← Тараджим

Тараджим · id 6656

سيرة عمر بن عبد العزيز

ابن عبد الحكم الفقيه

Полный текст (129 стр.). Показаны 106–129 · переход к 111.

стр. 106

بَين رُكْبَتَيْهِ وَبكى بكاء شَدِيدا فَقَالَ النَّاس يبكي فَرحا بالخلافة ثمَّ رفع رَأسه وَمسح عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ ارزقني عقلا يَنْفَعنِي وَاجعَل مَا أصير إِلَيْهِ أهم مِمَّا يَزُول عني ثمَّ دخل منزله فَألْقى تِلْكَ الثِّيَاب عَنهُ وَغسل ذَلِك الطّيب ودعا الْحجام فَأخذ من شعره ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب بِيَدِهِ من عبد الله عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ ومطرف بن عبد الله بن الشخير سَلام عَلَيْكُمَا فَإِنِّي أَحْمد اليكما الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله أما بعد فَإِنِّي أوصيكما بتقوى الله فَإِن من يَقُولهَا كثير وَمن يعْمل بهَا قَلِيل فَإِذا أتاكما كتابي فعظاني وَلَا تزكياني وَالسَّلَام جَوَاب الْحسن الْبَصْرِيّ فَكتب إِلَيْهِ الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِن الدُّنْيَا دَار مخوفة هَبَط إِلَيْهَا آدم ﵇ عُقُوبَة تهين من أكرمها وتكرم من أهانها وتفقر من جمع لَهَا لَهَا فِي كل يَوْم قَتِيل فَكُن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كالمداوي لجرحه واصبر على شدَّة الدَّوَاء لما تخَاف من طول الْبلَاء جَوَاب مطرف وَكتب إِلَيْهِ مطرف بن عبد الله بن الشخير لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ من مطرف بن عبد الله سَلام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَلْيَكُن استئناسك بِاللَّه وانقطاعك إِلَيْهِ فَإِن قوما أنسوا بِاللَّه وانقطعوا إِلَيْهِ فَكَانُوا بِاللَّه فِي وحدتهم أَشد استئناسا مِنْهُم بِالنَّاسِ فِي كَثْرَة عَددهمْ أماتوا من الدُّنْيَا مَا خَافُوا أَن يُمِيت قُلُوبهم وَتركُوا مِنْهَا مَا علمُوا أَن سيتركهم فَأَصْبحُوا لما سَالم النَّاس مِنْهَا أَعدَاء جعلنَا الله وَإِيَّاك مِنْهُم فَإِنَّهُم قد أَصْبحُوا بهَا قَلِيلا وَالسَّلَام

стр. 107

تَقْدِير نَفَقَة عمر فِي خِلَافَته وَوَضعه أَمْوَاله فِي سَبِيل الله وَقَالَ الحكم بن عمر الْحِمصِي أول شَيْء بَدَأَ بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه لم يتْرك ظلامة مزرعة وَلَا طلبة لأحد قبله إلآ ردهَا إِلَيْهِ وَبَاعَ مَا كَانَ لَهُ من الْمزَارِع من عبد أَو أمة أَو بَهِيمَة أَو آلَة وَبَاعَ مَا لَهُ من مَتَاع أَو مركب أَو لِبَاس أَو عطر وَأَشْيَاء سَمَّاهَا الحكم هِيَ فِي حَدِيثه فَبلغ ثَلَاثَة وَعشْرين ألف دِينَار ثمَّ جعلهَا فِي سَبِيل الله وَقَالَ غير الحكم بلغ ثَلَاثَة وَأَرْبَعين ألف دِينَار فَجَعلهَا فِي سَبِيل الله وابتاع جَارِيَة تخبز لَهُ وتطحن وتغسل ثِيَابه بِمِائَة ووصيفا فِي حَاجته ورسالته وَكَانَ يزن لَهُ فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ لَحْمه وخبزه وبقله إِن غلا السّعر اَوْ رخص أمره أحد بنيه بإصلاح قَمِيصه وَقَالَ عبد الله بن عمر الْجَزرِي ازْدحم النَّاس على عمر بن عبد الْعَزِيز يبايعونه حِين دفن سُلَيْمَان فتخرق جيب قَمِيص ابْنه فَقَالَ يَا بني أصلح جيب قَمِيصك فَإنَّك لم تكن قطّ أحْوج إِلَى ذَلِك مِنْك الْيَوْم اعطاؤه نَفَقَة السّفر وَثمن الْأكل للرجل الَّذِي تظلم إِلَيْهِ بعد أَن رد عَلَيْهِ أرضه وَقَالَ ابْن عَيَّاش خرج عمر ذَات يَوْم من منزله على بغلة لَهُ شهباء وَعَلِيهِ قَمِيص لَهُ وملاءة ممشقة إِذْ جَاءَ رجل على رَاحِلَة لَهُ فأناخها فَسَأَلَ عَن عمر فَقيل لَهُ قد خرج علينا وَهُوَ رَاجع الْآن قَالَ فَأقبل عمر وَمَعَهُ رجل يسايره فَقيل للرجل هَذَا عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَامَ إِلَيْهِ فَشكى إِلَيْهِ

стр. 108

عدي بن أَرْطَأَة فِي أَرض لَهُ فَقَالَ عمر أما وَالله مَا غرنا مِنْهُ إِلَّا بعمامته السَّوْدَاء أما إِنِّي قد كتبت إِلَيْهِ فضل عَن وصيتي إِنَّه من أَتَاك بِبَيِّنَة على حق هُوَ لَهُ فسلمه إِلَيْهِ ثمَّ قد عناك إِلَيّ فَأمر عمر برد أرضه إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كم أنفقت فِي مجيئك إِلَيّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تَسْأَلنِي عَن نفقتي وَأَنت قد رددت عَليّ أرضي وَهِي خير من مائَة ألف فَقَالَ عمر إِنَّمَا رددت عَلَيْك حَقك فَأَخْبرنِي كم أنفقت قَالَ مَا أَدْرِي قَالَ احزره قَالَ سِتِّينَ درهما فَأمر لَهُ بهَا من بَيت المَال فَلَمَّا ولي صَاح بِهِ عمر فَرجع فَقَالَ لَهُ خُذ هَذِه خَمْسَة دَرَاهِم من مَالِي فَكل بهَا لَحْمًا حَتَّى ترجع إِلَى أهلك إِن شَاءَ الله حرصه على الْعَمَل بِالْكِتَابَةِ وَالسّنة وَلَو أضرّ بِهِ وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد الْخَولَانِيّ إِن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ يَقُول يَا لَيْتَني قد عملت فِيكُم بِكِتَاب الله وعملتم بِهِ فَكلما عملت فِيكُم بِسنة وَقع مني عُضْو حَتَّى يكون أخر شَيْء مِنْهَا خُرُوج نَفسِي نفور بني أُميَّة من عدل عمر واجتماعهم إِلَيْهِ وَلما أقبل عمر على رد الْمَظَالِم وَقطع عَن بني أُميَّة جوائزهم وأرزاق أحراسهم ورد ضياعهم إِلَى الْخراج وأبطل قطائعهم فأفقرهم ضجوا من ذَلِك فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا إِنَّك قد أجلبت بَيت مَال الْمُسلمين وأفقرت بلَى أَبِيك فِيمَا ترد من هَذِه الْمَظَالِم وَهَذَا أَمر قد وليه غَيْرك قبلك فَدَعْهُمْ وَمَا كَانَ مِنْهُم واشتغل أَنْت وشأنك واعمل بِمَا رَأَيْت قَالَ لَهُم هَذَا رَأْيكُمْ قَالُوا نعم قَالَ وَلَكِنِّي لَا أرى ذَلِك وَالله لَوَدِدْت أَن لَا تبقى فِي الأَرْض

стр. 109

مظْلمَة إِلَّا رَددتهَا على شَرط أَن لَا أرد مظْلمَة إِلَّا سقط لَهَا عُضْو من أعضائي أجد ألمه ثمَّ يعود كَمَا كَانَ حَيا فَإِذا لم يبْق مظْلمَة إِلَّا رَددتهَا سَالَتْ نَفسِي عِنْدهَا قَالَ فَخَرجُوا من عِنْده فَدَخَلُوا على بعض ولد الْوَلِيد وَكَانَ كَبِيرهمْ وشيخهم فَسَأَلُوهُ أَن يكْتب إِلَى عمر يوبخه لَعَلَّه أَن يردهُ عَن مساءتهم فَكتب إِلَيْهِ كتاب عمر بن الْوَلِيد إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإنَّك أزريت بِمن كَانَ قبلك من الْخُلَفَاء وسرت بِغَيْر سيرتهم وسميتها الْمَظَالِم نقصا لَهُم وعيبا لأعمالهم وشاتما لمن كَانَ بعدهمْ من أَوْلَادهم وَلم يكن ذَلِك لَك فَقطعت مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل وعملت بِغَيْر الْحق فِي قرابتك وعمدت إِلَى أَمْوَال قُرَيْش ومواريثهم وحقوقهم فأدخلتها بَيت مَالك ظلما وجورا وعدوانا فَاتق الله يَا ابْن عبد الْعَزِيز وراقبه فَإنَّك قد أوشكت لم تطمئِن على منبرك أَن خصصت ذَوي قرابتك بالقطيعة وَالظُّلم فوَاللَّه الَّذِي خص مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا خصّه بِهِ من الكرامه لقد ازددت من الله بعدا فِي ولايتك هَذِه الَّتِي تزْعم أَنَّهَا بلَاء عَلَيْك وَهِي كَذَلِك فاقتصد فِي بعض ميلك وتحاملك اللَّهُمَّ فاسأل سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَمَّا صنع بِأمة مُحَمَّد ﷺ حِين استخلفك عَلَيْهِم

стр. 110

جَوَاب عمر بن عبد الْعَزِيز لعمر بن الْوَلِيد قَالَ فَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَيْهِ من عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فلَان ابْن الْوَلِيد سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَحْمد اليك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِن أول أَمرك يَا فلَان أَن أمك بنانة أمه السكونِي كَانَت تدخل دور حمص وَتَطوف حوانيتها وَالله أعلم بهَا فاشتراها دِينَار بن دِينَار من فَيْء الْمُسلمين فأهداها الى أَبِيك فَحملت بك فبئس الْمَحْمُول وَبئسَ الْجَنِين ثمَّ نشأت فَكنت جبارا شقيا كتبت إِلَيّ تظلمني وَزَعَمت أَن حرمتك وَأهل بَيْتك فِي مَال الْمُسلمين الَّذِي فِيهِ حق الْقَرَابَة والضعيف والمسكين وَابْن السَّبِيل وَإِنَّمَا أَنْت كَأحد مِنْهُم لَك مَا لَهُم وَعَلَيْك مَا عَلَيْهِم وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله الَّذِي استعملك صَبيا سَفِيها تحكم فِي دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ بِرَأْيِك لم يحضرهُ نِيَّة وَلم يكن يحملهُ عَلَيْهِ إِلَّا حب الْوَلَد وَلم يكن ذَلِك لَهُ وَلَا حق لَهُ فِيهِ فويلك وويل أَبِيك مَا أَكثر طلابكما وخصماءكما كَمَا يَوْم الْقِيَامَة وَكَيف النجَاة لمن كثر خصماؤه وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من جعل لفلانة البربرية سَهْما فِي فَيْء الْمُسلمين وصدقاتهم أهاجرت ثكلتك أمك

стр. 111

أم بَايَعت بيعَة الرضْوَان فتستوجب سِهَام المقاتلين وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من اسْتعْمل قُرَّة بن شريك أَعْرَابِيًا جلفا جَافيا على مصر وَأذن لَهُ فِي المعازف والبرابط وَالْخمر وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من ولى يزِيد بن ابي مُسلم على جَمِيع الْمغرب يجبي المَال الْحَرَام ويسفك الدَّم الْحَرَام رويدك فَإِنَّهُ لَو قد الْتَقت علينا حلقنا البطان وطالت بِي حَيَاة ورد الله الْحق إِلَى أَهله تفرغت لَك وَلأَهل بَيْتك فأقمتكم على المحجة الْبَيْضَاء فطال مَا أَخَذْتُم بنيات الطَّرِيق وتركتم الْحق وراءكم وَمِمَّا وَرَاء هَذَا مَا أَرْجُو أَن يكون خير رَأْي أبته بيع رقبتك فَإِن لكل مُسلم فِيك سَهْما فِي كتاب الله وَالسَّلَام على من ابتع الْهدى وَلَا ينَال سَلام الله الظَّالِمين وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ سَمِعت عِيسَى بن الْمثنى الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن حجاج الْخَولَانِيّ يذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى بعض بني الْوَلِيد كتابا لم يذكر فِيهِ الله أعلم وَفِيه بلَى إِن شِئْت نبأتك بِمن هُوَ أظلم مني وأترك لعهد الله أَبوك إِذْ ولى يزِيد بن أبي مُسلم عبد بني أبي عقيل على ثَلَاثَة أَخْمَاس

стр. 112

الْمغرب يقتل ويصلب وَيقطع وَفِيه أَكثر من هَذَا وأكره وَلَوْلَا مَا يَمْنعنِي مِنْك لبعثت إِلَيْك من يحلق لمتك لمة السوء هوانا بك عَليّ وقمأة وَلما يبلغ الحزام الطبيين وَالسَّلَام عَظمَة عمر بن عبد الْعَزِيز لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك قَالَ وَأَخْبرنِي بعض أهل الْعلم أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك قَالَ لعمر بن عبد الْعَزِيز أما ترى كَثْرَة النَّاس بِالْمَوْسِمِ قَالَ خصماؤك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بغي الْوَلِيد بن هِشَام على الْفُرَات بن مُسلم واصلاح عمر بَينهمَا وعقابه شُهَدَاء الزُّور وَولى عمر بن عبد الْعَزِيز الْوَلِيد بن هِشَام المعيطي على جند قنسرين والفرات بن مُسلم على خراجها فتباغيا حَتَّى بلغ الْأَمر بالوليد أَن هيأ أَرْبَعَة نفر من كهول قنسرين يشْهدُونَ على فرات أَنه يدع الصَّلَاة وَيفْطر شهر رَمَضَان مُقيما صَحِيحا وَلَا يغْتَسل من الْجَنَابَة وَيَأْتِي أَهله وَهِي طامث فقدموا على عمر بن عبد الْعَزِيز فَشَهِدُوا بِهَذِهِ الشَّهَادَة وهم مختضبون بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ عمر هَذَا رمقتموه فِي صلَاته فَلم يصلها إِمَّا تَركهَا مُتَعَمدا وَإِمَّا سَاهِيا ورأيتموه يفْطر فِي شهر رَمَضَان وَلَا ترَوْنَ بِهِ سقما مَا علمكُم أَنه لَا يغْتَسل من الْجَنَابَة وغشيانه أَهله وَالله مَا هَذَا مِمَّا يشْتم بِهِ وَلَا سِيمَا فرات فِي مثل عفافه وأمانته يَا غُلَام انْطلق بهؤلاء المشيخة السوء إِلَى صَاحب الشَّرْط فمره فليضرب كل وَاحِد مِنْهُم عشْرين سَوْطًا على مفرق رَأسه وليرفق فِي ضربه لمَكَان أسنانهم وبحبسهم من الفضيحة مَا هم صائرون إِلَيْهِ إِن لم يتغمد الله مَا كَانَ مِنْهُم بعفوه ثمَّ استوثق مِنْهُم بالكفلاء حَتَّى يكون فرات هُوَ الْآخِذ بِحقِّهِ مِنْهُم أَو الْعَافِي عَنْهُم وَالْعَفو أقرب للتقوي وَأقرب إِلَى الله عزوجل ثمَّ أصلح بَين الْوَلِيد وفرات قَالَ وَلما قدم قَابل وَقدم الْوَلِيد رُؤُوس أَنْبَاط قنسرين كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْفُرَات أَن اقدم فَقدم وَإنَّهُ لقاعد خلف سَرِير عمر إِذْ

стр. 113

دخل الأنباط فَقَالَ لَهُم عمر مَاذَا أعددتم لأميركم فِي نزله لمسيره إِلَيّ قَالُوا وَهل قدم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ مَا علمْتُم بِهِ قَالُوا لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأقبل عمر بِوَجْهِهِ على الْوَلِيد فَقَالَ يَا وليد إِن رجلا ملك قنسرين وأرضها خرج يسير فِي سُلْطَانه وأرضه حَتَّى انْتهى إِلَيّ لَا يعلم بِهِ أحد وَلَا ينفر أحدا وَلَا يروعه لخليق أَن يكون متواضعا عفيفا قَالَ الْوَلِيد أجل وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه لعفيف وَأَنِّي لَهُ لظَالِم وَأَسْتَغْفِر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ فَقَالَ عمر مَا أحسن الإعتراف وَأبين فَضله على الْإِصْرَار وردهما عمر على عملهما فَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد وَكَانَ مرائيا خديعة مِنْهُ لعمر وتزينا بِمَا هُوَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِنِّي قدرت نفقتي لشهر فَوَجَدتهَا كذاوكذا درهما ورزقي يزِيد على مَا أحتاج إِلَيْهِ فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يحط فضل ذَلِك فَقَالَ عمر أَرَادَ الْوَلِيد أَن يتزين عندنَا بِمَا لَا أَظُنهُ عَلَيْهِ وَلَو كنت عازلا أحدا على ظن لعزلته ثمَّ أَمر بحط رزقه الى الَّذِي سَأَلَهُ ثمَّ أَمر بِالْكتاب إِلَى يزِيد بن عبد الْملك وَهُوَ ولي عَهده إِن الْوَلِيد بن هِشَام كتب إِلَيّ كتابا أَكثر ظَنِّي أَنه تزين بِمَا لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ وَلَو أمضيت شَيْئا على ظَنِّي مَا عمل لي أبدا وَلَكِنِّي آخذ بِالظَّاهِرِ وَعند الله علم الغيوب فَأَنا أقسم عَلَيْك إِن حدث بِي حَادث وأفضى هَذَا الْأَمر إِلَيْك فسألك أَن ترد إِلَيْهِ رزقه وَذكر أَنِّي نقصته فَلَا يظفر مِنْك بِهَذَا أبدا فَإِنَّمَا خَادع بِهِ الله وَالله خادعه فَلَمَّا مَاتَ عمر واستخلف يزِيد كتب إِلَيْهِ الْوَلِيد إِن عمر نقصني وظلمني فَغَضب يزِيد وَبعث إِلَيْهِ فَعَزله وأغرمه كل رزق جرى عَلَيْهِ فِي ولَايَة عمر وَيزِيد كلهَا فَلم يل لَهُ عملا حَتَّى هلك أَقْوَال عمر فِي الْخُلَفَاء الثَّلَاثَة قبله وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز وَعِنْده مولى لَهُ يُقَال لَهُ مُزَاحم وَهُوَ جَالس على حشيه وسَادَة خشنة فَلَمَّا رَآنِي قَالَ ادن يَا عبد الرَّحْمَن فَأخذ بيَدي وأقعدني مَعَه على حشيته ثمَّ قَالَ

стр. 114

يَا عبد الرَّحْمَن مَا فعل الثَّلَاثَة فَقلت من الثَّلَاثَة قَالَ جدك أَبوك وعمك قَالَ قلت ولوا هَذَا الْأَمر مثل مَا وليت ثمَّ دعوا فَأَجَابُوا قَالَ أَفلا أنبئك بخبرهم قلت بلَى قَالَ أما جدك فَإِنِّي صحبته فِيمَن صَحبه ومرضته فِيمَن مَرضه ودفنته فِيمَن دَفنه فَلم أر أحدا أعلم بالدنيا مِنْهُ ثمَّ صَارَت الْأَشْيَاء الى عمك فصحبته فِيمَن صَحبه ومرضته فِيمَن مَرضه ودفنته فِيمَن دَفنه فَلم أر أحدا كَانَ أغلب للدنيا مِنْهُ ثمَّ صَارَت الْأَشْيَاء إِلَى أَبِيك فصحبته فِيمَن صَحبه ومرضته فِيمَن مَرضه ودفنته فِيمَن دَفنه فَلم أرأحدا كَانَ آكل للدنيا مِنْهُ ثمَّ أَقبلت إِلَيّ الدُّنْيَا تريدني على ديني قَالَ ثمَّ خنقته الْعبْرَة فَبكى فَلَمَّا رأى مَوْلَاهُ مُزَاحم ذَلِك مِنْهُ قَالَ قُم يَا عبد الرَّحْمَن قَالَ فَقُمْت فَمَا بلغت بَاب الْبَيْت حَتَّى سمعته يخور خوار الثور بكاء وانتحابا كَرَاهِيَة عمر الْبناء فِي دَاره وَقَالَ ابْن عَيَّاش كَانَت لعمر مرقاتان يرقى من صحن دَاره إِلَى قَعْر بَيته عَلَيْهِمَا فانقلعت إِحْدَى المرقاتين فَأَتَاهَا رجل من أهل بَيته فأصلحها كَرَاهِيَة أَن يشق على عمر فَلَمَّا جَاءَ عمر وَنظر إِلَيْهَا قَالَ من صنع هَذَا قَالُوا فلَان قَالَ عَليّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ وَيحك يَا فلَان أنفست على عمر أَن يخرج من الدُّنْيَا وَلم يضع لبنة على لبنة وَالله لَوْلَا أَن يكون فَسَاد بعد إصْلَاح لغيرتها إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ ضن عمر بِالْمَالِ إِلَّا على الْفُقَرَاء والمحتاجين وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لعنبسة بن سعيد وَسَأَلَهُ حَاجَة يَا عَنْبَسَة إِن كَانَ مَالك الَّذِي أصبح عنْدك حَلَالا فَهُوَ كافيك وَإِن كَانَ حَرَامًا فَلَا تزيدن إِلَيْهِ حَرَامًا أَلا تُخبرنِي أمحتاج أَنْت قَالَ لَا قَالَ أفعليك دين قَالَ لَا قَالَ أفتأمرني أَن أعمد الى مَال الله فأعطيكه من غير حَاجَة بك إِلَيْهِ وأدع فُقَرَاء الْمُسلمين لَو كنت غارما أدّيت غرمك أَو مُحْتَاجا أمرت لَك بِمَا يصلحك فَعَلَيْك بِمَالك الَّذِي عنْدك فكله وَاتَّقِ الله وَانْظُر أَولا من أَيْن جمعته وَانْظُر

стр. 115

لنَفسك قبل أَن ينظر إِلَيْك من لَيْسَ لَك عِنْده هوادة وَلَا مُرَاجعَة دُخُول الْبَرِيد على عمر وحكاية الشمعة والسراج قَالَ ووفد على عمر بن عبد الْعَزِيز بريد من بعض الْآفَاق فَانْتهى إِلَى بَاب عمر لَيْلًا فقرع الْبَاب فَخرج إِلَيْهِ البواب فَقَالَ أعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن بِالْبَابِ رَسُولا من فلَان عَامله فَدخل فَأعْلم عمر وَقد كَانَ أَرَادَ ينَام فَقعدَ وَقَالَ ائْذَنْ لَهُ فَدخل الرَّسُول فَدَعَا عمر بشمعة غَلِيظَة فأججت نَارا وأجلس الرَّسُول وَجلسَ عمر فَسَأَلَهُ عَن حَال أهل الْبَلَد وَمن بهَا من الْمُسلمين وَأهل الْعَهْد وَكَيف سيرة الْعَامِل وَكَيف الأسعار وَكَيف أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأَبْنَاء السَّبِيل والفقراء وَهل أعْطى كل ذِي حق حَقه وَهل لَهُ شَاك وَهل ظلم أحدا فَأَنْبَأَهُ بِجَمِيعِ مَا علم الرَّسُول من أَمر تِلْكَ المملكة فَلم يدع شَيْئا إِلَّا أنبأه بِهِ كل ذَلِك يسْأَله فيحفي السُّؤَال حَتَّى إِذا فرغ عمر من مَسْأَلته قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ حالك فِي نَفسك وبدنك وَكَيف عِيَالك وَجَمِيع أهل خزانتك وَمن تعنى بِشَأْنِهِ قَالَ فَنفخ عمر الشمعة فأطفأها بنفخة وَقَالَ يَا غُلَام عَليّ بسراج فَدَعَا بفتيلة لَا تكَاد تضيء فَقَالَ سل عَمَّا أَحْبَبْت فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ عَن حَاله وَحَال وَلَده وَعِيَاله وَأهل بَيته فَعجب الْبَرِيد للشمعة وإطفائه إِيَّاهَا وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَأَيْتُك فعلت أمرا مَا رَأَيْتُك فعلت مثله قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إطفاؤك الشمعة عِنْد مَسْأَلَتي إياك عَن حالك وشأنك فَقَالَ يَا عبد الله إِن الشمعة الَّتِي رَأَيْتنِي أطفأتها من مَال الله وَمَال الْمُسلمين وَكنت أَسأَلك عَن حوائجهم وَأمرهمْ فَكَانَت تِلْكَ الشمعة

стр. 116

تقد بَين يَدي فِيمَا يصلحهم وَهِي لَهُم فَلَمَّا صرت لشأني وَأمر عيالي وَنَفْسِي أطفأت نَار الْمُسلمين رَأْي عمر فِي الْهَدِيَّة الى الْعمَّال وَقَالَ عَمْرو بن المُهَاجر إِن رجلا أَتَى عمر بن عبد الْعَزِيز بتفاحات فَأبى أَن يقبل فَقيل لَهُ قد كَانَ رَسُول الله ﷺ يقبل الْهَدِيَّة فَقَالَ عمر هُوَ لرَسُول الله ﷺ هَدِيَّة وَهُوَ لنا رشوة وَلَا حَاجَة لي بِهِ جَوَاب عمر لابنته وَقد سَأَلته قرطا وَقَالَ وَبعثت إِلَيْهِ ابْنَته بلؤلؤة وَقَالَت لَهُ إِن رَأَيْت أَن تبْعَث إِلَيّ بأخت لَهَا حَتَّى أجعلها فِي أُذُنِي فَأرْسل إِلَيْهَا بجَمْرَتَيْن ثمَّ قَالَ لَهَا إِن اسْتَطَعْت أَن تجعلي هَاتين الْجَمْرَتَيْن فِي أذنيك إِلَيْك بأخت لَهَا نَفَقَة عمر اليومية وَقَالَ مُسلم بن زِيَاد كَانَ عمر ينْفق على أَهله وَعِيَاله فِي غدائه وعشائه كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ تخوله مسلمة بِالْمَوْعِظَةِ وَقَالَ مسلمة دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز بعد الْفجْر فِي بَيت كَانَ يَخْلُو فِيهِ فَلَا يدْخل عَلَيْهِ أحد فَجَاءَت جَارِيَة بطبق تمر صيحاني وَكَانَ يُعجبهُ التَّمْر فَرفع بكفيه فَقَالَ يَا مسلمة أَتَرَى رجلا لَو أكل هَذَا ثمَّ شرب عَلَيْهِ من المَاء فَإِن المَاء على التَّمْر يطيب أَكَانَ يجْزِيه إِلَى اللَّيْل فَقلت لَا أَدْرِي فَرفع أَكثر مِنْهُ فَقَالَ فَهَذَا فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ كَافِيَة دون هَذَا حَتَّى مَا يُبَالِي أَن لَا يَذُوق طَعَاما غَيره قَالَ فعلام تدخل النَّار قَالَ مسلمة فَمَا وَقعت مني موعظة مَا وَقعت مني هَذِه

стр. 117

حَدِيث أبي أسلم فِي لِبَاس عمر وَطَعَامه قَالَ أَبُو أسلم حَدثنِي خصي أسود كَانَ لعمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز فِي يَوْم شات فِي دَاره بدير سمْعَان قَالَ فَأَلْفَيْته قَاعِدا فِي زَاوِيَة الدَّار فِي الشَّمْس وَقد التفع بِإِزَارِهِ وَوضع أَبُو أسلم ثَوْبه على رَأسه وَجمعه بكفيه من نَاحيَة خديه وَوضع مرفقيه على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ هَكَذَا أرانيه الْخصي حِين وصف فعل عمر فَلَمَّا دَنَوْت سلمت فَرد عَليّ السَّلَام ثمَّ قَالَ لي انْزِلْ فَقَعَدت ثمَّ قَالَ لي انْزِلْ فألهمت أَنما يُرِيد النَّعْلَيْنِ فخلعتهما فَأقبل عَليّ بالْكلَام فَلَمَّا أنست كرهت أَن أَقُول لَهُ يَا سَيِّدي لِئَلَّا يجد عَليّ قَالَ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا الَّذِي يقعدك هَكَذَا قَالَ غسلت ثِيَابِي قَالَ فَقلت وَمَا ثِيَابك ياأمير الْمُؤمنِينَ قَالَ قَمِيص ورداء وَإِزَار قَالَ فَمَا كَانَ بأوشك أَن جَاءَ عَمْرو بن مهَاجر فَقَالَ لَهُ أَيْن كنت قَالَ كنت خَارِجا أدفَع مظْلمَة عَن رجل من أهل الْكتاب وَكَانَ عَمْرو بن مهَاجر صَاحب حرس عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ عَليّ بفلان فَمَا كَانَ بأوشك أَن جَاءَ غُلَام حدث فَقَالَ يَا فلَان ائته بغدائه السَّاعَة فَمَا كَانَ بأوشك أَن أَتَاهُ الْغُلَام بصحفة غَلِيظَة عميقة فِيهَا خبز قد كسر وصب عَلَيْهِ مَاء وملح وزيت فَقَالَ تغده قَالَ فَلَمَّا أخذت بالبطش بالغداء نَهَضَ فَنَظَرت بريق سَاقيه من تَحت الْإِزَار وَهُوَ مُدبر فَكَانَ أَرْبَعَة رَهْط أَنا وَعَمْرو بن مهَاجر ورجلان من الْأَنْصَار من أهل الْمَدِينَة فَلَمَّا صلى وَانْصَرف صعدت أَنا والأنصاريان حَتَّى كُنَّا فِي غرفَة فَمَا كَانَ بأوشك أَن عَادَتْ علينا تِلْكَ الْقَصعَة الَّتِي تغدى فِيهَا فَإِذا فِيهَا ثريد عدس وبصل عَلَيْهَا مشقق أخرجت لمن يَخْدمه أَو إِلَى من بِبَابِهِ فَقَالَ الْخَادِم لَو كَانَ لعمر عشَاء غَيره لعشاكم مِنْهُ وَمَا فطره إِلَّا على مثل هَذَا

стр. 118

كتاب عمر إِلَى عماله فِي عزل الْمُشْركين وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عماله أما بعد فَإِن الْمُشْركين نجس حِين جعلهم الله جند الشَّيْطَان وجعلهم ﴿بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ فَأُولَئِك لعمري مِمَّن تجب عَلَيْهِم باجتهادهم لعنة الله ولعنة اللاعنين إِن الْمُسلمين كَانُوا فِيمَا مضى إِذا قدمُوا بَلْدَة فِيهَا أهل الشّرك يستعينون بهم لَعَلَّهُم بالجباية وَالْكِتَابَة وَالتَّدْبِير فَكَانَت لَهُم فِي ذَلِك مُدَّة فقد قَضَاهَا الله بأمير الْمُؤمنِينَ فَلَا أعلم كَاتبا وَلَا عَاملا فِي شَيْء من عَمَلك على غير دين الْإِسْلَام إِلَّا عزلته واستبدلت مَكَانَهُ رجلا مُسلما فَإِن محق أَعْمَالهم محق أديانهم فَإِن أولى بهم إنزالهم مَنْزِلَتهمْ الَّتِي أنزلهم الله بهَا من الذل وَالصغَار فافعل ذَلِك واكتب إليم كَيفَ فعلت وَانْظُر فَلَا يركبن نَصْرَانِيّ على سرج وليركبوا بالأكف وَلَا تركبن امْرَأَة من نِسَائِهِم رَاحِلَة وَليكن مركبها على إكاف وَلَا يفحجوا على الدَّوَابّ وليدخلوا أَرجُلهم من جَانب وَاحِد وَتقدم فِي ذَلِك إِلَى عمالك حَيْثُ كَانُوا واكتب إِلَيْهِم كتابا فِي ذَلِك بِالتَّشْدِيدِ واكفنيه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه كِتَابه فِي أَن يكون لِلنَّصَارَى هَيْئَة تميزهم وَأَن يجمع السِّلَاح مِنْهُم وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز الى الْآفَاق أَن لَا يَمْشين نَصْرَانِيّ إِلَّا مفروق الناصية وَلَا يلبس قبَاء وَلَا يمشي إِلَّا بزنار من جُلُود وَلَا يلبس طيلسانا وَلَا سَرَاوِيل ذَات خدمَة وَلَا نعلا لَهَا عذبة وَلَا يوجدن فِي بَيته سلَاح إِلَّا انتهب

стр. 119

رفق عمر بِالْحَيَوَانِ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى صَاحب السكَك أَن لَا يحملوا أحدا بلجام ثقيل من هَذِه الرستنية وَلَا ينخس بمقرعة فِي أَسْفَلهَا حَدِيدَة وَكتب عمر إِلَى حَيَّان بِمصْر إِنَّه بَلغنِي أَن بِمصْر إبِلا نقالات يحمل على الْبَعِير مِنْهَا ألف رَطْل فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَلَا أَعرفن أَنه يحمل على الْبَعِير أَكثر من سِتّمائَة رَطْل رَفعه الضرائب عَن الرّعية وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عماله كتابا يقْرَأ على النَّاس أما بعد فاقرأ كتابي هَذَا على أهل الأَرْض بِمَا وضع الله عَنْهُم على لِسَان أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْمَظَالِم والتوابع الَّتِي كَانَت تُؤْخَذ مِنْهُم فِي النيروز والمهرجان وَثمن الصُّحُف وَأجر الفيوج وجوائز الرُّسُل وأجور الجهابذه وهم القساطرة وأرزاق الْعمَّال وأنزالهم وَصرف الدَّنَانِير الَّتِي كَانَت تُؤْخَذ مِنْهُم من فضل مَا بَين السعرين فِي الطَّعَام الَّذِي كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم فضل مَا بَين الكيلين وليحمدوا الله عزوجل إجراؤه الرزق على الْعلمَاء لينشروا الْعلم وَبعث عمر بن عبد الْعَزِيز بن أبي مَالك والْحَارث بن مُحَمَّد إِلَى الْبَادِيَة أَن يعلمَا النَّاس السّنة وأجرى عَلَيْهِمَا الرزق فَقبل يزِيد وَلم يقبل الْحَارِث وَقَالَ مَا كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرا فَذكر ذَلِك لعمر ابْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ مَا نعلم بِمَا صنع يزِيد بَأْسا وَأكْثر الله فِينَا مثل الْحَارِث

стр. 120

كتاب عمر إِلَى الْعمَّال فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقَالَ عُثْمَان بن كثير بن دِينَار إِن عمر بن عبد العزيزكتب إِلَى بعض عماله أما بعد فَإِنَّهُ لم يظْهر الْمُنكر فِي قوم قطّ ثمَّ لم ينههم أهل الصّلاح مِنْهُم إِلَّا أَصَابَهُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بأيدي من يَشَاء من عباده وَلَا يزَال النَّاس معصومين من الْعُقُوبَات والنقمات مَا قمع فيهم أهل الْبَاطِل واستخفي فيهم بالمحارم فَلَا يظْهر من أحد محرم إِلَّا انتقموا مِمَّن فعله فَإِذا ظَهرت فيهم الْمَحَارِم فَلم ينههم أهل الصّلاح نزلت الْعُقُوبَات من السَّمَاء إِلَى الأَرْض على أهل الْمعاصِي وعَلى المداهنين لَهُم وَلَعَلَّ أهل الإدهان أَن يهْلكُوا مَعَهم وَإِن كَانُوا مخالفين لَهُم فَإِنِّي لم أسمع الله ﵎ فِيمَا نزل من كِتَابه عِنْد مثله أهلك بهَا أحدا نجى أحدا من أُولَئِكَ إِلَّا أَن يَكُونُوا الناهين عَن الْمُنكر ويسلط الله على أهل تِلْكَ الْمَحَارِم إِن هُوَ لم يصبهم بِعَذَاب من عِنْده أَو بأيدي من يَشَاء من عباده من الْخَوْف والذل والنقم فَإِنَّهُ رُبمَا انتقم بالفاجر من الْفَاجِر وبالظالم من الظَّالِم ثمَّ صَار كلا الْفَرِيقَيْنِ بأعمالهما إِلَى النَّار فنعوذ بِاللَّه أَن يجعلنا ظالمين أَو يجعلنا مداهنين للظالمين وَإنَّهُ قد بَلغنِي أَنه قد كثر الْفُجُور فِيكُم وَأمن الْفُسَّاق فِي مدائنكم وجاهروا من الْمَحَارِم بِأَمْر لَا يحب الله من فعله وَلَا يرضى المداهنة عَلَيْهِ كَانَ لَا يظْهر مثله فِي عَلَانيَة قوم يرجون لله وقارا وَيَخَافُونَ مِنْهُ غيرا وهم الأعزون الْأَكْثَرُونَ من أهل الْفُجُور وَلَيْسَ بذلك مضى أَمر سلفكم وَلَا بذلك تمت نعْمَة الله

стр. 121

عَلَيْهِم بل كَانُوا ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ ولعمري إِن من الْجِهَاد فِي سَبِيل الله الغلظة على أهل محارم الله بِالْأَيْدِي والألسن والمجاهدة لَهُم فِيهِ وَإِن كَانُوا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء والعشائر وَإِنَّمَا سَبِيل الله طَاعَته وَقد بَلغنِي أَنه بطأ بكثيرمن النَّاس عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن المنكراتقاء التلاوم أَن يُقَال فلَان حسن الْخلق قَلِيل التَّكَلُّف مقبل على نَفسه وَمَا يَجْعَل الله أُولَئِكَ أحاسنكم أَخْلَاقًا بل أُولَئِكَ أسوأكم أَخْلَاقًا وَمَا أقبل على نَفسه من كَانَ كَذَلِك بل أدبر عَنْهَا وَلَا سلم من الكلفة لَهَا بل وَقع فِيهَا إِذْ رَضِي لنَفسِهِ من الْحَال غير مَا أمره الله أَن يكون عَلَيْهِ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَقد ذلت أَلْسِنَة كثير من النَّاس بِآيَة وضعوها غير موضعهَا وتأولوا فِيهَا قَول الله عزوجل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وَصدق الله ﵎ وَلَا يضرنا ضَلَالَة من ضل إِذا اهتدينا وَلَا ينفعنا هدى من اهْتَدَى إِذا ضللنا ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَإِن مِمَّا على أَنْفُسنَا وأنفس أُولَئِكَ مِمَّا أَمر الله بِهِ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَلَا يظهروا محرما إِلَّا انتقموا مِمَّن فعله مِنْهُم من كُنْتُم وَمن كَانُوا وَقَول من قَالَ إِن لنا فِي أَنْفُسنَا شغلا ولسنا من النَّاس فِي شَيْء وَلَو أَن أهل طَاعَة الله رَجَعَ رَأْيهمْ إِلَى ذَلِك مَا عمل لله بِطَاعَة وَلَا

стр. 122

تناهوا لَهُ عَن مَعْصِيّة ولقهر المبطلون المحقين فَصَارَ النَّاس كالأنعام أَو أضلّ سَبِيلا فتسلطوا على الْفُسَّاق من كُنْتُم وَمن كَانُوا فادفعوا بحقكم باطلهم وببصركم عماهم فَإِن الله جعل للأبرار على الْفجار سُلْطَانا مُبينًا وَإِن لم يَكُونُوا وَلَا أَئِمَّة من ضعف عَن ذَلِك بِالْيَدِ أَو اللِّسَان فليرفعه إِلَى أَمَامه فَإِن ذَلِك من التعاون على الْبر وَالتَّقوى قَالَ الله لأهل الْمعاصِي ﴿أفأمن الَّذين مكروا السَّيِّئَات أَن يخسف الله بهم الأَرْض أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَو يَأْخُذهُمْ فِي تقلبهم فَمَا هم بمعجزين﴾ ولينتهين الْفجار أَو ليهيننهم الله بِمَا قَالَ ﴿لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا إِلَّا قَلِيلا﴾ كتاب عمر إِلَى أُسَارَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقَالَ بكر بن خُنَيْس كتب عمر إِلَى الْأُسَارَى بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أما بعد فَإِنَّكُم تَعدونَ أَنفسكُم أُسَارَى معَاذ الله بل أَنْتُم الحبساء فِي سَبِيل الله وَاعْلَمُوا أَنِّي لست أقسم شَيْئا بَين رعيتي إِلَّا خصصت أهليكم بأوفر نصيب وأطيبه وَإِنِّي قد بعثت إِلَيْكُم بِخَمْسَة دَنَانِير خَمْسَة دَنَانِير وَلَوْلَا أَنِّي خشيت إِن زدتكم أَن يحْبسهُ طاغية الرّوم عَنْكُم لزدتكم وَقد بعثت إِلَيْكُم فلَان بن فلَان يفادي صغيركم وكبيركم وذكركم وأنثاكم وحركم ومملوككم بِمَا سُئِلَ بِهِ فأبشروا ثمَّ أَبْشِرُوا وَالسَّلَام عَلَيْكُم

стр. 123

كِتَابه فِي قَضَاء الدّين عَن الغارمين وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عماله أَن اقضوا عَن الغارمين فَكتب إِلَيْهِ إِنَّا نجد الرجل لَهُ الْمسكن وَالْخَادِم وَله الْفرس وَله الأثاث فِي بَيته فَكتب عمر لَا بُد للرجل من الْمُسلمين من مسكن يأوي إِلَيْهِ رَأسه وخادم يَكْفِيهِ مهنته وَفرس يُجَاهد عَلَيْهِ عدوه وأثاث فِي بَيته وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ غَارِم فاقضوا عَنهُ مَا عَلَيْهِ من الدّين سخط بني أُميَّة على عَمْرو سفارة عَنْبَسَة بن سعيد بَينه وَبَين ولي عَهده وَخرج عَنْبَسَة بن سعيد من عِنْد عمر وَبَنُو امية جُلُوس بِالْبَابِ وَفِيهِمْ يزِيد بن عبد الْملك ولي الْعَهْد من بعد عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَامُوا إِلَى عَنْبَسَة فشكوا إِلَيْهِ عمر فَقَالُوا بعث إِلَيْنَا بِعشْرَة دنانيرعشرة دَنَانِير وَلم يمنعنا من ردهَا إِلَيْهِ إِلَّا خوف من غَضَبه قَالَ يزِيد أعلمهُ أَنِّي قد سخطتها وَكَأَنَّهُ يظنّ أَنِّي لَا أكون من بعده فَأعلمهُ ذَلِك فَدخل عَنْبَسَة على عمر فَكَلمهُ فَقَالَ إِن بني أَبِيك بِالْبَابِ يعتبون عَلَيْك فِي عشرَة دَنَانِير الَّتِي بعثتها إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم وكلموني فِي كلامك أَن أخْبرك أَنهم سخطوها وَقَالَ يزِيد كَأَنَّهُ يظنّ أَنِّي لَا أكون من بعده فَقَالَ عمر فأقرئهم مني السَّلَام وَقل لَهُم إِن عمر يقْرَأ عَلَيْكُم السَّلَام وَيَقُول لكم أقسم بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا زلت هَذِه اللَّيْلَة الْمَاضِيَة ساهرا أُنَاجِي الله وأستغفره مِنْهَا حيق أعطيتكموها دون الْمُسلمين فَلَا وَالله الْعَظِيم لَا أُعْطِيكُم درهما إِلَّا أَن يَأْخُذ جَمِيع الْمُسلمين وَأما أَنْت يَا يزِيد فأناشدك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَو خلعت نَفسِي وخلعني الْمُسلمُونَ وَوليت هَل كنت فَاعِلا بِي إِلَّا دون مَا فعلت بنفسي إِذا وليت الْأُمُور فشأنك بهَا فَخرج عَنْبَسَة فَقَالَ أَنْتُم فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ تزوجتم إِلَى عمر بن الْخطاب بنت عَاصِم فجئتم بِمثل عمر فَأخْبرهُم الْخَبَر وَقَالَ من كَانَ لَهُ مِنْكُم يَا بني عمي ضَيْعَة فَليقمْ فِيهَا يصلحها

стр. 124

موعظة رجل لعمر بن عبد الْعَزِيز وأتى عمر رجل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أذكر بمقامي هَذَا مقامك يَوْم لَا يشغلك عَن الله كَثْرَة من يتخاصم من الْخَلَائق يَوْم تَلقاهُ بِلَا ثِقَة من الْعَمَل وَلَا نجاة من الذَّنب فَقَالَ عمر وَيحك ارْدُدْ عَليّ كلامك فَرد عَلَيْهِ فَجعل عمر يبكي وَيَقُول وَيحك رد عَليّ كلامك قَول عمر فِي الْعمَّال قبله وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز الْوَلِيد بِالشَّام وَالْحجاج بالعراق وَمُحَمّد بن يُوسُف بِالْيمن وَعُثْمَان بن حَيَّان بالحجاز وقرة بن شريك بِمصْر وَيزِيد بن أبي مُسلم بالمغرب امْتَلَأت الأَرْض وَالله جورا كِتَابه إِلَى عدي بن أَرْطَأَة وَقَالَ حجاج كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عدي بن أَرْطَأَة ليكن أمناؤك اوساط النَّاس فهم خِيَار النَّاس لَا يدعونَ حَقًا وَلَا يكتسبون بَاطِلا لَا أَنْت قَارِئ مُسَدّد وَلَا فَاسق مبرز حِكْمَة فِي عُقُوبَة من شَتمه وَحكم رجل فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد فِي صلَاته فَقطع عَلَيْهِم الصَّلَاة وَشهر السَّيْف فَكتب أَبُو بكر إِلَى عمر فَأتي بِكِتَاب عمر فقرئ عَلَيْهِ فشتم عمر وَالْكتاب وَمن جَاءَ بِهِ فهم أَبُو بكر بِضَرْب عُنُقه ثمَّ رَاجع عمر وَأخْبرهُ أَنه شَتمه وَأَنه هم بقتْله فَكتب إِلَيْهِ عمر لَو قتلته لقتلتك بِهِ فَإِنَّهُ لَا يقتل أحد إِلَّا أَن يشْتم النَّبِي ﷺ فَإِذا أَتَاك كتابي

стр. 125

هَذَا فاحبس عَن الْمُسلمين شَره وادعه إِلَى التَّوْبَة فِي كل هِلَال فَإِذا تَابَ فَخَل سَبيله فَلم يزل فِي الْحَبْس حَتَّى هلك عمر فَضرب يزِيد بن عبد الْملك عُنُقه محاورة عمر رجلَيْنِ من الْخَوَارِج وَدخل رجلَانِ من الْخَوَارِج على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَا السَّلَام عَلَيْك يَا إِنْسَان فَقَالَ وعليكما السَّلَام يَا إنسانان قَالَا طَاعَة الله أَحَق مَا اتبعت قَالَ من جهل ذَلِك ضل قَالَا الْأَمْوَال لَا تكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء قَالَ قد حرموها قَالَا مَال الله يقسم على أَهله قَالَ الله بَين فِي كِتَابه تَفْصِيل ذَلِك قَالَا تُقَام الصَّلَاة لوَقْتهَا قَالَ هُوَ من حَقّهَا قَالَا إِقَامَة الصُّفُوف فِي الصَّلَوَات قَالَ هُوَ من تَمام السّنة قَالَا إِنَّا بعثنَا إِلَيْك قَالَ بلغا وَلَا تهابا قَالَا ضع الْحق بَين النَّاس قَالَ الله أَمر بِهِ قبلكما قَالَا لَا حكم إِلَّا لله قَالَ كلمة حق إِن لم تَبْتَغُوا بهَا بَاطِلا قَالَا ائْتمن الْأُمَنَاء قَالَ هم أعواني قَالَا احذر الْخِيَانَة قَالَ السَّارِق مَحْذُور قَالَا فالخمر وَلحم الْخِنْزِير قَالَ أهل الشّرك أَحَق بِهِ قَالَا فَمن دخل فِي الْإِسْلَام فقد أَمن قَالَ لَوْلَا الْإِسْلَام مَا أمنا قَالَا أهل عهود رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُم عهودهم قَالَا لَا تكلفهم فَوق طاقتهم قَالَ ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ قَالَا خرب الْكَنَائِس قَالَ هِيَ من صَلَاح رعيتي قَالَا ذكرنَا بِالْقُرْآنِ قَالَ ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ قَالَا تردنَا إِلَى من أرسلنَا قَالَ مَا أحبسكما قَالَا فَمَا نقُول لإِخْوَانِنَا قَالَ مَا رَأَيْتُمَا وسمعتما قَالَا تردنَا على دَوَاب الْبَرِيد قَالَ لَا هُوَ من مَال الله لَا نطيبه لَكمَا قَالَا فَلَيْسَ مَعنا نَفَقَة قَالَ أَنْتُمَا إِذن ابْنا سَبِيل عَليّ نفقتكما موعظة عمر لأبي خَالِد قَالَ وَكَانَ رجل من قُرَيْش وَكَانَت الْخُلَفَاء لَا ترده عَن حَاجَة فَأتي إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فَسَأَلَهُ حَاجته فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لَا يجوز هَذَا ورده

стр. 126

عَنْهَا فَخرج مغضبا فناداه عمر فَظن أَنه قد بدا لَهُ فِي قَضَاء حَاجته فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا خَالِد فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِذا رَأَيْت شَيْئا من الدُّنْيَا فأعجبك فاذكر الْمَوْت فَإِنَّهُ يقلله فِي نَفسك وَإِذا كنت فِي شَيْء من أَمر الدُّنْيَا قد غمك وَنزل بك فاذكر الْمَوْت فَإِنَّهُ يسهله عَلَيْك وَهَذَا أفضل من الَّذِي طلبت إنذار عمر ملك الرّوم ليرسل إِلَيْهِ رجلا من الْمُسلمين وَمَا فعله ملك الرّوم حِين بلغه نعي عمر قَالَ وَأرْسل عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى صَاحب الرّوم رَسُولا فَأَتَاهُ وَخرج من عِنْده يَدُور فَمر بِموضع فَسمع فِيهِ رجلا يقْرَأ الْقُرْآن ويطحن فَأَتَاهُ فَسلم عَلَيْهِ فَلم يرد ﵇ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ثمَّ سلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وأنى بِالسَّلَامِ فِي هَذَا الْبَلَد فَأعلمهُ أَنه رَسُول عمر إِلَى صَاحب الرّوم فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنك فَقَالَ إِنِّي أسرت من مَوضِع كذاوكذا فَأتي بِي إِلَى صَاحب الرّوم فَعرض عَليّ النَّصْرَانِيَّة فأبيت فَقَالَ لي إِن لم تفعل سملت عَيْنَيْك فاخترت ديني على بَصرِي فسمل عَيْني وصيرني إِلَى هَذَا الْموضع يُرْسل إِلَيّ كل يَوْم بحنطة فأطحنها وبخبزه فآكلها فَلَمَّا سَار الرَّسُول إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فَأخْبرهُ خبر الرجل قَالَ فَمَا فرغت من الْخَبَر حَتَّى رَأَيْت دموع عمر قد بلت مَا بَين يَدَيْهِ ثمَّ أَمر فَكتب إِلَى صَاحب الرّوم أما بعد فقد بَلغنِي خبر فلَان بن فلَان فوصف لَهُ صفته وَأَنا أقسم بِاللَّه لَئِن لم ترسله إِلَيّ لَأَبْعَثَن إِلَيْك من الْجنُود جُنُودا يكون أَولهَا عنْدك وَآخرهمْ عِنْدِي فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُول قَالَ مَا أسْرع مَا رجعت فَدفع إِلَيْهِ كتاب عمر بن عبد الْعَزِيز فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ مَا كُنَّا لنحمل الرجل الصَّالح على هَذَا بل نبعث إِلَيْهِ بِهِ فأقمت أنْتَظر مَتى يخرج بِهِ فَأَتَيْته ذَات يَوْم فَإِذا هُوَ قَاعد قد نزل عَن سَرِيره أعرف فِيهِ الكآبة فَقَالَ تَدْرِي

стр. 127

لما فعلت هَذَا فَقلت لَا وَقد أنْكرت مَا رَأَيْت فَقَالَ إِنَّه قد أَتَانِي من بعض أطرافي أَن الرجل الصَّالح قد مَاتَ فَلذَلِك فعلت مَا رَأَيْت ثمَّ قَالَ إِن الرجل الصَّالح إِذا كَانَ بَين الْقَوْم السوء لم يتْرك بَينهم إِلَّا قَلِيلا حَتَّى يخرج من بَين أظهرهم فَقلت لَهُ أتأذن لي أَن أنصرف وأيست من بَعثه الرجل معي فَقَالَ مَا كُنَّا لنجيته إِلَى مَا أَمر فِي حَيَاته ثمَّ نرْجِع فِيهِ بعد مماته فَأرْسل مَعَه بِالرجلِ قدوم امْرَأَة من الْعرَاق على عمر وتخيره لَهَا الْعِنَب وفرضه الرزق لبناتها قَالَ وقدمت امْرَأَة من الْعرَاق على عمر بن عبد الْعَزِيز فَلَمَّا صَارَت إِلَى بَابه قَالَت هَل على أَمِير الْمُؤمنِينَ حَاجِب فَقَالُوا لَا فلجي إِن أَحْبَبْت فَدخلت الْمَرْأَة على فَاطِمَة وَهِي جالسة فِي بَيتهَا وَفِي يَدهَا قطن تعالجه فَسلمت فَردَّتْ ﵍ وَقَالَت لَهَا ادخلي فَلَمَّا جَلَست الْمَرْأَة رفعت بصرها فَلم تَرَ فِي الْبَيْت شَيْئا لَهُ بَال خراب بَيت عمر بعمارة بيُوت الْمُسلمين فَقَالَت إِنَّمَا جِئْت لأعمر بَيْتِي من هَذَا الْبَيْت الخرب فَقَالَت لَهَا فَاطِمَة إِنَّمَا خرب هَذَا الْبَيْت عمَارَة بيُوت أمثالك فَأقبل عمر حَتَّى دخل الدَّار فَمَال إِلَى بِئْر فِي نَاحيَة الدَّار فَانْتزع مِنْهَا دلاء صبها على طين كَانَ بِحَضْرَة الْبَيْت وَهُوَ يكثر النّظر إِلَى فَاطِمَة فَقَالَت لَهَا الْمَرْأَة استتري من هَذَا الطيان فَإِنِّي أرَاهُ يديم النّظر إِلَيْك فَقَالَت لَيْسَ هُوَ بطيان هُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ ثمَّ أقبل عمر فَسلم وَدخل بَيته فَمَال إِلَى مصلى كَانَ لَهُ فِي الْبَيْت يُصَلِّي فِيهِ فَسَأَلَ فَاطِمَة عَن الْمَرْأَة فَقَالَت هِيَ هَذِه فَأخذ مكتلا لَهُ فِيهِ شَيْء من عِنَب فَجعل يتَخَيَّر لَهَا خَيره يناولها إِيَّاه ثمَّ أقبل عَلَيْهَا فَقَالَ مَا حَاجَتك فَقَالَت امْرَأَة من أهل الْعرَاق لي خمس بَنَات

стр. 128

كسل كسد فجئتك أَبْتَغِي حسن نظرك لَهُنَّ فَجعل يَقُول كسل كسد ويبكي فَأخذ الدواة والقرطاس وَكتب إِلَى وَالِي الْعرَاق فَقَالَ سمي كبراهن فسمتها فَفرض لَهَا فَقَالَت الْمَرْأَة الْحَمد لله ثمَّ سَأَلَ عَن الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة وَالْمَرْأَة تحمد الله فَفرض لَهَا فَلَمَّا فرض للأربع استفزها الْفَرح فدعَتْ لَهُ فجزته خيرا فَرفع يَده وَقَالَ قد كُنَّا نفرض لَهُنَّ حِين كنت تولين الْحَمد أَهله فمري هَؤُلَاءِ الْأَرْبَع يفضن على هَذِه الْخَامِسَة فَخرجت بِالْكتاب حَتَّى أَتَت بِهِ الْعرَاق فَدَفَعته إِلَى وَالِي الْعرَاق فَلَمَّا ذهبت إِلَيْهِ بِالْكتاب بَكَى وَاشْتَدَّ بكاؤه وَقَالَ رحم الله صَاحب هَذَا الْكتاب فَقَالَت أمات قَالَ نعم فصاحت وولولت فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك مَا كنت لأرد كِتَابه فِي شَيْء فَقضى حَاجَتهَا وَفرض لبناتها حَدِيث فَاطِمَة بنت عبد الْملك عَن عمر بعد وَفَاته وَقَالَ أرسل عَطاء إِلَى فَاطِمَة بنت عبد الْملك أَخْبِرِينِي عَن أَحْوَال عمر قَالَت أفعل إِن عمر رَحْمَة الله عَلَيْهِ كَانَ قد فرغ للْمُسلمين نَفسه ولأمورهم ذهنه فَكَانَ إِذا أَمْسَى مسَاء لم يفرغ فِيهِ من حوائج يَوْمه وصل يَوْمه بليلته إِلَى أَن أَمْسَى مسَاء وَقد فرغ من حوائج يَوْمه فَدَعَا بسراجه الَّذِي كَانَ من مَاله فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أقعى وَاضِعا رَأسه على يَدَيْهِ تسيل دُمُوعه على خديه يشهق الشهقة يكَاد ينصدع قلبه لَهَا وَتخرج لَهَا نَفسه حَتَّى برق الصُّبْح فَأصْبح صَائِما فدنوت مِنْهُ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلَيْسَ كَانَ مِنْك مَا كَانَ قَالَ أجل فَعَلَيْك بشأنك وخليني وشأني قَالَت فَقلت إِنِّي أَرْجُو أَن أتعظ قَالَ إِذن أخْبرك إِنِّي نظرت فوجدتني قد وليت أَمر هَذِه الْأمة أسودها وأحمرها ثمَّ ذكرت الْفَقِير الجائع والغريب الضائع والأسير

стр. 129

المقهور وَذَا المَال الْقَلِيل والعيال الْكثير وَأَشْبَاه ذَلِك فِي أقاصي الْبِلَاد وأطراف الأَرْض فَعلمت أَن الله سائلي عَنْهُم وَأَن رَسُول الله ﷺ حجيجي فيهم فَخفت أَن لَا يقبل الله مني معذرة فيهم وَلَا تقوم لي مَعَ رَسُول الله ﷺ حجَّة فرحمت وَالله يَا فَاطِمَة نَفسِي رَحْمَة دَمَعَتْ لَهَا عَيْني ووجع لَهَا قلبِي فَأَنا كلما ازددت لَهَا ذكرا ازددت مِنْهَا خوفًا فاتعظي إِن شِئْت أَو ذري حث عمر على الْعلم وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز تعلمُوا الْعلم فَإِنَّهُ زين للغني وَعون للْفَقِير لَا أَقُول إِنَّه يطْلب بِهِ وَلكنه يَدْعُو إِلَى القناعة تمت سيرة عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف على مَا رَوَاهُ مَالك بن أنس وَأَصْحَابه رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ بعون الله وتأييده فرغ من نسخه فِي صفر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا هَذَا مَا جَاءَ فِي آخر نُسْخَة دمشق وَجَاء فِي آخر نُسْخَة باريس مَا نَصه تمت أَحَادِيث عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف على مَا رَوَاهُ مَالك بن أنس وَأَصْحَابه رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله كتبه لنَفسِهِ مُسلم بن أَحْمد بن الشَّيْخ أَحْمد الصطيحة بن عَليّ بن أَحْمد أَبُو مُسلم بتاريخ ثامن عشر من رَمَضَان من شهور سنة سبع عشرَة وَألف أحسن الله ختامها آمين نقل وقوبل على نُسْخَة صَحِيحَة مضبوطة تاريخها الثَّالِث من جُمَادَى الاخر سنة ثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة