← История

История · id 6646

نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر

-

Полный текст (110 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ردهم الله على أَعْقَابهم مهزومين مفلولين بنصر الله ومعونته وفرسان الْمُسلمين صَابِرُونَ محتسبون حَتَّى قتلوا من الرّوم خلقا كثيرا فَلَمَّا تبين لملك الرّوم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بالدنو من غرناطة وَأَن بهَا حماة من الفرسان وَالرِّجَال منعوها من كل جِهَة وَمَكَان وأيدهم الله بعزيز نَصره وَلم يَتْرُكُوهُ أَن يجد فِيهَا فرْصَة ارتحل عَنْهَا يعَض أنامله من الغيظ وَذَلِكَ كَانَ فِي النّصْف من شهر رَجَب عَام تَارِيخه وَهدم برج عويو وَزَاد إشحانا لبرج هَمدَان من الْمُرْتَدين أهل الْقرْيَة وشرذمة أُخْرَى من النَّصَارَى وشيئا كثيرا من الطَّعَام وَالْعدة وَآلَة الْحَرْب وَعمر أَيْضا برج الملاحة وشحنه بِمثل ذَلِك ورحل إِلَى بِلَاده من قشتالة انتصار الْمُسلمين واستيلاؤهم على قرى إقليم الْبشرَة واسترجاعهم قَرْيَة البذول عَام ٨٩٥ وَبعد ارتحال الْعَدو بأيام قَلَائِل خرج أهل غرناطة مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ إِلَى قَرْيَة البذول وقاتلوا من بهَا من النَّصَارَى

стр. 72

والمرتدين حَتَّى فتحهَا الله تَعَالَى ودخلوها عنْوَة وَفتح الله ذَلِك الإقليم كُله وَدخل فِي ذمَّة الْمُسلمين فَرجع أهل غرناطة إِلَى بِلَادهمْ فرحين مستبشرين بنصر الله تَعَالَى فَبعد وصولهم وَردت عَلَيْهِم أرسال من قبل قرى الْبشرَة يطْلبُونَ من الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ أَن يقدم عَلَيْهِم بِجَيْش الْمُسلمين ليدخلوا فِي ذمَّته فَخرج إِلَيْهِم من غرناطة فِي بَقِيَّة رَجَب الْمَذْكُور بِجَمَاعَة من الْمُسلمين من أهل غرناطة فقصد الأنجرون من قرى الْبشرَة فَنزل هُنَاكَ وانجلى من كَانَ هُنَالك من النَّصَارَى والمرتدين إِلَى حصن أندراش

стр. 73

وَدخلت تِلْكَ الْجِهَات كلهَا فِي ذمَّة الْمُسلمين وَرجع الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بِمن مَعَه إِلَى غرناطة فرحين مستبشرين بنصر الله وَترك الْأَمِير وزيره بِجَمَاعَة من أنجاد الفرسان لِيُقَاتل بهم من بَقِي هُنَالك من النَّصَارَى والمرتدين فرار الْأَمِير مُحَمَّد بن سعد إِلَى المرية وَدخُول فرسَان غرناطة حصن أندرش واسترجاعهم بَقِيَّة الْجِهَات الَّتِي كَانَت بيد النَّصَارَى فَلَمَّا كَانَ شهر شعْبَان من سنة التَّارِيخ الْمَذْكُور بعث الْوَزير من الْبشرَة إِلَى الْأَمِير بغرناطة يُعلمهُ أَن هَذِه الْجِهَات الَّتِي بقيت مَعَ النَّصَارَى بعثوا إِلَيْهِ يطْلبُونَ أَن يقدم عَلَيْهِم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ ليدخلوا فِي ذمَّته فَخرج الْأَمِير على أحسن أهبة فِي نجدة

стр. 74

فرسَان أهل غرناطة وَخرج بهم فِي الْعشْر الأول من شعْبَان عَام التَّارِيخ يُرِيد الْبشرَة فقصد حصن أندراش وَكَانَ بِهِ الْأَمِير مُحَمَّد ابْن سعد وَجَمَاعَة من الْمُرْتَدين فَلَمَّا سمع بقدوم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بِجَيْش أهل غرناطة خرج بِمن مَعَه من الْمُرْتَدين هَارِبا مهزوما إِلَى مَدِينَة المرية وَرجع كثير مِمَّن كَانَ مَعَه من الْمُسلمين وَدخل أَمِير غرناطة بمحلته حصن أندراش واسترجعت تِلْكَ الْجِهَات كلهَا إِلَى الاسلام كَمَا كَانَت أَولا من غير حَرْب وَلَا قتال وَقد سمع من كَانَ ببرجة ودليد بذلك فَهَرَبُوا وَرجعت

стр. 75

تِلْكَ الْجِهَات كلهَا إِلَى الْمُسلمين فرتب الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ هُنَالك قوادا وفرسانا وارتحل نَحْو غرناطة فَدَخلَهَا فِي النّصْف من شعْبَان عَام خَمْسَة وَتِسْعين وثمان مئة بِمن مَعَه من جَيش الْمُسلمين وعامتهم فرحين مستبشرين بنصر الله تَعَالَى وتأييده اسْتِئْنَاف الْحَرْب وحصار الْمُسلمين لقرية هَمدَان وَضرب برجها وَأَخذهَا عنْوَة رَمَضَان عَام ٨٩٥ فَلَمَّا كَانَ الْعشْر الأول من رَمَضَان عَام التَّارِيخ أَتَت طَائِفَة من النَّصَارَى والمرتدين تغلبُوا على حصن أندراش فملكوه وفر مِنْهُ من كَانَ بِهِ من فرسَان الْمُسلمين لأَنهم كَانُوا شرذمة قَليلَة وأتاهم مَا لَا طَاقَة لَهُم عَلَيْهِ وَفِي السَّادِس من شهر رَمَضَان عَام التَّارِيخ خرج ملك غرناطة بمحلته نَحْو قَرْيَة هَمدَان يُرِيد فتحهَا وَأمر بِإِخْرَاج الْعدة وَآلَة الْحَرْب وَكَانَ بالقرية الْمَذْكُورَة جمَاعَة من فرسَان النَّصَارَى دمرهم الله والمرتدين من أهل الْقرْيَة وَكَانَ النَّصَارَى قد بنوا حول برجها بنيانا عَظِيما منيعا بأنواع من بِنَاء الْحَرْب وخدعه وحصن

стр. 76

برجها تحصينا عَظِيما وأشحنه بِكَثِير من الْأَطْعِمَة وَآلَة الْحَرْب والمنعة المنيعة ليظْهر لمن رَآهُ أَن لَا طَاقَة لأحد بِأَخْذِهِ لما يرَاهُ من تشييد بنائِهِ وتحصينه وتشعب أسوراه ظنا مِنْهُم أَن أهل غرناطة لَا طَاقَة لَهُم بِأَخْذِهِ وَلَا لَهُم قُوَّة لفتحه فحين نزل أهل غرناطة مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ بقرية هَمدَان تحصن من بهَا من النَّصَارَى والمرتدين بحصنهم ودارت بهم جيوش الْمُسلمين من كل جَانب بِالْقِتَالِ الشَّديد حَتَّى قربوا من السُّور الأول فَجعلت كل طَائِفَة من الْمُسلمين نقبا حَتَّى دخلُوا مَعَهم فِي الحزام الأول ثمَّ فِي الحزام الثَّانِي ثمَّ فِي الحزام الثَّالِث حَتَّى ألجؤوهم إِلَى دَاخل البرج وَذَلِكَ بعد محاربة عديدة وقتال شَدِيد اسْتشْهد فِيهِ جمَاعَة من الْمُسلمين رَحِمهم الله تَعَالَى وَحين وصل الْمُسلمُونَ إِلَى أصل البرج أخذُوا فِي نقبه فَجعلُوا

стр. 77

ينقبون ويدعمون بالخشب إِلَى أَن نقبوا فِيهِ نقبا كَثِيره فَلَمَّا علم من فِي البرج أَن النقب قد كثر خَافُوا من هَدمه عَلَيْهِم فيهلكون فَسَلمُوا البرج وأذعنوا للأسر فأسروا عَن آخِرهم وَمن مَعَهم من الْمُرْتَدين واحتوى الْمُسلمُونَ على مَا كَانَ فِي البرج من الطَّعَام وَالْعدة وَالْأَمْوَال وَنَحْو مئة وَثَمَانِينَ أَسِيرًا ثمَّ أقبل الْأَمِير بمحلته رَاجعا إِلَى غرناطة فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر لرمضان الْمُعظم عَام التَّارِيخ وَفَرح الْمُسلمُونَ بِمَا من الله وَفتح عَلَيْهِم فَرحا شَدِيدا فَأَقَامَ الْأَمِير بهَا إِلَى السَّادِس عشر من رَمَضَان الْمَذْكُور عَام التَّارِيخ حِصَار حصن شلوبانية وَالرُّجُوع عَنهُ ثمَّ نَادَى مُنَادِي أَمِير غرناطة فِي كَافَّة أهل غرناطة من خَاص وعام كَبِيرهمْ وصغيرهم يَأْمُرهُم بالإستعداد وَالْخُرُوج إِلَى مَدِينَة

стр. 78

الْمنْكب يُرِيد فتحهَا فَخرج بعد صَلَاة الْجُمُعَة من ذَلِك الْيَوْم بمحلته فَجَاز على قَرْيَة البذول فَأمر بهدم برجها ثمَّ سَار نَحْو السَّاحِل فاجتاز حصن شلوبانية فتحصن من بهَا من النَّصَارَى والمرتدين بحصنهم وقاتلوا الْمُسلمين فزحفت إِلَيْهِم جموع الْمُسلمين وقاتلوهم قتالا شَدِيدا حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِم الْحصن وألجؤوهم إِلَى القصبة فَتَحَصَّنُوا بهَا وَدَار بهم الْمُسلمُونَ من كل جَانب وَمنعُوا عَلَيْهِم المَاء وضيقوا عَلَيْهِم فِي الْحصار حَتَّى أكلُوا الْخَيل وَالدَّوَاب من شدَّة مَا لحقهم من الْجُوع فَأَقَامَ عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ

стр. 79

بَقِيَّة رَمَضَان وهم طامعون فِي فتح الْحصن وَإِذا بِخَبَر قد جَاءَ إِلَى الْأَمِير أَن طاغية الرّوم خَارج بمحلته نحوهم يُرِيد غرناطة فَأمر الْأَمِير عِنْد ذَلِك بالإرتحال وَالسير إِلَى غرناطة خوفًا من أَن يسْبقهُ الْعَدو إِلَيْهَا فَقدم الْمُسلمُونَ إِلَى غرناطة فِي ثَالِث شَوَّال عَام التَّارِيخ فأقاموا بهَا نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَرْبَعَة وَإِذا بِملك النَّصَارَى قد أقبل بمحلته وَنزل مرج غرناطة وَمَعَهُ طَائِفَة من الْمُرْتَدين والمدجنين يدلونه على عورات الْمُسلمين ويعينونه عَلَيْهِم فَجعلُوا يقطعون الذّرة والكرمات والمسلمون على قلتهم وضعفهم صَابِرُونَ على الْقِتَال محتسبون لله تَعَالَى وَيقْتلُونَ من الْكفَّار خلقا كثيرا حَتَّى منعوهم من فَسَاد كثير من الذّرة والكرمات الَّتِي بالفحص فَأَقَامَ الْعَدو نازلا عَلَيْهِم نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام وَأمر

стр. 80

بعد ذَلِك باخلاء برج الملاحة وبرج رومة وبرج مرَّتَيْنِ وقرنية وهدمهم وارتحل يُرِيد بِلَاد قشتالة فَمر فِي سيره على برج اللوزات فَأمر بهدمه ثمَّ انْطلق إِلَى مَدِينَة وَادي آش فَأخْرج من كَانَ بهَا من المدجنين وَلم يبْق بهَا وَلَا فِي أرباضها أحد مِنْهُم فَخَرجُوا من مدينتهم أَذِلَّة صاغرين فَتَفَرَّقُوا على الْقرى وَقد أَمر أَيْضا بهدم قَصَبَة أندراش وحصن المدور وتفلل أُولَئِكَ المرتدون الَّذين كَانُوا بهَا وَلم يبْق لأميرهم مُحَمَّد بن سعد عِنْد صَاحب قشتالة جاه وَلَا حظوة فَمنهمْ من جَازَ مَعَ الْأَمِير إِلَى عدوة وهران وَمِنْهُم من رَجَعَ إِلَى بِلَاد الْمُسلمين وَمِنْهُم من أَقَامَ

стр. 81

مَعَ النَّصَارَى ثمَّ ارتحل ملك الرّوم إِلَى دَاخل بِلَاده لأمر مُهِمّ حدث لَهُ هُنَالك وَفِي أَوَاخِر شَوَّال من الْعَام الْمَذْكُور تغلب الْمُسلمُونَ على أندراش وَمَا يَليهَا وَدخلت فِي ذمَّة الْمُسلمين حِصَار حصن مرشانة وانتصار الْمُسلمين ثمَّ صَار الْمُسلمُونَ إِلَى حصن مرشانة فحاصروا من بِهِ من النَّصَارَى وقاتلوهم حَتَّى نزلُوا للأسر واسترجعت تِلْكَ الْمَوَاضِع والجهات للْمُسلمين ثورة أهل قَرْيَة فنيانة ونزوح سكان قرى سَنَد وادى آش إِلَى غرناطة فَلَمَّا رأى أهل قَرْيَة فنيانة استرجاع من جاورهم لِلْإِسْلَامِ

стр. 82

أَرَادوا الْقيام على من فِي قصبتها من النَّصَارَى فخادعهم النَّصَارَى بالْكلَام وبعثوا إِلَى صَاحب وَادي آش فَقدم عَلَيْهِم بِمن مَعَه من النَّصَارَى فأحاط بقريتهم من كل جَانب وَمَكَان وقاتلوهم قتالا شَدِيدا ودخلوا عَلَيْهِم الْقرْيَة وَهَبَطَ من كَانَ فِي القصبة من النَّصَارَى وَقتلُوا كثيرا من رجال الْمُسلمين وَاسْتولى النَّصَارَى على جَمِيع مَا كَانَ بالقرية من الرِّجَال وَالصبيان وَالنِّسَاء والأمتعة وَالْأَمْوَال وصاروا إِلَى دَاخل بِلَادهمْ مسرورين فَلَمَّا رأى أهل قرى سَنَد وَادي آش مَا اتّفق لأهل قَرْيَة فنيانة خَافُوا أَن يتَّفق لَهُم كَذَلِك فبعثوا إِلَى أَمِير غرناطة يستنصرونه وَيطْلبُونَ مِنْهُ أَن يسير إِلَيْهِم بِأَهْل غرناطة ودوابهم فيرفعون مَا مَعَهم من الْأَمْتِعَة وَالْأَمْوَال وَالزَّرْع وَغير ذَلِك فَخرج إِلَيْهِم أَمِير غرناطة بِأَهْل الْبَلَد فِي الثَّالِث عشر لذِي الْقعدَة

стр. 83

عَام التَّارِيخ يُرِيد نصرتهم ورفعهم من قراهم فَنزل بقرية وانجر فَأَقَامَ بهَا بعض الْأَيَّام ثمَّ ارتحل مِنْهَا إِلَى قَرْيَة شريش من قرى سَنَد وَادي آش فَنزل فهنالك وَأقَام بهَا نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام وَبعث بِطَلَب دَوَاب غرناطة وَمَا يَليهَا من الْقرى وصاروا ينقلون الزَّرْع من قرى وَادي آش ويحملونه إِلَى غرناطة فحملوا مِنْهُ زرعا كثيرا إِلَى غرناطة ووانجر وَأمر الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بإخلاء تِلْكَ الْقرى وارتحالهم عَن آخِرهم بأهلهم وَنِسَائِهِمْ وصبيانهم وَمَا قدرُوا على حمله من أَمْوَالهم وزرعهم ومواشيهم وَكَانَ فِي تِلْكَ الْقرى من الْقَمْح وَالشعِير والذرة شَيْء كثير لَا يُطَاق حمله وَلَا يُؤْتى على وَصفه فَلَمَّا بلغ الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ أَن النَّصَارَى دمرهم الله قد جمعُوا لَهُ جموعا كَثِيرَة فارتحل من قَرْيَة شريش رَاجعا إِلَى قَرْيَة وانجر ثمَّ دخل غرناطة آخر النَّهَار فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين لذِي الْقعدَة من عَام التَّارِيخ

стр. 84

ثمَّ إِن النَّصَارَى دمرهم الله لما رَأَوْا أَن أهل تِلْكَ الْقرى قد فروا بِأَنْفسِهِم إِلَى أَرض الْمُسلمين وأخلوا قراهم أظهرُوا لَهُم الْأمان وَقَالُوا لَهُم من رَجَعَ إِلَى قريته فَهُوَ آمن فَرجع كثير مِنْهُم إِلَى قراهم وركنوا إِلَى قَول النَّصَارَى ودخلوا فِي ذمتهم وَلم يزَالُوا يرجعُونَ إِلَى مواضعهم حَتَّى لم يبْق مِنْهُم فِي أَرض الْمُسلمين إِلَّا الْقَلِيل رُجُوع ملك قشتالة إِلَى أَرض الْمُسلمين واستئناف الْقِتَال جُمَادَى الْآخِرَة عَام ٨٩٦ وَفِي الثَّانِي عشر من جُمَادَى الْآخِرَة عَام سِتَّة وَتِسْعين وثمان مئة خرج من قشتالة بمحلته إِلَى فحص غرناطة وَكَانَ ذَلِك بموافقة الْعشْر الآخر من شهر إبريل العجمي وَالزَّرْع أَخْضَر فأفسد زَرعهَا ودوخ أرْضهَا وَهدم قراها ثمَّ سَار إِلَى قرى الاقليم فأفسد زَرعهَا وَهدم قراها وَقتل أُنَاسًا وَأسر آخَرين وَعَاد إِلَى فحص غرناطة

стр. 85

حِصَار غرناطة رَجَعَ ملك قشتالة إِلَى فحص غرناطة وَنزل بمحلته بقرية عتقه ثمَّ شرع فِي الْبناء فَبنى هُنَالك سورا كَبِيرا فِي أَيَّام قَلَائِل وَسَماهُ شنتفي وَصَارَ يهدم الْقرى وَيَأْخُذ مَا فِيهَا من آلَة الْبناء ويجعله على الْعجل ويحمله إِلَى ذَلِك الْبَلَد الَّذِي بناه وَيَبْنِي بِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُقَاتل الْمُسلمين ويقاتلونه قتالا شَدِيدا وَحَارب ملك الرّوم أَيْضا أبراج الْقرى الدائرة بغرناطة وَأَخذهَا وَلم يبْق إِلَّا قَرْيَة الفخار فَلم يزل يلح عَلَيْهَا ويجلب عَلَيْهَا

стр. 86

بخيله وَرجله ويطمع أَن يجد فرْصَة فَلم يقدر على شَيْء حَتَّى قتل لَهُ عَلَيْهَا خلق كثير من الرّوم وَوَقعت عَلَيْهَا ملاحم كَثِيرَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى لِأَن الْمُسلمين كَانُوا يلحون على حمايتها خوفًا من أَن يملكهَا الرّوم فَتكون سَببا فِي إخلاء قرى الْجَبَل وحصار الْبَلَد فَلم يزَالُوا يدافعون عَنْهَا ويقاتلون من قَصدهَا حَتَّى قصر عَنْهَا الْعَدو لِكَثْرَة مَا قتل لَهُ عَلَيْهَا من خيل وَرِجَال وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى كل يَوْم تَارَة فِي أَرض الفخار وَتارَة فِي أَرض بليانة وَتارَة فِي أَرض رسانة وَتارَة فِي أَرض طفير وَتارَة فِي أَرض يعمور وَتارَة فِي أَرض الجدوى وَتارَة فِي أَرض رَملَة أفلوم وَتارَة فِي أَرض الربيط وَتارَة وَادي منتثيل وَغير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي على غرناطة

стр. 87

وَفِي كل ملحمة من هَذِه الْمَلَاحِم يثخن كثير من أنجاد الفرسان بالجراحات من الْمُسلمين وَيسْتَشْهد آخَرُونَ وَمن النَّصَارَى أَضْعَاف ذَلِك والمسلمون فَوق ذَلِك صَابِرُونَ محتسبون واثقون بنصر الله تَعَالَى يُقَاتلُون عدوهم بنية صَادِقَة وَقُلُوب صَافِيَة وَمَعَ ذَلِك يمشي مِنْهُم الرِّجَال فِي ظلام اللَّيْل لمحلة النَّصَارَى ويتعرضون لَهُم فِي الطرقات فيغنمون مَا وجدوا من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم وَرِجَال وَغير ذَلِك حَتَّى صَار اللَّحْم بِالْبَلَدِ من كثرته رَطْل بدرهم وَمَعَ ذَلِك لم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْقَتْل والجراحات فاشيان فِي الْفَرِيقَيْنِ سَبْعَة أشهر إِلَى أَن فنيت خيل الْمُسلمُونَ بِالْقَتْلِ وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل وفني أَيْضا كثير من نجدة الرِّجَال بِالْقَتْلِ والجراحات تَسْلِيم غرناطة وَفِي هَذِه الْمدَّة الْمَذْكُورَة انجلى كثير من النَّاس إِلَى بِلَاد الْبشرَة

стр. 88

لما نالهم من الْجُوع وَالْخَوْف وَكَانَت الطَّرِيق للبشرة على جبل شلير وَكَانَ يَأْتِي للبلد من الْبشرَة على ذَلِك على الطَّرِيق خير كثير من الْقَمْح وَالشعِير والذرة وَالزَّيْت وَالزَّبِيب وَغير ذَلِك من الْفَوَاكِه والسلع وَمَا زَالَ حَال الْبَلَد يضعف ويقل من الطَّعَام وَالرِّجَال إِلَى أَن دخل شهر الْمحرم عَام سَبْعَة وَتِسْعين وثمان مئة وَدخل فصل الشتَاء والثلج نَازل بِالْجَبَلِ وَقطع الطَّرِيق من الْبشرَة فَقل الطَّعَام عِنْد ذَلِك فِي أسواق الْمُسلمين فِي غرناطة وَاشْتَدَّ الغلاء وَأدْركَ الْجُوع كثيرا من النَّاس وَكثر السُّؤَال والعدو سَاكن بِبَلَدِهِ ومحلته وَلَقَد منع الفحص كُله وَمنع الْمُسلمين من الْحَرْث والزراعة وَقطع الْحَرْب فِي هَذِه الْمدَّة بَين الْفَرِيقَيْنِ فَلَمَّا دخل شهر صفر من عَام التَّارِيخ اشْتَدَّ الْحَال على النَّاس بِالْجُوعِ وَقلة الطَّعَام وَأدْركَ الْجُوع كثيرا من النَّاس الموسرين فَاجْتمع أَعْيَان النَّاس من الْخَاصَّة والعامة وَالْفُقَهَاء والأمناء والأشياخ والعرفاء

стр. 89

وَمن بَقِي من أنجاد الفرسان وَمن لَهُم النّظر بغرناطة وَسَارُوا إِلَى أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ فأعلموه بِحَال النَّاس وَمَا هم فِيهِ من الضعْف وَشدَّة الْجُوع وَقلة الطَّعَام وَأَن بلدهم بلد كَبِير لَا يقوم بِهِ طَعَام مجلوب فَكيف وَلم يجلب إِلَيْهِ شَيْء وَأَن الطَّرِيق الَّتِي كَانَت يَأْتِيهم عَلَيْهَا الطَّعَام والفواكه من الْبشرَة انْقَطَعت وَأَن أنجاد الفرسان هَلَكُوا وفنوا وَمن بَقِي مِنْهُم أثخن بالجراحات وَقد امْتنع عَنْهُم الطَّعَام وَالزَّرْع والحرث وَأَن رِجَالهمْ هَلَكُوا فِي تِلْكَ الْمَلَاحِم ثمَّ قَالُوا لَهُ إِن إِخْوَاننَا الْمُسلمين من أهل عدوة الْمغرب بعثنَا إِلَيْهِم فَلم يأتنا أحد مِنْهُم وَلَا عرج على نصرتنا وإغاثتنا وعدونا قد بنى علينا وَسكن مَعنا وَهُوَ يزْدَاد قُوَّة وَنحن نزداد ضعفا والمدد يَأْتِيهِ من بِلَاده وَنحن لَا مدد لنا وَهَذَا فصل الشتَاء قد دخل ومحلة عدونا قد تَفَرَّقت وضعفت وَقد قطع عَنَّا الْحَرْب وَإِن تكلمنا مَعَه الْآن قبل منا وأعطانا كل مَا نطلب مِنْهُ وَإِن بَقينَا حَتَّى يدْخل فصل الرّبيع تَجْتَمِع عَلَيْهِ جيوشه مَعَ مَا يلحقنا نَحن من الضعْف والقلة فَلَنْ يعود يقبل منا مَا نطلبه مِنْهُ وَلَا نَأْمَن نَحن على أَنْفُسنَا من الْغَلَبَة وَلَا على بلدنا مِنْهُ فَإِنَّهُ قد هرب لمحلته من بلدنا أنَاس كَثِيرُونَ يدلونه على عوراتنا ويستعين بهم علينا

стр. 90

فَقَالَ لَهُم الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ انْظُرُوا مَا يظْهر لكم وَمَا تتفقون عَلَيْهِ من الرَّأْي الَّذِي فِيهِ صلاحكم فاتفق رَأْي الْجَمِيع من الْخَاصَّة والعامة أَن يبعثوا لملك الرّوم من يتَكَلَّم مَعَه فِي أَمرهم وَأمر بلدهم وَقد زعم كثير من النَّاس أَن أَمِير غرناطة ووزيره وقواده كَانَ قد تقدم بَينهم وَبَين ملك النَّصَارَى النَّازِل عَلَيْهِم الْكَلَام فِي إِعْطَاء الْبَلَد إِلَّا أَنهم خَافُوا من الْعَامَّة وَكَانُوا يحتالون عَلَيْهِم ويلاطفونهم فحين أتوهم بِمَا كَانُوا اضمروا عَلَيْهِ أسعفوهم من حينهم وَلأَجل ذَلِك قد قطع عَنْهُم الْحَرْب فِي تِلْكَ الْمدَّة الْمَذْكُورَة حَتَّى وجدوا لذَلِك الْكَلَام مسلكا مَعَ الْعَامَّة فَلَمَّا بعثوا لملك الرّوم بذلك وجدوه رَاغِبًا فِيهِ فأنعم لَهُم بِجَمِيعِ مَا طلبُوا مِنْهُ وَمَا شرطُوا عَلَيْهِ وَمن جملَة الشُّرُوط الَّتِي شَرط أهل غرناطة على ملك الرّوم

стр. 91

أَن يؤمنهم على أنفسهم وبلادهم وَنِسَائِهِمْ وصبيانهم ومواشيهم ورباعهم وجناتهم ومحارثهم وَجَمِيع مَا بِأَيْدِيهِم ولايغرمون إِلَّا الزَّكَاة وَالْعشر لمن أَرَادَ الْإِقَامَة بِبَلَدِهِ غرناطة وَمن أَرَادَ الْخُرُوج مِنْهَا يَبِيع أَصله بِمَا يرضاه من الثّمن لمن يُريدهُ من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى من غير غبن وَمن أَرَادَ الْجَوَاز لبلاد العدوة بالغرب يَبِيع أَصله وَيحمل أمتعته ويحمله فِي مراكبه إِلَى أَي أَرض أَرَادَ من بِلَاد الْمُسلمين من غير كِرَاء وَلَا شَيْء يلْزمه لمُدَّة من ثَلَاث سِنِين وَمن أَرَادَ الْإِقَامَة بغرناطة من الْمُسلمين فَلهُ الْأمان على نَحْو مَا ذكر وَقد كتب لَهُم ملك الرّوم بذلك كتابا وَأخذُوا عَلَيْهِ عهودا ومواثيق فِي دينه مُغَلّظَة على أَنه يُوفي لَهُم بِجَمِيعِ مَا شرطوه عَلَيْهِ فَلَمَّا تمت هَذِه الْعُقُود والمواثيق قُرِئت على أهل غرناطة فَلَمَّا سمعُوا مَا فِيهَا اطمأنوا إِلَيْهَا وانقادوا لطاعته وَكَتَبُوا بيعتهم وأرسلوها لصَاحب قشتالة وسمحوا لَهُ فِي الدُّخُول إِلَيّ مَدِينَة الْحَمْرَاء وَإِلَى غرناطة فَعِنْدَ ذَلِك أَمر أَمِير غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ بإخلاء مَدِينَة

стр. 92

الْحَمْرَاء فأخليت دورها وقصورها ومنازلها وَأَقَامُوا ينتظرون دُخُول النَّصَارَى لقبضها فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي لربيع الأول من عَام سَبْعَة وَتِسْعين وثمان مئة أقبل ملك الرّوم بجيوشه حَتَّى قرب من الْبَلَد وَبعث جنَاحا من جَيْشه فَدَخَلُوا مَدِينَة الْحَمْرَاء وَبَقِي هُوَ بِبَقِيَّة الْجَيْش خَارج الْبَلَد لِأَنَّهُ كَانَ يخَاف من الْغدر وَكَانَ طلب من أهل الْبَلَد حِين وَقع بَينهم الإتفاق على مَا ذكر رهونا من أهل الْبَلَد لِيَطمَئِن بذلك فَأَعْطوهُ خمس مئة رجل مِنْهُم وأقعدهم بمحلته فَحِينَئِذٍ قدم كَمَا ذكرنَا فَلَمَّا اطْمَأَن من أهل الْبَلَد وَلم ير مِنْهُم غدرا سرح جُنُوده لدُخُول الْبَلَد والحمراء فَدخل مِنْهُم خلق كثير وَبَقِي هُوَ خَارج الْبَلَد وأشحن الْحَمْرَاء بِكَثِير من الدَّقِيق وَالطَّعَام وَالْعدة وَترك بهَا قائدا من قواده وَانْصَرف رَاجعا إِلَى محلته وَبَقِي حِينَئِذٍ يخْتَلف بالدقيق والعلوفات وأنواع الطَّعَام وَالْعدة وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَقدم فِي الْبَلَد قوادا وحكاما وبوابين وَمَا يحْتَاج الْبَلَد إِلَيْهِ

стр. 93

من الْأُمُور وَصَارَ الْمُسلمُونَ يَخْتَلِفُونَ إِلَى الْمحلة للْبيع وَالشِّرَاء وَالنَّصَارَى كَذَلِك بِالْبَلَدِ فَلَمَّا سمع أهل الْبشرَة أَن أهل غرناطة دخلُوا تَحت ذمَّة النَّصَارَى أرْسلُوا بيعتهم إِلَى ملك النَّصَارَى ودخلوا فِي ذمَّته وَلم يبْق حِينَئِذٍ للْمُسلمين مَوضِع بالأندلس فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ثمَّ إِن ملك الرّوم سرح الَّذين كَانُوا عِنْده مرتهنين مُؤمنين فِي أَمْوَالهم وأنفسهم مكرمين ثمَّ أقبل فِي جيوشه حِين اطْمَأَن فِي نَفسه فَدخل مَدِينَة الْحَمْرَاء فِي بعض خواصه وَبَقِي الْجند خَارج الْمَدِينَة وَبَقِي هُوَ يتنزه فِي الْحَمْرَاء فِي الْقُصُور والمنازل المشيدة إِلَى آخر النَّهَار ثمَّ خرج بجنده وَصَارَ إِلَى محلته فَمن غَد أَخذ فِي بِنَاء الْحَمْرَاء وتشييدها وتحصينها وَإِصْلَاح شَأْنهَا وَفتح طرقها وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتَرَدَّد إِلَيْهَا بِالنَّهَارِ وَيرجع بِاللَّيْلِ لمحلته فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى اطمأنت نَفسه من غدر الْمُسلمين فَحِينَئِذٍ دخل الْبَلَد وَدَار فِيهِ فِي نفر من قومه وحشمه

стр. 94

فَمَا اطْمَأَن فِي الْبَلَد سرح لَهُم الْجَوَاز وأتاهم بالمراكب إِلَى السَّاحِل فَصَارَ كل من أَرَادَ الْجَوَاز يَبِيع مَاله ورباعه ودوره فَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يَبِيع الدَّار الْكَبِيرَة الواسعة الْمُعْتَبرَة بِالثّمن الْقَلِيل وَكَذَلِكَ يَبِيع جنانه وَأَرْض حرثه وَكَرمه وفدانه بِأَقَلّ من ثمن الْغلَّة الَّتِي كَانَت فِيهِ فَمنهمْ من اشْتَرَاهُ من الْمُسلمين الَّذين عزموا على الدجن وَمِنْهُم من اشْتَرَاهُ من النَّصَارَى وَكَذَلِكَ جَمِيع الْحَوَائِج والأمتعة وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى السَّاحِل بِمَا مَعَهم فيرفعهم النَّصَارَى فِي الْبَحْر محترمين مكرمين ويجوزونهم إِلَى عدوة الْمغرب آمِنين مُطْمَئِنين وَكَانَ ملك الرّوم قد أظهر للْمُسلمين فِي هَذِه الْمدَّة الْعِنَايَة والإحترام حَتَّى كَانَ النَّصَارَى يغيرون مِنْهُم ويحسدونهم وَيَقُولُونَ لَهُم أَنْتُم الْآن عِنْد ملكنا أعز وَأكْرم منا وَوضع عَنْهُم المغارم وَأظْهر لَهُم الْعدْل حِيلَة مِنْهُ وكيدا ليغرهم بذلك وليثبطهم عَن الْجَوَاز فَوَقع الطمع لكثير من النَّاس وظنوا أَن ذَلِك يَدُوم لَهُم فاشتروا أموالارخيصة وأمتعة أنيقة وعزموا على الْجُلُوس مَعَ النَّصَارَى ثمَّ إِن ملك الرّوم أَمر الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بالإنصراف من

стр. 95

غرناطة إِلَى قَرْيَة أندرش من قرى الْبشرَة فارتحل الْأَمِير مُحَمَّد بعياله وحشمه وأمواله وَأَتْبَاعه فَنزل قَرْيَة أندرش وَأقَام بهَا ينْتَظر مَا يُؤمر بِهِ ثمَّ إِن الطاغية دمره الله ظهر لَهُ أَن يصرف الْأَمِير مُحَمَّد ابْن عَليّ إِلَى العدوة فَأمره بِالْجَوَازِ وَبعث للمراكب أَن تَأتي إِلَى مرسى عذرة وَاجْتمعَ مَعَه خلق كثير مِمَّن أَرَادَ الْجَوَاز فَركب الْأَمِير مُحَمَّد وَمن مَعَه فِي تِلْكَ المراكب فِي عزة واحترام وكرامة مَعَ النَّصَارَى وَسَارُوا فِي الْبَحْر حَتَّى نزلُوا مَدِينَة مليلة من عدوة الْمغرب ثمَّ ارتحل إِلَى مَدِينَة فاس حرسها الله وَكَانَ من قَضَاء الله وَقدره أَنه لما جَازَ الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ

стр. 96

وَسَار إِلَى مَدِينَة فاس أصَاب النَّاس شدَّة عَظِيمَة وَغَلَاء مفرط وجوع وطاعون وَاشْتَدَّ الْأَمر بفاس حَتَّى فر كثير من النَّاس من شدَّة الْأَمر وَرجع بعض النَّاس من الَّذين جازوا إِلَى الأندلس فَأخْبرُوا بِتِلْكَ الشدَّة فقصر النَّاس عَن الْجَوَاز عِنْد ذَلِك عزموا على الْإِقَامَة والدجن وَلم يجوز النَّصَارَى أحدا بعد ذَلِك إِلَّا بالكراء والمغرم الثقيل وَعشر المَال فَلَمَّا رأى ملك الرّوم أَن النَّاس قد تركُوا الْجَوَاز وعزموا على الدجن والإستيطان وَالْمقَام فِي الأوطان أَخذ فِي نقض الشُّرُوط الَّتِي شرطُوا عَلَيْهِ أول مرّة وَلم يزل ينقضها شرطا شرطا ويحلها فصلا فصلا إِلَى أَن نقض جَمِيعهَا وزالت حُرْمَة الْإِسْلَام عَن الْمُسلمين وأدركهم الهوان والذلة واستطال النَّصَارَى عَلَيْهِم وفرضت عَلَيْهِم الفروضات وثقلت عَلَيْهِم المغارم وَقطع لَهُم الْأَذَان من الصوامع وَأمرهمْ بِالْخرُوجِ من مَدِينَة غرناطة إِلَى

стр. 97

الأرباض والقرى وَأَن لَا يبْقى بهَا إِلَّا أَوْلَاد السراج خَاصَّة فَخَرجُوا أَذِلَّة صاغرين ثمَّ بعد ذَلِك دعاهم إِلَى التنصر وأكرههم عَلَيْهِ وَذَلِكَ سنة أَربع وتسع مئة فَدَخَلُوا فِي دينه كرها وَصَارَت الأندلس كلهَا نَصْرَانِيَّة وَلم يبْق من يَقُول فِيهَا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ جَهرا إِلَّا من يَقُولهَا فِي نَفسه وَفِي قلبه أَو خُفْيَة من النَّاس وَجعلت النواقيس فِي صوامها

стр. 98

بعد الْأَذَان وَفِي مساجدها الصُّور والصلبان بعد ذكر الله تَعَالَى وتلاوة الْقُرْآن فكم فِيهَا من عين باكية وَكم فِيهَا من قلب حَزِين وَكم فِيهَا من الضُّعَفَاء والمعدومين لم يقدروا على الْهِجْرَة واللحوق بإخوانهم الْمُسلمين قُلُوبهم تشتعل نَارا ودموعهم تسيل سيلا غزيرا مدرارا وَيَنْظُرُونَ أَوْلَادهم وبناتهم يعْبدُونَ الصلبان ويسجدون للأوثان ويأكلون الْخِنْزِير وَالْمَيتَات وَيَشْرَبُونَ الْخمر الَّتِي هِيَ أم الْخَبَائِث والمنكرات فَلَا يقدرُونَ على مَنعهم وَلَا على نهيهم وَلَا على زجرهم وَمن فعل ذَلِك عُوقِبَ أَشد الْعقَاب فيالها من فجعة مَا أمرهَا ومصيبة مَا أعظمها وأضرها وطامة مَا أكبرها عَسى الله أَن يَجْعَل لَهُم من أَمرهم فرجا ومخرجا إِنَّه على كل شَيْء قدير وَقد كَانَ بعض أهل الأندلس قد امْتَنعُوا من التنصر وَأَرَادُوا أَن يدافعوا عَن أنفسهم كَأَهل قرى ونجر والبشرة أندراش وبلفيق فَجمع ملك الرّوم عَلَيْهِم جموعه وأحاط بهم من كل

стр. 99

مَكَان حَتَّى أَخذهم عنْوَة بعد قتال شَدِيد فَقتل رِجَالهمْ وسبى نِسَاءَهُمْ وصبيانهم وَأَمْوَالهمْ ونصرهم واستعبدهم إِلَّا أَن أُنَاسًا فِي غربية الأندلس امْتَنعُوا من التنصر وانحازوا إِلَى جبل منيع وعر فَاجْتمعُوا فِيهِ بعيالهم وَأَمْوَالهمْ وتحصنوا فِيهِ فَجمع عَلَيْهِم ملك الرّوم جموعه وطمع فِي الْوُصُول إِلَيْهِم كَمَا فعل بغيرهم فَلَمَّا دنا مِنْهُم وَأَرَادَ قِتَالهمْ خيب الله سَعْيه ورده على عقبه ونصرهم عَلَيْهِ بعد أَكثر من ثَلَاثَة وَعشْرين معركة فَقتلُوا من جنده خلقا كثيرا من رجال وفرسان وأقناد فَلَمَّا رأى أَنه لَا يقدر عَلَيْهِم طلب مِنْهُم أَن يعطيهم الْأمان ويجوزهم لعدوة الغرب مُؤمنين فأنعموا لَهُ بذلك إِلَّا أَنه لم يسرح لَهُم شَيْئا من مَتَاعهمْ غير الثِّيَاب الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم وجوزهم لعدوة الغرب كَمَا شرطُوا عَلَيْهِ وَلم يطْمع أحد بعد ذَلِك أَن يقوم بدعوة الْإِسْلَام وَعم الْكفْر جَمِيع الْقرى والبلدان وانطفأ من الأندلس نور الْإِسْلَام وَالْإِيمَان فعلى هَذَا فليبك الباكون ولينتحب المنتحبون فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون كَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا لَا مرد لأَمره وَلَا معقب لحكمه وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا أثيرا كثيرا

стр. 100

نزوح مُسْلِمِي الأندلس إِلَى الْمغرب قَالَ الْمُؤلف عَفا الله عَنهُ وَقد وجدت مُقَيّدا مَا نَصه وَمن تِلْكَ الْوَاقِعَة الَّتِي وَقعت أَيَّام الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ بن نصر الخزرجي المبايع فِي غرناطة فِي ذِي الْقعدَة من عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين وثمان مئة وَعَلِيهِ قَامَت النَّصْرَانِيَّة فِي جَمِيع مَدَائِن الأندلس ونهبت أَمْوَال

стр. 101

الْمُسلمين وأملاكهم وَمن بَقِي على ملكه وَجب عَلَيْهِ الْأسر أَو أَن يكون على دين النَّصْرَانِيَّة حَيْثُ ضعفت قُوَّة ذَوي الْإِسْلَام وَمَاتَتْ الْأَبْطَال وَكَانَت المجاعة الْكُبْرَى بالعدوة وَقلت رجال العدوة وَقطع الْجَوَاز مِنْهَا إِلَى الأندلس فَكتب السُّلْطَان مُحَمَّد بن عَليّ إِلَى ملك الرّوم بِالصُّلْحِ فَقَالَ ملك الرّوم بِشَرْط أَن تمكنني من مَدِينَة الْحَمْرَاء ومدينة مرون وجبال السبيكة فأنعم لَهُ بذلك فَقطع النَّصَارَى إِلَى الْمَدَائِن فأخلى لَهُم تِلْكَ النَّاحِيَة من الْمُسلمين وَدخل النَّصَارَى دون أَوْلَاد ألفنش مِنْهُم لقلَّة ذمامهم وَعَهْدهمْ وَفِي عَام خَمْسَة وَتِسْعين وثمان مئة كتب ملك الرّوم إِلَى السُّلْطَان بِأَنَّهُ يجب على الْمُسلمين أَن يعينوه بالزرع فِي كل سنة بِالَّذِي وَجب فِي دينكُمْ من الأعشار والزكوات وَلَا يَأْكُلهُ الْمُسلمُونَ أَو يَكُونُوا فِي هَيْئَة الْحَرْب ثمَّ ضربوا الدِّيوَان على أَن يُؤمنُوا أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ وأملاكهم فرضوا بِالشُّرُوطِ إِلَّا ماحرم الله تَعَالَى ثمَّ ارتحل ملك الرّوم إِلَى نَاحيَة الْمَدِينَة الْحَمْرَاء وَنظر ضعف الْمُسلمين ثمَّ ارتحل إِلَى جبل الْفَتْح قرب غرناطة ثمَّ بعث بَنو الفنش إِلَى قشتالة بِأَن الْمُسلمين فِي غَايَة الضعْف وقبح الوجنة فوفدوا عَلَيْهِم بحشود الرّوم فَلَمَّا وصلوا أَخذ النَّصَارَى يَأْكُلُون أَمْوَال الْمُسلمين فاشتكى الْمُسلمُونَ إِلَى الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ فَقَالَ لَهُم عَلَيْكُم بِالصبرِ حَتَّى ينْتَقل الْجَيْش إِلَى قشتالة فَبعث إِلَيْهِ ملك الرّوم يَقُول لَهُ قل لمن أَرَادَ الْإِقَامَة فِي الأندلس من الْمُسلمين فَعَلَيهِ بِالصبرِ وَمن أَرَادَ الْجَوَاز إِلَى العدوة يَبِيع أملاكه إِلَى النَّصَارَى بِالثّمن الوافي فَعَلَيهِ الْأمان والعهد ثمَّ انطفأ منار الْإِسْلَام وانكسرت شوكتهم وَقَالَ

стр. 102

ملك الرّوم من أَرَادَ الْجَوَاز إِلَى العدوة يحملهُ النَّصَارَى فِي المراكب من غير كِرَاء وَلَا يلْزمه بِشَيْء مُدَّة من عَاميْنِ أَو ثَلَاثَة وَمن أَرَادَ الْإِقَامَة بغرناطة فَعَلَيهِ الْأمان فَلَمَّا تمت ثَلَاثَة سِنِين ارتحل ملك الرّوم إِلَى الْمَدِينَة الْحَمْرَاء وَإِلَى غرناطة وَفِي ربيع الأول من عَام سَبْعَة وَتِسْعين وثمان مئة كتب ملك الرّوم إِلَى الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ يَأْمُرهُ بالرحيل من غرناطة إِلَى قرى أندراش ثمَّ ضَاقَ الْأَمر بِالْمُسْلِمين من دُخُوله غرناطة فَقَالَ الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ للْمُسلمين أردْت الْجَوَاز إِلَى العدوة فَلم يجد من أهل الدِّيوَان خبْرَة وَاخْتلف أَمر الْمُسلمين مَعَ النَّصَارَى فَقَالَ لملك الرّوم أردْت الْجَوَاز إِلَى العدوة فَقَالَ

стр. 103

لَهُ نعم فَاجْتمع مَعَه خلق كثير من النَّاس نَحْو من سبع مئة رحيل وَركب فِي الْبَحْر وَنزل مليلية من العدوة ثمَّ ارتحل

стр. 104

إِلَى فاس فَوجدَ بهَا الْقَحْط والمجاعة الْكَبِيرَة فَامْتنعَ النَّاس من الْجَوَاز إِلَى العدوة عَن أَمر ملك النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ من أَرَادَ الْجَوَاز من الْمُسلمين يجوزه النَّصَارَى بالكراء الوافي لضعف وَقُوَّة المغارم وزالت حُرْمَة الْإِسْلَام عَن الْمُسلمين وَقطع لَهُم الْأَذَان فِي الصوامع والإجتماع للصلوات فِي الْمَسَاجِد وَمن أَرَادَ الصَّلَاة فعلهَا فِي دَاره وَأمر على كبار غرناطة بِالْخرُوجِ من الْمَدِينَة إِلَى الأرباض وَقبض على أَوْلَاد السراج وَأَوْلَاد بيرة وَأَوْلَاد طفير ثمَّ بَادر الْمُسلمُونَ بِالْجَوَازِ إِلَى العدوة من المراسي فَخرج من بَقِي من أهل مالقة فِي ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى بادس وَخرج أهل المرية فِي نصف الْيَوْم إِلَى تلمسان

стр. 105

وَخرج أهل الجزيرة الخضراء فِي نصف الْيَوْم إِلَى طنجة وَخرج أهل رندة وبسطة وحصن موجر وقرية قردوش وحصن مرتيل إِلَى تطوان وأحوازها وَأهل ترقة ترقة خَرجُوا إِلَى

стр. 106

المهدية وَخرج أهل منسين إِلَى بِلَاد الرِّيف وَخرج أهل دانية وَأهل جَزِيرَة صقلية فِي أَرْبَعَة أَيَّام إِلَى تونس والجزائر والقيروان وَخرج أهل لوشة وقرية الفخار وَالْبَعْض من

стр. 107

غرناطة وَأهل مرشانة وَأهل الْبشرَة إِلَى قَبيلَة غمارة بزاوية سَيِّدي أَحْمد الغزال وَخرج أهل بربرة وبرجة وبولة وأندراش إِلَى مَا بَين طنجة وتطوان ثمَّ انْتقل الْبَعْض مِنْهُم إِلَى قَبيلَة بني سعيد من قبائل غمارة وَخرج أهل مرينية فِي يَوْم إِلَى مَدِينَة أزيلة وَمَا قرب مِنْهَا ثمَّ خرج أهل مَدِينَة بليش وشيطة وقرية شريش إِلَى مَدِينَة سلا وَخرج مَا بَقِي من أهل غرناطة فِي

стр. 108

خَمْسَة عشر يَوْمًا إِلَى بجاية ووهران وبرشد وزوالة ومازونة ونفطة وَقَابِس وسفاقس

стр. 109

وَسْوَسَة وَخرج أهل طريفة فِي يَوْم إِلَى أسفي وزمور وأنفة وَخرج أهل القلعة إِلَى أجدير

стр. 110

فَلَمَّا نظر الرّوم إِلَى الْمُسلمين قد شرعوا فِي الْجَوَاز ورحل أَكْثَرهم وَمَا بَقِي مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل أظهرُوا لَهُم حسن الْمُعَامَلَة فوعد الْبَاقُونَ من الْمُسلمين أَن يدخلُوا فِي دين النَّصْرَانِيَّة عَام أَرْبَعَة وتسع مئة فَدَخَلُوا فِيهِ كرها إِلَّا من أخْفى الْإِسْلَام وَضربت النواقيس فِي صوامعها ونصبت الصلبان فِي جوامعها وأكلت الْجِيَف وشربت الْخُمُور وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم لمثل هَذَا فلتبك كل عين فياضة بدموع الدَّم نسْأَل الله تَعَالَى السَّلامَة والعافية فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِنَّه على كل شَيْء قدير