← Тараджим

Тараджим · id 6656

سيرة عمر بن عبد العزيز

ابن عبد الحكم الفقيه

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تخلق بَاطِلا أولم يسمعوا إِلَى قَول الله فِي كِتَابه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَوله ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَقد ذكر لي مَعَ ذَلِك أَن رجَالًا يتداعون إِلَى الْحلف وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن الْحلف وَقَالَ لَا حلف فِي الْإِسْلَام قَالَ وَمَا كَانَ من حلف فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة فَكَانَ يَرْجُو أحد من الْفَرِيقَيْنِ حفظ حلفه الْفَاجِر الآثم الَّذِي فِيهِ مَعْصِيّة الله ومعصية رَسُوله وَقد ترك الْإِسْلَام حِين انخلع مِنْهُ وَأَنا أحذر كل من سمع كتابي هَذَا وَمن بلغه أَن يتَّخذ غير الْإِسْلَام حصنا أَو دون الله وَدون رَسُوله وَدون الْمُؤمنِينَ وليجة تحذيرا بعد تحذير وأذكرهم تذكير بعد تذكير وَأشْهد عَلَيْهِم الَّذِي هُوَ آخذ بناصية كل دَابَّة وَالَّذِي هُوَ أقرب إِلَى ان أحدا من النَّاس يُحَرك شَيْئا ليؤخذ لَهُ بِهِ أَو ليدفع عَنهُ أحرص وَالله الْمُسْتَعَان على مذلته من كَانَ رجلا أَو عشيرة أَو قَبيلَة أَو أَكثر من ذَلِك فَادع إِلَى نصيحتي وَمَا تقدّمت إِلَيْكُم بِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الرشد لَيْسَ لَهُ خَفَاء ثمَّ ليَكُون أهل الْبر وَأهل الْإِيمَان عونا بألسنتهم وَإِن كثيرا من النَّاس لَا يعلمُونَ نسْأَل الله أَن يخلف فِيمَا بَيْننَا بِخَير خلَافَة فِي ديننَا وألفتنا وَذَات بَيْننَا وَالسَّلَام كِتَابه فِي النَّهْي عَن النِّيَاحَة وَالْأَمر بِالصبرِ قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِنَّهُ ذكر لي أَن نسَاء من أهل السَّفه والجفاء يخْرجن إِلَى الْأَسْوَاق عِنْد موت الْمَيِّت ناشرات رؤوسهن يَنحن نياحة أهل الْجَاهِلِيَّة ولعمري مَا رخص للنِّسَاء فِي وضع خمرهن مذ أمرن أَن يضربن بِهن على

стр. 72

جُيُوبهنَّ فانه عَن هَذِه النِّيَاحَة نهيا شَدِيدا وَتقدم إِلَى صَاحب شرطكم فَلَا يقرن نوحًا فِي دَار وَلَا طَرِيق فَإِن الله قد أَمر الْمُؤمنِينَ عِنْد مصائبهم بِخَير الْأَمريْنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ ﴿الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ موعظة يزِيد الرقاشِي عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ وَدخل يزِيد الرقاشِي على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ عظني يَا يزِيد فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ بَين آدم وَبَيْنك مِمَّن ولدك أَب حَيّ قَالَ زِدْنِي قَالَ يَا أَمِير الؤمنين أَنْت أول خَليفَة يَمُوت قَالَ زِدْنِي قَالَ لَيْسَ بَين الْجنَّة وَالنَّار منزلَة بكاء عمر من الموعظة حَتَّى طفئ الكانون من دُمُوعه قَالَ وَدخل عَلَيْهِ رجل وَبَين يَدَيْهِ كانون فِيهِ نَار فَقَالَ عظني قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ينفعك من دخل الْجنَّة إِذا دخلت أَنْت النَّار وَمَا يَضرك من دخل النَّار إِذا دخلت انت الْجنَّة قَالَ فَبكى عمر حَتَّى طفئ الكانون الَّذِي كَانَ بَين يَدَيْهِ من دُمُوعه موعظة الْحسن الْبَصْرِيّ لعمر وَكتب الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَكَأَن الدُّنْيَا لم تكن وَكَأن الْآخِرَة لم تزل وَكَأن مَا هُوَ كَائِن قد كَانَ وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته

стр. 73

موعظة أُخْرَى لَهُ وَكتب الْحسن أَيْضا إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِن الْأَهْوَال العظائم والمفظعات من الأموركلها أمامك لم تقطع مِنْهَا شَيْئا بعد وَلَا بُد وَالله من مُعَاينَة ذَلِك ومشاهدته فإمَّا بالسلامة وَإِمَّا بالعطب وَالسَّلَام خطْبَة ابْن الاهتم فِي عمر بن عبد الْعَزِيز وَدخل خَالِد بن صَفْوَان بن الْأَهْتَم على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتُحِبُّ أَن تطرأ قَالَ لَا قَالَ أفتحب أَن توعظ قَالَ نعم قَالَ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِن الله بجلاله خلق الْخلق غَنِيا عَن طاعتهم آمنا لمعصيتهم وَالنَّاس فِي الْمنَازل والرأي مُخْتَلفُونَ وَالْعرب بشر تِلْكَ الْمنَازل أهل دبر وَأهل وثن وَأهل حجر فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن يبْعَث فيهم رَسُوله وَأَرَادَ أَن ينشر فيهم رَحمته بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ مُحَمَّد ﷺ فَلم يمنعهُم ذَلِك من أَن جرحوه فِي جِسْمه ولقبوه فِي اسْمه وأخرجوه من دَاره مَعَه من الله بَيِّنَة لَا يتَقَدَّم إِلَّا بأَمْره وَلَا يخرج إِلَّا بِإِذْنِهِ ويمده بملائكته ويخبره بِالْغَيْبِ المكتوم من أمره وَضمن لَهُ ظفر عَاقِبَة الْأُمُور وَقد

стр. 74

اضطروه إِلَى بطن غَار اخْتَبَأَ فِيهِ وَأخذ حَبل الذِّمَّة من الأملاء فَلَمَّا أَمر بالعزم وَحمل على الْجِهَاد انبسط لأمر الله وَمضى على الَّذِي أَمر بِهِ من تَبْلِيغ الرسَالَة وَإِظْهَار الْحق ومجاهدة الْعَدو فَقَبضهُ الله على سنته ﷺ ثمَّ قَامَ من بعده أَبُو بكر فارتدت عَلَيْهِ الْعَرَب أَو من ارْتَدَّ مِنْهُم وعرضوا على أَن يقيموا الصَّلَاة وَلَا يؤتوا الزَّكَاة فَأبى أَن يقبل مِنْهُم إِلَّا مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يقبل مِنْهُم فِي حَيَاته فَانْتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيرَان فِي شعلها وَركب بِحَق الله أكتاف أهل الْبَاطِل فَمَا برح يخرق أعراضهم ويسقي الأَرْض من دِمَائِهِمْ حَتَّى أدخلهم فِي الْبَاب الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ الْأَمر على أبي بكر ﵁ وَقد كَانَ نَالَ من فيئهم شَيْئا وَهِي لقوح يرتضح من لَبنهَا وَبكر يرتوي عَلَيْهِ وحبشية أرضعت ابْنه فَلَمَّا حضرت وَفَاته رأى أَن الَّذِي نَالَ من ذَلِك فِي حَيَاته غُصَّة فِي حلقه وَثقل على كَاهِله فأداه إِلَى ابْن الْخطاب ﵁ فَقَبضهُ الله على سنة صَاحبه ثمَّ قَامَ من بعده عمر بن الْخطاب ﵁ فمصر الْأَمْصَار وخلط الشدَّة باللين وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ وشمر عَن سَاقيه وَأعد للأمور أقرنها فَأَصَابَهُ قين للْمُغِيرَة بن شُعْبَة يُقَال لَهُ فَيْرُوز يكنى بِأبي لؤلؤة فَأمر ابْن عَبَّاس يُنَادي فِي النَّاس فَقَالَ هَل تعلمُونَ قاتلي فَقَالُوا قَتلك أَبُو لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَاسْتهلَّ عمر بِحَمْد الله أَن لَا يكون أَصَابَهُ ذُو حق فِي الْفَيْء إِنَّمَا اسْتحلَّ ذَلِك مِنْهُ لما أَخذ من

стр. 75

حَقه من غير مؤامرته ثمَّ نظر فِي دينه فَلم يرض فِي ذَلِك بكفالة وَلَده حَتَّى كسر فِي ذَلِك رباعه وَأدّى ذَلِك إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين ثمَّ أَنْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَين يَدي الدُّنْيَا وَلدتك مُلُوكهَا وغدتك كلأها وألقمتك ثديها وَأَنت بت فِيهَا تلتمسها من مظانها حَتَّى إِذا أفضت إِلَيْك أخطارك مِنْهَا قذرتها وحقرتها وألقيتها حَيْثُ أَلْقَاهَا الله إِلَّا مَا تزودت مِنْهَا فَالْحَمْد لله الَّذِي جلا بك حوبتنا وكشف بك كربتنا وَصدق بك قَوْلنَا عَلَيْك فَامْضِ وَلَا تلْتَفت فَإِنَّهُ لَا يذل على الْحق شَيْء وَلَا يعز على الْبَاطِل شَيْء أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم لي وَلكم نبذة من أدعية عمر وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء اللَّهُمَّ رضني بِقَضَائِك وَبَارك لي فِي قدرتك حَتَّى لَا أحب تَعْجِيل مَا أخرت وَلَا تَأْخِير مَا عجلت وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول مَا برح بِي هَذَا الدُّعَاء حَتَّى لقد أَصبَحت وَمَالِي فِي شَيْء من الْأُمُور هوى إِلَّا فِي مَوَاضِع الْقَضَاء وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِذا دخل الْكَعْبَة قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك وعدت الْأمان دخال

стр. 76

بَيْتك وَأَنت خير منزول بِهِ فِي بَيته اللَّهُمَّ اجْعَل أَمَان مَا تؤمنني بِهِ أَن تكفيني مؤونة الدُّنْيَا وكل هول دون الْجنَّة حَتَّى تبلغنيها بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَكَانَ أَيْضا يَدْعُو فَيَقُول اللَّهُمَّ ألبسني الْعَافِيَة حَتَّى تهنيني الْمَعيشَة وأختم لي بالمغفرة حَتَّى لَا تضرني الذُّنُوب واكفني كل هول دون الْجنَّة حَتَّى تبلغنيها بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَكَانَ إِذا وقف بِعَرَفَات قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك دَعَوْت إِلَى حج بَيْتك ووعدت بِهِ مَنْفَعَة على شُهُود مناسكك وَقد جئْتُك اللَّهُمَّ اجْعَل مَنْفَعَة مَا تنفعني بِهِ أَن تؤتيني فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَأَن تقيني عَذَاب النَّار وَكَانَ يَقُول اللَّهُمَّ لَا تعطني فِي الدُّنْيَا عَطاء يبعدني من رحمتك فِي الاخرة وَكَانَ يَقُول يَا رب خلقتني وأمرتني ونهيتني ورغبتني فِي ثَوَاب مَا أَمرتنِي بِهِ ورهبتني عِقَاب مَا نهيتني عَنهُ وسلطت عَليّ عدوا فأسكنته صَدْرِي وأسكنته مجْرى دمي إِن أهم بِفَاحِشَة شجعني وَإِن أهم بِطَاعَة ثبطني لَا يغْفل إِن غفلت وَلَا ينسى إِن نسيت ينصب لي فِي الشَّهَوَات ويتعرض لي فِي الشُّبُهَات وَإِلَّا تصرف عني كَيده يستزلني اللَّهُمَّ فاقهر سُلْطَانه عَليّ بسلطانك عَلَيْهِ حَتَّى تخسئه بِكَثْرَة ذكري لَك فأفوز مَعَ المعصومين بك وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك وَكَانَ يَقُول يَا رب انفعني بعقلي وَاجعَل مَا أصير إِلَيْهِ أهم إِلَيّ مِمَّا يَنْقَطِع عني اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْسَنت بك الظَّن فَأحْسن لي الثَّوَاب اللَّهُمَّ أَعْطِنِي من الدُّنْيَا مَا تقيني بِهِ فتنتها وتغنيني بِهِ عَن أَهلهَا وتجعله لي بلاغا إِلَى مَا هُوَ خير لي مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك

стр. 77

شِرَاء عمر مَوضِع قَبره وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز قد اشْترى مَوضِع قَبره بِعشْرين دِينَارا وَقيل بِعشْرَة دَنَانِير تمني عمر الرحيل عَن هَذِه الدُّنْيَا ودعاؤه فِي ذَلِك وَلما كَانَ قبل وَفَاة عمر بن عبد الْعَزِيز توفّي أَخُوهُ سهل وَولده عبد الْملك ومولاه مُزَاحم وَكَانُوا أعوانه على هَذَا الْأَمر فَخرج فَخَطب النَّاس فَأَمرهمْ بِشَيْء مِمَّا يصلحهم فكأنهم تثاقلوا عَنهُ واغتم لذَلِك ثمَّ انْصَرف وَدخل وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ يدْخل عَلَيْهِ بنوه فيستقرئهم الْقُرْآن بعد الْجُمُعَة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ كَمَا كَانُوا يدْخلُونَ فاستقرأهم فقرأأ وَلَهُم ﴿طسم تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين لَعَلَّك باخع نَفسك أَلا يَكُونُوا مُؤمنين إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ فَقَالَ لقد عزاني الله على لِسَان ابْني هَذَا وتجلى عَنهُ بعض غمه وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد مللتهم وملوني فأرحني مِنْهُم وأرحهم مني فَمَا عَاد إِلَى الْمِنْبَر ثَانِيَة حَتَّى قَبضه الله عزوجل استدعاؤه ابْن أبي زَكَرِيَّا ليدعو لَهُ بِالْمَوْتِ وَبعث عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عبد الله بن أبي زَكَرِيَّا وَكَانَ من صلحاء أهل الشَّام فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ عمر يَا ابْن أبي زَكَرِيَّا هَل تَدْرِي لم بعثت إِلَيْك قَالَ لَا قَالَ لأمر لست ذاكره لَك حَتَّى تحلف لي قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تَسْأَلنِي شَيْئا إِلَّا فعلته قَالَ لَهُ فاحلف لي فَلَمَّا حلف لَهُ قَالَ ادْع الله أَن يميتني قَالَ بئس الْوَافِد أَنا للْمُسلمين وَأَنا إِذا عَدو لأمة مُحَمَّد ﷺ قَالَ هاه قد حَلَفت لي فَقَالَ الْحَمد لله ودعا لَهُ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تبقني بعده وَأَقْبل صبي صَغِير لعمر فَقَالَ وَهَذَا فَإِنِّي أحبه فَدَعَا لَهُ قَالَ فَمَاتَ عمر وَمَات ابْن أبي زَكَرِيَّا وَمَات الصَّبِي

стр. 78

حَدِيثه مَعَ ابْنه عبد الْملك وَهُوَ يحتضر وَقَول مُزَاحم لعمر فِي ذَلِك وَكَانَ ابْنه عبد الْملك من أحب النَّاس إِلَيْهِ فَمَرض فَاشْتَدَّ مَرضه فَأخْبر بذلك فَأَتَاهُ فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ يَا بني كَيفَ تجدك قَالَ أجدني صَالحا وكتمه مَا بِهِ كَرَاهَة أَن يغمه قَالَ يَا بني أصدقني عَن نَفسك فَإِن أحب الْأُمُور إِلَيّ فِيك لموْضِع الْقَضَاء قَالَ أجدني يَا أَبَت أَمُوت قَالَ فولى عمر إِلَى قبلته فَبَيْنَمَا هُوَ فِي صلَاته إِذْ مَاتَ عبد الْملك فَأَتَاهُ مُزَاحم فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ توفّي عبد الْملك فَخر مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا دفن عبد الْملك قَالَ لَهُ مُزَاحم وَقد كَانَ قد عهد إِلَيْهِ إِذا رأى مِنْهُ أَمريْن مُخْتَلفين أَن يُخبرهُ بذلك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَأَيْت مِنْك عجبا أتيت عبد الْملك فَسَأَلته عَن حَاله فكتمك عَن نَفسه فَقلت لَهُ يَا بني اصدقني عَن نَفسك فَإِن أحب الْأُمُور إِلَيّ فِيك لموْضِع الْقَضَاء فأخبرك أَنه يَمُوت فَلَمَّا مَاتَ وأخبرتك بِمَوْتِهِ خَرَرْت مغشيا عَلَيْك قَالَ قد كَانَ ذَاك يَا مُزَاحم وَمَا ذَاك أَن لَا يكون الْأَمر كَمَا قلت لَك وَلَكِنِّي علمت أَن ملك الْمَوْت قد دخل منزلي فَأخذ بضعَة مني فراعني ذَلِك فَأَصَابَنِي مَا قد رَأَيْت دُعَاء عمر على نَفسه بِالْمَوْتِ بعد أَن مَاتَ أعوانه وَلما مرض عمر بن عبد الْعَزِيز مَرضه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ وَقد مَاتَ أعوانه سهل أَخُوهُ وَعبد الْملك ابْنه ومزاحم مَوْلَاهُ قَامَ حبوا إِلَى شن مُعَلّق فَتَوَضَّأ مِنْهُ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ أَتَى مَسْجده فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك قد قبضت سهلا وَعبد الْملك ومزاحما وَكَانُوا أعواني على مَا قد علمت فَلم أزدد لَك إِلَّا حبا وَلَا فِيمَا عنْدك

стр. 79

إِلَّا رَغْبَة فاقبضني إِلَيْك غير مضيع وَلَا مفرط فَمَا قَامَ من مَرضه ذَلِك حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى فرحمه الله محاورته حِين احْتضرَ مَعَ مسلمة ابْن عبد الْملك بشأن أَوْلَاده ودعاؤه لَهُم بالمعصية وَلما حضرت عمر بن عبد الْعَزِيز الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ مسلمة بن عبد الْملك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك قد فغرت أَفْوَاه ولدك من هَذَا المَال فَلَو أوصيت بهم إِلَيّ وَإِلَى نظرائي من قَوْمك فكفوك مؤونتهم فَلَمَّا سمع مقَالَته أجلسوني فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ قد سَمِعت مَقَالَتك يَا مسلمة أما قَوْلك إِنِّي قد أفرغت أَفْوَاه وَلَدي من هَذَا المَال فوَاللَّه مَا ظلمتهم حَقًا هُوَ لَهُم وَلم أكن لأعطيهم شَيْئا لغَيرهم وَأما مَا قلت فِي الْوَصِيَّة فَإِن وصيي فيهم ﴿الله الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين﴾ وَإِنَّمَا ولد عمر بَين أحد رجلَيْنِ إِمَّا رجل صَالح فسيغنيه الله وَإِمَّا غير ذَلِك فَلَنْ أكون أول من أَعَانَهُ بِالْمَالِ على مَعْصِيّة الله ادْع لي بني فَأتوهُ فَلَمَّا رَآهُمْ ترقرقت عَيناهُ وَقَالَ بنفسي فتية تَركتهم عَالَة لَا شَيْء لَهُم وَبكى يَا بني إِنِّي قد تركت لكم خيرا كثيرا لَا تمرون بِأحد من الْمُسلمين وَأهل ذمتهم إِلَّا رَأَوْا لكم حَقًا يَا بني إِنِّي قد مثلت بَين الْأَمريْنِ إِمَّا أَن تستغنوا وَأدْخل النَّار أَو تفتقروا إِلَى آخر يَوْم الْأَبَد وَأدْخل الْجنَّة فَأرى أَن تفتقروا إِلَى ذَلِك أحب إِلَيّ قومُوا عصمكم الله قومُوا رزقكم الله

стр. 80

قدوم رَأس أساقفة الرّوم لمعالجة عمر حِين سقِِي السم ورفضه الدَّوَاء وعفوه عَمَّن سقَاهُ وَكَانَ ملك الرّوم بلغه أَن عمر بن عبد الْعَزِيز سقِِي فَأرْسل إِلَيْهِ رَأس الأساقفة وَكتب إِلَيْهِ يُعلمهُ حَاله عِنْده وَمَا يُوجِبهُ من الْحق لمثله من أهل الْخَيْر وَطَاعَة الله وَيَقُول لَهُ إِنَّه قد بَلغنِي أَنَّك سقيت وَقد بعثت إِلَيْك رَأس الأساقفة وأطبهم ليعالجك مِمَّا بك فَقدم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عمر أنظر إِلَيّ فجسه فَقَالَ سقيت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَمَاذَا عنْدك قَالَ أسقيك حَتَّى أستخرج ذَلِك من عروقك فَقَالَ لَهُ عمر لَو كَانَ روح الْحَيَاة بِيَدِك مَا مكنتك من ذَلِك ارْجع إِلَى صَاحبك لَا حَاجَة لي فِي علاجك ودعا بِالَّذِي اتهمه فَأقر لَهُ أَنه قد سقَاهُ فَقَالَ مَا حملك على مَا صنعت قَالَ خدعت وغررت فَقَالَ عمر نحه خدع وغر خلوه وَلم يعرض لَهُ بشييء آخر مَا تكلم بِهِ عمر قبل وَفَاته وَلما حضرت عمر بن عبد الْعَزِيز الْوَفَاة كَانَ عِنْده مسلمة بن عبد الْملك وَزَوجته فَاطِمَة والخصي فَقَالَ قومُوا عني فَإِنِّي أرى خلقا مَا يزدادون إلآ كَثْرَة مَا هم بجن وَلَا إنس قَالَ مسلمة فقمنا وَتَرَكْنَاهُ وتنحينا عَنهُ وَسَمعنَا قَائِلا يَقُول ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ ثمَّ خفت الصَّوْت فقمنا فَدَخَلْنَا فَإِذا هُوَ ميت مغمض مسجى نعي عمر فِي الْمَنَام وتشييع الشُّهَدَاء لَهُ وَكَانَ رجل من الشَّام قد اسْتشْهد وَكَانَ يَأْتِي جَاره فِي الْمَنَام فِي كل لَيْلَة

стр. 81

جُمُعَة فيحدثه ويأنس بِهِ فافتقده لَيْلَة فَأصْبح حَزينًا فَلَمَّا رأه سَأَلَهُ مَا أَخّرهُ عَنهُ فِي إبانه الَّذِي كَانَ يَأْتِي فِيهِ فَقَالَ إِنَّا معشر الشُّهَدَاء أمرنَا أَن نشْهد جَنَازَة عمر بن عبد الْعَزِيز فورخ ذَلِك الْيَوْم فَجَاءَهُمْ الْخَبَر أَنه مَاتَ فِي ذَلِك الْيَوْم رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه نعيه على لِسَان نسَاء الْجِنّ وَمَا قيل فِي ذَلِك من الشّعْر قَالَ وبينما امْرَأَة بِالْكُوفَةِ ذَات لَيْلَة تغزل فِي كوَّة إِلَى سفل وَمَعَهَا ابْنة لَهَا إِذْ وَقع مغزل ابْنَتهَا فاطلعت من الكوة لتنظر مَكَانَهُ فَإِذا هِيَ بِحَلقَة نسَاء فِي السّفل كحلقة المأتم وَفِي وسطهن امْرَأَة وَهِي تَقول (أَلا قل لِنسَاء الْجِنّ يبْكين شجيات ... ويخمشن وُجُوهًا بَعْدَمَا كن نقيات) (ويلبسن عباء بعد جر الفر قبيات ... ويردفن علوجا بَعْدَمَا كن حظيات) ثمَّ يَقُول من كَانَ حولهَا وأمير المؤمنياه وأمير المؤمنياه فَقَالَت الْجَارِيَة لأمها أما تَرين مَا أرى قَالَت وَمَا تَرين فاطلعت الْأُم فَإِذا هِيَ ترى ذَلِك فَلَمَّا أَصبَحت نظرت اللَّيْلَة فَإِذا هِيَ اللَّيْلَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ مُدَّة خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَمَوْت آخر رجل من الصَّحَابَة قَالَ أَبُو الطَّاهِر ولي عمر بن عبد الْعَزِيز سنة تسع وَتِسْعين وَسنة مائَة وَسنة إِحْدَى لم يستكملها فَكل مَا ولي الْخلَافَة سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر وَبَعض شهر وَلم يستكمل قَالَ أَبُو الطَّاهِر وَلم يل الْخلَافَة وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ

стр. 82

السَّلَام بَاقٍ وَلم تأت سنة مائَة وَأحد من اصحاب النَّبِي ﵇ حَيّ إِلَّا أَن عمر بن عبد الْعَزِيز قد ولي على الْمَدِينَة وَبَعض الصَّحَابَة بهَا عقد عمر النِّيَّة على الْخَيْر من قبل خِلَافَته وَمَا كَانَ بَينه وَبَين سلفه سُلَيْمَان فِي الْهَدَايَا قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم أَخْبرنِي أبي عبد الله بن عبد الحكم قَالَ لم يزل سُلَيْمَان بن عبد الْملك يدبر ولَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز فَأَخْبرنِي بعض أَصْحَاب ابْن وهب عَن عبد الله بن وهب عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ قَالَ لما قدم بالنيروز والمهرجان على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَهُوَ خَليفَة فصبت لَهُ تِلْكَ الْهَدَايَا فِي آنِية الذَّهَب وصنوف الْهَدَايَا قَالَ فَكلما مر بعمر صنف مِنْهَا قَالَ لَهُ سُلَيْمَان كَيفَ ترى هَذَا يَا ابْن عبد العزيزقال يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هُوَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا قَالَ لَهُ سُلَيْمَان فآلله لَو وليته مَا أَنْت صانع فِيهِ قَالَ اللَّهُمَّ أقسمه حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ شَيْء قَالَ اللَّهُمَّ أشهد قَالَ فَجعل يمر بِهِ على شَيْء شَيْء وَيَقُول لَهُ هَذِه الْمقَالة وَيَقُول لَهُ عمر اللَّهُمَّ أقسمه حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُ شَيْء قَالَ سُلَيْمَان اللَّهُمَّ أشهد حَتَّى فرغ تَرِكَة قَارون مولى عمر قَالَ وَهلك مولى لعمر بن عبد الْعَزِيز يُقَال لَهُ قَارون وَترك ألف دِينَار فَقيل لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هلك قَارون وَترك ألف دِينَار فَقَالَ عمر ألف دِينَار من كسب طيب أَمر سُلَيْمَان بن عبد الْملك بِضَرْب زيد بن حسن وَمَا كَانَ من عمر فِي ذَلِك قَالَ وَكتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى زيد بن حسن بن عَليّ بن أبي طَالب يسْأَله أَن يُبَايع لعبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد ويخلع سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَفرق زيد من الْوَلِيد فَأَجَابَهُ فَلَمَّا اسْتخْلف سُلَيْمَان وجد كتاب زيد إِلَى الْوَلِيد بذلك

стр. 83

فَكتب إِلَى أبي بكر بن حزم وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة ادْع زيد بن حسن فأقرئه هَذَا الْكتاب فَإِن عرفه فَاكْتُبْ إِلَيّ بذلك وَإِن نكل فقدمه فأظهر يَمِينه على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ مَا كتب هَذَا الْكتاب وَلَا أَمر فَأرْسل إِلَيْهِ أَبُو بكر بن حزم فَأَقْرَأهُ الْكتاب فَقَالَ أَنْظرنِي مَا بيني وَبَين الْعشَاء أستخير الله قَالَ فَأرْسل زيد بن حسن إِلَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم بن عبد الله يستشيرهما قَالَ فأقاما مَعَهُمَا ربيعَة فَذكر لَهما ذَلِك وَقَالَ إِنِّي لم أكن آمن الْوَلِيد على دمي لولم أجبه فقد كتبت هَذَا الْكتاب أفترون أَن أَحْلف فَقَالُوا لَا تحلف وَلَا تبارز الله عزوجل عِنْد مِنْبَر رَسُول الله ﷺ فَإنَّا نرجو أَن ينجيك الله بِالصّدقِ فَأقر بِالْكتاب وَلم يحلف فَكتب بذلك أَبُو بكر بن حزم إِلَى سُلَيْمَان فَكتب سُلَيْمَان إِلَى أبي بكر أَن يضْربهُ مائَة سَوط ويدرعه عباءة ويمشيه حافيا فتشكى سُلَيْمَان فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز للرسول لَا تخرج حَتَّى نُكَلِّم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا كتب إِلَى زيد بن حسن لعَلي أستطيب نَفسه فَيتْرك هَذَا الْكتاب قَالَ فحبس الرَّسُول وَالْكتاب وَمرض سُلَيْمَان فَقَالَ عمر لَا تخرج فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَرِيض إِلَى أَن رمي فِي جَنَازَة سُلَيْمَان وأفضى الْأَمر إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فَدَعَا بِالْكتاب فخرقه أَقْوَال فِي ابْن عمر بن عبد الْعَزِيز وأخيه ومولاه قَالَ وَلما دفن عمر عبد الْملك وَلَده وَسَهل بن عبد الْعَزِيز أَخَاهُ ثمَّ هلك مُزَاحم مَوْلَاهُ فَقَالَ رجل من الشَّام وَالله لقد أُصِيب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِابْن لَا وَالله إِن رَأَيْت ولدا كَانَ أَنْفَع لوالده مِنْهُ ثمَّ أُصِيب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِأَخ مَا كَانَ أَخ أَنْفَع لأخ مِنْهُ قَالَ وَسكت عَن مُزَاحم فَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز مَالك سكت عَن مُزَاحم فوَاللَّه مَا كَانَ بِأَدْنَى الثَّلَاثَة عِنْدِي يَرْحَمك الله يَا مُزَاحم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَالله لقد كنت كفيت كثيرا من هم الدُّنْيَا وَنعم الْوَزير كنت فِي أَمر الْآخِرَة

стр. 84

قَول سُلَيْمَان فِي عمر وَقَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَالله مَا كَاد يغيب عَن ابْن عبد الْعَزِيز فَمَا أجد أحدا ينقه عني شَيْئا وَلَا أفقهه مِنْهُ تجنب عمرالإصلاح بالظلم وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز من لم يصلحه إِلَّا الغشم فَلَا يصلح وَالله لَا أصلح النَّاس بِهَلَاك ديني كِتَابه فِي إِقَامَة الْعدْل وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِن اسْتَطَعْت أَن تكون فِي الْعدْل والإصلاح وَالْإِحْسَان بِمَنْزِلَة من كَانَ قبلك فِي الظُّلم والفجور والعدوان فافعل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه إصْلَاح عمر بن عبد الْعَزِيز بَين رجل وَعَمه قَالَ وَجَاء رجل من أهل الْمشرق هُوَ وَابْن أَخ لَهُ فاختصما عِنْد عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ بَيْنَمَا الشَّيْخ يُرِيد الصِّلَة وَالصُّلْح إِذْ غضب فدعته نَفسه إِلَى القطيعة فَنظر إِلَيْهِ عمر فَقَالَ مَا رَأَيْت أحلى مِنْك وَلَا أَمر وَلَا أبعد وَلَا أقرب بَيْنَمَا أَنْت تُرِيدُ الصِّلَة وَالصُّلْح دعتك نَفسك إِلَى القطيعة وَالظُّلم وَله شاربان قد غطيا فَاه فَقَالَ يَا مينا لحجام لَهُ أخرج هَذَا الشَّيْخ من الصَّفّ ثمَّ خُذ لي من شَاربه ثمَّ ائْتِنِي بِهِ فَفعل فَقَالَ عمر هَذَا أطيب وأنظف مَعَ الْفطْرَة هَلُمَّ إِلَى الصُّلْح أَيهَا الشَّيْخ أَنْت وَابْن أَخِيك قَالَا نعم فَأصْلح ذَات بَينهمَا فَرفع عمر يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وَقَالَ الْحَمد لله كِتَابه إِلَى ولي عَهده يوصيه ويحذره وَلما حضرت عمر بن عبد الْعَزِيز الْوَفَاة قيل لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اكْتُبْ إِلَى

стр. 85

يزِيد بن عبد الْملك توصيه وتخوفه فَقَالَ وَالله إِنِّي لأعْلم أَنه من ولد مَرْوَان فَقَالَ لَهُ رَجَاء بن حَيْوَة يكون حجَّة عَلَيْهِ وعذرا لَك عِنْد الله ثمَّ أَمر كَاتبه أَن يكْتب إِلَيْهِ أما بعد مَا يزِيد فَاتق الصرعة عِنْد الْغَفْلَة فَلَا تقال العثرة وَلَا تقدر على الرّجْعَة وتترك مَا تتْرك لمن لَا يحمدك وتنقلب إِلَى من لَا يعذرك وَالسَّلَام كِتَابه إِلَى سَالم بن عبد الله يسْأَله فِيهِ أَن يكْتب إِلَيْهِ سيرة عمر بن الْخطاب ليسير بهَا وَذكر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب من عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى سَالم بن عبد الله أما بعد فقد ابْتليت بِمَا ابْتليت بِهِ من أَمر هَذِه الأمه من غير مُشَاورَة مني وَلَا إِرَادَة يعلم الله ذَلِك فَإِذا أَتَاك كتابي فَاكْتُبْ إِلَيّ بسيرة عمر بن الْخطاب فِي أهل الْقبْلَة وَأهل الْعَهْد فَإِنِّي سَائِر بسيرته إِن الله أعانني على ذَلِك وَالسَّلَام جَوَاب سَالم لَهُ فَكتب إِلَيْهِ سَالم من سَالم بن عبد الله إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أَمِير الْمُؤمنِينَ أما بعد فَإنَّك كتبت إِلَيّ تَسْأَلنِي تذكر أَنَّك ابْتليت بِمَا ابْتليت بِهِ من أَمر هَذِه الأمه من غير مُشَاورَة وَلَا إِرَادَة يعلم الله ذَلِك تَسْأَلنِي أَن أكتب لَك بسيرة عمر وقضائه فِي أهل الْقبْلَة وَأهل العهود وتزعم أَنَّك سَائِر بسيرته إِن الله أعانك على ذَلِك وَإنَّك لست فِي زماني عمر وَلَا فِي مثل رجال عمر فَأَما أهل الْعرَاق فليكونوا مِنْك بمَكَان من لَا غنى بك عَنْهُم وَلَا مفقرة إِلَيْهِم وَلَا يمنعك من نزع عَامل أَن تنزعه أَن تَقول لَا أجد من يَكْفِينِي مثل عمله فَإنَّك إِذا كنت تنْزع لله وتستعمل لله أتاح الله لَك أعوانا وأتاك بهم فَإِنَّمَا قدر عون

стр. 86

الله للعباد على قدر النيات فَمن تمت نِيَّته تمّ عون الله لَهُ وَمن قصرت نِيَّته قصر عون الله لَهُ وَالله الْمُسْتَعَان وَالسَّلَام كتاب عمر إِلَى عَامله على الْيمن بشأن جباية الْخراج وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عُرْوَة بن مُحَمَّد أما بعد فَإنَّك كتبت إِلَيّ تذكر أَنَّك قدمت الْيمن فَوجدت على أَهلهَا ضريبة من الْخراج مَضْرُوبَة ثابته فِي أَعْنَاقهم كالجزية يؤدونها على كل حَال إِن أخصبوا أَو أجدبوا أَو حيوا أَو مَاتُوا فسبحان الله رب الْعَالمين ثمَّ سُبْحَانَ الله رب الْعَالمين ثمَّ سُبْحَانَ الله رب الْعَالمين إِذا أَتَاك كتابي هَذَا فدع مَا تنكره من الْبَاطِل إِلَى مَا تعرفه من الْحق ثمَّ ائتنف الْحق فاعمل بِهِ بَالغا بِي وَبِك مَا بلغ وَإِن أحَاط بمهج أَنْفُسنَا وَإِن لم ترفع إِلَيّ من جَمِيع الْيمن إِلَّا حفْنَة من كتم فقد علم الله أَنِّي بهَا مسرور إِذا كَانَت مُوَافقَة للحق وَالسَّلَام قطيعة عمر فِي الله وصلته فِي الله قَالَ وَدخلت أم عمر بنت مَرْوَان وَهِي عمَّة عمر بن عبد الْعَزِيز على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَت حكم الله بَيْننَا وَبَيْنك قطعت أَنْت عَنَّا أَشْيَاء كَانَ يجريها غَيْرك علينا قَالَ يَا عمَّة لَوْلَا ذَلِك الحكم لَكُنْت أوصلهم لَك

стр. 87

عرض مسلمة بن عبد الْملك المَال على عمر ليوصي فِيهِ وَجَوَاب عمر لَهُ وَدخل مسلمة بن عبد الْملك على عمر بن عبد الْعَزِيز فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَأَوْصَاهُ عمر أَن يحضر مَوته وَأَن يَلِي غسله وتكفينه وَأَن يمشي مَعَه إِلَى قَبره وَأَن يكون مِمَّن يَلِي إِدْخَاله فِي لحده ثمَّ نظر إِلَيْهِ وَقَالَ انْظُر يَا مسلمة بِأَيّ منزل تتركني وعَلى أَي حَال أسلمتني إِلَيْهِ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ مسلمة فأوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ مَالِي من مَال فأوصي فِيهِ قَالَ مسلمة هَذِه مائَة ألف دِينَار فأوص فِيهَا بِمَا أَحْبَبْت قَالَ أَو خير من ذَلِك يَا مسلمة أَن تردها من حَيْثُ أَخَذتهَا قَالَ مسلمة جَزَاك الله عَنَّا خيرا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لقد ألنت لنا قلوبا قاسية وَجعلت لنا ذكرا فِي الصَّالِحين نفي عمر نَفرا من بني عقيل إِلَى الْيمن وَكتابه إِلَى عَامله بشأنهم قَالَ وَكتب عمربن عبد الْعَزِيز إِلَى عُرْوَة بن مُحَمَّد أما بعد فَإِنِّي بعثت إِلَيْك بِنَفر من بني عقيل وَبئسَ الْقَوْم كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ أفضلهم فِي أنفسهم شَرّ خلق الله دينا ونفسا وَأَنا أَرْجُو أَن يَجْعَل الله فيهم خلافًا لَا يزْدَاد مَا كَرهُوا من ذَلِك إِلَّا لُزُوما وَأَن يظعنوا إِلَى شَرّ مَا ظعن إِلَيْهِ أهل موت فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فأنزلهم من نواحي أَرْضك بشرها بِقدر هوانهم على الله عزوجل وَالسَّلَام رَأْيه فِي مذاكرة الْعلمَاء وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان سَأَلَني عمر بن عبد الْعَزِيز على فَرِيضَة فأجبته

стр. 88

فِيهَا فَضرب على فَخذي ثمَّ قَالَ وَيحك يَا مَيْمُون بن مهْرَان إِنِّي وجدت لقيا الرِّجَال تلقيحا لألبابهم غنى النَّاس فِي خلَافَة عمر وَقَالَ رجل من ولد زيد بن الْخطاب إِنَّمَا ولي عمر بن عبد الْعَزِيز سنتَيْن وَنصفا فَذَلِك ثَلَاثُونَ شهرا فَمَا مَاتَ حَتَّى جعل الرجل يأتينا بِالْمَالِ الْعَظِيم فَيَقُول اجعلوا هَذَا حَيْثُ ترَوْنَ فِي الْفُقَرَاء فَمَا يبرح حَتَّى يرجع بِمَالِه يتَذَكَّر من يَضَعهُ فيهم فَمَا يجده فَيرجع بِمَالِه قد أغْنى الله على يَد عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس جَوَاب عمر لِابْنِهِ وَقد سَأَلَهُ أَن يُزَوجهُ ثَانِيَة من بَيت المَال قَالَ وَطلب ابْن لعمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أَبِيه أَن يُزَوجهُ وَأَن يصدق عَنهُ من بَيت المَال وَكَانَ لِابْنِهِ ذَلِك امْرَأَة فَغَضب لذَلِك عمر بن عبد الْعَزِيز وَكتب إِلَيْهِ لعمر الله لقد أَتَانِي كتابك تَسْأَلنِي أَن أجمع لَك بَين الضرائر من بَيت مَال الْمُسلمين وَأَبْنَاء الْمُهَاجِرين لَا يجد أحدهم امْرَأَة يستعف بهَا فَلَا أَعرفن مَا كتبت بِمثل هَذَا ثمَّ كتب إِلَيْهِ أَن انْظُر إِلَى مَا قبلك من نحاسنا ومتاعنا فبعه واستعن بِثمنِهِ على مَا بدا لَك

стр. 89

نَهْيه عَن الضَّرْب بالبرابط وإذنه بالدفاف فِي الْعرس وَقَالَ يزِيد بن أبي حبيب كتبت إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز فِي اللّعب بالدفاف والبرابط فِي الْعرس فَكتب إِلَيّ عمر بن عبد الْعَزِيز امْنَعْ الَّذين يضْربُونَ البرابط ودع الَّذين يضْربُونَ بالدفاف فَإِن ذَلِك يفرق بَين النِّكَاح والسفاح إكتفاؤه فِي رد الْمَظَالِم باليسيرمن الْبَينَات وإنفاد بَيت مَال الْعرَاق فِي ذَلِك وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يرد الْمَظَالِم إِلَى أَهلهَا بِغَيْر الْبَيِّنَة القاطعة وَكَانَ يَكْتَفِي باليسير إِذا عرف وَجه مظْلمَة الرجل ردهَا عَلَيْهِ وَلم يكلفه تَحْقِيق الْبَيِّنَة لما يعرف من غشم الْوُلَاة قبله على النَّاس وَلَقَد أنفد بَيت مَال الْعرَاق فِي رد الْمَظَالِم حَتَّى حمل إِلَيْهَا من الشَّام كتاب عمر إِلَى بعض إخوانه وَكَانَ قد بلغه مَوته وَهُوَ حَيّ وَبلغ عمر بن عبد الْعَزِيز أَن أَخا من إخوانه مَاتَ ثمَّ بلغه خلاف ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ عمر أما بعد فقد بلغنَا خبر ريع لَهُ إخوانك ثمَّ أَتَانَا تَكْذِيب مَا بلغنَا من الرضح الأول فأنعم بذلك أَن يسرنَا وَإِن كَانَ السرُور بذلك وشيك الإنقطاع يتبعهُ عَن قَلِيل تَصْدِيق الْخَبَر الأول فَهَل أَنْت يَا عبد الله إِلَّا كَرجل ذاق الْمَوْت ثمَّ سَأَلَ الرّجْعَة فأسعف بطلبته فَهُوَ متأهب مبادر مصر فِي جهازه بِأَقَلّ مَا يسره من مَاله إِلَى دَار قراره لَا يرى أَن لَهُ من مَاله شَيْئا إِلَّا مَا قدم أَمَامه فَإِن المغبون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من اجْتمع لَهُ مَال قَلِيل أَو كثير ثمَّ

стр. 90

لم يكن لَهُ مِنْهُ شَيْء وَلم يزل اللَّيْل وَالنَّهَار سريعين فِي نَفاذ الْأَيَّام وطي الْآجَال وَنقض الْعُمر وَلَا يزَالَانِ على ذَلِك يفنيان ويبليان مَا مرا بِهِ هَيْهَات قد صحبا نوحًا وهودا وقرونا بَين ذَلِك كثيرا فأضحوا قد لَحِقُوا برَبهمْ ووردوا على أَعْمَالهم فَأصْبح اللَّيْل وَالنَّهَار غضين جديدين وَلم يبلهما أحد أفنياه وَلم يفنهما من مرا بِهِ ومستعدين لمن بَقِي بِمثل مَا أصابا بِهِ من مضى وَإنَّك الْيَوْم شرِيف نَاس كثير من ضربائك وقرنائك فَهَل أَنْت إِلَّا كَرجل قطعت أعضاؤه عضوا عضوا فَلم يبْق إلآ حشاشة نَفسه فَهُوَ ينْتَظر الدَّاعِي لَهَا صباحا وَمَسَاء فنستغفر الله لسيىء أَعمالنَا ونعوذ بِهِ من مقته إيانا على مَا نعظ بِهِ أَنْفُسنَا وَالسَّلَام مناظرة عمر بن عبد الْعَزِيز أَصْحَاب شَوْذَب الحروري وَبعث عمر بن عبد الْعَزِيز مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي إِلَى شَوْذَب الحروري وَأَصْحَابه حِين خَرجُوا بالجزيرة قَالَ فَكتب مَعنا إِلَيْهِم كتابا فأتيناهم فأبلغناهم رسَالَته وَكتابه فبعثوا مَعنا رجلَيْنِ مِنْهُم أَحدهمَا من بني شَيبَان وَالْآخر فِي حبشية وَهُوَ أَسد الرجلَيْن حجَّة وَلِسَانًا فقدمنا بهما إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ بخناصرة فصعدنا إِلَيْهِ فِي غرفَة مَعَه فِيهَا ابْنه عبد الْملك

стр. 91

وكاتبه مُزَاحم فأعلمناه مكانهما فَقَالَ ابحثوهما أَن لَا يكون مَعَهُمَا حَدِيدَة ثمَّ أدخلوهما فَفَعَلْنَا فَلَمَّا دخلا قَالَا السَّلَام عَلَيْكُم ثمَّ جلسا فَقَالَ لَهما عمر أخبراني مَا أخرجكما مخرجكما هَذَا وَأي شَيْء نقمتم علينا فَقَالَ الَّذِي فِي حبشية وَالله مَا نقمنا عَلَيْك فِي سيرتك فَإنَّك لتجري الْعدْل وَالْإِحْسَان وَلَكِن بَيْننَا وَبَيْنك أَمر إِن أعطيتناه فَأَنت منا وَنحن مِنْك وَإِن منعتنا فلست منا ولسنا مِنْك قَالَ عمر وَمَا هُوَ قَالَ رَأَيْتُك خَالَفت أَعمال أهل بَيْتك وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم فَإِن زعمت أَنَّك على هدى وهم على ضلال فابرأ مِنْهُم والعنهم فَهُوَ الَّذِي يجمع بَيْننَا وَبَيْنك أَو يفرق قَالَ فَتكلم عمر عِنْد ذَلِك فَقَالَ إِنِّي قد عرفت أَو ظَنَنْت أَنكُمْ لم تخْرجُوا لطلب الدُّنْيَا وَلَكِنَّكُمْ أردتم الْآخِرَة فأخطأتم سَبِيلهَا وَأَنا سَائِلكُمْ عَن أَمر فبالله لتصدقاني عَنهُ فِيمَا بلغه علمكما قَالَا نَفْعل قَالَ أَرَأَيْتُم أَبَا بكر وَعمر أليسا من أسلافكم وَمِمَّنْ تتولون وتشهدون لَهما بالنجاة قَالَا بلَى فَقَالَ هَل تعلمُونَ أَن الْعَرَب ارْتَدَّت بعد رَسُول الله ﷺ فَقَاتلهُمْ أَبُو بكر فسفك الدِّمَاء وسبى الذَّرَارِي وَأخذ الْأَمْوَال قَالَا قد كَانَ ذَلِك قَالَ فَهَل تعلمان أَن عمر لما قَامَ بعده رد تِلْكَ السبايا إِلَى عَشَائِرهمْ قَالَ قد كَانَ ذَلِك قَالَ فَهَل برِئ أَبُو بكر من عمر أَو عمر من أبي بكر قَالَا لَا قَالَ فَهَل تبرأون من وَاحِد مِنْهُمَا قَالَا لَا قَالَ أخبراني عَن أهل النهروان أَلَيْسُوا من أسلافكم وَمِمَّنْ تتولون وتشهدون لَهُم بالنجاة قَالَا بلَى قَالَ فَهَل تعلمُونَ أَن أهل الْكُوفَة حِين خَرجُوا إِلَيْهِم كفوا أَيْديهم فَلم يخيفوا آمنا وَلم يسفكوا دَمًا وَلم يَأْخُذُوا مَالا قَالَا قد كَانَ ذَلِك قَالَ فَهَل تعلمُونَ أَن أهل الْبَصْرَة حِين خَرجُوا إِلَيْهِم مَعَ

стр. 92

عبد الله بن وهب الرَّاسِبِي استعرضوا النَّاس فَقَتَلُوهُمْ وعرضوا لعبد الله بن خباب صَاحب النَّبِي ﷺ فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا جَارِيَته ثمَّ صبحوا حَيا من الْعَرَب يُقَال لَهُم بَنو قطيعة فاستعرضوهم فَقتلُوا الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان حَتَّى جعلُوا يلقون الْأَطْفَال قي قدور الأقط وَهِي تَفُور بهم قَالَا قد كَانَ ذَلِك قَالَ فَهَل برِئ أهل الْكُوفَة من أهل الْبَصْرَة أَو أهل الْبَصْرَة من أهل الْكُوفَة قَالَا لَا قَالَ فَهَل تبرأون من طَائِفَة مِنْهُمَا قَالَا لَا قَالَ عمر أخبراني أَرَأَيْتُم الدّين وَاحِدًا أم اثْنَيْنِ قَالَا بل وَاحِد قَالَ فَهَل يَسَعكُمْ فِيهِ شَيْء يعجز عني قَالَا لَا قَالَ فَكيف وسعكم أَن توليتم أَبَا بكر وَعمر وَتَوَلَّى كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه وَقد اخْتلفت سيرتهما أم كَيفَ وسع أهل الْكُوفَة أَن توَلّوا أهل الْبَصْرَة وَأهل الْبَصْرَة أهل الْكُوفَة وَقد اخْتلفُوا وَكَيف وسعكم أَن توليتموهم جَمِيعًا وَقد اخْتلفُوا فِي أعظم الْأَشْيَاء فِي الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال وَلَا يسعني بزعمكما إِلَّا لعن أهل بَيْتِي والبراءة مِنْهُم فَإِن كَانَ لعن أهل الذُّنُوب فَرِيضَة مَفْرُوضَة لَا بُد مِنْهَا فَأَخْبرنِي عَنْك أَيهَا الْمُتَكَلّم مَتى عَهْدك بلعن أهل فوعون وَيُقَال بلعن هامان قَالَ مَا أذكر مَتى لعنته قَالَ وَيحك فيسعك ترك لعن فوعون وَلَا يسعني بزعمك إِلَّا لعن أهل بَيْتِي والبراءة مِنْهُم وَيحكم إِنَّكُم قوم جهال أردتم أمرا فأخطأتموه فَأنْتم تقبلون من النَّاس مَا رد عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ وتردون عَلَيْهِم مَا قبل مِنْهُم ويأمن عنْدكُمْ من خَافَ عِنْده وَيخَاف عنْدكُمْ من أَمن عِنْده قَالَا مَا نَحن كَذَلِك قَالَ بلَى تقرون بذلك الْآن هَل علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ بعث إِلَى النَّاس وهم عَبدة أوثان فَدَعَاهُمْ إِلَى أَن يخلعوا الْأَوْثَان وَأَن يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إلاالله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول

стр. 93

الله فَمن فعل ذَلِك حقن دَمه وَأمن عِنْده وَكَانَ أُسْوَة الْمُسلمين وَمن أَبى ذَلِك جاهده قَالَا بلَى قَالَ أفلستم أَنْتُم الْيَوْم تبرأون مِمَّن يخلع الْأَوْثَان وَمِمَّنْ يشْهد أَن لَا إِلَه إلاالله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دَمه وتلقون من يَأْبَى ذَلِك من سَائِر الْأُمَم من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فتحرمون دَمه ويأمن عنْدكُمْ فَقَالَ الَّذِي فِي حبشية مَا رَأَيْت حجَّة أبين وَلَا أقرب مأخذا من حجتك أما أَنا فَأشْهد أَنَّك على الْحق وأنني بَرِيء مِمَّن خالفك وَقَالَ للشيباني فَأَنت مَا تَقول قَالَ مَا أحسن مَا قلت وَأحسن مَا وصفت وَلَكِن أكره أَن افتات على الْمُسلمين بِأَمْر لَا أَدْرِي مَا حجتهم فِيهِ حَتَّى أرجع إِلَيْهِم فَلَعَلَّ عِنْدهم حجَّة لَا أعرفهَا قَالَ فَأَنت أعلم قَالَ فَأمر للحبشي بعطائه وَأقَام عِنْده خمس عشرَة لَيْلَة ثمَّ مَاتَ وَلحق الشَّيْبَانِيّ بقَوْمه فَقتل مَعَهم حِكْمَة من كَلَام عمر وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز الرِّضَا قَلِيل وَالصَّبْر معقل الْمُؤمن إيثاره رَاحَة الرّعية على كل شَيْء وَخرج عمر بن عبد الْعَزِيز يَوْمًا فِي ولَايَته الْخلَافَة بِالشَّام فَركب هُوَ ومزاحم وَكَانَ كثيرا مَا يركب فَيلقى الركْبَان يتجسس الْأَخْبَار عَن الْقرى فلقيهما رَاكب من أهل الْمَدِينَة وسألاه عَن النَّاس وَمَا وَرَاءه وَهُوَ الْأَمر الَّذِي خرجا من أَجله فَقَالَ لَهما إِن شئتما جمعت لَكمَا خبري وَإِن شئتما بعضته

стр. 94

تبعيضا فَقَالَا بل أجمعه فَقَالَ إِنِّي تركت الْمَدِينَة والظالم بهَا مقهور والمظلوم بهَا مَنْصُور والغني موفور والعائل مجبور فسر بذلك عمر وَقَالَ وَالله لِأَن تكون الْبلدَانِ كلهَا على هَذِه الصّفة أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس رَأْي عمر فِي المَال الَّذِي أنفقهُ سُلَيْمَان فِي الْمَدِينَة وَقدم سُلَيْمَان بن عبد الْملك الْمَدِينَة فَأعْطى بهَا مَالا عَظِيما فَقَالَ لعمر بن عبد الْعَزِيز كَيفَ رَأَيْت مَا فعلنَا يَا أَبَا حَفْص قَالَ رَأَيْتُك زِدْت أهل الْغنى غنى وَتركت أهل الْفقر بفقرهم رَأْيه فِيمَن سبّ الْخَلِيفَة وشاور سُلَيْمَان بن عبد الْملك عمر بن عبد الْعَزِيز فِي رجل سبّ سُلَيْمَان فَقَالَ مَا ترى فِيهِ فَقَالَ من حوله اكْتُبْ بِضَرْب عُنُقه وَعمر بن عبد الْعَزِيز سَاكِت فَقَالَ مَا لَك لَا تَتَكَلَّم يَا عمر فَقَالَ أما إِذا سَأَلتنِي فَلَا أعلم سبة أحلّت دم مُسلم إلاسبة نَبِي قَالَ فَقَامُوا وَقَامَ فَقَالَ سُلَيْمَان لله بلادك يَا عمر لَو قرشي طبخت فِي مرقته لأنضجتها خطْبَة عمر فِي فِي التَّذْكِير بِالْمَوْتِ وحبه الْمُسَاوَاة بالرعية وخطب النَّاس عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس ثمَّ خنقته الْعبْرَة ثمَّ سكت فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس ثمَّ خنقته الْعبْرَة فَسكت ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن امْرَءًا أصبح لَيْسَ بَينه وَبَين آدم أَب حَيّ لمعرق لَهُ فِي الْمَوْت أَيهَا

стр. 95

النَّاس أَلا ترَوْنَ أَنكُمْ فِي أسلاب الهالكين وَفِي بيُوت الميتين وَفِي دور الظاعنين جيرانا كَانُوا مَعكُمْ بالْأَمْس أَصْبحُوا فِي دور خامدين بَين آمن روحه إِلَى يَوْم القياممة وَبَين معذب روحه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ تحملونه على أَعْنَاقكُم ثمَّ تضعونه فِي بطن من الأَرْض بعد غضارة من الْعَيْش وتلذذ فِي الدُّنْيَا فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ثمَّ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أم وَالله لَوَدِدْت أَنه بديء بِي وبلحمتي الَّتِي أَنا مِنْهَا حَتَّى يَسْتَوِي عيشنا وعيشكم أم وَالله لَو أردْت غير هَذَا من الْكَلَام لَكَانَ اللِّسَان بِهِ مني منبسطا ولكنت بأسبابه عَارِفًا ثمَّ وضع طرف رِدَائه على وَجهه فَبكى وَبكى النَّاس مَعَه جَوَابه إِلَى الْقرظِيّ فِي الموزنة بَين الموعظة وَالصَّدَََقَة وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْقرظِيّ أما بعد فقد بَلغنِي كتابك تعظني وتذكر مَا هُوَ لي حَظّ وَعَلَيْك حق وَقد أصبت بذلك أفضل الْأجر إِن الموعظة كالصدقة بل هِيَ أعظم أجرا وَأبقى نفعا وَأحسن ذخْرا وَأوجب على المرءالمؤمن حَقًا لكلمة يعظ بهَا الرجل الْمُؤمن أَخَاهُ لِيَزْدَادَ بهَا فِي هدى رَغْبَة خير من مَال يتَصَدَّق بِهِ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ بِهِ إِلَيْهِ حَاجَة وَلما يدْرك أَخُوك بموعظتك من الْهدى خير مِمَّا ينَال بصدقتك من الدُّنْيَا وَلِأَن ينجو رجل بموعظتك من هلكة خير من أَن ينجو بصدقتك من فقر فعظ من تعظه لقَضَاء حق عَلَيْك وَاسْتعْمل كَذَلِك نَفسك حِين تعظ وَكن كالطيب المجرب الْعَالم الَّذِي قد علم أَنه إِذا وضع الدَّوَاء حَيْثُ لَا يَنْبَغِي أعنته وأعنت نَفسه وَإِذا أمْسكهُ من حَيْثُ يَنْبَغِي جهل وأثم وَإِذا أَرَادَ أَن يداوي مَجْنُونا لم يداوه وَهُوَ مُرْسل حَتَّى يستوثق مِنْهُ ويوثق لَهُ خشيَة أَن لَا يبلغ مِنْهُ من الْخَيْر مَا يَتَّقِي مِنْهُ من الشَّرّ وَكَانَ طبه

стр. 96

وتجربته مفتاج عمله وَاعْلَم أَنه لم يَجْعَل الْمِفْتَاح على الْبَاب لكيما يغلق فَلَا يفتح اَوْ ليفتح فَلَا يغلق وَلَكِن ليغلق فِي حِينه وَيفتح فِي حِينه وَالسَّلَام حثه على الْعلم وَحب الْعلمَاء وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِن اسْتَطَعْت فَكُن عَالما فَإِن لم تستطع فَكُن متعلما فَإِن لم تستطع فأحبهم فَإِن لم تستطع فَلَا تبغضهم وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لقد جعل الله لَهُ مخرجا إِن قبل نهي عمر عَن المزاح وَجمع عمر بن عبد الْعَزِيز أَصْحَابه بالسويداء فَخرج عَلَيْهِم وأوصاهم فَقَالَ إيَّايَ والمزاح فَإِنَّهُ يبْعَث الضغن وَيثبت الغل تحدثُوا بِكِتَاب الله وتجالسوا بِهِ وتسايروا عَلَيْهِ فَإِذا مللتم فَحَدِيث من حَدِيث الرِّجَال حسن جميل مَا قَالَه عمر لعامله على مَكَّة حينما شكاه اليه رجل فأشكاه وَاسْتعْمل عمر بن عبد الْعَزِيز عُرْوَة بن عِيَاض بن عدي على مَكَّة فَخرج عمر من مَكَّة وَخرج مَعَه من خرج يشيعه حَتَّى نزل بمر وَمَعَهُ عُرْوَة فجَاء رجل فَقَالَ أصلح الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ظلمت وَلَا أَسْتَطِيع أَن أَتكَلّم فَقَالَ عمر ويحه أخذت عَلَيْهِ يَمِين ثمَّ قَالَ إِن كنت صَادِقا فَتكلم فَقَالَ أصلحك

стр. 97

الله هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عُرْوَة سامني بِمَا ل لي وَأَعْطَانِي بِهِ سِتَّة آلَاف دِرْهَم فأبيت أَن أبيعه فاستعداه عَليّ غَرِيم لي فحبسني فَلم يخرجني حَتَّى بِعته مَالِي بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم واستحلفني بِالطَّلَاق إِن خاصمته أبدا فَنظر عمر إِلَى عُرْوَة ثمَّ نكت بالخيزران بَين عَيْنَيْهِ فِي سجدته وَقَالَ هَذِه غرتني مِنْك ثمَّ قَالَ للرجل اذْهَبْ فقد رددت عَلَيْك مَالك وَلَا حنث عَلَيْك نصيحة عمر بن عبد الْعَزِيز للوليد بن عبد الْملك وحرج الْحجَّاج مِنْهَا ورأي عمر فِي سياسة الْخَوَارِج وَدخل عمر بن عبد الْعَزِيز على الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عِنْدِي نصيحة فَإِذا خلا لَك عقلك وَاجْتمعَ فهمك فسلني عَنْهَا قَالَ مَا يمنعك مِنْهَا الْآن قَالَ أَنْت أعلم إِذا اجْتمع لَك مَا أَقُول فَإنَّك أَحَق أَن تفهم فَمَكثَ أَيَّامًا ثمَّ قَالَ يَا غُلَام من بِالْبَابِ فَقيل لَهُ نَاس وَفِيهِمْ عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ أدخلهُ فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ نصيحتك يَا أَبَا حَفْص فَقَالَ عمر إِنَّه لَيْسَ بعد الشّرك إِثْم أعظم عِنْد الله من الدَّم وَإِن عمالك يقتلُون ويكتبون إِن ذَنْب فلَان والمقتول كذاوكذا وَأَنت المسؤول عَنهُ والمأخوذ بِهِ فَاكْتُبْ إِلَيْهِم أَن لَا يقتل أحد مِنْهُم أحدا حَتَّى يكْتب إِلَيْك بِذَنبِهِ ثمَّ يشْهد عَلَيْهِ ثمَّ تَأمر بِأَمْرك على أَمر قد وضح لَك قَالَ بَارك الله فِيك يَا أَبَا حَفْص وَمنع فقدك عَليّ بِكِتَاب فَكتب إِلَى أُمَرَاء الْأَمْصَار كلهم

стр. 98

فَلم يحرج من ذَلِك إلاالحجاج فَإِنَّهُ أمضه وشق عَلَيْهِ وأقلقه وَظن أَنه لم يكْتب إِلَى أحد غَيره فبحث عَن ذَلِك فَقَالَ من أَيْن دهينا اَوْ من أَشَارَ على أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهَذَا فَأخْبر أَن عمر بن عبد الْعَزِيز هُوَ الَّذِي فعل ذَلِك فَقَالَ هَيْهَات إِن كَانَ عمر فَلَا نقض لأَمره ثمَّ إِن الْحجَّاج أرسل إِلَى أَعْرَابِي حروري جَاف من بكر بن وَائِل ثمَّ قَالَ لَهُ الْحجَّاج مَا تَقول فِي مُعَاوِيَة فنال مِنْهُ قَالَ لَهُ مَا تَقول فِي يزِيد فَسَبهُ قَالَ فَمَا تَقول فِي عبد الْملك فظلمه قَالَ فَمَا تَقول فِي الْوَلِيد فَقَالَ أُجُورهم حِين ولاك وَهُوَ يعلم عداءك وظلمك قَالَ فَسكت عَنهُ الْحجَّاج وافترضها مِنْهُ ثمَّ بعث بِهِ إِلَى الْوَلِيد وَكتب إِلَيْهِ أَنا أحوط لديني وأرعى لما استرعيتني وأحفظ لَهُ من أَن أقتل أحدا لم يسْتَوْجب ذَلِك وَقد بعثت إِلَيْك بِبَعْض من كنت أقتل على هَذَا الرَّأْي فشأنك وإياه فَدخل الحروري على الْوَلِيد وَعِنْده أَشْرَاف اهل الشَّام وَعمر فيهم فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد مَا تَقول فِي قَالَ ظَالِم جَائِر جَبَّار قَالَ مَا تَقول فِي عبد الْملك قَالَ جَبَّار عَاتٍ قَالَ فَمَا تَقول فِي مُعَاوِيَة قَالَ ظَالِم قَالَ الْوَلِيد لِابْنِ الريان اضْرِب عُنُقه فَضرب عُنُقه ثمَّ قَالَ فَدخل منزله وَخرج النَّاس من عِنْده فَقَالَ يَا غُلَام ارْدُدْ عَليّ عمر فَرده عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا حَفْص مَا تَقول بِهَذَا أصبْنَا فِيهِ أم أَخْطَأنَا فَقَالَ عمر مَا أصبت بقتْله ولغير ذَلِك كَانَ ارشد وأصوب كنت تسجنه حَتَّى يُرَاجع الله عزوجل أَو تُدْرِكهُ منيته

стр. 99

فَقَالَ الْوَلِيد شَتَمَنِي وَشتم عبد الْملك وَهُوَ حروري أفتستحل ذَلِك قَالَ لعمري مَا استحله لَو كنت سجنته إِن بدا لَك أَو تَعْفُو عَنهُ فَقَامَ الْوَلِيد مغضبا فَقَالَ ابْن الريان لعمر يغْفر الله لَك يَا أَبَا حَفْص لقد راددت أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيأمرني بِضَرْب عُنُقك فَقَالَ عمر وَلَو أَمرك كنت تفعل وَقَالَ إِي لعمري قَالَ عمر إذهب إِلَيْك وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لرجل يَا فلَان قَرَأت البارحة سُورَة فِيهَا زِيَادَة ﴿أَلْهَاكُم التكاثر حَتَّى زرتم الْمَقَابِر﴾ فكم عَسى الزائر يلبث عِنْد المزور حَتَّى ينكفئ إماإلى جنَّة وَإِمَّا إِلَى نَار أرق عمر من الطَّعَام قَالَ وَدخل زيان بن عبد الْعَزِيز على عمر بن عبد الْعَزِيز فَتحدث مَعَه سَاعَة فَقَالَ لقد طَالَتْ اللَّيْلَة عَليّ وَقل نومي فِيهَا فاتهمت عشَاء تعشيت بِهِ فَقَالَ وَمَا هُوَ قَالَ عدس وبصل فَقَالَ لَهُ زيان لقد وسع الله عَلَيْك وَلَكِن تضيق على نَفسك وَأكْثر زيان لائمته فَقَالَ يَا زيان أَخْبَرتك خبري وأطلعتك على سري فوجدتك غاشا غير نَاصح أم وَالله لَا أَعُود لمثلهَا أبدا مَا بقيت اعلانه الجوائز لمن يدله على الْخَيْر وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أهل المواسم أما بعد فأيما رجل قدم علينا فِي رد مظْلمَة أوأمر يصلح الله بِهِ خَاصّا أَو عَاما من أمرالدين فَلهُ مَا بَين مائَة دِينَار الى ثَلَاثمِائَة دِينَار بِقدر مَا يرى من الْحِسْبَة وَبعد الشقة رحم الله امْرَءًا لم يتكاءده بعد سفر لَعَلَّ الله يحيي بِهِ حَقًا أَو يُمِيت بِهِ بَاطِلا أَو يفتح بِهِ من

стр. 100

وَرَائه خيرا وَلَوْلَا أَنِّي أطيل عَلَيْكُم وَأَطْنَبَ فيشغلكم ذَلِك عَن مَنَاسِككُم لسمت أمورا من الْحق أظهرها الله وامورا من الْبَاطِل أماتها الله وَكَانَ الله هُوَ المتوحد لكم فِي ذَلِك لَا تَجِدُونَ غَيره فَإِنَّهُ لَو وكلني إِلَى نَفسِي لَكُنْت كغيري وَالسَّلَام عمر بن عبد الْعَزِيز والأنصاري وأتى عمر بن عبد الْعَزِيز رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ احفظ فِي بلَاء أبي قَالَ وَمَا كَانَ بلاؤه قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن ابي كَانَ أعمى من الْأَنْصَار وان امْرَأَة من الْمُشْركين كَانَت تؤذي النَّبِي ﷺ فَقَالَ أبي أما لهَذِهِ الْمَرْأَة أحد يكفيها النَّبِي ﷺ أقعدوني على طريقها فَإِذا مرت فآذنوني فأقعدوه على طريقها فَلَمَّا مرت آذنوه بهَا فَوَثَبَ عَلَيْهَا فضربها حَتَّى قَتلهَا فَقَالَ عمر (تِلْكَ المثالب لَا قعبان من لبن ... شيبا بِمَاء فعادا بعد أبوالا) هَكَذَا أنشدنا أَيُّوب بن سُوَيْد فِيمَا حفظت عَنهُ عَن عبد الله بن شَوْذَب قَالَ مُحَمَّد وأنشدني أبي عبد الله بن عبد الحكم هَذَا الْبَيْت تِلْكَ المكارم بِشَارَة الْحجَّاج بخلافة عمر قَالَ أَبُو عبد الله وَبَلغنِي عَن مَالك بن أنس أَنه قَالَ نعس الْحجَّاج وَعِنْده عَنْبَسَة بن سعيد بن الْعَاصِ قَالَ وَقد ذكر الْحجَّاج عمر بن عبد الْعَزِيز فنلت مِنْهُ لأرضيه فَقَالَ لي مَه إِنَّا نقُول إِنَّه سيلي هَذَا الْأَمر ويعدل فِيهِ ونعس فَخرجت وَخرج من عِنْده فانتبه الْحجَّاج فَلم ير أحدا فَقَالَ عجلوا عَليّ بِعَنْبَسَةَ فَقَالَ أَي شَيْء قلت لَك قَالَ لَا شَيْء أصلحك الله فَقَالَ بلَى وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن سمعته من أحد لَأَضرِبَن عُنُقك

стр. 101

كلمة عَن رَجَاء بن حَيْوَة وبشارته عمر بن عبد الْعَزِيز بالخلافة حِين بَعثه سُلَيْمَان بن عبد الْملك إِلَيْهِ ليعلمه بِحَالهِ وَقَالَ سعيد بن صَفْوَان كَانَ بَين عبد الْملك بن أَرْطَأَة ورجآء ين حَيْوَة الْكِنْدِيّ وَبَين عمر بن عبد الْعَزِيز صداقة وصحبة فِي نسكهم وعبادتهم وَكَانَ رَجَاء بن حَيْوَة من أهل الْأُرْدُن وَكَانَ من أعبد أهل زَمَانه وَكَانَ مرضيا حكيما ذَا أَنَاة ووقار وَكَانَت الْخُلَفَاء تعرفه بفضله فيتخذونه وزيرا ومستشارا وقيما على عمالهم وَأَوْلَادهمْ وَكَانَت لَهُ من الْخَاصَّة والمنزلة عِنْد سُلَيْمَان بن عبد الْملك مَا لَيْسَ لأحد يَثِق بِهِ ويستريح إِلَيْهِ قَالَ وَولى سُلَيْمَان عمر على الْمَدِينَة وَكَانَت لعمر بن عبد الْعَزِيز عِنْد سُلَيْمَان منزلَة وناحية وخاصة دون بني مَرْوَان فَأَرَادَ سُلَيْمَان أَن يعلم علم عمر وحاله الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَبعث إِلَيْهِ رَجَاء بن حَيْوَة ليَأْتِي بِخَبَرِهِ وطريقته وحاله فِي سيرته وطعمته للَّذي كَانَ يحدث بِهِ بِنَفسِهِ فَقدم رَجَاء بن حَيْوَة على عمر بن عبد الْعَزِيز فَلم يأل عَن إلطافه وإكرامه وتقريبه وَأقَام عِنْده أَيَّامًا فَكَانَ كلما أصبح دخل على عمر بعد صَلَاة الصُّبْح فيتحدثان لَا يدْخل عَلَيْهِمَا أحد حَتَّى يخرج رَجَاء من عِنْده قَالَ فَبَيْنَمَا رَجَاء ذَات يَوْم عِنْده وَقد رَأْي رُؤْيا فَأصْبح وَقد حفظهَا قَالَ فَجعل يحدث نَفسه وَعمر يحدثه فَأنكرهُ عمر فَقَالَ يَا ابا الْمِقْدَام إِنِّي لأنكر بعض حالك الْيَوْم فَمَا شَأْنك قَالَ إِن الَّذِي ترى وإنكارك إيَّايَ لرؤيا رَأَيْتهَا اللَّيْلَة فَأَنا أعجب وأحدث بهَا نَفسِي فَقَالَ عمر اقصصها رَحِمك الله فَقَالَ نعم وَإِن لَك فِيهَا نَصِيبا رَأَيْت اللَّيْلَة كَأَن أَبْوَاب السَّمَاء فتحت فَبينا أَنا أرمقها إِذْ أقبل ملكان يهويان مَعَهُمَا سَرِير لم أر مثله حسنا حَتَّى وضعاه بِالْمَدِينَةِ ثمَّ صعدا وَأَنا أنظر إِلَيْهِمَا حَتَّى دخلا أَبْوَاب السَّمَاء فلبثا مَلِيًّا ثمَّ أَقبلَا ومعهما ثِيَاب بيض لم أر مثلهَا وشممت عبق مسك لم أَشمّ مثله قطّ فمهداها على ذَلِك السرير فدنوت مِنْهُمَا فَقلت مَا هَذِه الثِّيَاب قَالَا هَذَا السندس والإستبرق الَّذِي ذكر فِي الْقُرْآن

стр. 102

ثمَّ صعدا فلبثا مَلِيًّا ثمَّ أَقبلَا مَعَهُمَا بِرَجُل أدعج الْعَينَيْنِ ذِي وفرة شَدِيد سَواد الشّعْر بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ مَرْبُوع الْجِسْم عَلَيْهِ هَيْبَة ووقار حَتَّى أقعداه على ذَلِك السرير من فَوق تِلْكَ الْفرش فدنوت مِنْهَا فَقلت من هَذَا الرجل فَقَالَا هَذَا مُحَمَّد ﷺ قَالَ فهبته هَيْبَة شَدِيدَة وتأخرت ناكصا على عَقبي حَتَّى كنت مِنْهُ بمَكَان منظر ومسمع فَبينا أَنا كَذَلِك إِذْ أُتِي بِرَجُل قد نهزه القتير ضرب الْجِسْم حسن اللَّحْم مشدودة يَدَاهُ على عُنُقه حَتَّى وقف بَين يَدَيْهِ فَأقبل رَسُول الله ﷺ يثني عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ من فعاله فِي الْإِسْلَام وَيَقُول أَنْت صَاحِبي فِي الْغَار وَأَنت أَبُو بكر الصّديق وَالْأَمر هَهُنَا إِلَى غَيْرِي وَلست أملك لَك من الله شَيْئا فَلم يزل قَائِما بَين يَدَيْهِ ثمَّ أَمر بِهِ فَأطلق عَنهُ وأجلس عِنْد رَأس السرير على الأَرْض ثمَّ أُتِي بِرَجُل حسن اللَّحْم نهزه القتير مَجْمُوعَة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه حَتَّى وقف بَين يَدَيْهِ فَأقبل رَسُول الله ﷺ يثني عَلَيْهِ بفعاله فِي الْإِسْلَام وَيَقُول أما إِنَّك الْفَارُوق الَّذِي أعز الله عزوجل بِهِ الدّين وَأَنت صَاحب الْيَهُودِيّ وَالْأَمر هَهُنَا الى غَيْرِي وَلست أملك لَك من الله شَيْئا فَلم يزل قَائِما بَين يَدَيْهِ مَلِيًّا ثمَّ أطلق عَنهُ وأجلس مَعَ أبي بكر فَمَا زَالَ كَذَلِك يُؤْتى بخليفة خَليفَة حَتَّى أفْضى الْأَمر إِلَيْك فَلَمَّا سمع عمر ذَلِك مِنْهُ ارتاع فَاسْتَوَى جَالِسا ثمَّ قَالَ يَا أَبَا الْمِقْدَام فَمَاذَا صنع بِي قَالَ أُتِي بك مَجْمُوعَة يداك الى عُنُقك ثمَّ وقفت بَين يَدَيْهِ طَويلا ثمَّ أَمر بك فَأطلق الغل ثمَّ أجلست مَعَ أبي بكر وَعمر بن الْخطاب فَاشْتَدَّ عجب عمر بن عبد الْعَزِيز لرؤيا رَجَاء بن حَيْوَة ثمَّ قَالَ يَا أَبَا الْمِقْدَام وَالله لَوْلَا مَا أَثِق بِهِ من صحبتك وورعك وَجدك واجتهادك ووفائك وصدقك لأنبأتك أَنِّي لَا أَلِي شَيْئا من أَمر الْخلَافَة أبدا وَلَكِنِّي قد سَمِعت كلامك ورؤياك وَمَا أخلق بِي سَوف أبتلى بِأَمْر هَذِه الْأمة فوَاللَّه لَئِن ابْتليت بذلك وَإِنَّهَا شرف الدُّنْيَا لأطلبن بهَا شرف الْآخِرَة

стр. 103

موعظة الْقرظِيّ لعمر وَهُوَ وَال على الْمَدِينَة ورد عمر عَلَيْهِ وندمه على ذَلِك حِين اسْتخْلف واعتذاره اليه وَمر عمر بن عبد الْعَزِيز ذَات يَوْم بِالْمَدِينَةِ فِي ولَايَته وَهُوَ يسحب ثَوْبه فناداه مُحَمَّد بن كَعْب يَا عمر إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا جَاوز الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّار فَالْتَفت إِلَيْهِ مغضبا فَقَالَ اتَّقِ الله يَا ابْن كَعْب لَا تكن ذبالة تضيء للنَّاس وَتحرق نَفسهَا فَلَمَّا ولي عمر الْخلَافَة سَأَلَ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ فَأخْبر أَنه غاز فَكتب الى عَامله على الدروب يَأْمُرهُ أَن يجهزه ويسرحه إِن خرج إِلَيْهِ من غَزوه إِلَّا أَن يكره ذَلِك فيعفيه فَلَمَّا خرج مُحَمَّد إِلَى الْعَامِل سَأَلَهُ أَن يسير إِلَى عمر أقرأه الْكتاب قَالَ أما الجهاز فَلَا حَاجَة لي بِهِ أَنا أقوى وَقد كنت أردْت الْمسير إِلَيْهِ لولم يَأْتِ كِتَابه فِي أَمْرِي فَتوجه إِلَى عمر فَلَمَّا دخل رَآهُ على هَيْئَة غير الْهَيْئَة الَّتِي كَانَ عَهده عَلَيْهَا فَقَالَ يَا مُحَمَّد اسْتغْفر لي من سوء مردودي عَلَيْك حِين وعظتني بِالْمَدِينَةِ وَبكى حَتَّى اخضلت لحيته فَقَالَ مُحَمَّد غفر الله لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأقالك عثرتك وَجعل يكثر اللحظ إِلَى عمر يقلب فِيهِ بَصَره فَقَالَ عمر يَا مُحَمَّد فيمَ تنظر إِلَيّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أنظر وأتعجب فَأَقُول أَيْن ذَاك اللَّوْن النَّضِير والشعرة الْحَسَنَة وَالْبدن الريان فَقَالَ عمر فَكيف لَو رَأَيْتنِي بعد ثَلَاث من دفني وَقد سَقَطت حدقتاي على خدي وسال منخراي وفمي صديدا ودودا كنت أَشد نكرَة لي مِنْك الْيَوْم تخييره جواريه حِين اسْتخْلف بَين الْعتْق والامساك على غير شَيْء وَقَالَ سهل بن صَدَقَة مولى عمر بن عبد الْعَزِيز إِنَّه لما أفضت الْخلَافَة الى عمر سمعُوا فِي منزله بكاء عَالِيا فَسئلَ عَن ذَلِك الْبكاء فَقيل إِن عمر خير جواريه فَقَالَ إِنَّه قد نزل بِي أَمر شغلني عنكن فَمن اخْتَارَتْ مِنْكُن الْعتْق اعتقتها وَمن أَمْسَكتهَا لم يكن لَهَا مني شَيْء فبكين بكاء شَدِيدا يأسا مِنْهُ

стр. 104

سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَالرجل الَّذِي بشره وَقَالَ وَدخل رجل على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَكَانَ قد خَبره بِأَن الْخلَافَة تَأتيه إِلَى أَيَّام فَجَاءَت على نَحْو مِمَّا ذكره لَهُ فَقَالَ سُلَيْمَان من الْخَلِيفَة بعدِي فَقَالَ مَا أَدْرِي فَقَالَ وَيحك أَيُّوب ابْني قَالَ مَا أجد أَيُّوب فِي شَيْء من الْخُلَفَاء وَلَكِن أجدك تسْتَخْلف من بعْدك رجلا يكفر عَنْك كثيرا من ذنوبك عناية عمر بِأَهْل قسطنطينية وفداؤه إيَّاهُم وَقَالَ مَالك بن أنس قدم ابْن زُرَارَة على عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ جئْتُك من قوم أحْوج النَّاس إِلَى مَعْرُوفك وصلتك قَالَ كلا يَا ابْن زُرَارَة إِلَّا مَا كَانَ من أهل قسطنطينية وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن نشيط لقد جَاءَنِي الْعقل حِين جَاءَنَا من عِنْد عمر بن عبد الْعَزِيز حِين مَاتَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَإِنِّي لأطلب الْمَدّ الْوَاحِد من الطَّعَام بسبعين دِينَارا شعر عبد الرَّحْمَن بن الحكم وَهِشَام بن عبد الْملك قَالَ وَلما بَايع النَّاس عمر بن عبد الْعَزِيز بعد مهلك سُلَيْمَان بلغ ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن أبي الْعَاصِ فَكتب إِلَى هِشَام بن عبد الْملك يوبخه فَقَالَ (أبلغ هِشَام وَالَّذين تجمعُوا ... بدابق عني لَا وقيتم ردى الدَّهْر) (وَأَنْتُم أَخَذْتُم حتفكم بأكفكم ... كباحثة عَن مدية وَهِي لَا تَدْرِي) (عَشِيَّة بايعتم إِمَامًا مُخَالفا ... لَهُ شجن بَين الْمَدِينَة وَالْحجر) فَأَجَابَهُ بعض ولد مَرْوَان عَن هِشَام ابْن عبد الْملك فَقَالَ (أبلغ أَبَا مَرْوَان عني رِسَالَة ... فَمَاذَا ذممت من وفائي وَمن صبري) (وَلَو كَانَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الْهدى ... لما كنت فِيهِ ذَا عناء وَلَا ذكر) (وَكنت من الريش الذنابي وَلم تكن ... من الزمرة الأولى وَلَا منبت الصَّبْر) (وَنحن كَفَيْنَاك الْأُمُور كَمَا كفى ... أَبونَا أَبَاك الْأَمر فِي سالف الدَّهْر) حَال عمر قبل الْخلَافَة وحاله حِين اسْتخْلف وَكتابه الى الْحسن الْبَصْرِيّ ومطرف وَقَالَ سَالم الْأَفْطَس كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز من ألبس النَّاس وأعطر النَّاس فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ بإمارة الْمُؤمنِينَ وَعلم اسْتِقْرَار أمره أَدخل رَأسه

стр. 105

(وَأَنْتُم أَخَذْتُم حتفكم بأكفكم ... كباحثة عَن مدية وَهِي لَا تَدْرِي) (عَشِيَّة بايعتم إِمَامًا مُخَالفا ... لَهُ شجن بَين الْمَدِينَة وَالْحجر) فَأَجَابَهُ بعض ولد مَرْوَان عَن هِشَام ابْن عبد الْملك فَقَالَ (أبلغ أَبَا مَرْوَان عني رِسَالَة ... فَمَاذَا ذممت من وفائي وَمن صبري) (وَلَو كَانَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ الْهدى ... لما كنت فِيهِ ذَا عناء وَلَا ذكر) (وَكنت من الريش الذنابي وَلم تكن ... من الزمرة الأولى وَلَا منبت الصَّبْر) (وَنحن كَفَيْنَاك الْأُمُور كَمَا كفى ... أَبونَا أَبَاك الْأَمر فِي سالف الدَّهْر) حَال عمر قبل الْخلَافَة وحاله حِين اسْتخْلف وَكتابه الى الْحسن الْبَصْرِيّ ومطرف وَقَالَ سَالم الْأَفْطَس كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز من ألبس النَّاس وأعطر النَّاس فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ بإمارة الْمُؤمنِينَ وَعلم اسْتِقْرَار أمره أَدخل رَأسه

стр. 106

بَين رُكْبَتَيْهِ وَبكى بكاء شَدِيدا فَقَالَ النَّاس يبكي فَرحا بالخلافة ثمَّ رفع رَأسه وَمسح عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ ارزقني عقلا يَنْفَعنِي وَاجعَل مَا أصير إِلَيْهِ أهم مِمَّا يَزُول عني ثمَّ دخل منزله فَألْقى تِلْكَ الثِّيَاب عَنهُ وَغسل ذَلِك الطّيب ودعا الْحجام فَأخذ من شعره ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب بِيَدِهِ من عبد الله عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ ومطرف بن عبد الله بن الشخير سَلام عَلَيْكُمَا فَإِنِّي أَحْمد اليكما الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله أما بعد فَإِنِّي أوصيكما بتقوى الله فَإِن من يَقُولهَا كثير وَمن يعْمل بهَا قَلِيل فَإِذا أتاكما كتابي فعظاني وَلَا تزكياني وَالسَّلَام جَوَاب الْحسن الْبَصْرِيّ فَكتب إِلَيْهِ الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِن الدُّنْيَا دَار مخوفة هَبَط إِلَيْهَا آدم ﵇ عُقُوبَة تهين من أكرمها وتكرم من أهانها وتفقر من جمع لَهَا لَهَا فِي كل يَوْم قَتِيل فَكُن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كالمداوي لجرحه واصبر على شدَّة الدَّوَاء لما تخَاف من طول الْبلَاء جَوَاب مطرف وَكتب إِلَيْهِ مطرف بن عبد الله بن الشخير لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ من مطرف بن عبد الله سَلام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَلْيَكُن استئناسك بِاللَّه وانقطاعك إِلَيْهِ فَإِن قوما أنسوا بِاللَّه وانقطعوا إِلَيْهِ فَكَانُوا بِاللَّه فِي وحدتهم أَشد استئناسا مِنْهُم بِالنَّاسِ فِي كَثْرَة عَددهمْ أماتوا من الدُّنْيَا مَا خَافُوا أَن يُمِيت قُلُوبهم وَتركُوا مِنْهَا مَا علمُوا أَن سيتركهم فَأَصْبحُوا لما سَالم النَّاس مِنْهَا أَعدَاء جعلنَا الله وَإِيَّاك مِنْهُم فَإِنَّهُم قد أَصْبحُوا بهَا قَلِيلا وَالسَّلَام

стр. 107

تَقْدِير نَفَقَة عمر فِي خِلَافَته وَوَضعه أَمْوَاله فِي سَبِيل الله وَقَالَ الحكم بن عمر الْحِمصِي أول شَيْء بَدَأَ بِهِ عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه لم يتْرك ظلامة مزرعة وَلَا طلبة لأحد قبله إلآ ردهَا إِلَيْهِ وَبَاعَ مَا كَانَ لَهُ من الْمزَارِع من عبد أَو أمة أَو بَهِيمَة أَو آلَة وَبَاعَ مَا لَهُ من مَتَاع أَو مركب أَو لِبَاس أَو عطر وَأَشْيَاء سَمَّاهَا الحكم هِيَ فِي حَدِيثه فَبلغ ثَلَاثَة وَعشْرين ألف دِينَار ثمَّ جعلهَا فِي سَبِيل الله وَقَالَ غير الحكم بلغ ثَلَاثَة وَأَرْبَعين ألف دِينَار فَجَعلهَا فِي سَبِيل الله وابتاع جَارِيَة تخبز لَهُ وتطحن وتغسل ثِيَابه بِمِائَة ووصيفا فِي حَاجته ورسالته وَكَانَ يزن لَهُ فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ لَحْمه وخبزه وبقله إِن غلا السّعر اَوْ رخص أمره أحد بنيه بإصلاح قَمِيصه وَقَالَ عبد الله بن عمر الْجَزرِي ازْدحم النَّاس على عمر بن عبد الْعَزِيز يبايعونه حِين دفن سُلَيْمَان فتخرق جيب قَمِيص ابْنه فَقَالَ يَا بني أصلح جيب قَمِيصك فَإنَّك لم تكن قطّ أحْوج إِلَى ذَلِك مِنْك الْيَوْم اعطاؤه نَفَقَة السّفر وَثمن الْأكل للرجل الَّذِي تظلم إِلَيْهِ بعد أَن رد عَلَيْهِ أرضه وَقَالَ ابْن عَيَّاش خرج عمر ذَات يَوْم من منزله على بغلة لَهُ شهباء وَعَلِيهِ قَمِيص لَهُ وملاءة ممشقة إِذْ جَاءَ رجل على رَاحِلَة لَهُ فأناخها فَسَأَلَ عَن عمر فَقيل لَهُ قد خرج علينا وَهُوَ رَاجع الْآن قَالَ فَأقبل عمر وَمَعَهُ رجل يسايره فَقيل للرجل هَذَا عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَامَ إِلَيْهِ فَشكى إِلَيْهِ

стр. 108

عدي بن أَرْطَأَة فِي أَرض لَهُ فَقَالَ عمر أما وَالله مَا غرنا مِنْهُ إِلَّا بعمامته السَّوْدَاء أما إِنِّي قد كتبت إِلَيْهِ فضل عَن وصيتي إِنَّه من أَتَاك بِبَيِّنَة على حق هُوَ لَهُ فسلمه إِلَيْهِ ثمَّ قد عناك إِلَيّ فَأمر عمر برد أرضه إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ كم أنفقت فِي مجيئك إِلَيّ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تَسْأَلنِي عَن نفقتي وَأَنت قد رددت عَليّ أرضي وَهِي خير من مائَة ألف فَقَالَ عمر إِنَّمَا رددت عَلَيْك حَقك فَأَخْبرنِي كم أنفقت قَالَ مَا أَدْرِي قَالَ احزره قَالَ سِتِّينَ درهما فَأمر لَهُ بهَا من بَيت المَال فَلَمَّا ولي صَاح بِهِ عمر فَرجع فَقَالَ لَهُ خُذ هَذِه خَمْسَة دَرَاهِم من مَالِي فَكل بهَا لَحْمًا حَتَّى ترجع إِلَى أهلك إِن شَاءَ الله حرصه على الْعَمَل بِالْكِتَابَةِ وَالسّنة وَلَو أضرّ بِهِ وَقَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد الْخَولَانِيّ إِن عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَ يَقُول يَا لَيْتَني قد عملت فِيكُم بِكِتَاب الله وعملتم بِهِ فَكلما عملت فِيكُم بِسنة وَقع مني عُضْو حَتَّى يكون أخر شَيْء مِنْهَا خُرُوج نَفسِي نفور بني أُميَّة من عدل عمر واجتماعهم إِلَيْهِ وَلما أقبل عمر على رد الْمَظَالِم وَقطع عَن بني أُميَّة جوائزهم وأرزاق أحراسهم ورد ضياعهم إِلَى الْخراج وأبطل قطائعهم فأفقرهم ضجوا من ذَلِك فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا إِنَّك قد أجلبت بَيت مَال الْمُسلمين وأفقرت بلَى أَبِيك فِيمَا ترد من هَذِه الْمَظَالِم وَهَذَا أَمر قد وليه غَيْرك قبلك فَدَعْهُمْ وَمَا كَانَ مِنْهُم واشتغل أَنْت وشأنك واعمل بِمَا رَأَيْت قَالَ لَهُم هَذَا رَأْيكُمْ قَالُوا نعم قَالَ وَلَكِنِّي لَا أرى ذَلِك وَالله لَوَدِدْت أَن لَا تبقى فِي الأَرْض

стр. 109

مظْلمَة إِلَّا رَددتهَا على شَرط أَن لَا أرد مظْلمَة إِلَّا سقط لَهَا عُضْو من أعضائي أجد ألمه ثمَّ يعود كَمَا كَانَ حَيا فَإِذا لم يبْق مظْلمَة إِلَّا رَددتهَا سَالَتْ نَفسِي عِنْدهَا قَالَ فَخَرجُوا من عِنْده فَدَخَلُوا على بعض ولد الْوَلِيد وَكَانَ كَبِيرهمْ وشيخهم فَسَأَلُوهُ أَن يكْتب إِلَى عمر يوبخه لَعَلَّه أَن يردهُ عَن مساءتهم فَكتب إِلَيْهِ كتاب عمر بن الْوَلِيد إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإنَّك أزريت بِمن كَانَ قبلك من الْخُلَفَاء وسرت بِغَيْر سيرتهم وسميتها الْمَظَالِم نقصا لَهُم وعيبا لأعمالهم وشاتما لمن كَانَ بعدهمْ من أَوْلَادهم وَلم يكن ذَلِك لَك فَقطعت مَا أَمر الله بِهِ أَن يُوصل وعملت بِغَيْر الْحق فِي قرابتك وعمدت إِلَى أَمْوَال قُرَيْش ومواريثهم وحقوقهم فأدخلتها بَيت مَالك ظلما وجورا وعدوانا فَاتق الله يَا ابْن عبد الْعَزِيز وراقبه فَإنَّك قد أوشكت لم تطمئِن على منبرك أَن خصصت ذَوي قرابتك بالقطيعة وَالظُّلم فوَاللَّه الَّذِي خص مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا خصّه بِهِ من الكرامه لقد ازددت من الله بعدا فِي ولايتك هَذِه الَّتِي تزْعم أَنَّهَا بلَاء عَلَيْك وَهِي كَذَلِك فاقتصد فِي بعض ميلك وتحاملك اللَّهُمَّ فاسأل سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَمَّا صنع بِأمة مُحَمَّد ﷺ حِين استخلفك عَلَيْهِم

стр. 110

جَوَاب عمر بن عبد الْعَزِيز لعمر بن الْوَلِيد قَالَ فَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَيْهِ من عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فلَان ابْن الْوَلِيد سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَحْمد اليك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِن أول أَمرك يَا فلَان أَن أمك بنانة أمه السكونِي كَانَت تدخل دور حمص وَتَطوف حوانيتها وَالله أعلم بهَا فاشتراها دِينَار بن دِينَار من فَيْء الْمُسلمين فأهداها الى أَبِيك فَحملت بك فبئس الْمَحْمُول وَبئسَ الْجَنِين ثمَّ نشأت فَكنت جبارا شقيا كتبت إِلَيّ تظلمني وَزَعَمت أَن حرمتك وَأهل بَيْتك فِي مَال الْمُسلمين الَّذِي فِيهِ حق الْقَرَابَة والضعيف والمسكين وَابْن السَّبِيل وَإِنَّمَا أَنْت كَأحد مِنْهُم لَك مَا لَهُم وَعَلَيْك مَا عَلَيْهِم وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله الَّذِي استعملك صَبيا سَفِيها تحكم فِي دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ بِرَأْيِك لم يحضرهُ نِيَّة وَلم يكن يحملهُ عَلَيْهِ إِلَّا حب الْوَلَد وَلم يكن ذَلِك لَهُ وَلَا حق لَهُ فِيهِ فويلك وويل أَبِيك مَا أَكثر طلابكما وخصماءكما كَمَا يَوْم الْقِيَامَة وَكَيف النجَاة لمن كثر خصماؤه وَإِن أظلم مني وأترك لعهد الله من جعل لفلانة البربرية سَهْما فِي فَيْء الْمُسلمين وصدقاتهم أهاجرت ثكلتك أمك
следующие страницы →