Полный текст (96 стр.). Показаны 71–96 · переход к 76.
стр. 71
وَجعل يَعْقُوب وعتاب يصيران إِلَيْهِ فَيَقُولَانِ لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا تَقول فِي ابْن دؤاد فِي مَاله _ فَلَا يُجيب فِي ذَلِك
وَجعل يَعْقُوب وعتاب يخبرانه بِمَا يحدث من أَمر ابْن أبي دؤاد فِي كل يَوْم ثمَّ انحدر ابْن أبي دؤاد إِلَى بَغْدَاد فاشهد عَلَيْهِ بِبيع ضياعة وَكَانَ رُبمَا صَار إِلَيْهِ يحيى بن خاقَان وَهُوَ يُصَلِّي فيجلس فِي الدهليز حَتَّى يفرغ ويجىء عَليّ بن الجهم فينزع سَيْفه وقلنسوته وَيدخل عَلَيْهِ وامر المتَوَكل أَن يَشْتَرِي لنا دَارا
فَقَالَ يَا صَالح قلت لبيْك لَئِن أَقرَرت لَهُم بشرَاء دَار ليَكُون القطيعة بيني وَبَيْنكُم إِنَّمَا تُرِيدُونَ أَن تصيروا هَذَا الْبَلَد لي مأوى ومسكنا _
فَلم يزل يدْفع شِرَاء الدَّار حَتَّى انْدفع وَصَارَ إِلَى صَاحب الْمنزل فَقَالَ أُعْطِيك كل شهر ثَلَاثَة آلَاف مَكَان الْمَائِدَة _ فَقلت لَا افْعَل
وَجعلت رسل المتَوَكل تَأتيه يسألونه عَن خَبره فيصيرون إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَهُ هُوَ ضَعِيف وَفِي خلال ذَلِك يَقُولُونَ يَا أَبَا عبد الله لَا بُد من أَن يراك فيسكت فَإِذا خَرجُوا قَالَ إِلَّا تعجب من قَوْله لَا بُد من أَن يراك وَمَا عَلَيْهِم من أَن يراني _
وَكَانَ فِي هَذِه الدَّار حجرَة صَغِيرَة فِيهَا بيتان فَقَالَ أدخلوني تِلْكَ الْحُجْرَة وَلَا تسرجوا سِرَاجًا فأدخلناه إِلَيْهَا فَجَاءَهُ يَعْقُوب فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مشتاق إِلَيْك وَيَقُول
стр. 72
انْظُر إِلَى الْيَوْم الَّذِي تصير إِلَيْهِ فِيهِ أَي يَوْم هُوَ حَتَّى اعرفه _ فَقَالَ ذَاك إِلَيْكُم فَقَالَ يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْم خَال وَخرج يَعْقُوب فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَ فَقَالَ الْبُشْرَى يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول قد أعفيتك من لبس السوَاد وَالرُّكُوب إِلَى وَالِي وُلَاة العهود وَإِلَى الدَّار فان شِئْت فالبس الْقطن وان شِئْت فالبس الصُّوف فَجعل يحمد الله على ذَلِك د
وَقَالَ لَهُ يَعْقُوب إِن لي ابْنا وَأَنا معجب وَله فِي قلبِي موقع فاحب أَن تحدثه بِأَحَادِيث فَسكت
فَلَمَّا خرج قَالَ أتراه لَا يرى مَا أَنا فِيهِ
قَالَ أَبُو الْفضل كَانَ أبي يخْتم من جُمُعَة إِلَى جُمُعَة فَإذْ ختم دَعَا فيدعو ونؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا كَانَ غَدَاة الْجُمُعَة وَجه إِلَيّ وَإِلَى أخي عبد الله فَلَمَّا أَن ختم جعل يَدْعُو ونؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا فرغ جعل يَقُول أستخير الله مرَارًا فَجعلت أَقُول مَا تُرِيدُ _
ثمَّ قَالَ إِنِّي أعطي الله عهدا أَن الْعَهْد كَانَ مسئولا وَقد قَالَ الله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ إِنِّي لَا أحدث حَدِيثا تَاما حَتَّى ألْقى الله وَلَا اسْتثْنِي مِنْكُم أحدا فخرجنا وَجَاء عَليّ بن الجهم فَقُلْنَا لَهُ فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَأخْبر المتَوَكل بذلك
وَقَالَ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن أحدث فَيكون هَذَا الْبَلَد حبسي وَإِنَّمَا كَانَ
стр. 73
سَبَب الَّذين أَقَامُوا بِهَذَا الْبَلَد لما أعْطوا فقبلوا وَأمرُوا فَحَدثُوا وَكَانَ يخيرونه فَيتَوَجَّه لذَلِك وَجعل يَقُول وَالله لقد تمنيت الْمَوْت فِي الْأَمر الَّذِي كَانَ وَإِنِّي لأتمنى الْمَوْت فِي هَذَا وَذَاكَ إِن هَذَا فتْنَة الدُّنْيَا وَكَانَ ذَاك فتْنَة الدّين ثمَّ جعل يضم أَصَابِع يَده وَيَقُول لَو كَانَت نَفسِي فِي يَدي لأرسلتها ثمَّ يفتح أَصَابِعه وَكَانَ المتَوَكل يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل وَقت يسْأَل عَن حَاله وَكَانَ فِي خلال ذَلِك يُؤمر لنا بِالْمَالِ فَيَقُول يُوصل إِلَيْهِم وَلَا يعلم شيخهم فيغتم مَا يُرِيد مِنْهُم إِن كَانَ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ الدُّنْيَا فَمَا يمنعهُم
وَقَالَ للمتوكل إِنَّه - كَانَ - لَا يَأْكُل من طَعَامك وَلَا يجلس على فرشك وَيحرم الَّذِي تشرب فَقَالَ لَهُم لَو نشر لي المعتصم لم أقبل مِنْهُ
стр. 74
بَاب خطاب أبي عبد الله إِلَيّ بِعَدَمِ الْخُرُوج إِلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ إِنِّي انحدرت إِلَى بَغْدَاد وخلفت عبد الله عِنْده فَإِذا عبد الله قد قدم وَجَاء بثيابي الَّتِي كَانَت عِنْده فَقلت مَا جَاءَ بك قَالَ قَالَ لي انحدر وَقَالَ لصالح لَا تخرج فَأنْتم كُنْتُم افتي وَالله لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أخرجت مِنْكُم وَاحِدًا معي لَوْلَا مَكَانكُمْ لمن كَانَ تُوضَع هَذِه الْمَائِدَة وَلمن كَانَ يفرش هَذَا الْفرش وَيجْرِي هَذَا الإجراء
قَالَ أَبُو الْفضل فَكتبت إِلَيْهِ اعلمه بِمَا قَالَ لي عبد الله فَكتب إِلَيّ بِخَطِّهِ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
احسن الله عاقبتك وَدفع عَنْك كل مَكْرُوه ومحذور الَّذِي حَملَنِي على الْكتاب إِلَيْك وَالَّذِي قلت لعبد الله لَا يأتيني أحدا وَرُبمَا يَنْقَطِع ذكري ونحمل فَإِنَّكُم إِذا كُنْتُم هَا هُنَا فَشَا ذكري وَكَانَ يجْتَمع إِلَيْك قوم ينقلون أخبارنا وَلم يكن إِلَّا خيرا
وَاعْلَم يَا بني إِن أَقمت فَلَا تأت أَنْت وَلَا أَخُوك فَهُوَ رضائي فَلَا تجْعَل فِي نَفسك إِلَّا خيرا وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ ورد إِلَيّ كتاب آخر يذكر فِيهِ
стр. 75
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
احسن الله عاقبتك وَدفع عَنْك السوء برحمته كتأبي إِلَيْك وَأَنا فِي نعْمَة من الله متظاهرة اسأله إِتْمَامهَا والعون على أَدَاء شكرها قد انفكت عَنْهَا عقدَة لما كَانَ حبس من هَا هُنَا لما أَعْطوهُ فقبلوا واجرى عَلَيْهِم فصاروا فِي الْحَد الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ وَحَدثُوا ودخلوا عَلَيْهِم فَهَذِهِ كَانَت قيودهم فنسال الله أَن يعيذنا من شرهم ويخلصنا فقد كَانَ يَنْبَغِي لكم لَو قربتموني بأموالكم وأهاليكم فهان ذَلِك عَلَيْكُم للَّذي أَنا فِيهِ فَلَا يكبر عَلَيْك مَا أكتب بِهِ إِلَيْكُم فالزموا بُيُوتكُمْ فَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يخلصني وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله
ثمَّ ورد غير كتاب إِلَيّ بِخَطِّهِ بِنَحْوِ من هَذَا فَلَمَّا خرجنَا من المعسكر رفعت الْمَائِدَة والفرش وكل مَا كَانَ أقيم لنا
стр. 76
بَاب وَصِيَّة أبي عبد الله ﵀
قَالَ أَبُو الْفضل وَأوصى وَصيته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا أوصى بِهِ احْمَد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل أوصى أَنه يشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وان مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ
وَأوصى من أطاعه من أَهله وقرابته أَن يعبدوا الله فِي العابدين ويحمدوه فِي الحامدين وان ينصحوا لجَماعَة الْمُسلمين
وَأوصى أَنِّي قد رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبيا
وَأوصى أَن لعبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف ببوران على نَحْو من خمسين دِينَارا وَهُوَ مُصدق فِيمَا قَالَ فَيقْضى مَاله عَليّ من غلَّة الدَّار إِن شَاءَ الله فَإِذا استوفى أعْطى وَلَدي صَالح وَعبد الله إبنا احْمَد بن مُحَمَّد ابْن حَنْبَل كل ذكر وَأُنْثَى عشرَة دَرَاهِم بعد وَفَاء مَا عَليّ لِابْنِ مُحَمَّد
شهد أَبُو يُوسُف وَصَالح وَعبد الله ابْنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل
стр. 77
بَاب ذكر إِذن أَمِير الْمُؤمنِينَ لأبي عبد الله ﵀ بالعودة
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ سَالَ أبي أَن يحول من الدَّار الَّتِي اكتريت لَهُ فاكترى هُوَ دَارا وتحول إِلَيْهَا فَسَالَ المتَوَكل عَنهُ فَقيل انه عليل فَقَالَ كنت احب أَن يكون فِي قربي وَقد أَذِنت لَهُ يَا عبيد الله احْمِلْ إِلَيْهِ ألف دِينَارا ينفقها وَقَالَ لسَعِيد تهيىء لَهُ حراقة ينحدر فِيهَا
فَجَاءَهُ عَليّ بن الجهم فِي جَوف اللَّيْل فاخبره ثمَّ جَاءَ عبيد الله وَمَعَهُ ألف دِينَار فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أذن لَك وَقد أَمر لَك بِهَذِهِ الْألف دِينَار فَقَالَ قد أعفاني أَمِير الْمُؤمنِينَ مِمَّا اكره فَردهَا وَقَالَ أَنا رَقِيق على الْبرد وَالْبر ارْفُقْ بِي
فَكتب إِلَيّ مُحَمَّد بن عبد الله فِي بره وتعاهده
стр. 78
بَاب ذكر مَا جرى بَين أبي وبيني وَعبد الله وَعَمه حِين قبلنَا صلَة السُّلْطَان
فَقدم علينا فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر فَلَمَّا انحدر إِلَى بَغْدَاد وَمكث قَلِيلا قَالَ لي يَا صَالح قلت لبيْك قَالَ احب أَن تدع هَذَا الرزق فَلَا تَأْخُذهُ وَلَا توكل فِيهِ أحدا فقد علمت أَنكُمْ إِنَّمَا تأخذونه بسببي فَسكت
فَقَالَ مَالك فَقلت اكره أَن أُعْطِيك شَيْئا بلساني واخالف الى غَيره فاكون قد كذبتك ونافقتك وَلَيْسَ فِي الْقَوْم اكثر عيالا مني وَلَا اعذر وَقد كنت أَشْكُو إِلَيْك فَتَقول أَمرك مُنْعَقد بأَمْري وَلَعَلَّ الله أَن يحل هَذِه الْعقْدَة ثمَّ قلت لَهُ وَقد كنت تَدْعُو لي فأرجوا أَن يكون الله قد اسْتَجَابَ لَك
قَالَ وَلَا تفعل قلت لَا
قَالَ قُم فعل الله بك وَفعل فَأمر بسد الْبَاب بيني وَبَينه
فتلقاني عبد الله فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرته فَقَالَ مَا أَقُول
قلت ذَاك إِلَيْك فَقَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ لي فَقَالَ لَا افْعَل
فَكَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ نَحْو مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيّ فلقينا عَمه فَقَالَ لَو أردتم أَن تَقولُوا لَهُ وَمَا علمه إِذا أَخَذْتُم شَيْئا
стр. 79
فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله لست اخذ شَيْئا من هَذَا
فَقَالَ الْحَمد لله وهجرنا وسد الْأَبْوَاب بَيْننَا وَبَينه وتحامى منزلنا أَن يدْخل مِنْهُ إِلَى منزله شَيْء
قَالَ أَبُو الْفضل فَلَمَّا مضى نَحْو من شَهْرَيْن كتب لنا بِشَيْء فجيء بِهِ إِلَيْنَا فَأول من جَاءَ عَمه فاخذ فاخبر فجَاء إِلَى الْبَاب الَّذِي كَانَ سَده بيني وَبَينه وَقد كَانَ فتح الصّبيان كوَّة فَقَالَ ادعوا لي صَالحا
فجَاء الرَّسُول وَقلت لَهُ أجيء فَوجه إِلَيّ لم لَا تَجِيء _ فَقلت قل لَهُ هَذَا الرزق يرتزقه جمَاعَة كَثِيرَة وانما أَنا وَاحِد مِنْهُم وَلَيْسَ فيهم اعذر مني وَإِذا كَانَ توبيخ خصصت بِهِ أَنا فَمضى فَلَمَّا نَادَى عَمه بِالْأَذَانِ خرج فَلَمَّا خرج قيل لي انه قد خرج إِلَى الْمَسْجِد فَجئْت حَتَّى صرت فِي مَوضِع اسْمَع فِيهِ كَلَامه فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة الْتفت إِلَى عَمه ثمَّ قَالَ لَهُ نافقتني وكذبتني وَكَانَ غَيْرك اعذر مِنْك زعمت انك لَا تَأْخُذ من هَذَا شَيْئا ثمَّ أَخَذته وَأَنت تستغل مِائَتي دِرْهَم وعمدت إِلَى طَرِيق الْمُسلمين تستغله إِنَّمَا أَنا أشْفق عَلَيْك أَن تطوق يَوْم الْقِيَامَة بِسبع أَرضين أخذت هَذَا الشَّيْء بِغَيْر حَقه
فَقَالَ _ قد تَصَدَّقت قَالَ تَصَدَّقت بِنصْف دِرْهَم
ثمَّ هجره وَترى الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد وَخرج إِلَى مَسْجِد خَارج يُصَلِّي
стр. 80
فِيهِ قَالَ صَالح وحَدثني أبي قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ سَمِعت شَيخنَا يحدث قَالَ اسْتعْمل بعض أُمَرَاء الْبَصْرَة عبد الله بن مُحَمَّد بن وَاسع على الشرطة فآتاه مُحَمَّد بن وَاسع فَقيل للأمير مُحَمَّد الْبَاب فَقَالَ الْمُقَوّم ظنُّوا بِهِ فَقَالَ بَعضهم جَاءَ يشْكر للأمير اسْتعْمل ابْنه
فَقَالَ لَا وَلكنه جَاءَ يطْلب لِابْنِهِ الإعفاء أَو قَالَ الْعَافِيَة
قَالَ فَأذن لَهُ فَلَمَّا دخل قَالَ أَيهَا الْأَمِير بَلغنِي انك اسْتعْملت ابْني واني احب أَن تسترنا يسترك لله قَالَ قد أعفيناه يَا أَبَا عبد الله
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ كتب لنا بِشَيْء فَبَلغهُ فجَاء إِلَى الكوة الَّتِي فِي الْبَاب فَقَالَ يَا صَالح انْظُر مَا كَانَ لِلْحسنِ عَليّ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى بوران حَتَّى يتَصَدَّق بِهِ فِي الْموضع الَّذِي اخذ مِنْهُ فَقلت وَمَا علم بوران من أَي مَوضِع اخذ هَذَا _ فَقَالَ افْعَل مَا أَقُول لَك فوجهت بِمَا كَانَ أصابهما إِلَى بوران وَكَانَ إِذا بلغه أَنا قبضنا شَيْئا طوى تِلْكَ اللَّيْلَة فَلم يفْطر ثمَّ مكث اشهرا لَا ادخل إِلَيْهِ ثمَّ فتح الصّبيان الْبَاب _ ودخلوا غير أَنه لَا يدْخل إِلَيْهِ من منزلي شَيْء ثمَّ وجهت إِلَيْهِ
يَا أَبَت قد طَال هَذَا الْأَمر وَقد اشْتقت إِلَيْك فَسكت فَدخلت فأكببت عَلَيْهِ وَقلت لَهُ يَا أَبَت تدخل على نَفسك هَذَا الْغم فَقَالَ يَا بني يأتيني مَالا أملكهُ ثمَّ مكثنا مُدَّة لم تَأْخُذ شَيْئا ثمَّ كتب لنا بِشَيْء
стр. 81
فقبضناها فَلَمَّا بلغه هجرنا أشهرا فَكَلمهُ بوران وَوجه إِلَى بوران فَدخلت فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله صَالح يرضيك الله
فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد وَالله لقد كَانَ أعز الْخلق عَليّ وَأي شَيْء أردْت لَهُ مَا أردْت لَهُ إِلَّا مَا أردْت لنَفْسي
فَقلت لَهُ يَا أَبَت وَمن رَأَيْت أَنْت أَو من لقِيت قوى على مَا قويت أَنْت عَلَيْهِ
قَالَ وتحتج عَليّ
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ كتب أبي ﵀ إِلَى يحيى بن خاقَان يسْأَله ويعزم عَلَيْهِ أَن لَا يعيننا على شَيْء من أرزاقنا وَلَا يتَكَلَّم فِيهِ فبلغني فوجهت إِلَى الْقيم لنا وَهُوَ ابْن غَالب بن بنت مُعَاوِيَة بن عَمْرو وَقد كنت قلت لَهُ يَا أَبَت انه يكبر عَلَيْك وَقد عزمت إِذا حدث أَمر أَخْبَرتك بِهِ فَلَمَّا وصل رَسُوله بِالْكتاب إِلَى يحيى أَخذه من صَاحب الْخَبَر قَالَ فَأخذت نسخته ووصلت إِلَى المتَوَكل فَقَالَ لعبد الله كم من شهر لولد احْمَد بن حَنْبَل _
فَقَالَ عشرَة اشهر قَالَ تحمل السَّاعَة إِلَيْهِم أَرْبَعُونَ ألف دِرْهَم من بَيت المَال صحاحا وَلَا يعلم بهَا
فَقَالَ يحيى للقيم أَنا اكْتُبْ إِلَى صَالح واعلمه فورد عَليّ كِتَابه فوجهت إِلَى أبي أعلمهُ فَقَالَ الَّذِي أخبرهُ أَنه سكت قَلِيلا وَضرب بذقنه
стр. 82
سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ مَا حيلتي إِذا أردْت أمرا وَأَرَادَ الله أَمر
قَالَ أَبُو الْفضل وَجَاء رَسُول المتَوَكل إِلَى أبي يَقُول لَو سلم أحد من النَّاس سلمت رفع رجل إِلَى وَقت كَذَا أَن علويا قدم من خُرَاسَان وَأَنَّك وجهت إِلَيْهِ بِمن يلقاه وَقد حبست الرجل وَأَرَدْت ضربه وكرهت أَن تغتم فَمر فِيهِ
فَقَالَ هَذَا بَاطِل تخلى سَبيله
قَالَ وَكَانَ رَسُول المتَوَكل يَأْتِي أبي يبلغهُ السَّلَام ويسأله عَن حَاله فنسر نَحن بذلك فتأخذه نفضة حَتَّى ندثره وَيَقُول وَالله لَو أَن نَفسِي فِي يَدي لأرسلتها وَيضم أَصَابِعه ويفتحها
стр. 83
بَاب ذكر مَا ورد من سُؤال أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل لأبي عبد الله فِي أَمر الْقُرْآن
قَالَ أَبُو الْفضل كتب عبيد الله بن يحيى إِلَى أبي يُخبرهُ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي أَن اكْتُبْ إِلَيْك كتابا أَسأَلك من أَمر الْقُرْآن لَا مَسْأَلَة امتحان وَلَكِن مَسْأَلَة معرفَة وبصيرة فأملى عَليّ أبي ﵀ إِلَى عبيد الله بن يحيى - وحدي مَا مَعنا أحد -
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أحسن الله عاقبتك أَبَا الْحسن فِي الْأُمُور كلهَا وَدفع عَنْك مكاره الدُّنْيَا برحمته
قد كتبت إِلَيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْك بِالَّذِي سَأَلَ عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِأَمْر الْقُرْآن بِمَا حضرني وَأَنِّي أسأَل الله أَن يديم توفيق أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كَانَ النَّاس فِي خوض من الْبَاطِل وَاخْتِلَاف شَدِيد يغتمسون فِيهِ حَتَّى أفضت الْخلَافَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فنفى الله بأمير الْمُؤمنِينَ كل بِدعَة وانجلى عَن النَّاس مَا كَانُوا فِيهِ من الذل وضيق الْمجَالِس فصرف الله ذَلِك كُله وَذهب بِهِ بأمير الْمُؤمنِينَ وَوَقع ذَلِك من الْمُسلمين موقعا عَظِيما ودعوا الله لأمير الْمُؤمنِينَ وأسأل الله أَن يستجيب فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ
стр. 84
صَالح الدُّعَاء وَأَن يتم ذَلِك لأمير الْمُؤمنِينَ وَأَن يزِيد فِي بَيته ويعينه على مَا هُوَ عَلَيْهِ
فقد ذكر عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ لَا تضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض فان ذَلِك يُوقع الشَّك فِي قُلُوبكُمْ
وَذكر عَن عبد الله بن عمر أَن فُقَرَاء كَانَا جُلُوسًا بِبَاب النَّبِي ﷺ فَقَالَ بَعضهم ألم يقل الله كَذَا _ وَقَالَ بَعضهم ألم يقل الله كَذَا _
قَالَ فَسمع ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَخرج كَأَنَّمَا فقئ فِي وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ أَبِهَذَا أمرْتُم أَن تضربوا كتاب الله بعضه بِبَعْض _ إِنَّمَا ضلت الْأُمَم قبلكُمْ فِي مثل هَذَا انكم لَسْتُم مِمَّا هُنَا فِي شَيْء انْظُرُوا الَّذِي أمرْتُم بِهِ فاعملوا بِهِ وانظروا الَّذِي نهيتم عَنهُ فَانْتَهوا عَنهُ
وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مراء فِي الْقُرْآن كفر وروى عَن أبي جهم - رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا تماروا فِي الْقُرْآن فان مراء فِيهِ كفر
стр. 85
وَقَالَ عبد الله بن الْعَبَّاس قدم على عمر بن الْخطاب رجل فَجعل عمر يسْأَل عَن النَّاس فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد قَرَأَ الْقُرْآن مِنْهُم كَذَا وَكَذَا
فَقَالَ ابْن عَبَّاس فَقلت وَالله مَا أحب أَن يتسارعوا يومهم هَذَا فِي الْقُرْآن هَذِه المسارعة قَالَ فنهرني عمر وَقَالَ مَه
فَانْطَلَقت إِلَى منزلي مكتئبا حَزينًا فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك إِذْ أَتَانِي رجل فَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالْبَابِ ينتظرني فَأخذ بيَدي فَخَلا بِي وَقَالَ مَا الَّذِي كرهت مِمَّا قَالَ الرجل آنِفا _
فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَتى مَا يتسارعوا هَذِه المسارعة يَخْتَلِفُوا وَمَتى مَا يَخْتَلِفُوا يختصموا وَمَتى مَا يختصموا يَخْتَلِفُوا وَمَتى مَا اخْتلفُوا يقتتلوا
قَالَ لله أَبوك وَالله إِن كنت لاكمتها النَّاس حَتَّى جِئْت بهَا وروى عَن جُبَير بن نفير قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنكُمْ لن ترجعوا بِشَيْء أفضل مِمَّا خرج مِنْهُ يعْنى بِالْقُرْآنِ
وروى عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ جردوا الْقُرْآن لَا تكْتبُوا فِيهِ شَيْئا إِلَّا كَلَام الله
وروى عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ هَذَا الْقُرْآن كَلَام الله فضعوه مَوْضِعه
وَقَالَ رجل لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ يَا أَبَا سعيد أَنى إِذا قَرَأت كتاب الله وتدبرته كدت أَن أياس وَيَنْقَطِع رجائي
стр. 86
قَالَ فَقَالَ الْحسن أَن الْقُرْآن كَلَام الله وأعمال ابْن آدم إِلَى الضعْف وَالتَّقْصِير فاعمل وأبشر
وَقَالَ فَرْوَة بن نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ كنت جَار الْخَبَّاب وَهُوَ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَخرجت مَعَه يَوْمًا من الْمَسْجِد وَهُوَ آخذ بيَدي فَقَالَ يَا هَذَا تقرب لله بِمَا اسْتَطَعْت فَإنَّك لن تتقرب إِلَيْهِ بِشَيْء أحب من كَلَامه
وَقَالَ رجل للْحكم ابْن عتبَة مَا حمل أهل الْأَهْوَاء على هَذَا _ قَالَ الْخُصُومَات
وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة - وَكَانَ أَبوهُ مِمَّن أَتَى النَّبِي ﷺ إيَّاكُمْ وَهَذِه الْخُصُومَات فَإِنَّهَا تحبط الْأَعْمَال
وَقَالَ أَبُو قلَابَة - وَكَانَ قد أدْرك غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا تجالسوا أَصْحَاب الْأَهْوَاء - أَو قَالَ أَصْحَاب الْخُصُومَات - فَأَنِّي لَا آمن أَن يغمسوكم فِي ظلالتهم ويلبسوا عَلَيْكُم بعض مَا تعرفُون
وَدخل رجلَانِ من أَصْحَاب الْأَهْوَاء على مُحَمَّد بن سِيرِين فَقَالَا يَا أبكر نحدثك بِحَدِيث فَقَالَا لَا قَالَا فنقرأ عَلَيْك آيَة من كتاب الله _
قَالَ لَا لتقومان عني أَو لَا قوم عنكما
قَالَا فَقَالَ الرّجلَانِ فَخَرَجَا فَقَالَ بعض الْقَوْم يَا أَبَا بكر وَمَا عَلَيْك أَن يقرا عَلَيْك آيَة من كتاب الله تَعَالَى _ فَقَالَ لَهُ ابْن سِيرِين إِنِّي خشيت أَن يقْرَأ عَليّ آيَة فيحرفانها فَيقر ذَلِك فِي قلبِي
стр. 87
وَقَالَ مُحَمَّد لَو أعلم أَنِّي أكون مبتلى السَّاعَة لتركتها وَقَالَ رجل من أهل الْبدع لأيوب السجتياني يَا أَبَا بكر أَسأَلك عَن كلمة
فولى وَهُوَ يَقُول بِيَدِهِ وَلَا نصف كلمة
وَقَالَ ابْن طَاوس لِابْنِ لَهُ بِكَلِمَة رجل من أهل الْبدع يَا بني ادخل إصبعيك فِي أذنيك لَا تسمع مَا يَقُول ثمَّ قَالَ أشدد
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز من جعل دينه غَرضا للخصومات أَكثر التنقل
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَن الْقَوْم لم يدْخل عَنْهُم شَيْء خير لكم لفضل عنْدكُمْ
وَكَانَ الْحسن ﵀ يَقُول شَرّ دَاء خالط قلبا يَعْنِي الْأَهْوَاء
وَقَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان - وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اتَّقوا الله معشر الْقُرَّاء وخذوا طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ وَالله لَئِن اسْتَقَمْتُمْ لقد سبقتم بَعيدا وَلِأَن تَرَكْتُمُوهُ يَمِينا وَشمَالًا لقد ضللتم ضلالا بَعيدا - أَو قَالَ مُبينًا -
قَالَ أبي ﵀ وَإِنَّمَا تركت ذكرى الْأَسَانِيد لما تقدم من الْيَمين الَّتِي حَلَفت بهَا مِمَّا قد علمه أَمِير الْمُؤْمِنُونَ لَوْلَا ذَلِك لذكرتها بأسانيدها
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾
стр. 88
وَقَالَ ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ فَأخْبر بالخلق ثمَّ قَالَ وَالْأَمر فَأخْبر أَن الْأَمر غير مَخْلُوق
وَقَالَ ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾
فَأخْبر تَعَالَى أَن الْقُرْآن من علمه
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا نصير﴾
وَقَالَ ﴿وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك وَمَا أَنْت بتابع قبلتهم وَمَا بَعضهم بتابع قبْلَة بعض وَلَئِن اتبعت أهواءهم من بعد مَا جَاءَك من الْعلم إِنَّك إِذا لمن الظَّالِمين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حكما عَرَبيا وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد مَا جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا واق﴾
فالقرآن من علم الله تَعَالَى وَفِي هَذِه الْآيَات دَلِيل على أَن الَّذِي جَاءَهُ ﷺ هُوَ الْقُرْآن لقَوْله ﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم﴾
стр. 89
وَقد روى عَن غير وَاحِد مِمَّن مضى مِمَّن سلفنا أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق وَهُوَ الَّذِي أذهب إِلَيْهِ لست بِصَاحِب كَلَام وَلَا ادري الْكَلَام فِي شَيْء من هَذَا إِلَّا مَا كَانَ فِي كتاب الله أَو حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ أَو عَن أَصْحَابه أَو عَن التَّابِعين ﵏ فَأَما غير ذَلِك فَإِن الْكَلَام فِيهِ غير مَحْمُود
стр. 90
بَاب ذكرى مَا جرى بَين أبي وَرَسُول المتَوَكل
بعد عودة من المعسكر
قَالَ أَبُو الْفضل وَقدم المتَوَكل فَنزل الشماسية يُرِيد الْمَدَائِن فَقَالَ لأبي يَا صَالح أحب أَن لَا تذْهب الْيَوْم وَلَا تنبه على قَلما كَانَ بعد يَوْم وَأَنا قَاعد خَارِجا وَكَانَ يَوْم مطر إِذا يحيا بن خاقَان قد جحاء والمطر عَلَيْهِ فِي منْكب عَظِيم فَقَالَ صبحان الله لم تصل إِلَيْنَا حَتَّى نبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام على شيخك حَتَّى وَجه بِهِ ثمَّ نزل خَارج الزقاق فجهدت بِهِ أَن يدْخل على الدَّابَّة فَلم يفعل فَجعل يَخُوض فِي الْمَطَر فَلَمَّا صَار إِلَى الْبَاب نزع جرموقه وَكَانَ على خفه وَدخل وَأبي فِي الزاوية قَاعد عَلَيْهِ كسَاء مربع وعمامة والستر الَّذِي على الْبَاب قِطْعَة خيش فَسلم عَلَيْهِ وَقبل جَبهته وَسَأَلَهُ عَن حَاله وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول كَيفَ أَنْت فِي نَفسك وَكَيف حالك وَقد أنست بقربك ويسألك أَن تَدْعُو لَهُ فَقَالَ مَا يَأْتِي عَليّ يَوْم إِلَّا وَأَنا أَدْعُو الله لَهُ
ثمَّ قَالَ قد وَجه معي ألف دِينَار تفرقها على أهل الْحَاجة
فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا زَكَرِيَّا أَنا فِي الْبَيْت مُنْقَطع عَن النَّاس وَقد أعفاني من كل مَا أكرهه
فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله الْخُلَفَاء لَا يحْتَملُونَ هَذَا
فَقَالَ يَا أَبَا زَكَرِيَّا تلطف بذلك
فَدَعَا لَهُ ثمَّ قَامَ فَلَمَّا صَار إِلَى الدَّار رَجَعَ وَقَالَ أهكذا كنت لَو وَجه إِلَيْك بعض أخوانك تفعل
стр. 91
- قَالَ نعم فَلَمَّا صرنا إِلَى الدهليز قَالَ أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أدفعها إِلَيْك تفرقها
فَقلت تكون عنْدك إِلَى أَن تمْضِي هَذِه الْأَيَّام
ذكر مَا جرى بَين أبي وأبن طَاهِر من طلب استزارته وامتناعه عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل وَقد كَانَ وَجه مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر إِلَى أبي فِي وَقت قدومه بالعسكر أحب أَن تصير إِلَيّ وتعلمني الَّذِي تعزم عَلَيْهِ حَتَّى لَا يكون عِنْدِي أحد
فَوجه إِلَيْهِ أَنا رجل لم أخالط السُّلْطَان وَقد أعفاني أَمِير الْمُؤمنِينَ مِمَّا أكره وَهَذَا مِمَّا أكره فجهد أَن يصير إِلَيْهِ فَأبى
стр. 92
بَاب فِي ذكر مَرضه
قَالَ أَبُو الْفضل وَكَانَ أبي قد أدمن الصَّوْم لما قدم وَجعل لَا يَأْكُل الدسم وَكَانَ قبل ذَلِك يَشْتَرِي لَهُ شَحم بدرهم فيأكل مِنْهُ شهرا فَترك أكل الشَّحْم وأدام الصَّوْم وَالْعَمَل وتوهمت أَنه قد كَانَ جعل على نَفسه ذَلِك أَن سلم
وَكَانَ قد حمل أبي إِلَى المتَوَكل سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ مكث إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَكَانَ قل يَوْم يمْضِي إِلَّا وَرَسُول المتَوَكل يَأْتِيهِ فَلَمَّا كَانَ فِي أول يَوْم من شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ حم أبي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فَدخلت عَلَيْهِ يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ مَحْمُوم يتنفس نفسا شَدِيدا وَكنت قد عرفت علته وَكنت أمرضه إِذا اعتل
فَقلت لَهُ يَا أبه على مَا أفطرت البارحة
قَالَ على مَاء باقلاء
ثمَّ أَرَادَ الْقيام فَقَالَ خُذ بيَدي فَأخذت بِيَدِهِ فَلَمَّا صَار إِلَى الْخَلَاء ضعفت رِجْلَاهُ حَتَّى توكأ عَليّ وَكَانَ يخْتَلف إِلَيْهِ غير متطبب كلهم مُسلمُونَ فوصف لَهُ تطيب يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن قرعَة تشوى ويسقى ماءها وَهَذَا يَوْم الثُّلَاثَاء وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة
فَقَالَ يَا صَالح قلت لبيْك
قَالَ لَا تشوي فِي مَنْزِلك وَلَا فِي منزل عبد الله أَخِيك
стр. 93
وَصَارَ الْفَتْح بن سهل إِلَى الْبَاب ليعوده فَحَجَبَتْهُ وأتى عَليّ بن الْجَعْد فَحَجَبَتْهُ وَكثر النَّاس فَقلت يَا أبه قد كثر النَّاس
قَالَ فَأَي شَيْء ترى
قلت تَأذن لَهُم فَيدعونَ لَك
قَالَ استخر الله
فَجعلُوا يدْخلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا حَتَّى تمتليء الدَّار فيسألونه وَيدعونَ لَهُ ثمَّ يخرجُون وَيدخل فَوْج آخر وَكثر النَّاس وامتلأ الشَّارِع وأغلقنا بَاب الزقاق وَجَاء رجل من جيراننا قد خضب فَدخل عَلَيْهِ
فَقَالَ أبي أَنى لارى الرجل يحيى شَيْئا من السّنة فَأَفْرَح فَدخل فَجعل يَدْعُو لَهُ فَجعل يَقُول لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين
وَجَاء رجل فَقَالَ تلطف لي بالأذن عَلَيْهِ فَإِنِّي قد حضرت ضربه يَوْم الدَّار وَأُرِيد أَن أستحله
فَقلت لَهُ فَأمْسك فَلم أزل يه حَتَّى قَالَ أدخلهُ فأدخلته فَقَامَ بَين يَدَيْهِ وَجعل يبكي وَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَنا كنت مِمَّن حضر ضربك يَوْم الدَّار وَقد أَتَيْتُك فَإِن أَحْبَبْت الْقصاص فَأَنا بَين يَديك وَأَن رَأَيْت أَن تحلني فعلت فَقَالَ عَليّ أَن لَا تعود لمثل ذَلِك
قَالَ نعم
قَالَ إِنِّي جعلتك فِي حل فَخرج يبكي وَبكى من حضر من النَّاس
стр. 94
وَكَانَ لَهُ فِي خريقة قطيعات فَإِذا أَرَادَ الشَّيْء أعطينا من يشترى لَهُ فَقَالَ لَهُ يَوْم الثُّلَاثَاء وَأَنا عِنْده أنظر فِي خريقتي شَيْء فَنَظَرت فَإِذا فِيهَا دِرْهَم فَقَالَ وَجه فاقتضي بعض السكان فوجهت فَأعْطيت شَيْئا فَقَالَ وَجه فاشتر تَمرا وَكفر عني كَفَّارَة يَمِين فوجهت فاشتريت وكفرت عَنهُ كَفَّارَة يَمِين وَبَقِي ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو نَحْو ذَلِك فَأَخْبَرته فَقَالَ الْحَمد لله
وَقَالَ اقْرَأ على الْوَصِيَّة فقرأتها عَلَيْهِ فأقرها
وَقَالَ أَبُو الْفضل لم يزل أبي يُصَلِّي فِي مَرضه قَائِما أمْسكهُ فيركع وَيسْجد ورافعه فِي رُكُوعه وَسُجُوده وَدخل عَلَيْهِ مُجَاهِد بن مُوسَى فَقَالَ يَا ابا عبد الله قد جاءتك الْبُشْرَى هَذَا الْخلق يشْهدُونَ لَك مَا تبالي لَو وَردت على الله السَّاعَة وَجعل يقبل يَده ويبكي وَجعل يَقُول أوصني يَا أَبَا عبد الله فَأَشَارَ إِلَى لِسَانه
وَدخل سوار القَاضِي فَجعل يبشره ويخبره بالرخص وَذكر لَهُ عَن مُعْتَمر أَنه قَالَ قَالَ أبي عِنْد مَوته حَدثنِي بالرخص
وَاجْتمعت عَلَيْهِ أوجاع الْحصْر وَغير ذَلِك وَلم يزل عقله ثَابتا وَهُوَ فِي خلال ذَلِك يَقُول كم الْيَوْم فِي الشَّهْر فَأخْبرهُ وَكنت أَنَام بِاللَّيْلِ إِلَى جنبه فَإِذا أَرَادَ حَاجَة حركني فأناوله وَقَالَ لي جئني بِالْكتاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث ابْن إِدْرِيس عَن لَيْث عَن طَاوُوس أَنه كَانَ يكره الانين فَقَرَأته عَلَيْهِ فَلم يَئِن إِلَّا فِي اللَّيْلَة الَّتِي توفّي فِيهَا
стр. 95
بَاب فِي ذكر غسله وكفنه
قَالَ أَبُو الْفضل لما توفّي أبي وَاجْتمعَ النَّاس فِي الشوارع وجهت إِلَيْهِم أعلمهم بوفاته وَإِنِّي أخرجه بعد الْعَصْر وَوجه ابْن أبي طَاهِر بحاجبه مظفر وَمَعَهُ غلامان مَعَهم مناديل فِيهَا ثِيَاب وَطيب فَقَالُوا الْأَمِير يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول قد فعلت مَا لَو كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ حاضره كَانَ يفعل ذَلِك لَهُ فَقلت لَهُ أقرأه السَّلَام وَقل لَهُ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَعْفَاهُ فِي حَيَاته مِمَّا كَانَ يكره وَلَا احب أَن أتبعه بعد مَوته بِمَا كَانَ يكرههُ فِي حَيَاته فَعَاد وَقَالَ يكون شعاره وَلَا يكون دثاره فَأَعَدْت عَلَيْهِ مثل ذَلِك
وَقد كَانَ غزلت لَهُ جَارِيَة ثوبا عشاريا قوم ثَمَانِيَة وَعشْرين درهما ليقطع مِنْهُ قميصين فقطعنا لَهُ لفافتين واخذنا من بوران لفافة أُخْرَى فأدرجناه فِي ثَلَاث لفائف واشترينا حنوطا
وَقد كَانَ بعض أَصْحَابنَا من العطارين سَأَلَني أَن يُوَجه بحنوط فَلم أفعل وصب فِي حب لنا مَاء فَقلت قُولُوا لأبي مُحَمَّد يَشْتَرِي رِوَايَة وَيصب المَاء فِي الْحبّ الَّذِي كَانَ يشرب مِنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يكره أَن يدْخل من مَنَازلنَا إِلَيْهِ بِشَيْء وَفرغ من غسله وكفناه وَحضر نَحْو من مائَة من بني هَاشم وَنحن نكفنه وَجعلُوا يقبلُونَ جَبهته حِين رفعناه على السرير
стр. 96
بَاب فِي ذكر الْمُتَقَدّم للصَّلَاة عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل لما توفّي أبي وَجه إِلَيّ ابْن طَاهِر من يُصَلِّي عَلَيْهِ قلت أَنا فَلَمَّا صرنا إِلَى الصَّحرَاء إِذا ابْن طَاهِر وَاقِف فخطا إِلَيْنَا خطوَات وعزانا وَوضع السرير فَلَمَّا انتظرت هنيهة تقدّمت وَجعلت أسوي النَّاس فَجَاءَنِي ابْن طالوت وَمُحَمّد فَقبض هَذَا عل يَدي وَهَذَا على يَدي وَقَالُوا الْأَمِير فمانعتهم فنحياني فصلى وَلم يعلم النَّاس بذلك فَلَمَّا كَانَ الْغَد علم النَّاس فَجعلُوا يجيئون وَيصلونَ عَلَيْهِ على الْقَبْر وَمكث النَّاس مَاء شَاءَ الله يأْتونَ فيصلون على الْقَبْر تمّ الْكتاب
وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين