Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله المبدئ المعيد المنشئ المبيد الفعال لما يُرِيد الَّذِي جرت أَحْكَامه بمشيئته السَّابِقَة فِي جَمِيع العبيد من إعزاز وإذلال وإدبار وإقبال وإكثار وإقلال وهداية واضلال كل ميسر لما خلق لَهُ وجار على مَا كتب لَهُ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
نحمده على كل حَال ونشكره على جَمِيع نعمه الَّتِي لَا تحصى شكرا كثيرا دَائِما لَا يَنْقَطِع بِانْقِطَاع الْأَيَّام والليال ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْمُنْفَرد بِالْعِزَّةِ والجلال
ونشهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله خَاتم النَّبِيين والأرسال
стр. 2
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى مَا لَهُ من الصحب والآل صَلَاة دائمة لَا نفاد لَهَا وَلَا زَوَال
стр. 3
أما بعد فَهَذَا كتاب أذكر فِيهِ نبذة من بعض تواريخ مَا وَقع فِي مُدَّة الْأَمِير أبي الْحسن عَليّ بن نصر بن سعد بن السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد بن السُّلْطَان أبي الْحسن بن الْمُلُوك النصريين وَمُدَّة ملك
стр. 4
ابْنه مُحَمَّد وأخيه مُحَمَّد أَيْضا رحمهمَا الله وَكَيف استولى الْعَدو على جَمِيع بِلَاد الأندلس فِي تِلْكَ الْمدَّة
стр. 5
وعولت فِي ذَلِك على الإختصار والإقتصار وَتركت التَّطْوِيل والإكثار لِأَن باعي فِي التَّأْلِيف قصير وبضاعتي فِي الفصاحة مزجاة وسميته
نبذة الْعَصْر فِي أَخْبَار مُلُوك بني نصر
وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
стр. 6
ذكر مَا وَقع للأمير أبي الْحسن عَليّ بن سعد مَعَ قواده عَام ٨٨٢
قَالَ الْمُؤلف عَفا الله عَنهُ لما استقام ملك الأندلس للأمير أبي الْحسن عَليّ بن سعد ودانت لَهُ جَمِيع بِلَاد الأندلس وَلم يبْق لَهُ فِيهَا معاند وَذَلِكَ بعد خطوب وأحداث وكوائن جرت لَهُ مَعَ أَبِيه وَمَعَ قواده بعد موت أَبِيه فِي أَخْبَار وحوادث يطول ذكرهَا
وَذَلِكَ أَنه كَانَ مَحْجُورا للقواد وَلم يكن لَهُ من الْملك إِلَّا اسْمه فَأَرَادَ أَن يقوم بِنَفسِهِ ويزيل عَنْهَا الْحجر فَانْفَرد بِنَفسِهِ عَن قواده كَمَا انْفَرد مَعَه بَعضهم وَوَقعت بَينهم حروب وأحداث
وَذَلِكَ أَنه لما اعتزل عَن قواده أخذُوا أَخَاهُ مُحَمَّد بن سعد وَكَانَ أَصْغَر مِنْهُ سنا فَبَايعُوهُ واشتعلت نَار الْفِتْنَة بَينهم فأظهر
стр. 7
الْأَمِير أَبُو الْحسن التَّوْبَة للنَّاس وَوَعدهمْ إِن قَامُوا بدعوته أَن يصلح شَأْنهمْ وَأَن يظْهر الْأَحْكَام وَينظر فِي مصَالح الوطن وَيُقِيم الشَّرِيعَة فمالت إِلَيْهِ الرّعية وأعانوه على مَا نَوَاه من مُرَاده وغرهم إِلَى أَن أظفره الله بهم بعد حروب كَثِيرَة وَقعت بَينهم
وَذَلِكَ أَن أَخَاهُ مُحَمَّدًا أفلت من أَيدي القواد الَّذين بَايعُوهُ وَسَار إِلَى أَخِيه أبي الْحسن وَقدم الطَّاعَة فَلَمَّا علم القواد بذلك اجْتَمعُوا فِي مَدِينَة مالقة فَحَاصَرَهُمْ الْأَمِير فِيهَا حَتَّى أطاعوه فَأَخذهُم وقتلهم كلهم
стр. 8
وانقرضت أَعْلَام الْفِتْنَة وخمدت نارها ودانت لَهُ جَمِيع بِلَاد الأندلس وَلم يبْق لَهُ فِيهَا معاند وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَغْزُو بِلَاد الرّوم الْمرة بعد الْمرة حَتَّى غزا غزوات كَثِيرَة وَأظْهر الْأَحْكَام
стр. 9
وَنظر فِي مصَالح الْحُصُون ونمى الْجَيْش فهابته النَّصَارَى وصالحته برا وبحرا وَكثر الْخَيْر وانبسطت الأرزاق ورخصت الأسعار وانتشر الْأَمْن فِي جَمِيع بِلَاد الأندلس وشملتهم الْعَافِيَة فِي تِلْكَ الْمدَّة وَضربت سكَّة جَدِيدَة طيبَة
عرض الْجَيْش والفرسان فِي حَمْرَاء غرناطة من ١٩ ذِي الْحجَّة ٨٨٢ إِلَى ٢٢ محرم ٨٨٣
ثمَّ إِن الْأَمِير أَرَادَ أَن يُمَيّز الْجَيْش وَأَن يظْهر للنَّاس مَا مَعَه من الفرسان ليزيدهم فِي المغارم فَهَيَّأَ مَوضِع الميز بِمَدِينَة الْحَمْرَاء من غرناطة بالموضع الْمَعْرُوف بالطبلة عِنْد بَاب
стр. 10
الْغدر فَبنى مَكَانا لجلوسه وَأصْلح الطَّرِيق والرحبة لمجال الْخَيل وَندب الفرسان
ثمَّ ابْتَدَأَ الميز يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع عشر لذِي الْحجَّة عَام اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وثمان مئة فَكَانَ أهل غرناطة يخرجُون كل يَوْم الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان للسبيكة وَمَا حول الْحَمْرَاء يتنزهون
стр. 11
فَأَقْبَلت فرسَان الأندلس بأجمعها من شرقيتها وغربيتها فَكَانَ الْأَمِير يُمَيّز كل يَوْم طَائِفَة مِنْهُم إِلَى يَوْم الثَّانِي وَالْعِشْرين لمحرم فاتح عَام ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ وثمان مئة بموافقة السَّادِس وَالْعِشْرين لشهر إبريل العجمي
فَكَانَ من قَضَاء الله وَمَا قدره فِي ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ آخر الميز وَكَانَ عِنْدهم المهرجان الْكَبِير والنزهة الْعُظْمَى فاحتفلت النَّاس وَخرج جلّ أهل غرناطة من رجال وَنسَاء وصبيان وشيوخ وكهول
стр. 12
وَجَاء كثير من أهل الْقرى من حوز غرناطة للنزهة فَاجْتمعُوا فِي السبيكة من الْحَمْرَاء وَمَا حولهَا وامتلأت تِلْكَ الْمَوَاضِع بالخلق الْكثير وَأَقْبَلت الفرسان وصاروا يتألفون فِي السبيكة وَذَلِكَ وَقت الضُّحَى
حَادِثَة سيل غرناطة الْعَظِيم عَام ٨٨٣
فَبَيْنَمَا النَّاس كَذَلِك فِي المهرجان إِذا بسحابة عَظِيمَة قد أَنْشَأَهَا الله تَعَالَى فِي السَّمَاء فأرعدت وأبرقت وانتشرت من ساعتها بقدرة مكون الْأَشْيَاء على السبيكة وَمَا قرب مِنْهَا وعَلى غرناطة وَمَا حولهَا وعَلى وَادي هداره وَجَاءَت بمطر عَظِيم وَلم يزل
стр. 13
الْمَطَر يزْدَاد ويعظم وَيكثر حَتَّى صَار كالأنهار الْعَظِيمَة وَجَاءَت السُّيُول من كل نَاحيَة وَعظم أمرهَا وعاين النَّاس الْهَلَاك من عظم مَا رَأَوْا من شدَّة الْمَطَر وَكَثْرَة السُّيُول من كل نَاحيَة وَاحْتمل السَّيْل الطّرق وَمَا حولهَا وَانْقطع النَّاس وَحَال السَّيْل بَينهم وَبَينه فَكَانَ لَا يسمع إِلَّا بكاء الصّبيان وضجيج النسوان وأصوات الرِّجَال بِالدُّعَاءِ إِلَى الله تَعَالَى والإبتهال إِلَى أَن ارْتَفع الْمَطَر وَجَاء وَادي هداره الَّذِي يشق غرناطة بسيل عَظِيم احْتمل مَا على ضفتيه من الْأَشْجَار الْعِظَام من الميس
стр. 14
الدردار والجوز واللوز وَغير ذَلِك من الْأَشْجَار الْعِظَام الثَّابِتَة فِي الأَرْض وَدخل الْبَلَد وَاحْتمل مَا على ضفتيه من الدّور والحوانيت والمساجد والفنادق وَدخل الْأَسْوَاق وَهدم الْبناء المشيد وَلم يبْق من القناطير إِلَّا الأقواس وَذهب بِكُل مَا كَانَ عَلَيْهَا من الْبُنيان ثمَّ جَاءَ السَّيْل بِتِلْكَ الْأَشْجَار الْعِظَام الَّتِي اقتلعت فتراكمت فِي الْبَلَد فِي آخر قنطرة مِنْهُ فَسدتْ
стр. 15
مجاري الْوَادي فتراكم السَّيْل وَالشَّجر فِي قلب الْبَلَد وعاين الأهالي الْهَلَاك وَدخل السَّيْل تياره والقيسارية حَتَّى دخل بعض حوانيتها وَوصل إِلَى رحبة الْجَامِع الْأَعْظَم وَإِلَى القراقين والصاغة والحدادين وَغير ذَلِك من الْأَسْوَاق
стр. 16
والدور فلطف الله تَعَالَى بعباده فنفض السَّيْل بِقُوَّة تراكمه بالقنطرة والسور وَخرج ذَلِك كُله خَارج الْبَلَد وَكَانَ هَذَا الْيَوْم من أعظم الْأَيَّام شَاهد فِيهِ كل من رَآهُ قدرَة الْقَادِر القهار الْملك العلام
وَلم يسمع المعمرون بِمثل ذَلِك الْيَوْم
قَالَ المؤرخ عَفا الله عَنهُ وَمن وَقت هَذَا السَّيْل الْعَظِيم بَدَأَ ملك الْأَمِير أبي الْحسن فِي التقهقر والإنتكاس والإنتقاض وَذَلِكَ أَنه اشْتغل باللذات والإنهماك فِي الشَّهَوَات وَاللَّهْو بِالنسَاء المطربات وركن إِلَى الرَّاحَة والغفلات وضيع الْجند وَأسْقط كثيرا من نجدة الفرسان وَثقل المغارم وَكثر الضرائب فِي الْبلدَانِ ومكس الْأَسْوَاق وَنهب الْأَمْوَال وشح بالعطاء إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي لَا يثبت مَعهَا الْملك
стр. 17
وَكَانَ للأمير أبي الْحسن وَزِير يُوَافقهُ على ذَلِك وَيظْهر للنَّاس الصّلاح والعفاف وَهُوَ بعكس ذَلِك
وَكَانَ الْأَمِير الْمَذْكُور متزوجا بابنة عَمه الْأَمِير مُحَمَّد الْأَيْسَر
стр. 18
وَله مِنْهَا ولدان مُحَمَّد ويوسف فَمن جملَة
стр. 19
انهماكه أَنه اصْطفى على زَوجته رُومِية اسْمهَا ثريا وهجر ابْنة عَمه وَأَوْلَادهَا مِنْهُ
فَأدْرك ابْنة عَمه من الْغيرَة مَا يدْرك النِّسَاء على أَزوَاجهنَّ وَوَقع بَينهمَا نزاع كثير وَقَامَ الْأَوْلَاد مُحَمَّد ويوسف مَعَ أمهما وغلظت الْعَدَاوَة بَينهم
وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن شَدِيد الْغَضَب والسطوة فَكَانَت الْأُم تخَاف على ولديها مِنْهُ فَبَقيت الْحَال كَذَلِك مُدَّة والأمير مشتغل باللذات منهمك فِي الشَّهَوَات ووزيره يضْبط المغارم
стр. 20
ويثقلها وَيجمع الْأَمْوَال ويأتيه بهَا ويعطيها لمن لَا يَسْتَحِقهَا ويمنعها عَمَّن يَسْتَحِقهَا ويهمل كل من فِيهِ نجدة وشجاعة من الفرسان وَيقطع عَنْهُم الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان حَتَّى بَاعَ الْجند ثِيَابهمْ وخيلهم وآلات حربهم وأكلوا أثمانها وَقتل كثيرا من أهل الرَّأْي وَالتَّدْبِير والرؤساء والشجعان من أهل مدن الأندلس وحصونها
انْقِضَاء معاهدة الصُّلْح واستئناف الْحَرْب بَين النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين محرم عَام ٨٨٧
وَلم يزل الْأَمِير مستمرا على حَاله والجيش فِي نقص وَالْملك فِي ضعف إِلَى أَن انْقَضى الصُّلْح الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين النَّصَارَى فَلم يشْعر بهم أحد حَتَّى دخلُوا مَدِينَة الْحمة
стр. 21
وَذَلِكَ أَنهم طرقوها لَيْلًا على حِين غَفلَة من أَهلهَا فَدَخَلُوا قصبتها وَكَانَت خَالِيَة فَلم يكن بهَا إِلَّا عِيَال قائدها فملكوا القصبة وَالنَّاس نيام مطمئنون فَلم يشْعر أحد إِلَّا وَالنَّصَارَى قد هَبَطُوا من القصبة على الْبَلَد بِالسَّيْفِ وَالْقَتْل والسبي الشَّديد حَتَّى قتل من نفد أَجله وفر من قدر على الْفِرَار
وَاسْتولى النَّصَارَى على الْبَلَد وَجَمِيع مَا كَانَ فِيهِ من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان وَالْأَمْوَال
стр. 22
وَكَانَ ذَلِك فِي التَّاسِع عشر من شهر محرم الْحَرَام فاتح سَبْعَة وَثَمَانِينَ وثمان مئة
فَلَمَّا بلغ أهل غرناطة مَا فعلت النَّصَارَى بإخوانهم الْمُسلمين هَاجَتْ الرّعية وَقَالُوا لَا صَبر لنا على هَذِه الْمُصِيبَة الْعُظْمَى وَلَا خير لنا فِي عَيْش بعد هَذِه النكبة الْكُبْرَى إِمَّا أَن نفك إِخْوَاننَا أَو نموت دونهم
فَاجْتمعُوا مَعَ الْأَمِير أبي الْحسن ووزيره فَجعل الْأَمِير والوزير يعجزانهم عَن الْمسير ويتربصان بهم ويقولان لَهُم اصْبِرُوا حَتَّى نَأْخُذ أهبتنا ونعمل على حَال الْحَرْب فَلم تزل بهم الْعَامَّة حَتَّى أخرجوهما
فَتقدم صدر الْجَيْش فوجدوا النَّصَارَى قد أخرجُوا من الْبَلَد مَا سبوا من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان وَالْأَمْوَال وَقد أوقروا الدَّوَابّ بذلك وهم عازمون على الْمسير إِلَى بِلَادهمْ
فَلَمَّا رَأَوْا خيل الْمُسلمين قد أَقبلت عَلَيْهِم حطوا الْأَحْمَال ودخلوا الْبَلَد وتحصنوا بالأسوار
стр. 23
ثمَّ أقبل الْمُسلمُونَ بمحلتهم واقتربوا مِنْهُم فقاتلوهم قتالا شَدِيدا بجد وعزم وَقُلُوب محترقة وحزم حَتَّى دخلُوا بعض أَبْوَاب الْمَدِينَة وكسروه وحرقوه وتعلقوا بأسوار الْبَلَد وطمعوا فِي الدُّخُول إِلَيْهِ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ وصل لَهُم أَمر من الْأَمِير أبي الْحسن والوزير يأمرانهم فِيهِ بِالرُّجُوعِ عَن الْقِتَال فَأبى النَّاس عَن الرُّجُوع فَقَالَا لَهُم إِذا كَانَ غَدا ندخل عَلَيْهِم أول النَّهَار لِأَن اللَّيْل قد أقبل وَدخل علينا
فَترك النَّاس الْقِتَال وَرَجَعُوا إِلَى محلاتهم
أما النَّصَارَى فَبَاتُوا يصلحون شَأْنهمْ وَيمْنَعُونَ أسوارهم ويغلقون نقابهم فَلَمَّا أصبح الصَّباح وَنظر الْمُسلمُونَ إِلَى الْبَلَد فَإِذا
стр. 24
هُوَ على صفة أُخْرَى من المنعة والتحصين والإستعداد فصعب عِنْد ذَلِك على الْمُسلمين الدُّخُول إِلَيْهِ بل والدنو مِنْهُ
حِصَار مَدِينَة الْحمة
عزم الْمُسلمُونَ على حِصَار الْبَلَد وَالْإِقَامَة عَلَيْهِ فَأَقْبَلت وُفُود الْمُسلمين من كل أَرض من بِلَاد الأندلس وَاجْتمعَ فِي ذَلِك الْمحل محلّة عَظِيمَة وفتحوا الْأَسْوَاق للْبيع وَالشِّرَاء وجلبوا لأسواقهم كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْأَطْعِمَة والعلف والزاد وَغير ذَلِك وحاصروا الْعَدو حصارا شَدِيدا وَمنعُوا عَلَيْهِ المَاء والحطب والداخل وَالْخَارِج والعامة فِي ذَلِك بحزم وعزم وجد واجتهاد وَنِيَّة صَادِقَة وَقُلُوب محترقة
стр. 25
والوزير يعد النَّاس بِالدُّخُولِ والقتال وَعدا بعد وعد وَيَقُول عَن قريب نأخذهم عطشا وَهَا نَحن نعمل الْحِيلَة فِي الدُّخُول عَلَيْهِم وَالتَّقْصِير والتفريط والغش يَبْدُو مِنْهُ شَيْئا بعد شَيْء حَتَّى تبين لعامة النَّاس وخاصتهم ولاح لَهُم كَالشَّمْسِ وظنوا بِالْملكِ والوزير ظنون السوء وَكثر الْكَلَام الْقَبِيح بَينهم فَعِنْدَ ذَلِك هاج شَيْطَان الْفِتْنَة بَينهم وتحدث النَّاس بَعضهم مَعَ بعض فِي مسَائِل غشهما للْمُسلمين
فَبَيْنَمَا النَّاس كَذَلِك فِي إساءة ظنهم بأميرهم وبوزيرهم إِذا بهما قد استعملا حِيلَة وكتبا كتبا مزورة كَأَنَّهَا أتتهما من بعض من نصحهمْ من نَاحيَة الْمُسلمين الْمُجَاهدين المجاورين لبلاد الْكَفَرَة دمرهم الله يعلمونهم بهَا أَن الطاغية ملك النَّصَارَى جمع جمعا عَظِيما وحشد حشودا كَثِيرَة وعزم على نصْرَة النَّصَارَى المحصورين فِي بلد الْحمة وَهُوَ قادم عَن قريب وَلَا طَاقَة لكم بملاقاته
فحين أعلمهم الْوَزير بِمَا ذكر وخوفهم بذلك سقط فِي
стр. 26
أَيدي النَّاس فَأَمرهمْ حِينَئِذٍ بالرحيل والإقلاع عَن دَار الْحَرْب فَرَحل النَّاس كرها بَاكِينَ متأسفين بحسرة وفجعة يَا لَهَا من حسرة وَانْصَرف النَّاس كل وَاحِد إِلَى وَطنه
حِصَار الْحمة ثَانِيَة وَالرُّجُوع عَنْهَا
ثمَّ إِنَّه بعد ذَلِك بشهور قَلَائِل أَمر الْأَمِير أَبُو الْحسن بِالْمَسِيرِ إِلَى بلد الْحمة مرّة أُخْرَى فَذَهَبُوا ثَانِيَة وحاصروها فَلم يقدروا مِنْهَا على شَيْء وَانْصَرفُوا عَنْهَا وتركوها
стр. 27
فَلَمَّا رأى الْعَدو دمره الله أَن الْمُسلمين قد عجزوا عَن أَخذ الْحمة ونصرة من فِيهَا من الْأُسَارَى وَقع لَهُ الطمع فِي بِلَاد الأندلس فَأخذ فِي الإستعداد وَالْخُرُوج إِلَيْهَا
موقعة لوشة الْعَظِيمَة وانتصار الْمُسلمين ٢٧ جُمَادَى الأولى عَام ٨٨٧
فَلَمَّا كَانَ شهر جُمَادَى الأولى من عَام التَّارِيخ قبل هَذَا خرج صَاحب قشتالة بمحلة عَظِيمَة وَقصد مَدِينَة لوشة فَنزل عَلَيْهَا بمحلته وَكَانَ قد اجْتمع فِيهَا جملَة من نجدة رجال غرناطة حِين سمعُوا بِخُرُوجِهِ إِلَيْهَا فَلَمَّا قرب من الْبَلَد خرج إِلَيْهِ الرِّجَال والفرسان فقاتلوه قتالا شَدِيدا وردوه على أعقابه
стр. 28
وَقتلُوا كثيرا من النَّصَارَى وَأخذُوا لَهُم من تِلْكَ الْعدة الَّتِي قربوا بهَا من الأنفاط وَغير ذَلِك من عدَّة الْحَرْب
стр. 29
ثمَّ إِن الْأَمِير أَبَا الْحسن أمدهم بقائد من غرناطة يَقُود جَيْشًا من الفرسان فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فاشتدت عِنْد ذَلِك عصبَة الْمُسلمين وقويت قُلُوبهم
فَلَمَّا أصبح الصَّباح وَرَأى النَّصَارَى الزِّيَادَة فِي جَيش الْمُسلمين مَعَ مَا نالهم من أول اللَّيْل من الْهَزِيمَة وَالْقَتْل وَأخذ الْعدة داخلهم الرعب وَاشْتَدَّ خوفهم فَأخذُوا فِي الإرتحال عَنْهُم فَخرج إِلَيْهِم الْمُسلمُونَ فقاتلوهم قتالا شَدِيدا فَانْهَزَمَ النصاري وَتركُوا كثيرا من أخبيتهم وأمتعتهم وأطعمتهم وَآلَة حربهم وَتركُوا من الدَّقِيق شَيْئا كثيرا فاحتوى الْمُسلمُونَ على جَمِيع ذَلِك كُله وَانْصَرف الْعَدو مهزوما مفلولا إِلَى بَلَده ففرح الْمُسلمُونَ بذلك فَرحا عَظِيما وَكَانَ ذَلِك فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى من عَام سَبْعَة وَثَمَانِينَ وثمان مئة
فرار ابْني الْأَمِير أبي الْحسن مُحَمَّد ويوسف ومبايعة أهل وَادي آش وغرناطة لَهما عَام ٨٨٧
وَفِي هَذَا الْيَوْم بلغ الْخَبَر لمن كَانَ فِي لوشة أَن ابْني الْأَمِير أبي الْحسن مُحَمَّد ويوسف هربا من القصبة خوفًا من أَبِيهِمَا وَذَلِكَ
стр. 30
أَن شياطين الْإِنْس صَارُوا يوسوسون لِأُمِّهِمَا ويخوفونها عَلَيْهِمَا من سطوة أَبِيهِمَا ويغوونها مَعَ مَا كَانَ بَينهَا وَبَين مَمْلُوكَة أَبِيهِمَا الرومية ثرية من الشحناء فَلم يزَالُوا يغوونها حَتَّى سمحت لَهُم بهما فاحتالت عَلَيْهِمَا بِاللَّيْلِ وأخرجتهما إِلَيْهِم
وَسَارُوا بهما إِلَى وَادي آش فَقَامَ أهل وَادي آش بدعوتهما ثمَّ قَامَت غرناطة أَيْضا بدعوتهما واشتعلت نَار الْفِتْنَة بِبِلَاد الأندلس
стр. 31
وَوَقعت بَينهم حروب وكوائن أعرضنا عَن ذكرهَا لقبحها لِأَن الْآمِر آل بَينهم إِلَى أَن قتل الْوَالِد وَلَده
وَلم تزل نَار الْفِتْنَة مشتعلة وعلاماتها قَائِمَة فِي بِلَاد الأندلس والعدو دمره الله مَعَ ذَلِك كُله مشتغل بحيلته فِي أَخذ الأندلس إِلَى أَن ساعده الزَّمَان ووافقته الأقدار
موقعة بلش وشرقية مالقة وانتصار الْمُسلمين صفر عَام ٨٨٨
فَلَمَّا كَانَ شهر صفر عَام ثَمَانِيَة وَثَمَانِينَ وثمان مئة اجْتمع من زعماء النَّصَارَى وأقنادهم جمع عَظِيم وَلم يكن مَعَهم
стр. 32
ملكهم وقصدوا قرى بلش وشرقية مالقة يُرِيدُونَ أَخذ أَهلهَا وفسادها فَلَمَّا وصلوا تصايح أهل تِلْكَ الْجِهَات واجتمعوا رجَالًا دون فرسَان وصاروا يعرضون لِلنَّصَارَى فِي
стр. 33
المضايق والأوعار والمخانق ويقاتلونهم وَيقْتلُونَ مِنْهُم خلقا كثيرا فَلَمَّا رأى النَّصَارَى ذَلِك جعل الله فِي قُلُوبهم الرعب وَوَقع بَينهم الخذلان فَانْهَزَمُوا فِي تِلْكَ الْقرى والمخانق والأوعار وصاروا يتهافتون فِيهَا تهافت الذُّبَاب والفراش فِي النَّار والمسلمون فِي أَثَرهم يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ وَلم تغن عَنْهُم كثرتهم وَلَا عدتهمْ شَيْئا بِإِذن الله
وَكَانَ فِي وَقت هَذِه الكائنة الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد بِمَدِينَة مالقة فلقي النَّصَارَى من ناحيته فَقتل وَأسر مِنْهُم أَيْضا خلقا كثيرا وولوا الأدبار وَأسر مِنْهُم مَا ينيف على ألفي أَسِير فيهم جمَاعَة من قوادهم وأقنادهم وهرب باقيهم وَتركُوا خيلهم ودوابهم ورحالهم وأمتعتهم فاحتوى على ذَلِك كُله الْمُسلمُونَ وَحَمَلُوهُ إِلَى مَدِينَة مالقة فجمعوه بهَا على أَن يقسموه على كل من حضر
стр. 34
الوقيعة الْمَذْكُورَة فَحصل كُله بأيدي الظلمَة وَلم يظهروا فِيهِ حَقًا لأحد مِمَّن حضر الوقيعة الْمَذْكُورَة فَلم ينْتج مِنْهُ شَيْء
وَكَانَ ذَلِك عَلَيْهِم وبالا وَالْعِيَاذ بِاللَّه
وَكَانَت هَذِه الكائنة فِي الْحَادِي عشر لصفر من عَام التَّارِيخ قبل هَذَا
موقعة اللسانة وَأسر الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ ربيع الثَّانِي عَام ٨٨٨
وَفِي شهر ربيع النَّبَوِيّ من عَام التَّارِيخ خرج الْأَمِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بِأَهْل غرناطة وَمن حولهَا من الْحُصُون والقرى إِلَى بِلَاد الرّوم فَبَيْنَمَا هم فِي أَرض اللسانة رَاجِعُون بِالْغَنِيمَةِ إِذْ خرج عَلَيْهِم جمع من النَّصَارَى لَيْسَ بالكثير فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ أمامهم وتبعهم النَّصَارَى يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ حَتَّى لَحِقُوا الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ فَدخل فِي غمار النَّاس واختفى بَينهم وَجعل
стр. 35
أحد من النَّصَارَى وَكَانَت هزيمَة شنيعة قتل فِيهَا خلق كثير يُقَاتل مَعَ المقاتلين حَتَّى أسر مَعَ من أسر من الْمُسلمين وَلم يعرفهُ وَأسر آخَرُونَ وَاسْتولى النَّصَارَى فِيهَا على كثير من الْخَيل وَالسِّلَاح وَالدَّوَاب وَالْمَتَاع
وأشنع مَا كَانَ فِيهَا أسر الْأَمِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ لِأَنَّهُ كَانَ سَببا فِي هَلَاك الوطن
فَجمع النَّصَارَى كل مَا أَخَذُوهُ من الْمُسلمين من أُسَارَى وأمتعة وَحَمَلُوهُ إِلَى حصن اللسانة وَلم يعرفوا الْأَمِير حَتَّى عرفُوا بِهِ فأخرجوه من بَين الْأُسَارَى وعظموه وأكرموه وَحَمَلُوهُ إِلَى صَاحب قشتالة فَعَظمهُ وأكرمه وَعلم أَن بِهِ يصل إِلَى مَا يؤمله من أَخذ بِلَاد الأندلس
ثمَّ عَاد ملك غرناطة إِلَى الْأَمِير أبي الْحسن عَليّ بن سعد إِلَّا أَن الْفِتْنَة لم تَنْقَطِع وَلم تخمد نارها وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن قد أَصَابَهُ مرض شبه الصرع وَأُصِيب فِي بَصَره وأصابه خدر فِي جسده
وعاقبه الله تَعَالَى بأنواع من الْبلَاء وعزل عَن الْملك وَحمل إِلَى
стр. 36
مَدِينَة الْمنْكب فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ وَاسْتولى على الْملك بعده أَخُوهُ مُحَمَّد بن سعد
وَمَعَ ذَلِك فقد استطال الْعَدو على بِلَاد الأندلس وَقَوي طمعه فِيهَا
اسْتِيلَاء النَّصَارَى على حصن قرطمة وحصن ذكوين عَام ٨٩٠
فَلَمَّا كَانَ شهر ربيع الآخر عَام تسعين وثمان مئة خرج الْعَدو
стр. 37
بمحلته إِلَى غربية الأندلس فقصد حصن قرطمة وحصن دكوين فقاتلهما حَتَّى استولى عَلَيْهِمَا
стр. 38
وَفِي السّنة الَّتِي قبل هَذِه كَانَ استولى على حصن الْمرة وحصن الشيطنين
الِاسْتِيلَاء على رندة وضواحيها عَام ٨٩٠
وَفِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الأولى من عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور قبل هَذَا خرج الْعَدو أَيْضا بمحلته فقصد مَدِينَة رندة
стр. 39
فقاتلها قتالا شَدِيدا وَقرب إِلَيْهَا أنفاطه حَتَّى هدم بعض أسوارها فَلَمَّا رأى أَهلهَا مَالا طَاقَة لَهُم بِهِ طلبُوا الْأمان وَخَرجُوا مُؤمنين بِمَا مَعَهم
فَلَمَّا استولى الْعَدو على مَدِينَة رندة دخلت تِلْكَ الْجِهَات كلهَا فِي ذمَّته من غير قتال
موقعة مكلين وانتصار الْمُسلمين وامتلاك الْحصن شعْبَان عَام ٨٩٠
وَفِي التَّاسِع عشر من شهر شعْبَان عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور خرج الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد بِأَهْل غرناطة إِلَى حصن المكلين لبِنَاء
стр. 40
بعض أسواره لِأَنَّهُ بلغه أَن الْعَدو دمره الله خَارج إِلَيْهِ فَخرج بجيشه وَعَامة أهل غرناطة لِيُصْلِحُوا من شَأْنه مَا تهدم
فَبَيْنَمَا هم فِي الْحصن إِذْ بَلغهُمْ أَن الْعَدو خَارج يُرِيد الْحصن وَهُوَ مُتَوَجّه نَحوه وَظهر آخر النَّهَار للْمُسلمين غُبَار محلّة النَّصَارَى فِي أَرض القلعة فَلم يلْتَفت الْأَمِير وَلَا وزيره لذَلِك وَلم يعملوا بِحِسَاب الْحَرْب وَلم يجْعَلُوا بياتهم على الْبعد فَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة مُطْمَئِنين وَهِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ من شعْبَان الْمَذْكُور فَلم يشْعر أحد من الْمُسلمين إِلَّا وَالنَّصَارَى قد اختلطوا مَعَهم عِنْد الْفجْر وَكَذَلِكَ النَّصَارَى لم يشعروا بِالْمُسْلِمين حَتَّى اختلطوا مَعَهم أَيْضا وَإِنَّمَا أدلجوا ليصبحوا على الْحصن
فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ أعلنت الْأَصْوَات بالصياح والضجيج
следующие страницы →