← История

История · id 6641

طبقات صلحاء اليمن = تاريخ البريهي

عبد الوهاب البريهي

Полный текст (336 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الْمَجْمُوع وَكَانَ أجل مشايخه عِنْده الشَّيْخ عَليّ بن عبد الْكَافِي السُّبْكِيّ وَكَانَ دُخُول الشَّيْخ مجد الدّين الْيمن سنة سِتّ وَتِسْعين وسبعمئة وَقَالَ الخزرجي كَانَ وُصُوله إِلَى ثغر عدن فَلَمَّا علم السُّلْطَان الْأَشْرَف بن الْأَفْضَل طلبه إِلَى زبيد وَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار لقصد الزَّاد فقبضها وَوصل إِلَى زبيد بِشَهْر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَأعْطَاهُ السُّلْطَان برسم الضِّيَافَة ألف دِينَار ووالى عَلَيْهِ من إحسانه أَضْعَاف ذَلِك وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب شَيْئا كثيرا وعكفت عَلَيْهِ الطّلبَة وقرؤوا عَلَيْهِ صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ فَاجْتمع من الْفُقَهَاء وَغَيرهم جمع عَظِيم وَالَّذِي حضر عِنْد ختم الْكتاب نَحْو سبعمئة رجل ثمَّ أضَاف إِلَيْهِ السُّلْطَان من الْأَسْبَاب بِمَدِينَة تعز شَيْئا كثيرا مَعَ مَا وهب لَهُ من النخيل والأراضي بزبيد فَلَمَّا وصل مَدِينَة تعز عكفت عَلَيْهِ طلبة الْعلم من أَهلهَا وفقهائها وَمن غَيرهم من كل مَكَان فَسَمِعُوا عَلَيْهِ كتب الحَدِيث وَالتَّفْسِير وأفادهم الْفَوَائِد السّنيَّة وَكَانَ كل من قَرَأَ عَلَيْهِ يحضر على مائدته للْأَكْل فَيقدم سماطا أول النَّهَار وسماطا آخِره وَوقت الْقِرَاءَة يَدُور عَلَيْهِم الخدم بمجامر الْعود والعنبر من ابْتِدَاء الْقِرَاءَة إِلَى آخرهَا وَلما توفّي السُّلْطَان الْأَشْرَف واستقام السُّلْطَان النَّاصِر زَاد فِي إكرام الإِمَام مجد الدّين الْمَذْكُور وتعظيمه وولاه الْقَضَاء الْأَكْبَر وَكتب لَهُ منشورا بِإِطْلَاق يَده ونفوذ أمره على كل أحد فِي مملكة السُّلْطَان الْمَذْكُور وَكَانَت الْعلمَاء فضلا عَن غَيرهم إِذا حَضَرُوا مَجْلِسا هُوَ فِيهِ لزموا الْأَدَب مَعَه فَمن كَانَ مِنْهُم مُفِيدا صَار بَين يَدَيْهِ مستفيدا فيكتبون مُعظم مَا يتَكَلَّم بِهِ ويعلقونه فِي كتبهمْ وَقد قَالَ بَعضهم لبَعض تلامذته إِنَّه أعجمي فَقَالَ تِلْمِيذه قد أحسن الأول بقوله

стр. 282

(وَإِنِّي وَإِن قَالُوا فصيح وأعجم ... وَلَيْسَ لقومي يعرب وإياد) (فقد تسجع الورقاء وَهِي حمامة ... وَقد تنطق الأوتار وَهِي جماد) وَقد مدحه وَأثْنى عَلَيْهِ جمَاعَة من الشُّعَرَاء بقصائد كَثِيرَة وَمِنْهُم تِلْمِيذه الشَّاب التائب والفقيه برهَان الدّين الجحافي وَالْقَاضِي وجيه الدّين النحواني وَغَيرهم ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل مَعَ زِيَادَة فَوَائِد وفضائل ومراث فَمن أحب ذَلِك فلينظرها مِنْهُ وَكَانَت وَفَاته بِشَهْر رَجَب سنة سبع عشرَة وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ آمين وَمن شعره فِي ذكر مَا فِي الْقُرْآن الْعَظِيم (أَلا إِنَّمَا الْقُرْآن تِسْعَة أحرف ... أتيت بِهِ فِي بَيت شعر بِلَا خلل) (حَلَال حرَام مُحكم متشابه ... بشير نَذِير قصَّة عظة مثل) وَمِنْهُم الْعَلامَة الْمُحدث جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي قد تقدم رفع نسبه عِنْد ذكر أَبِيه وأخيه الإِمَام نَفِيس الدّين سُلَيْمَان الْعلوِي كَانَ هَذَا الإِمَام جمال الدّين عَالما عَاملا مُحدثا شُيُوخه فِي الحَدِيث بعض شُيُوخ أَخِيه وَلِهَذَا زِيَادَة فِي الْمَشَايِخ اشْتهر بِمَدِينَة زبيد بِمَعْرِِفَة الحَدِيث كشهرة أَخِيه الإِمَام نَفِيس الدّين بِمَدِينَة تعز وَالْجِبَال وعكفت عَلَيْهِ الطّلبَة فَأفَاد وأجاد وَفتح عَلَيْهِ من الدُّنْيَا برزق كثير اسْتَعَانَ بِهِ على نشر الْعلم فَكَانَ هَذَا الإِمَام ينْفق على جمَاعَة من أَقَاربه مِمَّن لَا تجب عَلَيْهِ نَفَقَتهم ويكسوهم وَقد ابْتُلِيَ بداء الجذام فَصَبر على ذَلِك وَلم تَنْصَرِف الطّلبَة عَنهُ بل قصدته للتدريس وَالْفَتْوَى وَهُوَ بِهَذَا الْمَرَض وَكَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب وَسَنَده فِي الحَدِيث عَال وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمَشْهُور بالسهامي قَرَأَ

стр. 283

على ابْن شَدَّاد وعَلى غَيره فِي الْقرَاءَات السَّبع والنحو واشتهر بِمَعْرِِفَة ذَلِك فَكَانَ هُوَ المقرىء الْمشَار إِلَيْهِ بِمَدِينَة زبيد فِي وقته عَالما صَالحا عابدا درس وَأفَاد وَأجْمع أهل وقته على صَلَاحه وجلل وَأكْرم واحترم ودام على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة سبع عشرَة وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمن أَوْلَاده الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد نَشأ بِمَدِينَة زبيد فَقَرَأَ بفن الْأَدَب على جمَاعَة من الْأَئِمَّة أَجلهم الشَّيْخ الْعَلامَة بدر الدّين الدماميني الإسْكَنْدراني وَأَجَازَ لَهُ وَكَانَ مَشْهُورا بالمعرفة فِي الْأَدَب وَقَرَأَ بِغَيْرِهِ فِي سَائِر الْعُلُوم فشارك بذلك واشتهر بالبلاغة وَحسن الْخط وانتقل من مَدِينَة زبيد إِلَى مَدِينَة إب فَأَقَامَ بهَا معتكفا فِي الْمَسَاجِد مُجْتَهدا بِالْعبَادَة كثير الصمت دَائِم الْفِكر إِلَى أَن توفّي بهَا سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم شيخ شُيُوخ المتصوفة بزبيد ذُو الْمَوَاهِب والمناقب شهَاب الدّين أَحْمد بن الشَّيْخ الصَّالح رَضِي الدّين أَبُو بكر بن الرداد الْقرشِي الشَّافِعِي قَالَ فِيهِ الشَّاب التائب هُوَ الشَّيْخ الْعَالم الرباني مظهر سر الْمظهر الإنساني شيخ الْمَشَايِخ عين أَعْيَان السَّادة القادرية طراز حلَّة الْبِلَاد اليمنية غزالي زَمَانه فشيري أَوَانه سهروردي عصره أحد العارفين والمتكلمين وعدة السالكين والناسكين قَالَ بعض معلقي مناقبه تعلم الْقُرْآن وَحفظه صَغِيرا ثمَّ قَرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ فبرع بهَا ثمَّ قَرَأَ بالفقه وانتفع وَأَجَازَ لَهُ الْأَئِمَّة الْكِبَار ثمَّ دخل طَريقَة الْقَوْم يَعْنِي الصُّوفِيَّة فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وسبعمئة وَكَانَت لَهُ رياضة حَسَنَة اجْتهد فِيهَا نَحْو

стр. 284

عشْرين سنة حَتَّى رقي من رتب الْمَعَالِي فعلاها وحوى من الْعُلُوم الإلهية فحواها وَلزِمَ مجْلِس الشَّيْخ الْمَعْرُوف إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الجبرتي وَحج سِنِين مُتعَدِّدَة مِنْهَا سنة على قدم التجرد إِلَى مَكَّة المشرفة ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَحصل من الْعلم مَا لم يحصله غَيره وصنف فِي طَرِيق الصُّوفِيَّة تصانيف مِنْهَا كتاب تَلْخِيص الْقَوَاعِد الوفية فِي أصل خرقَة الصُّوفِيَّة وَكتاب عدَّة المرشدين وعمدة المسترشدين وَله غير ذَلِك نظما ونثرا ونال الْحَظ الأوفر عِنْد السُّلْطَان الْأَشْرَف بن الْأَفْضَل ثمَّ عِنْد وَلَده النَّاصِر فقربه وَجعله من خواصه فَتزَوج السُّلْطَان من أهل بَيته وأضاف إِلَيْهِ الْقَضَاء الْأَكْبَر فِي شَوَّال سنة سبع عشرَة وثمانمئة وَذَلِكَ بعد موت الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَكَانَت سيرته فِي الْوَظِيفَة سيرة مرضية وسعى فِي اسْتِخْرَاج الْوَقْف الَّذِي قد كَانَت الْمُلُوك أدخلته فِي دفاترهم وَصَرفه مصرفه وَرفع الوفر الَّذِي كَانَ يقبضهُ الْمُلُوك من الْوَقْف ثمَّ لما كَانَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وثمانمئة حصل بَين الْفَقِيه شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء وَالشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي بكر الرداد أُمُور وأحداث أدَّت إِلَى ظُهُور الشقاق وَسُوء الْأَخْلَاق وَبَالغ الشَّيْخ شرف الدّين فِي الْإِنْكَار على الشَّيْخ شهَاب الدّين فِي إِظْهَار السماع وَمَا لَا يجوز مِمَّا يَفْعَله المتصوفون مِمَّا لَا ترتضيه الشَّرِيعَة وَعمل فِي ذَلِك قصائد مِنْهَا القصيدة الَّتِي أَولهَا (إِن الشَّرِيعَة ذلت بعد عزتها ... وَأصْبح الراس مِنْهَا مَوضِع الذَّنب)

стр. 285

وَكَانَت الْعَاقِبَة إِلَى الْإِصْلَاح وتسكين هَذِه الثائرة بِأَمْر السُّلْطَان النَّاصِر وللشيخ شهَاب الدّين الرداد شعر حسن من ذَلِك مَا قَالَه عِنْدَمَا جرت المشاجرة بَينه وَبَين الْفَقِيه شرف الدّين إِسْمَاعِيل المقرىء (ملاحاة الرِّجَال أضرّ شَيْء ... على الْإِنْسَان فِي كل الْأُمُور) (إِذا لم يلحقوه غَدا بِسوء ... فهم رقباؤه أَبَد الدهور) وَله فِي الْغَزل قصائد كَثِيرَة مِنْهَا القصيدة الطَّوِيلَة الَّتِي أَولهَا (شغلي بذكرك عِنْدِي خير أشغالي ... يَأْمَن لَهُ كل أقوالي وأفعالي) (ملكتني مِنْك بِالذَّاتِ الَّتِي اشْتَمَلت ... على حقائق أسراري وأحوالي) وَله فِي قَوْله ﷺ دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك (تورع ودع مَا قد يريبك كُله ... جَمِيعًا إِلَى مَا لَا يريبك تسلم) (وحافظ على أعضائك السَّبع جملَة ... وراع حُقُوق الله فِي كل مُسلم) (وَكن رَاضِيا بِاللَّه رَبًّا وحاكما ... وفوض إِلَيْهِ فِي الْأُمُور وَسلم) وعَلى الْجُمْلَة فقد كَانَ هَذَا الشَّيْخ شهَاب الدّين مِمَّن جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وتخلق بأخلاق الصَّالِحين وتهدى بهديهم وتأدب بآدابهم حوى جملا من المحاسن من سَلامَة الصَّدْر ورقة الْقلب وصفاء الخاطر وَشرف النَّفس وكرم الْأَخْلَاق والإغضاء وَهَذَا مَعَ الجاه العريض وَالْكَرم المستفيض ودام على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي بِشَهْر ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَعشْرين وثمانمئة وَدفن بمقابر مَدِينَة زبيد فِي الْقبَّة الَّتِي دفن فِيهَا الشَّيْخ أسماعيل الجبرتي وَحكي أَن الإِمَام إِسْمَاعِيل المقرىء رَآهُ فِي الْمَنَام بعد وَفَاته بهيئة حَسَنَة غبطه عَلَيْهَا

стр. 286

رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة فَخر الْيمن وبهجة الزَّمن شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء الشاوري كَانَ إِمَامًا يضْرب بِهِ الْمثل فِي الذكاء مرتقيا أَعلَى ذرْوَة الْفضل بِلَا امتراء نادرة الدَّهْر وَأعظم فضلاء الْعَصْر مَلأ بِعِلْمِهِ الصُّدُور والسطور وَأَبَان بمشكاة فهمه مَا كَانَ عويصا على أَعْلَام الصُّدُور لَهُ المصنفات الْكَثِيرَة الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان والفوائد الجليلة المستفيضة فِي الْبلدَانِ برز فِي ميدان الْفَضَائِل وَأمن من النَّاظر والمناضل فَلَيْسَ يباريه مبار وَلَا يجاريه إِلَى غَايَة الْفضل مجار أصل بلد أَبِيه بلد بني شاور وَهِي بَلْدَة مَعْرُوفَة ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت حُسَيْن فَأَقَامَ بهَا ثمَّ نَشأ لَهُ هَذَا الْوَلَد النجيب فَقَرَأَ على وَالِده طرفا من الْعلم ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة زبيد فَقَرَأَ على الإِمَام جمال الدّين الريمي وعَلى غَيره من الْعلمَاء فِي الْفِقْه والنحو واللغة والْحَدِيث حَتَّى برع بذلك وفَاق أَبنَاء جنسه واعترفوا بفضله وَكَانَت لَهُ قريحة مطاوعة وبديهة عَجِيبَة فَأَنْشَأَ قصيدة إِلَى الْوَزير بن معيبد فَأعْطَاهُ نَحْو ألف دِينَار ثمَّ أنشأ أُخْرَى إِلَى السُّلْطَان الْأَشْرَف بن الإفضل فقرضها لَهُ الْوَزير بن معيبد فَأَجَازَهُ السُّلْطَان عَلَيْهَا بألوف واشتهر شعره فَعلم بذلك وَالِده فَكتب إِلَيْهِ ينهاه عَن الِاشْتِغَال بِغَيْر علم الشَّرْع وعاتبه على هجره لَهُ وَكتب إِلَيْهِ شعرًا فِي القصيدة الْمَعْرُوفَة الَّتِي أَولهَا يحثه فِيهَا على طلب الْعلم الشريف وَيتْرك الشّعْر ويصل وَالِديهِ (روض الْبِدَايَة بَانَتْ مِنْك يَا وَلَدي ... أريضة غضة مطلولة نظره) فامتثل أَمر وَالِده وَترك الِاشْتِغَال بقول الشّعْر وواصل وَالِديهِ ووقف عِنْدهمَا

стр. 287

واجتهد بِطَلَب الْعلم الشريف ثمَّ بالتدريس ثمَّ بالتصنيف ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فِي السّنة الَّتِي لزم الشريف حسن بن عجلَان الَّتِي أَولهَا (أَحْسَنت فِي تَدْبِير أَمرك يَا حسن ... وأجدت فِي تَحْلِيل أخلاط الْفِتَن) وَهِي قصيدة طَوِيلَة قَالَ فِيهَا (مُوسَى هزبر لَا يُطَاق نزاله ... فِي الْحَرْب لَكِن أَيْن مُوسَى من حسن) (بِعْ مِنْهُ مهجته وَخذ مَا عِنْده ... ثمنا يكن مِنْهُ الْمُثمن وَالثمن) وَلما دخل على الشريف حسن الْمَذْكُور أنْشدهُ ارتجالا (أتيت مُسلما وَمن الرجالة ... أقوم مودعا خوف الثقاله) (فَإِن ترض الْوَدَاع شكرت حَالي ... وَإِن لَا يرتضيه فشكرها لَهُ) فَأكْرمه الشريف غَايَة الْإِكْرَام وَأحسن إِلَيْهِ غَايَة الْإِحْسَان ثمَّ عَاد من الْحَج إِلَى مَدِينَة زبيد وآلى على نَفسه أَن لَا يَقُول شعرًا بعد أَن أنشأ بَيْتَيْنِ هما (بِعَين الشّعْر أبصرني أنَاس ... فَلَمَّا سَاءَنِي أخرجت عينه) (خُرُوجًا بعد رَاء كَانَ رَأْي ... فَصَارَ الشّعْر مني الشَّرْع عينه) واجتهد بالتدريس وَالْفَتْوَى والتصنيف وَكَانَ غواصا فِي الْمعَانِي الدقيقة وصنف كتاب عنوان الشّرف وَهُوَ الْكتاب الَّذِي لم يسْبق إِلَى مثله جمع فِيهِ

стр. 288

خَمْسَة عُلُوم علم يُؤْخَذ من أول السطور وَعلم من آخرهَا وعلمان من أوسطها وَجعل أصل الْكتاب فقها وَهُوَ مَعْرُوف وَقد قَالَ الأديب إِبْرَاهِيم الأخفافي فِي هَذَا الْكتاب مادحا مَا مِثَاله (فَهَذَا كتاب لَا يصنف مثله ... لصَاحبه الْأجر الْعَظِيم من الْخط) (عرُوض وتاريخ وَنَحْو مُحَقّق ... وَعلم القوافي وَهُوَ فقه أولى الْحِفْظ) وَقد اختصر الإِمَام شرف الدّين الرَّوْضَة مُخْتَصرا سَمَّاهُ الرَّوْض وَاخْتصرَ الْحَاوِي الصَّغِير بكتابه الْإِرْشَاد ثمَّ شَرحه شرحا مُبينًا سَمَّاهُ التمشية بمجلدين وَهُوَ شرح مُفِيد وَمِمَّا جمعه الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة فِي المَاء المشمس الَّذِي قَالَ فِي آخرهَا بلغت الْمسَائِل الَّتِي لَا خلاف فِيهَا ثلاثمئة ألف مَسْأَلَة وَسَبْعَة وَخمسين ألفا ومئة وَعشْرين وَالَّتِي فِيهَا خلاف ألفي ألف وخمسمئة ألف واثنين وَسبعين ألفا فِي كل مَسْأَلَة وَجْهَان قَالَ فجملة الْوُجُوه فِي الْمَسْأَلَة فِي المَاء المشمس خَمْسَة آلَاف ألف وَجه ومئة ألف وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ ألف وَجه وَقد قَالَ الإِمَام ابْن النَّحْوِيّ فِي أُمْنِية النبيه وَصلهَا بعض طلبتي بِالضَّرْبِ إِلَى ثلاثمئة ألف وَجه وَتِسْعين ألفا ومئتين وَسِتَّة عشر وَجها وَللْإِمَام شرف الدّين من الْفَوَائِد الجليلة والرسائل العجيبة مَا يبلغ مَجْمُوعه مجلدات كَثِيرَة وَقد تقدم أَنه ترك الشّعْر ودام على ذَلِك ثَمَانِي سِنِين حَتَّى أمره السُّلْطَان

стр. 289

النَّاصِر أَن ينظم بديعية على منوال بديعية الصفي الْحلِيّ فَكفر عَن يَمِينه الَّتِي كَانَ حَلفهَا ونظم البديعية الَّتِي أَولهَا (شارفت ذرعا فذر عَن مَائِهَا الشبم ... وَجَرت نملا فنم لَا خوف فِي حرم) ضمنهَا مدح النَّبِي ﷺ وأودعها أَنْوَاع البديع وَهِي قصيدة مَشْهُورَة مِمَّا قَالَ فِيهَا (يَا أَحْمد الرُّسُل هَذَا أَحْمد الخلفا ... بِالْملكِ هَذَا الْمُسَمّى بِاسْمِك الْعلم) (فجازه عَن مديحي فَهُوَ باعثه ... وجازني فِي انتقاء الدّرّ وَالْحكم) وَجعل بِهَذِهِ القصيدة خطْبَة حكى فِيهَا تَركه الشّعْر وَمَا فعله إِلَّا امتثالا لأمر السُّلْطَان لَهُ وَأما قصيدته الْمَشْهُورَة فِي الْوَعْظ الَّتِي تناقلها الركْبَان إِلَى الْبلدَانِ الشاسعة وَهِي الَّتِي أَولهَا (إِلَى كم تماد فِي غرور وغفلة ... وَكم هَكَذَا نوم إِلَى غير يقظه) فقد فاق فِيهَا على اهل زَمَانه وَلم يَأْتِ أحد بِمِثْلِهَا فِي وقته وَأما رده وإنكاره على من قَرَأَ كتب ابْن عَرَبِيّ وَإِبْطَال مَا فِيهَا من المقالات الْمُنكرَة بالحجج الْوَاضِحَة فَذَلِك مَشْهُور حَتَّى بلغ شهرة ذَلِك إِلَى مصر وَالشَّام ووقف عَلَيْهَا الْعلمَاء من أهل مصر وَالشَّام

стр. 290

وَقَالَ فِي مدح الْفَقِيه شرف الدّين ابْن قَاضِي شُهْبَة فِي تَارِيخه بِمَا مِثَاله هُوَ شامخ الْعرنِين والحسب ومنقطع القرين فِي علم الْأَدَب نَاظر أَتبَاع ابْن عَرَبِيّ فعميت عَلَيْهِم الْأَبْصَار ودمغهم بأبلغ حجَّة فِي الْإِنْكَار وَله فيهم غرر القصائد مُشِيرا إِلَى تَنْزِيه الصَّمد الْوَاحِد وَلما وَفد الإِمَام ابْن حجر إِلَى الْيمن وَأقَام فِي زبيد أَيَّامًا كتب إِلَيْهِ الإِمَام شرف الدّين بِمَا مِثَاله (قل لِلشِّهَابِ ابْن عَليّ بن حجر ... سورا على مودتي من الْغَيْر) (فسور ودي مِنْك قد بنيته ... من الصَّفَا والمروتين وَالْحجر) فَاسْتحْسن ذَلِك الإِمَام ابْن حجر اسْتِحْسَانًا عَظِيما وَقَالَ لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يَأْتِي بِمِثْلِهَا وأجابه بقوله (عوذت سور الود مِنْك بالسور ... فَهُوَ على الْعليا بالحكم حجر) (يَا من رقى بالمجد انهى غَايَة ... بِالْحَقِّ أعيت من بَقِي وَمن غبر) (فضل سواك مدعي أَو نَاقص ... كَأَنَّهُ إِن أَتَت بِلَا خبر) (لأَنْت إِسْمَاعِيل بِالصّدقِ لَهُ ... وصف على كل الورى بِهِ قد افتخر) وَتركت بَاقِيهَا اختصارا وَكفى للفقيه شرف الدّين فخرا مدح الإِمَام ابْن حجر لَهُ ثمَّ مَا صنفه من المصنفات البليغة الَّتِي لم يَأْتِ أحد بِمِثْلِهَا ثمَّ بَاقِي مناقبه وفوائده كَثِيرَة وَقد ذكرت من اشعاره فِي الأحجيات والرسالات والإنشاءات بَعْضهَا فِي الأَصْل وَأما جملَة ذَلِك فَلَا ينْحَصر وَقد أجمع أهل عصره على أَنه كَانَ إِمَامًا جَامعا لأسباب الْعُلُوم على اخْتِلَاف أجناسها وأنواعها وَأَنه أشهر من أَن يصفه واصف وَعمر

стр. 291

عمرا طَويلا حَتَّى نَيف على الثَّمَانِينَ من مولده ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم ذُرِّيَّة الشَّيْخ الهتار نفع الله بِهِ فقد ذكر المؤرخون جدهم وَأَنه مقبور فِي التريبة هُوَ وَجَمَاعَة من أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده وأثنوا على من يسْتَحق الثَّنَاء مِنْهُم ثَنَاء مرضيا وأرخوا وَقت وفاتهم وَأما الَّذين توفوا بِمَدِينَة زبيد فأشهرهم الشَّيْخ الصَّالح طَلْحَة وَقد ذَكرُوهُ أَيْضا وأثنوا عَلَيْهِ وأرخوا وَقت وَفَاته سنة ثَمَانِينَ وسبعمئة واشتهر من أَوْلَاده الشَّيْخ الْوَلِيّ الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد الْغَزالِيّ بن طَلْحَة الْمُقدم الذّكر كَانَ زاهدا عابدا لَهُ الْقدَم الراسخة فِي التَّمَكُّن من المعارف شرب مِنْهَا الكأس الإوفى وَالْمشْرَب الأصفى دأبه ذكر الله تَعَالَى والتلاوة ومطالعة الْكتب الزهدية وَالْعُزْلَة عَن النَّاس فِي مُعظم الْأَوْقَات وَقد مدحه الإِمَام الدماميني ببيتين من الشّعْر فأودعهما نوعا من البديع فَقَالَ (شيخ روى عَن طَلْحَة حبر التقى ... وَله اسانيد بِذَاكَ عوالي) (أَحْيَا لياليه بِطَاعَة ربه ... لَا يُنكر الاحياء للغزالي) وَقد أَخْبرنِي بعض الثِّقَات أَنه اشتهرت لَهُ كرامات وَأجْمع كل من يعرف هَذَا الشَّيْخ أَنه من الصَّالِحين وَمن الْعلمَاء الزاهدين فَكَانَ بَيته مُحْتَرما بِمَدِينَة زبيد يأوي إِلَيْهِ كل خَائِف فَيَأْمَن وَمن كَانَ لَهُ جَار فَلَا يهتضم وَكَانَت الْمُلُوك وأعوانهم يجلون هَذَا الشَّيْخ ويحترمونه لمكانته وَلَا يردون شَفَاعَته وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي سنة تسع

стр. 292

وَعشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَخَلفه من بعده وَلَده الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عِيسَى نَشأ على سيرة شَيْخه ووالده الشَّيْخ الْغَزالِيّ فِي الْعِبَادَة وَالِاجْتِهَاد بِأَفْعَال الْخَيْر مَقْصُودا للمهمات وتقضى على يَدَيْهِ الْحَاجَات وَكَانَ يزور قبر وَالِده كل يَوْم هُوَ وَجَمَاعَة من أَصْحَابه فيشرعون بِقِرَاءَة ختمة شريفة فَلَا يقومُونَ حَتَّى يختموها ثمَّ يدعونَ الله تَعَالَى ثمَّ يَنْصَرِفُونَ وَلم يزل الشَّيْخ عِيسَى على الطَّرِيقَة المحمودة إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى بعد أَن ظَهرت لَهُ كرامات وَقد حُكيَ عَنهُ كرامات بعد مَوته وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَأَرْبَعين وثمانمئة وقبر بالقبة الَّتِي دفن فِيهَا وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى وَمِنْهُم أَخُوهُ الشَّيْخ عفيف الدّين عبد اللَّطِيف بن الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد الْغَزالِيّ الْمُقدم الذّكر كَانَ مشاركا بِشَيْء من الْعُلُوم ملازما لطريقة الصُّوفِيَّة يغلب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد بِالْعبَادَة ورزق ارْتِفَاع الْمَكَان عِنْد السُّلْطَان الْمَنْصُور الرسولي فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُور أخمل وَكَانَت الرِّئَاسَة لِأَخِيهِ الشَّيْخ عِيسَى الْمُقدم الذّكر ثمَّ سَافر الشَّيْخ عبد اللَّطِيف إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة زبيد وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي سنة خمسين وثمانمئة وَكَانَ لَهُ شعر جيد مِنْهُ مَا قَالَه لما رأى الْكَعْبَة المشرفة (يَا طَالب الْمَعْرُوف من ينبوعه ... أبشر فقد أدْركْت لَك طلاب) (أَتعبت نَفسك طَالبا متماديا ... رزقا فهذي كعبة الطلاب) (من حَيْثُ جِئْت فول وَجهك شطرها ... متمسكا بالستر والأهداب)

стр. 293

(لَا تفزعن إِلَى اللئام بحاجة ... فهم الْكلاب دناءة وخساسة) (بل فاطرحنهم واجتنبهم رافضا ... لَهُم فَلَا تحدث لديك نَجَاسَة) وَمن أهل زبيد الْفَقِيه الْعَلامَة تَقِيّ الدّين عمر بن المنقش أخْبرت أَنه كَانَ من الْعلمَاء العاملين وَمن عباد الله الصَّالِحين قَرَأَ على جمَاعَة من أَئِمَّة وقته واشتهر بِالْعبَادَة والزهادة ودرس وَأفْتى وَتخرج بِهِ جمَاعَة من أهل مَدِينَة زبيد وَغَيرهم وَلم أتحقق تَارِيخ وَفَاته وَمِنْهُم وَلَده النجيب شهَاب الدّين أَحْمد قَرَأَ على وَالِده وعَلى جمَاعَة من فُقَهَاء مَدِينَة زبيد فِي الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة والنحوية وَفِي الحَدِيث النَّبَوِيّ فَكَانَ مشاركا بِهَذِهِ الْعُلُوم وينوب بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة بِمَدِينَة زبيد للْقَاضِي أبي الْفضل النَّاشِرِيّ فِي بعض الْأَيَّام فحمدت سيرته وتصدر للتدريس فِي الحَدِيث وَأثْنى عَلَيْهِ جمَاعَة بِالْحِفْظِ والذكاء وَاخْتصرَ صَحِيح البُخَارِيّ فَجعله مثل المسندات يذكر الصَّحَابِيّ ثمَّ يذكر جَمِيع مَا رَوَاهُ من الْأَحَادِيث وَجعله باسم السُّلْطَان الظَّاهِر وَنسبه إِلَيْهِ توفّي هَذَا الْفَقِيه شهَاب الدّين الْمَذْكُور بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الإِمَام عفيف الدّين عُثْمَان بن عَليّ الْأَحْمَر قَرَأَ بالفقه والْحَدِيث والنحو على جمَاعَة من الْعلمَاء من بني النَّاشِرِيّ وَغَيرهم بِمَدِينَة زبيد وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ ونفيس الدّين الْعلوِي وَكَانَ رَفِيقه فِي الْقِرَاءَة القَاضِي جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ فَقَالَ لَهما الإِمَام الْعلوِي أما أَنْت يَا فَقِيه عُثْمَان فقد نفعك الله بِكَثْرَة جهدك وَأما أَنْت يَا طيب فقد نفعك الله ببركة والدك واشتهر بعد موت الإِمَام جمال الدّين الْعلوِي بِعلم الحَدِيث ولازم الْعِبَادَة والزهادة وَظَهَرت لَهُ الكرامات واعتقد أهل الْبَلَد فِيهِ الْخَيْر وَالصَّلَاح وَكَانَ بِهِ صمم قَلِيل لَا يسمع إِلَّا

стр. 294

من رفع صَوته وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة الْوَاعِظ كَمَال الدّين مُوسَى بن مُحَمَّد الضجاعي قَرَأَ وَسمع على الْأَئِمَّة من بني النَّاشِرِيّ وَغَيرهم وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وأضيف إِلَيْهِ الخطابة بِجَامِع زبيد فَكَانَ لوعظه موقع فِي الْقُلُوب ودام على ذَلِك مُدَّة طَوِيلَة وَقد أثنى عَلَيْهِ الإِمَام بدر الدّين حسن بن مُحَمَّد الشظبي ومدحه بِأَبْيَات فَقَالَ (إِذا رمت من وعظ شِفَاء فَإِنَّهُ ... بوعظ كَمَال الدّين للداء يستطب) (يَقُول مقَالا مستطابا لصدقه ... وَكم من مقَال لم يلذ ويستطب) (إِذا مَا ترقى منبرا فاح عنبرا ... وساعده فصل الْخطاب إِذا خطب) (فموسى بِهِ يوسي الكليم من الأسى ... على مَا أسى والمستقر الرسوخ طب) (فدامت بِهِ للدّين قُرَّة أعين ... وَبلغ من خير الحياتين مَا أحب) انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي علم الحَدِيث بعد موت الْفَقِيه عُثْمَان الْأَحْمَر وَكَانَ يدرس فِي علم الحَدِيث فِي الثَّلَاثَة الْأَشْهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان ويدرس فِي الْفِقْه بَاقِي السّنة وصنف كتابا سَمَّاهُ غَايَة الأمل فِي فصل الْعلم وَالْعَمَل وصنف غير ذَلِك واشتهر هَذَا الْفَقِيه بِالْعبَادَة والزهادة وَنسب إِلَيْهِ شَيْء من الكرامات وَتُوفِّي بِشَهْر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَخمسين وثمانمئة وعمره ثَمَانُون سنة وَمِنْهُم الْعَلامَة الإِمَام شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد قحر قَرَأَ على أَئِمَّة أجلة كثيرا من أبلغهم فِي الْفِقْه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الريمي وَالْإِمَام مجد الدّين

стр. 295

الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَ من أكَابِر الْعلمَاء الْمُفْتِينَ والمدرسين بِمَدِينَة زبيد وَهُوَ من شيوخي فِي علم الحَدِيث ورتب إِمَامًا بِمَسْجِد الأشاعر ودام على ذَلِك مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ القَاضِي شرف الدّين المقرىء معاصرا لَهُ وَقد يتَّفق بَينه وَبَينه اخْتِلَاف فِي مسَائِل فَيَأْتِي الْفَقِيه شمس الدّين بن قحر بنصوص الشَّافِعِي وَأَصْحَابه ويستدل بهَا على صدق قَوْله وَلما توفّي الإِمَام شرف الدّين بن المقرىء استقام هَذَا الإِمَام شمس الدّين بمكانه للتدريس وَالْفَتْوَى وصنف كتابا سَمَّاهُ الظَّاهِرِيّ باسم السُّلْطَان فَأَجَازَهُ السُّلْطَان على ذَلِك بمئة مِثْقَال وكساه وَقد أحسن إِلَيْهِ السُّلْطَان الظَّاهِر بإقامته بمرتبة الإِمَام شرف الدّين لما وجده وحيد عصره وفريد دهره بوقته فَبَقيَ الإِمَام ابْن قحر مسموع القَوْل مُطَاع الْكَلِمَة وَجمع من الْكتب شَيْئا كثيرا وضبطها أحسن ضبط وصححها وَنبهَ على دقائق فِي مَوَاضِع مِنْهَا وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء بزبيد وَطَالَ عمره فِي التدريس والإفادة للطلبة وَتُوفِّي سنة خمس وَأَرْبَعين وثمانمئة وقبر بِبَعْض مَقَابِر زبيد وَكَانَ لَهُ ولدان لَا نجابة فيهمَا فتوفيا بعد وَفَاته وَتَفَرَّقَتْ كتبه بَين أَوْلَاد الْأَوْلَاد مِمَّن لم يشْتَغل بِالْقِرَاءَةِ بل صَارُوا من عُمَّال النّخل الَّذين يستأجرون لذَلِك فَالْحَمْد لله على كل حَال وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَالم الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم نَاصِر الْحُسَيْنِي قَرَأَ على الإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء وَهُوَ أكبر شُيُوخه فِي الْيمن وعَلى غَيره من الْعلمَاء فجد واجتهد حَتَّى صَار عَالما عَاملا عابدا زاهدا صَالحا عَلَيْهِ سكينَة الْعلم ووقار التَّقْوَى وَقد أجَاز لَهُ الإِمَام الْجَزرِي وَالْإِمَام كَمَال الدّين مُوسَى الضجاعي فدرس وَأفْتى ورتب إِمَامًا بِمَسْجِد الأشاعر بعد موت الإِمَام شرف الدّين المقرىء

стр. 296

والأمام ابْن قحر وَقصد للزيارة وَظَهَرت لَهُ كرامات وَكَانَ منقوله كتاب الْحَاوِي الصَّغِير وَشرع بتصنيف شرح للمنهاج ومختصر للتفقيه وَلم يتممهما بل اخترمته الْمنية فَتوفي سنة ثَلَاث وَخمسين وثمانمئة وقبر بمجنة بَاب سِهَام وَكَانَ ينظم الشّعْر من ذَلِك جَوَابه على السُّؤَال الَّذِي أوردهُ الْفَقِيه إِبْرَاهِيم الإخفافي بقوله المنظوم الَّذِي أَوله (يَا أَيهَا الْعلمَاء يَا أَعْلَام ... أَنْتُم بدور والأنام ظلام) (رجل رأى امْرَأَة مُزَوّجَة على ... رجل سواهُ ودينها الْإِسْلَام) (وَلَقَد رَآهَا صبح جُمُعَة جَامع ... يَوْمًا بِهِ تتشرف الْأَيَّام) (فَأتى عَلَيْهِ الظّهْر وَهِي حَلَاله ... وأتى عَلَيْهِ الْعَصْر وَهِي حرَام) (هُوَ هَكَذَا فرض بِفَرْض لم يزل ... حلا وحرما كلهَا أَحْكَام) (كَانَ انتهاها مِنْهُ عشر فَرَائض ... مُتَوَالِيَات مَا بهَا إِبْهَام) (من ذَلِك الْيَوْم الْمشَار إِلَيْهِ لم ... يحدث عَلَيْهِ بذا الْجِمَاع أثام) (أَيجوزُ هَذَا وَالطَّلَاق ثَلَاثَة ... أم لَا يجوز فقصدنا الْإِعْلَام) فَأَجَابَهُ الإِمَام جمال الدّين بن نَاصِر ﵀ بِجَوَاب منظوم ذَكرْنَاهُ فِي الأَصْل مضمونه أَن ذَلِك مُتَصَوّر بصور كَثِيرَة مِنْهَا أَن تكون قنة مُزَوّجَة على مُسلم ويطلقها وَهِي حَامِل فَتحل بِالْوَضْعِ وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عُثْمَان بن عَليّ بن عُثْمَان بن عبد الله الخزرجي الْأنْصَارِيّ قَرَأَ فِي الحَدِيث وَالْفِقْه والنحو على الْفُقَهَاء من بني النَّاشِرِيّ وَغَيرهم من

стр. 297

فُقَهَاء زبيد وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم المقدشي قَرَأَ على جمَاعَة بفن الْأَدَب أشهرهم الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ الأقعش ورتب مؤدبا لآولاد السُّلْطَان الْأَشْرَف بن الْأَفْضَل وهم الظَّاهِر وَإِخْوَته الصغار وَتخرج على يَدَيْهِ جمَاعَة فِي علم الْأَدَب وَكَانَ محققا مدققا لعلم النَّحْو كثير الصَّدَقَة وأفعال الْخَيْر وَحسن الظَّن بِجَمِيعِ النَّاس خالط مُلُوك الْوَقْت فنال الْإِحْسَان مِنْهُم وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم الْفَقِيه الْأَجَل الصَّالح عفيف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن أبي بكر العسلقي قَرَأَ على جمَاعَة من الشُّيُوخ وَلزِمَ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد وجد واجتهد حَتَّى تأهل للتدريس وَالْفَتْوَى واشتغل بآخر عمره بكتب الزّهْد وَالرَّقَائِق ك الْإِحْيَاء ومنهاج العابدين والرسالة للقشيري وَاخْتصرَ كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين اختصارا حسنا وَتُوفِّي سنة خمس وَأَرْبَعين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ عرف بِابْن زبيدة قَرَأَ بفن الْأَدَب على الْفَقِيه جمال الدّين المقدشي الْمُقدم الذّكر ولازمه حضرا وسفرا حَتَّى برع بذلك فَأجَاز لَهُ ثمَّ أَخذ الْفِقْه عَن القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي بكر النَّاشِرِيّ فَكَانَ نحويا محققا للمعاني وَالْبَيَان والأصلين والمنطق وَغير ذَلِك وَسمع على القَاضِي مجد الدّين شَيْئا من التَّفْسِير والْحَدِيث ثمَّ على الإِمَام الْجَزرِي وَتخرج بِهِ جمَاعَة من عُلَمَاء الْبَلَد وأضيف إِلَيْهِ شَيْء من الْأَسْبَاب فَلَمَّا ضعفت الدولة الرسولية تنقل إِلَى مَوَاضِع كَثِيرَة من الْيمن وَقصد الْمَشَايِخ من السَّادة الْوُلَاة بني طَاهِر فَأحْسنُوا إِلَيْهِ إحسانا كليا ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة

стр. 298

المشرفة وَتُوفِّي بهَا سنة سبع وَخمسين وثمانمئة وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الشّعْر وَمِنْهُم الشَّيْخ الْوَلِيّ الصَّالح شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَفْلح كَانَت لَهُ عبَادَة وزهادة ودأبه الِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد وَالصَّلَاة والتلاوة لكتاب الله تَعَالَى وَالذكر وَكَانَ متقللا من الدُّنْيَا وَمن جَاءَهُ بِشَيْء مِنْهَا أَخذ مِنْهُ قدر حَاجته لوقته إِذا تحقق حلّه واشتهرت لَهُ كرامات ويخبر عَن شَيْء من المغيبات بِمَا شهد لَهُ أَنه قطب الْوُجُود لوقته وَتُوفِّي سنة سِتِّينَ وثمانمئة فشيعه مُعظم أهل زبيد وتزاحموا على حمل جنَازَته وَكَانَ مِمَّن حملهَا خَليفَة الْوَقْت الْمقَام شمس الدّين عَليّ بن طَاهِر وَأجْمع أهل الْبَلَد أَنه لم يكن فِي وقته بزهده وورعه وعبادته وانقطاعه إِلَى الله تَعَالَى مثله وَقد قيل إِنَّه من ذُرِّيَّة الشَّيْخ عَليّ بن أَفْلح الْقَدِيم الَّذِي قيل إِنَّه شيخ أبي الْغَيْث بن جميل نفع الله بهم وَمن الْفُقَهَاء بِمَدِينَة زبيد الْفَقِيه الْعَلامَة تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد بن معيبد الْأَشْعَرِيّ الشهير بالفتى قَرَأَ بفن الْفِقْه على الإِمَام شرف الدّين أسماعيل المقرىء وبالنحو على الْفَقِيه بدر الدّين حسن بن مُحَمَّد الشظبي وَقَرَأَ على غَيرهمَا من أَئِمَّة وقته فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وافاد وأجاد وصنف كتبا مِنْهَا النكيتات الخفيات على الْمُهِمَّات يحتوي على ثَلَاثمِائَة اعْتِرَاض وَقد قَالَ الْعلمَاء إِن فِي ذَلِك نظرا وَألف مهمات الْمُهِمَّات وكتابا سَمَّاهُ الأبريز الغالي على وسيط الْغَزالِيّ

стр. 299

وَاخْتصرَ كتاب الْأَنْوَار بمختصر سَمَّاهُ أنوار الْأَنْوَار وَله غير ذَلِك وَحصل بَينه وَبَين الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن عطيف اليمني المجاور بِمَكَّة مباحثات وَاخْتِلَاف فِي مَسْأَلَة حدثت وَذَلِكَ أَن امْرَأَة نذرت بصداقها على غير الزَّوْج وَقد كَانَ الزَّوْج حصل مِنْهُ تَعْلِيق الطَّلَاق على بَرَاءَته من الصَدَاق فأبرأته بعد إِنْكَاره النّذر وَقد ذكرت ذَلِك فِي الأَصْل وَلم يزل الْفَقِيه تَقِيّ الدّين مُفِيدا للطلبة فِي مَدِينَة زبيد باذلا نَفسه لنشر الْعلم متواضعا مُجْتَهدا بِالْعبَادَة جَارِيا على قَاعِدَة الْعلمَاء العاملين وَهُوَ من أشهر الْعلمَاء بِهَذَا الْعَصْر وَله ولد نجيب قَرَأَ على وَالِده وانتفع وَهُوَ يدرس ويفتي بوصاب السافل وَسبب انْتِقَاله مَا حدث فِي زبيد ايام العبيد من الْخَوْف فتأهل الْفَقِيه تَقِيّ الدّين بهَا وَحدث لَهُ بهَا هَذَا الْوَلَد فَبَقيَ هُنَاكَ وَرجع الْفَقِيه تَقِيّ الدّين إِلَى مَدِينَة زبيد عِنْد زَوَال الْخَوْف بهَا وملكها السَّادة بني طَاهِر وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة كَمَال الدّين مُوسَى بن أَحْمد بن عَليّ بن عجيل الْمَشْهُور بالمشرع وَلَيْسَ هُوَ من ذُرِّيَّة المشرع الْمَشْهُور بل هُوَ ابْن عَم أَبِيه فَجَمِيع أهل هَذَا الْبَيْت يعْرفُونَ ببني المشرع تفقه هَذَا الْفَقِيه بالفقيه عفيف الدّين عبد الله بن أبي الْقَاسِم الأكسع وبالفقيه رَضِي الدّين أبي بكر بن إِبْرَاهِيم بن جعمان وَغَيرهم وأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى ثمَّ قَرَأَ على القَاضِي جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَسمع عَلَيْهِ وَأذن لَهُ بالإفتاء بِمَدِينَة زبيد ثمَّ جرت بَينهمَا أُمُور تولد مِنْهَا وَحْشَة بَينه وَبَين بني النَّاشِرِيّ فَلَمَّا استقام الْمقَام شمس الدّين عَليّ بن طَاهِر بِملك الْيمن لَاذَ الْفَقِيه كَمَال الدّين بالمقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي فتوسط لَهُ إِلَى

стр. 300

الْمقَام شمس الدّين بإقامته بِبَعْض الْأَسْبَاب بزبيد فأقيم لَهُ مَا كَفاهُ مِنْهَا بِمَدِينَة زبيد واشتهر لَهُ ولد نجيب هُوَ الشَّيْخ الصَّالح شهَاب الدّين أَحْمد قَرَأَ بالفقه على وَالِده وعَلى الْفَقِيه الصّديق بن جعمان وعَلى غَيرهمَا ثمَّ صحب السَّادة الصُّوفِيَّة هُنَالك وَقَرَأَ عَلَيْهِم فِي كتبهمْ كالرسالة للقشيري وعوارف المعارف للسهروردي وَقطعَة من نَوَادِر الْأُصُول للحكيم التِّرْمِذِيّ ولازم الْوُقُوف عِنْد قبر الإِمَام أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل وعد من خَواص الْفَقِيه الصَّالح أبي الْقَاسِم بن جعمان فَلَمَّا توفّي شَيْخه ابْن جعمان سكن بَيت الْفَقِيه ابْن العجيل وتحكم على يَده جمَاعَة من الْفُقَرَاء وَهُوَ لَا يرد سَائِلًا مِمَّا بِيَدِهِ وَلَو ثِيَابه الَّتِي يلبسهَا واجتهد بِالْعبَادَة وَالْقِيَام بإكرام الضَّيْف وَالِاجْتِهَاد بِقَضَاء حَاجَة ذِي الْحَاجة فوصلته الْهَدَايَا وَالنُّذُور من بلدان كَثِيرَة فَكل مَا اجْتمع مَعَه من ذَلِك فرقه على الْفُقَرَاء فَإِذا فني مَا بِيَدِهِ علق الزنبيل بِيَدِهِ وَدَار هُوَ وَبَعض فقرائه يسْأَلُون فَلَا يردهم أحد وَظَهَرت لَهُ كرامات وَهُوَ ووالده على قيد الْحَيَاة عِنْد جمع هَذَا الْمَجْمُوع نفع الله بهما آمين وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الفرسي الْمَشْهُور بالشويهر هُوَ فَقِيه حَنَفِيّ فَرضِي نحوي لَهُ الباع الأطول فِي الْعُلُوم العقليات وَفِيه الزهادة وَالْعِبَادَة وَمِنْه تجتنى نخب الْعلم المستفادة وَله شعر حسن مِنْهُ مَا قَالَه فِي الْفَقِيه أعظم بن أبي الْبَقَاء الْهِنْدِيّ الْوَافِد إِلَى الْيمن سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثمانمئة وَأقَام بزبيد يقرىء ويدرس فِي الْعُلُوم العقليات فَلَمَّا أَرَادَ أَن يُسَافر إِلَى بَلَده الْهِنْد قَالَ فِيهِ الْفَقِيه وجيه الدّين أبياتا من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا (آنستنا يَا أعظم ابْن أبي البقايا ... يَا من تأزر فِي ملابيس التقى) (أَحييت ميت الْعلم بعد وَفَاته ... وَفتحت مَا قد كَانَ مِنْهُ استغلقا)

стр. 301

(يَا لَيْت شعري أَن رحلت مودعا ... عَن أَرْضنَا فَمَتَى يكون الْمُلْتَقى) وَالْقَصِيدَة مَعْرُوفَة قد أثبتها فِي الأَصْل فَأَجَابَهُ الْفَقِيه أعظم بقصيدة أَولهَا (أَلا يَا صَاحب القَوْل السديد ... لأَنْت الْيَوْم أشعر من لبيد) (وأفصح كل ذِي علم وَفضل ... وَأصْلح صالحي أَهلِي الزبيد) وَهِي طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل وللفقيه وجيه الدّين هَذَا مدائح كَثِيرَة فِي النَّبِي ﷺ توفّي الْفَقِيه وجيه الدّين الشويهر بِشَهْر صفر سنة أَربع وَسبعين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمن أهل زبيد الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الله بن مُوسَى الذؤالي كَانَ رجلا فَاضلا عَالما ذَا براعة وفصاحة فِي الشّعْر وَقد ذكرت بعض ذَلِك فِي الأَصْل وختمت القَوْل فِي ذكر الْفُضَلَاء وَالْعُلَمَاء بِمَدِينَة زبيد بِهَذَا الْفَقِيه كَمَا بدأت بِذكر وَالِده وَلم أستوعب ذكر جَمِيع الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء بِمَدِينَة زبيد وَمَا والاها لعلمي أَن الشَّيْخ بدر الدّين حُسَيْن الأهدل وَغَيره كالشيخ أَحْمد بن أبي بكر بن سَلامَة وَغَيرهم قد جمعُوا فِي ذكر أهل تهَامَة تواريخ حَسَنَة فاكتفيت بِمَا قد جَمَعُوهُ وَلم أذكر إِلَّا مَا بَلغنِي علمه من أهل وقتنا على الشَّرْط الْمَذْكُور أول الْكتاب وَأما السَّادة الْعلمَاء من بني النَّاشِرِيّ فقد صنف المقرىء عفيف الدّين عُثْمَان النَّاشِرِيّ فِي ذكرهم وَتَحْقِيق نسبهم مصنفا جعله مجلدا كَبِيرا وَجعل لَهُم شَجَرَة جمعهم بهَا وَذكر من سكن زبيد وَمن سكن غَيرهَا مِنْهُم وَقد أَحْبَبْت أَن أتبرك بِذكر أعلمهم وأفضلهم بوقتنا وَهُوَ شَيْخي الإِمَام الْعَلامَة الصَّالح الْعَامِل الزَّاهِد جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ فَهُوَ الإِمَام الْمجمع على جلالته وفضله وتضلعه فِي الْعُلُوم

стр. 302

قَرَأَ على وَالِده ولي الله القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد النَّاشِرِيّ ثمَّ على غَيره من فُقَهَاء مَدِينَة زبيد وَغَيرهم بِجَمِيعِ فنون الْعلم وَأَجَازَ لَهُ الشُّيُوخ الْكِبَار فِي مَكَّة المشرفة وَالْمَدينَة الشَّرِيفَة عِنْد أَن سَافر لِلْحَجِّ والزيارة وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالشَّيْخ شمس الدّين الْجَزرِي وَقد جمع الْمَشَايِخ الَّذين قَرَأَ عَلَيْهِم وأجازوا لَهُ فِي كراسة جعلهَا عِنْده واشتهر بِحسن التدريس وَالصَّوَاب فِي الْفَتْوَى وناب لِعَمِّهِ القَاضِي شمس الدّين عَليّ النَّاشِرِيّ بِالْقضَاءِ الْأَكْبَر ثمَّ اسْتَقل بِهِ بعد موت عَمه ورزق الجاه الْكَبِير عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَرَفعه السُّلْطَان الظَّاهِر على جَمِيع النَّاس بِمَا يسْتَحقّهُ من فضل الْعلم مَعَ ورعه وزهادته الْمجمع عَلَيْهِ وأحبه النَّاس وانتفعوا بِهِ انتفاعا كثيرا وَقصد للمهمات وأطاعوه وامتثلوا أمره وصنف كتابا مُفِيدا نَحْو الشَّرْح للحاوي الصَّغِير سَمَّاهُ الْإِيضَاح نَحْو مجلدين أَتَى فِيهِ بمعظم الغرائب والنكت على بعض أَلْفَاظ الْحَاوِي جمع فِيهِ متفرق الْكَلَام كالتحرير لأبي زرْعَة والمفتاح لِابْنِ كبن والأذرعي والجواهر والمهمات وَشرح الْحَاوِي وَغير ذَلِك من كَلَام الْمُتَأَخِّرين من أهل الْعَصْر وَغَيرهم وَقد اشْتهر وانتشر وتلقاه النَّاس عَامَّة فِي الْيمن وَمَكَّة وَالشَّام بِالْقبُولِ ومدحه بعض الْفُضَلَاء البلغاء فَقَالَ هُوَ كتاب عدم نَظِيره فِي مَا مضى من الْأَيَّام وَعز وجود مثله فِي الدهور والأعوام لم ينسج على منواله وَلَا يتَصَدَّى أحد من الْعلمَاء لمثاله فَمَا لمثله فِي الْوُجُود وجود كَمَا أَن نَظِير مُؤَلفه فِي الْعَالم لمفقود وَزَاد على ذَلِك شَيْئا كثيرا مِمَّا قد ذكرته فِي الأَصْل وَقد مد الله فِي عمر هَذَا الإِمَام وَبَارك لَهُ فِيهِ حَتَّى نَيف على ثَمَانِينَ سنة ورزقه الله أَوْلَادًا نجبا وَقد قَالَ الأول (نعم الْإِلَه على الْعباد جليلة ... وأجلهن نجابة الْأَوْلَاد)

стр. 303

وهم جمَاعَة كثير أكبرهم الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد قَرَأَ على وَالِده فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث وَقَرَأَ على غَيره وأجازوا لَهُ واجتهد حَتَّى برع وكمل وافتى ودرس ثمَّ صنوه الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله قَرَأَ أَيْضا على وَالِده بالفقه والْحَدِيث والنحو وَقَرَأَ بالقراءات الْعشْر على المقرىء شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الشرعبي وعَلى غَيره من أَئِمَّة الْقُرْآن وَقَرَأَ بفن الْأَدَب على أَئِمَّة من أهل الْوَقْت فنجب وأعجب ودرس وَأفْتى وَله الشُّهْرَة فِي ذَلِك زِيَادَة على أَخِيه الْمُقدم الذّكر ثمَّ صنوهما الْفَقِيه وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن قَرَأَ على وَالِده بالفقه والْحَدِيث ثمَّ على غَيره وَله الذكاء والذهن الصافي وَالنَّظَر التَّام فِي الْمسَائِل الدقيقة يتَكَلَّم على مَا فِيهَا ويشفي فِي الْجَواب عَلَيْهَا من النُّصُوص والاستنباط العجيب وَلم يزل باذلا نَفسه للطلبة وَأكْثر أوقاته فِي خدمَة الْعلم الشريف وَهُوَ آخذ بالترقي إِلَى الْمَرَاتِب الْعلية فَكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كَامِل عَارِف عَالم عَامل لَا يجْرِي أحد من أهل وقتهم فِي ميدانهم بِمَا يفضلهم فِيهِ وَكفوا والدهم عِنْد عَجزه جَمِيع مَا أهمه فِي جَمِيع الْأُمُور فَبَقيَ بَينهم فِي أهنى عَيْش وأرغده وَصَارَت الرِّئَاسَة لَهُم فِي وقتهم ورثوا ذَلِك كَابِرًا عَن كَابر وَتُوفِّي الإِمَام جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ بِشَهْر شَوَّال سنة أَربع وَسبعين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ

стр. 304

القَوْل فِي ذكر من تحققنا حَاله من أهل لحج وعدن وَمن توفّي هُنَاكَ مِمَّن وَفد إِلَيْهَا فَمنهمْ القَاضِي الْأَجَل الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن العواجي الْمَالِكِي وصل جده الْفَقِيه مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم من عواجه إِلَى قَرْيَة بِنَا أبه الَّتِي تسميها الْعَامَّة منيبة أَيَّام السُّلْطَان الْمُجَاهِد فولد لَهُ بهَا عبد الرَّحْمَن وَعبد الله فَمن أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن الإِمَام جمالد الدّين مُحَمَّد الْمَذْكُور كَانَ فَقِيها عَالما فَاضلا لَهُ فِي علم الْأَدَب الْيَد الطُّولى وَمن الفصاحة وَالْقُدْرَة عل جزالة القَوْل وبراعة النّظم مَا إِلَيْهِ النِّهَايَة فَكَانَ مَسْكَنه بناأبه يدرس ويفتي فانتهت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة هُنَالك وَلما اشتهرت القصيدة الَّتِي أَنْشَأَهَا الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن خمرطاش الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا فَقَالَ فِيهَا (تأوب الْقلب تباريح الجوى ... وعاده عَائِد شوق قد نوى) يمدح بهَا قحطان ويعرب والأوس والخزرج من الْأَنْصَار وذم قُريْشًا وَهِي نَحْو

стр. 305

ثلاثمئة بَيت وَعشْرين بَيْتا فَانْتدبَ للجواب عَلَيْهَا جمَاعَة جود فِيهَا وَطول ثمَّ أَن القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن العواجي الْمَذْكُور أَولا رد على ابْن خمرطاش كَلَامه بمقصورة سَمَّاهَا النفحة الروحانية والدرة العدنانية وَفِي ضمنهَا مدح قُرَيْش وَذكر جودهم وهجا فِيهَا غَسَّان وَمن انْتَمَى إِلَيْهِم من قحطان ويعرب وَغَيرهم وَهِي نَحْو ستمئة بَيت ونيف وَسبعين بَيْتا فَانْتدبَ للجواب عَلَيْهِ الشَّيْخ عَليّ بن حسن الخزرجي المؤرخ بقصيدة سَمَّاهَا الروحة اليعربية والنفحة الخزرجية مدح بهَا غَسَّان وَكَانَت لَهُ المكانة الْعَالِيَة عِنْد السُّلْطَان الْأَشْرَف مُوَافقَة لَهُ من تَعْظِيم نِسْبَة كَمَا هُوَ ينتسب إِلَى غَسَّان وَقد أَتَى فِي الْجَواب قبل النّظم بِخطْبَة بليغة نثرا فَلم يقدر العواجي يرد عَلَيْهِ جَوَابا من السُّلْطَان وَقد انتدب للجواب جمَاعَة مِنْهُم الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الرَّاعِي البَجلِيّ شَاعِر الدولة الْأَفْضَلِيَّة بقصيدة قَالَ فِي أَولهَا (إِنْكَار فضل رجال الْفضل نُقْصَان ... لَا يمتري فِيهِ إنسي وَلَا جَان) وَقد صوب الْعلمَاء كَلَام من رد على ابْن خمرطاش والخزرجي وضعفوا كَلَام من انتصر لَهما هَذَا كُله وَالْإِمَام جمال الدّين العواجي فِي رِبَاط هقرة خَائِف من السُّلْطَان وَكَانَ ينشر الْعلم فِي التدريس وَالْفَتْوَى فَنقل الثِّقَة عَنهُ أَنه قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ فتفل فِي فِي قَالُوا فازداد بلاغة تعبرات حَسَنَة لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره ثمَّ إِن صَاحب هقرة شفع للْقَاضِي الْمَذْكُور فَقبل شَفَاعَته وَلم يُعَاقب القَاضِي جمال الدّين بِشَيْء مِمَّا ذمّ بِهِ غَسَّان وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ عِنْد وُصُوله إِلَيْهِ يَا قَاضِي جمال الدّين قطعت الشَّجَرَة من أَصْلهَا فَاعْتَذر إِلَيْهِ القَاضِي جمال الدّين ثمَّ أَقَامَ حجَّة قبلهَا مِنْهُ السُّلْطَان وَعَفا عَنهُ وولاه الخطابة ببناأبه مَعَ ولَايَة الْقَضَاء هُنَالك وبعدن إِلَى أَن توفّي سنة

стр. 306

ثَمَانِينَ وثمانمئة ببناأبه رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ لما توفّي الإِمَام العواجي خَلفه بمنصبه وَلَده الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد فَقَامَ قيَاما تَاما وَكَانَ لَهُ الجاه العريض وَالْكَرم المستفيض فغايره بعض أهل الْأَمر وحبسه فِي عدن وصادره بِأخذ شَيْء كَبِير من المَال سلمه ثمَّ خرج من الْحَبْس مبطونا فَمَاتَ ﵀ فِي آخر الشَّهْر الَّذِي خرج فِيهِ من الْحَبْس وقبر فِي مَقْبرَة بناأبه ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ وَقد سمي بطال بن مياس كَانَ فَقِيها عَالما مدرسا مفتيا تولى الْقَضَاء فِي لحج وَحمد فِي أَحْكَامه وَحسن سيرته وَتُوفِّي بِشَهْر رَجَب سنة سبع عشرَة وثمانمئة وَنَشَأ لَهُ ولدان نجيبان أَحدهمَا اسْمه أَحْمد قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره من فُقَهَاء وقته فَنَشَأَ أحسن نشوء كتب إِلَيّ بعض البلغاء ديمته فِي الْعلم غزيرة وعومته فِيهِ عميقة وَكَانَ وَالِده دونه وَانْفَرَدَ هَذَا الْوَلَد بِزِيَادَة على البلاغة بفن الْأَدَب والإنشاء فَطَلَبه السُّلْطَان النَّاصِر لذَلِك فضرع وَالِده إِلَى السُّلْطَان أَن يعذرهُ عَن ذَلِك فأعفاه وَتُوفِّي قبل وَالِده بِنصْف سنة قبل سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة وَأما الْوَلَد الثَّانِي فَسَماهُ عبد الْقَادِر كَانَ ذكيا حاذقا فطنا لبيبا وَكَانَ خَطِيبًا بقرية بناأبه ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثمانمئة وَمِمَّنْ تولى الخطابة مِنْهُم ببنا أبه بعد الَّذِي تقدّمت وفاتهم القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مياس كَانَ صيتًا وَإِذا خطب خشع فيخشع النَّاس بخشوعه دَامَ على الْخطْبَة وأسن ثمَّ توفّي بعد سنة عشْرين وثمانمئة وَله ولد يُسمى عبد الْقَادِر هُوَ الْآن خطيب الرعارع وَهُوَ حسن الصَّوْت طيب النغمة يحفظ من الْخطب البليغة شَيْئا كثيرا فيزينها بِلَفْظِهِ الدُّرِّي فتؤجل

стр. 307

الْقُلُوب ويسكب من سَمعهَا لرقتها الْقُلُوب طَال عمره حَتَّى أسن وَهُوَ مجلل مُحْتَرم عِنْد الْوُلَاة وَعَامة النَّاس فَإِذا خطب بكاء وأبكى فَهُوَ شَاب حدث تُسنم الْمجد وارتقى الْمَكَان الصعب كَأَنَّهُ من أبنا الصباري لَهُ فصاحة وَهُوَ من طلبة الْعلم الشريف الَّذِي ظَهرت فِيهِ النجابة وَمن أهل لحج الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن المندحي قَرَأَ الْفِقْه على الْفَقِيه عَليّ بن عفيف الْحَضْرَمِيّ فَلَمَّا اسْتَفَادَ أضيف ولَايَة القضا بالجهات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَكَانَ أَبوهُ مولى لبَعض أهل مندحة الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة هُنَالك وَلم يزل هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين يُفْتِي ويدرس وَيحكم إِلَى أَن توفّي سنة سبع ووثمانمئة وَمن الْقُضَاة بلحج القَاضِي عفيف الدّين عبد الله بن عَليّ النَّاشِرِيّ انْتقل من بَلْدَة زبيد إِلَى لحج سنة خمسين وثمانمئة وَله الْيَد الطُّولى فِي علم الْفُرُوع وَعَلِيهِ السكينَة وَالْوَقار وَقد ذكره المقرىء عفيف الدّين عمر النَّاشِرِيّ فِي كِتَابه الَّذِي جمعه فِي تَارِيخ أَهله الناشرين وَمن أهل لحج الْفَقِيه شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن رَاجِح قَرَأَ على القَاضِي جمال الدّين أَبُو شكيل فِي الْفِقْه وَغَيره فَفتح عَلَيْهِ وَأَجَازَ لَهُ فدرس وَأفْتى فِي قَرْيَة بناأبه وَهُوَ ورع حَرِيص على دينه لَهُ الْعِفَّة وَشرف النَّفس مَشْهُور فِي الذكاء ودام على الْحَال المرضي وَمن أهل اللخبة القَاضِي رَضِي الدّين أَبُو بكر بن أَحْمد بن دربين قَرَأَ على

стр. 308

جمَاعَة من أَئِمَّة وقته ورتب خَطِيبًا فِي اللخبة وأضيف إِلَيْهِ ولَايَة القضا بجهاتها وَقد أثنوا عَلَيْهِ ثَنَاء مرضيا وَحكي عَنهُ حسن حَاله وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى توفّي سنة ٨٢٥ وَمن أهل لحج الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْعلوِي كَانَ فَقِيها مدْركا عَالما عَاملا كَانَ ووالده فقيهين عَالمين واشتهر هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِدْرِيس بفن الْأَدَب والبلاغة والفصاحة فِي الشّعْر يفد على الأكابر فيجيزونه الجوائز السّنيَّة وَكتب إِلَى السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بديعية عَجِيبَة حذا بهَا حَذْو الصفي الْحلِيّ وَشَرحهَا شرحا عجيبا وَضمن الشَّرْح وَالْقَصِيدَة أنواعا من البديع مِنْهَا فِي الاقتباس قَوْله مَاذَا أَقُول وَفِي ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ مدح أزرت بمدح فمي والصفي الْحلِيّ قَالَ فِي مثل ذَلِك (هذي عصاتي الَّتِي فِيهَا مآرب لي ... وَقد أهش بهَا طورا على غنمي) أَشَارَ بذلك إِلَى قَوْله تَعَالَى فِيمَا قصه عَن مُوسَى ﵇ حَيْثُ قَالَ ﴿قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي﴾ والصفي الْحلِيّ تخَلّل فِي نظمه شَيْء أَجْنَبِي غير الْآيَة الشَّرِيفَة فَقَالَ الْعلوِي أَنا أتيت بِآيَة كَامِلَة فِي بَيت وَاحِد وَلم يَتَخَلَّل بَينهمَا كَلَام أَجْنَبِي فأحال لَهُ السطان على الْمُتَوَلِي بحصن تعز بخمسمئة دِينَار فمطله بهَا فهجاه الْعلوِي فَشَكَاهُ إِلَى السُّلْطَان فَأذن لَهُ السُّلْطَان بتأديبه فَأَرَادَ قَتله فشفع لَهُ الإِمَام الْأَكْبَر جمال الدّين الْأَكْبَر بن الْخياط فَقبل شَفَاعَته فِيهِ على شَرط أَن لَا يُوجد فِي الْبَلَد وَأطْلقهُ فطلع بلد الْجبَال ووفد على الأكابر ثمَّ على الشريف عَليّ بن

стр. 309

صَلَاح ومدحه بغرر من القصائد فَأحْسن إِلَيْهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده ونظم أرجوزة سَمَّاهَا تذكرة الغبي فِي عدَّة أَزوَاج النَّبِي وَله فِي الرَّد على الأبيات الَّتِي نسبت إِلَى ابْن دَقِيق الْعِيد وَهِي وَمَا فِيهَا مَشْهُورَة مَذْكُورَة فِي الأَصْل وأولها (أهل المناصب فِي الدُّنْيَا ورفعتها ... أهل الْفَضَائِل مرذولين بَينهم) فَقَالَ القَاضِي جمال الدّين مناقضا لَهُ (خير الْمَرَاتِب فِي الدُّنْيَا لكل فَتى ... فِي الْعلم وَالْعَمَل المرضي لَهُ قدم) (فَذَاك أَجْدَر فِي الدُّنْيَا وآخرة ... بِكُل مرتبَة لم يعلها قدم) (وَلَيْسَ للجاهل الْمَغْرُور مرتبَة ... وَإِن يكن عِنْده اللَّذَّات وَالنعَم) (وَأي قدر لأهل الْجَهْل قاطبة ... الْقدر للْعُلَمَاء وَالْحكم وَالْحكم) (يسوقهم بضياء الْعلم سوق هدى ... كَمَا يساق إِلَى مرعائها الْغنم) ثمَّ إِن هَذَا الْفَقِيه سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ سَافر إِلَى مصر فَأَقَامَ بهَا معززا مكرما إِلَى أَن توفّي بهَا سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثمانمئة وَمن المتوفين بلحج من الوافدين إِلَيْهَا الْفَقِيه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الْحرَازِي قَرَأَ الْفِقْه على الْفَقِيه جمال الدّين العوادي وعَلى غَيره وَأَجَازَ لَهُ الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَالشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ فَأفْتى ودرس بِالزِّيَادَةِ الفرحانية بِمَدِينَة تعز مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ تولى الْقَضَاء بلحج فانتقل إِلَيْهَا وَحكم وَأفْتى ودرس بهَا

стр. 310

وَبَقِي على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي بعد سنة خمسين وثمانمئة وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة ذُو الْفُنُون العديدة والعلوم المفيدة حسام الدّين عبد الْوَهَّاب بن عبد الله السراف النهام قَرَأَ على الإِمَام الْقُدسِي الْمَذْكُور بَين أهل زبيد بفن الْأَدَب وَقَرَأَ على غَيرهمَا بِسَائِر الْعُلُوم فَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة والنحو وَالْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان مشاركا بغَيْرهَا من سَائِر الْعُلُوم وَكَانَت لَهُ وجاهة عِنْد الْمُلُوك وَهُوَ مُؤذن الْأَشْرَف بن الظَّاهِر فَلَمَّا تولى الْأَشْرَف السلطنة كَانَ يحسن إِلَيْهِ وقربه لَدَيْهِ وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب شَيْئا كثيرا فدرس فِي علم الْأَدَب وَفضل على شَيْخه الْمَقْدِسِي وَغَيره وانتفع عَلَيْهِ جمَاعَة بِعلم النَّحْو كالمقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي وَغَيره ثمَّ إِن السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف أرْسلهُ إِلَى عدن لبَعض مقاصده فَأَقَامَ بهَا اياما ثمَّ رَجَعَ قَافِلًا فَلَمَّا وصل اللخبة من قرى لحج مرض وَتُوفِّي هُنَالك بِشَهْر رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وثمانمئة وَمن شعره مَا كتبه إِلَى بعض أصدقائه يطْلب مِنْهُ قَضَاء حَاجَة فَقَالَ (سَلام يحاكي الْمسك طيب ذكائه ... وَيُشبه ضوء الشَّمْس وسط سمائها) (عَلَيْك جمال الدّين مَا لَاحَ بارق ... وَمَا هملت سحب السَّمَاء بِمَائِهَا) (وَقد عرضت لي يَا فَتى الْجُود حَاجَة ... فحقق رجائي باعتناء قَضَائهَا) وَله غير ذَلِك من الشّعْر وَله فِي مسَائِل من النَّحْو تدقيق يدل على غزارة علمه وحرزه

стр. 311

وَأما ثغر عدن فقد قَالَ بعض أَهله من الْعلمَاء والفضلاء بِأَنَّهُ قديم الْهِجْرَة أزلي حُصَيْن لم تزل الْبركَة فِيهِ ظَاهِرَة وساكنة مَرْحُوم ملاطف وَالْغَالِب على سكنته الْخُشُوع وسلامة الصَّدْر وَلم يزَالُوا مثابين مَأْجُورِينَ لَا تكالهم على الله بمكثهم فِي جَزِيرَة لَا نَبَات بهَا وَلَا كلأ وَكم تديرها من الْعلمَاء الصَّالِحين والعباد والناسكين والأبدال والأعوان والأقطاب أُمَم يجلون عَن الْحصْر على تداول الْأَزْمَان وَاخْتِلَاف الأحيان قلت وسأذكر مِنْهُم من كَانَ فِي المئة الثَّامِنَة على الْقَاعِدَة الَّتِي ذكرتها فَمنهمْ الإِمَام الْأَجَل الأوحد الأورع الْأَكْمَل الْعَالم الْعَامِل ركن الدّين أَحْمد بن حسن بن شينا بالشين الْمُعْجَمَة وَالْيَاء وَالنُّون المعجمتين أَيْضا وَالْألف هُوَ من أهل عدن مولده سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسبعمئة وَكَانَ وَالِده دلالا فِي سوق الْبَز فنجب لَهُ هَذَا الْوَلَد فَكَانَ علم الْأَبْرَار الْمُتَّقِينَ ونبراس البلغاء المبرزين نَشأ فِي طلب الْعلم الشريف وجد فِي طلب السَّعَادَة حَتَّى كشف لَهُ الْحجاب وَلم يزل يترقى وَيَأْخُذ فِي النمو وَالزِّيَادَة حَتَّى صَار وحيد عصره وفريد دهره وَهُوَ شيخ الْإِسْلَام وواسطة النظام كثير الصَّوْم وَالْعِبَادَة عَظِيم الْبركَة فِي الإفادة قَرَأَ على أَئِمَّة من الْمُتَقَدِّمين فِي جَمِيع الْعُلُوم وَأخذ عَنهُ طَائِفَة من فحول الطلاب ثمَّ لما طعن فِي السن أكمه نظره فِي سنة عشر وثمانمئة وَتُوفِّي فِي الْيَوْم الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر جماد الثَّانِي سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة وَقد صَار شَيخا كَبِيرا من كَثْرَة الرياضة كتب إِلَيّ الْفَقِيه جمال الدّين المغربي الشماع مَا مِثَاله قَالَ كنت أَدخل على

стр. 312

الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن حسن بن شينا الْمَسْجِد وَهُوَ أكمه وَكنت أسمع تدريسه فَكَانَ مِمَّا يحار فِيهِ الأديب وبأتي بِمَا لم يَأْتِ بِهِ المبصرون مَعَ الاسترياء وجودة التَّنْقِيح قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين الْمَذْكُور حضر وَالِدي نَزعه فَسَمعهُ يَقُول عِنْد الْمَوْت مرْحَبًا مرْحَبًا ثمَّ إِنَّه تَبَسم وَتمكن بِالشَّهَادَةِ وَتُوفِّي ﵀ وَذكر لَهُ من الكرامات الَّتِي شَاهدهَا شَيْء كثير ذكرته فِي الأَصْل وقبر فِي مجنة الشَّيْخ جَوْهَر وعمره نَحْو ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة وَمن فُقَهَاء عدن المقيمين بهَا الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عَليّ بن قسْمَة اليافعي الحريري كَانَ إِمَامًا فَاضلا بارعا فِي الْعُلُوم كَانَ فِي الْوَرع وَالْعِبَادَة على جَانب عَظِيم أَهله القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عِيسَى اليافعي بابنته فَكَانَ تَارَة يقف فِي ثغر عدن يدرس ويفتي وَتارَة يكون فِي مَكَان من بلد يافع يُسمى ذِي عسل توفّي سنة إِحْدَى عشرَة وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر بن خَالِد الأصبحي من أصابح قَرْيَة الْحَمْرَاء وَهِي قَرْيَة قريبَة من الرعارع ولد سنة سبعين وسبعمئة وَكَانَ وَالِده وليا وجده خَالِد من أهل الخطوة تدير الْفِقْه شهَاب الدّين الثغر بعدن أَخذ الْعلم من مَشَايِخ من بلدان شَتَّى فاستمر خَطِيبًا فِي جَامع الثغر ثمَّ انْفَصل عَنْهَا وَكَانَ فَقِيها عَالما عَاملا خَطِيبًا مصقعا فصيحا نجيبا متطلعا على كتب التواريخ حَافِظًا للسير مجللا مُحْتَرما وَإِذا قَرَأَ أَو حدث عَن النَّبِي ﷺ تخال الدّرّ يَتَنَاثَر من فِيهِ وَله فِي نقادة الْعلم الْيَد الْعَالِيَة وَكَانَ لَهُ اطلَاع على تركيب علم الْحُرُوف

стр. 313

وتكسير الأوفاق الْمُخْتَلفَة وَكَانَت لَهُ الهيبة وَهُوَ فَقير مَا يملك مَا يقوم بكفايته ووهبه الله حسن الْخلق بِمَا لَا يماثله فِيهِ أحد من عصره فَلَمَّا مَاتَ كَانَ لَهُ ولد ينوبه فِي الْخطْبَة فِي صِحَّته وَفِي حَال مَرضه وَبَقِي مكرما بعد وَفَاة أَبِيه ثمَّ توفّي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثمانمئة وَمِنْهُم الْفَقِيه الْعَلامَة البليغ رَضِي الدّين أَبُو بكر بن يُوسُف بن إِسْحَاق الْمَشْهُور بِابْن المستأذن كَانَ إِمَامًا فَاضلا خالط الْعلمَاء وَأخذ عَنْهُم فحسنت سيرته وكمل تهذيبه وَحفظ كثيرا من الْأَحَادِيث وبرع فِي فن الْأَدَب ثمَّ اشْتهر بالوعظ فرتب خَطِيبًا فِي جَامع عدن فَكَانَ خَطِيبًا مصقعا حسن الصَّوْت سريع الْعبْرَة ترق لَهُ الْقُلُوب وتخشع لَهُ الأفئدة وَكَانَ يبكي من خشيَة الله وَعمر حَتَّى بلغ عمره سبعين سنة من مولده وَتُوفِّي آخر شهر ذِي الْحجَّة سنة خمس عشرَة وثمانمئة وخطب بعده وَلَده عبد الرَّحْمَن ثمَّ أُعِيدَت الخطابة إِلَى ابْن خَالِد الْمُقدم ذكره فَلَمَّا توفّي ابْن خَالِد رَجَعَ الْفَقِيه رَضِي الدّين وَهُوَ عبد الرَّحْمَن مستمرا بالخطابة وَبَقِي بهَا إِلَى أَن توفّي بالفناء الْأَكْبَر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح سراج الدّين عبد اللَّطِيف بن أَحْمد الْعِرَاقِيّ كَانَ عابدا زاهدا فَاضلا صَالحا مَفْتُوحًا عَلَيْهِ بالمعارف لَهُ كرامات عديدة مَشْهُورَة بَين الْخَاصَّة والعامة مَكَانَهُ مُحْتَرم وجاره لَا يهتضم مأوى لكل غارق قَالَ بعض من يعرفهُ لما رقت شمائله وعذبت كَلمته انجذبت الْقُلُوب إِلَى حبه وَحسن ظن النَّاس فِيهِ

стр. 314

وَظَهَرت لَهُ كرامات وَتُوفِّي سنة تسع وثمانمئة وَدفن فِي رباطه بثغر عدن ﵀ ونفع بِهِ واشتهر من أَوْلَاده الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عبد الله تخلق بِخلق أَبِيه وتأسى بِسَائِر طباعه وسجاياه فِي جَمِيع حالاته عَاشَ مبارك الْحَال اشْتهر ذكره وَعلا صيته وَظَهَرت لَهُ الكرامات وَقيل أَنه نَالَ دَرَجَة القطبية وَالله أعلم بذلك وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثمانمئة وَدفن تَحت حصن التعكر مِمَّا يَلِي الْبر وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْمَشَايِخ بَنو اليافعي فَذكر بعض المؤرخين الْمُتَقَدّم مِنْهُم واشتهر بوقتنا القَاضِي الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى درس وَأفْتى وأثنوا عَلَيْهِ بِحسن السِّيرَة وَالصَّلَاح وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم القَاضِي غياث الدّين عِيسَى بن عمر كَانَ إِمَامًا مدرسا مفتيا توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَمِنْهُم القَاضِي رَضِي الدّين أَبُو بكر أَبُو سهل والفقيه شهَاب الدّين أَحْمد أَبُو عقبَة والفقيه تَقِيّ الدّين عمر بن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ والفقيه عَليّ الزبيدِيّ فَهَؤُلَاءِ كلهم قرؤوا على الْفَقِيه أبي عفيف الْحَضْرَمِيّ وتوفوا إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى أول من توفّي مِنْهُم بعد سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحِمهم الله تَعَالَى

стр. 315

وَمِنْهُم الْفَقِيه شمس الدّين أَبُو عفيف الْحَضْرَمِيّ هُوَ أحد تلامذة القَاضِي عمر اليافعي وَكَانَ فَقِيها مُبَارَكًا مجودا فِي الْفِقْه مشاركا بِغَيْرِهِ درس بحياة شَيْخه ثمَّ بعد وَفَاته وَكَانَ رَفِيقه فِي الْقِرَاءَة الْفَقِيه عفيف الدّين عِيسَى بن عمر اليافعي الْمُتَوَلِي للْقَضَاء بعدن فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وثمانمئة ثمَّ توفّي بعد ذَلِك قبل سنة ثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵏ وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة القَاضِي الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن عَليّ بن كبن قيل إِنَّه سمع قَوْله بِأَن الْمُحب الطَّبَرِيّ شَارِح التَّنْبِيه جده وَقد ثَبت اتِّصَال نسبه إِلَى قُرَيْش وَكَانَ هَذَا القَاضِي شيخ الْإِسْلَام وَأحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام جَامع أشتات الْفَضَائِل والمضاهي بِحسن سيرته الجلة من الْأَوَائِل أول اشْتِغَاله فِي الْعلم على القَاضِي رَضِي الدّين أبي بكر الحبيشي قَاضِي عدن فِي الدولة الأشرفية وَله مِنْهُ الإجازات الْكَثِيرَة وَمن شُيُوخه الْعَلامَة برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن الصّديق الرسام وَالشَّيْخ الْعَالم رَضِي الدّين ابو بكر بن الْحُسَيْن المراغي الدِّمَشْقِي وَله شُيُوخ غَيرهم تغرب إِلَى الشحر وَإِلَى التهايم وَإِلَى الْجبَال وَالْتمس من الْعلم مَا تأهل بِهِ للتدريس وَالْفَتْوَى ثمَّ تولى الْقَضَاء بثغر عدن بعد وَفَاة القَاضِي الحبيشي فَكَانَ أول ولَايَته سنة سبع وثمانمئة وَحصل فِي خزانته من الْكتب الَّتِي حصلها بِيَدِهِ وشراها نَحْو ألف كتاب واستوثق لَهُ الْأَمر واستفحلت شوكته وخالق النَّاس بِخلق حسن وَكَانَ لَهُ فِي التدريس الْيَد الْعَالِيَة والبراعة بالعبارة الجيدة واللطف والسياسة وشارك بِعلم الطِّبّ

стр. 316

مَعَ سَائِر الْعُلُوم وَاتفقَ فِي زَمَنه الْقَضِيَّة الْمَشْهُورَة فِي أَمر الْيَهُودِيّ مَعَ المقعد الَّذِي اسْتَغَاثَ بقوله يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد وَقد طلب الْمُسلم المقعد من الْيَهُودِيّ أَن يُعينهُ على بعض أُمُوره فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ اترك مُحَمَّدًا ينفعك ويقيمك وَلم يلْتَفت عَلَيْهِ فَسَمعهُ الْمُسلمُونَ يستهزىء بِالنَّبِيِّ ﷺ فَرفعُوا أمره إِلَى القَاضِي جمال الدّين الْمَذْكُور ووصلوا بِهِ إِلَيْهِ وَقد اجْتمع عَلَيْهِ الجم الْغَفِير بِقصد قتل الْيَهُودِيّ فَأَشَارَ إِلَيْهِم القَاضِي وَقَالَ الْحَبْس الْحَبْس فَلم يسمعوا مَا قَالَه القَاضِي بل توهم الْأَكْثَر أَنه قَالَ لَهُم اقْتُلُوهُ لِكَثْرَة اللَّغط فَرمى رجل مصري بِحجر فِي رَأسه حَتَّى طَرحه على الأَرْض فسطا عَلَيْهِ النَّاس يرجمونه بِالْحِجَارَةِ مثل الوابل حَتَّى مَاتَ وَقد كَانَت الْيَهُود بذلت على سَلامَة هَذَا الْيَهُودِيّ ألف مِثْقَال فَلم يقبل مِنْهُم السُّلْطَان ذَلِك فعزل السُّلْطَان القَاضِي بِسَبَب ذَلِك من ولَايَة الْقَضَاء على أَن السُّلْطَان رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَأمره برد القَاضِي على ولَايَته وللقاضي جمال الدّين الْمَذْكُور مصنفات نافعة جليلة مِنْهَا كتاب الْمِفْتَاح على كتاب الْحَاوِي الصَّغِير وَقد اشْتهر وانتشر وَاعْتَمدهُ النَّاس واجتهدوا بتحصيله وتلقوه بِالْقبُولِ وَمِنْهَا كتاب الدّرّ النظيم فِي فضل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلما رسخ القَاضِي الْمَذْكُور فِي الْعلم ونال الجاه الْكَبِير كَادَت الْأُمُور تطوى لَهُ بالتسخيرات وتتهيأ لَهُ من غير كد وَلَا إزعاج ووهب الله لَهُ الْمحبَّة فِي قُلُوب النَّاس واكتسب الثَّنَاء بحلمه وَكَرمه فَكَانَ حسن الْأَخْلَاق شهي المذاق كثير الْخُشُوع فِي الدُّعَاء وَله فَوَائِد ومناسك وَحَدَائِق وترسلات وَتَعْلِيق بِشَيْء كثير لَا ينْحَصر وَله شعر حسن رائق فِي التغزل وَفِي مدح النَّبِي ﷺ مِمَّا قد أثبت بنصه فِي

стр. 317

الأَصْل توفّي بِشَهْر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمانمئة وقبر بتربة الشَّيْخ جَوْهَر وعمره يَوْمئِذٍ أَربع وَسِتُّونَ سنة ﵀ وَأَخْبرنِي المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي قَالَ كَانَ وَالِد القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن من ذَوي الْأَمْوَال عطارا فَرَأى فِي الْمَنَام أَن النَّاس مجتمعون إِلَى مَكَان وهم كثير وَأَنَّهُمْ عِنْد بِئْر فِيهَا مَاء وَأَن تِلْكَ الْبِئْر الَّتِي فِيهَا المَاء مغطاة بِحجر وَلم يقدر أحد من الْحَاضِرين يرفعهُ من فَم الْبِئْر وَقَالَ صَاحب الرُّؤْيَا فَرفعت ذَلِك الْحجر الَّذِي على فَم الْبِئْر وحدي وَورد النَّاس يستقون من تِلْكَ الْبِئْر وَلَا سَأَلت أحدا من المعبرين عَنْهَا قَالَ وَقد كَانَ حدث لي وَلَدي مُحَمَّد قَالَ فَلَمَّا قَارب الْبلُوغ جَاءَنَا رجل من الصَّالِحين فضيفته وأكرمته وَجئْت بولدي مُحَمَّد إِلَيْهِ وَقلت لَهُ النَّاس مِنْهُ عِنْد أَن رفعت الْحجر عَن الْبِئْر فِي الْمَنَام وسيكون عَالما ينْتَفع بِهِ النَّاس وَمِنْهُم الشَّيْخ الْمُحدث جمال الدّين مُحَمَّد بن حريز بِالْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْيَاء وَالزَّاي المعجمتين نَشأ مُنْفَردا وَكَانَ أَكثر جُلُوسه فِي الْمقَام وَكَانَ لَا يتتبع لكَلَام يبْدَأ بِهِ وَلَا يُقَابل بخطاب يُخَاطب ويخبر عَن المغيبات توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن فِي مجنة البزازين وقبره مَعْرُوف هُنَاكَ يزار ويتبرك بِهِ نفع الله بِهِ وَمن المتوفين بعدن الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ أصل بَلَده حَضرمَوْت قدم إِلَى الْيمن وسافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ سَافر إِلَى مصر فَقَرَأَ على فقهائها طرفا من الْعُلُوم وأجازوا لَهُ ثمَّ وَفد إِلَى مَدِينَة زبيد فَقَرَأَ على القَاضِي جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ واجتهد بتحصيل الْعُلُوم حَتَّى تأهل

стр. 318

للتدريس وَالْفَتْوَى وَاخْتصرَ شرح الْمِنْهَاج للْأَذْرَعِيّ فَجعله فِي مجلدين ووفد إِلَى مَدِينَة إب ثمَّ إِلَى بلد شنين فَلم يصف لَهُ بهَا مشرب ثمَّ أَقَامَ بالشوافي وَتَوَلَّى الْقَضَاء هُنَالك أَيَّامًا ثمَّ انْتقل إِلَى دمت فَأحْسن إِلَيْهِ السَّادة بَنو طَاهِر وَأقَام مَعَهم مُدَّة ثمَّ أَقَامَ بلحج وَجعل لَهُ بهَا شَيْء من الْأَسْبَاب ثمَّ انْتقل إِلَى عدن فَتوفي بهَا بِشَهْر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بن آمين وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو حميش أصل بَلَده حَضرمَوْت من قَرْيَة يُقَال لَهَا بور وَكَانَ من الصَّالِحين وَفد من بَلَده على طَرِيق الشحر ثمَّ دخل عدن سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة وَنزل حافة البصال عِنْد القَاضِي تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد اليافعي فَقَرَأَ عَلَيْهِ وعَلى الْفَقِيه موفق الدّين عَليّ بن عفيف الْحَضْرَمِيّ القَاضِي حَتَّى انْتفع وأجازوا لَهُ فَأفْتى ودرس وَجمع الْكتب واشتهر بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَلم يخالط النَّاس وَتَوَلَّى الْقَضَاء بالثغر بعد انْفِصَال القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر الحريزي عَنهُ سنة خمس وَأَرْبَعين وثمانمئة فَسَار بهم سيرة مرضية قدر سنتَيْن ثمَّ انْفَصل عَن الْقَضَاء واستقام فِيهِ القَاضِي جمال الدّين بن شكيل إِلَى أَن تولى السَّادة بَنو طَاهِر على ثغر عدن فأضافوا الْقَضَاء الْأَكْبَر إِلَى القَاضِي أبي حميش سنة ثَمَان وَخمسين وثمانمئة فَكَانَ قد يحصل المضادة بَينهمَا بِبَعْض الحكومات فيتولد من ذَلِك مشاجرة بَينهمَا لكَون قَاضِي الْبَلَد أبي شكيل وَالْقَضَاء الْأَكْبَر لأبي حميش وداما على ذَلِك إِلَى أَن توفّي القَاضِي جمال الدّين أَبُو حميش بِشَهْر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ

стр. 319

وَسِتِّينَ وثمانمئة وَدفن بتربة شَيْخه الْفَقِيه عَليّ أبي عفيف الْحَضْرَمِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بهما وَمن الوافدين إِلَى عدن المتوفين بهَا الْفَقِيه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الضراسي قَرَأَ على وَالِده الْمَذْكُور بِشَيْء من الْعُلُوم ثمَّ بالفرائض على أَخِيه الْفَقِيه جمال الدّين ثمَّ حفظ بهجة الْحَاوِي فقرأها على الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد السعيدي وعَلى القَاضِي جمال الدّين العوادي وعَلى الْفَقِيه شرف الدّين الدمتي وَسمع وَقَرَأَ الحَدِيث النَّبَوِيّ وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ والأمام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَغَيرهم فأجازوا لَهُ فدرس وافتى وَكَانَ لَهُ ذكاء وحدة يستنبط الْمسَائِل ويبنيها على الْأُصُول الصَّحِيحَة بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ مستحضرا للنصوص وَكَانَ السُّلْطَان الظَّاهِر يُحِبهُ لصلاحه ومعرفته وينعم عَلَيْهِ بالعطاء الْكَبِير فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان الظَّاهِر وَولده الْأَشْرَف وتغيرت الْبِلَاد وَرفع أَيدي الْفُقَهَاء من مُعظم الْأَسْبَاب من الْوَقْف سَافر الْفَقِيه شهَاب الدّين الضراسي بأولاده إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ووقف هُنَالك نَحْو سنتَيْن يدرس ويفتي بِالْحرم الشريف ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْيمن وسلطانه حِينَئِذٍ السُّلْطَان المسعود فَلم يحسن إِلَيْهِ فَتقدم إِلَى بلد السيدين عَليّ وعامر ابْني الطَّاهِر فأحسنا إِلَيْهِ ثمَّ أَقَامَ بقرية ضراس وَهِي بَلَده فَلم يصف لَهُ مشرب ثمَّ ارتحل إِلَى ثغر عدن وَكَانَ بهَا السُّلْطَان المسعود فَتوفي الْفَقِيه شهَاب الدّين هُنَالك وقبر بِبَعْض مَقَابِر عدن وَذَلِكَ سنة سِتّ وَخمسين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه بدر الدّين سعيد بن أَحْمد الذبحاني هُوَ إِمَام فَاضل مجود مُجْتَهد بِطَلَب الْعُلُوم يتعاطى الْفَتْوَى وَقد طعن فِي السن وَنَشَأ لَهُ ولد يُسمى مُحَمَّد نجب فأعجب حَتَّى قيل إِنَّه أدْرك من نخب الْعُلُوم مَا لم يُدْرِكهُ أَبوهُ لجودة فهمه وعلو همته وَهُوَ مُنْقَطع فِي طلب الْعلم والتدريس وَله فِيهِ دربة يعجب مِنْهَا السَّامع وَهُوَ

стр. 320

فِي أول عشر الثَّلَاثِينَ وَقد يتَكَلَّم فِي علم الْحَقِيقَة وَلكنه قد يَأْتِي بدعوات من التَّمَكُّن مَا لَا يصادق عَلَيْهِ وهما فِي قيد الْحَيَاة عِنْد جمع هَذَا الْمَجْمُوع وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل الْعَلامَة مُحَمَّد بن مَسْعُود بن سعد بن شكيل كَانَ وَالِده من أهل الشحر فوصل هَذَا القَاضِي جمال الدّين مِنْهَا إِلَى ثغر عدن سنة أَربع وَعشْرين وثمانمئة فَتَلقاهُ القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن أحسن ملقى وأقرأه وأنزله فِي مَسْجده وأمده بالمؤونة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا لتَحْصِيل الْكتب وَغير ذَلِك فَلم يزل يَأْخُذ مِنْهُ الْعلم حَتَّى توفّي القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن وَقد اسْتَفَادَ وبرع فَأفْتى ودرس وَكَانَ ذكيا فطنا لبيبا لَهُ معارف جليلة وإفادات جزيلة فاشتهر بالثغر المحروس بِقِرَاءَة الْفِقْه وَولي الْقَضَاء ثمَّ انْفَصل عَنهُ بِالْقَاضِي أبي حميش على مَا تقدم ذكره وَقد جمع من الْكتب شَيْئا كثيرا وَنسبه يتَّصل إِلَى الإِمَام أبي شكيل مُصَنف شرح الْوَسِيط ثمَّ أُعِيد إِلَيْهِ ولَايَة الْقَضَاء بالثغر بآخر أَيَّام السُّلْطَان المسعود الغساني وَلما صَار الْأَمر بالثغر للسادة بني طَاهِر ألقوه على ولَايَة الْقَضَاء هُنَالك وَقد جمع من الْأَمْوَال شَيْئا كثيرا وَكَانَ محبته عمَارَة الدّور وَالْبيع وَالشِّرَاء مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الِاشْتِغَال بالتدريس وَالْفَتْوَى وَالْأَحْكَام وَكَانَ ذَا جاه عريض ثمَّ امتحن بأمراض مُخْتَلفَة ثمَّ عزل عَن ولَايَة الْقَضَاء وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الإِمَام الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو فضل بن أَحْمد بن فضل الْحَضْرَمِيّ هُوَ إِمَام جليل نَشأ فِي طلب الْعلم وَأخذ عَن القَاضِي
следующие страницы →