← История

История · id 6641

طبقات صلحاء اليمن = تاريخ البريهي

عبد الوهاب البريهي

Полный текст (336 стр.). Показаны 316–336 · переход к 321.

стр. 316

مَعَ سَائِر الْعُلُوم وَاتفقَ فِي زَمَنه الْقَضِيَّة الْمَشْهُورَة فِي أَمر الْيَهُودِيّ مَعَ المقعد الَّذِي اسْتَغَاثَ بقوله يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد وَقد طلب الْمُسلم المقعد من الْيَهُودِيّ أَن يُعينهُ على بعض أُمُوره فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ اترك مُحَمَّدًا ينفعك ويقيمك وَلم يلْتَفت عَلَيْهِ فَسَمعهُ الْمُسلمُونَ يستهزىء بِالنَّبِيِّ ﷺ فَرفعُوا أمره إِلَى القَاضِي جمال الدّين الْمَذْكُور ووصلوا بِهِ إِلَيْهِ وَقد اجْتمع عَلَيْهِ الجم الْغَفِير بِقصد قتل الْيَهُودِيّ فَأَشَارَ إِلَيْهِم القَاضِي وَقَالَ الْحَبْس الْحَبْس فَلم يسمعوا مَا قَالَه القَاضِي بل توهم الْأَكْثَر أَنه قَالَ لَهُم اقْتُلُوهُ لِكَثْرَة اللَّغط فَرمى رجل مصري بِحجر فِي رَأسه حَتَّى طَرحه على الأَرْض فسطا عَلَيْهِ النَّاس يرجمونه بِالْحِجَارَةِ مثل الوابل حَتَّى مَاتَ وَقد كَانَت الْيَهُود بذلت على سَلامَة هَذَا الْيَهُودِيّ ألف مِثْقَال فَلم يقبل مِنْهُم السُّلْطَان ذَلِك فعزل السُّلْطَان القَاضِي بِسَبَب ذَلِك من ولَايَة الْقَضَاء على أَن السُّلْطَان رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَأمره برد القَاضِي على ولَايَته وللقاضي جمال الدّين الْمَذْكُور مصنفات نافعة جليلة مِنْهَا كتاب الْمِفْتَاح على كتاب الْحَاوِي الصَّغِير وَقد اشْتهر وانتشر وَاعْتَمدهُ النَّاس واجتهدوا بتحصيله وتلقوه بِالْقبُولِ وَمِنْهَا كتاب الدّرّ النظيم فِي فضل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَلما رسخ القَاضِي الْمَذْكُور فِي الْعلم ونال الجاه الْكَبِير كَادَت الْأُمُور تطوى لَهُ بالتسخيرات وتتهيأ لَهُ من غير كد وَلَا إزعاج ووهب الله لَهُ الْمحبَّة فِي قُلُوب النَّاس واكتسب الثَّنَاء بحلمه وَكَرمه فَكَانَ حسن الْأَخْلَاق شهي المذاق كثير الْخُشُوع فِي الدُّعَاء وَله فَوَائِد ومناسك وَحَدَائِق وترسلات وَتَعْلِيق بِشَيْء كثير لَا ينْحَصر وَله شعر حسن رائق فِي التغزل وَفِي مدح النَّبِي ﷺ مِمَّا قد أثبت بنصه فِي

стр. 317

الأَصْل توفّي بِشَهْر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمانمئة وقبر بتربة الشَّيْخ جَوْهَر وعمره يَوْمئِذٍ أَربع وَسِتُّونَ سنة ﵀ وَأَخْبرنِي المقرىء شمس الدّين يُوسُف بن يُونُس الجبائي قَالَ كَانَ وَالِد القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن من ذَوي الْأَمْوَال عطارا فَرَأى فِي الْمَنَام أَن النَّاس مجتمعون إِلَى مَكَان وهم كثير وَأَنَّهُمْ عِنْد بِئْر فِيهَا مَاء وَأَن تِلْكَ الْبِئْر الَّتِي فِيهَا المَاء مغطاة بِحجر وَلم يقدر أحد من الْحَاضِرين يرفعهُ من فَم الْبِئْر وَقَالَ صَاحب الرُّؤْيَا فَرفعت ذَلِك الْحجر الَّذِي على فَم الْبِئْر وحدي وَورد النَّاس يستقون من تِلْكَ الْبِئْر وَلَا سَأَلت أحدا من المعبرين عَنْهَا قَالَ وَقد كَانَ حدث لي وَلَدي مُحَمَّد قَالَ فَلَمَّا قَارب الْبلُوغ جَاءَنَا رجل من الصَّالِحين فضيفته وأكرمته وَجئْت بولدي مُحَمَّد إِلَيْهِ وَقلت لَهُ النَّاس مِنْهُ عِنْد أَن رفعت الْحجر عَن الْبِئْر فِي الْمَنَام وسيكون عَالما ينْتَفع بِهِ النَّاس وَمِنْهُم الشَّيْخ الْمُحدث جمال الدّين مُحَمَّد بن حريز بِالْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْيَاء وَالزَّاي المعجمتين نَشأ مُنْفَردا وَكَانَ أَكثر جُلُوسه فِي الْمقَام وَكَانَ لَا يتتبع لكَلَام يبْدَأ بِهِ وَلَا يُقَابل بخطاب يُخَاطب ويخبر عَن المغيبات توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن فِي مجنة البزازين وقبره مَعْرُوف هُنَاكَ يزار ويتبرك بِهِ نفع الله بِهِ وَمن المتوفين بعدن الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ أصل بَلَده حَضرمَوْت قدم إِلَى الْيمن وسافر إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ثمَّ سَافر إِلَى مصر فَقَرَأَ على فقهائها طرفا من الْعُلُوم وأجازوا لَهُ ثمَّ وَفد إِلَى مَدِينَة زبيد فَقَرَأَ على القَاضِي جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ واجتهد بتحصيل الْعُلُوم حَتَّى تأهل

стр. 318

للتدريس وَالْفَتْوَى وَاخْتصرَ شرح الْمِنْهَاج للْأَذْرَعِيّ فَجعله فِي مجلدين ووفد إِلَى مَدِينَة إب ثمَّ إِلَى بلد شنين فَلم يصف لَهُ بهَا مشرب ثمَّ أَقَامَ بالشوافي وَتَوَلَّى الْقَضَاء هُنَالك أَيَّامًا ثمَّ انْتقل إِلَى دمت فَأحْسن إِلَيْهِ السَّادة بَنو طَاهِر وَأقَام مَعَهم مُدَّة ثمَّ أَقَامَ بلحج وَجعل لَهُ بهَا شَيْء من الْأَسْبَاب ثمَّ انْتقل إِلَى عدن فَتوفي بهَا بِشَهْر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بن آمين وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو حميش أصل بَلَده حَضرمَوْت من قَرْيَة يُقَال لَهَا بور وَكَانَ من الصَّالِحين وَفد من بَلَده على طَرِيق الشحر ثمَّ دخل عدن سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة وَنزل حافة البصال عِنْد القَاضِي تَقِيّ الدّين عمر بن مُحَمَّد اليافعي فَقَرَأَ عَلَيْهِ وعَلى الْفَقِيه موفق الدّين عَليّ بن عفيف الْحَضْرَمِيّ القَاضِي حَتَّى انْتفع وأجازوا لَهُ فَأفْتى ودرس وَجمع الْكتب واشتهر بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَلم يخالط النَّاس وَتَوَلَّى الْقَضَاء بالثغر بعد انْفِصَال القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر الحريزي عَنهُ سنة خمس وَأَرْبَعين وثمانمئة فَسَار بهم سيرة مرضية قدر سنتَيْن ثمَّ انْفَصل عَن الْقَضَاء واستقام فِيهِ القَاضِي جمال الدّين بن شكيل إِلَى أَن تولى السَّادة بَنو طَاهِر على ثغر عدن فأضافوا الْقَضَاء الْأَكْبَر إِلَى القَاضِي أبي حميش سنة ثَمَان وَخمسين وثمانمئة فَكَانَ قد يحصل المضادة بَينهمَا بِبَعْض الحكومات فيتولد من ذَلِك مشاجرة بَينهمَا لكَون قَاضِي الْبَلَد أبي شكيل وَالْقَضَاء الْأَكْبَر لأبي حميش وداما على ذَلِك إِلَى أَن توفّي القَاضِي جمال الدّين أَبُو حميش بِشَهْر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ

стр. 319

وَسِتِّينَ وثمانمئة وَدفن بتربة شَيْخه الْفَقِيه عَليّ أبي عفيف الْحَضْرَمِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بهما وَمن الوافدين إِلَى عدن المتوفين بهَا الْفَقِيه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الضراسي قَرَأَ على وَالِده الْمَذْكُور بِشَيْء من الْعُلُوم ثمَّ بالفرائض على أَخِيه الْفَقِيه جمال الدّين ثمَّ حفظ بهجة الْحَاوِي فقرأها على الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد السعيدي وعَلى القَاضِي جمال الدّين العوادي وعَلى الْفَقِيه شرف الدّين الدمتي وَسمع وَقَرَأَ الحَدِيث النَّبَوِيّ وَالتَّفْسِير على الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ والأمام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَغَيرهم فأجازوا لَهُ فدرس وافتى وَكَانَ لَهُ ذكاء وحدة يستنبط الْمسَائِل ويبنيها على الْأُصُول الصَّحِيحَة بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ مستحضرا للنصوص وَكَانَ السُّلْطَان الظَّاهِر يُحِبهُ لصلاحه ومعرفته وينعم عَلَيْهِ بالعطاء الْكَبِير فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان الظَّاهِر وَولده الْأَشْرَف وتغيرت الْبِلَاد وَرفع أَيدي الْفُقَهَاء من مُعظم الْأَسْبَاب من الْوَقْف سَافر الْفَقِيه شهَاب الدّين الضراسي بأولاده إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار قبر النَّبِي ﷺ ووقف هُنَالك نَحْو سنتَيْن يدرس ويفتي بِالْحرم الشريف ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْيمن وسلطانه حِينَئِذٍ السُّلْطَان المسعود فَلم يحسن إِلَيْهِ فَتقدم إِلَى بلد السيدين عَليّ وعامر ابْني الطَّاهِر فأحسنا إِلَيْهِ ثمَّ أَقَامَ بقرية ضراس وَهِي بَلَده فَلم يصف لَهُ مشرب ثمَّ ارتحل إِلَى ثغر عدن وَكَانَ بهَا السُّلْطَان المسعود فَتوفي الْفَقِيه شهَاب الدّين هُنَالك وقبر بِبَعْض مَقَابِر عدن وَذَلِكَ سنة سِتّ وَخمسين وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الْفَقِيه بدر الدّين سعيد بن أَحْمد الذبحاني هُوَ إِمَام فَاضل مجود مُجْتَهد بِطَلَب الْعُلُوم يتعاطى الْفَتْوَى وَقد طعن فِي السن وَنَشَأ لَهُ ولد يُسمى مُحَمَّد نجب فأعجب حَتَّى قيل إِنَّه أدْرك من نخب الْعُلُوم مَا لم يُدْرِكهُ أَبوهُ لجودة فهمه وعلو همته وَهُوَ مُنْقَطع فِي طلب الْعلم والتدريس وَله فِيهِ دربة يعجب مِنْهَا السَّامع وَهُوَ

стр. 320

فِي أول عشر الثَّلَاثِينَ وَقد يتَكَلَّم فِي علم الْحَقِيقَة وَلكنه قد يَأْتِي بدعوات من التَّمَكُّن مَا لَا يصادق عَلَيْهِ وهما فِي قيد الْحَيَاة عِنْد جمع هَذَا الْمَجْمُوع وَمِنْهُم القَاضِي الْأَجَل الْعَلامَة مُحَمَّد بن مَسْعُود بن سعد بن شكيل كَانَ وَالِده من أهل الشحر فوصل هَذَا القَاضِي جمال الدّين مِنْهَا إِلَى ثغر عدن سنة أَربع وَعشْرين وثمانمئة فَتَلقاهُ القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن أحسن ملقى وأقرأه وأنزله فِي مَسْجده وأمده بالمؤونة الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا لتَحْصِيل الْكتب وَغير ذَلِك فَلم يزل يَأْخُذ مِنْهُ الْعلم حَتَّى توفّي القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن وَقد اسْتَفَادَ وبرع فَأفْتى ودرس وَكَانَ ذكيا فطنا لبيبا لَهُ معارف جليلة وإفادات جزيلة فاشتهر بالثغر المحروس بِقِرَاءَة الْفِقْه وَولي الْقَضَاء ثمَّ انْفَصل عَنهُ بِالْقَاضِي أبي حميش على مَا تقدم ذكره وَقد جمع من الْكتب شَيْئا كثيرا وَنسبه يتَّصل إِلَى الإِمَام أبي شكيل مُصَنف شرح الْوَسِيط ثمَّ أُعِيد إِلَيْهِ ولَايَة الْقَضَاء بالثغر بآخر أَيَّام السُّلْطَان المسعود الغساني وَلما صَار الْأَمر بالثغر للسادة بني طَاهِر ألقوه على ولَايَة الْقَضَاء هُنَالك وَقد جمع من الْأَمْوَال شَيْئا كثيرا وَكَانَ محبته عمَارَة الدّور وَالْبيع وَالشِّرَاء مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الِاشْتِغَال بالتدريس وَالْفَتْوَى وَالْأَحْكَام وَكَانَ ذَا جاه عريض ثمَّ امتحن بأمراض مُخْتَلفَة ثمَّ عزل عَن ولَايَة الْقَضَاء وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الإِمَام الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو فضل بن أَحْمد بن فضل الْحَضْرَمِيّ هُوَ إِمَام جليل نَشأ فِي طلب الْعلم وَأخذ عَن القَاضِي

стр. 321

جمال الدّين أبي حميش وَقد حقق الْفَتَاوَى وتصدر للتدريس وَهُوَ مطمئن الجأش على النزاع وسنه قريبَة من الثَّلَاثِينَ حِينَئِذٍ وَقد غلب عَلَيْهِ الْوَرع وشمله القنوع وَهُوَ كثير الذّكر وَالصَّوْم وَالْعِبَادَة شَدِيد الْجهد فِي طلب الإفادة فَقِيها مجودا محققا متثبتا غير نَاظر إِلَى الْوَظَائِف كثير الْخلْوَة والاحتجاب قريب الْجَانِب للطلاب لَا يَنْفَكّ عَن مُرَاجعَة الشُّرُوح وَلَا يتْرك النّظر فِي تدقيق الْمسَائِل وتحبيرها بالاستعداد الْمُعَلق مَعَ نور الْقلب بمشكاة الْفَتْوَى وَقد اعْترض على الغزولي فِي جَوَاب مسَائِل ذكرتها فِي الأَصْل وَلم يزل هَذَا الْفَقِيه أَبُو فضل على الْحَال المرضي آخِذا بدرجات الْمجد إِلَى أَن توفّي بِشَهْر شَوَّال سنة ثَلَاث وتسعمئة رَحمَه الله تَعَالَى وَسَائِر الْمُسلمين آمين وَقد أجمع النَّاس على فضل هذَيْن الْإِمَامَيْنِ أبي فضل وَأبي مخرمَة الْآتِي ذكره وأنهما جمعا الْعلم وَالْعَمَل وأنهما وحيدا عصرهما فِي قطرهما فقد فاقا أهل زمانهما وَلم يكن فِي الْبَلَد من يدانيهما فِي الْفَتْوَى والتدريس وَفعل الْخَيْر مَعَ ملازمتهما للزهد والورع وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ أَبُو مخرمَة قَالَ فِيهِ الشَّيْخ جمال الدّين المغربي هُوَ رجل فَاضل نجيب كيس عذب المذاق حسن الْأَخْلَاق شَدِيد الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة بَرِيء من الأحقاد وَفَسَاد الْفَهم أذا أفتى أَفَادَ فأجاد وَهُوَ مجود فِي الْأَلْفَاظ المفيدة لَهُ فِي كل يَوْم إفادات جَدِيدَة لَا يساوره قرن فِي فنه مُحَقّق فِي الحَدِيث وَالسّنة وَالْفُرُوع وَالْأُصُول وَهُوَ فِي قيد الْحَيَاة من سنة

стр. 322

خمس وَسبعين وَهُوَ يترقى فِي الْعلم دَرَجَة بِدَرَجَة وَالظَّاهِر من حَاله بُلُوغ النِّهَايَة وَمن أهل عدن الشَّيْخ الْفَاضِل جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المغربي الأندلسي الشهير بالشماع هَذَا الشَّيْخ لَهُ الباع الأطول المديد وَالثنَاء الَّذِي لَا فَوْقه مزِيد والمعرفة الَّتِي يشْهد لَهَا الْقَرِيب والبعيد وَذَلِكَ بفن الْأَدَب والرسائل وَكِتَابَة الْإِنْشَاء والمسائل سهل الْأَلْفَاظ عذب الْكَلَام أوحد البلغاء وَأشهر الفصحاء أخبر أَنه وَفد جده تَاجِرًا فسكن مَدِينَة عدن أَيَّامًا ثمَّ سَافر إِلَى المليبار فَتوفي هُنَالك وَبَقِي وَلَده إِبْرَاهِيم بعدن مجالسا للْعُلَمَاء وَكَانَ يجمع الْكتب ويحضر عِنْد حفاظ الحَدِيث فَنَشَأَ لَهُ هَذَا الشَّيْخ جمال الدّين فَتخرج بِجَمِيعِ الْعُلُوم على الإِمَام جمال الدّين أَحْمد بن عمر بن خَالِد خطيب الثغر المحروس وَقَرَأَ على غَيره كَالْإِمَامِ جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن فغلب عَلَيْهِ علم الْأَدَب وَهُوَ مَعَ ذَلِك يشْتَغل الشمع وَيتَعَلَّق بِالْبيعِ وَالشِّرَاء لَا يقطعهُ ذَلِك عَن الِاشْتِغَال بفن الْأَدَب وَجمع كتابا يحتوي على فُصُول فِيمَا يَحْتَاجهُ الْإِنْسَان من العقائد الدِّينِيَّة وَالْقَوَاعِد الإسلامية وَفِي أدعية وعزائم مجربة مَشْهُورَة وَفِي أَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ ومواعظ من أَقْوَال الْعلمَاء والحكماء وَفِي حكايات وأخبار عَن السّلف وَفِي أشعار ومكاتبات ورسائل وَغير ذَلِك وَله شعر جمعه فِي ديوَان فِي مدح النَّبِي ﷺ ومكاتبات وأشعار بَينه وَبَين أقرانه من أهل الْأَدَب وَذكرت بعض ذَلِك فِي الأَصْل وَقد حدث على هَذَا الْفَقِيه جمال الدّين مرض الفالج فَصَارَ كالمقعد فِي بَيته وخالط عقله بعض خلل فِيهِ وَكتب هَذَا الْمَجْمُوع وَهُوَ فِي قيد الْحَيَاة على الْحَال الْمَذْكُور

стр. 323

القَوْل فِي ذكر من تحققت حَاله من الوافدين إِلَى الْيمن من الْعلمَاء والفضلاء من أقطار شَتَّى وَلم تكن وَفَاته فِيهِ فَمنهمْ سيدنَا الشريف الحسيب النسيب الطَّاهِر الأرومة الطّيب الخؤولة والعمومة شمس الدّين عَليّ بن الشريف ركن الدّين مَحْمُود الْمُتَّصِل نسبه بالشريف محيي الدّين عبد الْقَادِر الجيلاني الثَّابِت النّسَب إِلَى سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَفد إِلَى الْيمن سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسبعمئة فَدخل المدن الْكِبَار ومدينة إب واختبر فَوجدَ لَهُ الباع الأطول فِي عُلُوم الْمُعَامَلَة بِمَا يشْهد أَنه قطب الْوُجُود وبركة كل مَوْجُود عَلَيْهِ سِيمَا الصَّالِحين فقصد من أقْصَى نواحي الْيمن للزيارة وَطلب الإفادة وألبس جمَاعَة من الأكابر الْخِرْقَة الَّتِي يستعملها الصُّوفِيَّة على قواعدهم الْمَعْرُوفَة وَجعل لذَلِك سندا ذكرته فِي الأَصْل وَكَانَ وقُوف هَذَا السَّيِّد الشريف الْعَالم بِمَدِينَة إب نَحْو شهر مكرما ثمَّ سَافر مِنْهَا والقلوب مَعَه نفع الله بِهِ وَأعَاد على الكافة من بركته وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة عُمْدَة الْمُحدثين وقدوة الْمُحَقِّقين حَافظ الْعَصْر ونادرة الدَّهْر شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي الْكِنَانِي الشَّافِعِي برع بِجَمِيعِ الْعُلُوم وشفى الصُّدُور من الكلوم قد تقدم شَهَادَة الشَّيْخ مجد الدّين وَغَيره لَهُ بالتقدم على أقرانه وَذَلِكَ مِمَّا لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان مَعَ شهرته الَّتِي قَامَت مقَام العيان فَلَمَّا وَفد هَذَا الإِمَام صُحْبَة أَمِين الدّين مُفْلِح بن عبد الله تَاجر السُّلْطَان النَّاصِر فِي أول

стр. 324

المئة التَّاسِعَة اجْتمع إِلَيْهِ جمَاعَة من فُقَهَاء الْيمن فأفادهم واستفاد مِنْهُم وَقد تقدم ذكر بعض ذَلِك وَمَا اتّفق من الشّعْر والأحجيات بَينه وَبَين القَاضِي شرف الدّين إِسْمَاعِيل المقرىء والأديب الجحافي وَغَيرهمَا وَقد كَانَ صنف كتبا مفيدة مِنْهَا بُلُوغ المرام فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام والمئة العوالي والمعجم فِي رجال الحَدِيث ثمَّ رَحل من الْيمن إِلَى مصر فصنف فِيهَا التصانيف الْكَثِيرَة مِنْهَا شرح البُخَارِيّ وَلم يكمله بل اخترمته الْمنية بِمصْر وَقد كَانَ تولى فِيهَا الْقَضَاء الْأَكْبَر وأفضت إِلَيْهِ الرياسة بِجَمِيعِ الْعُلُوم وَله شعر رائق مِنْهُ القصيدة فِي مدح النَّبِي ﷺ وَقد أثبتها فِي الأَصْل الَّتِي أَولهَا (إِن كنت تنكر شوقا زادني كلفا ... حسبي الَّذِي قد جرى من مدمعي وَكفى) وَمِنْهُم السَّيِّد الشريف شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الحسني القادري كَانَ إِمَامًا مُحدثا فَقِيها قَرَأَ على جمَاعَة من الشُّيُوخ الأكابر بِمصْر وَالشَّام وَمَكَّة وَغَيرهَا وأجازوا لَهُ ثمَّ دخل الْيمن بعد سنة عشر وثمانمئة فَاجْتمع بالأكابر وَأفَاد واستفاد وَكَانَ لَهُ شعر حسن من ذَلِك مَا قَالَه فِي مدح الْقَامُوس (ايا طَالبا لكَلَام الْعَرَب ... ومبتغيا فِيهِ نيل الأرب) (عَلَيْك بِهَذَا الْكتاب الَّذِي ... ترقى من الْفضل أَعلَى الرتب) (وَلَو أنصفوه إِذا نمقوه ... لما خطّ إِلَّا بِمَاء الذَّهَب) وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث الرحالة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن صديق بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي عرف وَالِده بالرسام وَفد إِلَى الْيمن سنة خمس وثمانمئة فَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من الْعلمَاء صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ وَغَيره من كتب الحَدِيث وَمن مشايخه الشَّيْخ المعمر الرحالة مُلْحق الأحفاد بالأجداد شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس

стр. 325

أَحْمد بن أبي طَالب بن أبي النعم الحجار الصَّالِحِي عرف بِابْن الشّحْنَة وَقد أجمع كل من رَآهُ على غزارة علمه بتحقيق علم الحَدِيث النَّبَوِيّ وعلو سَنَده وشدت إِلَيْهِ الرّحال من أَمَاكِن شَتَّى فأفادهم غرر الْفَوَائِد واشتهر غَايَة الشُّهْرَة وَكَانَ باذلا نَفسه للطلبة ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة المشرفة وَلم أتحقق مَكَان وَلَا مَتى توفّي ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة الْمُفَسّر الْمُحدث الرّحال شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر الْأنْصَارِيّ الشاذلي الْمَشْهُور بالشاب التائب وَفد إِلَى الْيمن وَوعظ وَفسّر الْقُرْآن الْعَظِيم بِجَامِع الأشاعر بِمَدِينَة زبيد وَصَحب السَّادة الأكابر من الصُّوفِيَّة كالشيخ شمس الدّين عَليّ الْقرشِي وَالشَّيْخ أَحْمد الرداد وأكرمه السُّلْطَان وأضاف إِلَيْهِ الخطابة بِجَامِع زبيد فجلا صدأ الصُّدُور بوعظه وأزال درن الْقُلُوب بجواهر لَفظه وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة وَبَقِي يتنقل فِي مدن الْيمن من مَدِينَة إِلَى مَدِينَة وَاتفقَ لَهُ مَعَ فُقَهَاء مَدِينَة زبيد وفقهاء مَدِينَة تعز خوض وَبحث فِي مسَائِل يطول ذكر مَا اتّفق فِيهَا وَلما دخل مَدِينَة إب سنة عشر وثمانمئة وعظ فِيهَا وَفسّر قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ الْآيَة من بعد صَلَاة الْجُمُعَة إِلَى أَذَان الْعَصْر عَن ظهر قلب بِكَلَام حير فِيهِ الْأَلْبَاب وابدى فِيهِ الْعجب العجاب أحلى من الشهد وأشهى من الْعَافِيَة شوق فِيهِ النُّفُوس إِلَى الْجِهَاد بِمَا أورد فِيهِ من الْآيَات الشَّرِيفَة وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وأقوال الْعلمَاء من الْعباد وَالْعُلَمَاء والزهاد وأرباب الْقُلُوب ثمَّ ارتحل من مَدِينَة إب إِلَى المخا وَأقَام عِنْد الشَّيْخ الْوَلِيّ شمس الدّين الْقرشِي أَيَّامًا وَأثْنى عَلَيْهِ ومدحه نظما ونثرا ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة المشرفة فَأَقَامَ بِالْحرم الْمَكِّيّ الشريف يعظ ويفسر ويفيد فعكف عَلَيْهِ طلبة الْعلم الشريف هُنَالك فازداد شهرة وَعظم قدره وأخبرت أَنه ارتحل مِنْهَا إِلَى مصر وَأقَام بهَا فرزق الحظوة عِنْد أَهلهَا وَاجْتمعَ مَعَه مَال

стр. 326

جزيل فعمر بِهِ رِبَاطًا بِمصْر ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى دمشق فأعمر بهَا رِبَاطًا أَيْضا وَهُوَ مَعَ ذَلِك جَامع بَين طريقي الشَّرِيعَة والحقيقة وَأَنه توفّي بِدِمَشْق بعد سنة عشْرين وثمانمئة وَأما أشعاره فَهِيَ كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا فِي الأَصْل جملَة مِمَّا يتَعَلَّق بالغزل ومدح السَّادة الصُّوفِيَّة وألغاز تدل على فَضله ﵀ ونفع بِهِ وَرَأى لَهُ بعض الْفُضَلَاء مناما عجيبا وَأخْبرهُ بِهِ فَأتى بقصيدة طَوِيلَة فِيهَا مدح النَّبِي ﷺ وَهِي مخمسة مَذْكُورَة فِي الأَصْل أَيْضا وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْفَتْح بن الشَّيْخ زين الدّين المراغي الْمدنِي وَفد إِلَى الْيمن بعد سنة عشر وثمانمئة بأيام السُّلْطَان النَّاصِر فَأحْسن إِلَيْهِ وقلده بِمَا يحِق لَهُ فوصل إِلَيْهِ الطّلبَة للْعلم الشريف وقرؤوا عَلَيْهِ وَأخْبرهمْ بمشايخه وَأَن مِنْهُم ابْن حجر وَصَالح البُلْقِينِيّ وَإنَّهُ صنف شرحا للمنهاج سَمَّاهُ المشرع الروي فِي شرح منهاج النَّوَوِيّ فِي أَرْبَعَة مجلدات وَكَانَت إِقَامَته بِمَدِينَة زبيد ثمَّ مَدِينَة تعز فَوقف بهما أَيَّامًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده ثمَّ استوطن مَكَّة المشرفة وَبهَا كَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة شمس الدّين عَليّ بن إلْيَاس الْحَمَوِيّ وَفد إِلَى الْيمن سنة سبع وَتِسْعين وسبعمئة وَكَانَ لَهُ الباع الأطول فِي الْعُلُوم كلهَا وَغلب عَلَيْهِ معرفَة فن الْأَدَب حَتَّى كَانَ ينشىء الرسائل والمناشير وَالنّظم ارتجالا ويسردها من غير تلعثم ويكتبها كَمَا يكْتب غَيره النثر سَرِيعا واشتهر غَايَة الشُّهْرَة فأقامه سُلْطَان الْوَقْت بِأَسْبَاب كَثِيرَة مِنْهَا الْمدرسَة المعتبية وَمِنْهَا خطابة الْجَامِع بِذِي عدينة وَكَانَ واعظا ترق الأفئدة لوعظه وتسكب الدُّمُوع من حسن لَفظه وَكَانَ قد ينشىء الْخطْبَة ارتجالا فَوق

стр. 327

الْمِنْبَر وَلَقَد أَخْبرنِي بعض الثِّقَات أَن هَذَا الإِمَام كَانَ من الْعلمَاء العاملين وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قل من جمع الْعُلُوم مَا جمعه وَأَنه انْتفع عَلَيْهِ جمَاعَة من طلبة الْعلم الشريف ثمَّ ارتحل من الْيمن وَانْقطع خَبره وَلم أعلم مَكَان وَفَاته وَدَفنه رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم القَاضِي الْعَلامَة أحد الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين والبلغاء المجودين عز الدّين عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن أَحْمد النويري الْقرشِي الْمَكِّيّ كَانَ هَذَا الإِمَام من أجل الْعلمَاء الْأَعْلَام وَمن أكَابِر فُقَهَاء الْإِسْلَام مُحدثا أصوليا نحويا مجودا لجَمِيع فنون الْعلم وَفد إِلَى الْيمن بأوائل المئة التَّاسِعَة فَأحْسن إِلَيْهِ سُلْطَان الْوَقْت وَهُوَ النَّاصِر وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب بِمَدِينَة تعز إِحْدَى دور المضيف والمدرسة المظفرية وَغير ذَلِك فدرس وَأفْتى وَقَرَأَ عِنْده صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ وَحضر الْقِرَاءَة عِنْده جماعات كَثِيرُونَ من فُقَهَاء الْبَلَد وَغَيرهم ثمَّ ولاه السُّلْطَان الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز فَسَار فِي النَّاس على مُقْتَضى عَادَة بَلَده فِي الْجد فِي الْأُمُور والشدة فِي الْأَحْكَام والغلظة فِي الْكَلَام فشق ذَلِك على كثير من النَّاس فشكوا إِلَى السُّلْطَان وشنعوا عَلَيْهِ فَعَزله السُّلْطَان عَن الْقَضَاء وَبعد ذَلِك سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة بعد سنة خمس عشرَة وثمانمئة وَلم يعلم مَا صَار إِلَيْهِ حَاله بعد ذَلِك وَمِنْهُم القَاضِي الإِمَام الْعَلامَة بدر الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر المَخْزُومِي الدماميني الإسْكَنْدراني الْمَالِكِي هُوَ من الْأَئِمَّة البلغاء والسادة الْفُضَلَاء متبحرا فِي علم الْأَدَب لَهُ فِيهِ مصنفات مِنْهَا كتاب المثني على كتاب الْمُغنِي فِي النَّحْو وَكَانَ لَهُ فِي الشّعْر الْيَد الطُّولى وَفد إِلَى الْيمن سنة ثَمَانِي عشرَة وثمانمئة فَأكْرمه السُّلْطَان النَّاصِر وقابله بِمَا يُقَابل بِهِ مثله وَاجْتمعَ بالأئمة من فُقَهَاء زبيد وَكتب إِلَى

стр. 328

الإِمَام شرف الدّين المقرىء يمدحه نظما ونثرا بِكَلَام بليغ ذكرته فِي الأَصْل فَأجَاب عَلَيْهِ الإِمَام شرف الدّين بأبلغ من ذَلِك بِمَا مدحه فِيهِ وَاتفقَ بَينهمَا لَهُ أحجيات ومطارحات يطول ذكرهَا وَللْإِمَام الدماميني شعر فِي زبيد مِنْهَا (قَالَت وَقد فتحت جفونا نعسا ... ترمي الورى فِي الْجور بِالْأَحْكَامِ) (احذر هلاكك فِي زبيد فإنني ... لِذَوي الغرام فتحت بَاب سِهَام) وَله فِي مدح النَّبِي ﷺ قصيدة طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل أَولهَا (أَنا رَاض بنظرة من بعيد ... فاجبروا سادتي وَلَاء العبيد) وَمِنْهُم الأديب البارع جمال الدّين شعْبَان بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ الْقرشِي كَانَ لَهُ الباع الأطول فِي فن الْأَدَب وقريحة مطاوعة فِي الشّعْر وَمَعْرِفَة فنون الْعَرَبيَّة وَفد إِلَى أَرض الْيمن فِي سنة أَربع وثمانمئة وامتدح السُّلْطَان بغرر من القصائد فَأحْسن إِلَيْهِ فَأَقَامَ فِي الْيمن مُدَّة وَرُوِيَ عَنهُ البديعية الْمَشْهُورَة الَّتِي عَارض فِيهَا الصفي الْحلِيّ فِي بديعيته وَأحسن فِيهَا بمدح النَّبِي ﷺ قَالَ فِيهَا الإِمَام شمس الدّين مُحَمَّد المراكشي الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله (وروضة للزين شعْبَان قد ... أربت على زهر رياض الرّبيع) (لَو لم تفق نسج الحريري لما ... حاكت بِحسن النّظم رقم الرّبيع) وللأديب شعْبَان من الْمَدْح والهجو والتهاني والمراثي والوعظ شَيْء كثير من ذَلِك قَوْله (رب هَب لي من زبيد ... حسن منجى وذماما) (إِنَّهَا يَا رب ساءت ... مُسْتَقرًّا ومقاما)

стр. 329

فناقضه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْعلوِي فَقَالَ (رب هَب لي من زبيد ... طيب عَيْش ومقاما) (إِنَّهَا يَا رب طابت ... مُسْتَقرًّا ومقاما) (لَا يَرَاهَا أَرض سوء ... غير شخص قد تعامى) (أَو لئيم ذُو افتقار ... يَوْمه قد صَار عَاما) وَله تخميس الْبردَة جود فِيهِ وَله فِي الْمعَارض مَا يشْهد لَهُ بالبلاغة وَله كتاب فِي علم الْخط سَمَّاهُ هِلَال شعْبَان يتَضَمَّن وضع الأحرف ورسمها على طرق الْمَشَايِخ المعتبرين فِي هَذَا الْفَنّ وَهُوَ مُفِيد فِي بَابه ثمَّ إِنَّه سَافر إِلَى مَكَّة وَانْقطع خَبره وَلم نعلم أَيْن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة الرّحال الْحَافِظ شمس الدّين مُحَمَّد بن مُوسَى المراكشي الْمَالِكِي قَرَأَ على الشُّيُوخ الْكِبَار فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَسَائِر الْعُلُوم فَمن شُيُوخه الشَّيْخ عبد الرَّحِيم الْعِرَاقِيّ صَاحب الألفية فِي الحَدِيث والتصانيف المفيدة وَكَانَ هُوَ وَالْإِمَام أَبُو زرْعَة ولد الشَّيْخ عبد الرَّحِيم مُصَنف التَّحْرِير وَشرح الْمَنْظُومَة كفرسي رهان فِي الِاجْتِمَاع على نقل الْفَوَائِد وَالْملح والعوائد وَكَانَ لَدَيْهِ من المعارف وفرائد اللطائف وغرائب الْفَوَائِد مَا يدل على ارْتِفَاع قدره وَظُهُور بدره سمع عَلَيْهِ الحَدِيث فِي بلدان كَثِيرَة وَله شعر جيد فِي الْغَزل وَغَيره ذكرت بعضه فِي الأَصْل وَكَانَ دُخُوله الْيمن سنة ثَلَاث عشرَة وثمانمئة وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام المقرىء الْمُحدث شمس الدّين أَبُو الْخَيْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن

стр. 330

يُوسُف الْجَزرِي أصل بَلَده شيراز من أقليم فَارس ثمَّ نزل دمشق ثمَّ الْقَاهِرَة وَطَاف الْبلدَانِ شرقا وغربا وَرَأى الْعَجَائِب سفرا وحضرا وَدخل مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وبلاد الرّوم والغرب وَالشَّام وبلاد فَارس ويزد وكازرون وَالْبَصْرَة وفيروزباد واليمن ووفد على الْمُلُوك ورزق الحظوة وعلو الْمنزل وَلَيْسَ ذَلِك على الْعلمَاء بِكَثِير أدْرك الشَّيْخ شمس الدّين الْأَئِمَّة الْكِبَار كالأسنوي والأذرعي وَعبد الْوَهَّاب السُّبْكِيّ وعماد الدّين بن كثير وَأخْبر أَن مشايخه فِي الْعُلُوم نَحْو ثلاثمئة شيخ وصنف الْكتب النافعة مِنْهَا كتاب النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر وَهُوَ لَهُ شَاهد صدق ببراعته بفن الْقرَاءَات حَتَّى قيل إِنَّه لم يكن فِي الدُّنْيَا أعرف مِنْهُ فِي كتاب الله وَمن تصنيفه الْمُخْتَار فِي الْفِقْه والحصن الْحصين وعدته وجنته فِي الحَدِيث وَله غير ذَلِك من المصنفات وَكَانَ دُخُوله الْيمن سنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة وسلطانه حِينَئِذٍ الْمَنْصُور بن النَّاصِر فَأحْسن إِلَيْهِ إحسانا كَبِيرا وَنزل الرّبع الْأَعْلَى بزبيد وأقرأ طلبة الْعلم الشريف فِي مَسْجِد يعرف بِمَسْجِد الماشطة وَحضر الْقِرَاءَة خلائق كَثِيرَة وأسمع الحَدِيث النَّبَوِيّ بِمَسْجِد الأشاعر وَكَانَ الإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء يحضر ذَلِك وَيكون بَينهمَا من المطارحات والسؤالات أَشْيَاء حَسَنَة فَمن

стр. 331

ذَلِك وَهُوَ من بديع الْكَلَام مَا أنشأه الإِمَام الْجَزرِي فِي الْفَقِيه شرف الدّين يمدحه شعرًا (أشتاق للبيت الْعَتِيق وزمزم ... ومقامه والركن والتقبيل) (والآن بالشرف الْعلي لي الهنا ... لما خصصت بِحجر إِسْمَاعِيل) فَأَجَابَهُ القَاضِي شرف الدّين (وَمَا حجر إِسْمَاعِيل لَوْلَا مُحَمَّد ... تَدَارُكه حجرا معدا لذِي حجر) (وَلَا غرو إِن آخاه والعرق وَاحِد ... أَلَسْت ترى كلا يُقَال لَهُ الْمقري) (خلفت رَسُول الله أَنْت مُحَمَّد ... وَأَنت ابْنه وَابْن ابْنه طيب الذّكر) (بحور عُلُوم أغرق الْبَحْر مدها ... فكفكفته بالجزر خوفًا على الْبر) (فَمن أجل هَذَا الْبر بِالْبرِّ خَيرهمْ ... مُحَمَّد وَهُوَ الْبَحْر يعرف بالجزر) ثمَّ إِن هَذَا الإِمَام الْجَزرِي انْتقل من مَدِينَة زبيد إِلَى مَدِينَة تعز فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا اجْتمع عِنْده فُقَهَاء الْبَلَد وعلماؤها وقرؤوا عَلَيْهِ وَاجْتمعَ بمجلسه من نسخ الْحصن الْحصين من مصنفاته نَحْو مئة وَخمسين نُسْخَة فانشرح صَدره وَحمد الله تَعَالَى على ذَلِك وقرىء عَلَيْهِ صَحِيح الإِمَام مُسلم بن حجاج وَكتابه النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر وَبَعض كتاب البُخَارِيّ وكتبا غير ذَلِك فِي الحَدِيث وأنشدهم لنَفسِهِ فِي مدح الإِمَام البُخَارِيّ بَيْتَيْنِ هما (وَفِي عليا بُخَارى لي مغان ... لَهَا أصبوا إِلَى تِلْكَ الديار) (أعفر فِي ثراها الْوَجْه عَليّ ... أصادف موضعا وطي البُخَارِيّ) وَله شعر كثير ذكرت بعضه فِي الأَصْل ثمَّ ارتحل إِلَى بَلْدَة شيراز فَتوفي بهَا سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَله فَوَائِد وفضائل ومناقب يضيق هَذَا الْمَجْمُوع عَن تَحْقِيق

стр. 332

ذَلِك رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث الْحَافِظ الرّحال وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عَليّ العدناني البرشكي الْمَالِكِي هُوَ شيخ الْإِسْلَام وأوحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام صدر الْفُقَهَاء والمحدثين وَأجل الْعلمَاء المصنفين وَفد إِلَى الْيمن هُوَ وَالْإِمَام الْجَزرِي بِسنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة فَأَقَامَ بِمَدِينَة زبيد مُدَّة وَأَجَازَ لأَهْلهَا ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة تعز فَاجْتمع عِنْده جمَاعَة من أَهلهَا وقرؤوا عَلَيْهِ موطأ الإِمَام مَالك بن أنس فَرَأَوْا لَدَيْهِ من الْفَوَائِد مَا يجل عَن الإحصاء وَحَضَرت ختم الْقِرَاءَة عِنْده بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الجديدة فَاجْتمع خلق كثير ضَاقَتْ الْمدرسَة عَنْهُم فَأجَاز لكافة الْحَاضِرين وَأَجَازَ لي مَعَهم وَكتب خطه معربا وَحضر الشَّيْخ الْجَزرِي وكافة عُلَمَاء مَدِينَة تعز وَغَيرهم مجْلِس الْخَتْم فَقَرَأَ لَهُم الشَّيْخ وجيه الدّين مُسْنده بِلَفْظِهِ إِلَى الإِمَام مَالك وعد شُيُوخه أَرْبَعَة عشر شَيخا ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين لَهُم الْأَسَانِيد الْعَالِيَة وَلَا أعلم على وَجه الأَرْض أَعلَى من سندي بِكِتَاب الْمُوَطَّأ فبيني وَبَين الإِمَام مَالك بن أنس عشرَة شُيُوخ ثمَّ قَالَ ولي شُيُوخ كَثِيرَة غَيرهم أسانيدهم قَاعِدَة عَن هَذِه الرُّتْبَة فَلم أذكرهم وَكَانَ ﵀ جَامعا لمعظم فنون الْعلم وَله صُورَة جميلَة يكَاد وَجهه يضيء قد كَسَاه الله نورا وجمله بلحية كثة وَحسن خلقَة قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت ببلدي تونس بالمغرب ورحلت إِلَى أَمَاكِن كَثِيرَة لطلب الاستفادة والإفادة مِنْهَا مَكَّة ومصر وَالشَّام وَالْمَدينَة والإسكندرية وميا فارقين وَغَيرهَا وَله مُصَنف سَمَّاهُ المكافحة فِي أَحْكَام المصافحة وَله شعر حسن فِي الْوَعْظ وَغَيره فَمن جَوَابه لما وصل إِلَيْهِ بعض أصدقائه يسْتَأْذن فِي الدُّخُول عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا فَأذن لَهُ بعد أَن قَالَ فِي طلب الاسْتِئْذَان بَيْتَيْنِ هما (أَتَى يخبط الظلما وَاللَّيْل عاكف ... حبيب بأوقات الزِّيَارَة عَارِف)

стр. 333

(فَمَا راعني إِلَّا لذيذ خطابه ... أَيَدْخُلُ مَحْبُوب على الْبَاب وَاقِف) فَأَجَابَهُ الشَّيْخ بدر الدّين البرشكي بداهة بِمَا مِثَاله (فَقلت نعم إِنِّي للقياك شيق ... وَإِنِّي من الوجد المبرح تَالِف) (تفضلت تسْعَى نَحْو عبد ملكته ... وتطلب أذنا إِن هَذَا يُخَالف) ثمَّ ارتحل من بعده الْقُلُوب مَعَه رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين وَمِنْهُم القَاضِي الْعَلامَة الرّحال الْحَافِظ شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الحسني الْمَالِكِي الفاسي الْمُتَّصِل نسبه بسيدنا رَسُول الله ﷺ كَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث محققا مشاركا بِجَمِيعِ الْعُلُوم مجمعا على جَلَاله وأضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء الْأَكْبَر على الْمَالِكِيَّة فِي مَكَّة المشرفة وَهِي بَلَده ومسكنه وَكَانَ سنيا وَكَانَت عَادَته الْأَسْفَار إِلَى مصر وَالشَّام ثمَّ وَفد إِلَى الْيمن لضرورات لَزِمته فقابله مُلُوكهَا وكبراؤها بِمَا يُقَابل بِهِ مثله وطلبوا مِنْهُ صَالح دعواته وعلو أجازته والفوائد الَّتِي التقطها من صَرِيح الحَدِيث وَمَفْهُومه فأسعفهم إِلَى ذَلِك وَألف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا تَارِيخ مَكَّة المشرفة سَمَّاهُ مُخْتَصر المرام فِي تَارِيخ الْبَيْت الْحَرَام وتاريخ أهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَمِنْهَا ثلاثيات البُخَارِيّ على غير المتوالي الَّذِي تصرف فِيمَا قَرَأَهَا على مشايخه وَله كَلَام على جمَاعَة من رجال الحَدِيث ثمَّ امتحن بذهاب بَصَره فِي آخر عمره فَكَانَ يملي الْفَوَائِد من حفظه وتكتب عَنهُ وَفد إِلَى مَدِينَة تعز ثمَّ إِلَى مَدِينَة إب سنة أَربع وَعشْرين وثمانمئة وَقد ذهب بَصَره فَأجَاز لجَماعَة من أَهلهَا وَسَأَلَهُ بعض حاضري مَجْلِسه مَا سَبَب وُصُوله إِلَيْهِم فَأَنْشد قَول الأول (تقر الرِّجَال الموسرون بأرضهم ... وَتَرْمِي النَّوَى بالمقترين المراميا) (وَمَا تركُوا أوطانهم عَن ملالة ... وَلَكِن حذارا من شمات الأعاديا)

стр. 334

فَعرف مُرَاده من معنى أبياته وَقد أثنى الْعلمَاء على هَذَا الشَّيْخ ومدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء وَالْعُلَمَاء مِنْهُم القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النحواني قَالَ فِيهِ ارتجالا (لما اجْتمعت بحاوي الْفضل سيدنَا ... مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَشْهُور بالفاسي) (رَأَيْت بحرا وَفِيه الموج ملتطم ... من فيض علم بقلب أَصله راسي) (وَقلت فِي شَأْنه هَذَا يحِق بِأَن ... نمشي إِلَيْهِ وَلَو سعيا على الراس) ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة المشرفة وَلم يزل يتَرَدَّد مِنْهَا إِلَى الْيمن مرَارًا حَتَّى وَفد مَعَ الشَّيْخ الْجَزرِي بِسنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة فَأحْسن إِلَيْهِ سُلْطَان الْيمن ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة المشرفة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي بِسنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة ﵀ ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة إِمَام الدّين عبد الله الشيفكي ثمَّ الشِّيرَازِيّ وَفد إِلَى عدن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثمانمئة فَكتب القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن قَاضِي عدن إِلَى مُتَوَلِّي الْقَضَاء الْأَكْبَر وَهُوَ القَاضِي جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ بِأَن هَذَا الشَّيْخ وصل وَمَعَهُ نَحْو أَرْبَعِينَ طَالبا للْعلم هم درسته وَأَنه هُوَ ودرسته قاصدون الْحَج إِلَى مَكَّة المشرفة هُوَ وَأَصْحَابه فَكتب القَاضِي جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ إِلَى السُّلْطَان الظَّاهِر بِمَا كتب بِهِ القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد فَقَالَ السُّلْطَان هَل يجوز أَن يُسمى بعض الْعلمَاء بوقتنا إِمَام الدّين فَقَالَ القَاضِي جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ نعم يجوز إِذا كَانَ أَهلا لذَلِك وَقَالَ الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن قحر لَا يجوز ذَلِك بوقتنا وَإِن حُكيَ أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ سمي بذلك فَإِن الإِمَام الرَّافِعِيّ إِمَام مُطلق مُجْتَهد جَامع للمنقول والمعقول لَا سَبِيل لأحد من أهل الْوَقْت أَن يبلغ دَرَجَته والجوابان متفقان فِي الْمَعْنى ثمَّ رَحل هَذَا الشَّيْخ من الْيمن إِلَى مَكَّة المشرفة وَتُوفِّي بعد سنة خمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة المتقن شمس الدّين عَليّ بن يُوسُف الغزولي نسب إِلَى

стр. 335

غزل الْكَتَّان أخبر أَنه قَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح صَلَاح الدّين البُلْقِينِيّ وَالشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن جلال الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن السكساكي الفراهي بِجَمِيعِ فنون الْعلم فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَطَاف الْبلدَانِ مصر وَالشَّام واليمن وَغَيرهَا وبرع بالعلوم وصنف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا شرف العنوان جعله على منوال عنوان الشّرف الَّذِي للْقَاضِي إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء فضمن الشَّيْخ الغزولي كِتَابه خَمْسَة عُلُوم مِنْهَا مَا يقْرَأ من أول السطر فأوله القصيدة الياسمينية فِي علم الْجَبْر والمقابلة وَالَّذِي يَلِيهِ فِي علم النَّحْو وَالَّذِي يَلِيهِ فِي علم الْعرُوض وصنف فِي الْأُصُول جُزْءا لطيفا على جمع الْجَوَامِع وَله مصنفات غير ذَلِك وَفد إِلَى مَدِينَة تعز فدرس بهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى ثغر عدن فَأَقَامَ بهَا يدرس ويفتي ثمَّ انْتقل إِلَى الْهِنْد فَأكْرمه سلطانها وجلله فنشر علمه بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توفّي بهَا سنة خمس وَسِتِّينَ وثمانمئة وَكَانَ لَهُ ﵀ شعر حسن مِنْهُ فِي الْحَث على الِاجْتِهَاد فِي الْعلم (أخي هلا إِن كنت ذَا همة ... تجافي النّوم وتهوى الْكرَى) (وتبذل الْأَوْقَات فِي صَفْقَة ... تربح فِيهَا عزك الأكبرا) وَمِنْهُم الْفَقِيه برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن كريم الدّين بن عبد الْكَرِيم الْعَسْقَلَانِي الْحَنَفِيّ الْوَاعِظ الْقُدسِي أخبر أَنه نَشأ بالقدس فَقَرَأَ على وَالِده بِشَيْء من الْعُلُوم ثمَّ ارتحل إِلَى مصر فَقَرَأَ على الإِمَام ابْن حجر فِي الحَدِيث وعَلى غَيره فأجازوا لَهُ ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة المشرفة فَأَقَامَ بهَا وبجدة سبع سِنِين وَغلب عَلَيْهِ علم التصوف واشتهر بِحسن الْوَعْظ وَله مُصَنف فِي فضل الْأُخوة فِي الله تَعَالَى وَفِي آدابها وَفِي فضل الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وكراماته وَفد إِلَى مَدِينَة زبيد بِشَهْر شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثمانمئة فوعظ بجامعها ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز فوعظ بِجَامِع ذِي عدينة وَحَضَرت وعظه فَوَجَدته حَافِظًا لافظا يَأْتِي بالأحاديث النَّبَوِيَّة والْآثَار عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمفسرين والحكايات عَن الصَّالِحين عَن ظهر الْغَيْب مَا لَا يَسْتَطِيع لَهُ غَيره فَأَقَامَ بِمَدِينَة تعز أَيَّامًا ثمَّ رَحل إِلَى ذِي جبلة ثمَّ إِلَى عدن ثمَّ عَاد إِلَى مَدِينَة تعز فاتفق بَينه وَبَين فُقَهَاء مَدِينَة تعز وَحْشَة أدَّت إِلَى امْتِنَاعه من الْوَعْظ ورحيله عَنْهَا وَذَلِكَ بِشَهْر ربيع الأول سنة تسع وَسِتِّينَ وثمانمئة

стр. 336

وَمِنْهُم الإِمَام الشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن نظام بن مَنْصُور الشِّيرَازِيّ أخبر أَنه دخل مَدِينَة الْعرَاق وخراسان وسمرقند وبخارى ثمَّ رَحل إِلَى الشَّام ومصر والقدس ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة سيدنَا رَسُول الله ﷺ ثمَّ إِلَى مَكَّة المشرفة وَحكى من عجائب الْبلدَانِ الَّتِي دَخلهَا مَا تضيق الأوراق عَن ذكره وَهَذَا الشَّيْخ عَالم فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَالتَّفْسِير والْحَدِيث النَّبَوِيّ واعظ تتصدع الْقُلُوب لوعظه وتستطيب دُرَر لَفظه وَله الذِّهْن الصافي وَاللَّفْظ المعجز مَعَ تواضع وبذل الْعلم لطالبه أَفَادَ الْفَوَائِد الجليلة الَّتِي يرحل لمثلهَا الرحلة الطَّوِيلَة وَأَجَازَ لجَماعَة من أهل مَدِينَة تعز وَغَيرهم ودرس فِي الحَدِيث وَغَيره ثمَّ طلع إِلَى بلد الْجبَال وَوعظ فِيهَا فَكل بلد دَخلهَا أثنى عَلَيْهِ أَهلهَا بالثناء المرضي وَسُئِلَ عَن سَبَب دُخُوله الْيمن فَذكر أَنه لزمَه دين نَحْو ثلاثمئة أشرفي ذهب وَعجز عَن قَضَائِهِ وَهُوَ يطْلب قَضَاء دينه فَحصل لَهُ من سُلْطَان الْوَقْت أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن طَاهِر وَمن أهل الْأَمَاكِن الَّتِي دَخلهَا مَا يقوم بقضائها ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة بعد دُخُوله ثغر عدن وإقامته بهَا مُدَّة يسيرَة يعظ ويفسر سنة ثَلَاث وَسبعين وثمانمئة وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن قَوْله ﷺ فِي اللَّذين يعذبان فِي قبريهما أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي فِي النميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستبري من الْبَوْل مَا وَجه الْمُنَاسبَة فِي هذَيْن الشَّيْئَيْنِ المعذب عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْبَوْل يتَعَدَّى مَحَله برطوبته فينجس غَيره كَمَا أَن النميمة تتعدى من شخص إِلَى شخص قَالَ فِي الْأُم انْتهى الْمَوْجُود من التَّارِيخ الْمَذْكُور وَلَعَلَّه منخرم