشَّيْخ نَاصِر الدّين براحلة ركب عَلَيْهَا وزفه إِلَيْهِ بالترحيب والبشارة فِي الْخَيْر وَذَلِكَ على غير ميعاد فعد ذَلِك من كرامات الشَّيْخ الميلقاني فَدخل إِلَيْهِ مصر وَهُوَ يخْطب فَأمره أَن يقْرَأ الحَدِيث وَالْفِقْه على الإِمَام ابْن النَّحْوِيّ مُصَنف شرح

стр. 250

الْمِنْهَاج فَقَرَأَ وَأَجَازَ لَهُ وتأدب بآداب الشَّيْخ نَاصِر الدّين الميلقاني وَصَحب جمَاعَة من الشُّيُوخ كالشيخ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْغَزِّي الْمَشْهُور بزقاعة والشاب التائب وَغَيرهمَا وعقدوا الْأُخوة فِيمَا بَينهم وَأقَام بِمصْر نَحْو ثَلَاث سِنِين ثمَّ قَالَ لَهُ الشَّيْخ ابْن الميلقاني اذْهَبْ حَيْثُ ينشرح صدرك وودعه فسافر من مصر إِلَى الْحَبَشَة وَأقَام بهَا وَتزَوج بهَا أُخْت الشَّيْخ سعد الدّين سُلْطَان الْيمن بِالْحَبَشَةِ فَولدت لَهُ أَوْلَادًا هُنَالك ثمَّ سَار بهم فَرَكبُوا فِي الْبَحْر إِلَى المخاء فَلَمَّا وصل إِلَى هُنَالك وَافق وُصُوله خوف امْرَأَة من ذَوَات الْأَمْوَال ادعِي على وَلَدهَا بقتل فاستجارت وَوَلدهَا بالشيخ شمس الدّين الْقرشِي الْمَذْكُور وَسَأَلته أَن يشفع لَهَا إِلَى الْوَالِي بِالنّظرِ بِحَالِهَا وَعدم الْقَتْل لولدها وبمالها وهم بِبَلَد العقارب فشفع لَهَا فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَطلب مِنْهُ بعض كبراء الْبَلَد الْإِقَامَة عِنْده فَأَقَامَ مكرما فَعلم أَخُو الْمَقْتُول بشفاعة الشَّيْخ شمس الدّين فهم أَن يفتك بالشيخ شمس الدّين ويضربه بِالسَّيْفِ فَالْتَفت إِلَيْهِ الشَّيْخ شمس الدّين فَدَعَا عَلَيْهِ فصرع فَحَمَلُوهُ إِلَى بَيته فَمَكثَ أَيَّامًا أَو نَحوه وَمَات فَجَاءَت قبيلته إِلَى الشَّيْخ شمس الدّين وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَكَانَت هَذِه أول كَرَامَة ظَهرت لَهُ ثمَّ ظَهرت لَهُ بعد ذَلِك كرامات كَثِيرَة ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل مِنْهَا أَنه حدث على ولد السُّلْطَان النَّاصِر الْمُسَمّى مُحَمَّد جُنُون وَخَالف عَلَيْهِ أَخُوهُ حُسَيْن مَعَ الرُّتْبَة بحصن تعز فقبضوا حصن تعز عَلَيْهِ فَأرْسل السُّلْطَان رَسُولا إِلَى الشَّيْخ شمس الدّين الْقرشِي يطْلب مِنْهُ الدُّعَاء بعافية وَلَده وَرُجُوع الْحصن وَإِن لم
следующие страницы →