Полный текст (110 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مَدِينَة الْمنْكب فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَاتَ وَاسْتولى على الْملك بعده أَخُوهُ مُحَمَّد بن سعد
وَمَعَ ذَلِك فقد استطال الْعَدو على بِلَاد الأندلس وَقَوي طمعه فِيهَا
اسْتِيلَاء النَّصَارَى على حصن قرطمة وحصن ذكوين عَام ٨٩٠
فَلَمَّا كَانَ شهر ربيع الآخر عَام تسعين وثمان مئة خرج الْعَدو
стр. 37
بمحلته إِلَى غربية الأندلس فقصد حصن قرطمة وحصن دكوين فقاتلهما حَتَّى استولى عَلَيْهِمَا
стр. 38
وَفِي السّنة الَّتِي قبل هَذِه كَانَ استولى على حصن الْمرة وحصن الشيطنين
الِاسْتِيلَاء على رندة وضواحيها عَام ٨٩٠
وَفِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الأولى من عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور قبل هَذَا خرج الْعَدو أَيْضا بمحلته فقصد مَدِينَة رندة
стр. 39
فقاتلها قتالا شَدِيدا وَقرب إِلَيْهَا أنفاطه حَتَّى هدم بعض أسوارها فَلَمَّا رأى أَهلهَا مَالا طَاقَة لَهُم بِهِ طلبُوا الْأمان وَخَرجُوا مُؤمنين بِمَا مَعَهم
فَلَمَّا استولى الْعَدو على مَدِينَة رندة دخلت تِلْكَ الْجِهَات كلهَا فِي ذمَّته من غير قتال
موقعة مكلين وانتصار الْمُسلمين وامتلاك الْحصن شعْبَان عَام ٨٩٠
وَفِي التَّاسِع عشر من شهر شعْبَان عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور خرج الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد بِأَهْل غرناطة إِلَى حصن المكلين لبِنَاء
стр. 40
بعض أسواره لِأَنَّهُ بلغه أَن الْعَدو دمره الله خَارج إِلَيْهِ فَخرج بجيشه وَعَامة أهل غرناطة لِيُصْلِحُوا من شَأْنه مَا تهدم
فَبَيْنَمَا هم فِي الْحصن إِذْ بَلغهُمْ أَن الْعَدو خَارج يُرِيد الْحصن وَهُوَ مُتَوَجّه نَحوه وَظهر آخر النَّهَار للْمُسلمين غُبَار محلّة النَّصَارَى فِي أَرض القلعة فَلم يلْتَفت الْأَمِير وَلَا وزيره لذَلِك وَلم يعملوا بِحِسَاب الْحَرْب وَلم يجْعَلُوا بياتهم على الْبعد فَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة مُطْمَئِنين وَهِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ من شعْبَان الْمَذْكُور فَلم يشْعر أحد من الْمُسلمين إِلَّا وَالنَّصَارَى قد اختلطوا مَعَهم عِنْد الْفجْر وَكَذَلِكَ النَّصَارَى لم يشعروا بِالْمُسْلِمين حَتَّى اختلطوا مَعَهم أَيْضا وَإِنَّمَا أدلجوا ليصبحوا على الْحصن
فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ أعلنت الْأَصْوَات بالصياح والضجيج
стр. 41
وَضربت النَّصَارَى أطبالهم وزعقوا بالبوقات ونصبوا الأنفاط وَوَقع الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ وَاشْتَدَّ حَتَّى وصل النَّصَارَى إِلَى مضرب الْأَمِير وَأَرَادُوا أَخذه فَثَبت الله الْمُسلمين وصبروا صبرا جميلا ووقعوا على مضرب الْأَمِير صابرين محتسبين لله تَعَالَى فَلم تكن إِلَّا هنيهات حَتَّى هزم الله النَّصَارَى وولوا الأدبار وتبعهم الْمُسلمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ كَيفَ شاؤوا حَتَّى قتلوا مِنْهُم خلقا كثيرا ثمَّ قصروا فِي طَلَبهمْ مَخَافَة أَن يدركهم جَيش الْعَدو لأَنهم كَانُوا مُقْبِلين على المكلين يُرِيدُونَ قتال أَهله وَأَخذه وَكَانَ ذَلِك صدر الْمحلة قل أقبل بالعدة والأنفاط والبارود والفؤوس وَغير ذَلِك
стр. 42
فاحتوى الْمُسلمُونَ على جَمِيع ذَلِك كُله وَارْتَحَلُوا بَقِيَّة يومهم رَاجِعين إِلَى غرناطة فرحين بنصر الله تَعَالَى حامدين لَهُ شاكرين فَدَخَلُوا غرناطة بَقِيَّة النَّهَار
وَكَانَت هَذِه الْغَزْوَة من الْغَزَوَات الْمَشْهُورَة
قَالَ الْمُؤلف عَفا الله عَنهُ فَلَقَد حَدثنِي بعض الفرسان النجباء من أهل الشجَاعَة والنجدة والإقدام فِي ذَلِك الْيَوْم وَنحن فِي الطَّرِيق رَاجِعين إِلَى غرناطة قَالَ كنت فِي أول الفرسان وَنحن نتبع النَّصَارَى فَكنت أسبق إِلَى بعض الْمَوَاضِع فأجد النَّصَارَى أَمَامِي مقتولين وَلم أر أحدا سبقني وَلَا أَدْرِي من قَتلهمْ
فَلَمَّا خيب الله سعي الْعَدو وَكسر حِدته عدل عَن السّير إِلَى حصن المكلين فَأَقَامَ فِي حصن قنبيل إِلَى شهر رَمَضَان من الْعَام الْمَذْكُور
стр. 43
اسْتِيلَاء النصاري على حصن قنبيل وعَلى مَا جاوره من الْحُصُون والقلاع عَام ٨٩٠
ثمَّ توجه الْعَدو نَحْو حصن قنبيل فَنزل عَلَيْهِ بمحلته وَنصب أنفاطه وقاتله قتالا شَدِيدا حَتَّى هدم بعض أسواره فَلَمَّا رأى الْمُسلمين مَالا طَاقَة لَهُم بِهِ خَافُوا أَن يدْخل عَلَيْهِم عنْوَة فطلبوا مِنْهُ الْأمان فَخَرجُوا مُؤمنين بِمَا كَانَ مَعَهم وسلموا إِلَيْهِ الْحصن
فَلَمَّا استولى الْعَدو على الْحصن الْمَذْكُور أخلى الْمُسلمُونَ حصن أرنية وحصن مشاقر وحصن
стр. 44
اللوز وَصَارَت كلهَا لِلنَّصَارَى
وَفِي هَذَا الشَّهْر أَيْضا استولى الْعَدو على حصن صَالِحَة من حصون بلش ثمَّ إِن الْعَدو دمره الله سرح الْأَمِير أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ إِلَى بعض حصون الشرقية ووعده بِالصُّلْحِ إِن أطاعه الشّعب فَقَامَتْ بدعوته تِلْكَ الْحُصُون طَمَعا بِالصُّلْحِ وبالبقاء فِي الْحُصُون
стр. 45
ثورة أهل ربض البيازين ومبايعتهم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ وحروبهم مَعَ أهل غرناطة عَام ٨٩١
ثمَّ إِن شياطين الْإِنْس صَارُوا يغوون النَّاس ويزينون لَهُم ويعدونهم ويطمعونهم فِي صلح النَّصَارَى إِلَى أَن مَالَتْ إِلَى كَلَامهم طَائِفَة من أهل ربض البيازين من أرباض غرناطة وَوَافَقَهُمْ جلّ أهل الربض طَمَعا فِي الصُّلْح لأَنهم كَانُوا سيارة وبادية فَقَامُوا بدعوة الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ فَعِنْدَ ذَلِك اشتعلت نَار الْفِتْنَة
стр. 46
بَين أهل ربض البيازين وَبَين غرناطة وأميرها مُحَمَّد بن سعد
وَوَقع بَينهم الْقِتَال وَالْحَرب ونصبوا عل البيازين الأنفاط ورجموهم بِالْحِجَارَةِ من سور القصبة الْقَدِيمَة ورموا عَلَيْهِم بالمنجنيق وَأهل ربض البيازين يدافعون عَن أنفسهم ويقاتلون وينتظرون قدوم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ عَلَيْهِم وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُرْسل إِلَيْهِم من الشرقية ويعدهم بالقدوم عَلَيْهِم وهم فِي قتال وحصار وَشدَّة مُدَّة من ثَالِث شهر ربيع الأول من عَام وَاحِد وَتِسْعين وثمان مئة إِلَى الْيَوْم الْخَامِس عشر لجمادى الأولى من عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور
فَبَيْنَمَا أهل ربض البيازين ينتظرون قدوم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ عَلَيْهِم إِذا بِهِ سَار إِلَى مَدِينَة لوشة وَوَقع الصُّلْح بَينه وَبَين عَمه الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد أَمِير غرناطة فِي حِينه على أَن يسلم لِعَمِّهِ الْمَذْكُور فِي المملكة على أَن يكون هُوَ من تَحت يَدَيْهِ وَأرْسل إِلَى البيازين بذلك وأدخلهم فِي الصُّلْح
стр. 47
اسْتِيلَاء النَّصَارَى على مَدِينَة لوشة ٢٦ جُمَادَى الأولى عَام ٨٩١
فَبَيْنَمَا الْمُسلمُونَ كَذَلِك بَين حَرْب وَصلح إِذْ بِصَاحِب قشتالة دمره الله قد أقبل بمحلته على مَدِينَة لوشة فنزلها الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ وَمَعَهُ جمَاعَة من أهل نجدة البيازين حِين سمعُوا بقدوم النَّصَارَى عَلَيْهَا تحَصَّنُوا بهَا مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ الْمَذْكُور فحاصرها الْعَدو حصارا شَدِيدا وَنصب عَلَيْهَا أنفاطه وعدته واقترب إِلَيْهَا بجيشه وَآلَة حربه حَتَّى دخلُوا ربضها وهدموا بعض أسوارها بالأنفاط وَقتل كثير من نجدة الرِّجَال وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الْحصار فَلَمَّا رأى أهل لوشة مَالا طَاقَة لَهُم بِهِ من شدَّة الْحصار وَكَثْرَة جموع النَّصَارَى وَتَأْخِير أهل غرناطة عَن نصرتهم طلبُوا الْأمان وَاتَّفَقُوا على أَن يخرجُوا مُؤمنين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادهمْ وخيلهم وسلاحهم ودوابهم وَجَمِيع مَا يقدرُونَ على حمله فأجابهم الْعَدو لذَلِك ووفى لَهُم بِهِ فَأخذُوا فِي إخلاء الْبِلَاد ووصلوا إِلَى غرناطة بِمَا مَعَهم
стр. 48
وَكَانَ اسْتِيلَاء الْعَدو على مَدِينَة لوشة فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى من عَام إِحْدَى وَتِسْعين وثمان مئة
وَلم يسرح صَاحب قشتالة الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بل حَبسه عِنْده ليستأصل بِهِ بَقِيَّة الأندلس
اسْتِيلَاء النَّصَارَى على إلبيرة وحصن المكلين وقلنبيرة جُمَادَى الْآخِرَة عَام ٨٩١
فَلَمَّا كَانَ النّصْف الأول من جُمَادَى الْآخِرَة من عَام التَّارِيخ
стр. 49
الْمَذْكُور خرج ملك الرّوم بمحلته دمره الله فقصد حصن إلبيرة فَنزل عَلَيْهِ وَنصب أنفاطه وعدته
فَلَمَّا رأى المحصورون مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ من شدَّة الْقِتَال والحصار طلبُوا مِنْهُ الْأمان على أنفسهم وخيلهم ودوابهم وأسلحتهم وَجَمِيع مَا يقدرُونَ على حمله من أمتعتهم فأجابهم إِلَى مَا طلبوه مِنْهُ ووفى لَهُم بِهِ فَخَرجُوا وأخلوا لَهُ الْحصن وصاروا إِلَى غرناطة
ثمَّ انْتقل الْعَدو إِلَى حصن مكلين أَيْضا فَنزل عَلَيْهِ بمحلته وَقرب مِنْهُ بعدته وأنفاطه وَقَاتلهمْ قتالا شَدِيدا وَهدم بعض الأسوار بالأنفاط
وَكَانَت لَهُ أنفاط يَرْمِي بهَا صخورا من نَار فتصعد فِي الْهَوَاء وتنزل على الْموضع وَهِي تشتعل نَارا فتهلك كل من نزلت عَلَيْهِ وتحرقه فَكَانَ ذَلِك من جملَة مَا كَانَ يخذل بِهِ أهل الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ ينزل عَلَيْهَا
стр. 50
فَلَمَّا رأى أهل حصن مكلين مَا نزل بهم من الْبلَاء وَأَنه لَا طَاقَة لَهُم بِهِ طلبُوا الْأمان كَمَا فعل أهل حصن إلبيرة وَخَرجُوا مُؤمنين بِأَمْوَالِهِمْ ووفي لَهُم بِمَا طلبوه مِنْهُ
فَلَمَّا سمع أهل حصون قلنبيرة مَا حل بِمن جاورهم من الْحُصُون خَافُوا على أنفسهم فطلبوا من الْعَدو دمره الله الْأمان
стр. 51
على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وسلموا إِلَيْهِ الْحصن من غير قتال
ثمَّ رحلوا إِلَى غرناطة بِأَمْوَالِهِمْ وأمتعتهم وَأَوْلَادهمْ وَتوجه الْعَدو دمره الله إِلَى منتفريد فنصب عَلَيْهِ عدته وأنفاطه وقاتله قتالا شَدِيدا فَلَمَّا رأى المدافعون مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ وَلم تغن مَنْعَة الْحصن شَيْئا أذعنوا وطلبوا مِنْهُ الْأمان مثل مَا طلب أهل الْحُصُون الْمُتَقَدّمَة فأجابهم إِلَى مَا طلبوه وَخَرجُوا مُؤمنين بِمَا مَعَهم من الْأَمْتِعَة قَاصِدين مَدِينَة غرناطة
وَكَذَلِكَ اتّفق أَيْضا لأهل حصن الضحة وَاسْتولى الْعَدو فِي الشَّهْر على جَمِيع الْحُصُون وَصَارَت بِيَدِهِ وقهر بهَا غرناطة
وَأخذ فِي بنائها وتحصينها وتمنيعها وَإِصْلَاح شَأْنهَا وشحنها
стр. 52
بِجَمِيعِ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من طَعَام وعدة وَرِجَال وَغير ذَلِك ليضيق على غرناطة
خُرُوج الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ إِلَى حصون الشرقية واستئناف الْقِتَال بَين أهل ربض البيازين وغرناطة شَوَّال عَام ٨٩١ ومحرم عَام ٨٩٢
ثمَّ إِن الْعَدو ارتحل إِلَى بِلَاده فَبَقيَ بهَا بعض أشهر وسرح الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ وَأمره بِالْخرُوجِ إِلَى حصون الشرقية وَذَلِكَ كيدا مِنْهُ ومكرا ليعْمَل الْحِيلَة على تِلْكَ الْجِهَة فَخرج الْأَمِير مُحَمَّد إِلَى حصن بلش من حصون شرقية الأندلس فَقَامَ بدعوته ودخله ثمَّ جعل يكْتب إِلَى الْمَوَاضِع وَيُرْسل الْكتب ويعدهم بِالصُّلْحِ مَعَ النَّصَارَى إِن أطاعوه فَلم يقبل مِنْهُ أحد وَلم يقم بدعوته فَرد وَمَا زَالَت شياطين الْفِتْنَة توسوس إِلَى أَن وجدوا فِي ربض البيازين من غرناطة طَائِفَة من أهل الشَّرّ وَالْفساد فقبلوا قَوْلهم ووعدوهم أَن يقومُوا بدعوته إِن كَانَ لَهُ صلح مَعَ النَّصَارَى وأخفوا حَدِيثهمْ وَلم يظهروه لأحد
ثمَّ إِن حصون الشرقية قَامَت بدعوته طَمَعا فِي الصُّلْح مَعَ
стр. 53
النَّصَارَى وَبَقِي الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ يكْتب إِلَى الْمَوَاضِع والقرى والحصون ويخبرهم أَن مَعَه صلحا مَعَ النَّصَارَى صَحِيحا فَلم يقبل مِنْهُ أحد بذلك
فَلَمَّا رأى أَن أهل الْبَلَد لم يقبلُوا مِنْهُ اتّفق رَأْيه أَن يسير بخاصته إِلَى ربض البيازين فَأخذ من خاصته من يَثِق بِهِ وَخرج عَن حصون الشرقيه قَاصِدا ربض البيازين وغرناطة فَدخل ربض البيازين على حِين غَفلَة من عَمه مُحَمَّد بن سعد أَمِير غرناطة وَلم يشْعر بِهِ أحد حَتَّى دخل وَاجْتمعت مَعَه تِلْكَ الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة قبل وانضم إِلَيْهِ آخَرُونَ فاشتدت عصابته وغلظت شوكته وَأمر مناديه أَن يُنَادي ان لَهُ صلحا صَحِيحا مَعَ النَّصَارَى فَقَامَ أهل البيازين بدعوته وَلم يقبل أهل غرناطة مِنْهُ مَا ذكر من الصُّلْح وَقَالُوا إِنَّه لَيْسَ بِصَحِيح فاشتعلت نَار الْفِتْنَة بَين أهل ربض البيازين وَبَين أهل
стр. 54
غرناطة وَاشْتَدَّ ضرامها وَبلغ الْعَدو دمره الله مَا أمله ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا
وَكَانَ دُخُول الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ ربض البيازين فِي السَّادِس عشر لشوال عَام إِحْدَى وَتِسْعين وثمان مئة فتعصب أهل غرناطة مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن سعد على أهل البيازين وتعصب أهل البيازين مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ على أهل غرناطة وَوَقع الْحَرْب والقتال بَينهم وَصَارَ يقتل بَعضهم بَعْضًا وينهب بَعضهم مَال بعض الآخر
ثمَّ إِن الْعَدو دمره الله أمد أَمِير البيازين بِالرِّجَالِ والأنفاط والبارود والقمح والعلف والبهائم وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَغير ذَلِك ليَشُد بِهِ عضد الْفِتْنَة وَيُقَوِّي الشَّرّ وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْفَرِيقَيْنِ
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع وَالْعشْرُونَ من محرم عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين عزم أَمِير غرناطة أَن يدْخل ربض البيازين عنْوَة بِالسَّيْفِ فندب أهل غرناطة وَغَيرهم من أحوازها وَقَالَ لَهُم إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد حلت دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ لنصرتهم بالنصارى فَمَا لَهُم إِلَّا
стр. 55
السَّيْف وَندب أهل بسطة وَأهل وَادي آش وَمن حولهَا وَأمرهمْ بالهبوط على طَرِيق الفرغ وَالدُّخُول على بَاب فج اللبوة فِي ذَلِك الْيَوْم وَفتح أهل غرناطة بَاب الْحَدِيد وَبَاب أنيدر وَبَاب قشتر ونقبة بَاب البنود وَبَاب البنود ونقبة ربض
стр. 56
الْبَيْضَاء وَبَاب الدفاف فَخرجت عَلَيْهِ طَائِفَة وطلعت على الْوَادي فَدخلت بَاب الشميس وَدخلت كل طَائِفَة على جِهَتهَا
وَذَلِكَ كُله فِي سَاعَة وَاحِدَة
فلطف الله تَعَالَى بِأَهْل البيازين فَخرج لكل جِهَة من هَذِه الْجِهَات طَائِفَة مِنْهُم فدفعوهم وقاتلوهم وردوهم على أَعْقَابهم منهزمين فَدَخَلُوا بلدهم وسدوا أَبْوَابهم وبنوا نقبهم وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْفَرِيقَيْنِ والعدو دمره الله يدبر الْحِيلَة عَلَيْهِم
نزُول ملك قشتالة فِي ضواحي مَدِينَة بلش واحتلالها بِدُونِ قتال ربيع الآخر عَام ٨٩٢
فَلَمَّا كَانَ النّصْف من شهر ربيع الثَّانِي عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين وثمان مئة خرج الطاغية بمحلته إِلَى أَرض الْمُسلمين قَاصِدا مَدِينَة بلش مالقة وَكَانَت على ذمَّة أَمِير غرناطة فنزلها
стр. 57
فَلَمَّا سمع ملك غرناطة بنزوله على مَدِينَة بلش ندب أهل غرناطة وَمن أطاعه من أهل تِلْكَ الْجِهَات وَترك طَائِفَة تقَاتل أهل البيازين وَخرج يُرِيد نصْرَة أهل بلش وَذَلِكَ يَوْم السبت الرَّابِع وَالْعِشْرين لربيع الثَّانِي من عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور قبل فَلَمَّا سَار قَرِيبا مِنْهَا وجد الْعَدو قد سبقه بالنزول عَلَيْهَا وَدَار بهَا من كل الْجِهَات فقصد الْأَمِير حصن منتميس فنزله بمحلته وَأقَام بِهِ بعض الْأَيَّام فَطَلَبه النَّاس أَن يسير بهم نَحْو الْعَدو للقائه فَتوجه بهم إِلَيْهِ فرتبهم وَكَانَ ذَلِك عَشِيَّة النَّهَار فَدخل عَلَيْهِم اللَّيْل بِالطَّرِيقِ فَبَيْنَمَا هم سائرون إِذْ قَامَت كرة ودهشة فَانْهَزَمُوا فِي ظلام اللَّيْل من غير لِقَاء عَدو وَلَا قتال
стр. 58
فَرَجَعُوا منهزمين مفلولين إِلَى محلتهم فَبَاتُوا ليلتهم تِلْكَ وَفِي الْغَد أَتَاهُم الْخَبَر أَن الْعَدو استخلص مَدِينَة بلش فَسقط فِي أَيْديهم وانهزموا من غير قتال وَرجع كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى وَطنه
قيام غرناطة بدعوة الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ جُمَادَى الأولى عَام ٨٩٢
فَبَيْنَمَا الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد فِي طَرِيقه إِلَى غرناطة خبر أَن غرناطة قد قَامَت بدعوة ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن عَليّ وَدخل الْبَلَد وَملكه وَقتل القواد الَّذين كَانُوا بِالْبَلَدِ يقاتلونه فَلَمَّا سمع الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد ذَلِك رَجَعَ على عقبه يُرِيد الْبشرَة فَسَار من هُنَالك إِلَى وَادي آش فَدَخلَهَا بِمن مَعَه
وَكَانَ قيام أهل غرناطة بدعوة البيازين وأميرهم مُحَمَّد بن
стр. 59
عَليّ يَوْم الْأَحَد الْخَامِس من جُمَادَى الأولى عَام التَّارِيخ الْمَذْكُور قبل فَدخل الْبَلَد وَنزل فِي القصبة الْقَدِيمَة
وَاسْتولى الْعَدو دمره الله على مَدِينَة بلش يَوْم الْجُمُعَة الْعَاشِر من جُمَادَى الأولى عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين وثمان مئة
وَلما استولى الْعَدو دمره الله على مَدِينَة بلش دخلت فِي ذمتة جَمِيع الْقرى الَّتِي تلِي بلش وقرى جبل منتميش وحصن قمارش وَخرج أهل بلش من بلدهم مُؤمنين وحملوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ بعد قتال شَدِيد وَحرب عَظِيم فَمنهمْ من جوزه الْعَدو إِلَى أَرض العدوة وَمِنْهُم من أَقَامَ فِي بعض تِلْكَ الْقرى وَمِنْهُم من سَار إِلَى أَرض الْمُسلمين الَّتِي بقيت بالأندلس
حِصَار مَدِينَة مالقة ودفاعها الْمجِيد شعْبَان عَام ٨٩٢
فَلَمَّا استخلص الْعَدو مَدِينَة بلش سَار بمحلته نَحْو مَدِينَة مالقة فَنزل عَلَيْهَا وقاتلها قتالا شَدِيدا وحاصرها حصارا
стр. 60
عَظِيما لم ير مثله وأحاط بهَا من كل جَانب وَمَكَان برا وبحرا فتحصن أهل مالقة ببلدهم وأظهروا مَا كَانَ عِنْدهم وَمَعَهُمْ من السِّلَاح وَالْعدة والأنفاط وَكَانَ فيهم جملَة من نجدة الفرسان فَقَاتلُوا الرّوم قتالا شَدِيدا وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا حَتَّى إِنَّه قتل من الرّوم فِي يَوْم وَاحِد اثْنَا عشر ألفا وَسبع مئة وَمَعَ ذَلِك بَقِي الْعَدو يفتح عَلَيْهِم أبوابا من الْحَرْب والحيل والمسلمون قائمون بحراسة بلدهم ويغلبون عدوهم وَيقْتلُونَ من قرب إِلَيْهِم مِنْهُم
وهم صَابِرُونَ محتسبون مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى ضيق عَلَيْهِم الْعَدو ودور بِالْمَدِينَةِ سورا من تُرَاب وسورا من خشب وحفيرا مَانِعا وَمنع عَلَيْهِم الدَّاخِل وَالْخَارِج فِي الْبر وَمنع عَلَيْهِم فِي الْبَحْر بالمراكب من الدَّاخِل وَالْخَارِج وَشد عَلَيْهِم فِي الْحصار والقتال وهم مَعَ ذَلِك صَابِرُونَ محتسبون يُقَاتلُون أَشد الْقِتَال وَلَا يظهرون جزعا وَلَا هلعا وَلَا يطمعون الْعَدو فِي شَيْء مِمَّا يرومه مِنْهُم حَتَّى نفد مَا عِنْدهم من الْأَطْعِمَة والزاد وأكلوا مَا كَانَ عِنْدهم من الْمَوَاشِي من خيل وبغال وحمير وكلاب وجلود وورق الشّجر وَغير ذَلِك من الْأَشْيَاء الَّتِي يُمكن أكلهَا حَتَّى فني ذَلِك كُله وَأثر فيهم الْجُوع أثرا عَظِيما وَمَات كثير من نجدة رِجَالهمْ الَّذين كَانُوا يوالون الْحَرْب والقتال
стр. 61
فَحِينَئِذٍ أذعنوا وطلبوا الْأمان فاحتال عَلَيْهِم الْعَدو حَتَّى دخل الْبَلَد بمكر ومكيدة وأسرهم كلهم وسبى نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ واحتوى على جَمِيع أَمْوَالهم وفرقهم على أهل دَخلته وقواده وَكَانَ مصابهم مصابا عَظِيما تحزن لَهُ الْقُلُوب وتذهل لَهُ النُّفُوس وتذوب وتبكي مصابهم الْعُيُون بالدماء فَإنَّا لله وَإِنَّا لَهُ رَاجِعُون
وَكَانَ اسْتِيلَاء الْعَدو على مَدِينَة مالقة فِي أَوَاخِر شعْبَان عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين وثمان مئة
فحين خلصت لِلْعَدو دمره الله مَدِينَة مالقة وبلش وَجَمِيع الغربية وَلم يبْق فِي تِلْكَ النواحي للْمُسلمين مَوضِع وَاحِد ارتحل الطاغية إِلَى بَلَده من قشتالة
стр. 62
وَفِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مئة خرج الْعَدو نَحْو حصون الشرقية وَكَانَت فِي صلحه فاستولى على تِلْكَ الْحُصُون كلهَا غدرا ومكرا من غير قتال وَلَا حِصَار وَلَا تَعب وَصَارَت جَمِيع حصون الشرقية فِي قَبضته وَتَحْت إيالته ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده من قشتالة
حِصَار مَدِينَة بسطة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وشوال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة من عَام ٨٩٤
وَفِي شهر رَجَب من سنة أَربع وَتِسْعين وثمان مئة خرج الْعَدو دمره الله بمحلته وعدته وَقصد نَحْو حصن موجر فحاصره وقاتله قتالا شَدِيدا أَيَّامًا قَلَائِل فاستولى عَلَيْهِ وَاسْتولى أَيْضا عل الْحُصُون الْقَرِيبَة مِنْهُ وَمن مَدِينَة بسطة وَقصد مَدِينَة بسطة أَيْضا فَنزل قَرِيبا مِنْهَا فَوجدَ بَلَدا مُقيما بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال وَالْعدة
стр. 63
وَالطَّعَام فَكلما قرب من الْبَلَد وَأَرَادَ قتال الْمُسلمين رَجَعَ خاسرا وَقتل مِنْهُ خلق كثير وَلم يقدر أَن يمْنَع داخلها وخارجها كَمَا فعل بغَيْرهَا من المدن وَكَانَ يدخلهَا كل من جاءها من نجدة الفرسان وَالرِّجَال فَبَقيَ محاذيا لَهَا شهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان
والمسلمون قائمون ببلدهم غالبون لعدوهم فَكلما أَرَادَ الدنو من الْبَلَد قمعوه وردوه على عقبه خائبا خاسرا وَلم يقدر على نصب نفط وَلَا عدَّة من آلَة الْحَرْب فَلَمَّا كَانَ شهر شَوَّال شدّ عَلَيْهِم الْحصار وَعمل على الْبَلَد سورا من خشب وحفيرا عَظِيما وَجعل على ذَلِك الرِّجَال والحرس لِئَلَّا يدْخل دَاخل من أنجاد الرِّجَال إِلَيْهِم الَّذين يأْتونَ لنصرتهم وإعانتهم على عدوهم وَلَا من يجلب لَهُم الطَّعَام فَلم يعبأ الْمُسلمُونَ بِمَا صنع بل كَانُوا يخرجُون من النقب ويهبطون من على الأسوار ويقتلونهم فِي محلتهم وَفِي كل مَسْلَك يسلكونه حَتَّى قتلوا مِنْهُم خلقا كثيرا وَكَانُوا يحملون الْمُسلمين الواردين
стр. 64
عَلَيْهِم لنصرتهم بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الطَّعَام فبقوا على هَذِه الْحَالة من شدَّة الْحصار شهر شَوَّال وَذَا الْقعدَة وَذَا الْحجَّة وَفِي آخر ذِي الْحجَّة من عَام التَّارِيخ تفقد أَعْيَان الْبَلَد مَا بَقِي فِي بلدهم من الطَّعَام وَذَلِكَ فِي خُفْيَة من الْعَامَّة فَلم يَجدوا إِلَّا مَا يُقَام بِهِ أَيَّامًا قَلَائِل فبعثوا لملك الرّوم وطلبوا مِنْهُ الْأمان على شُرُوط اشترطوها فوجدوه رَاغِبًا فِي ذَلِك فَجعلُوا بَينهم هدنة وَالْكَلَام يتَرَدَّد بَينهم فِي خُفْيَة من الْعَامَّة فأجابهم بِجَمِيعِ مَا طلبوه مِنْهُ
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة عَاشر محرم الْحَرَام فاتح عَام خَمْسَة وَتِسْعين وثمان مئة أَدخل قواد الْبِلَاد جمعا من النَّصَارَى للقصبة على حِين غَفلَة من الْعَامَّة فملكوا القصبة وقهروا من كَانَ بِالْبَلَدِ من الْعَامَّة وَغَيرهم وَسقط فِي أَيْديهم ثمَّ إِنَّهُم سرحوا من كَانَ عِنْدهم من أنجاد الرِّجَال والفرسان الَّذين كَانُوا عِنْدهم يعينونهم على نصْرَة عدوهم فَخَرجُوا مُؤمنين بخيلهم وأسلحتهم وأمتعتهم كَمَا
стр. 65
شَرط عَلَيْهِ قواد الْبَلَد فَسَارُوا إِلَى مَدِينَة وَادي آش وأخلوا الْبَلَد لِلنَّصَارَى وَخَرجُوا إِلَى الأرباض بِمَا مَعَهم من أَمْوَالهم وأمتعتهم مُؤمنين وَلم يتْركُوا شَيْئا إِلَّا سقف الْمَدِينَة خَاصَّة
ثمَّ إِن ملك الرّوم دمره الله جعل فِي الْبَلَد قائدا من قواده حَاكما ورتبه وأشحنه بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَطْعِمَة وَزَاد وَآلَة حَرْب وارتحل من مَدِينَة بسطة يُرِيد المرية فَلم يمر على حصن وَلَا على قَرْيَة إِلَّا وَدخل أَهلهَا فِي ذمَّته وَتَحْت طَاعَته من غير حِصَار وَلَا قتال
стр. 66
الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد يُبَايع ملك قشتالة ويساعده مَعَ قواده لتطويع مَا بَقِي من بِلَاد الْمُسلمين صفر عَام ٨٩٥
ثمَّ خرج الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد من مَدِينَة وَادي آش تَابعا لصَاحب قشتالة فَلَمَّا لحقه بَايعه وَدخل فِي ذمتة وَتَحْت طَاعَته على أَن يُعْطِيهِ مَدِينَة وَادي آش وكل مَدِينَة وحصن وقرية كَانَت تَحت طَاعَته وَحكمه فَأَجَابَهُ إِلَى مطلبه وَرجع مَعَه إِلَى وَادي آش وَهُوَ
стр. 67
فَرح مسرور فَدَخلَهَا الْعَدو وَقبض قصبتها وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي الْعشْر الأول من شهر صفر عَام خَمْسَة وَتِسْعين وثمان مئة وَدخل فِي ذمَّته جَمِيع فرسَان الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد وَجَمِيع قواده وصاروا لَهُ عونا على الْمُسلمين وطوعوا لَهُ جَمِيع الْبِلَاد والقرى والحصون الَّتِي كَانَت تَحت طاعتهم من مَدِينَة المرية إِلَى مَدِينَة الْمنْكب وَمن مَدِينَة الْمنْكب إِلَى قَرْيَة البذول فَقبض صَاحب قشتالة ذَلِك كُله من غير قتال ولاحصار وَلَا تَعب وَلَا نصب فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَجعل فِي كل قَصَبَة قائدا نَصْرَانِيّا مَعَ جمَاعَة من النَّصَارَى يحكم فِي ذَلِك الْموضع
وَفِي هَذَا الشَّهْر خلصت جيمع بِلَاد الأندلس لصَاحب قشتالة وَدخلت تَحت طَاعَته وتدجن جَمِيع أَهلهَا وَلم يبْق للْمُسلمين فِي الأندلس غير مَدِينَة غرناطة وَمَا حولهَا من الْقرى خَاصَّة
وَزعم كثير من النَّاس أَن الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد وقواده باعوا من صَاحب قشتالة هَذِه الْقرى والبلاد الَّتِي كَانَت تَحت طاعتهم
стр. 68
وقبضوا مِنْهُ ثمنهَا وَذَلِكَ على وَجه الفرصة والإنتقام من ولد أَخِيه الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ وقواده لأَنهم كَانُوا فِي غرناطة وَلم يكن تَحت طاعتهم غَيرهَا وَكَانَ فِي صلح الْعَدو فَأَرَادَ بذلك قطع علائق غرناطة لتهلك كَمَا هلك غَيرهَا
ملك قشتالة ينْقض معاهدة الصُّلْح ويشهر الْحَرْب على أَمِير غرناطة ويستولي على برج الملاحة وبرج هَمدَان
فَلَمَّا صَارَت هَذِه الْبِلَاد كلهَا تَحت ذمَّة الْعَدو وَلم يبْق لصَاحب قشتالة سوى غرناطة الَّتِي هِيَ فِي صلحه وَرَأى أَن الاسلام قد دثر من بِلَاد الأندلس وَقع طمعه وَنقض مَا كَانَ بَينه وَبَين صَاحب غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ من الصُّلْح فَأخذ برج ملاحة غرناطة وبرج قَرْيَة هَمدَان وَكَانَا برجين كبيرين حصينين فزادهما تحصينا وتمنيعا وأشحنهما بِالرِّجَالِ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من آلَة الْحَرْب ليضيق على أهل غرناطة لأَنهم كَانُوا قريبين مِنْهُمَا فضيق بذلك عَلَيْهِم أَشد الضّيق
стр. 69
وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة خمس وَتِسْعين وثمان مئة بعث ملك النَّصَارَى إِلَى صَاحب غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ على أَن يُعْطِيهِ مَدِينَة الْحَمْرَاء وَمَا قطع الْوَادي لجِهَة الْحَمْرَاء من غرناطة وَيتْرك للأمير الْمَذْكُور مُحَمَّد بن عَليّ سَائِر الْبَلَد وَالدُّخُول فِي ذمتة كَمَا دخل سَائِر الأندلس وَظن أَن ذَلِك يتم لَهُ فأطمعه الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ فِي ذَلِك فَخرج صَاحب قشتالة فَرحا مَسْرُورا بمحلته لقبض مَدِينَة الْحَمْرَاء وغرناطة وللنزهة فيهمَا وَخرج مَعَه الصّبيان وَالنِّسَاء بِقصد النزهة وَلم يظنّ أَن فِي مَدِينَة غرناطة مدافعا لَهُ وَلَا مُقَاتِلًا وَلَا معاندا
فَلَمَّا بلغ الْخَبَر أهل غرناطة بِخُرُوج صَاحب قشتالة وَأَنه قادم عَلَيْهِم حَسْبَمَا ذكر جمع أَمِير غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ خاصتهم وعامتهم وَأخْبرهمْ بِمُرَاد طاغية النَّصَارَى وَمَا طلب وَمَا خُرُوجه إِلَّا ليدْخل الْبَلَد على الصّفة الْمَذْكُورَة واستشارهم فِي ذَلِك فَأَجْمعُوا أَمرهم كلهم على قِتَاله ومدافعته عَنْهُم بِمَا أمكن حَتَّى يفتح الله عَلَيْهِم أَو يهْلكُوا عَن آخِرهم وتعاهدوا مَعَ أَمِيرهمْ أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة على قتال
стр. 70
عدوهم فَبلغ ملك النَّصَارَى مقالتهم وَمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فساءه ذَلِك وغمه فَجمع جَمِيع جيوشه وَنزل بمحلته مرج غرناطة وَجعل يقطع الطّرق وَيفْسد الزَّرْع وَغَيره فَخرج إِلَيْهِ فرسَان الْمُسلمين من أهل غرناطة يتقدمهم القواد وبرز الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ مَعَ الرِّجَال قَرِيبا من الْبَلَد وَقُلُوبهمْ واثقة بِاللَّه يسْأَلُون من الله النَّصْر والمعونة على عدوهم
وَخرج مَعَ ملك الرّوم فِي محلته جمَاعَة من الْمُرْتَدين الداخلين فِي ذمَّته من أهل الْحُصُون والقرى والمدن يدلونه على عورات الْمُسلمين ويحرضونه على قِتَالهمْ وَكَانَ خُرُوج الرّوم فِي أول رَجَب من سنة التَّارِيخ فَكَانَ كلما أَرَادَ الدنو من الْبَلَد وَفتح للحرب بَابا
стр. 71
ردهم الله على أَعْقَابهم مهزومين مفلولين بنصر الله ومعونته وفرسان الْمُسلمين صَابِرُونَ محتسبون حَتَّى قتلوا من الرّوم خلقا كثيرا فَلَمَّا تبين لملك الرّوم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بالدنو من غرناطة وَأَن بهَا حماة من الفرسان وَالرِّجَال منعوها من كل جِهَة وَمَكَان وأيدهم الله بعزيز نَصره وَلم يَتْرُكُوهُ أَن يجد فِيهَا فرْصَة ارتحل عَنْهَا يعَض أنامله من الغيظ
وَذَلِكَ كَانَ فِي النّصْف من شهر رَجَب عَام تَارِيخه وَهدم برج عويو وَزَاد إشحانا لبرج هَمدَان من الْمُرْتَدين أهل الْقرْيَة وشرذمة أُخْرَى من النَّصَارَى وشيئا كثيرا من الطَّعَام وَالْعدة وَآلَة الْحَرْب وَعمر أَيْضا برج الملاحة وشحنه بِمثل ذَلِك ورحل إِلَى بِلَاده من قشتالة
انتصار الْمُسلمين واستيلاؤهم على قرى إقليم الْبشرَة واسترجاعهم قَرْيَة البذول عَام ٨٩٥
وَبعد ارتحال الْعَدو بأيام قَلَائِل خرج أهل غرناطة مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ إِلَى قَرْيَة البذول وقاتلوا من بهَا من النَّصَارَى
стр. 72
والمرتدين حَتَّى فتحهَا الله تَعَالَى ودخلوها عنْوَة وَفتح الله ذَلِك الإقليم كُله وَدخل فِي ذمَّة الْمُسلمين فَرجع أهل غرناطة إِلَى بِلَادهمْ فرحين مستبشرين بنصر الله تَعَالَى
فَبعد وصولهم وَردت عَلَيْهِم أرسال من قبل قرى الْبشرَة يطْلبُونَ من الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ أَن يقدم عَلَيْهِم بِجَيْش الْمُسلمين ليدخلوا فِي ذمَّته فَخرج إِلَيْهِم من غرناطة فِي بَقِيَّة رَجَب الْمَذْكُور بِجَمَاعَة من الْمُسلمين من أهل غرناطة فقصد الأنجرون من قرى الْبشرَة فَنزل هُنَاكَ وانجلى من كَانَ هُنَالك من النَّصَارَى والمرتدين إِلَى حصن أندراش
стр. 73
وَدخلت تِلْكَ الْجِهَات كلهَا فِي ذمَّة الْمُسلمين وَرجع الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بِمن مَعَه إِلَى غرناطة فرحين مستبشرين بنصر الله وَترك الْأَمِير وزيره بِجَمَاعَة من أنجاد الفرسان لِيُقَاتل بهم من بَقِي هُنَالك من النَّصَارَى والمرتدين
فرار الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد إِلَى المرية وَدخُول فرسَان غرناطة حصن أندرش واسترجاعهم بَقِيَّة الْجِهَات الَّتِي كَانَت بيد النَّصَارَى
فَلَمَّا كَانَ شهر شعْبَان من سنة التَّارِيخ الْمَذْكُور بعث الْوَزير من الْبشرَة إِلَى الْأَمِير بغرناطة يُعلمهُ أَن هَذِه الْجِهَات الَّتِي بقيت مَعَ النَّصَارَى بعثوا إِلَيْهِ يطْلبُونَ أَن يقدم عَلَيْهِم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ ليدخلوا فِي ذمَّته فَخرج الْأَمِير على أحسن أهبة فِي نجدة
стр. 74
فرسَان أهل غرناطة وَخرج بهم فِي الْعشْر الأول من شعْبَان عَام التَّارِيخ يُرِيد الْبشرَة فقصد حصن أندراش وَكَانَ بِهِ الْأَمِير مُحَمَّد ابْن سعد وَجَمَاعَة من الْمُرْتَدين فَلَمَّا سمع بقدوم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بِجَيْش أهل غرناطة خرج بِمن مَعَه من الْمُرْتَدين هَارِبا مهزوما إِلَى مَدِينَة المرية وَرجع كثير مِمَّن كَانَ مَعَه من الْمُسلمين
وَدخل أَمِير غرناطة بمحلته حصن أندراش واسترجعت تِلْكَ الْجِهَات كلهَا إِلَى الاسلام كَمَا كَانَت أَولا من غير حَرْب وَلَا قتال
وَقد سمع من كَانَ ببرجة ودليد بذلك فَهَرَبُوا وَرجعت
стр. 75
تِلْكَ الْجِهَات كلهَا إِلَى الْمُسلمين فرتب الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ هُنَالك قوادا وفرسانا وارتحل نَحْو غرناطة فَدَخلَهَا فِي النّصْف من شعْبَان عَام خَمْسَة وَتِسْعين وثمان مئة بِمن مَعَه من جَيش الْمُسلمين وعامتهم فرحين مستبشرين بنصر الله تَعَالَى وتأييده
اسْتِئْنَاف الْحَرْب وحصار الْمُسلمين لقرية هَمدَان وَضرب برجها وَأَخذهَا عنْوَة رَمَضَان عَام ٨٩٥
فَلَمَّا كَانَ الْعشْر الأول من رَمَضَان عَام التَّارِيخ أَتَت طَائِفَة من النَّصَارَى والمرتدين تغلبُوا على حصن أندراش فملكوه وفر مِنْهُ من كَانَ بِهِ من فرسَان الْمُسلمين لأَنهم كَانُوا شرذمة قَليلَة وأتاهم مَا لَا طَاقَة لَهُم عَلَيْهِ
وَفِي السَّادِس من شهر رَمَضَان عَام التَّارِيخ خرج ملك غرناطة بمحلته نَحْو قَرْيَة هَمدَان يُرِيد فتحهَا وَأمر بِإِخْرَاج الْعدة وَآلَة الْحَرْب وَكَانَ بالقرية الْمَذْكُورَة جمَاعَة من فرسَان النَّصَارَى دمرهم الله والمرتدين من أهل الْقرْيَة وَكَانَ النَّصَارَى قد بنوا حول برجها بنيانا عَظِيما منيعا بأنواع من بِنَاء الْحَرْب وخدعه وحصن
следующие страницы →